← Тараджим

Тараджим · id 50

فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - سيرتها، فضائلها، مسندها - رضي الله عنها -

إبراهيم بن عبد الله المديهش

Полный текст (3 488 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

المؤمن بن علي الزعفراني (١)، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب. (٢) ــ والحاكم أيضاً في «فضائل فاطمة» (ص ٥٦) رقم (٤٣) عن مكي بن بندار الزنجاني (٣)، عن محمد بن فضالة الحنفي (٤)، عن ابن أبي الهيذام (٥)،

стр. 2137

عن عثمان بن طالوت (١)، عن بشر بن أبي عمرو بن العلاء (٢)، عن أبيه أبي عمرو بن العلاء. (٣) ثلاثتهم: (محمد بن بشر العبدي الكوفي، وعبدالسلام بن حرب الملائي، وأبو عمرو بن العلاء) عن عُبَيداللَّه بن عُمَر العُمَري العدَوي، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم العدوي، به. ــ ذكر ابن حجر الهيتمي في «الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة» (٢/ ٥٢٠) أن الدارقطني أخرج الحديث. ولم أجده في شئ من كتبه. ألفاظ المتن: ــ رواية ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني»، وكذا رواية الحاكم في ... «المستدرك» وفي «فضائل فاطمة» بطريقيه: مقتصرة على الجزء الأول: محبة عمر لفاطمة. ولم يذكرا قضية التهديد بالتحريق. ورواية ابن أبي عاصم في «المذكِّر والتذكير» ـ رغم أنهما عن ابن أبي شيبة ـ إلا أنها اختلفت يسيراً:

стр. 2138

فلم يَذكر اسم علي والزبير، ولا قوله: «حين بويع»، ولم يذكر قول فاطمة بالتحريق، وقال: «فتفرقوا حتى بُويع لأبي بكر»، بينما لفظ ابن أبي شيبة: «فلَمْ يَرجِعُوا إليهَا حتَّى بَايَعُوا لأبي بكر». ــ عند البزار: «لأفعلنَّ ولأفعلنَّ» ـ بدل لفظة التحريق ـ. ــ عند القطيعي: لم يذكر التحريق وإنما قال: «وكلَّمها» ـ فكأنه عن لفظ التحريق ـ. ــ عند الخطيب، والحاكم: الاقتصار على الجزء الأول: محبة عمر لفاطمة. ــ أما رواية الحاكم من طريق عبدالسلام بن حرب: ففيها: (عن أسلم، عن عمر). وفي «المستدرك» وجميع مصادر التخريج: (أحبَّ إليَّ منكِ)، بينما انفرد الحاكم في «فضائل فاطمة» بلفظ: (أعزَّ عليَّ منكِ). ــ أما رواية الحاكم في «فضائل فاطمة» من طريق أبي عمر بن العلاء، فلم يذكر المتن وإنما قال: بنحوه ـ أي: نحو حديث عبدالسلام بن حرب. التبويب والتعليق على الحديث: أورده ابنُ أبي شيبة ضمن باب: ما جاء في خلافة أبي بكر ﵁، وسيرتِه في الرِّدَّة. ــ والقطيعي في باب فضائل عمر.

стр. 2139

والحاكم في «المستدرك» في باب مناقب فاطمة. وفي كتاب «فضائل فاطمة» بوَّب عليه بقوله: (ذكر فضيلة أخرى لفاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ والبيان أنها كانت أعزَّ الناس على أصحابه بعده). ــ في «المذكِّر والتذكير» أورد عقِبَه مباشرة أنَّ في قول معاوية ﵁ للقاصِّ يدلُّ على أن المخالف إذا خالف لما نهي عنه أوجب ذلك عقوبته. (١)

стр. 2140

أقوال أهل العلم: (١) قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. قال الذهبي: غريب عجيب. (٢) قلتُ: دون شرط الشيخين خَرْط القتَاد. أما رجاله رجال الشيخين، فليس كذلك: عبدالمؤمن بن علي ومن دونه ليس من رجالهما، ولم يخرجا هاتين الترجمتين: (عبدالسلام عن عبيداللَّه) ... ولا: (عبيداللَّه عن زيد). العلامة: الألباني والشيخ: سعد الحميِّد لم يطَّلِعا على الحديث إلا مِن

стр. 2141

رواية الحاكم في «المستدرك» فقط، ويُلحظ أنَّ الحديث عند الحاكم لم يَذكُر فيه مسألة التهديد بالتحريق، وإنما ذَكَرَ محبة عمر لفاطمة فقط: فذكرَه العلَّامةُ الألباني في «الضعيفة» (٣/ ٢٥٦) ضمن حديث ... (١١٢٥) وتعقَّبَ الحاكمَ على قوله: على شرط الشيخين، ثم بيَّن أنَّ العلة مترددة بين عبدالسلام لأن له مناكير، أو عبدالمؤمن قال: لأني لم أرَ مَن وثَّقه توثيقاً صريحاً. وقد أورده مضعِّفاً له ضمن أحاديث في مسألة بيان أنَّ أحبَّ الناس إلى النبي ﷺ أبو بكر، وتضعيف ما خالفها، وأنه أفضل هذه الأمة ... ـ ولا شك في ذلك ـ، ولم يكن عمر ـ هنا ـ يقدِّم عليه فاطمة. قلت: وسبق بيان الترجيح في هذه المسألة (١) وأن الأحبية في الأحاديث الواردة نِسبيةً، ثم يُزاد هنا بأن الأفضلية بالنسبة لعمر وغيره لا تستلزم الأحبية، فقد يكون أفضل العلماء في بلد، ليس بأعلى محبة لديك ممن دونه في العلم، فلا تعارض بين الأفضلية والمحبة، لذا لا وجه لتعليل الحديث هنا بسبب أن عمر قدم فاطمة على أبي بكر، ولكل منهما مكانة خاصة. وأما الشيخ د. سعد الحميِّد فأعلَّه في تخريجه لِـ «مختصر استدراك الذهبي» لابن الملقن (٣/ ١٥٩٨) رقم (٥٩٣) بعلة إسنادية ومتنية:

