← Тараджим

Тараджим · id 50

فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - سيرتها، فضائلها، مسندها - رضي الله عنها -

إبراهيم بن عبد الله المديهش

Полный текст (3 488 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (١)، عن أنس بن مالك ﵁: أن فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ قالت لأبي بكر فيما قاولته فيه: «قد علمتَ الذي ظلفنا عنه أهل البيت من الصدقات، ومالنا فيما أفاء اللَّهُ علينا من الغنائم، وما في القرآن مِن ذكر حق ذي القربى قول اللَّه : ... ﴿ ... وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ الآية ... (سورة الأنفال، آية ٤١) فقرأَتْهَا عليه. وقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ... (سورة الحشر، آية ٧) فقال لها أبو بكر: فبأبي أنتِ، وبأَبِي والِدِ ولدِكِ، وعَلى السمع والبصر كتاب اللَّه ، وحقُّ رسولِه ﷺ ، وحقُّ قرابته أنا أقرأ من الكتاب مثل ما تقرئين، ولم يبلغ عِلْمي فيه أنَّ لذي قُربى رسولِ اللَّه ﷺ هذا السهم كلَّه يجري بجماعته عليهم. قالت فاطمة ﵍: «فلَكَ هُوَ ولِقَرابتكَ»؟ ! فقال أبو بكر: لا، وأنت عندي مصدَّقَةٌ أمِينةٌ، فإن كان رسول اللَّه

стр. 1997

- ﷺ عهِدَ إليكِ في ذلك عَهْداً، أو وَعَدَكِ منه وَعْدَاً أوجبه لكم صدقتك وسلمتُه إليك. قالت فاطمة ﵍: «لم يكُنْ من رسولِ اللَّه ﷺ في ذلك إليَّ شيءٌ إلا ما أنزل اللَّه ﵎ فيه مِن القرآن، غيرَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال حينَ أنزلَ اللَّه ذلك عليه: «أبشروا آل محمد، فقد جاءَكُمُ اللَّه بالغِنى». قال أبو بكر: صدَقَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وصدَقْتِ، فلَكُم الغِنَى، ولم يبلُغْ عِلْمِي بتأويل هذه الآية أنْ أُسلِمَ هذا السهم إليكم كامِلاً، فلكم الغنى الذي يَسعُكم ويفضُلُ عنكم، وهذا عُمَرُ بنُ الخطاب وأبو عبيدة بنُ الجراح وغيرُهما، فاسألي عن ذلك، فانظري هل يوافقك على قولك أحدٌ منهم؟ فانصَرفَتْ إلى عمر، فذكَرَتْ له مثلَ الذي ذكرَتْ لأبي بكر بقَصَصِهِ وحُدُودِهِ، فقال لها عمر ﵁ مثل الذي راجعها أبو بكر». وأخرجه ابن شبَّة في «تاريخ المدينة» (١/ ٢٠٩) من طريق الوليد بن مسلم، عن صدقة، عن محمد بن عبداللَّه ابن أبي عتيق، عن يزيد الرقاشي (١)، عن أنس ﵂.

стр. 1998

فأضاف بين محمد وأنس: يزيد الرقاشي. ــ لفظ ابن شبه بنحوه وفي آخره: (فعجبت فاطمة وظنَّتْ أنهما قد تذاكرا ذلك، واجتمعا عليه). وأورده من كتابِ حماد بنِ إسحاق: ابنُ ناصر الدين في «جامع الآثار» (٧/ ٣٦٢) وعلَّق عليه بقوله: (ورواه الوليد بن مسلم وعمر بن عبدالواحد، عن صدقة أبي معاوية، وزاد آفة بين محمد بن أبي عتيق وأنس: يزيد الرقاشي، وهو الأشبه). وأورده الذهبي في «تاريخ الإسلام» (٢/ ١٧) عن الوليد بن مسلم، وعمر بن عبدالواحد، عن صدقة، به. وفيه زيادة: يزيد الرقاشي، والزيادة الأخيرة التي عند ابن شبة. ومع ضعف الحديث، علَّق حماد بنُ إسحاق (ت ٢٦٧ هـ) ﵀ ... ـ بعد روايته له ـ بقوله: (فقد بيَّنَتْ هذه الرواية جلالة قدر فاطمة ﵍ عند أبي بكر، ولعلَّه لا يكون أحدٌ من العالمين أشدَّ حُبَّاً لها من أبي بكر ﵉، كما كان أشدَّ الناسِ حُبَّاً لأبيها ﷺ ، وتصديقُه إياها في كُلِّ ما تحكيه أو ترويه عن رسول اللَّه ﷺ ؛ لا يَشُكُّ في أنها تقول الصِّدْقَ والحَقَّ، وأنه يَعمَلُ بروايتها عن رسول اللَّه ﷺ ، ويقبل قولها وينتهي إليه، ليس كما ذكر هؤلاء أنها قالت لأبي بكر: إنَّ رسُولَ ﷺ أقطعها فدَك،

стр. 1999

وشهد لها بذلك عليٌّ، فلم يقبل أبو بكر قولها لأنها مدعية لنفسها، ... ولم يقبل شهادة علي لأنه زوج، بل قد قال لها فيما ادَّعَت: أنتِ عندي مُصدَّقَةٌ أمِينَةٌ ... ). (١) أما ما روي من الأحاديث، بأن أبا بكر أعطاها جزءاً من الميراث؛ فمنكر جداً، من ذلك: ما رواه عمر بن صالح الأزدي (٢)، قال: حدثنا أبو جمرة نصر بن عمران (٣)، عن ابن عباس، قال: كتبَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى حيٍّ من العرب يدعوهم إلى الإسلام فلم يقبلوا الكتاب، ورجعوا إلى النبي ﷺ وأخبروه, فقال: «أما إني لو بعثت به إلى قوم بِشَطِّ عُمَان من أزْدِ شَنُوْءَة، وأسلَمَ؛ لقبلوه». ثم بعث رسول اللَّه ﷺ إلى الجلندى يدعوه إلى الإسلام فقَبِلَه، وأسَلَمَ، وبعثَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ بهدية، فقدمت وقد قُبض رسولُ اللَّه ﷺ ، فجعل أبو بكر الهديةَ مورثاً، فقسمَهَا بين

стр. 2000

فاطمة، وبين العباس». لفظ الطبراني. (١) قال أبو محمد ابن قتيبة الدينَوَري (ت ٢٧٦ هـ) ﵀: (وأما منازعة فاطمة، أبا بكر ﵄ في ميراث النبي ﷺ فليس بمنكر؛ لأنها لم تعلَمْ ما قالَهُ رسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وظنَّتْ أنها ترِثُهُ كما يرثُ الأولادُ آباءَهم، فلمَّا خبَّرَها بقولِه، كفَّتْ. وكيف يسوغُ لأحدٍ أن يَظُنَّ بأبي بكر ﵁ أنه منعَ فاطمةَ حقَّها من ميراث أبيها، وهو يُعطِي الأسود وَالأحمرَ حقوقَهم؟ ! وما معناه في دفعها عنه، وهُوَ لم يأخذ لنفسه، ولا لِوَلَدِه، ولا لأحَدٍ من عشِيرَتِه؟ !

