← Тараджим

Тараджим · id 50

فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - سيرتها، فضائلها، مسندها - رضي الله عنها -

إبراهيم بن عبد الله المديهش

Полный текст (3 488 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

٣. الدكتور ـ وفقه اللَّه ـ عَمَد إلى هذا الحديث ـ وهو في ... «الصحيحين» ـ وجمَع ألفاظه وطُرَقه عن الزهري، واستبعد بعض الطرق، لأنها لم تذكر الهجر، وكذا استبعد الطرق الضعيفة! ! وهذا ليس منهج أهل العلم، لأن الحديث ــ إن كنتَ تراه مُعَلَّاً ـ، فيجب عليك جمع الطرق كلها، وما يدريك لعل الذي طرحته ممن لم يذكر الموضوع الذي جعلته نصب عينك، يكون سبباً في إعلال من ذكرَهَا ـ. ٤. لما جمع الدكتور ـ وفقه اللَّه ـ الروايات كان نظره مقتصراً على قضية: (فهجرته) فقط، أعمل عليها النظر، وحام حولها، وخرج بالاختلاف والتغاير والاضطراب، وحكَم عليها بالإدراج؛ السؤال: لماذا لم ينظر في باقي جمَل الحديث؟ ! ففي الحديث جملةٌ عن دفن علي فاطمة ليلاً ولم يخبر بها أبا بكر، وأخرى عن طلب علي المصالحة وأن يأتي أبو بكر وحده كراهةً لحضور عمر، وثالثة في قول علي عن أبي بكر: فاستبدَّ علينا، ورابعة: وكان المسلمون قريباً حين راجع الأمر المعروف، هذه الجمل الأربعة لو نظر فيها لخرج بنتيجة كما خرج بالنتيجة الأولى: فقد ذكرها عُقيل عن الزهري: عند البخاري برقم (٤٢٤٠)، ومسلم (١٧٥٩). ولم يذكرها: صالح بن كيسان، عن الزهري، عند البخاري (٣٠٩٢)، ومسلم (١٧٥٩).

стр. 2067

ولا شعيب، عن الزهري، عند البخاري (٣٧١١). هذا نظر سريع في روايات الصحيحين، لو نُظر إلى الروايات خارج الصحيحين لوجدنا اختلافاً وتغايراً ـ حسب رؤية الدكتور ـ! ٥. كأن الدكتور فرح بإشارة الانقطاع الواردة في قول البيهقي، ... (في بيعة علي وآل هاشم)، وهي ظاهرة واضحة لا إشكال فيها ـ كما سبق بيانها ـ فرح بها، ليستخرج منها أن الزهري يزيد في الحديث، وأن الهجران أيضاً مُدرَجٌ، ومثله ما فعله الشيخ: عبدالفتاح سرور، فقد وسَّع الأخير دائرة الإدراج لتشمل جملاً كثيرة! ٦. الحديث في «الصحيحين» وغيرهما، مطوَّلاً مفصَّلاً مكرراً عند البخاري، يزيد في موضع، ويختصر في آخر، وهذا دأب أهل الحديث، وموضوع: الهجر والعتب والوجد وعدم الكلام في هذا الحديث بمعنى واحد، وليس في الحديث أدنى اضطراب، فكيف بالتغاير الشديد حسب وصفه؟ ! ولو طبَّق الدكتور منهجه هذا على أحاديث «الصحيحين» الطوال؛ لخرج منها كلِّها بأن فيها تغايراً شديداً، وأنها مضطربة، أعني الاضطراب الذي فهمه هو من هذا الحديث! ٧. أيعمَد إلى قصة طويلة مفصَّلة حسَّاسَة في قضية كُبرى، يُخرِجْهَا الشيخانُ وغيرُهما، ثم ينظر إلى المدار ـ وهو جبلٌ عظيم واسعُ الرواية ـ: الإمام الزهري، فيضرب عليه الروايات بعضها في بعض، يُعل المختصرة

стр. 2068

بالمطولة، ويضع الجداول ليحاكم الروايات حسب كلمة الوجد والهجر والغضب، والتي لم تذكر بالتي ذكرت الهجران، يدور دورانا ليصل إلى ما لم يصل إليه الأئمة طيلة القرون السالفة في موضوع تحت الأنظار، وقد دار حوله النقاش الكثير، أتُعتَبر هذه حقيقة علمية؟ أم تجرؤٌ على القواعد العلمية ومكانة الصحيحين؟ ! أما حسيكة في النفس من كلمة «فهجرته»، والبحث عما يزيلها، ليصفو الحديث عما يكدر على أهل السنة ـ برأيه ـ! كأن الحديث لم يُخرجه الشيخان مطوَّلاً، وكأن الزيادة مما وقع فيها اختلاف، وطال الحديث حولها في الكتب الأولى التي انتقدت بعض أحاديث الصحيحين؟ ! سبحان اللَّه! كيف تجاوز الأئمة الأولون، والشراح، والمستخرجون، والمخرِّجون، والمنتقدون، والمناقشون لقضية علي وفاطمة مع أبي بكر، كيف تجاوزوا النظر في (إدراج = وضعف واضطراب) لفظة الهجر؛ لتظهر في القرن الخامس عشر فقط؟ ! ٨. إذا كان هذا مدرج من قول الزهري، وقوله هذا مرسل لم يرد له إسناد متصل، ومراسيل الزهري شرٌّ من مُرسَل غيره، فكيف يَسكت العلماء عنه وهو يدور في متون السنة، ويتربع في الصحيحين، بل يتنقل في صحيح البخاري؟ !

стр. 2069

قال يحيى بن سعيد القطان: مرسل الزهري شرٌّ من مرسَلِ غيره؛ لأنه حافظ، وكلَّما قدر أن يسمِّي سمَّى، وإنما يترك مَن لايستحب أن يسمِّيَه. وقال ابن معين والشافعي وغيرهما: مراسيل الزهري ليست بشئ. (١) ٩. الزيادة في متون الأحاديث قضيةٌ بالغة الدِّقة، بالنسبة لعدِّ الزيادة التي يقف عليها الباحث اختلافاً يجب النظر فيها، وتطبيق قواعد الاختلاف عليه ... لذا نرى في الأحاديث الطوال تقطيعاً، فيُذكر الجزء المراد الاستشهاد به (٢)، وحديثنا هذا في «الصحيحين» جاوز القنطرة، وليس ثمَّ اختلاف، ... أو تغاير، فضلاً عن التغاير الشديد والاضطراب. قال ابن رجب: (فاختلاف الرجل الواحد في الإسناد: إنْ كان متهماً، فإنه ينسب به إلى الكذب. وإن كان سيئ الحفظ، نُسِب به إلى الاضطراب وعدم الضبط. وإنما يُحتَمَل مثل ذلك ممن كثُرَ حديثُه، وقَوِيَ حفظُه، كالزهري، وشعبة، ونحوهما). (٣)