стр. 2142

بدأ بالمتنية وذكر استنكار الذهبي له وأنه لم يَذكر العلَّة، قال الشيخ: وكأنه استنكر قوله: «واللَّهِ ما كان أحدٌ من الناس بعدَ أبيك أحبَّ إليَّ منكِ»؛ إذْ لا يليقُ بِرَجُلٍ أن يطلق هذه العبارة لغير محارمِه، فكيف تصحُّ نسبتها لأمير المؤمنين عمر ﵁؟ مع ما اشتُهر عنه من الورع، ووفرة العقل، وفي حقِّ ابنة نبيِّ الأمَّةِ ﷺ ... وذكر أن القلب السليم يستنكر صدور هذه العبارة من سوقة الناس بعضهم مع بعض، فكيف بها بين عمر، وفاطمة ﵄؟ حتى وإنْ كان ظاهرها أنها محبَّة دينية، بعيدة عن الأغراض البهيمية، إلا أنَّ لكلِّ مَقامٍ مقالاً، وهذا إنما يكون بين الرجال بعضهم مع بعض، أو النساء، أما بين ذكر وأنثى لا محرميَّة بينهما، فهذا لا يليق، وهذا ما دعا الذهبي للعجب والاستغراب). ثم ذكر العلة الإسنادية ـ بعد بحث ـ وأعلَّه بجهالة أحمد بن يوسف، وتفرده، وذكر أنه لو تبيَّن أنه ثقة، لكان الحمل هنا على عبدالسلام؛ لأن له مناكير. هذا خلاصة رأي الشيخ د. سعد الحميِّد، في حديث الحاكم فقط، والإسنادُ ــ كما سبق ــ له طريق آخر رجاله ثقات وهو أصح من طريق الحاكم، وللمتن تكملة، تُبيِّن سبب ذكر عمر المحبةَ لفاطمة ﵄.

стр. 2143

وبعض الباحثين المعاصرين (١)، يذكر لتضعيف الحديث بأن التهديد بالتحريق ورد في طريق محمد بن بشر الكوفي، عن عبيداللَّه بن عمر، ورواية الكوفيين عن عبيداللَّه فيها شئ كما قاله يعقوب بن شيبة ـ وسبق بيان ذلك في ترجمته ـ، وأنه تفرَّد بالحديث مع توفر الدواعي على نقله، لأنَّ القضية مهمة، وتتعلق بابنة النبي ﷺ وتهديد بيتها بالتحريق، وهذا يستدعي الانتشار والذيوع. (٢) ويضيف إلى ذلك أنَّ لعبدالسلام بن حرب أحاديثَ مناكير مع ثقته. ويرى بعضهم أنه مرسل لعدم حضور أسلم العدوي القصة. ويقول بعضهم: بأن الحديثَ المنكر متناً إذا لم تظهر له علة إسنادية واضحة، فإنَّ الأئمة يبحثون له أدنى جرح في الإسناد، ويعلُّونَه به، ولو كان لا يعل مثله في إسناد آخر.

стр. 2144

ويستنكر بعضهم صدور هذا التهديد من رجل عظيم: (عمر)، بأمر عظيم: (التحريق) في بيت عظيم لامرأة سيدة عظيمة: (بيت فاطمة). أما الرافضة بيتُ الكذب، فولَّدوا من هذا النص نصوصاً كثيرة، وقصصاً خيالية، استحى منها بعض عقلائهم، لذا أنكروا الحادثة كلَّها ... ـ كما سيأتي بيانه بعد قليل وكذا التعليق على جميع ما سبق ـ.

стр. 2145

شواهد التهديد بالتحريق: أولاً: قال البلاذري (ت بعد ٢٧٠ هـ) في «أنساب الأشراف» (١/ ٥٨٦) رقم (١١٨٤): المدائني (١)، عن مسلمة بن محارب (٢)، عن سليمان التيمى (٣)،

стр. 2146

وعن ابن عون (١)، قالا: إن أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة، فلم يبايع. فجاء عمر، ومعه فتيلة، فتلقَّتْهُ فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الخطاب، أتراك محرِّقَاً عليَّ بابِي؟ ! قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك. وجاء علي، فبايع، وقال: كنتُ عزمتُ أن لا أخرج من منزلي حتى أجمع القرآن. (٢) هذا مرسل ضعيف، عبداللَّه بن عون، وسليمان التيمي، لم يدركا القصة. ومسلمة بن محارب مجهول الحال.

стр. 2147

وهو منكر المتن، لأنه جاء بفتيلة ليحرِّق دون إنذار مسبق، وفيه أن سيحرِّق الباب، وفي غيره: سيحرق البيت، وفيه لفظة قبيحة لا تصدر من مؤمن: «وذلك أقوى فيما جاء به أبوكِ»! ! أيفعل هذا عمر الفاروق الراشد البار ﵁؟ ! والصحابةُ وآلُ البيت ﵃ ينظرون فلا يحرِّكُون ساكناً، الفتيلة بين يدي عمر، وفاطمة معترضة، ومقولة بالغة السوء وهي الكلمة الأخيرة المتضمنة تنقص جناب النبي ﷺ ! ! لا شك في بطلان هذا الأثر، ووضْعِهِ. ثانياً: قال ابن جرير الطبري في «تاريخه» (٣/ ٢٠٢): حدثنا ابن حميد (١)، قال: حدثنا جرير (٢)، عن مغيرة (٣)، .........................................