стр. 2001

وإنما أجراه مجرى الصدقة، وكان دفعُ الحقِّ إلى أهلِه أولى به. وكيفَ يركَبُ مثلَ هذا، ويستحلها من فاطمة ﵂، وهوَ يرُدُّ إلى المسلمين ما بَقي في يديه من أموالهم منذُ وَلِيَ؟ ! وإنما أخذَه على جِهَةِ الأجْرَةِ، فجعل قيامَه لهم، صدَقةً عليهم. وقال لعائشة ﵂: «انظُرِي يا بُنَيَّة، فما زادَ في مالِ أبي بكر، منذ وَلِيَ هذا الأمرَ، فرُدِّيْهِ على المسلمين، فواللَّهِ ما نِلْنَا مِن أموالهم إلا مَا أكلْنَا في بطوننا مِن جَرِيش طَعامِهِم، ولَبِسْنَا على ظهورنا من خُشُن ثيابهم». فنظرت فإذ بَكر، وجُرد قطيفة، لا تُساوِي خمسة دراهم، وحبشية. فلما جاء به الرسولُ إلى عمر ﵁، قال: «رحِمَ اللَّه أبا بكر، لقَدْ كلَّفَ مَنْ بعدَهُ تَعَبَاً». ولو كَان ما فعلَه أبو بكر مِن هذا الأمرِ ظُلماً لفاطمة ﵂، لرَدَّهُ عليٌّ ﵁ حينَ وَلِيَ عَلى ولَدِهَا). (١) قال ابن ناصر الدمشقي (ت ٨٤٢ هـ) ﵀: (قال أبو حفص عمر بن أحمد بن شاهين المروذي (ت ٣٨٥ هـ) في الجزء الذي جمعه في «ذِكْرِ ما جرى في أمر الخُمُسِ وفَدَك» قال: «فاعلَمْ ـ رحمكَ اللَّهُ ـ أنَّ فاطمةَ سيدة

стр. 2002

النساء ﵍ ما سألَتْ أبا بكر الصديق ﵁ إلا ما ظنَّتْ أنه حقٌّ واجِبٌ، مع عِلْمِها بموضِعِ أبي بكر ﵁ مِن رسولِ اللَّه ﷺ ، ومِن الإسلام، ومِن الأمان الذي ائتمنه اللَّهُ على الدِّين والإسلام، وكان عندَها أنَّ النبيَّ ﷺ يُورَث، ولم تكن سمِعَت مِن النبيِّ ﷺ في ذلك شيئاً. ولم يجئ إليها أبو بكر الصديق ﵁ إلا وهو عارفٌ بفضلها وقدرها عند اللَّه ؛ فأعطيت فاطمة ﵍ خصلةً لا يشاركها في القدر، ولا في النسب، ولا المرتبة، ولا العِزِّ، ولا الشرَفِ، من الأولين والآخرين أحد، وهو: أنَّ اللَّهَ اختار رجلين من الخلق لها: أحدهما: أباها وهو النبي ﷺ ، والآخر: زوجها وهو علي بن أبي طالب ﵁. ومات النبي ﷺ وليس على الأرض أعرف بقدرها من أبي بكر الصديق ﵁، فجاء إليها، فقال لها: .... ثم ذكر حديث مراضاتها وهو السابق برقم (٩٨). (١) قال القاضي عياض المالكي (ت ٥٤٤ هـ) ﵀: (وقد تأول قوله: إن طلب فاطمة ﵂ ميراثها من رسول اللَّه ﷺ ، يحتمل أنها تأولت الحديث إن كان بلغها فيما له بال ويختص بالأصول من الأموال، فهي

стр. 2003

التي لا تورث عن الأنبياء ـ صلوات اللَّه عليهم ـ لا ما يتركون من طعام أو دابَّة وأسباب وسلاح. واحتجوا بقوله: «ما تركت بعد نفقة نسائي»، وأن ظاهر هذا ما تأولوه، ولم يكن الأمر كذلك؛ لأن نفقة نساء النبي ﷺ أوجبها لهذا فيما ترك لا على طريق الميراث، بل يحق كونهن محبوسات عن الأزواج بسببه، أو لما لهن من الحقوق فى بيت المال؛ لقدم هجرتهن وفضلهن. والأول أظهر؛ لتخصيصه ﷺ إياهن بالذكر، وكذلك اختصاصهن بمساكنهن لحياتهن؛ بدليل أنه لم يرثها ورثتهن عنهن. وحكى الماوردي أنَّ النبي ﷺ أعطاهن ذلك، ووصَّى لهن بدورهن. ولا امتراء أنَّ الحديثَ كان مشهوراً أيام أبي بكر وعمر ﵄ إذْ كان قد قرَّرَه أبو بكر على عليٍّ والعباسِ وفاطمةَ ﵃، وذكرتْه عائشة لأزواجِ النبيِّ ﷺ حينئذ، وأيضاً في الحديث في كتاب مسلم: أنَّ فاطمة ﵂ سألته ميراثها مما أفاء اللَّهُ سبحانه على رسولِه ﷺ بالمدينة، وفدَك، وبقية خُمُسِ خَيبر. وفي تَرْكِ فاطمة منازعة أبي بكر ﵄ بعد احتجاجه عليها بالحديث: التسليم والإجماع على القضية، وأنها لما بلغها الحديث، أو بُيِّن لها التأويل؛ تركَتْ رأيها، إذْ لم يكن بعدُ ولا أحدٌ من ذُرِّيتها في ذلك طلب

стр. 2004

بالميراث، وإذْ قد وليَ عليٌّ ﵁ الأمرَ، فلَمْ يعدِل به عما فعل فيه أبو بكر وعمر ﵄؛ فدلَّ أنَّ طلبَ عليٍّ والعباسِ إنما كان تولي القيام على ذلك بأنفسهما أو قسمته بينهما كما تقدم). (١) وطلبُها ﵂ كان من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، قال ابن حجر: (هذا يؤيد ما تقدم من أنها لم تطلب من جميع ما خلَّف وإنما طلبت شيئاً مخصوصاً). (٢) قال أبو العباس القرطبي (ت ٦٥٦ هـ) ﵀: (وكانت ﵂ متمسكةً بما في كتاب اللَّه من ذلك، فلما أخبرها أبو بكر بالحديث؛ توقَّفَتْ عن ذلك، ولم تعُدْ عليه بطَلَبٍ). (٣)

стр. 2005

وقال ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) ﵀: (وقد روينا أن فاطمة ﵂ احتجَّت أولاً بالقياس، وبالعموم في الآية الكريمة، فأجابها الصديق بالنص على الخصوص بالمنع في حقِّ النبي ﷺ ، وأنها سلَّمَت له ما قال. وهذا هو المظنون بها، ﵂). (١) ومن الأدلة الكثيرة المتواترة على صحةِ حُكمِ أبي بكر فيما ذهب إليه؛ اتباعاً للسُّنَّة: أنَّ أبا بكر صدَّق عدداً من الصحابة الذين جاءوا إليه ومعهم وعودٌ من النبي ﷺ بالعطاء، فأنفذَها إليهم ﵁، أفيُعطِي ... أبو بكر عدداً من الصحابة، ويترك ابنة النبي ﷺ الوحيدة، فيمنعها عطاءَ والدها لها؟ ! هذا لا يعقل! (٢)