стр. 2070

وقال ابن رجب في مسألة زيادة الثقة: (إذا روى الحفاظ الأثبات حديثاً بإسناد واحد، وانفرد واحدٌ منهم بإسناد آخر: فإن كان المنفردُ ثقةً حافظاً، فحكمُه قريبٌ من حكم زيادةِ الثقة، في الأسانيد أو في المتون، وقد تقدَّم الكلام على ذلك. وقد تردد الحفاظُ كثيراً في مثل هذا، هل يُردُّ قول من تفرَّد بذلك الإسناد، لمخالفة الأكثرين له؟ أم يقبل قوله، لثقته وحفظه؟ ويقوَى قَبُولُ قَولِه إن كان المرويُّ عنهُ واسعَ الحديث، يُمكن أن يحمِلَ الحديثَ من طُرُقٍ عديدة كالزهري، والثوري، وشعبة، والأعمش). (١) وقال ابن حجر: (فالتعليل بجميع ذلك من أجل مجرد الاختلاف غير قادح؛ إذْ لا يلزم مِن مُجرَّدِ الاختلافِ اضطرابٌ يُوجِبُ الضَّعْفَ؛ فينبغي الإعراض أيضا عما هذا سبيله). (٢) قال ابن حجر في حديث ما: (وصنيع البخاري يقتضي أن الطريقين صحيحان، فإنه وصل طريق معمر هنا، ووصل طريق شعيب في كتاب الأدب؛ وكأنه رأى أن ذلك لا يقدح؛ لأن الزهري صاحب حديث فيكون الحديث عنده عن شيخين، ولا يلزم من ذلك اطِّرَادُه في كل من اختُلِفَ عليه في شيخه إلا أن يكون مثل الزهري في كثرة الحديث والشيوخ، ولولا ذلك

стр. 2071

لكانت رواية يونس ومن تابعه أرجح، وليست رواية معمر مدفوعة عن الصحة لما ذكرته ... ). (١) مثال على سعة مرويات الزهري، أنه اختُلف عليه في حديث اختلافا واسعاً، فقال ابن حجر: (والذي اتضح لي أن الحديثين محفوظان عن الزهري، وأنه كان يحدِّث تارةً بهذا، وتارةً بهذا ... ). (٢) إذن، من أسباب اختلاف الأصحاب على الشيخ: سعة روايته، واتساع حفظه، كقتادة والزهري، وغيرهما من جماعة الثقات، فيُقبَل الوجهان في حالات، ويمكن في حالات أخرى الترجيح بقرائن. (٣) الخلاصة: أنَّ هجرَ فاطمة لأبي بكر ﵄، ثابتٌ في الصحيحين، وهي جملة متصلة من قول عائشة ﵂، ولم أجد أحداً من الأئمة والمحققين طعن فيها، وذكر أنها مدرجة، بل لم أجد مَن أشار إلى اضطراب الزهري، واختلافه

стр. 2072

في الحديث إلا بعض المتأخرين والمعاصرين، مثل: الكنكوهي، ثم محمد نافع بن عبدالغفار بن عبدالرحمن (١)، ثم تلميذه: محمد تقي العثماني الباكستاني، ...

стр. 2073

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2074

ثم د. إبراهيم علي شعطوط ـ مصري ـ (١)، ثم الشيخ: عبد الفتاح سرور ... ـ مصري معاصر ـ في «تسديد الملك» ـ كما سبق ـ، ثم محمد بن عبداللَّه

стр. 2075

العلوي الهرري الشافعي المكي ـ معاصر ـ (١)، ثم: د. عثمان الخميس الكويتي ـ كما سبق ـ. وإن من خلل المنهج العلمي أن يَضرب بعضُ من ذُكر ـ مثلُ: محمد نافع، وغيره ـ الحديثَ الموصول في الصحيحين عن عائشة، بمرسل الشعبي، مبينين أن عائشة تنفي، والشعبي يثبت، والمثبت مقدم على النافي، لأنه معه زيادة علم! ! وعائشة امرأة لا تعلم ما يدور بين الرجال بخلاف مرسل الشعبي الذي يغلب على الظن أنه نقله من رجل كعلي مثلاً! ! أبمثل هذه الطريقة الغريبة في الموازنة والترجيح يسلكها طالب علم؟ ! ... يضيق بقضية صحيحة في الصحيحين، لم ينقدها أحد من الأئمة، مع تتابع العلماء على قراءتها وشرحها وتوجيهها، ثم يأتي معاصر يريد دفعها بما شاء، كيف شاء، ولو طوَّع القواعد العلمية، وأنزلها لتصل ما يريد أن يوصل، أو تقطع ما يريد ـ واللَّه المستعان ـ. وفَّقَ اللَّهُ الجميع للصواب، وهدانا لما اختُلف فيه من الحق بإذنه، إنَّ ربي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

стр. 2076

وأما زيادة الزهري: عدم بيعة علي وآل هاشم، فهذه واضحة كالشمس في رواية عبدالرزاق، وهي ليست ضمن الحديث بل مدرجة، وقد بيَّنها البيهقي ـ كما سبق ـ، وذكرتُ أن معناها موجود ضمن حديث عائشة، عدا قوله: ولا أحدٌ من بني هاشم ـ. فائدة: ذكر المسعودي ـ عنده تشيع ـ (ت ٣٤٦ هـ) ﵀ أنَّ الذي (تولَّى غسلها أمير المؤمنين علي بن أبى طالب ﵁ ودفَنَها ليلاً بالبقيع، وقيل غيره، ولم يُؤذِن بها أبا بكر ﵁، وكانت مهاجرةً له منذ طالبتْهُ بإرثها من أبيها ﷺ من فدَك وغيرها، وما كان بينهما من النزاع في ذلك إلى أن ماتت، ولم يبايع عليٌّ ﵇ أبا بكر ﵁ إلى أن توفيت، وتنوزع في كيفية بيعته إياه، وقد أتينا على ما قيل في ذلك في كتاب ... «الاستذكار لما جرى في سالف الأعصار»). (١) * * *

стр. 2077

المسألة الثامنة: معنى الهجر عبارة الهجر وردت في «الصحيحين» هكذا: (فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حتَّى تُوفِّيَتْ). (١) وفي لفظ: (فهَجَرَتْهُ فاطمَةُ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حتَّى ماتَتْ). (٢) وقد جاء في رواية عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂: (فهجَرَتْهُ فاطِمَةُ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ في ذلِكَ حتَّى مَاتَتْ). (٣) وجاء من طريق محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: (فهجرته فاطمة ﵁، فلم تكلمه في ذلك المال حتى ماتت». (٤) وجاء في حديث أبي هريرة ﵁، أن فاطمة جاءت تسأل أبا بكر ... وعمر ميراثها فذكرا لها الحديث: «إني لا أورث». فقالت لهما: «واللَّهِ لا أكلِّمُكما أبَدَاً، فماتَتْ ولا تُكلِّمُهُما».

