سيرين يرى عامة ما يَروون عن عليٍّ كَذِبَاً. (١)
قال ابن حجر: (والمراد بذلك ما ترويه الرافضة عن عليٍّ من الأقوال المشتملة على مخالفة الشيخين، ولم يُرِدْ ما يتعلق بالأحكام الشرعية، فقد روى ابنُ سعد بإسنادٍ صَحيحٍ عن ابنِ عباس قال: إذا حدَّثَنا ثقةٌ عن عليٍّ بفُتيا؛ لم نتجاوزها). (٢)
وقال النووي في أثَرٍ آخر: ( ... فأشار بذلك إلى ما أدخلَتْهُ الروافض والشيعةُ في عِلْمِ عَلِيٍّ ﵁ وحديثِه، وتقوَّلُوهُ عليه من الأباطيل، وأضافوه إليه من الروايات والأقاويل المفتعلة والمختلقة، وخلطوه بالحق، فلم يتميز ما هو صحيح عنه مما اختلقوه). (٣)
وعن شبابة، وغندر كلاهما، عن شعبة، عن عَمْرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى قال: صحبتُ عليَّاً في السفَر والحضَر، فكُلُّ ما يُحدِّثونَ عنه بَاطلٌ.
لفظ البيهقي: وأكثرُ ما يحدثون عنه باطل.
لفظ حديث غندر: صحبت علياً في السفر والحضر فما سمعتُه يقول ما تروُون عنه. (٤)
стр. 2172
قال أبو يعلى الخليلي (ت ٤٤٦ هـ): ( ... ولأهل الكوفة من الضعفاء ما لا يمكن عدُّهم. قال بعض الحفاظ: تأملتُ ما وضعَهُ أهلُ الكوفة في فضائل عليٍّ وأهلِ بيته، فزادَ على ثلاثمئة ألف ... ). (١)
قال ابن القيم: (وأمَّا ما وضعَتْهُ الرافضةُ في فضائل عليٍّ، فأكثرُ مِن أنْ يُعَدَّ ... ــ ثم ذكر قول الخليلي السابق منسوباً إليه لا إلى مَن نقل عنه ــ، ثم قال ابن القيم معلقاً:
ولا تستبعد هذا، فإنك لو تتبعتَ ما عندهم من ذلك، لوجدتَ الأمرَ كما قال). (٢)
قال ابن الجوزي في كتابه «الموضوعات» في كتاب الفضائل:
(باب في فضائل علي ﵇.
فضائلُه الصحيحة كثيرةٌ، غير أنَّ الرافضة لم تَقْنَع فوضَعَتْ له ما يضَعُ
стр. 2173
لا ما يرفعُ!
وحُوشِيت حاشيته من الاحتجاج إلى الباطل.
واعلم أنَّ الرافضة ثلاثة أصناف:
صنفٌ سمعوا شيئاً من الحديث، فوضعوا أحاديث وزادوا ونقصوا.
وصنف لم يسمعوا فتراهم يكذبون على جعفر الصادق، ويقولون قال جعفر: وقال فلان.
والصنف الثالث: عوام جهلة يقولون ما يريدون مما يسوغ في العقل ومما لا يسوغ.
ولقد وضعت الرافضة كتاباً في الفقه وسمَّتْهُ مذهب الإمامية، وذكروا فيه ما يخرِق إجماع المسلمين بلا دليلٍ أصلاً). (١)
стр. 2174
ذكر الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) ﵀ بأن جماعة من أكابر أهل البيت من الزيدية صرَّحوا بأنَّ الرافضة يكذبون كيف شاوءا ولا يبالون! ! (١)
ليس من أتباع أهل البيت مَن يسبُّ الصحابةَ ﵃ -
قال الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) ﵀: (مَن صارَ مِن أتباع أهلِ البيت مشغولاً بسبِّ الصحابة، وثلبهم والتوجع منهم؛ فليس هُو مِن مذهب أهل البيت في شئ، بل هو رافضيٌّ خارِجٌ عن مذهب جماعتهم، وقد ثبت إجماعهم من ثلاث عشرة طريقة كما أوضحت ذلك في الرسالة التي سمَّيتُها ... «إرشاد الغبيِّ إلى مذهب أهلِ البيتِ في أصحابِ النبيِّ ﷺ » أنهم لايسبون أحداً من الصحابة الذين هم أهل السوابق والفضائل ... إلخ
ثم ذكر عاقبة مَن يسب الصحابة ممن عاصرهم المؤلف، وأنه لايفلح دِيناً ولا دُنيا ... (٢)
стр. 2175
موقف آل البيت من عمر ﵃
بَينَ الخليفةِ الراشدِ العادلِ أمير المؤمنين عمرَ بنِ الخطاب ﵁ وآلِ بيتِ النبيِّ ﷺ محبةٌ ووَفاءٌ، ومصاهراتٌ، وتَوافقٌ في الأسماء، محبةً صادقةً، لم يتخلفوا عن بيعتِه ولا مجلسِه ﵃ (١) وقد أكرَمَهُم، وقدَّمَهُم في العطاء. (٢)
وقد ذُكِرَ في المبحث السابق: حُسْنِ العَلاقَة بينَ الصحبِ والآل.