стр. 2006

قال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣ هـ) ﵀: (وكيف يسوغ لمسلم أن يظن بأبي بكر ﵁ منع فاطمة ميراثها من أبيها، وهو يعلم بنقل الكافة أنَّ أبا بكر كان يعطي الأحمر والأسود حقوقَهم، ولم يستأثرْ من مالِ اللَّهِ لنفسِه، ولا لبَنِيه، ولا لأحدٍ من عشيرته بشيء؛ وإنما أجراه مجرى الصدقة؟ ! أليس يستحيل في العقول أن يمنع فاطمةَ ويردَّه على سائر المسلمين، وقد أمرَ بنِيهِ أن يردوا ما زاد في مالِه منذ ولي على المسلمين، وقال إنما كان لنا من أموالهم ما أكلنا من طعامهم، ولبسنا على ظهورنا من ثيابهم؟ ! وروى أبو ضمرة أنس بن عياض، عن عبيداللَّه بن عمر، عن ... عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنَّ أبا بكر لما حضرته الوفاة، قال لعائشة: «ليس عند آل أبي بكر من هذا المال شيءٌ إلا هذه اللقمة، والغلام الصيقل كان يعمل سيوف المسلمين ويخدمنا، فإذا مِتُّ فادفعيه إلى عمر». فلما مات دفعته إلى عمر، فقال عمر ﵁: رحم اللَّه أبا بكر لقد أتعب من بعده ... ). (١) وإنَّ امتناع أبي بكر من توريث النبي ﷺ للحديث الوارد، مع استفادته من دخول ابنته عائشة في الميراث، ونيل الشرف بذلك؛ لَدَليلٌ على كمال دينِه وخوفِه من اللَّه ﵎، وتعظيمِ أوامر اللَّهِ - جل وعلا - ...

стр. 2007

وأوامرِ رسُولِهِ ﷺ ، قال ابن هُبيرة ﵀ (ت ٥٦٠ هـ): (وقول أبي بكر لهما: «سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لا نورث، ما تركناه صدقة»، فإني استدللتُ بهذا من فعل أبي بكر ﵁ على متانةِ دينِه وشدَّةِ ورَعِهِ، وأنه لو كان مسامحاً أحداً من خلقِ اللَّهِ في حقٍّ من حقوق اللَّهِ؛ لكان قد سامحَ فاطمةَ ابنَةَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، والعباسِ عمِّ رسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ ولهذا قال في آخر الحديث: «واللَّهِ لَقرَابَةُ رسُولِ اللَّهِ ﷺ أحبُّ إليَّ أنْ أصلَ مِن قرابتي». لكنه خافَ مِن اللَّهِ أن يراه، أو يراهُ العباسُ وفاطمةُ بعين مَن سامحهما في ذاتِ اللَّهِ ). (١) وقال حماد بن إسحاق الأزدي (ت ٢٦٧ هـ) ﵀: (ولو لم يقُلْ رسولُ اللَّهِ ﷺ ذلك، كان لأبي بكر وعمر فيه الحظُّ الوافر بميراث عائشة وحفصة ﵄؛ فآثروا أمرَ اللَّهِ وأمرَ رسولِه، ومنعوا عائشةَ وحفصةَ ومَن سواهما ذلك، ولو كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يُورَث؛ لكان لأبي بكر وعمر أعظم الفخر به، أن تكون ابنتاهما وارثتَي محمد ﷺ ). (٢)

стр. 2008

لِمَ غضبَتْ فاطمة بعد عِلْمِها بالحديث؟ غالب أهل العلماء على أنها صدَّقت أبا بكر في ثبوتِهِ، وخالفتْهُ في تأويله. قَالَ المهلَّب بن أحمد بن أبي صفرة (ت ٤٤٥ هـ) ﵀ (١): (لم يكن عندها قوله ﷺ : «لا نورث ما تركنا صدقة»، ولا علمته؛ ثم أنفِت أن تكون لا ترِثُ أباها كما لا يرث الناس في الجاهلية والإسلام، مع احتمال الحديث عندها أنه أراد به بعضَ المال دون بعض، وأنه لم يرد به الأصولَ والعقارَ، فانقادت وسلَّمت للحديث). (٢) قال أبو العباس القرطبي (ت ٦٥٦ هـ) ﵀: (لا يظن بفاطمة ﵂ أنها اتَّهمَت أبا بكر فيما ذكرَه عن رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لكنها عظُمَ عليها ترك العمل بالقاعدة الكلية، المقررة بالميراث، المنصوصة في القرآن، وجوَّزت السهو والغلط على أبي بكر، ثم إنها لم تلتق بأبي بكر لشغلها بمصيبتها برسول اللَّه ﷺ ، ولملازمتها بيتها). (٣)

стр. 2009

قال ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀: (كونُ النبي ﷺ ... لا يُورَثُ، ثَبَتَ بِالسُّنَّة المقطوعِ بها، وبإجماعِ الصحابةِ، وكل منهما دليل قطعي، فلا يعارض ذلك بما يظن أنه عموم، وإن كان عموماً فهو مخصوص؛ لأن ذلك لو كان دليلاً، لما كانَ إلا ظنِّيَّاً، فلا يُعارِض القطعيَّ؛ إذْ الظنيُّ لا يُعارِضُ القَطْعِيَّ. وذلك أنَّ هذا الخبرَ رواه غيرُ واحِدٍ من الصحابة في أوقاتٍ ومجالِسَ، وليسَ فيهم مَنْ يُنْكِرُهُ، بل كلُّهم تلقَّاهُ بالقبول والتصديق. ولهذا لم يُصِرَّ أحدٌ مِن أزواجِه على طلبِ الميراث، ولا أصَرَّ العَمُّ عَلى طلبِ الميراث، بلْ مَنْ طلَبَ مِنْ ذلك شيئاً، فأُخْبرَ بقولِ النبيِّ ﷺ ؛ رجَعَ عن طلَبِهِ. واستمَرَّ الأمرُ عَلَى ذلك على عَهدِ الخلفاءِ الراشدين إلى عَلِيٍّ، فلَمْ يُغَيِّرْ شيئَاً مِن ذلكَ، وقسَّم له تَرِكَةً). (١) قال ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) ﵀: (وأما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور، فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسَّك به أبو بكر، وكأنها اعتقدَتْ تخصيص العموم في قوله: «لا نورث»، ورأت أن منافع ما خلَّفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسَّك ...

стр. 2010

أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل، فلما صمَّمَ على ذلك؛ انقطَعَتْ عن الاجتماع به، لذلك فإن ثبت حديث الشعبي (١) أزال الإشكال وأخلِقْ بالأمر أن يكون كذلك؛ لما عُلِمْ من وفور عقلها ... ودينها ﵍). (٢) قال السمهودي (ت ٩١١ هـ) ﵀ معلقاً على قول ابن حجر: ... (لذلك تتمة، وهي أنها فهِمَت من قوله: «ما تركنا صدقة» الوقفَ، ورأتْ أنَّ حقَّ النظر على الوقف، وقَبضِ نمائِهِ، والتصرفِ فيه، يُورَث، ولهذا طالبَتْ بنصيبها من صدقتِهِ بالمدينة، فكانت ترى أنَّ الحق في الاستيلاء عليها لها وللعباس ﵄، وكان العباس وعلي ﵄ يعتقدان ما ذهبَتْ إليه، وأبو بكر يرَى الأمر في ذلك إنمَّا هو للإمام. والدليل على ذلك: أنَّ عليَّاً والعباس جاءا إلى عمر يطلبان منه ما طلبَتْ فاطمة من أبي بكر، مع اعترافهما له بأنَّ النبي ﷺ قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة»؛ لما في «الصحيح» من قصة دخولهما على عمر يختصمان فيما أفاء اللَّهُ على رسولِه ﷺ من مال بني النضير، وقد دفع إليهما ذلك لِيَعْمَلا فيه بما كان رسولُ اللَّه ﷺ يعملُ به وأبو بكر بعدَه، وذلك