стр. 2078

قال علي بن عيسى ـ شيخ الترمذي ـ: معنى لا أكلمكما، تعني: في هذا الميراث، أبداً أنتما صادقان. (١) وجاء في حديث آخر، أنها قالت لأبي بكر: أنتَ ورسولُ اللَّهِ أعلم، ما أسألُكه بعد مجلسي هذا. وهذا الحديث واهٍ لايصح. (٢) ليس بين العبارات السابقة اختلاف، والعمدة على حديث الصحيحين، وهي لم تُكلِّمْهُ حتى تُوفِّيت، لم تكلمه في الميراث ولا غيره، وقد اقتنعت بالحديث ﵂ وقبِلَتْ وسَلَّمَتْ، ومع ذلك وجدَتْ في نفسها عدم حصولها على أمرين طلبتهما من أبي بكر ﵁، فتركت الطلب: ... (الميراث، وقيام عليٍّ على الصدقات)، وطلباتها الأخرى العامة، وانشغلت بمرضها، وكان في نفسها شئ على أبي بكر.

стр. 2079

وكونها لم تطلب الميراث مرة ثانية بعد علمها بالحديث، لا إشكال فيه، قال القاضي عياض المالكي (ت ٥٤٤ هـ) ﵀: (وفي ترك فاطمة منازعة أبي بكر ﵄ بعد احتجاجه عليها بالحديث التسليم والإجماع على القضية، وأنها لما بلغها الحديثُ أو بُيِّن لها التأويلُ؛ تركَتْ رأيَها إذْ لم يكن بعدُ ولا أحَدٌ من ذُرِّيتها في ذلك طلبٌ بالميراث، وإذْ قَدْ وَليَ عليٌّ ﵁ الأمرَ فلَمْ يعدِل به عما فعَلَ فيه أبو بكر وعمر ﵄ ... ). (١) وذكر الوزير ابن هبيرة (ت ٥٦٠ هـ) ﵀ حديث مراضاة أبي بكر فاطمةَ ﵄ ثم قال: (ولشأن فاطمة ﵂ من الزهد في الدنيا فوق أن يُظَنَّ بها إلا ما يناسب ذلك. ولهذا المعنى قال في الحديث الذي نحن في تفسيره: «فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك»، أي: لم تكلمه في الميراث؛ لأنها هجرته فلم تكلمه في غير ذلك). (٢) قال أبو العباس القرطبي (ت ٦٥٦ هـ) ﵀: (ثم إنها لم تلتق بأبي بكر؛ لِشُغْلِهَا بمصيبتها برسولِ اللَّه ﷺ ، ولملازمتها بيتها، فعَبَّر

стр. 2080

الراوي عن ذلك بالهجران، وإلا فقد قال رسولُ اللَّه ﷺ : «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث»، وهي أعلمُ الناس بما يحلُّ مِن ذلك ويحرُمُ، وأبعدُ الناس عن مخالفةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، كيف لا يكون كذلك؟ ! وهي بَضْعةٌ من رسول اللَّه ﷺ ، وسيدةُ نساء أهل الجنة). (١) قال الكرماني (ت ٧٦٨ هـ) ﵀: (قوله: «وجدَتْ» أي: غضبت، وكان ذلك أمراً حصل على مقتضى البشرية، ثم سكن بعد ذلك؛ أو الحديث كان مؤولاً عندها بما فضُل عن ضرورات معاش الورثة، وأما هجرانها فمعناه: انقباضها عن لقائه، وعدم الانبساط، لا الهجران المحرَّم من ترك السلام ونحوه). (٢) قال ابن الملقِّن (ت ٨٠٤ هـ) ﵀: (وإنما كان هجرانها له انقباضَاً عن لقائه، وترك مواصلته. وليس هذا من الهجران المحرَّم، وإنما المحرَّمُ من ذَلِكَ أن يلتقيَا ...

стр. 2081

فلا يُسلِّمُ أحدُهما على صاحبه. ولم يَروِ واحِدٌ أنهما التقيا وامتنعا من التسليم، ولو فعَلا ذلك لم يكونا بذلك متهاجرين، إلا أن تكون النفوسُ مُضمِرةً للعداوة والهجران. وإنما لازَمَتْ بيتَها، فعبَّر الراوي عنه بالهجران؛ هذا وجه هجرانها له، لكنَّها وَجَدَتْ عليه أن حَرَمَها ما لم يُحرَم أحدٌ، ولسنا نظن بها إضمارَ الشحناء والعداوة، وإنما هُمْ كما وصفهم اللَّهُ: رُحَمَاءُ بينهم). (١) أورد ابن حجر العسقلاني (ت ٩٥٢ هـ) ﵀ بعض الروايات التي ذُكرَت في أول هذه المسألة، ثم حديث أبي الطفيل، وفيه أنه فاطمة قالت لأبي بكر: (فَأَنْتَ، وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ أَعْلَمُ). (٢) سبق قول علي بن عيسى ـ شيخ الترمذي ـ بأن معنى «لا أكلمكما» أي: في الميراث، ونقل ابنُ حجر تعقُّبَ الشاشيِّ، فقال: (وتعقبَهُ الشاشيُّ بأن قرينة قوله: «غضبت»، تدلُّ على أنها امتنعت من الكلام جملةً، وهذا صريحُ الهجر).

