وعليٌّ ﵁ كان قصدُه أن يتزوج عليها، فله في أذاها غرض (١)، بخلاف أبي بكر.
فعُلم أن أبا بكر كان أبعد أن يذم بأذاها من علي، وأنه إنما قصد ... طاعة اللَّهِ ورسولِه بما لا حظ له فيه، بخلاف علي؛ فإنه كان له حظ فيما رابها به.
وأبو بكر كان من جنس من هاجر إلى اللَّهِ ورسولِه، وهذا لا يشبه من كان مقصوده امرأة يتزوجها.
والنبيُّ ﷺ يؤذيه ما يؤذي فاطمة إذا لم يعارض ذلك ... أمرَ اللَّه تعالى، فإذا أمر اللَّهُ تعالى بشيء فعلَه، وإنْ تأذَّى مَن تأذَّى من أهلِه وغيرهم، وهو في حال طاعته للهِ يؤذيه ما يعارض طاعةَ اللَّهِ ورسولِه. وهذا الإطلاق كقوله: «مَن أطاعني فقد أطاع اللَّه، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن عصى أميري فقد عصاني»، ثم قد بيَّنَ ذلك بقوله ﷺ : «إنما الطاعةُ في المعروف».
فإذا كانت طاعة أمرائه أطلقها ومراده بها الطاعة في المعروف، فقوله: ... «مَن آذاها فقد آذاني» يُحمَل على الأذى في المعروف بطريق الأولى والأحرى؛
стр. 2032
لأنَّ طاعةَ أمرائه فرضٌ، وضدَّها معصيةٌ كبيرة.
وأما فِعْلُ ما يؤذي فاطمة فليس هو بمنزلة معصية أمر النبي ﷺ ، وإلا لَزِمَ أن يكون عليٌ قد فعلَ ما هو أعظم مِن معصية اللَّهِ ورسولِه، فإن معصية أمرائه معصيتُه، ومعصيتَه معصيةُ اللَّهِ.
ثم إذا عارَض مُعارِض وقال: أبو بكر وعمر ولِيَا الأمرَ، واللَّهُ قد أمرَ بطاعة أولي الأمر، وطاعةُ ولي الأمر طاعةً للهِ، ومعصيتُه معصيةً للهِ، فمَن سخِطَ أمرَه وحُكمَه فقد سخِطَ أمرَ اللَّهِ وحكمَه.
ثم أخذ يُشَنِّع على عليٍّ وفاطمة ﵄ بأنهما ردَّا أمرَ اللَّهِ، وسخِطَا حكمَه، وكرِهَا ما أرضى اللَّهَ؛ لأنَّ اللَّهَ يُرضيه طاعتُه وطاعةُ ولي الأمر، فمَن كَرِه طاعةَ ولي الأمر فقد كرِهَ رضوانَ اللَّهِ، واللَّهُ يسخط لمعصيتِه، ومعصيةُ وليِّ الأمرِ معصيتَه، فمَن اتَّبَعَ معصيةَ ولي الأمر فقد اتبع ما أسخط اللَّهَ وكَرِهَ رِضوَانَه. وهذا التشنيعُ ونحوُه على عليٍّ وفاطمة ﵄ أوجُهٌ من تشنيع الرافضة على أبي بكر وعمر؛ وذلك لأنَّ النصوص الواردة عن النبي ﷺ في طاعة ولاة الأمور، ولزوم الجماعة، والصبر على ذلك مشهورة كثيرة.
بل لو قال قائل: إنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ بطاعة ولاة الأمور وإنْ استأثَروا، والصبرِ على جَورِهِم، وقال: «إنكم ستلقون بعدي أَثَرَة، فاصبِرُوا حتى تلقوني على الحوض».
стр. 2033
وقال: «أدُّوا إليهم حقَّهُم، وسلُوا اللَّهَ حقَّكُم». وأمثالُ ذلك.
فلو قُدِّر أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا ظالمين مستأثرين بالمال لأنفسهما، لكان الواجبُ مع ذلك طاعتُهما، والصبرُ على جورِهما.
ثم لو أخذ هذا القائل يقدح في علي وفاطمة ﵄ ونحوِهما بأنهم لم يصبِروا ولم يَلزمُوا الجماعة، بل جزعوا وفَرَّقوا الجماعة، وهذه مَعصيةٌ عَظِيمةٌ؛ لكانت هذه الشناعة أوجه من تشنيع الرافضة على أبي بكر وعمر ﵄، فإنَّ أبا بكر وعمر لا تقوم حجة بأنهما تركَا واجباً، أو فعَلا محرَّمَاً أصلاً، بخلاف غيرهما، فإنه قد تقوم الحجة بنوع من الذنوب التي لم يفعل مثلها ... أبو بكر ولا عمر.
وما يُنزَّهُ عليٌّ وفاطمةُ ﵄ عن ترك واجب أو فعل محظور إلا وتنزيهُ أبي بكر وعمر أولى بكثير، ولا يمكن أن تقوم شبهةٌ بتركهما واجباً أو تعديهما حدَّاً، إلا والشبهةُ التي تقوم في علي وفاطمة أقوى وأكبر.
فطلَبُ الطالبِ مدحَ عليٍّ وفاطمةَ ﵄ إمَّا بسلامتهما من الذنوب، وإما بغفرانِ اللَّهِ لهما، مع القدح في أبي بكر وعمر بإقامة الذنب والمنع من المغفرة؛ مِن أعظم الجهل والظلم، وهو أجهلُ وأظلمُ ممن يريدُ مثلَ ذلك في علي ومعاوية إذا أرادَ مدحَ معاوية ﵁، والقدحَ في علي ﵁). (١)
стр. 2034
المسألة الرابعة: خُطبة فاطمة على ملأئٍ من الصحابة .
وضَعَ الرافضةُ خطبةً مكذوبةً طويلةً فصيحةً على فاطمة بعد وفاة الرسول ﷺ قامَت بها على رؤوس المهاجرين والأنصار، تطلب فدكاً وميراثها ـ سبق ذكرها ـ. (١)
وقد امتاز الرافضة من بين سائر الطوائف بكثر الكذب، وافتعال الأحداث. (٢)
المسألة الخامسة: إكرامُ أبي بكر فاطمة، وإحسانُه لها، وإعطاؤها المال الوفير .