أما موقفُ عمرَ مِن آل البيت: فقد أقسمَ باللَّهِ ـ وهو الصادِقُ ـ على محبتِهِ لفاطمة ـ كما في الحديث الأول ـ، وقدَّم آلَ البيت في العطاء ـ كما سيأتي في كلام ابن تيمية ـ
стр. 2176
و من دلائلِ حُسْنِ العلاقةِ بين عمر وفاطمة ﵄: خطبته ابنتَها ... ـ بعد وفاة فاطمة ـ: أمَّ كلثوم بنتَ علي بنِ أبي طالب .
عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقب بالباقر، قال: إنَّ عمر بن الخطاب ﵁ خطب إلى علي بن أبي طالب ابنته أم كلثوم ﵄، فقال عليٌّ: إنما حبستُ بناتي على بني جعفر، فقال عمر: أنكحنيها يا علي، فواللَّهِ ما على ظهر الأرض رَجُلٌ يرصدُ مِن حسن صحابتها ما أرصد، فقال علي: قد فعلتُ. فجاء عمر إلى مجلس المهاجرين بين القبر والمنبر ــ وكانوا يجلسون ثَمَّ علي وعثمان والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف فإذا كان الشيء يأتي عمر من الآفاق جاءهم فأخبرهم ذلك واستشارهم فيه ـ، فجاء عمر، فقال: رفِّئُوني فرفَّئُوه، وقالوا: بِمَنْ يا أمير المؤمنين؟ قال: بابنة عليِّ بنِ أبي طالب، ثم أنشأ يخبرهم، فقال: إنَّ النبي ﷺ قال: «كلُّ نسَبٍ وسَبَبٍ منقطعٌ يوم القيامة، إلا نَسَبِي وسَبَبِي». وكنتُ قد صحِبْتُهُ، فأحبَبَتُ أنْ يكونَ هذا أيضاً. (١)
مَن القوم الذين كانوا يجتمعون في بيت فاطمة، ولِمَ ذهب إليهم عمر ﵄ وهدَّدَهم ؟
في أحاديث هذا المبحث: حديث أسلم مولى عمر، وأثَر أبي سلمة بن عبدالرحمن، وفيهما أنَّ الذي في البيت: عليٌّ، والزبير ﵄.
وفي أثَر زياد بن كليب، في البيت: علي، وطلحة، والزبير، ورجالٌ من المهاجرين. ـ والأثر ضعيف ـ.
وفي قول الزهري: غضب رجالٌ من المهاجرين، منهم: علي، والزبير.
стр. 2183
وجاء في «صحيح البخاري» رقم (٦٨٣٠) في حديث السقيفة من حديث ابن عباس ﵄، فيه أنَّ عمر ﵁ قال: ( ... وإنَّه قد كان مِن خبَرنا حين تَوفَّي اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّ الأنصار خالَفُونا، واجتمعوا بأسْرِهِم في سقيفة بني ساعدة.
وخالف عنَّا عليٌّ، والزبيرُ، ومَنْ معَهُمَا، واجتمعَ المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار ... ).