стр. 2011

بحضور عثمان، وعبدِالرحمن بن عوف، وسعدٍ، والزبير .. ). (١) أما ما ورد أنها قالت لأبي بكر وعمر في الموضوع: «لا أكلمكما»، فضعيف، جاء ذلك في حديث أبي هريرة ﵁، وفيه أن فاطمة جاءت تسأل أبا بكر وعمر ميراثها فذكرا لها الحديث: «إني لا أورث». فقالت لهما: «واللَّه لا أكلمكما أبداً، فماتت ولا تكلمهما». قال علي بن عيسى ـ شيخ الترمذي ـ: معنى لا أكلمكما، تعني: في هذا الميراث، أبداً أنتما صادقان. (٢) والصحيح في هذا الحديث: أنه مرسل ضعيف. (٣)

стр. 2012

المسألة الثانية لفاطمة ﵂: طلبها أن يتولَّى زوجُها صدقات النبي ﷺ ، فامتنع أبو بكر، لأنه الخليفة بعد رسول اللَّه، ومؤتمن عليها، وسيعمل فيها كما عَمِلَ ... رسولُ اللَّهِ ﷺ . قال ابن كثير ﵀: (وكأنها سألَتْهُ بعد هذا (١) أن يجعل زوجها ناظراً على هذه الصدقة، فلم يجبْهَا إلى ذلك؛ لما قدمناه، فتعتَّبَتْ عليه بسبب ذلك، وهي امرأةٌ من بني آدم، تأسَفُ كما يأسفون، وليسَتْ بواجِبَةِ العِصمة مع وجودِ نصِّ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ومخالفةِ أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، وقد رُوِّينا عن أبي بكر ﵁ أنه ترضَّى فاطمةَ وتلاينها قبل موتها، فرَضِيَتْ ﵂). (٢) وقال ابن كثير ـ أيضاً ـ: (وأما تغضُّب فاطمة ﵂ وأرضاها، على أبي بكر ﵁ وأرضاه، فما أدري ما وجهه؟ ! فإن كان لمنعه إياها ما سألته من الميراث، فقد اعتذر إليها بعذر يجب قبوله، وهو ما رواه عن أبيها رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة». وهي ممن تنقادُ لنصِّ الشارع الذي خفِيَ عليها قبل سؤالها

стр. 2013

الميراث، كما خَفِيَ على أزواجِ النبي ﷺ حتى أخبرتْهُنَّ عائشةُ بذلك، ووَافَقْنَها عليه. وليس يُظَنُّ بفاطمة ﵂ أنها اتَّهمَت الصديق ﵁ فيما أخبرها به، حاشاها وحاشاه من ذلك، كيف وقد وَافَقَهُ على رواية هذا الحديث: ... عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والعباس بن ... عبد المطلب، وعبدالرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيداللَّه، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وعائشة؟ ! ﵃ أجمعين، كما سنبينه قريباً. ولو تفرَّد بروايته الصديق ﵁؛ لوجب على جميع أهل الأرض قبول روايته، والانقياد له في ذلك. (١) وإن كان غضبُها لأجل ما سألَتِ الصديقَ ــ إذْ كانت هذه الأراضي صدقةً لا ميراثاً ــ أن يكون زوجُها ينظرُ فيها، فقد اعتذر بما حاصله أنه لما كان خليفةَ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فهو يرى أنَّ فرضاً عليه أن يعملَ بما كان يعملُه رسولُ اللَّه ﷺ ، ويَلِيَ ما كان يليه رسولُ اللَّه ﷺ ، ولهذا قال: «وإني واللَّهِ لا أدعُ أمراً كان يصنعُه فيه ...

стр. 2014

رسول اللَّه ﷺ إلا صنعته». قال: فهجرته فاطمة، فلم تُكلِّمه حتى ماتت. وهذا الهجران ـ والحالة هذه ـ فَتَحَ على فِرقة الرافضة شرَّاً عرِيضَاً، وجَهْلاً طويلاً، وأدخلوا أنفسهم بسببه فيما لا يعنيهم، ولو تفهَّموا الأمور على ما هي عليه؛ لعرفوا للصديق فضلَه، وقبلوا منه عذرَه الذي يجبُ على كُلِّ أحدٍ قبوله، ولكنهم طائفةٌ مخْذُولَةٌ، وفِرقَةٌ مَرذُولَةٌ، يتمسَّكُون بالمتشابه، ويتركون الأمور المحكمةَ المقرَّرَة عند أئمةِ الإسلام، من الصحابة والتابعين فمَن بعدهم مِن العلماء المعتبرين في سائر الأعصار والأمصار، ﵃ وأرضاهم أجمعين). انتهى (١)

стр. 2015

إشكال: قد يقول قائل: بأن فاطمة لم تقبل قول أبي بكر، لتأويلها على غير ما رآه أبو بكر وأيَّدَه عامةُ الصحابة، بدليل أن العباسَ بنَ عبدالمطلب عمَّ النبي ﷺ ، وزوجَها عليَّ بنَ أبي طالب ﵃ استمرَّا في طلب الميراث، فطلباه من عمر بن الخطاب في خلافته ــ كما في حديث مالك بن أوس بن الحدَثَان (١) ــ، وهو قول عمر لهما: (ثُمَّ جِئْتُمَانِي تُكَلِّمَانِي، وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ، وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ، جِئْتَنِي يَا عَبَّاسُ، تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، وَجَاءَنِي هَذَا ــ يُرِيدُ عَلِيَّاً ــ يُرِيدُ نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا، فَقُلْتُ لَكُمَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: «لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»، فَلَمَّا بَدَا لِي أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْكُمَا ... ) فدلَّ هذا على أنهما لم يقبلا حكم أبي بكر ﵁، ورأيُهما ورأي فاطمة في المسألة واحد. فالجواب: العبارة موضع إشكال بين العلماء، وقد اتفقوا على تأويلها بأن المراد: احتجاج كل واحد منها بحكم حقِّه من النبي ﷺ لو كان يُورَث.