مع امتثال أبي بكر ﵁ أمرَ رسولِ اللَّه ﷺ في عدم الميراث، ومنعه فاطمة من الإرث، إلا أنه أغدق عليها وعلى آل بيتِ النبي ﷺ من العطايا ما يفوقُ المال الذي لو قُدِّرَ لها شرعاً أنْ تَرِثْ،
стр. 2035
زيادة على بعض ما رُوِيَ مِن الإحسان المختلف لِبَيتِ فاطمة:
من إحسانه لبيت فاطمة ﵂:
ما أخرجه: عبدالرزاق في «مصنفه» (٧/ ٣٠٢) رقم (١٣٢٧١).
والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (٥/ ٤٤٨) رقم (١٢٨٨) عن عبدالجبار بن العلاء.
كلاهما: (عبدالرزاق، وعبدالجبار) عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين قال: أعطى أبو بكر عليَّاً جارِيَةً، فدخلَتْ أمُّ أيمنَ عَلى فاطمة، فرأتْ فيها شيئَاً كَرِهَتْهُ، فقالت: ما لَكِ؟ ! فلَمْ تُخْبِرْهَا. فقالت: «مَا لَكِ، فوَاللَّه ما كان أبُوكِ يَكْتُمُنِي شيئاً».
فقالَتْ: جَارِيَةٌ أَعطَوْهَا أبَا حَسَنٍ.
فخَرَجَتْ أمُّ أيمن، فَنَادَتْ عَلى بابِ البيتِ الَّذِي فيهِ عَلِيٌّ بِأعَلَى صَوْتِهَا: أمَا رسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحفَظُ في أهلِهِ. فقال: «مَا هذا الصوت»؟ فقالوا: أم أيمن تقول: أمَا رسولُ اللَّه ﷺ يُحفَظُ في أهلِه.
فقال عليُّ: «وما ذاك»؟ قالت: جاريةٌ بُعِثَ بها إليكَ.
فقال عليٌّ: «الجاريةُ لِفَاطمَةَ».
وهذا إسناد منقطع، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لم يدرك أبا بكر، ولا جدَّ أبيه: علي بن أبي طالب. (١)
стр. 2036
ومن المرويات في أعطيات أبي بكر لفاطمة:
ما أخرجه: عمر بن شبَّة في «تاريخ المدينة» (١/ ٢١١) قال: حدثنا هارون بن عمر (١)، قال: حدثني الوليد (٢)، قال: حدثني ابن لهيعة (٣)، عن أبي الأسود (٤)، عن عروة (٥) قال: «أرادت فاطمة أبا بكر ﵄ على فَدَك وسهمِ ذي القربى، فأبى عليها، وجعلَه في مالِ اللَّهِ، وأعطى فاطمةَ ﵂
стр. 2037
نخلاً يقال له: الأعواف (١)،
مما كان لرسول اللَّه
ﷺ ».
стр. 2038
وهذا حديث ضعيف جداً، فيه جهالة هارون بن عمر، وضعف ابن لهيعة، والوليد بن مسلم مدلِّس وقد عنعن، وفيه إرسال عروة.
وهو منكر كيف يعطيها أبو بكر الأعوافَ وهو صدقة من صدقات النبي ﷺ ، وسبق أن الأنبياء لا يورثون؟ !
ولو كان من طريق الهبة من أبي بكر؛ فإنه يشكل كونها من صدقات النبي ﷺ ! !
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀: (إن أبا بكر وعمر قد أعطيا علياً وأولادَه من المال أضعافَ أضعافَ ما خلَّفه النبيُّ ﷺ من المال.
стр. 2039
والمالُ الذي خلَّفه النبيُّ ﷺ لم ينتفعْ واحدٌ منهما منه بشيءٍ، بل سلَّمَه عمرُ إلى عليٍّ والعباس ﵃ يلِيَانِه ويفعلان فيه ما كان النبيُّ ﷺ يفعَلُه.
وهذا مما يُوجِب انتفاءَ التهمةِ عنهما في ذلك). (١)
وقال أيضاً: (وأولئك القوم قد أعطاهم أبو بكر وعمر مِن مال اللَّهِ، بقدر ما خلَّفه النبيُّ ﷺ أضعافاً مضاعفة.
ولو قُدِّر أنها كانت ميراثاً ـ مع أن هذا باطل ـ فإنما أخذَ منهم قريةً ليست كبيرة، لم يأخذ منهم مدينة ولا قرية عظيمة). (٢)
* * *
стр. 2040
المسألة السادسة: هل كشف أبو بكر بيت فاطمة ﵄ -؟
ما أكثر ما تُردِّد الرافضة وتنوح في ذكر هذه القصة المكذوبة، وتفتري منها عدداً من الافتراءات، هكذا دأبهم، وإذا بُيِّنَ لهم كذب المروي، قالوا: هي مذكورة في كتبكم أهل السنة في الكتاب الفلاني والفلاني! ! فيذكرون لك كتب الموضوعات، أو من كُتُب الأدب والمحاضرات العربية! !
فهم لا يعلمون فنون ومنازل كتب أهل السنة والجماعة، وأنَّ ذِكرَ الحديث في «كامل» ابن عدي، و «ضعفاء» العقيلي، و «التاريخ الكبير» للبخاري، و «ميزان» الذهبي مثلاً؛ دالٌ على ضعفه وربما كذبِه.
وإلى بيان شافٍ عن هذه القصة المزعومة:
عن عبدِالرحمن بن عوف ﵁، قال: دخلتُ على أبي بكر ﵁ أعودُهُ في مرضِهِ الذي تُوفِّي فيه، فسلَّمْتُ عليه، وسألتُه: كيف أصبحتَ؟
فاستوى جالساً، فقلتُ: أصبحتَ بحمد اللَّه بارِئَاً، فقال: «أمَا إني عَلى ما تَرى وَجِعٌ، وجعلْتُمْ لي شُغْلاً مَعَ وجَعِي، جعلتُ لكم عهداً مِن بَعْدِي، واختَرتُ لكم خيرَكُم في نفسي؛ فكلُّكُم وَرِمَ لذلك أنفُهُ؛ رجاءَ أن يكونَ الأمرُ له.
ورأيتُ الدنيا قد أقبلَتْ ولمَّا تُقبِل وهِيَ جَائِيَة، وستُنجِدُونَ بيوتَكم
(١)، كأنَّ أحدَكم على حسَكِ السَّعْدَان (٢)، ووَاللَّهِ لأَنْ يُقدَّمَ أحدُكم فيُضرَبُ عُنقُهُ ـ في غيرِ حَدٍّ ــ؛ خَيْرٌ له من أن يَسِيحَ (٣) في غَمْرَةِ الدنيا».
ثمَّ قال: «أما إنِّي لا آسَى على شيء، إلا على ثلاثٍ فعلتُهُنَّ، ودِدْتُ أنِّي لْم أفعَلْهُنَّ.