стр. 2082

تعقَّبَهُ الصنعاني (ت ١١٨٢ هـ) ﵀ بقوله: (قلتُ: ولا أدري من أين عُرِفَ هجرُها أبا بكر؟ ! فإنه لا ريب أنها أجنبيةٌ بالنسبة إلى أبي بكر، ... لا يحل لها مواجهته ولا له مواجهتها، وإذا كان كذلك فما معنى نسبة الهجر إليها له؟ ! فإنَّ التزاور، والتواصل، والاجتماع الذي هو ضُدُّ الهجر إنما يكون بين الحريم والرجال، إذا كان تحل المواجهة بينهم وتجوز الخلوة بهنَّ ونحو ذلك؛ والبتول ﵂ أجنبيةٌ عن أبي بكر قطعاً، وقد أُذِن للأجنبي إذا سألَ نساءَ رسولِ اللَّهِ ﷺ متاعاً أن يسألوهنَّ من وراء حجاب، فلا يتحقق هجْرُهَا إياه من وراء الحجاب، إلا إذا ثبت أنه وصَلَ إليها ثم ردَّتْهُ مِن مَنْزِلها ولمْ تُخاطِبْهُ، وهذا شيءٌ لم يُنقَلْ أصْلاً، فَلْيُنْظَرْ). (١) ثم قال ابن حجر: (فلا يعارض ما في الصحيح من صريح الهجران ولا يدل على الرضا بذلك، ثم مع ذلك ففيه لفظة منكرة وهي قول أبي بكر: «بل أهله»؛ فإنه معارِض للحديث الصحيح أنَّ النبيَّ لا يُورث. ثم أوردَ حديث مراضاة فاطمة أبا بكر من مرسل الشعبي ـ وقد سبق ـ ثم قال ابن حجر: (وقد قال بعض الأئمة إنما كانت هجرتها انقباضاً عن لقائه والاجتماع به، وليس ذلك من الهجران المحرم؛ لأنَّ شرطَهُ أنْ يلتقيا فيُعرِضُ هذا، وهذا، وكأنَّ فاطمةَ ﵍ لما خرَجَتْ غَضْبَى مِن عندِ ...

стр. 2083

أبي بكر، تمادت في اشتغالها بحُزنِها، ثم بمَرَضِهَا). (١) تعقبه الصنعاني بقوله: (وقوله: «عن لقائه والاجتماع به» فيه ما عرفتَ مِن أنه أجنبيٌ عنها، فلا تَلاقِي بينهما، ولا اجتماع). (٢) وقال ابن حجر أيضاً: (وتمسَّك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل، فلما صمَّمَ على ذلك؛ انقطَعَتْ عن الاجتماعِ به؛ لذلك). (٣) تعقبه الصنعاني بقوله: (ولا يخفى أنَّ هذا مبنيٌ على صحة هجْرها إياه، على أنَّا نُنَازع في غضبها أيضاً، فإنها ﵂ أجلُّ قدراً، وأعظمُ تقوى، وأوفر عقلاً أنْ تغضبَ في منعها مِن أمرٍ قد رُوِي فيه مانِعُها عن ... النبي ﷺ نصَّاً سمِعَهُ منه، ولم تكُن ذاتَ حِرصٍ على الدنيا، فقد قنِعَتْ عن خادمٍ تَخدِمُهَا بما علَّمَها رسُولُ اللَّهِ ﷺ من التسبيح والتحميد والتكبير عند النوم، وأخبرها أنه خيرٌ لها من خادِم، وكان يكره لها رسولُ اللَّه ﷺ كما هو معلوم. (٤) وغايةُ الواقِع أنَّ البتولَ ﵂ طلبَتْ ميراثها فأخبرَها مَن طلبتْه منه

стр. 2084

أنه نصُّ ﷺ بأنه لا يُورث، وأن الذي تركه صدقةٌ، فقَبِلَتْ ذلك، ولم تَشتُمْ ـ وحاشاها ـ أبا بكر، ولا كذَّبتْهُ فيما رواهُ، ولا كرَّرَتْ الطلَبَ بعد ذلك؛ فما معنى غضبها وهجرها له؟ ! وإنْ كان الأمران قد صارَا قطعيين عند المتعصبين، بل عند الناس أجمعين، حتى قال القائل من الآل: أتموت البتول غَضْبَى ونَرْضَى ... ما كذا تفعل البنون الكرام). (١) وقال الصنعاني أيضاً: (وقولُ عائشة: «أنها غضِبَتْ وهَجَرَتْ» محمولٌ على فهمِهَا ذلك من القرائن؛ والفهمُ منها يُخطُئ ويُصيبُ، وليس كالرواية بالمعنى، فإنَّها عن لفظٍ سمعَهُ الراوي فعبَّر عنه بلفظ مرادفٍ له، بخلافِ هذه القصَّة، فإنَّه عبَّر عنها بما فِهَمَهُ من القرائن، لا عنْ لفظٍ صدَرَ مِن البَتُولِ دَالٍّ على غَضبِهَا، ومَا كُلُّ قرينةٍ صَحِيحَةٍ، سِيَّما عن الأمرِ الوجدانيِّ القَلْبِيِّ، فَليَتَأمَّل مَنْ لَهُ إنصَافٌ وإخلاصٌ، وكيفَ تغضَب بَضْعَةُ الرسول ﷺ من الحقِّ؟ ! ــ حاشا ــ). (٢) قلت: لو قالها أجنبي عنها، لاحتمل تخطئة فهمه، لكن قالتْها امرأةٌ من النساء، بل أفقَهُ النساء عائشة ﵂، وهي ملازمةٌ لفاطمةَ حياةَ النبيِّ

стр. 2085

- ﷺ ، وهي جارتها، وأقربُ الناس إليها ـ بعد زوجها إلى وفاتها ـ ... والشأن يتعلق بفاطمة مع والدها أبي بكر، لا مع رجل غريب عن عائشة، فأي إشكال في وقوع معاتبة من فاطمة؛ لعدم تحقق ما تريد، على الأقل في طلبها أن يتولى زوجُها صدقاتِ النبي ﷺ ، وقد امتنع الصديق من ذلك ﵃ ففاطمة ﵂ لم تحصل على الأمرين معاً، مع أن قلبها في غاية الحزن والإنكسار لقرب موت والدها ﷺ ، ولاشكَّ أن ما حملَه القلب سينزل أغلبه ـ دون قصد ـ على عدم تحقق ما تريد، فكان الشأن على أبي بكر ﵄، وهو لم يخطئ في حقها، ولم يقصِّر، بل أحسن وبالغ في الإحسان، وحثَّ الناسَ على رعاية آل النبي ﷺ ، لكن النفس البشرية بالغة الدقة والتجاويف، مع نوازع غريبة، ومواقف داخلية تؤثر خارجياً لا العكس ـ وهذا ما حصل من وجهة نظري ـ تأثرها النفسي الداخلي بعد فقد ... النبي ﷺ ، مع حرص زوجها عليها بمثل هذه المطالبات، ومرضها، أثَّرت على علاقتها الخارجية، بعتبٍ على أبي بكر أو دون عتب، والعتب أقرب؛ لدلالة اللفظة، وعدم إيذان علي والعباس أبابكر بوفاة فاطمة، وغير ذلك. وكونها لم تحصل على خادمها من أبيها ﷺ ، وصرفها للذكر عند النوم، لا يدل على أنها لا ترغب بالمال، ومع دينها وعقلها وزهدها لا