стр. 2148

عن زياد بن كُليب (١)، قال: أتى عمرُ بنُ الخطاب منزلَ عليٍّ ــ وفيه طلحةُ والزبيرُ ورجالٌ من المهاجرين ﵃ ــ، فقال: واللَّهِ لأحرِّقَنَّ عليكم، أو لتَخْرُجُنَّ إلى البَيعَةِ، فخرجَ عليه الزبيرُ مُصلتا بالسيف، فعثَرَ، فسقَطَ السيفُ من يده، فوثَبُوا عليه فأخذوه. وهذا ضعيفٌ، زيادةٌ على إرساله، فيه محمد بنُ حُميد، وهو ضعيف. ثالثاً: قال هشام بن عمَّار الدمشقي (ت ٢٤٥ هـ) في «حديثه» (ص ١٢٢ ـ ١٢٦) رقم (٤٧): حدثنا سعيد بن يحيى (٢)، قال: حدثنا محمد بن عَمْرو (٣)،

стр. 2149

عن أبي سلمة (١) قال: «أصبح رسولُ اللَّهِ ﷺ اليوم الذي مات فيه أمثل ما كان مِن وجعه، فقال أبو بكر ﵁: أي رسول اللَّه، أصبحتَ اليوم صالحاً، واليوم يوم بنت خارجة، فأذِن له رسول اللَّه ﷺ ، فرجع إلى أهله، ووثب الموتُ على رسول اللَّه ﷺ ، فاجتمع الناس في المسجد .... وذكر حديثاً طويلاً، وفيه: فرجع أبو بكر فجلس على المنبر، وبايعه الناس يوم الاثنين، ودخل عليٌّ والزبيرُ بيتَ فاطمة بنتِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فجاء عمرُ فقال: اخرُجُوا للبيعة، واللَّهِ لَتَخْرُجُنَّ، أو لأحرِّقَنَّه عليكم، فخرج الزبيرُ صلتاً بالسيف، فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري من بياضة فدَقَّ به، وبدر السيف من يده منه، فأخذه زياد قال: لا، ولكن اضرب به الحجَر. قال محمد بن عمرو: فحدثني أبو عمرو بن حماس من الليثيين قال: أدركت ذلك الحجرَ الذي فيه ضرب السيف، فقال أبو بكر ﵁: دعوهم فسيأتي اللَّهُ بهم، فخرجوا بعد ذلك فبايعوه، قالوا: ما كان أحدٌّ أحقَّ بها، ولا أولى بها منكَ، ولكنا قد عَهِدنا من عمر يبتزنا أمرَنا، فبايعه الناسُ يوم الاثنين، حتى إذا أصبح الغَد، قال: أين ترون أنْ ندفنَه ﷺ ؟ ... ..... إلخ.

стр. 2150

وهذا ضعيف، مع إرساله فيه محمدُ بنُ عَمْرو، له أوهام، وقد تفرد بالحديث الطويل جداً، وتفرد به أيضاً عنه تلميذه: سعيد بنُ يحيى. رابعاً: روى موسى بن عقبة (ت ١٤١ هـ) في «المغازي» ــ كما في «المنتخب من مغازي موسى بن عقبة» ـ ط. المنهاج (ص ٥٠٦) رقم (١٨) ــ ... عن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف، عن أبيه إبراهيم، أن عبدالرحمن بن عوف كان مع عمر بن الخطاب يومئذ، وأنه هو كسر سيف الزبير ـ واللَّهُ أعلم مَن كسَرَه (١) ـ، ثم قام أبو بكر فخطب الناس، واعتذر إليهم، فقال: واللَّهِ ما كنتُ حَرِيصَاً على الإمارة .... الحديث وفيه قول عليٍّ والزبير: ما غَضبنا إلا أنَّا أُخِّرنا عن المشورة، وإنا لنرى أبا بكر أحقَّ الناسِ بها بعدَ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إنه لصاحبُ الغار، ثاني اثنين، وإنا لنعرفُ له شرَفَهُ وكُبْرَهُ، ولقد أمَرَهُ رسُولُ اللَّهِ ﷺ بالصلاة للناسِ وهُو حَيٌّ. وقد أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ٧٠) رقم (٤٤٢٢)، وعنه: البيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٥٢) من طريق موسى بن عقبة به.

стр. 2151

وفيه: (أنَّ عبدَالرحمن بن عوف كان مع عمر بن الخطاب ﵄ وأنَّ محمد بن مسلمة كسرَ سيف الزبير ... ). وقد ذكره الذهبي في «تاريخ الإسلام» (٢/ ١٠)، وابن كثير في ... «البداية والنهاية» (٨/ ٩٢) نقلاً من «مغازي موسى بن عقبة» (١)، والصالحي في «سبل الهدى والرشاد» (١٢/ ٣١٧) ولفظه عندهم جميعاً كما عند الحاكم. وصحَّحَه الحاكم، وقال ابن كثير: إسنادٌ جيد، وكذا قال الصالحي في ... «سبل الهدى والرشاد». وأخرج عبداللَّه بن الإمام أحمد في «السنة» (٢/ ٥٥٣) رقم (١٢٩١) قال: حدثنا محمد بن إسحاق بن محمد المخزومي المسيَّبي، قال: حدثنا محمد بن فليح بن سليمان (٢)، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب الزهري ... (ت ١٢٤ هـ)، قال: «وغضب رجالٌ من المهاجرين في بيعة أبي بكر ﵁ منهم: علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام ﵄ فدخلا بيت فاطمة بنتِ

стр. 2152

رسولِ اللَّهِ ﷺ ومعهما السلاح، فجاءَهما عمرُ ﵁ في عصابة من المسلمين فيهم: أسيدٌ، وسلمةُ بن سلامة بن وَقْش ـ وهما من بني ... عبد الأشهل ــ ويقال: فيهم ثابتُ بن قيس بن الشمَّاس ــ أخو بني الحارث بن الخزرج ــ فأخذ أحدُهُم سيفَ الزبير فضرَبَ به الحجَرَ حتى كسره». (١) قال موسى بن عقبة: قال سعد بن إبراهيم: حدثني إبراهيم بن ... عبد الرحمن بن عوف «أنَّ عبدَالرحمن كان مع عمر يومئذ، وأنَّ محمد بن مسلمة كسرَ سيف الزبير». واللَّه أعلم) (٢). ا. هـ يُلحظ في هذين الأثرين المرسلين أنهما لم يذكرا شيئاً عن التحريق، لكنْ فيهما: كسرُ سيف الزبير، وسبب عتبِ الزبيرُ وعليٌّ. ويُلحظ عدم ضبط مَن كسر السيف، ففي الأثر الأول: عبدالرحمن بن عوف، وقيل: محمد بن مسلمة، وفي الأثر الثاني أحد الثلاثة المذكورين ـ فاللَّهُ أعلم ـ.