وثَلاثٍ لم أفعَلْهُنَّ ودِدْتُ أني فعلتُهُنَّ
وثَلاثٍ وَدِدْتُ أني سألتُ رسولَ اللَّه ﷺ عنهُنَّ.
فأما الثلاث اللاتي وَدِدْتُ أني لم أفعَلْهُنَّ:
فودِدْتُ أني لم أكُنْ كشَفْتُ بيتَ فاطِمَةَ وتَركتُهُ، وإنْ أُغلِقَ على الحرْبَ.
ووَدِدْتُ أني يومَ سَقِيفَةِ بني سَاعِدَةَ كُنتُ قذَفْتُ الأمرَ في عُنُقِ أحَدِ الرَّجُلَيْن: أبي عُبَيدَةَ أوْ عُمَرَ، فكان أميرَ المؤمنين، وكنتُ وزيراً.
стр. 2043
وَوَدِدْتُ أني حيثُ كنتُ وجَّهْتُ خالدَ بنَ الوليد إلى أهلِ الرِّدَّةِ، أقمْتُ بذِي القَصَّةِ، فإنْ ظَفَرَ المسلمون ظفَرُوا، وإلَّا كنتُ رِدْءَاً أو مَدَدَاً.
وأمَّا اللاتي وَدِدْتُ أني فعلْتُهَا: فوَدِدْتُ أني يومَ أُتِيتُ بالأشعثِ أسِيرَاً؛ ضرَبْتُ عُنُقَهُ، فَإنَّهُ يُخيَّلُ إليَّ أنَّهُ لن يكونَ شرَّاً إلا طارَ إليه.
ووَدِدْتُ أني يومَ أُتِيتُ بالفُجَاءَةِ السُّلَمِي، لم أكُنْ أُحرِقَهُ، وقَتلْتُهُ سَرِيحَاً (١)، أوْ أطلَقتُهُ نَجِيحَاً.
وَوَدِدْتُ أني حيثُ وجَّهْتُ خالدَ بنَ الوليد إلى الشام؛ وجَّهْتُ عُمَرَ إلى العِراقِ، فأكونَ قَد بسَطْتُ يَدِي يَمِيني وشِمَالي في سبيل اللَّهِ .
وأمَّا الثلاثُ اللاتي ودِدْتُ أني سألتُ رسولَ اللَّه ﷺ عنْهُنَّ، فوَدِدْتُ أني كنتُ سألتْهُ فيِمَنْ هذا الأمرُ؟ فلا يُنازِعْهُ أهلُهُ.
وَوَدِدْتُ أنِّي كنْتُ سألتُه: هل للأنصارِ في هذا الأمر سَبَبٌ؟
وَوَدِدْتُ أني سألتُهُ: عنِ العمَّةِ وبنْتِ الأخِ؟ فإنَّ في نفسِي منهما حَاجَةً».
هذا لفظ الطبراني، وهو حديث موضوع، وبيانه كما يلي:
стр. 2044
رواه علوان بن داوود مولى أبي زرعة بن عمرو بن جرير (١).
стр. 2045
واختُلِفَ عليه، من أوجه:
١. عُلوان، عن حُميد بن عبدالرحمن بن حميد بن عبدالرحمن (١)، عن صالح بن كيسان (٢)، عن حُميد بن عبدالرحمن بن عوف (٣)، عن أبيه عبدالرحمن بن عوف ﵁.
أخرجه: أبو عبيد القاسم بن سلام في «الأموال» (١/ ٢٣٤) رقم ... (٣٧٦)، ومن طريقه: ... [الحاكم في «المستدرك» (٤) (٤/ ٣٨١) رقم ...
стр. 2046
(٧٩٩٩)].
ــ والعُقيلي في «الضعفاء» (٣/ ١١١٢) من طريق يحيى بن أيوب العلَّاف.
ــ والطبراني في «المعجم الكبير» (١/ ٦٢) رقم (٤٣)، وعنه: [أبو نعيم في «الحلية» (١/ ٤٣)، وفي «معرفة الصحابة» (١/ ٣١) رقم (١٠٢)، ومن طريق الطبراني أيضاً: ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٠/ ٤٢٢)، والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (١/ ٨٨) رقم (١٢)] عن أبي الزنباع رَوح بن الفرج المصري.
ثلاثتهم: (أبو عبيد القاسم، ويحيى بن أيوب، ورَوْح بن الفرج) عن سعيد بن كثير بن عُفير (١)، عن علوان، به.
٢. علوان، عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف، عن أبيه عبدالرحمن بن عوف. (لم يذكر: حميد بن عبدالرحمن بن حميد بن عبدالرحمن بن عوف).
أخرجه: أبو عبيد القاسم بن سلام في «الأموال» (١/ ٢٣٥) رقم ...
стр. 2047
(٣٧٧)، وعنه: [البلاذري في «فتوح البلدان» (ص ١٠٨)] عن أبي صالح عبدِاللَّه بن صالح كاتب الليث.
ــ وأخرجه: ابن زنجويه في «الأموال» (١/ ٣٠١) رقم (٤٦٧)، وفي (١/ ٣٤٧) رقم (٥٤٨) عن عثمان بن صالح.
ـ وابن جرير الطبري في «تاريخه» (٣/ ٤٢٩)، والعقيلي في ... «الضعفاء» (٣/ ١١١٤)، ومحمود بن محمد بن الفضل الأديب في كتابه ... «المتفجعين» ـ كما في «تخريج أحاديث الإحياء» ط. العاصمة (٦/ ٢٥٦٤) ـ ... من طريق يحيى بن عبداللَّه بن بُكير.
ــ والعقيلي في «الضعفاء» (٣/ ١١١٤)، وابن وضاح ومن طريقه: ... [ابن عبدربه كما في «العقد» لابن عبد ربه (٤/ ٢٦٧)]، وأبو بكر ابن المقرئ ومن طريقه: [ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٠/ ٤١٩)]، من طريق محمد بن رمح.
أربعتهم: (عبداللَّه بن صالح، وعثمان بن صالح، ويحيى بن عبداللَّه بن بُكير، ومحمد بن رمح) عن الليث بن سعد، عن علوان، به.
ــ وقد رواه أبو الهيثم خالد بن القاسم المدائني (١)، عن الليث، عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبدالرحمن، عن أبيه. (فأسقط علوان)
стр. 2048
أخرجه: ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٠/ ٤١٧) وذكر عقبه: أن خالد بن القاسم أسقط علوان.
٣. علوان، عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف، أن أبا بكر الصديق قال. (لم يذكر أباه: عبدالرحمن بن عوف، نصَّ على ذلك ابن جرير).