قلت: يفهم من قوله: «ومَنْ معهما» أنهم مجموعة، ويُحمَل في بعض الآثار ـ إنْ صحَّتْ ـ في خروجهم ومبايعتهم، على مبايعتهم دون علي وبعض آل هاشم، خاصةً علي؛ لتصريح عائشة بأنه لم يبايع إلا بعد موت فاطمة. واللَّه أعلم
ومن فوائد ذهاب الشيخين أبي بكر وعمر للأنصار في السقيفة ﵃، ما قاله ابن حجر: (وفيه أنَّ على الإمام إنْ خشي مِن قومٍ الوقوعَ في محذور أنْ يأتيَهم فيعظُهم، ويُحذِّرَهم قبلَ الإيقاع بهم). (١)
وهذا ينطبق تماماً على ذهاب عمر لبيتِ فاطمة ﵄ حيث يجتمع جماعةٌ من المهاجرين ـ ولم يجدْهُمْ لحظةَ ذهابِه ـ، فأبلغَ فاطمةَ تحذيرَه من تكرار الاجتماع، وطلبَه دخولهم فيما دخلَ فيه الناسُ، فالجماعةُ أولى مِن الفرقة،
стр. 2184
فبلَّغتْهُم فاطمةُ وبيَّنَتْ لهم التهديد، فأقبلوا جميعاً للبيعة إلا علي ... ـ على الراجح ـ.
قال ابن بطال: (قال المهلب: وقوله: «قدْ خالفَ عنَّا عليٌّ والزبيرُ» فليس هذا خلاف في الرأي والمذهَب، وإنما هُوَ في الاجتماع والحضور.
وفي إشارة عمر على أبي بكر أنْ يأتي الأنصار دليلٌ على أنه إذا خَشِيَ مِن قوم فِتنةً، وألا يجيبوا إلى الإقبال إلى أمْرِ مَنْ فوقَهُم أنْ ينهض إليهم مَنْ فَوقَهم، ويُبَيِّنَ لجماعَتِهِم الحقَّ قبلَ أنْ يحكم بذلك الرأي ويُقضى به؛ ألا ترى إلى إجابة أبي بكر إلى ذلك وهو الإمام). (١)
قال ابن الملقن: (قوله: «قدْ خالفَ عنَّا عليٌّ والزبيرُ» وليس ذلك بخلاف في الرأي والمذهب، وإنما هو في الاجتماع والحضور.
وقيل: كانوا لجئوا إلى بيت فاطمة ليتشاور الناس، فخشي الصديق والفاروق إن لم يبادروا بالبيعة أن يبايع الأنصار أحدَهُم فتكون فلتة). (٢)
قال ابن حجر: (قوله: «وخالف عنَّا عليٌّ، والزبير، ومَنْ مَعَهُما» في رواية مالك ومعمر: وأنَّ عليَّاً والزبيرَ ومَن كان معهما تخلَّفوا في بيت فاطمة بنتِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وكذا في رواية سفيان لكن قال: العباس
стр. 2185
بدل الزبير). (١)
وجاء في «العِقْد» أن علياً، والزبير، والعباس (٢)، قعدوا في بيت فاطمة. (٣)
стр. 2186
دعوى الرافضة أن عمر ﵁ أحرق الكتاب الذي بيد فاطمة ﵂، وفيه: كتابة أبي بكر ﵁ لها بفدك ! !
نقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قول الرافضي: (ولما وعظَتْ فاطمةُ أبا بكر في فدَك، كتب لها كتاباً بها، وردَّها عليها، فخرجَتْ مِن عنده، فلقيَها عمرُ بنُ الخطاب، فحرَّقَ الكتابَ، فدَعَتْ عليه بما فعلَهُ أبو لؤلؤة به، وعطَّل حدودَ اللَّهِ فلم يحِدَّ المغيرةَ بنَ شعبة، وكان يُعطِي أزواجَ النبي ﷺ من بيتِ المال أكثرَ مما ينبغي، وكان يُعطِي عائشةَ وحفصةَ في كلِّ سنَةٍ عشرةَ آلافِ دِرهَمٍ، وغيَّرَ حكمَ اللَّهِ في المنفِيِّين، وكان قليلَ المعرفةِ في الأحكام).
فردَّ عليه ابنُ تيمية ﵀ بقولِه: (والجوابُ: أن هذا من الكذب الذي لا يستريب فيه عالم، ولم يذكر هذا أحدٌ مِن أهلِ العلم بالحديث، ولا
стр. 2187
يُعرفْ له إسنادٌ، وأبو بكر لم يَكتبْ فدَكاً قطُّ لأحدٍ لا لفاطمة، ولا غيرها، ولا دَعَتْ فاطمةُ على عمر.