стр. 2153

النظر فيما سبق إسناده صحيح، والمتن لا إشكال فيه ـ فيما يظهر لي ـ إلا في كلمة واحدة: خروجهم للمبايعة ـ وسيأتي تعليق عليها بعد قليل ـ. أما استشكال الشيخين: الألباني والحميِّد ـ فكما سبق ـ لم يقفا إلا على إسناد الحاكم، وليس في متنه إلا مسألة محبة عمر لفاطمة فقط ﵄ لذلك استنكر الألباني تقديم محبتها على غيره ـ وليس فيه ما ينكر لعدم معارضته الأفضلية ـ. واستنكر الشيخ د. الحميِّد صدور إظهار رجل محبتَه لأجنبية، ولو كانت محبةً شرعيةً، ولو تيسر للشيخ الوقوف على الطُرُقِ الأخرى، ومناسبة ورود الحديث وهي الواردة في تكملته، لزال المستنكَر من إظهار المحبة لأجنبية ... إذن: لا إشكال في كون فاطمة أحبَّ إلى عمر من الناس كلِّهم بعد النبي ﷺ ، والمحبةُ لا تستلزم الأفضلية، ولا إشكال في إظهار المحبة، لأنها شرعية، في زمَنِ حُزْنٍ بالغٍ جداً ـ بَعِيْدٍ عنهُ الريبة ـ، ومكانٍ شريف، بين رجل وامرأة بعيد عنهما الريبة ﵄، وفي مَشهَدٍ مِن الرجال الأفاضل لا خلوةَ فيه، وأهمُّ مِن هذا كلِّه: أنَّه أتى بهذه المحبةَ مُقدِّمةً بين يدي التهديد الموجَّهِ للرِّجَالِ وليس إليها، وليس الإشكال في الموضوع منها، فالبيتُ بيتُ

стр. 2154

عليٍّ، والرجالُ ضيوفُه، فأيُّ شئٍ على فاطمة من اجتماعهم عندها؟ ! ثم كيف يثني عليها، ويُبيِّن محبتَها ومَعَزَّتَها عنده، ويُهدِّدَها في الحال في كلام واحد قصير متصل؟ ! أيعقل هذا ؟ ! فعُمَر ﵁ قدَّم بيان المحبة، لِيُبيِّنَ أنَّ التهديدَ لأجل درءِ الخطَر عن المسلمين، خوفاً من الفتنة، فالبيعةُ قائمة، والخلافةُ جارية، والاجتماعُ من جماعةٍ ـ وليس مِن فرد ـ لم يبايعوا وهُم بجوار المسجد، فالخطرُ من عاقبة هذه الاجتماعات: فُرقةٌ وفِتنة، وعمرُ وزيرُ الخليفةِ أبي بكر ﵄ وعضدُه ومستشارُه، وقد عُرِفَ عنه صَلابتُه في دينِ اللَّهِ وشدَّتُه، وأنَّ الشيطان يَفرقُ منه، ومَواقِفُهُ بين يدي النبيِّ ﷺ في حرصِه وشِدَّتِهِ وقُوَّتِهِ مَشهُودَةٌ مَعلُومَةٌ مُتَواتِرَةٌ، ولم يُنكَرْ عليه ذلك؛ لما عُرِفَ عنه من القوة في الدِّين والشجاعة، قوةً بدنيةً، وإيمانيةً، وشَخصِيةً (١)، كما رُوِيَ: «أشدُّ أمتي في ... أمرِ اللَّهِ عُمَر» (٢)، فطِباعُه مختلفةٌ جداً عن أبي بكر وعثمان وعلي وغالب

стр. 2155

الصحابة ﵃، ولكلِّ إنسانٍ طبعُه الخاصُّ به، فلا يُنكَر عليه صفةً لا تخالفُ الشرعَ، إذْ صدَرَتْ منه سابقاً في مثيلاتها من الشدة في الحق بين يدي النبي ﷺ ، ولم يُنكر عليه؛ مُوافقةً لما عُهِدَ منه في طبعِهِ وشخصيته ... ثم هو لم يُهدِّدْ فاطمةَ ﵂، فالعبارات كلُّها في تهديد الرجال المجتمعين فقط، كيف يهددها وقد ابتدأ بمقدمة عظيمة في بيان مقامها ومحبته وإعزازه وتقديره لها؟ ! لماذا يؤخَذُ بالتهديد الموجَّهِ لغيرِ فاطمة، ويُلغَى ما قيل عن فاطمة المبتدأ

стр. 2156

بالقَسَمِ باللَّه؟ ! ! تأمَّل ألفاظَ التهديد، مع التنبُّهِ إلى أنها جاءت بعد الثناء وإظهار المحبة والمكانة العالية: لفظ ابن أبي شيبة: وأيْمُ اللَّه ما ذاكَ بمانِعِيَّ إنِ اجتمعَ هؤلاءِ النَّفَرُ عندَكِ؛ أن آمُرَ بهم أنْ يُحرَّقَ عليهم البيت». وقَدْ حلَفَ باللَّه لَئن عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عليكُم البَيتَ. لفظ القطيعي: وكلَّمَها، فدخل علي والزبير على فاطمة فقالت: انصرفا راشدين، فما رجعا إليها حتى بايعا. لفظ ابن أبي عاصم في «المذكر»: وأيم اللَّه لئن بلغني ذلك لأحرقن عليهم البيت. فتفرقوا حتى بُويع لأبي بكر. لفظ ابن عبدالبر: (ولقد بلغني أن هؤلاء النفر يدخلون عليكِ، ولئن بلغني لأفعلن ولأفعلن. ثم خرج وجاؤوها، فقالت لهم: إن عمر قد جاءني وحلف لئن عدتم ليفعلن، وأيم اللَّه لَيفيَنَّ بها، فانظروا في أمركم، ولا ترجعوا إلي، فانصرَفوا، فلم يرجعوا حتى بايعوا لأبي بكر). وهذا التهديد بالتحريق أسلوبٌ من أساليبِ إنكارِ المنكر، ولم يقع منه شئ البتة، ولا علامة من علاماته، أو مقدمة من مقدماته، تماماً كما همَّ النبي ﷺ بتحريق المتخلفين عن صلاة الجماعة، ولم يفعل ...