أخرجه: ابن جرير الطبري في «تاريخه» (٣/ ٤٣١) عن محمد بن إسماعيل المرادي، عن عبداللَّه بن صالح، عن الليث، عن علوان، به.
٤. علوان، عن صالح بن كيسان، أنَّ عبدَالرحمن (١) بنَ حُميد بن عبدِالرحمن بن عوف أخبره أن عبدَالرحمن بن عوف دخل على أبي بكر. ... (مرسل)
أخرجه: العقيلي في «الضعفاء» (٣/ ١١١٤) عن يحيى بن عثمان، عن أبي صالح، عن الليث، عن علوان، به.
مرسل، ولعله انقلب حميد بن عبدالرحمن إلى عبدالرحمن بن حميد. وربما يكون من اضطراب علوان.
стр. 2049
٥. علوان، عن أبي محمد المدني، (١) عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف، عن أبيه عبدالرحمن بن عوف.
أخرجه: ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٠/ ٤٢٠) من طريق أبي الحسن خيثمة بن سليمان الأطرابلسي (٢)، عن أبي محمد عبداللَّه بن زيد بن عبدالرحمن النهراني (٣)، عن الوليد بن الزبير (٤)، عن علوان، به.
قال ابن عساكر عقبه: قال علوان: وحدثني الماجشون ... (وهو الوجه التالي).
٦. علوان، عن الماجشون، عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبدالرحمن، عن أبيه عبدالرحمن بن عوف.
ذكر ذلك عنه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٠/ ٤٢٠) عقب الوجه السابق رقم (٥).
стр. 2050
ــ وقد رواه حفص بن عمر العُمَري، عن الهيثم بن عدي، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري أنَّ عبدالرحمن بن عوف دخل على أبي بكر ﵄ ... الحديث.
أخرجه: البلاذري في «أنساب الأشراف» (١٠/ ٣٤٦).
وهذا مرسل: الزهري أنَّ عبدالرحمن.
وفيه: الهيثم بن عدي الطائي، كذاب. (١)
ــ وسيأتي في كلام الخلال نقلاً عن أبي بكر بن صدقة أن علوان يروي هذا الحديث عن ابن داب.
من أقوال العلماء في الإسناد:
ــ عند العقيلي ــ بعد رواية يحيى بن بكير، عن الليث ــ، قال: (قال ابن بكير: ثم قدم علينا علوان بن داوود فحدَّثنا به كما حدَّثناه الليث).
ــ قال ابن جرير الطبري ــ بعد رواية يونس بن عبدالأعلى، عن يحيى بن بكير، عن الليث ــ: (قال لي يونس: قال لنا يحيى بن بكير: ثم قدم علينا علوان بعد وفاة الليث، فسألتُه عن هذا الحديث، فحدَّثَني به كما حدثني به الليث بن سعد حرفاً حرفاً، وأخبرني أنه هو حدَّث به الليث بن سعد، وسألتُه
стр. 2051
عن اسم أبيه؟ فأخبرني أنه علوان بن داوود).
ومثله في رواية «كتاب المتفجعين».
الشاهد من الحديث: كشْفُ بيتِ فاطمة، وألفاظهم كما يلي:
ــ عند الطبراني: فودِدْتُ أني لم أكُنْ كشَفْتُ بيتَ فاطِمَةَ وتَركتُهُ، وإنْ أُغلِقَ على الحرْبَ.
ــ عند أبي عبيد: (فوددتُ أني لم أكن فعلتُ كذا وكذا، لخُلَّةٍ ذكَرَهَا ... ـ قال أبو عُبيد: لا أريد ذِكرَها ـ).
ــ عند ابن زنجويه: (فوددتُ أني لم أكن كشفتُ بيتَ فاطمة عن شيء، وإن كانوا قد أغلقوا على الحرب)، وفي الموضع الثاني: (فوددتُ أني لم أكن فعلت كذا وكذا لشيء ذكره).
ــ عند ابن جرير من طريق ابن بكير: (فوددتُ أني لم أكن أكشفُ بيتَ فاطمة عن شيء، وإن كانوا قد غَلَّقُوه على الحرب).
ــ عند العقيلي من طريق سعيد بن عُفير: (وددتُ أني لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركتُه، وإن أُغلق على الحرب).
ــ رواية ابن عساكر من طريق الكذاب خالد بن القاسم المدائني: ... (ووددتُ أني لم أكن كشفتُ بيت فاطمة عن شئ، مع أنهم أغلقوه على الحرب).
стр. 2052
ــ رواية ابن رمح، عن الليث: (فوددتُ أني لم أكشف بيت فاطمة عن شئ).
ــ رواية الوليد بن الزبير، عن علوان: (فوددتُ أني لم أكن كشفت بيت فاطمة، وأني أغلق على المحارب). كذا! ! ولعلها: وإن أُغلِق على المحارِب.
ــ رواية ابن وضاح ـ كما في «العقد» لابن عبدربه ـ: (فوددتُ أني لم أكشف بيت فاطمة عن شئ، وإن أغلقوه على الحرب).
ــ رواية الكذاب: الهيثم بن عدي، عن يونس، عن الزهري ـ مرسلاً ـ: (وددتُ أني لم أُفتِّشْ منزل فاطمة، ولو نصَبَ عليٌّ لي الحربَ).
ــ رواية البلاذري في «فتوح البلدان» عن أبي عبيد، عن عبداللَّه بن صالح: لم يذكر فيها الشاهد.
ــ حديث أبي نعيم عن الطبراني: ذكر طرَفَه الأول فقط، ولم يُورد الشاهد.
ــ رواية الحاكم في «المستدرك»: اقتصر على الجزء الأخير: ميراث العمة والخالة.
مما سبق لم أجد أحداً ذكره كما ذكرَته الرافضة:
لم أكبس بيت فاطمة ! !
فلعلَّ لفظة أكبس تصحفت عليهم في منقولاتهم من أكشِف! !
стр. 2053
أقوال العلماء في الحديث:
١. جاء في «المنتخب من علل الخلال» (ص ٢٩٦) رقم (١٩٦): (قال مهنا: سألتُ أحمد ـ أي ابن حنبل ـ، عن حديث: الليث بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبدالرحمن، عن أبيه، أنه دخل على أبي بكر في مرضه، فسلم عليه، فقال: «أما إني ما آسى إلا على ثلاث فعلتهن .. الحديث؟
فقال أحمد: ليس صحيحاً.
قلت: كيف ذا؟
قال: أخذ من كتاب ابن داب، فوضعه على الليث.