وما فعله أبو لؤلؤة كرامةٌ في حقِّ عمر ﵁، وهو أعظمُ مما فعلَه ... ابنُ مُلجمٍ بعلي ﵁، وما فعَلَه قتلةُ الحسين ﵁ به.
فإنَّ أبا لؤلؤة كافرٌ قتَلَ عمرَ كما يقتلُ الكافرُ المؤمنَ، وهذه الشهادة أعظم مِن شهادة مَن يَقتلْهُ مُسلمٌ؛ فإنَّ قتيلَ الكافرِ أعظمُ دَرجةً من قتيل المسلمين، وقَتلُ أبي لؤلؤة لعمر كان بعد موت فاطمة بمدة خلافة أبي بكر وعمر إلا ستة أشهر، فمن أين يعرف أن قتله كان بسبب دعاءٍ حصل في تلك المدة؟ !
والداعي إذا دعا على مُسلمٍ بأن يقتلَه كافرٌ، كان ذلك دعاءً لَه لا عليه، كما كان النبيُّ ﷺ يدعو لأصحابه بنحو ذلك، كقوله: «يغفر اللَّه لفلان» فيقولون: لو أمتعتنا به.
وكان إذا دعا لأحدٍ بذلك استُشهِد.
ولو قال قائل: إن علياً ظلمَ أهلَ صفين والخوارج حتَّى دعوا عليه بما فعلَه ابنُ ملجم، لم يكن هذا أبعدَ عن المعقول مِن هذا، وكذلك لو قال: إنَّ ... آل سفيان بنِ حرب دعوا على الحسين بما فُعِلَ بِه.
وذلك أنَّ عمر لم يكن له غَرضٌ في فَدَك؛ لم يأخذها لنفسِه ولَا لأحَدٍ من
стр. 2188
أقاربه وأصدقائه، ولا كان له غرضٌ في حرمان أهلِ بيت النبي ﷺ ، بل كان يقدِّمُهُم في العطاء على جميع الناس، ويُفضِّلُّهم في العطاء على جميعِ الناس، حتى أنه «لما وضع الديوان للعطاء، وكتبَ أسماءَ الناس، قالوا: نبدأ بكَ؟ قال: لا، ابدَأوا بأقاربِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وضَعُوا عمرَ حيثُ وضعَهُ اللَّهُ، فبدأَ ببنِي هاشم، وضمَّ إليهم بني المطلِّب؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيءٌ واحِدٌ، إنهم لم يُفارِقُونا في جاهلية ولا إسلام».
فقدَّمَ العباسَ وعلياً والحسنَ والحسين، وفرضَ لهم أكثرَ مما فرضَ لنظرائهِم من سائر القبائل، وفضَّلَ أسامةَ بنَ زيدٍ على ابنِهِ عبدِاللَّه في العطَاء، فغضِبَ ابنُهُ وقال: تُفضِّلُ عَلَيَّ أسامةَ؟ !
قال: فإنَّه كان أحبَّ إلى رسُولِ اللَّهِ منكَ، وكان أبُوه أحبَّ إلى ... رسُولِ اللَّه مِن أبيك».
وهذا الذي ذكرناه من تقديمِه بني هاشم وتفضيلِه لهم أمرٌ مَشهُورٌ عند جميعِ العلماء بالسِّيَر، لم يختلِفْ فيه اثنان؛ فمَن تكونُ هذه مراعاتُهُ لأقارِبِ الرسُولِ وعِترَتِهِ، أيَظْلِمُ أقربَ الناسِ إليهِ، وسيِّدَةَ نساءِ أهلِ الجنة ـ وهي مصابة به ــ في يَسِيرٍ من المال؟ ! وهو يُعطي أولادَهَا أضعافَ ذلك المال! ويُعطِي مَن هُوَ أبعدُ عَن النبي ﷺ منها، ويُعطِي عليَّاً؟ !