стр. 2157

وإنكاره المنكر وبيان شناعته بإظهار جزاء المخالفة ـ إن لم ينتهوا ـ؛ حرصاً على المسلمين، ولا يُقصد من كل تهديد إرادة الوقوع، بل كثير منه للزجر والتخويف، وهو من الأساليب العربية المعروفة. واللَّهُ قال لنبيهِ وأفضلِ خَلْقِهِ ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سورة الزمر، آية ٦٥) ونبيُّنَا ﷺ بعيدٌ عن الشرك، والتهديد لأحب الخلق إلى اللَّه تعالى، بياناً للناس وهداية، وتحذيراً من الإخلال بحق الإله الحق المبين. وإن كان من شئ في متن الحديث فهو العبارة الأخيرة: أنهم خرجوا وبايعوا، والراجح أنَّ علياً لم يبايع إلا بيعةً واحدةً بعد وفاة فاطمة (١)، فتُحمَل اللفظةُ ـ إنْ صحَّت ـ على مبايعة الحاضرين: الزبير، ومَن معه، دون عليٍّ ﵃. هذا، والصحابة لم يُجبِرُوا أحداً على البيعة، فقد قامَتْ بمبايعة أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ الحاضرين في ذلك الموقف: في السقيفة، ثم في المسجد، وإنما ورد الإشكال باجتماعٍ يُخشَى من عواقبه ــ وهذا النهي والزجر من عمر بتأييدٍ وطَلَبٍ فيما يظهر من أبي بكر ــ هُوَ عينُ السياسة الشرعية، وحسَناً فعَلَا ﵃.

стр. 2158

وما وردَ في الطُرق الأخرى من كَسْرِ سيفِ الزبير وغيرِ ذلك لا يصح. وأما الرافضة، فقالوا وأطالوا الحديث، ولم يدَعُو للشرِّ مقالاً، ... ولا للكذب وصفاً، فزادوا من عند أنفسهم زيادات أخجلت بعض عقلائهم، فعادوا على الموضوع بالنكران، وإنَّ بيتَ الكذب لا يبنى بلبنة صالحة ... ـ وللحديث بقية في الدراسة الموضوعية ـ. وقد أخذَتْ الرافضة ــ الذين لا يعرفون اللغة العربية وأساليبها فضلاً عن المرويات الصحيحة في دين الإسلام ــ من كلمة «التحريق» المهدَّد بها رجالاً اجتمعوا، وربُّ البيتِ (الشجاعُ القويُّ عليٌّ ﵁) موجودٌ قائمٌ قريباً من البيت ـ وليس المهدَّد فاطمة ـ، أخذ الرافضةُ من ذلك التهديد معنى قبيحاً فجعلوه على فاطمة! ! وناحوا على ذلك، وزادوا عليه معانٍ كثيرة، وقصصاً ومفتريات ووقائع، وحطباً اجتمع (١)، وابتدأ بشُعلة من نار لتحريق

стр. 2159

البيت، وثمَّةَ رُمْحٌ طعَن به عُمَرُ بطنَ فاطمة، وضغطَ عليها البابَ، فأسقطَتْ الجنينَ «محسِّناً»، وصاحَتْ فاطمة، وخرجَتْ تُنادي ..... إلخ الخيالات المضحكة، والأباطيل التي استحى منها بعض علماء الرافضة، فأنكروا القصة كلها ـ وسيأتي مزيد بيان عن أكاذيبهم في الدراسة ... الموضوعية ـ. الحكم على الحديث: الحديث صحيحٌ ـ والعلم عند اللَّه تعالى ـ. لم يُرِد عمرُ التحريق، بل الزجر، وكان التهديدُ موجَّهاً إلى الرجال الذين اجتمعوا عند فاطمة وليس لفاطمة، وحمَّل فاطمةَ الحديثَ؛ لأنهم لم يكونوا عندها ساعةَ إذٍ. ومحبةُ عمر لفاطمة ظاهرة في الحديث، مُقسَمٌ عليها، وهو الصادقُ البارُّ الراشدُ. ويُحمل قولُه: (فلَمْ يَرجِعُوا إليهَا حتَّى بَايَعُوا لأبي بكر) على مبايعة مَن حضَر: (الزبير، والعباس، وغيرهم من المهاجرين)، دون علي، لحديث عائشة: لم يبايع إلا بعد موت فاطمة ﵃. وفِعلُ عمرَ أسلوبٌ متَّبَع من أساليب العربية، والأمر في الإمامة العظمى والأمةِ جلَلٌ، والاجتماع من لدن أفراد لم يبايعوا: خطير جداً،

стр. 2160

والسياسة الشرعية تقتضي منعهم. عمرُ لم يفعل شيئاً سوى ما ذُكر في النص ـ محلِّ الدراسة ـ، وأما الزيادات الواردة في الشواهد فضعيفة، فضلاً عن الأكاذيب التي سترد في الدراسة الموضوعية ـ واللَّه تعالى أعلم ـ. * * *

стр. 2161

٩٩. [٢] عن عبداللهِ بن بريدة، عن أبيه، قال: خطبَ ... أبو بكر، وعمر ﵄ فاطمة ﵂، فقال ... رسولُ اللهِ ﷺ : «إنها صَغِيرةٌ». فخَطبَهَا عليٌّ ﵁، فَزوَّجَهَا منه. الحديث حسن، وقد سبق برقم (٣٣) وذُكر معه شواهده من حديث: عِلْبَاء بن أحمر اليشكري ﵀ ــ وهو حديث ضعيف ـ. ومرسل المخضرم: حُجْر بن عَنْبَس الحضرمي الكوفي ﵀. وحديث علي بن أبي طالب ﵁ ـ موضوع ـ. حديث أنس بن مالك ﵁ ـ ضعيف جداً ـ. * * *