قال الخلال: قال أبو بكر بن صدقة روي هذا الحديث، عن علوان بن داود البجلي، من أهل قَرقِيسيا، وهو يحدِّث بهذه الأحاديث عن ابن داب (١)، ورأيت هذا الحديث من حديثه عن ابن داب، وعلوان في نفسه لا بأس به). انتهى من «المنتخب».
٢. وفي «تاريخ أسماء الضعفاء والكذابين» لابن شاهين (ص ١٣١) رقم (٤٠٩): قال ابن رشدين: سألتُ أحمد بن صالح ـ المصري ـ عن حديث علوان بن داود، الذي يرويه أصحابنا؟
فقال: (هذا حديثٌ مَوضوعٌ كذِب، لا ينبغي أن يُكتب ولا يُقرأ، ولا
стр. 2054
يُحدَّثُ به.
وكأني رأيتُ علوان عنده متروكاً، هُوَ وَحديثُه. وقال: هذا باطلٌ مَوضوعٌ).
٣. وسئل عن الحديث الدارقطني كما في «العلل» (١/ ١٨١) رقم (٩)، فقال: (هو حديث يرويه شيخ لأهل مصر يقال له: علوان بن داود، واختُلِف عليه فيه:
١. فرواه عنه سعيد بن عفير، عن حميد بن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن أبي بكر الصديق.
٢. وخالفه الليث بن سعد، فرواه عن علوان، عن صالح بن كيسان. بهذا الإسناد إلا أنه لم يذكر بين علوان وبين صالحٍ: حميدَ بنَ عبد الرحمن.
فيشبه أن يكون سعيد بن عفير ضبطه عن علوان؛ لأنه زاد فيه رجلاً، وكان سعيد بن عفير من الحفاظ الثقات). انتهى من «العلل».
٤. وذكر الضياء المقدسي في «المختارة» (١/ ٩٠) قول الدراقطني من «العلل» ثم قال الضياء: (قلتُ: وهذا حديثٌ حسَنٌ عن أبي بكر إلا أنه ليس فيه شيء من قول النبي ﷺ ).
стр. 2055
٥. وضعَّفَه شيخ الإسلام ابن تيمية ـ كما سيأتي كلامه بعد قليل ـ.
٦. وضعَّفَه الذهبي كما في «تلخيص المستدرك» (٤/ ٣٨١) رقم ... (٧٩٩٩). (١)
الحكم على الحديث:
الحديث موضوع، آفته علوان، وهو متروك، وتفرد به، واضطرب فيه كثيراً.
وقد ذكر أحمد بنُ صالح المصري أنه رآه في «حديث علوان، عن ابن داب»، وابن داب وضَّاع ـ كما سبق بيان ذلك كله ـ.
وعلى فرض صحته، فيُجاب بجواب ابن تيمية ﵀، حيث قال:
[فصل: قال الرافضي: (الثامن: قوله في مرض موته: ليتني كنت تركتُ بيتَ فاطمة لم أكبسه، وليتني كنت في ظلة بني ساعدة ضَربتُ على يد أحد الرجلين، وكان هو الأمير، وكنتُ الوزير، وهذا يدل على إقدامه على بيت فاطمة عند اجتماع أمير المؤمنين، والزبير، وغيرهما فيه).
والجواب: أن القدحَ لا يُقبل حتى يثبتَ اللفظُ بإسنادٍ صحيح، ويكونَ دالَّاً دِلالَةً ظاهرَةً على القَدْحِ، فإذا انتفَتْ إحدَاهُما؛ انتَفَى القَدْحُ، فكيف إذا
стр. 2056
انتَفَى كلٌّ منهما؟ !
ونحنُ نعلمُ يقيناً أنَّ أبا بكر لم يُقدِم عَلى عَلِيٍّ والزُّبَير بشيءٍ مِن الأذَى، بَلْ ولَا على سَعدِ بنِ عُبَادَةَ المتخَلِّفِ عَن بيعتِهِ أوَّلاً وآخِرَاً.
وغايةُ ما يُقَالُ: إنَّه كَبَسَ البَيتَ لِينْظُرَ هَلْ فيهِ شيءٌ مِن مَالِ اللَّه الذي يَقْسِمُهُ، وأنْ يُعطِيَهُ لمستَحِقِّه، ثمَّ رأى أنَّه لَوْ تَرَكَهُ لهُم، لجاز؛ فإنَّه يجوزُ أنْ يُعطِيْهِمْ من مَال الفَيءِ.
وأمَّا إقدَامُهُ عَليهِم أنفُسِهِم بَأذى، فهَذا ما وقَعَ فِيهِ قَطٌّ باتِّفَاقِ أهلِ العِلْمِ والدِّيْنِ، وإنِّما يَنقُلُ مثلَ هذا جُهَّالُ الكَذَّابِينَ، ويُصَدِّقُهُ حَمْقَى العَالمَين، الَّذِينَ يقولون: إنَّ الصحَابةَ هَدَمُوا بَيتَ فاطمةَ، وضَربُوا بَطْنَهَا حتَّى أسقَطَتْ! !
وهذا كُلُّه دَعْوَى مُخْتَلِقٌ، وإِفْكُ مُفْتَرَى، باتِّفَاقِ أهلِ الإسلَامِ، ولا يَروجُ إلَّا عَلَى مَنْ هُو مِنْ جِنْسِ الأنعَامِ.
وأما قوله: «ليتني كنتُ ضَربْتُ على يَدِ أحَدِ الرَّجُلَين»؛ فهذا لم يَذكُرْ لَهُ إسنَادَاً، ولم يُبيِّنْ صِحَّتَهُ، فإنْ كان قالَه، فهُو يدُلُّ عَلى زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ وَخَوْفِهِ ... مِنَ اللَّه تعالى]. (١)
* * *
стр. 2057
المسألة السابعة: صحة الجملة الواردة في الحديث المخرَّج في الصحيحين من حديث عائشة ﵂: «فهجرَتْه حتى ماتت»، وإجابةٌ على شُبهَة مَن أنكرها .
١. حديث عائشة المخرَّج في الصحيحين ـ وهو الأول في هذا المبحث ـ ليس فيه إدراج.
٢. ورد في بعض طُرُقِه ـ خارج الصحيحين ـ إدراج صريح:
جاء في رواية عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ ضمن الحديث: (قال معمر: فقال رجل للزهري: فلم يبايعه عليٌّ ستة أشهر؟ قال: لا، ولا أحدٌ من بني هاشم حتى بايعَه عليٌّ).