стр. 2189
ثمَّ العادةُ الجارِية بأن طُلابَ المُلكِ والرياسة لا يتعرضون للنساء، بل يُكرمُونَهنَّ لأنهنَّ لا يَصلُحْنَ للمُلْكِ، فكيف يجزل العطاءَ للرجال، والمرأةُ يحرِمْهَا من حقِّهَا، لا لِغرضٍ أصلاً، لا دِينِي ولا دُنيَوِي؟ ! ..... إلخ). (١)
стр. 2190
قضية التهديد التي أوصلتها الرافضة إلى البدء بالتحريق، وما تبعه من الأساطير:
أما الرافضة ـ الذين لا يعرفون اللغةَ العربية وأساليبَها فضلاً عن المرويات الصحيحة في دين الإسلام ــ فإنهم أخذوا من كلمة «التحريق» المهدَّدِ بها رجالٌ يجتمعون بعد انعقاد البَيعة، وكان ربُّ البيت ـ الشجاعُ القويُّ عليٌّ ﵁ ـ موجوداً قائماً قريباً من البيت ـ وليس المهدَّدْ بذلك فاطمة ﵂ ــ، أخذ الرافضة من ذلك التهديد معنى قبيحاً فجعلوه على فاطمة، وناحُوا على ذلك، وزادوا عليه معانٍ كثيرة وقصصاً ومفتريات ووقائع.
ومن كذبهم أنهم اضطربوا في رواياتهم اضطراباً كثيراً:
فذكروا أنَّ عُمرَ جمَعَ الحطبَ حولَ المسجد! ! (١)، وابتدأَ بشُعلَة من نار لتحريق البيت، وكان عُمَر يصيحُ: أَحرِقوا الدارَ بِمَن فيها! ! وكان فيها
стр. 2191
فاطمةُ والحسنُ والحسينُ وعلي.
وكان مع عُمرَ رُمْح فطعنَ به بطنَ فاطمة، وقيل: أمرَ مولاه قُنْفُذ أنْ يطعنَ به فاطمة، (١) وقيل: فتح الباب وضغط على فاطمة وهي خلف الباب، عبَّر بعضهم بقوله: وكبَسَها بين الحائط والباب، حتى أنَّ مسمارَ الباب نبت في صدرها بسبب عصرة الباب! ! وقيل: لطمها، وكسر ضلعها، وجرح يدَها، فأسقطت الجنين «محسِّناً» (٢) في لحظتها، حتى أن «فضة» جارية فاطمة، لم تستطع إنقاذ فاطمة إلى الحجرة، فأسقطت الجنين ميتاً قبل وصولها! ! يعني مسافة ثلاثة أمتار تقريباً! !
وقيل: خرجَتْ كاشفةً رأسَها تصرخ في وجوههم، وقالت: لأنشُرَنَّ شَعْري، ولأشقَنَّ جَيبي، ولآتينَّ قبرَ أبي (٣)، فأخذت الحسن والحسين وخَرجَتْ لقبر أبيها ﷺ تُبلِغُه الشكوى! !
وقيل: وكبَسَها بين الحائط والباب، وضربَ بالسَّوْطِ ذِرَاعَها، وكسَرَ ضِلْعَهَا، وخَرجَتْ تَصرُخُ، وبَقِيَتْ مَريضَةً مِن هذه الأحداث: مِن الضربِ والطعنِ والسِّقْطِ، وبِسبَبِهَا مَاتَتْ! !
стр. 2192
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنَّ مِن الرافضة (مَنْ يقول: إنهم بعَجُوا بطنَ فاطمة حتى أسقطت، وهدموا سقف بيتها على مَن فيه، وأمثال هذه الأكاذيب التي يَعلم مَن له أدنى عِلْمٍ ومَعرِفَةٍ أنها كَذِبٌ، فهُم دائماً يَعمَدُون إلى الأمورِ المعلومة المتواترة يُنكرونها، وإلى الأمور المعدومة التي لا حقيقةَ لها يُثبِتُونها! !
فلَهُم أوفرُ نصيبٍ من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ (سورة العنكبوت، آية ٦٨) فهم يفترون الكذبَ ويُكذِّبُون بالحق، وهذا حالُ المرتَدِّين.
وهُم يدَّعُون أنَّ أبا بكر وعمر، ومن اتبعهما؛ ارتدوا عن الإسلام). (١)
وثمَّةَ خيالاتٌ مُضحِكَةٌ، وأباطيلُ استحَى منها بعضُ عُلماءِ الرافضة، فأنكروا القصةَ كلَّها.
أينَ عليٌّ ـ المعروفُ بالشجاعة والبسَالة ـ؟ أين العباس، وآل هاشم؟ أين الصحابة وهم يرون الحِراب والحطبَ والنارَ حولَ بيتِ ابنةِ النبيِّ ﷺ ، ولم يتكلموا بشئٍ، ولم يعترضوا؟ !