стр. 2086

يجعلها ترى المال كالتراب، فمحبة المال مغروسة في النفس البشرية: ... قال تعالى: ... ﴿ ... الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (سورة الكهف، آية ٤٦)، وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ إلى آخر الآيتين (سورة آل عمران: ١٤ ـ ١٥) وربما لعلمها بقرب أجلها ـ كما أخبرها النبي ﷺ ـ وما تراه في زمن والدها من الجوع والحاجة؛ رغبت السعي في تخفيف مايسد حاجة أولادها الصغار (أيتام الأم عن قريب: الحسن، والحسين، وأم كلثوم، وزينب). وأعجبتني عبارة الصنعاني في كتابه الآخر عن تنازع العباس وعلي ﵄، حيث قال: (لا يُستنكَر ما يقع بين الأعيان من الخِصام والترافع في الأمور الدنيوية، فإنَّ المالَ سببٌ للشجار والتنازع، فلا يُنكَر وقوع الخصومات مِن أفاضِل العِبَاد، لأنَّ ذلك جِبِلَّةٌ بَشَرِيَّةٌ لا يَكادُ يخلُو مِنهُ أحَدٌ مِن البَريَّةِ). (١) على أنَّ الحرص على المال الحلال مَشروع، والنزاعُ لأجلِه ليس فيه

стр. 2087

مَذمة. (١) وثمة احتمالٌ إضافيٌ لانقباضها: لما أرادَ النبي ﷺ في مرضِه الذي تُوفي فيه أن ينيب أبا بكر بالصلاة، حاولت عائشة ﵂ أن تعدِلَه إلى عمر ﵄. عن عائشة ﵂، قالت: لما مرض النبي ﷺ مرضه الذي مات فيه أتاه بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: «مُروا أبا بكر فلْيُصَلِّ»، قلت: إنَّ أبا بكر رجل أسيف، إنْ يقم مقامك يبكي، فلا يقدر على القراءة، فقال: ... «مروا أبا بكر فليُصَلِّ»، فقلت: مثله، فقال في الثالثة أو الرابعة: «إنكنَّ صواحبُ يوسف، مُروا أبا بكر فليُصلِّ». (٢) وبيَّنت عائشة ﵂ قصدَها فيما ذهبت إليه، قالت: «لقد راجعتُ رسول اللَّه ﷺ في ذلك وما حملني على كثرة مراجعته، إلا أنه لم يقع في قلبي أنْ يُحِبَّ الناسُ بعده رجلاً قامَ مقامَه أبداً، وإلا أني كنتُ أرى أنه لن يقوم مقامَه أحدٌ إلا تشاءَم الناس به، فأردتُ أنْ يعدل

стр. 2088

ذلك رسول اللَّه ﷺ عن أبي بكر». (١) وهنا فاطمة ﵂ استوطن الحزن قلبَها بفراق أبيها ﷺ ترى وتسمع من بيتها صلاة أبي بكر في مسجد رسول اللَّه ﷺ ، وتراه يصعد المنبر كل جمعة، ذلك المنبر الذي لم يصعد عليه إلا والدها ﷺ ، وكون أبي بكر ﵁ الآن أصبح مرجع المسلمين وإمامهم، فتأتي هذه المواقف لِتُذكِّر فاطمة بأبيها فتزداد حزناً على حزن. ومع محبتها وإجلالها أبا بكر إلا أن نفسها البشرية تجد فيها الحزن الكبير، فإذا انضم إلى ذلك رد طلبها مرتين: مرة في طلبها الإرث، ومرة حينما طلبت أن تُسنَد صدقاتُ النبيِّ ﷺ إلى زوجها، وامتنع أبو بكر عن الأمرين؛ طاعةً لأبيها، ورعاية للأمانة والمسؤولية؛ هذا كله يُوجِدُ في النفس انقباضاً، لا يدل على كراهة وبغض فضلاً أن يُدَّعى أن عليها مظلمة، واللَّه تعالى أعلم. وذكر الشيخ: عبدالعزيز بن باز (ت ١٤٢٠ هـ) ﵀ أنَّ ما فعلَه الصدِّيقُ هُو الحَقُّ وهو ما أجمع عليه المسلمون ماعدا الرافضة، وأنَّ ما عمِلَهُ أبو بكر، عمِلَهُ الخلفاءُ بعده: عمر، وعثمان، وعلي، ولو كانت دعوى الرافضة

стр. 2089

حقاً، لأخذ الميراثَ عليٌّ ـ إبَّان خلافته ـ وأعطاه أولادَ فاطمة، وغيرهم. وقال: (المقصود أنَّ الصديق بارٌّ راشِدٌ، وهكذا عمر، وهكذا عثمان، وهكذا علي، كلُّهم بارُّون في عدم التوريث، وفاطمة أخطأت في هذا ﵂ وغلطت، فلعلَّ لها أسباباً ممن يتَّصِل بها من المنافقين، أو غيرهم، وإلا فالأمر واضح .... وذكر أن العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم يروون هذا الحديث .. فكونُها تهجر الصديق، هذا ليس بصحيح، وهو غلط، وليس للرافضة في هذا حجة، لأنَّ قولَ النبيِّ ﷺ مقدَّمٌ على فاطمة وعلى غيرِها، والصديقُ أفضل منها وأعلم، وعمر أفضل منها وأعلم، وعثمان أفضل منها وأعلم، وعلي أفضل منها وأعلم من جهة الرجال .... إلخ. (١) قال الإمام: محمد العثيمين (ت ١٤٢١ هـ) ﵀ عن هجر فاطمة أبا بكر ﵄: (وأمَّا ما جرى لفاطمة ﵂ فإنه من الاجتهاد الذي نرجو اللَّه تعالى أن يعفو عنها به، حيث هجرتْ أبا بكر ﵁ وليس أهلاً لِأَنْ يُهجَر؛ لأنه خليفةُ أبيها، ولكنَّ هذا من باب الاجتهاد الذي إنْ أصابت

стр. 2090

فيه فلها أجران، وإنْ أخطَأتْ فلها أجرٌ واحد، ونحنُ نُشهِدُ اللَّهَ، وملائكتَه، وجميعَ خلقِه، أنَّ الصواب مع أبي بكر، ومع بقية الصحابة ﵃ .... إلى أن قال: ونحن نعلمُ أن قرابةَ الرسولِ عند أبي بكر أحبُّ من قرابةِ أبي بكر لأبي بكر، كما صرَّح به في الحديث نفسه. مسألة: هل محبة الرسول، ومحبة آل الرسول تقتضي مخالفة ما شرَعه الرسولُ ﷺ ؟ الجواب: لا، بل كلما ازداد الإنسان محبةً للرسولِ ﷺ ولآلِه، فإنه يتَّبع منهجَهم، ويحذو حذوَهم، ويبرأ من الغلو الذي يبرأون منه، كما كان النبي ﷺ يحذِّر أصحابه من الغلو فيه ﵊). (١) وقال العثيمين ــ أيضاً ـ عن هجر فاطمة أبا بكر ﵄: (اللَّهم اعفُ عنها، وإلا فإنَّ أبا بكر ﵁ ما استندَ إلى رأي، وإنما استندَ إلى نصٍّ، وكان عليها ﵂ أن تقبلَ قولَ النبيِّ ﵊: «لا نورث، ما تركنا صدقةٌ». ولكن عند المخاصمة لا يبقى للإنسان عقل يُدرك به ما يقول