أخرجه: عبدالرزاق في «المصنف» (٥/ ٤٧٢) رقم (٩٧٧٤)، ومن طريقه: [أحمد بن علي المروزي في «مسند أبي بكر الصديق» (ص ٨٧) رقم ... (٣٨)، وأبو عوانة في «مستخرجه» (٤/ ٢٥١) رقم (٦٦٧٩)، وابن جرير الطبري في «تاريخه» (٣/ ٢٠٧ ـ ٣٠٨)].
وأورده الحُميدي في زوائده في «الجمع بين الصحيحين» (١/ ٨٦)، وفي ط. دار الكمال المتَّحدة (١) (١/ ١١٨) رقم (٦)، ونقله من الحميدي:
стр. 2058
ابن هبيرة في «الإفصاح» (١) (١/ ٧٠)، وكذا ابن الأثير في «جامع الأصول» (٤/ ١٠٣) ـ دون بيان، بل عزاه لمسلم ـ.
٣. قال البيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٠٠): (قال معمر: قلت للزهري: كم مكثت فاطمة بعد النبى ﷺ ؟ قال: ستة أشهر.
فقال رجل للزهري: فلم يبايعه علي ﵁ حتى ماتت فاطمة ﵂؟
قال: ولا أحدٌ من بني هاشم.
رواه البخارى فى «الصحيح» من وجهين عن معمر. ورواه مسلم عن إسحاق بن راهويه وغيره عن عبد الرزاق.
وقول الزهري فى قعود علي ﵁ عن بيعة أبى بكر ﵁ حتى توفيت فاطمة ﵂ منقطع (٢)؛
وحديثُ أبي سعيد ﵁ في مبايعته
стр. 2059
إياه حين بُويع بيعة العامة بعد السقيفة أصحُّ.
ولعلَّ الزهري أراد قعوده عنها بعد البيعة، ثم نهوضه إليها ثانياً، وقيامه بواجباتها، واللَّه أعلم). انتهى كلام البيهقي.
وقال البيهقي ـ أيضاً ـ في كتابه «الاعتقاد» ـ ط. الفضيلة ـ (ص ٤٩٤ ـ ٤٩٥): (والذي روى أن علياً لم يبايع أبا بكر ستة أشهر ليس من قول عائشة، إنما هو من قول الزهري، فأدرجه بعض الرواة في الحديث في قصة فاطمة ﵃، وحفِظَه معمر بن راشد، فرواه مُفصَّلاً، وجعلَه من قول الزهريِّ منقطعاً من الحديث).
стр. 2060
ظهر مما سبق أن أن عبارة الإدراج واضحة من قول الزهري، في عدم مبايعة علي وآل هاشم.
وأشار البيهقي أول كلامه إلى إدراج: مكوث فاطمة ستة أشهر، ثم صرَّح بانقطاع وإدراج قعود علي.
ولفظة مكث فاطمة ستة أشهر، متصلة لم يقل أحد بإدراجها، ولو ورد من قول الزهري، حتى أن البيهقي جزم بإدراج الجملة الثانية: بيعة علي وآل هاشم فقط.
أطلت في هذه المسألة لزيادة بيان ما يرد في رقم (٤) و (٥).
٤. الحديث في «الصحيحين» ـ كما سبق في أول المبحث ـ: ( ... فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلمْ تكلِّمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي ﷺ ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها عليٌّ ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر وصلَّى عليها، وكان لعلي من الناس وجهٌ حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر عليٌّ وجوه الناس، فالتمسَ مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر: أن ائتنا ولا يأتنا أحدٌ معك، كراهية لمحضر عمر ... ).
قال ابن حجر العسقلاني: (وأشار البيهقيُّ إلى أن في قوله: «وعاشت إلخ» إدراجاً، وذلك أنه وقع عند «مسلم» من طريق أخرى، عن الزهري فذكر الحديث وقال في آخره: قلت للزهري: كم عاشت فاطمة بعده؟ قال:
стр. 2061
ستة أشهر. وعزا هذه الرواية لِـ «مسلم»، ولم يقع عند مسلم هكذا، بل فيه كما عند البخاري موصولاً، واللَّه أعلم). (١)
الخلاصة أن المدرج ما ورد صريحاً واضحاً في «مصنف عبدالرزاق»، وأن قول البيهقي في مكث فاطمة بعد النبي ﷺ موصول، إنما الإدراج في عدم مبايعة أبي بكر، وبني هاشم.
إذن ليس في حديث عائشة في «الصحيحين» عبارة مدرجة، ولم يقل أحدٌ قط ـ بعد البحث الشديد ـ أن مسألة هَجْرِ وعَتَبِ فاطمةَ علَى أبي بكر حتى توفيت، مُدرَجٌ.
٥. صدر في عام (١٤٢٨ هـ) كتاب بعنوان: «تسديد الملِك لحكم أبي بكر ﵁ في فدَك، ورد الفرية المزعومة: مظلومية الزهراء» للشيخ: عبدالفتاح بن محمود سرور.
وهو كتاب جيد ثريٌّ في الباب في نقولاته من كتب السنة، وكتب الشيعة، لكنه زعم ـ وفقه اللَّه ـ في (ص ٣٦) أن عدداً من جمل حديث عائشة مختلف في نسبتها إلى قائلها: الأُولى: فأبَى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة، فوجدت عليه، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت. والثانية: عاشت ستة أشهر،
стр. 2062
ودفنها زوجها ليلاً، ولم يؤذِن بها أبا بكر. والثالثة: وكان لعلي وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر وجوه الناس، والتمس مصالحة أبا بكر. الرابعة: ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد؛ كراهية محضر عمر ... ثم ذكر خطبة أبي بكر وعلي.
وذكر (ص ٣٨) من الرواة مَن قال: (قالت: فهجرته فاطمة).
قلت: هي في رواية المروزي، والباقون: (قال: فهجرته).
قلت: ولا يخفى على طالب علم أن هذه الصيغ من الرواة، لا يؤخذ منها أن هذه اللفظة مدرجة أو غير مدرجة.
ثم ذكر المؤلف الجمل السابقة وفصَّل فيها بدءاً من (ص ٤٠)، يهمُّنِي منها هنا: مسألة هجر فاطمة، قال عنها: الظاهر أنه ثابت عن عائشة، والزهري، وكذا ما جاء من القول: وكان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة .. إلخ.
كذا قال، وهو قول بلا حجة، فالقول في الحديث كله قول عائشة، ولم يأت ما يصرف شيئاً منه ليكون مدرجاً من قول الزهري، والزهري ـ هنا ـ راويه عن عروة عن عائشة، فكيف يستقيم الرأي الذي ذكره الباحث: عبدالفتاح: أنه مدرج من قول الزهري وهو أيضاً من قول عائشة؟ !