مِن المعلوم يقيناً حبُّ الصحابةِ للنبيِّ ﷺ ، وحبُّهم لآلِهِ،
стр. 2193
فكيف يرون أمامَهم حَرْباً على بيت فاطمة، ولا يحرِّكُونَ ساكناً؟ ! (١)
كيف يُقدِمُ عمرُ علَى عقوبةٍ ويأتي بفتيلة = بقَبَسٍ من نار، يريدُ: تحريق الباب أو البيت، وهو لم ينذرهم قبل ذلك؟ !
وكيف يُبايِع عليٌّ مُكرَهاً، والثابت الصحيح أنه بايَع عن رِضَا بعد وفاة فاطمة، وقيل: بايَعَ مع الناس البيعة الأولى في المسجد، في اليوم الثاني، ثم جدَّدَ البيعة بعد وفاة فاطمة، وليس في شئ منها إكراه، بل قَدِم عن محبة وتعظيم ومعرفة بمنزلة أفضلِ الأمةِ بعد نبيِّها ﷺ .
أما كتب الرافضة فحدِّث ولا حرَج عن هذه الأساطير (٢)، وقد نقلوها
стр. 2194
من: «السقيفة» لسليم بن قيس الهلالي (١) ...................................
والجوهري (١) والثقفي (٢)، و «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد (٣)، ولأجل أنْ يُثبتوا لأهلِ السنة والجماعة ورودُها في كتبهم، استدلوا بأمور:
ذكرَها ابنُ عبدربه في «العِقْد الفريد» (٤)،
والذهبيُّ في «الميزان»، ...
وابنُ قتيبةَ في «الإمامة والسياسة» (١)، والمسعودي في كتابه «إثبات الوصية» عند شرحه قضايا السقيفة وفدك، (٢) والشهرستاني في كتابه: «الملل والنحل»، وذكرها اليعقوبي في «تاريخه»، وذُكرت في «نهج البلاغة».
الجواب: كلُّ هذه القصص أكاذيب وخرافات لا مستند لها، ولا يملكون لها إسناداً صحيحاً، ومرجعهم الأول فيها: «السقيفة» لسليم بن قيس، وهو كتاب يُنكِرُهُ علماؤهم ـ كما سبق ـ، لذلك اضطربوا في هذه الحوادث المزعومة اضطراباً كثيراً، حتى أنكرها بعض علمائهم، وبينوا استحالة وقوعها ـ كما سيأتي بعد قليل ـ.
أما نقلهم من ابن عبدربه في «العقد» (٣) فهو أديب لم يُسنِد الأخبار، ولا يعتمد عليه في أمورِ الدين.
وأما الذهبي في «الميزان»، وابن حجر في «اللسان» فهو من أعجب العجب، إذْ دوماً يحيلُ الرافضةُ محتجين على أهلِ السُّنَّة ورود الحديث في
стр. 2199
كتبهم، ويذكرون: «الميزان»، و «لسان الميزان»، و «ضعفاء العقيلي»، و «كامل ابن عدي»، وغيرها من الكتب التي تترجم الضعفاءَ والكذابين، وتورد بعض أحاديثهم الضعيفة أو المكذوبة! !
والأعجبُ أنهم يُحيلون إلى: «الموضوعات» لابن الجوزي، و «تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة» لابن عراق الكناني، ... و «الفوائد المجموعة» للشوكاني، على أنها من كتب أهل السنة والجماعة، وهذه الكتبُ يعرفُ صِغارُ طلبةِ العلم أنها كُتُبٌ تُبيِّنُ الأحاديثَ المكذوبة.
أما إسقاطُ «مُحسِّن» وإحالة الرافضة إلى كتابي: «ميزان الاعتدال» ... و «لسان الميزان»، فقد سبق الحديث في مبحث أولاد فاطمة (١)، وذكرتُ هناك أنَّ الرافضة تدَّعي أنَّ عمر ﵁ رفَس فاطمة ﵂ حتى أسقطت بِـ «محَسِّن» (٢)، وهذا كذب وافتراء؛ والخبر جاء في الكتابَين ضمن أكاذيب ومنكرات أبي بكر بن أبي دارم. (٣)
стр. 2200
والرافضة إذا عزو الحديثَ يقولون: رواه الشهرستاني في «الملل والنحل»! ! والشهرستاني (ت ٥٤٨ هـ) ليس مِن أهل الحديث ولا يُسنِد! !