стр. 2091

أو ما يفعل أو ما يتصرف فيه (١)، فنسأل اللَّه أن يعفو عنها عن هِجْرَتِها خليفةَ رسول اللَّه ﷺ . فإن قال قائل: ما الجمعُ بين فِعلِ فاطمة ﵂ وقول النبي ﷺ : «لا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث»؟ (٢) فالجواب: لعلها ترى ﵂ أن الهجر لسبب ـ ولو طال ـ لا بأس به، كما هجرَ ابنُ عمر ﵄ أحدَ أبنائه لما حدَّثه أن النبي ﷺ قال: «لا تمنَعُوا إماءَ اللَّهِ مساجدَ اللَّهِ». (٣) قال: واللَّهِ لَنمنَعَهُنَّ، فأقبلَ عليه عبدُاللَّه بنُ عمر، وسبَّه سبَّاً شديداً، وقال: لا أكلِّمُكَ ما حَييتُ. (٤)

стр. 2092

فكأنهم يرون أنَّ الهجرَ الممنوع فوقَ ثلاثة أيام إذا لم يكُن سَببٌ، وأما مع قيام السبب، فلا بأس. إلى أن قال الإمام العثيمين ﵀: فإن قال قائل: بعضُ الناسِ يجدُ في صدرِهِ عَلَى عليٍّ وفاطمة ﵄ فما حُكْمُ ذلك؟ فالجواب: هذا لا يجوز؛ لأنَّ هذا اجتهادٌ منهم، والإنسانُ بشَر). (١) قال الشيخ عبدالعزيز بن عبداللَّه الراجحي ـ حفظه اللَّه ـ: (ولم تطل مُدَّتُها بعد النبي ﷺ ، فقد عاشت بعد النبي ﷺ ستة أشهر، ويحتمل أن لو طالت مدتها، لفهمت ذلك من الصحابة. وهي قد هجرَتْ أبا بكر، لأنها ظنَّتْ أن لها حقاً. وهذا فيه دليل على أن الإنسان قد يخطئ ولو كان كبيراً أو عظيماً، فليس هناك معصومٌ إلا الرسولُ ﷺ فيما يبلِّغ عن اللَّهِ؛ أما فاطمة ﵂ ــ وهي سيدة نساء أهل الجنة، ومن أفضل النساء ـ فقد غلطت، حيث اجتهدَتْ وأخطأَتْ، وظنَّتْ أن لها حقَّاً، وكان أبو بكر ﵁ هو المصيبُ .... وذكر أنَّ فاطمة لم تقتنع، وأصرَّت على رأيها، فلم تزل مهاجرة

стр. 2093

أبا بكر حتى توفيت). (١) وذكر الشيخ الراجحي نحوَه في موضع آخر، قال: (إنَّ فاطمة ادَّعت أنَّ لها حقاً في الميراث، وكذلك كان عليٌّ معها، وهما ليسا معصومين، ... أما أبو بكر فمَعَهُ النصُّ وهو قولُه ﷺ : «لا نورث ما تركنا صدقةٌ». وقد روى هذا النصَّ جماعةٌ من الصحابة منهم عليٌّ أيضاً، بل رواه أكثرُ العشرة المبشرين بالجنة. والقاعدةُ في هذا: أنَّ السُّنَّةَ حاكِمَةٌ على كل أحَدٍ من الصحابة فمَن بعدهم، وليس قولُ أحَدٍ حاكماً على السُّنَّة كائناً مَن كان، فالحجةُ ... كتابُ اللَّه، وسُنَّةُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وليس هناك أحدٌ مَعصومٌ ... ـ وإن كان عظيماً ـ إلا النبيُّ ﷺ ). (٢)

стр. 2094

قبل الموازنة بين ما سبق: يحسن تعريف الهجر لغة وشرعاً: الهَجْر: ضِدُّ الوَصْل، قال الليث: (والهجْر من الهجران: وهو ترك ما يلزمك تعاهده). ومن ذلك حديث عائشة ﵂: «ما كنت أهجر إلا اسمك». قال: عياض: (أي: أترك ذكرَه، لا على معنى البغض والعداوة، إذْ لو كان ذلك، لكان كفراً، ولكن على معنى موجب الغيرة التي جُبل عليها النساء، والدَلِّ الذي طبع عليه المحبوبات منهن. وقوله: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث»، «ولا تهاجروا» من الهجران: وهو إظهار العداوة، وقطع الكلام، والسلام). قال ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ) ﵀: ( ... فنظرنا في موارد ... «هـ ج ر» في لسان العرب على هذا النظام فوجدناها سبعة: ضد الوصل، ما لا ينبغي من القول، مجانبة الشيء، ومنه الهجرة، هذيان المريض، انتصاف النهار، الشاب الحسن، الحبل الذي يشد في حقو البعير ثم يشد في أحد رسغيه. ونظرنا في هذه الموارد فألفيناها تدور على حرف واحد وهو: البعد عن الشيء.

стр. 2095

فالهجْرُ: قد بعُدَ عن الوَصْلِ الذي ينبغي من الألفة وجميل الصحبة. وما لا ينبغي من القول: قد بعُد عن الصواب. ومجانبة الشيء: بُعدٌ منه، وأخذٌ في جانب آخر عنه ..... إلخ الأقسام). وذكر الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢ هـ) ﵀: أن الهجر والهجران: مفارقة الإنسان غيرَه، إما بالبدن، أو باللسان، أو بالقلب. قال ابن حجر العسقلاني في تعريف الهجر: (ترك الشخص مكالمة الآخر إذا تلاقيا، وهي في الأصل: التركُ فعلاً كان أو قولاً). وقال العَيني: (مفارقةُ كلام أخيه المؤمن مع تلاقيهما، وإعراض كل واحد منهما عن صاحبه عند الاجتماع). (١)