٦. وصدر ـ أيضاً ـ في عام (١٤٣٧ هـ) كتاب بعنوان: «حديث عائشة ﵂ وقصة فدك ـ دراسة حديثية فقهية ـ» للشيخ د. عثمان بن
стр. 2063
محمد الخَمِيس ـ من دولة الكويت ـ (١)
ظهر لي أنه قصد بتأليف هذا الكتاب من أوله إلى آخره: تخريج حديث عائشة المخرَّج في الصحيحين، وتضعيف عبارة: فهجرته حتى توفيت.
ذكر ـ وفقه اللَّه ـ أن الحديث مداره على الزهري، ورواه عن الزهري ستة.
وذكر في (ص ٧٢) أنه ترك الروايات الضعيفة، والروايات المختصرة جداً كما في رواية يونس عن الزهري عند البخاري؛ لأنه ليس فيها ذكر لفاطمة.
وخرَّج الروايات عن الزهري، ووضع في (ص ١١١) حال الرواة عن الزهري ومن بعدهم، ثم بدأ يوازن بين الروايات، فقال:
في (ص ١١٤): (الروايات متغايرة جداً بين بسط واختصار) ثم بيَّنَها.
وأبرز في (ص ١١٦) قول البيهقي في إدارج الزهري مسألةَ: قعود علي عن البيعة.
стр. 2064
وفي (ص ١١٧) وضع جدولاً لبيان الفروق بينها: مَن ذكرها، ومَن لم يذكرها، ومَن ذكر الهجر والعتب، والعتب والوجد، والهجر وعدم الكلام، ومبايعة علي ...
أقول: والحقيقة أن العبارات واحدة: هجر وعتب ووَجْد وعدم كلام حتى توفيت.
وأما مسألة مبايعة علي، وردت عند عبدالرزاق ـ كما سبق بيانه قبل قليل ـ.
ثم ذكر الدكتور ـ وفقه اللَّه ـ في (ص ١٢٠) جدولاً يبين حال الرواة بالنسبة للزهري.
وفي (ص ١٢٣) ذكر أن هجر فاطمة، يحتمل أمرين: إما أن يكون مدرجاً ـ وهو الظاهر لي ـ وإما أن يكون مؤقتاً كما في رواية البيهقي .... ثم ذكر حديث مراضاة أبي بكر فاطمة من البيهقي، وقول البيهقي: هذا مرسل حسن بإسناد صحيح.
أقول: هذا هو لُبُّ الكتاب وأصلُه، وباعثُه، ثم ختَمَ ـ وفقه اللَّه ـ الكتاب من (ص ١٢٣) بمسائل مختصرة عن: هجرفاطمة، وهل فدك إرث أم هبة؟ ومسألة مبايعة علي.
стр. 2065
وفي الخاتمة (ص ١٤٢) ذكر النتيجة:
أنَّ الاضطراب الذي وقع في هذا الحديث إنما هو بسبب الزهري، وعليه يكون الزهري حدَّث بهذا الحديث أكثر من مرة، وفي أكثر من مجلس، وكان يُعلِّق ويَشرح ويُضيف، فيظن البعض أنه من الحديث، فيضيفُه إلى عائشة ﵂، ورواية معمر ظاهرة في ذلك جداً ....
وبناء على ذلك يكون ما ذُكر من غضب فاطمة وهجرها لأبي بكر، وعدم مبايعة علي؛ مدرجاً من كلام الزهري وليس من كلام عائشة ... ).
هذا كتابه ـ وفقه اللَّه ـ، وهذا رأيه، وهو المتخصص بالسُّنَّة، والردُّ عليه من وجوه:
١. لا ضير على مَن يناقش أهل البدع من الرافضة وغيرهم أن يذكر الحقيقة كما هي، ولا يجد في نفسه حرجاً منها، فليس فيما يهرب منه إلزامٌ ببدعة، أو تشنيع على أهل السنة ومعتقدهم، فالحق أبلج، والباطل لجلج، وأهلُ الحق لهم ألف ألف باب من الحق، بل الأبواب كلها مشرعة؛ وأهل الباطل ليس لهم مدخل إلا كسَمِّ الخِياط.
٢. غنيٌّ عن البيان ما تواتر عند المسلمين فضلاً عن أهل الحديث مكانة الصحيحين وعظم شأنهما في الإسلام، ورأى المتخصصون الأحاديثَ المنتقدة عليهما من قبل بعض الأكابر سابقاً، والأصاغر والبدع لاحقاً، وكيف طرحها المحققون وأبانوا متانتهما، وحموا حماهما، فمَن قَرُبَ منهما؛ اتَّهَمُوه.
стр. 2066
٣. الدكتور ـ وفقه اللَّه ـ عَمَد إلى هذا الحديث ـ وهو في ... «الصحيحين» ـ وجمَع ألفاظه وطُرَقه عن الزهري، واستبعد بعض الطرق، لأنها لم تذكر الهجر، وكذا استبعد الطرق الضعيفة! !
وهذا ليس منهج أهل العلم، لأن الحديث ــ إن كنتَ تراه مُعَلَّاً ـ، فيجب عليك جمع الطرق كلها، وما يدريك لعل الذي طرحته ممن لم يذكر الموضوع الذي جعلته نصب عينك، يكون سبباً في إعلال من ذكرَهَا ـ.
٤. لما جمع الدكتور ـ وفقه اللَّه ـ الروايات كان نظره مقتصراً على قضية: (فهجرته) فقط، أعمل عليها النظر، وحام حولها، وخرج بالاختلاف والتغاير والاضطراب، وحكَم عليها بالإدراج؛ السؤال: لماذا لم ينظر في باقي جمَل الحديث؟ ! ففي الحديث جملةٌ عن دفن علي فاطمة ليلاً ولم يخبر بها أبا بكر، وأخرى عن طلب علي المصالحة وأن يأتي أبو بكر وحده كراهةً لحضور عمر، وثالثة في قول علي عن أبي بكر: فاستبدَّ علينا، ورابعة: وكان المسلمون قريباً حين راجع الأمر المعروف، هذه الجمل الأربعة لو نظر فيها لخرج بنتيجة كما خرج بالنتيجة الأولى:
فقد ذكرها عُقيل عن الزهري: عند البخاري برقم (٤٢٤٠)، ومسلم (١٧٥٩).
ولم يذكرها: صالح بن كيسان، عن الزهري، عند البخاري (٣٠٩٢)، ومسلم (١٧٥٩).
стр. 2067
ولا شعيب، عن الزهري، عند البخاري (٣٧١١).