стр. 2016

وأن طلبهما التولية لا التمليك، يتولونها لتصريفها كما كان النبيُّ ﷺ يتصرف فيها، ولما أخذاها من عمر بعد سنتين من خلافته، اختصما، فأرادا قسمتها بينهما في التصرف فيها لا في تمليكهما. ولم أجد مِن العلماء مَن طعن في ثبوت هذه الجملة؛ لأن الحديث في الصحيحين ـ جاوز القنطرة ـ، وسياقه بتمامه يدل على ضبط رواته، فهو متفَّقٌ عليه ـ ولله الحمد ـ. ثم وجدتُ كلاماً جديداً في تفسير الإشكال، ذكره الصنعاني في رسالة مفردة في هذه المسألة، سيأتي نقل كلامه بعد كلام الأئمة السابقين: قال المازري (ت ٥٣٦ هـ) ﵀: (وأمَّا الاعتذارُ عن عليٍّ وعبَّاس ﵄ في أنهما تردَّدا إلى الخليفتين مع قوله: ﷺ «لا نورث ما تركنا صدقة»، وتقريرُ عُمَر عليهما أنهما يعلمان ذلك؛ فأمثل ما فيه، ما قاله بعض الأئمة: أنهَّما طلبا أن يقسماها بينهما نصفين ينتفعان بهما على حسب ما ينفعهما الإِمام بها لو وليها بنفسه؛ فكَرِهَ عُمَر أن يوقع اسم القسمة عليها؛ لئلا يظن بذلك مع تطاول الأزمنة أنّها ميراث، وأنَّه ﷺ وُرِث، لا سيما وقسمةُ الميراث بين العم والبِنت نصفان (١) فتكون مطابقة الشَّرع لما يقع اتَّفاقاً واجتهاداً من آكد ما يُلْبِسُ ويُوهم في ذلك أنّه ﷺ وُرِث ما تَرك،

стр. 2017

وإن كان منهما ومن فاطمة ﵃ قبل ذلك ما يُوهم أنهم طلبوا التَّمليك فلَعلَّهم قبل سماعهم خبر: «لا نورث». ومما يدل على ما قلناه: ما قاله أبو داود: أنه لم يختلف علي ﵁ أنه لما صارت الخلافة إليه لم يغيِّرها عن كونها صدقة (١) ... ). (٢) وذكر القاضي عياض المالكي (ت ٥٤٤ هـ) ﵀ أن العباس يحتج بحكم نصيبه وحقِّه من ولاية النبيِّ ﷺ بالعمومة، وهذا بحكم حقِّ زوجه ونصيبها من قُربى النبوة، لا أنهما طلبا منه ما قد عرفا منع النبى ﷺ لهما منه مما منعهما منه أبو بكر ﵁، وبيَّنَهُ لهما وسلَّمَا له ذلك، ثم لعمر أول أمرهما، ثم جاءا مرَّةً أخرى يطلب كلٌّ واحدٍ منهما الانفراد بذلك ... ثم ذكر أن عمر بعد سنتين من خلافته أعطاهما التصرَّف فيها ... ثم قال عياض: فهذا دليل أن نزاعهما أولاً وآخِراً في ولايتها لا في تمليكها، ويدل

стр. 2018

على صحة هذا قوله في مسلم: «فدفعها إلى علي وعباس فغلبَه عليها». يعني علياً). (١) وقال أبو العباس القرطبي (ت ٦٥٦ هـ) ﵀: (وأما منازعة علي والعباس، فلم تكن في أصل الميراث، ولا طلبَا أن يتملكا ما تركَ النبيُّ ﷺ من أموال بني النضير؛ لأربعة أوجه: أحدها: أنهما قد كانا ترافعا لأبي بكر في ذلك، فمنعهما أبو بكر مستدلاً بالحديث الذي تقدَّم، فلما سمعاه أذعنا، وسكتا، وسلَّما، إلى أن توفي ... أبو بكر، وولي عمر، فجاءاه، فسألاه أن يوليَهُما على النظر فيها، والعمل بأحكامها، وأخذها من وجوهها، وصرفها في مواضعها، فدفعها إليهما على ذلك، وعلى ألا ينفرد أحدهما عن الآخر بعمل حتى يستشيره، ويكون معه فيه، فعملا كذلك إلى أن شق عليهما العمل فيها مجتمعين، فإنهما كانا بحيث لا يقدر أحدهما أن يستقل بأدنى عمل حتى يحضر الآخر، ويساعده، فلما شق عليهما ذلك، جاءا إلى عمر ﵁ مرَّة ثانية، وهي هذه الكرة التي ذكرت هنا، يطلبان منه أن يقسمها بينهما، حتى يستقل كل واحد منهما بالنظر فيما يكون في يديه منها، فأبى عليهما عمر ذلك، وخاف إن فعل ذلك أن يظن ظانٌّ أن ذلك قسمة ميراث النبي ﷺ ، فيعتقد بطلان قوله: ...

стр. 2019

«لا نورث»، لا سيما لو قسمها نصفين، فإن ذلك كان يكون موافقًا لسُنَّةِ القَسْم في المواريث؛ فإن من ترك بنتَاً، وعمَاً، كان المال بينهما نصفين: للبنت النصف بالفرض، وللعم النصف بالتعصيب (١). فمنع ذلك عمر؛ حسمَاً للذريعة، وخوفَاً من ذهاب حكم قوله: «لا نورث». والوجه الثاني: أن عليَّاً لما ولي الخلافة لم يغيرها عما عُمل فيها في عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان، ولم يتعرض لتملكها، ولا لقسمة شيء منها، بل كان يصرفها في الوجوه التي كان من قبله يصرفها فيها، ثم كانت بيد حسن بن علي، ثم بيد حسين بن علي، ثم بيد علي بن الحسين، ثم بيد الحسين بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسن، ثم بيد عبداللَّه بن الحسن، ثم تولاها بنو العباس على ما ذكره أبو بكر البرقاني في «صحيحه». وهؤلاء كُبراء أهل البيت ﵃، وهم معتمد الشيعة وأئمتهم، ... لم يُرو عن واحد منهم: أنه تملَّكها، ولا ورِثها، ولا وُرِثَتْ عنه، فلو كان ما يقولُه الشيعة حقَّاً؛ لأخذها علي، أو أحدٌ من أهل بيته لمَّا ظفروا بها، ... ولَمْ فَلا. والوجه الثالث: اعتراف علي والعبَّاس بصحة قوله ﷺ : «لا نورث، ما تركنا صدقة»، وبعلم ذلك حين سألهما عن علم ذلك، ثم إنهما

стр. 2020

أذعنا، وسلَّما، ولم يبديا ـ ولا أحدٌ منهما ــ في ذلك اعتراضاً، ولا مَدفعَاً، ولا يحل لمن يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يقول: إنهما اتقيا على أنفسهما؛ لما يُعلَم من صلابتهما في الدين، وقوتهما فيه، ولما يُعلم من عَدْل عمر. وأيضَاً: فإن المحل محل مناظرة، ومباحثة عن حكم مال من الأموال، ليس فيه ما يفضي إلى شيء مما يقوله أهل الهذيان من الشيعة. ثم الذي يقطع دابر العناد ما ذكرناه من تمكُّن عليٍّ وأهلِ بيته من الميراث، ولم يأخذوه، كما قلناه. والوجه الرابع: نصُّ قول عمر لهما، وحكايته عنهما في آخر الحديث، حيث قال لهما: «ثم جئتني أنت وهذا، وأنتما جميع، وأمركما واحد، فقلتم: ادفعها إلينا، فقلت: إن شئتم دفعتها إليكما، على أن عليكما عهداللَّه أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول اللَّه ﷺ ، فأخذتماها بذلك، قال: أكذلك؟ قالا: نعم». وهذه نصوص منهم على صحة ما ذكرناه. وإنما طوَّلنا الكلام في هذا الموضع لاستشكال كثيرٍ من الناس لهذا الحديث، وللآتي بعده، ولخوض الشيعة في هذا الموضع، ولتقوُّلهم فيه بالعظائم على الخلفاء البررة الحنفاء). (١)