стр. 2162

١٠٠. [٣] عن أبي هريرة ﵁ قال: قال عمر ﵁: (لقد أُعطِي عَليُّ بن أبي طالب ﵁ ثلاث خصال، لأَنْ تكونَ لي خصلةٌ منها أحبُّ إلي من حُمُر النَّعَم). قيل: وما هُنَّ يا أمير المؤمنين؟ قال: (تزويجُه فاطمة بنت رسول اللهِ ﷺ ، وسُكْنَاهُ المسجدَ مع رسول اللهِ ﷺ ، لا يحلُّ لي فيه ما يحِلُّ له، والرايةُ يوم خيبر). أخرجه: أبو يعلى، والطحاوي، والحاكم، وهو حديث ضعيف، سبق تخريجه برقم (٤٨). وروي عن ابنه: عبدِاللَّه بنِ عمر بنِ الخطاب ﵄ أنه قال: (كنَّا نقول في زمَنِ النَّبِيِّ ﷺ : رسُولُ اللَّه خيرُ الناس، ثم أبو بكر، ثم عمر، ولقد أُوتِيَ ابنُ أبي طالب ثلاثَ خصال، لأَنْ تكُونَ لي واحِدةٌ منهن أحبُّ إليَّ مِن حُمُرِ النَّعَمْ: زوَّجَهُ رسولُ اللَّه ﷺ ابنَتَهُ، ووَلَدَتْ لَهُ، وَسَدُّ الأبوابِ إلا بَابَهُ في المسجد، وأعطَاهُ الرايةَ يومَ خَيْبَرَ). أخرجه: أحمد، وابن أبي شيبة، وابن أبي عاصم، وأبو يعلى، وغيرهم. وهو حديث حسن، سبق تخريجه في الحديث رقم (٤٩).

стр. 2163

الدراسة الموضوعية: تمهيد في بيان كثرة الكذب عند الرافضة: أرى من المهمِّ أن يَبتَدِئ الحديثُ عن موقف الرافضة من أبي بكر وعمر، ونحوها، بذكر ما عُرفوا به وتميزوا به عن الطوائف كلِّها بالكذب، بل بكثرة الكذب والافتراء على الصَّحْبِ والآل ﵃! ولم يقف الافتراء على وضع مثالب في الصحابة، بل يساويه في المثالب: وضع المناقب في الآل، تلك المناقب التي تئن من الكذب والغلو فيه، وهي بالثلب والقدح أقرب منها إلى المدح. وأكثر الصحابة الذين وُضِعَتْ عليهم الأكاذيب، وتلاوة اللعن والتكفير والتنقص في أذكارهم اليومية ودعواتهم: الخليفة الراشد العادل: عمر بن الخطاب ﵁، (١) وأعظم من وُضِع عليه المناقب الكاذبة الغالية: فاطمة ثم علي ﵄، لذا مِن المهم البدء بذكر كلام أعظم الأئمة معرفة بالفِرق والطوائف، وأخبرهم بالرافضة كتبِها وأصولها وفروعِها ورجالها: شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ﵀. وبعد عرض أقاويلِه المحرَّرة عنهم، أذكر ما قاله الأئمة في الأكاذيب

стр. 2164

المفتراة على علي بن أبي طالب؛ لأنَّ الافتراء على فاطمة من باب أولى ﵄، وقد اطلعتُ على كثير من الأحاديث المفتراة على فاطمة فوجدت ما يذهل الحليم من الغلو والدناءة، والكذب المكشوف بداهةً ـ ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم ـ. لقد تحدث شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن عناية أهل السنة والجماعة بالأسانيد، وعناية الفرق الأخرى المخالفة، ومن ذلك قوله: (والرافضة أقل معرفة وعناية بهذا، إذْ كانوا لا ينظرون في الإسناد، ولا في سائر الأدلة الشرعية والعقلية: هل توافق ذلك أو تخالفه؟ ولهذا لا يوجد لهم أسانيد متصلة صحيحة قط، بل كل إسناد متصل لهم، فلا بد من أن يكون فيه مَن هو معروف بالكذب أو كثرة الغلط. وهم في ذلك شبيه باليهود والنصارى، فإنه ليس لهم إسناد. والإسناد من خصائص هذه الأمة، وهو من خصائص الإسلام، ثم هو في الإسلام من خصائص أهل السنة. والرافضة من أقل الناس عناية؛ إذ كانوا لا يصدِّقون إلا بما يوافق أهواءهم، وعلامة كذبه أنه يخالف هواهم؛ ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم . ثم إنَّ أولهم كانوا كثيري الكذب، فانتقلت أحاديثهم إلى قوم لا يعرفون

стр. 2165

الصحيح من السقيم، فلم يمكنهم التمييز إلا بتصديق الجميع أو تكذيب الجميع، والاستدلال على ذلك بدليل منفصل غير الإسناد ... ). (١) وقال ابن تيمية أيضاً: (وليس في أهل الأهواء أكثرُ كذباً من الرافضة، بخلاف غيرهم ... ). (٢) وقال أيضاً: (وقد اتفق أهل العلم بالنقل، والرواية، والإسناد على أنَّ الرافضة أكذبُ الطوائف، والكذبُ فيهم قديم، ولهذا كان أئمةُ الإسلام يعلمون امتيازهم بكثرة الكذب ... ). (٣) وقال أيضاً: (الرافضة أظهر فساداً من شُبَه الخوارج والنواصب، والخوارج أصحُّ منهم عقلاً وقصداً، والرافضةُ أكذب وأفسدُ ديناً). (٤) وقال أيضاً: ( ... فإنك لا تجدُ في طوائف أهلِ القبلة أعظمَ جهلاً من الرافضة، ولا أكثرَ حرصاً على الدنيا. وقد تدبرتُهم فوجدتُهم لا يضيفون إلى الصحابةِ عيباً إلا وهُم أعظم الناسِ اتِّصَافاً به، والصحابةُ أبعدُ الناس عنه، فهم أكذبُ الناسِ بلا ريب