هذا نظر سريع في روايات الصحيحين، لو نُظر إلى الروايات خارج الصحيحين لوجدنا اختلافاً وتغايراً ـ حسب رؤية الدكتور ـ!
٥. كأن الدكتور فرح بإشارة الانقطاع الواردة في قول البيهقي، ... (في بيعة علي وآل هاشم)، وهي ظاهرة واضحة لا إشكال فيها ـ كما سبق بيانها ـ فرح بها، ليستخرج منها أن الزهري يزيد في الحديث، وأن الهجران أيضاً مُدرَجٌ، ومثله ما فعله الشيخ: عبدالفتاح سرور، فقد وسَّع الأخير دائرة الإدراج لتشمل جملاً كثيرة!
٦. الحديث في «الصحيحين» وغيرهما، مطوَّلاً مفصَّلاً مكرراً عند البخاري، يزيد في موضع، ويختصر في آخر، وهذا دأب أهل الحديث، وموضوع: الهجر والعتب والوجد وعدم الكلام في هذا الحديث بمعنى واحد، وليس في الحديث أدنى اضطراب، فكيف بالتغاير الشديد حسب وصفه؟ ! ولو طبَّق الدكتور منهجه هذا على أحاديث «الصحيحين» الطوال؛ لخرج منها كلِّها بأن فيها تغايراً شديداً، وأنها مضطربة، أعني الاضطراب الذي فهمه هو من هذا الحديث!
٧. أيعمَد إلى قصة طويلة مفصَّلة حسَّاسَة في قضية كُبرى، يُخرِجْهَا الشيخانُ وغيرُهما، ثم ينظر إلى المدار ـ وهو جبلٌ عظيم واسعُ الرواية ـ: الإمام الزهري، فيضرب عليه الروايات بعضها في بعض، يُعل المختصرة
стр. 2068
بالمطولة، ويضع الجداول ليحاكم الروايات حسب كلمة الوجد والهجر والغضب، والتي لم تذكر بالتي ذكرت الهجران، يدور دورانا ليصل إلى ما لم يصل إليه الأئمة طيلة القرون السالفة في موضوع تحت الأنظار، وقد دار حوله النقاش الكثير، أتُعتَبر هذه حقيقة علمية؟
أم تجرؤٌ على القواعد العلمية ومكانة الصحيحين؟ !
أما حسيكة في النفس من كلمة «فهجرته»، والبحث عما يزيلها، ليصفو الحديث عما يكدر على أهل السنة ـ برأيه ـ!
كأن الحديث لم يُخرجه الشيخان مطوَّلاً، وكأن الزيادة مما وقع فيها اختلاف، وطال الحديث حولها في الكتب الأولى التي انتقدت بعض أحاديث الصحيحين؟ !
سبحان اللَّه! كيف تجاوز الأئمة الأولون، والشراح، والمستخرجون، والمخرِّجون، والمنتقدون، والمناقشون لقضية علي وفاطمة مع أبي بكر، كيف تجاوزوا النظر في (إدراج = وضعف واضطراب) لفظة الهجر؛ لتظهر في القرن الخامس عشر فقط؟ !
٨. إذا كان هذا مدرج من قول الزهري، وقوله هذا مرسل لم يرد له إسناد متصل، ومراسيل الزهري شرٌّ من مُرسَل غيره، فكيف يَسكت العلماء عنه وهو يدور في متون السنة، ويتربع في الصحيحين، بل يتنقل في صحيح البخاري؟ !
стр. 2069
قال يحيى بن سعيد القطان: مرسل الزهري شرٌّ من مرسَلِ غيره؛ لأنه حافظ، وكلَّما قدر أن يسمِّي سمَّى، وإنما يترك مَن لايستحب أن يسمِّيَه.
وقال ابن معين والشافعي وغيرهما: مراسيل الزهري ليست بشئ. (١)
٩. الزيادة في متون الأحاديث قضيةٌ بالغة الدِّقة، بالنسبة لعدِّ الزيادة التي يقف عليها الباحث اختلافاً يجب النظر فيها، وتطبيق قواعد الاختلاف عليه ... لذا نرى في الأحاديث الطوال تقطيعاً، فيُذكر الجزء المراد الاستشهاد به (٢)، وحديثنا هذا في «الصحيحين» جاوز القنطرة، وليس ثمَّ اختلاف، ... أو تغاير، فضلاً عن التغاير الشديد والاضطراب.
قال ابن رجب: (فاختلاف الرجل الواحد في الإسناد: إنْ كان متهماً، فإنه ينسب به إلى الكذب.
وإن كان سيئ الحفظ، نُسِب به إلى الاضطراب وعدم الضبط.
وإنما يُحتَمَل مثل ذلك ممن كثُرَ حديثُه، وقَوِيَ حفظُه، كالزهري، وشعبة، ونحوهما). (٣)
стр. 2070
وقال ابن رجب في مسألة زيادة الثقة: (إذا روى الحفاظ الأثبات حديثاً بإسناد واحد، وانفرد واحدٌ منهم بإسناد آخر:
فإن كان المنفردُ ثقةً حافظاً، فحكمُه قريبٌ من حكم زيادةِ الثقة، في الأسانيد أو في المتون، وقد تقدَّم الكلام على ذلك.
وقد تردد الحفاظُ كثيراً في مثل هذا، هل يُردُّ قول من تفرَّد بذلك الإسناد، لمخالفة الأكثرين له؟ أم يقبل قوله، لثقته وحفظه؟
ويقوَى قَبُولُ قَولِه إن كان المرويُّ عنهُ واسعَ الحديث، يُمكن أن يحمِلَ الحديثَ من طُرُقٍ عديدة كالزهري، والثوري، وشعبة، والأعمش). (١)
وقال ابن حجر: (فالتعليل بجميع ذلك من أجل مجرد الاختلاف غير قادح؛ إذْ لا يلزم مِن مُجرَّدِ الاختلافِ اضطرابٌ يُوجِبُ الضَّعْفَ؛ فينبغي الإعراض أيضا عما هذا سبيله). (٢)
قال ابن حجر في حديث ما: (وصنيع البخاري يقتضي أن الطريقين صحيحان، فإنه وصل طريق معمر هنا، ووصل طريق شعيب في كتاب الأدب؛ وكأنه رأى أن ذلك لا يقدح؛ لأن الزهري صاحب حديث فيكون الحديث عنده عن شيخين، ولا يلزم من ذلك اطِّرَادُه في كل من اختُلِفَ عليه في شيخه إلا أن يكون مثل الزهري في كثرة الحديث والشيوخ، ولولا ذلك