هم لا يفرِّقون بين: ذكَرَهُ فلان، ورواه أوْ أخرجه فلان؛ لأنهم لا يعرفون العلمَ والتحقيق، وليس عندهم أسانيد، ولهذا فإنَّ الشهرستاني لما ترجمَ للمعتزلي: إبراهيم بن سيَّار المعتزلي النظَّام (١)
ذكرَ أوابِدَه، وما انفردَ به
стр. 2201
عن أصحابه المعتزلة، عدَّدَها وذكر منها: قصةُ طَعْنِ عمرَ فاطمةَ ﵄، وهذا حديث عن عقيدة النظام وليس قولاً للشهرستاني! ! (١)
وأما كتاب: «الإمامة والسياسة» المنسوب كذباً إلى ابنِ قتيبة الدينَوَري ...
стр. 2202
(ت ٢٧٦ هـ)، فقد بيَّنَ العلماءُ أنه ليس لابن قتيبة، وأنه منحولٌ عليه. (١)
وأما المؤرِّخ اليعقوبي، وتاريخُه، فهو رافضي، وتاريخه ليس صحيحاً ولا عِلْمِياً. (٢)
стр. 2203
وأما «نهج البلاغة» فلا يصح نسبتُه لعليِّ بن أبي طالب ﵁. (١)
هذا، وقد أنكر عددٌ من علماءِ الرافضة هذه القصص، منهم:
عبدالجبار البحراني في كتابه «مظلومية الزهراء إلى متى» ... (ص ١٠ ـ ١١)، ومحمد حسين آل كاشف الغطاء (ت ١٣٧٣ هـ) في كتابه: ... «جنة المأوى» (ص ١٣٥)، ومحمد حسين فضل اللَّه (ت ١٤٣١ هـ) (٢) في موقعه في الشبكة العالمية. (٣)
стр. 2204
وقال ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» (٢/ ٦٠): (وأما الأمور الشنيعة المستهجنة التي تذكرها الشيعة من إرساله قنفذ إلى بيت فاطمة، وأنه ضربها بالسوط، فصار في عضدها كالدملج، وبقي أثره إلى أن ماتت، وأنَّ عمر أضغطها بين الباب والجدار، فصاحت: يا أبتاه، ... يارسولَ اللَّهِ، وألقَتْ جنينَها ميتاً، وجعلَ في عُنقِ عليٍّ حبل يُقادُ به، وهو يعتل، وفاطمةُ خلفَهُ تصرخُ، وتُنادي بالويل والثبور، وابنَاه حَسَنُ وحُسَينٌ معهما يبكيان، وأنَّ علياً لما أُحضِرَ سألوه البيعة، فامتنَع، فتهدد بالقتل، فقال: إذاً تقتلون عبدَاللَّهِ وأخا رسُولِه، فقالوا: أما عبدُاللَّه فنعَم، وأما أخو رسُولِه فلا، وأنه طعنَ فيهم في أوجُهِهم بالنفاق، ولتنظر صحيفة الغدر التي اجتمعوا عليها، وأنهم أرادُوا أن ينفروا ناقةَ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ليلةَ العقبة، فكلُّهُ لا أصلَ له عند أصحابنا، ولا يُثبته أحدٌ منهم، ولا رواه أحدٌ، ولا نعرفْه، وإنما هو شئٌ تنفردُ الشيعةُ بنقله).
* * *
стр. 2205
لو كانت فاطمة مظلومة، أين الصحابة عن نصرتها؟ ! وهل غضبت فاطمة لاغتصاب أبي بكر الخلافة من علي؟ !
قال الرافضي ابنُ المطهر الحلِّي عن معاونة الصحابة عائشة، وتركهم فاطمة ﵃: (كيف أطاعها على ذلك عشرات ألوف من المسلمين، وساعدوها على حرب أمير المؤمنين، ولم ينصر أحدٌ منهم بنتَ رسولِ اللَّه ﷺ لما طلبَتْ حقَّها من أبي بكر ﵁، ولا شخصٌ واحدٌ كلَّمَهُ بكلمة واحدة)؟ !