стр. 2166

كمسيلمة الكذاب إذ قال: أنا نبيٌّ صادق ومحمد كذاب، ولهذا يصفون أنفسَهم بالإيمان ويصفون الصحابةَ بالنفاق، وهم أعظمُ الطوائفِ نِفاقاً، والصحابةُ أعظمُ الخلقِ إيماناً). (١) وقال ابن تيمية أيضاً: (وفي الجملة: فمن جرَّب الرافضةَ في كتابِهم وخطابِهم عَلِمَ أنهم مِن أكذبِ خَلقِ اللَّهِ، فكيف يثقُ القلبُ بنقل مَن كثُر منهم الكذب قبلَ أن يُعرف صدق الناقل؟ وقد تعدَّى شرُّهم إلى غيرهم من أهلِ الكوفة وأهلِ العراق ... ). (٢) وقال أيضاً: (ولكنَّ الرافضةَ غالبُ حُجَجِهم: أشعارٌ تليق بجهلهم وظُلمِهم، وحِكاياتٌ مَكذوبةٌ تَليق بجهلهم وكذبهم، وما يُثبِتُ أصولَ الدِّين بمثل هذه الأشعار، إلا مَن ليسَ معدوداً مِن أولي الأبصار). (٣) وقال أيضاً: (فما مِن طائفة مِن طوائف أهل السُّنَّة ـ على تنوعهم ـ إلا إذا اعتبرتَها وجدتَّها أعلمَ وأعدَل، وأبعدَ عن الجهلِ والظلم، مِن طائفة الرافضة، فلا يُوجد في أحدٍ منهم معاونةَ ظالم إلا وهُو في الرافضة أكثر، ولا يُوجد في الشيعة بُعدٌ مَّا عن ظلم ظالم إلا وهُو في هؤلاء أكثر.

стр. 2167

وهذا أمر يشهد به العيانُ والسَّماعُ، لمن له اعتِبارٌ ونظَرٌ. ولا يُوجَدُ في جميع الطوائف لا أكذبَ منهم، ولا أظلمَ منهم، ولا أجهلَ منهم. وشيوخُهم يقرُّونَ بألسنتهم، يقولون: يا أهلَ السنة أنتم فيكم فُتوَّة، ... لو قدرنا عليكم لما عامَلناكُم بما تعامِلُونا به عندَ القدرةِ علينا). (١) وقال ابن تيمية أيضاً ﵀: (وهكذا الرافضة لا يُتصوَّرُ قَطٌّ أنَّ مذهبهم يروج على أهلِ مدينة كبيرة من مدائن المسلمين، فيها أهل علم ودين. وإنما يروج على جهال البوادي والجبال أو على محلة في مدينة أو بُليدة، ... أو طائفة يظهرون للناس خلاف ما يبطنون لظهور كذبهم، حتى أنَّ القاهرة لما كانت مع العُبيديين، وكانوا يظهرون التشيُّع، لم يتمكنوا مِن ذلك، حتى منعوا مَن فيها من أهلِ العلم والدِّين من إظهار عِلْمِهم. ومع هذا فكانوا خائفين مِن سائر مدائن المسلمين، يَقدُمُ عليهم الغريبُ من البلد البعيد، فيكتمون عنه قولهم، ويداهنُونَه ويَتَّقُونه، كما يُخَافُ الملِكُ المطَاعُ، وهذا لأنهم أهلُ فِريةٍ وكَذِبٍ. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ (سورة الأعراف، آية ١٥٢)

стр. 2168

قال أبو قلابة: هي لكل مفتر من هذه الأمة إلى يوم القيامة). (١) وقال ابن تيمية ﵀: (فما أذكره في هذا الكتاب مِن ذم الرافضة وبيان كَذبِهم وجَهلِهم قَليلٌ مِن كثير مما أعرِفُهُ منهم، ولهم شَرٌّ كَثيرٌ لا أعرف تفصِيلَه. ومُصنِّفُ هذا الكتاب (٢) وأمثالُه من الرافضة، إنما نقابلهم ببعض ما فعلوه بأمةِ محمد ﷺ : سلَفِها وخَلَفِها؛ فإنهم عمدوا إلى خيار أهل الأرض من الأولين والآخرين بعد النبيين والمرسلين، وإلى خيار أمةٍ أُخرجَتْ للناس، فجعلوهم شرار الناس، وافتروا عليهم العظائم، وجعلوا حسناتهم سيئات، وجاءوا إلى شَرِّ مَن انتسب إلى الإسلام مِن أهل الأهواء وهُم الرافضة بأصنافها: غَالِيهَا وإمَامِيِّها وزيْدِيِّها، واللَّهُ يعلَمُ، وكفى باللَّهِ عليماً، ليس في جميع الطوائفِ المنتسبةِ إلى الإسلام مَع بدعةٍ وضلالةٍ شَرٌّ منهم: لا أجهلَ ولا أكذبَ، ولا أظلمَ، ولا أقربَ إلى الكُفْرِ والفُسوقِ والعِصيَانِ، وأبعدَ عَن حقائق .... ). (٣) وقال أيضاً: (وأما الرافضةُ فهم المعروفون بالبدعةِ عندَ الخاصةِ والعامة

стр. 2169

حتى أنَّ أكثر العامة لا تعرف في مقابلة الشيء إلا الرافضي لظهور مناقضتهم لما جاء به الرسولُ ﵇ عند الخاصة والعامة. فهم عين على ما جاء به حتى الطوائف الذين ليس لهم من الخبرة بدين الرسولِ ما لغيرهم إذا قالت لهم الرافضة: «نحن مسلمون» يقولون: أنتم جِنسٌ آخر. ولهذا الرافضة يوالون أعداءَ الدِّين الذين يَعرِفُ كلُّ أحَدٍ معاداتهم من اليهود، والنصارى والمشركين: مشركي الترك، ويعادون أولياءَ اللَّهِ الذين هم خيارُ أهلِ الدِّين، وساداتِ المتقين، وهُم الذين أقاموه وبلَّغُوه ونصروه. ولهذا كان الرافضةُ من أعظم الأسباب في دخول الترك الكفارِ إلى بلاد الإسلام. وأما قصةُ الوزير ابن العلقمي وغيره، كالنصير الطوسي مع الكفار، وممالأتهم على المسلمين فقد عرفَهَا الخاصةُ والعامةُ. وكذلك مَن كان منهم بالشام: ظاهروا المشركين على المسلمين، وعاونوهم معاونة عرفها الناس. وكذلك لما انكسر عسكرُ المسلمين، لما قدم غازان، ظاهروا الكفار النصارى، وغيرهم من أعداء المسلمين، وباعوهم أولاد المسلمين ... ـ بيع العبيد ـ وأموالهم، وحاربوا المسلمين محاربة ظاهرة، وحمل بعضهم راية الصليب. وهم كانوا مِن أعظم الأسباب في استيلاء النصارى قديماً على بيت