стр. 2021

ولمحمد بن إسماعيل الصنعاني (ت ١١٨٢ هـ) ﵀ رسالة بعنوان: «رفع الالتباس عن تنازع الوصي والعباس» ذكر الإشكال في حديث مالك بن أوس بن الحدَثَان، المتضمِّنَ تنازع العباس وعلي، وذكر مراراً أن فاطمة وعلياً والعباس لم يسألوا إرثهم من النبي ﷺ بعد ما علموا من أبي بكر حديث: «لانورث». وأورد تأويل من تأوَّل كلمة عمر بن الخطاب في مجئيهما لطلب إرثهما، خاصة تأويل ابن حجر: لو كان يورث. (١) ورد عليهم تفصيلاً من عدة

стр. 2022

أوجه، منكراً وقوع التأويل بينهما، وبيَّنَ أن المراد بكلمة عمر ـ وقد عرض ﵁ الموضوع عليهما من أوله ـ: مجيئهما الأول في خلافة أبي بكر ... ـ

стр. 2023

نظراً لقرب عمر منه ـ وطلبهما عرض الموضوع على أبي بكر بطلب قسمة الميراث، ودلَّل الصنعاني على هذا التوجيه من تسعة أوجه، فلتُراجع. وذكر أن مجئ العباس وعلي إلى عمر ثلاث مرات: مرة في أول خلافة ... أبي بكر، ومرة بعد سنتين من خلافة عمر واستلامهما رعاية الصدقات، وبعد ذلك بسنة لمَّا وقع الاختلاف بينهما ﵃. (١) والذي يظهر لي ـ واللَّه أعلم ـ أنَّ علياً لما وجد في نفسه أن أبا بكر استبدَّ بالأمر دونه في المبايعة الأولى في السقيفة ـ كما ذكر ذلك في آخر الحديث الأول في هذا المبحث ـ، جعل زوجته فاطمة المتحدث والمطالب بحقِّها وما يعرض لهما من طلبات واحتياجات أخرى. لهذا يمكن توجيه «فلم تكلمه» أي عامةً بمعنى أن لا نفهم الهجر وعدم التكليم فيما طالبت به (الميراث)، بل يشمل غير ذلك، فلا يمنع أنها كانت قبل ذلك ترفع حاجاتها ثم انقبضت، ولا يقال بأن زوجها أولى برفع حاجاتها؛ لأن زوجها قد وجد في نفسه بعد البيعة. وكون الطلبات تأتي من فاطمة أوجه وأقوى وأقرب إلى الإجابة؛ لمحبة وإجلال أبي بكر والصحابة لها ﵃ أجمعين.

стр. 2024

والذي لاشك فيه ولا مرية أنها لم تُطِل الحديث، ولم تناقش أبا بكر (١)، ولم تتردد عليه وعلى عمر، ولم تطلب الإرث مرة ثانية، ولم تخطب أمام ملائٍ من الصحابة ـ كما في الأحاديث المكذوبة. (٢) وكانت ﵂ أكمل ديناً، وأرجح عقلاً، وأرق فؤاداً ـ لحزنها المتمكن منها بوفاة والدها ﷺ ــ، من أن تجعل الميراث قضية، وأن تتردد على الخليفة، وهي امرأة مأمورة بالستر والامتناع عن حضور مجامع الرجال، ولها زوج حاضر، ولها أن ترفع طلبها بواسطة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر ﵃، لكن الذي يبدو لي ـ والعلم عند اللَّه ـ أن الذي بدأ بها، واستمر ملحاً عليها، جاعلاً إياها الواجهة: زوجها ﵁، لأنه كان في نفسه شئ على أبي بكر ـ كما في الحديث ـ، ولأن فاطمة طلبت من أبي بكر مرة أخرى أن يتولى صدقات النبي ﷺ زوجُها، فلِمَ لمْ يطلب هو؟ ! وهل كانت خائفة تظن أن أبا بكر سيُنقِص من حقها من صدقات والدها في النفقة عليها وعلى آل البيت من زوجاته وغيرهم، فخشيت ذلك، وطلبت قيام زوجها وتوليه الصدقات؟ كلا، فهو الصادق الأمين العادل البار الراشد ﵁.

стр. 2025

بل يظهر ـ واللَّه أعلم ـ أنها تلقت الطلب والرغبة من زوجها، وكان هو ﵁ خلفها في حثها ورغبته أن تطالب فاطمة بما طالبت به، لوجاهتها ومكانتها. ومما يدل على ذلك: تكرار طلب علي والعباس أن يتوليا صدقات ... النبي ﷺ زمن أبي بكر، ثم زمن عمر كما في الحديث الطويل، حديث مالك بن أوس بن الحدثان في «الصحيحين». (١) ثم وجدتُ ـ ولله الحمد والمنة ـ الصنعانيَّ ﵀ يذكر أن العباس وعلياً ذهبا لعمر في خلافة أبي بكر ﵃ يطلبان منه رفع طلبهما بقسمة الميراث، وكان هذا قبل ذهاب فاطمة، واستدلَّ بأمرين: ١. أن المعروف أن الذي يطلب المواريث: الرجالُ، فإنهم هم الذين يخاطبون الأجانب دون النساء، وإن كان الحقُّ لهنَّ، فهذه أعرافٌ سلفاً وخلفاً. ٢. أنها لو كانت البتول ذهبَت أولاً إلى أبي بكر لطلب الميراث، وأجاب عليها برواية الحديث .. لأَخْبَرتْ بذلك زوجَها، ولما طلَبَ مِن عمر. وذكر أن علياً لم يخبر فاطمة بالجواب قبل ذهابها؛ لئلا يكدرها بهذا الخبر، ويريد منها أن تعلم به رواية عالية من أبي بكر مباشرة. (٢)

стр. 2026

المسألة الثالثة: هل وقع أبو بكر في أذية فاطمة وإغضابها، مما يُغضِبُ النبيَّ ﷺ ؟ ولِمَ امتنع من إجابتها؟ وبيان تأكيد آل البيت والصحابة حُكَمَ أبي بكر ﵃ -. لم يحكُم الخليفةُ الراشدُ البارُّ العادِلُ أبو بكر الصدِّيق ﵁ إلا بما في ثبتَ عن النبي ﷺ ، وقد أيَّدَهُ الصحابةُ أجمعون حتَّى آل البيت منهم ﵃. قال ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) ﵀: (وقد اعترف علماءُ أهل البيت بصحة ما حكَمَ به أبو بكر في ذلك ... ثم ذكر حديث البيهقي الآتي). (١) وهو ما أخرجه: إبراهيم بن حماد بن إسحاق الأزدي في زوائده على كتاب أبيه: «تركة النبي ﷺ » (ص ٨٦)، والبيهقي في «الاعتقاد» (ص ٤٩٧)، وفي «السنن الكبرى» (٦/ ٣٠٢)، وفي «دلائل النبوة» ... (٧/ ٢٨١) عن إسماعيل بن إسحاق القاضي (٢) ـ وهو عمُّ إبراهيم بن حماد ـ

стр. 2027

قال: حدثنا نصر بن علي (١)، قال: حدثنا ابن داود (٢)، عن فضيل بن مرزوق (٣)، قال زيد بن علي بن الحسين بن علي (٤) ﵀: (أمَّا أنا فلو كنتُ مكان أبي بكر لحكمتُ بمثل ما حكمَ بِه أبو بكر في فَدَك). وذكر الصنعاني ﵀ تأييد علماء الزيدية لقضاء أبي بكر ﵁، قالوا: لو كان باطلاً؛ لنقضَهُ عليٌّ ﵁ في خلافته، ولأنكرَهُ بنو هاشم والمسلمون. (٥) أورد الرافضة أكاذيب ملفَّقَةً تشِينُ آلَ البيتِ والصحابةَ كلَّهم ﵃، وذكروا أنَّ أبا بكر منع فاطمة حقَّها، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (قاتَلَ اللَّهُ الرافضةَ، وانتصفَ لأهل البيت منهم، فإنهم ألصقوا بهم من العيوب والشَّينِ مالا يخفى على ذِي عَين. ولو قال قائل: فاطمةُ لا تطلُبُ إلا حقَّها، لمْ يكُن هذا بأولى من قول القائل: أبو بكر لا يَمنَعُ يهوديَّاً ولا نصرَانِياً حقَّه، فكيف يمنَعُ سيِّدَةَ نساء العالمين حقَّها؟ !