стр. 2096

خلاصة ما قيل في هجر فاطمة ﵂ -: الرواية في الصحيحين: «فهجرته، فلم تكلمه حتى توفيت»، وفي خارج الصحيحين: «فلم تكلمه في ذلك» وأخرى: «في ذلك المال»، ولا تعارض بينها، فهي لم تكلمه في ذلك المال الميراث، ولا غيره. واختار معنى الرواية الثالثة شيخ الترمذي وقيَّد بها معنى الهجر، وتعقبه الشاشي بأن الغضب دليل امتناع الكلام جملة، وهو دليل الهجر الصريح، ثم تعقبَ الصنعانيُّ الشاشيَ ـ وسبق الجواب عنه ـ. وكذا اختار معنى الرواية الثالثة: ابن هبيرة، وأما القرطبي فيميل إلى أنها لم تلتق به بعد الطلب، لشغلها بمصيبتها بفقد النبي ﷺ ، ولملازمتها بيتها، فعبَّر الراوي عن ذلك بالهجر! ويرى ابنُ الملقن أنَّ المراد الانقباض وعدم المواصلة، وليس هذا من الهجر المحرَّم، وذكر ما أورده القرطبي قبله، وزاد عليه بأنها قد وجدت عليه، وليس ثَمَّ شحناء وعداوة. وعرض ابنُ حجر ما ذكرَه ابنُ الملقن، لكنه أعرض عن ذكر ما أورده القرطبي وابن الملقن بأن الراوي قد فَهِم الهجر مما حصل. وجاء الصنعاني فأثبت وجود الغضب، ونفى الهجر، لأنه لا يتأتى حصوله مع كونهما أجنبين، ويُخَطِّئ عائشة ﵂ في فهمها للحالة بينهما ... ـ وسبق الجواب عن ذلك ـ.

стр. 2097

أقول: ومن خلال إيراد معنى الهجر وهو تَرْكُ الوَصْل، فأي وَصْلٍ كان بين أبي بكر وفاطمة ـ وهما أجنبيان ـ؟ ! لم يكن بينهما إلا ماترفعه من طلبات: (الميراث، وتولي علي الصدقات، وغير ذلك)، وقد تركت ذلك وحزنت لعدم حصول مرادها، هذا هو الهجر المراد من قول عائشة ﵃. أما عدم السلام والكلام عند التلاقي؛ فهذا مالم يحصل قطعاً، وإنما حصل ترك الطلبات، وانقباضها مع عتَبِها وحُزنِها، وانشغالها بمرضها الذي لم يطل، وليس ذلك كله من الهجر المحرم، وفاطمة أعقل وأكمل ديناً وأعلم بما روي من تحريم الهجر بين المسلمين. وسبق ذكر أنها كانت تتولى رفع طلباتها وما يعرض لها، خاصة مع مَوجِدة علي ـ التي ذكرها عند المصالحة ـ، ووجَاهَة فاطمة، ومعرفة الجميع إجلال الصحابة وفي مقدمتهم الخليفةُ الراشدُ الصادقُ البارُّ أبو بكر لفاطمة وآلِ البيت ﵃. ومهما قيل في الباب، فإن أبا بكر لم يتعدَّ، ولم يفرِّط، ولم يقصِّر، ولم ينفرد بالرأي فيما ذهبَ إليه، بل هو رأيُ عامَّةِ الصحابةِ، وقد امتثلَ ﵁ أمر ربه ، واستجابَ لنبيِّهِ ﷺ بأنَّ الأنبياء لا يُورَثون، ومع امتثاله لذلك؛ ومنعه فاطمة ما طلبَتْ من الإرث، إلا أنه أكرمَها وأكرمَ آلَ البيت

стр. 2098

- ﵃ بعطايا تفوق المالَ المقدَّر لهم أضعافاً مضاعفة ـ لو كان النبيُّ ﷺ يُورَث ـ. إذن، يُستفاد من كلام عائشة أم المؤمنين ﵂ بقاء العتب في فاطمة ﵂، وانقطاعها عن رفع طلباتها وحاجاتها لأبي بكر، ولا يفهم من قولها حتى توفيت أنَّ المسألة طالت، فإن بقاءها بعد أبيها ﷺ ستة أشهر فقط، إذا طُرح منها الوقت الأول الذي لم تطلب فيه شيئاً؛ لانشغال أبي بكر بالبيعة وشؤون الخلافة، وما تبعه من حرب المرتدين ومانعي الزكاة، وغير ذلك، والوقت الأخير في مرض فاطمة ولزومها البيت، لم يبق إلا وقت يسير، لا يتصور فيه الهجر المحرَّم ـ واللَّه تعالى أعلم ـ. * * *

стр. 2099

المسألة التاسعة: هل ترضَّى أبو بكر فاطمةَ قبل وفاتها ﵄ -؟ سبق تخريج الحديث الوارد في ذلك، من مرسل الشعبي (١)، وتضعيفه، والكلام حوله، وأنَّ الأصلَ ما ورد في «الصحيحين» من حديث عائشة ﵂. المسألة العاشرة: لماذا لم يخبر عليٌّ أبا بكر بوفاة فاطمة، ليصلِّي عليها ؟ الراجح أنه لم يخبر أبا بكر؛ لأن في نفسِه مَوجِدة، كما كان في نفس زوجِه فاطمة ﵃. وكما صرَّح بذلك في حديثِ مصالحته أبا بكر، ثم مبايعته ودخوله فيما دخل فيه الناس، وذلك كلُّه بعد وفاة فاطمة. والاحتمال الثاني: أنه كان في جوف الليل، لايريد المشقة على خليفة رسولِ اللَّه ﷺ أبي بكر الصديق ﵃، ثم إنَّ الأمر يكفي بمن حضر. مع العلمِ أنه أخبر عمَّه العباسَ وبعض قرابتِه فحضروا. سبق بيان ذلك في الصلاة عليها ودفنها في الباب الأول: الفصل الخامس، المبحث الثالث.

стр. 2100

المسألة الحادية عشرة: ما قيل في بيعة علي وآل هاشم أبا بكر ــ اختصاراً ــ مما يستفاد منه في علاقة فاطمة بأبي بكر ﵃ -. في المسألة قولان: ١. لم يبايع عليٌّ أبا بكر إلا بعد وفاة فاطمة، كما ورد صريحاً في حديث عائشة في «الصحيحين»، حتى وإنْ قيل بزيادة وإدراج الزهري في رواية معمر المخرجة في «مصنف عبدالرزاق» ـ كماسبق ـ فإن حديث عائشة فيه ما يدل على عدم المبايعة ـ وسبق بيان ذلك في المسألة السابعة ـ. ٢. أنه بايع مع الناس (١)، ثم انشغل بمرض فاطمة ومراعاة خاطرها