стр. 2170

المقدس حتى استنقذه المسلمون منهم). (١) وتحدَّث ابن تيمية ﵀ عن كذِب الرافضة لا سيَّما على جعفر الصادق، وما نسبوا له من الكتب، فإنه ما كُذِبَ على أحَدٍ ما كُذِب عليه. (٢) الكذب في الرافضة قديم: قال علي بن الجعد (ت ٢٣٠ هـ) ﵀: أخبرنا أبو يوسف القاضي، عن حصين، عن الشعبي (ت ١٠٥ هـ)، قال: (ما كُذِب على أحدٍ من هذه الأمة ما كُذِب على علي بن أبي طالب). (٣) قال علي بن الجعد: حدثنا شعبة، عن أيوب السختياني قال: كان ابن

стр. 2171

سيرين يرى عامة ما يَروون عن عليٍّ كَذِبَاً. (١) قال ابن حجر: (والمراد بذلك ما ترويه الرافضة عن عليٍّ من الأقوال المشتملة على مخالفة الشيخين، ولم يُرِدْ ما يتعلق بالأحكام الشرعية، فقد روى ابنُ سعد بإسنادٍ صَحيحٍ عن ابنِ عباس قال: إذا حدَّثَنا ثقةٌ عن عليٍّ بفُتيا؛ لم نتجاوزها). (٢) وقال النووي في أثَرٍ آخر: ( ... فأشار بذلك إلى ما أدخلَتْهُ الروافض والشيعةُ في عِلْمِ عَلِيٍّ ﵁ وحديثِه، وتقوَّلُوهُ عليه من الأباطيل، وأضافوه إليه من الروايات والأقاويل المفتعلة والمختلقة، وخلطوه بالحق، فلم يتميز ما هو صحيح عنه مما اختلقوه). (٣) وعن شبابة، وغندر كلاهما، عن شعبة، عن عَمْرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى قال: صحبتُ عليَّاً في السفَر والحضَر، فكُلُّ ما يُحدِّثونَ عنه بَاطلٌ. لفظ البيهقي: وأكثرُ ما يحدثون عنه باطل. لفظ حديث غندر: صحبت علياً في السفر والحضر فما سمعتُه يقول ما تروُون عنه. (٤)

стр. 2172

قال أبو يعلى الخليلي (ت ٤٤٦ هـ): ( ... ولأهل الكوفة من الضعفاء ما لا يمكن عدُّهم. قال بعض الحفاظ: تأملتُ ما وضعَهُ أهلُ الكوفة في فضائل عليٍّ وأهلِ بيته، فزادَ على ثلاثمئة ألف ... ). (١) قال ابن القيم: (وأمَّا ما وضعَتْهُ الرافضةُ في فضائل عليٍّ، فأكثرُ مِن أنْ يُعَدَّ ... ــ ثم ذكر قول الخليلي السابق منسوباً إليه لا إلى مَن نقل عنه ــ، ثم قال ابن القيم معلقاً: ولا تستبعد هذا، فإنك لو تتبعتَ ما عندهم من ذلك، لوجدتَ الأمرَ كما قال). (٢) قال ابن الجوزي في كتابه «الموضوعات» في كتاب الفضائل: (باب في فضائل علي ﵇. فضائلُه الصحيحة كثيرةٌ، غير أنَّ الرافضة لم تَقْنَع فوضَعَتْ له ما يضَعُ

стр. 2173

لا ما يرفعُ! وحُوشِيت حاشيته من الاحتجاج إلى الباطل. واعلم أنَّ الرافضة ثلاثة أصناف: صنفٌ سمعوا شيئاً من الحديث، فوضعوا أحاديث وزادوا ونقصوا. وصنف لم يسمعوا فتراهم يكذبون على جعفر الصادق، ويقولون قال جعفر: وقال فلان. والصنف الثالث: عوام جهلة يقولون ما يريدون مما يسوغ في العقل ومما لا يسوغ. ولقد وضعت الرافضة كتاباً في الفقه وسمَّتْهُ مذهب الإمامية، وذكروا فيه ما يخرِق إجماع المسلمين بلا دليلٍ أصلاً). (١)

стр. 2174

ذكر الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) ﵀ بأن جماعة من أكابر أهل البيت من الزيدية صرَّحوا بأنَّ الرافضة يكذبون كيف شاوءا ولا يبالون! ! (١) ليس من أتباع أهل البيت مَن يسبُّ الصحابةَ ﵃ - قال الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) ﵀: (مَن صارَ مِن أتباع أهلِ البيت مشغولاً بسبِّ الصحابة، وثلبهم والتوجع منهم؛ فليس هُو مِن مذهب أهل البيت في شئ، بل هو رافضيٌّ خارِجٌ عن مذهب جماعتهم، وقد ثبت إجماعهم من ثلاث عشرة طريقة كما أوضحت ذلك في الرسالة التي سمَّيتُها ... «إرشاد الغبيِّ إلى مذهب أهلِ البيتِ في أصحابِ النبيِّ ﷺ » أنهم لايسبون أحداً من الصحابة الذين هم أهل السوابق والفضائل ... إلخ ثم ذكر عاقبة مَن يسب الصحابة ممن عاصرهم المؤلف، وأنه لايفلح دِيناً ولا دُنيا ... (٢)

стр. 2175

موقف آل البيت من عمر ﵃ بَينَ الخليفةِ الراشدِ العادلِ أمير المؤمنين عمرَ بنِ الخطاب ﵁ وآلِ بيتِ النبيِّ ﷺ محبةٌ ووَفاءٌ، ومصاهراتٌ، وتَوافقٌ في الأسماء، محبةً صادقةً، لم يتخلفوا عن بيعتِه ولا مجلسِه ﵃ (١) وقد أكرَمَهُم، وقدَّمَهُم في العطاء. (٢) وقد ذُكِرَ في المبحث السابق: حُسْنِ العَلاقَة بينَ الصحبِ والآل. أما موقفُ عمرَ مِن آل البيت: فقد أقسمَ باللَّهِ ـ وهو الصادِقُ ـ على محبتِهِ لفاطمة ـ كما في الحديث الأول ـ، وقدَّم آلَ البيت في العطاء ـ كما سيأتي في كلام ابن تيمية ـ
следующие страницы →