стр. 2028

فإن اللَّهَ تعالى، ورسولَه ﷺ قدْ شهِدَا لأبي بكرٍ أنَّه يُنفِقُ مالَه للهِ، فَكَيف يمنَعُ الناسّ أموالهم؟ ! وفاطمةُ ﵂ قَدْ طلَبَتْ مِن النبي ﷺ مالاً، فلَمْ يُعطِهَا إيَّاه. كما ثبت في «الصحيحين» عن علي ﵁ في حديث الخادم، لما ذهَبَتْ فاطمةُ إلى النبيِّ ﷺ تسأله خادِمَاً، فَلَمْ يُعْطِهَا خادِمَاً، وعلَّمَهَا التسبيح. وإذا جازَ أنْ تطلُبَ مِن النبيِّ ﷺ ما يمْنَعُهَا النبيُّ ﷺ إيَّاه، ولا يجِبُ عليه أنْ يُعطِيَهَا إيَّاه؛ جازَ أنْ تطلُبَ ذلكَ مِن ... أبي بكرٍ خَليفةِ رسُولِ اللَّه ﷺ ، وعُلِمَ أنَّها ليسَتْ مَعصُومَةً أنْ تطلُبَ مَا لا يجِبُ إعطاؤهَا إيَّاه. وإذا لم يجِبْ عليه الإعطاءُ لم يكنْ مَذمُومَاً بتَرْكِهِ مَا ليس بواجِبٍ، وإنْ كانَ مُبَاحَاً. فأمَّا إذا قدَّرْنَا أنَّ الإعطاءَ ليسَ بمُبَاحٍ، فإنه يستحقُّ أنْ يُحمَدَ عَلى المَنْعِ. وأمَّا أبو بكر فَلَمْ يُعْلَمْ أنَّه منَعَ أحَدَاً حَقَّهُ، ولا ظَلَمَ أحدَاً حقَّهُ، لَا في حَياةِ رسُولِ اللَّه ﷺ ولَا بَعْدَ مَوْتِهِ). (١)

стр. 2029

ولقد أجاد كثيراً شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ﵀، وأفادَ، في بيان دعوى الرافضة ظلم أبي بكر فاطمةَ ﵃ بمنعها من الميراث، أتى على جميع شبههم ثم نقضَها بما لا مزيد عليه، فليُراجع، وفيما يلي جزء منه. (١) هل أغضب أبو بكر فاطمة وآذاها، مما يترتب عليه إيذاء النبي ﷺ ؟ قال ابن تيمية ﵀ عن الرافضة: ( ... وإن قالوا بجهلهم: إن هذا الذنب كُفْرٌ؛ لِيُكَفِّرُوا بذلك أبا بكر، لَزِمَهُم تكفيرَ عليٍّ، واللازم باطل فالملزوم مثله. وهم دائماً يعيبون أبا بكر وعمر وعثمان، بل ويُكفِّرُونَهم بأمور قد صدَرَ مِن عليٍّ ما هو مثلها أو أبعَدَ عن العُذْرِ منها، فإن كان مأجوراً أو معذوراً فهم أولى بالأجر والعذر، وإن قيل باستلزام الأمر الأخف فِسْقَاً أو كُفْرَاً، كان استلزام الأغلظ لذلك أولى. وأيضاً فيقال: إنَّ فاطمة ﵂ إنما عظُم أذاها لما في ذلك من أذى أبيها، فإذا دار الأمر بين أذى أبيها وأذاها؛ كان الاحتراز عن أذى أبيها أوْجَبَ.

стр. 2030

وهذا حالُ أبي بكر وعمر، فإنهما احترزا عن أن يؤذيا أباها أو يريباه بشيء، فإنه عهد عهداً وأمرَ بأمْرٍ، فخافا إن غيَّرَا عهدَه وأمرَه؛ أن يغضب لمخالفة أمرِه وعهدِه ويتأذى بذلك. وكلُّ عاقل يعلمُ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ إذا حكَمَ بحُكْمٍ، وطلبَتْ فاطمةُ أو غيرُها ما يخالف ذلك الحكم، كان مراعاةُ حُكْمِ النبيِّ ﷺ أولى؛ فإن طاعتَه واجبةٌ، ومَعصِيتَه محرمةٌ، ومَن تأذى لطاعته كان مخطئاً في تأذيه بذلك، وكان الموافق لطاعته مصيباً في طاعته. وهذا بخلاف مَن آذاها لغرضِ نفسه، لا لأجل طاعةِ اللَّه ورسولِه. ومَن تدبَّرَ حالَ أبي بكر في رعايتِه لأمر النبي ﷺ ، وأنه إنما قصدَ طاعةَ الرسولِ ﷺ لا أمراً آخر، يحكم أنَّ حالَه أكملُ وأفضلُ وأعلى من حالِ علي ﵄، وكلاهما سيِّدٌ كَبيرٌ من أكابر أولياء اللَّهِ المتقين، وحزبِ اللَّه المفلحين، وعبادِ اللَّه الصالحين، ومِن السابقين الأولين، ومِن أكابر المقربين، الذين يشربون بالتسنيم. ولهذا كان أبو بكر ﵁ يقول: «واللَّه لَقَرابةُ رسولِ اللَّه ﷺ أحبُّ إليَّ أن أصل مِن قرابتي». وقال: «ارقُبُوا محمداً ﷺ في أهل بيته». رواه البخاري عنه. لكنَّ المقصودَ أنه لو قُدِّرَ أنَّ أبا بكر آذاها، فلم يؤذِها لغرضِ نفسِه، بل ليطيعَ اللَّهَ ورسولَه، ويُوصِلَ الحقَّ إلى مُستحِقِّه.