стр. 2101

بعد عتبها، ثم بايع أبابكر ثانية بعد وفاة فاطمة، ويعبِّر بعضهم بتجديد البيعة. قالوا: وقد ذُكرت بيعته الأولى في حديث أبي سعيد الخدري ـ وهو حديث فيه اختلاف ـ مخرَّج في «سنن البيهقي»، وغيره. قال البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) ﵀: (والذي روَى أن علياً لم يبايع أبا بكر ستة أشهر ليس من قول عائشة، إنما هو من قول الزهري، فأدرَجَه بعض الرواة في الحديث في قصة فاطمة ﵃، وحَفِظَه معمر بن راشد فرواه مفصلاً وجعله من قول الزهري منقطعاً من الحديث. وقد روينا في الحديث الموصول، عن أبي سعيد الخدري ومَن تابعه من أهل المغازي، أنَّ علياً بايعه في بيعة العامة التي جرَت في السقيفة (١)، ويُحتمَل أن علياً بايعَه بيعةَ العامة، كما روينا في حديث أبي سعيد الخدري، وغيره، ثم شجر بين فاطمة وأبي بكر كلام بسبب الميراث إذْ لَمْ تسمَعْ من رسول اللَّه ﷺ في باب الميراث ما سمِعَهُ أبو بكر وغيرُه؛ فكانت معذورة فيما طلبتْهُ، وكان أبو بكر معذورَاً فيما مَنع؛ فتخلَّفَ عليٌّ عن حضور أبي بكر حتى توفيَّتْ، ثم كان منه تجديد البيعة، والقيام بواجباتها، كما قال الزهري.

стр. 2102

ولا يجوز أن يكون قعود عليٍّ في بيته على وجه الكراهية لإمارته، ففي رواية الزهري: أنه بايَعَهُ بعدُ، وعظَّمَ حقَّه، ولو كان الأمر على غير ما قلنا، لكانت بيعته آخر خطَأً. ومَن زعم أنَّ علياً بايعه ظاهراً وخالفه باطناً، فقد أساءَ الثناءَ على عليٍّ، وقال فيه أقبح القول، وقد قال عليٌّ في إمارته وهو على المنبر: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعدَ نبيِّهَا ﷺ ، قالوا: بلى، قال: أبو بكر ثم عمر. ونحن نزعم أن عليَّاً كان لا يفعل إلا ما هُو حقٌّ، ولا يقول إلا ما هو صِدقٌ، وقد فعلَ في مبايعة أبي بكر ومؤازرة عمر ما يليق بفضلِه، وعلمِه، وسابقَتِهِ، وحُسْنِ عقيدته، وجميلِ نيتِه في أداء النُّصحِ للراعي والرعية، وقال في فضلهما ما نقلناه في كتاب «الفضائل»، فلا معنى لقولِ مَنْ قال بخلاف ما قالَ وفعَلْ. وقد دخل أبو بكر الصديق على فاطمةَ في مرضِ موتها وترضَّاها حتى رضيَتْ عنه، فلا طائل لسُخْطِ غيرها ممن يدَّعِي موالاة أهل البيت، ثم يطعن على أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ويُهجِّنُ مَن يواليه، ويرميه بالعجز والضعفِ واختلافِ السرِّ والعلانية في القول والفعل، وباللَّهِ العصمة والتوفيق). (١)

стр. 2103

وقال البيهقي ـ أيضاً ـ: (وقول الزهرى فى قعود عليٍّ عن بيعة أبى بكر ﵁ حتى توفيت فاطمة ﵂ منقطعٌ، (١) وحديث أبى سعيد ﵁ فى مبايعته إياه حين بويع بيعة العامة بعد السقيفة أصحُّ. ولعلَّ الزهريَّ أراد قعودَه عنها بعد البيعة، ثم نهوضَهُ إليها ثانياً، وقيامَهُ بواجباتها، واللَّه أعلم). (٢) قال القاضي عياض (ت ٥٤٤ هـ) ﵀: (قال الإمام المازَرِي: إنما تأخر عليٌّ عن البيعة، فقد ذكر عذرَه عنه في «كتاب مسلم» واعتذار الصديق عنه. ويكتفى فى بيعة الإمام بآحادٍ من أهل الحل والعقد، ولا يفتقر إلى بيعة كل الأمة، ولا يلزم كل الأمة أن يأتوا إليه يضعون أيديهم بيده، وإنما يلزم إذا عقد أهل الحل والعقد انقياد البقية ألا يظهروا خلافاً ولا يشقوا العصا. وهكذا كان عليٌّ ﵁، ما ظهر على أبي بكر ﵁ خلافاً ولا شق عصاه، ولكنه تأخَّرَ عن الحضور عنده فى هذا الأمر العظيم، مع عِظَم قَدرِه هو نفسه؛ لموجدَةٍ فى نفسِه ذكرَها في الكتاب، وهو أنه قال: نرى لنا في هذا الأمر نصيباً، فاستبدَّ علينا به، فوجدنا فى أنفسنا.

стр. 2104

ولعله أشار إلى أن أبا بكر استبدَّ عنه بقَصصٍ وأمورٍ عظام، وحقُّ مثلِه أنْ يحضُرَ فيها، ويُشَاوَر عليها. إلى أن قال عياض: وقد يكون الذى وجدَ عليٌّ ﵁ ما في نفسِه من الحق الذى استبدَّ عليه فيه؛ أنه لم يُشاوَر عند عقد البيعة لأبي بكر ﵁، ولا عُقِدَت لمحضرِه، وكان من حقِّ مثله ذلك. لكن عُذرُ ذلك بيِّنٌ، المبادرة خوف الخلاف حينئذٍ). (١)

стр. 2105

قال أبو العباس القرطبي (ت ٦٥٦ هـ) ﵀: (وقوله: «وكان لعليٍّ من الناس جهةٌ حياة فاطمة» جهة؛ أي: جاه واحترام، كان الناس يحترمون عليَّاً في حياتها كرامةً لها؛ لأنها بَضعة من رسولِ اللَّه ﷺ ، وهو مباشرٌ لها، فلما ماتت وهُوَ لم يبايع أبا بكر، انصرف الناس عن ذلك الاحترام؛ ليدخل فيما دخلَ فيه الناس، ولا يفرِّق جماعتهم، ألا ترى أنه لما بايع أبا بكر أقبل الناسُ عليه بكل إكرام وإعظام؟ ! وقوله: «فلم يكن علي بايع تلك الأشهر» يعني: الستة الأشهر التي عاشتها فاطمة بعد رسول اللَّه ﷺ ، ولا يُظَن بعلي أنه خالف الناس في البيعة، لكنَّه تأخر عن الناس لمانعٍ منعه، وهو الموجدة التي وجدها حيث استُبِدَّ بمثل هذا الأمر العظيم، ولم يُنتظر مع أنه كان أحق الناس بحضوره ومشورته، لكن العذر للمبايعين لأبي بكر على ذلك: الاستعجال؛ مخافةَ ثوران فتنة بين المهاجرين والأنصار، كما هو معروف في حديث السقيفة، فسابَقُوا الفتنةَ فلم يتَأتَّ لهم انتظاره لذلك). (١)
следующие страницы →