стр. 2031

وعليٌّ ﵁ كان قصدُه أن يتزوج عليها، فله في أذاها غرض (١)، بخلاف أبي بكر. فعُلم أن أبا بكر كان أبعد أن يذم بأذاها من علي، وأنه إنما قصد ... طاعة اللَّهِ ورسولِه بما لا حظ له فيه، بخلاف علي؛ فإنه كان له حظ فيما رابها به. وأبو بكر كان من جنس من هاجر إلى اللَّهِ ورسولِه، وهذا لا يشبه من كان مقصوده امرأة يتزوجها. والنبيُّ ﷺ يؤذيه ما يؤذي فاطمة إذا لم يعارض ذلك ... أمرَ اللَّه تعالى، فإذا أمر اللَّهُ تعالى بشيء فعلَه، وإنْ تأذَّى مَن تأذَّى من أهلِه وغيرهم، وهو في حال طاعته للهِ يؤذيه ما يعارض طاعةَ اللَّهِ ورسولِه. وهذا الإطلاق كقوله: «مَن أطاعني فقد أطاع اللَّه، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن عصى أميري فقد عصاني»، ثم قد بيَّنَ ذلك بقوله ﷺ : «إنما الطاعةُ في المعروف». فإذا كانت طاعة أمرائه أطلقها ومراده بها الطاعة في المعروف، فقوله: ... «مَن آذاها فقد آذاني» يُحمَل على الأذى في المعروف بطريق الأولى والأحرى؛

стр. 2032

لأنَّ طاعةَ أمرائه فرضٌ، وضدَّها معصيةٌ كبيرة. وأما فِعْلُ ما يؤذي فاطمة فليس هو بمنزلة معصية أمر النبي ﷺ ، وإلا لَزِمَ أن يكون عليٌ قد فعلَ ما هو أعظم مِن معصية اللَّهِ ورسولِه، فإن معصية أمرائه معصيتُه، ومعصيتَه معصيةُ اللَّهِ. ثم إذا عارَض مُعارِض وقال: أبو بكر وعمر ولِيَا الأمرَ، واللَّهُ قد أمرَ بطاعة أولي الأمر، وطاعةُ ولي الأمر طاعةً للهِ، ومعصيتُه معصيةً للهِ، فمَن سخِطَ أمرَه وحُكمَه فقد سخِطَ أمرَ اللَّهِ وحكمَه. ثم أخذ يُشَنِّع على عليٍّ وفاطمة ﵄ بأنهما ردَّا أمرَ اللَّهِ، وسخِطَا حكمَه، وكرِهَا ما أرضى اللَّهَ؛ لأنَّ اللَّهَ يُرضيه طاعتُه وطاعةُ ولي الأمر، فمَن كَرِه طاعةَ ولي الأمر فقد كرِهَ رضوانَ اللَّهِ، واللَّهُ يسخط لمعصيتِه، ومعصيةُ وليِّ الأمرِ معصيتَه، فمَن اتَّبَعَ معصيةَ ولي الأمر فقد اتبع ما أسخط اللَّهَ وكَرِهَ رِضوَانَه. وهذا التشنيعُ ونحوُه على عليٍّ وفاطمة ﵄ أوجُهٌ من تشنيع الرافضة على أبي بكر وعمر؛ وذلك لأنَّ النصوص الواردة عن النبي ﷺ في طاعة ولاة الأمور، ولزوم الجماعة، والصبر على ذلك مشهورة كثيرة. بل لو قال قائل: إنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ بطاعة ولاة الأمور وإنْ استأثَروا، والصبرِ على جَورِهِم، وقال: «إنكم ستلقون بعدي أَثَرَة، فاصبِرُوا حتى تلقوني على الحوض».

стр. 2033

وقال: «أدُّوا إليهم حقَّهُم، وسلُوا اللَّهَ حقَّكُم». وأمثالُ ذلك. فلو قُدِّر أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا ظالمين مستأثرين بالمال لأنفسهما، لكان الواجبُ مع ذلك طاعتُهما، والصبرُ على جورِهما. ثم لو أخذ هذا القائل يقدح في علي وفاطمة ﵄ ونحوِهما بأنهم لم يصبِروا ولم يَلزمُوا الجماعة، بل جزعوا وفَرَّقوا الجماعة، وهذه مَعصيةٌ عَظِيمةٌ؛ لكانت هذه الشناعة أوجه من تشنيع الرافضة على أبي بكر وعمر ﵄، فإنَّ أبا بكر وعمر لا تقوم حجة بأنهما تركَا واجباً، أو فعَلا محرَّمَاً أصلاً، بخلاف غيرهما، فإنه قد تقوم الحجة بنوع من الذنوب التي لم يفعل مثلها ... أبو بكر ولا عمر. وما يُنزَّهُ عليٌّ وفاطمةُ ﵄ عن ترك واجب أو فعل محظور إلا وتنزيهُ أبي بكر وعمر أولى بكثير، ولا يمكن أن تقوم شبهةٌ بتركهما واجباً أو تعديهما حدَّاً، إلا والشبهةُ التي تقوم في علي وفاطمة أقوى وأكبر. فطلَبُ الطالبِ مدحَ عليٍّ وفاطمةَ ﵄ إمَّا بسلامتهما من الذنوب، وإما بغفرانِ اللَّهِ لهما، مع القدح في أبي بكر وعمر بإقامة الذنب والمنع من المغفرة؛ مِن أعظم الجهل والظلم، وهو أجهلُ وأظلمُ ممن يريدُ مثلَ ذلك في علي ومعاوية إذا أرادَ مدحَ معاوية ﵁، والقدحَ في علي ﵁). (١)

стр. 2034

المسألة الرابعة: خُطبة فاطمة على ملأئٍ من الصحابة . وضَعَ الرافضةُ خطبةً مكذوبةً طويلةً فصيحةً على فاطمة بعد وفاة الرسول ﷺ قامَت بها على رؤوس المهاجرين والأنصار، تطلب فدكاً وميراثها ـ سبق ذكرها ـ. (١) وقد امتاز الرافضة من بين سائر الطوائف بكثر الكذب، وافتعال الأحداث. (٢) المسألة الخامسة: إكرامُ أبي بكر فاطمة، وإحسانُه لها، وإعطاؤها المال الوفير . مع امتثال أبي بكر ﵁ أمرَ رسولِ اللَّه ﷺ في عدم الميراث، ومنعه فاطمة من الإرث، إلا أنه أغدق عليها وعلى آل بيتِ النبي ﷺ من العطايا ما يفوقُ المال الذي لو قُدِّرَ لها شرعاً أنْ تَرِثْ،

стр. 2035

زيادة على بعض ما رُوِيَ مِن الإحسان المختلف لِبَيتِ فاطمة: من إحسانه لبيت فاطمة ﵂: ما أخرجه: عبدالرزاق في «مصنفه» (٧/ ٣٠٢) رقم (١٣٢٧١). والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (٥/ ٤٤٨) رقم (١٢٨٨) عن عبدالجبار بن العلاء. كلاهما: (عبدالرزاق، وعبدالجبار) عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين قال: أعطى أبو بكر عليَّاً جارِيَةً، فدخلَتْ أمُّ أيمنَ عَلى فاطمة، فرأتْ فيها شيئَاً كَرِهَتْهُ، فقالت: ما لَكِ؟ ! فلَمْ تُخْبِرْهَا. فقالت: «مَا لَكِ، فوَاللَّه ما كان أبُوكِ يَكْتُمُنِي شيئاً». فقالَتْ: جَارِيَةٌ أَعطَوْهَا أبَا حَسَنٍ. فخَرَجَتْ أمُّ أيمن، فَنَادَتْ عَلى بابِ البيتِ الَّذِي فيهِ عَلِيٌّ بِأعَلَى صَوْتِهَا: أمَا رسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحفَظُ في أهلِهِ. فقال: «مَا هذا الصوت»؟ فقالوا: أم أيمن تقول: أمَا رسولُ اللَّه ﷺ يُحفَظُ في أهلِه. فقال عليُّ: «وما ذاك»؟ قالت: جاريةٌ بُعِثَ بها إليكَ. فقال عليٌّ: «الجاريةُ لِفَاطمَةَ». وهذا إسناد منقطع، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لم يدرك أبا بكر، ولا جدَّ أبيه: علي بن أبي طالب. (١)
следующие страницы →