فردَّ عليه شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: (يُقال: أولاً: هذا من أعظم الحجج عليك؛ فإنه لا يشك عاقل أنَّ القوم كانوا يحبُّونَ رسُولَ اللَّه ﷺ ويعظِّمُونه، ويُعظِّمُون قبيلَتَهُ، وبِنْتَّهُ أعظمَ مما يعظمِّون أبا بكر وعمر، ولو لم يكن هوَ رسولُ اللَّهِ ﷺ . فكيفَ إذا كان هُوَ ... رسُولُ اللَّهِ ﷺ الذي هوَ أحبُّ إليهم مِن أنفسِهم وأهليهم؟
ولا يستريبُ عاقلٌ أنَّ العربَ ــ قريشاً وغير قريش ــ كانت تدين لبني عبد مناف وتعظِّمُهم أعظمَ مما يعظمون بني تيم وعدي، ولهذا لما ماتَ ... رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وتولَّى أبو بكر، قيل لأبي قحافة: ماتَ ... رسولُ اللَّهِ ﷺ . فقال: حدَثٌ عظيمٌ، فمَنْ وَلِيَ بعدَه؟ قالوا: ... أبو بكر.
стр. 2206
قال: أو رَضِيَتْ بنو عبدِ مَناف، وبنُو مخزوم؟ قالوا: نعم. قال: ذلكَ فضلُ اللَّهِ يؤتيه مَن يشاءُ، أو كما قال.
ولهذا جاء أبو سفيان إلى عليٍّ فقال: أرضيتُمْ أن يكون هذا الأمر في بني تَيْم؟ !
فقال: يا أبا سفيان، إنَّ أمْرَ الإسلام ليسَ كأمْرِ الجاهلية، أو كما قال.
فإذا كان المسلمون كلُّهم ليس فيهم مَنْ قال: إنَّ فاطمة ﵂ مَظلومة، ولا أنَّ لها حقَّاً عند أبي بكر وعمر ﵄، ولا أنَّهُما ظلمَاهَا، ولا تكلَّمَ أحَدٌ في هذا بكلمةٍ واحِدَةٍ؛ دَلَّ ذلكَ على أنَّ القومَ كانوا يعلَمُونَ أنَّها ليستْ مظلومَةً، إذْ لَوْ علِمُوا أنَّها مظلومةٌ لكانَ تركَهُم لنُصْرَتِها:
إمَّا عجْزَاً عن نُصْرَتِها،
وإمَّا إهمالاً وإضاعَةً لحَقِّهَا،
وإما بُغضَاً فيها،
إذْ الفِعْلُ الذي يقدِرُ عليه الإنسانُ إذا أرادَه إرادَةً جازِمَةً؛ فَعَلَهُ لا محَالَة، فإذا لم يُرِدْهُ ـ مع قيامِ المقتضِي لإرَادَتِهِ ـ فإما أن يكونَ جاهِلاً به، أوْ لهُ مُعارِضٌ يمنَعُهُ مِن إرادَتِهِ، فلَو كانتْ مَظلُومَةً مَعَ شَرَفِهَا، وشَرَفِ قَبِيْلَتِهَا، وأقَارِبِهَا، وأنَّ أبَاهَا أفضَلُ الخَلْقِ وأحبُّهُمْ إلى أُمَّتِهِ، وهُم يعلَمُونَ أنَّهَا مَظْلُومَةٌ، لكانوا إمَّا عاجِزين عن نُصْرَتِهَا، وإمَّا أن يكون لهم مُعارِضٌ عارَض إرادةَ النصر مِن بُغْضِهَا، وكِلا الأمرين بَاطِلٌ؛ فإنَّ القومَ ما كانوا كلُّهم عاجزين أنْ
стр. 2207
يتكلَّم واحِدٌ منهم بكَلِمَةِ حَقٍّ، وهُمْ كانوا أقدَرَ عَلَى تغْيِير مَا هُوَ أعظَمُ مِنْ هذَا.
وأبو بكر لمْ يكن ممتنِعَاً مِن سماعِ كلامِ أحَدٍ منهم، ولا هُوَ معروفاً بالظلم والجبروت.
واتِّفَاقُ هؤلاءِ كلِّهِم، معَ تَوفُّرِ دواعِيهِم على بُغْضِ فَاطِمَةَ، مع قيام الأسباب الموجِبَةِ لمحبَّتِهَا؛ مما يُعلم بالضرورة امتِنَاعُهُ.
وكذلك عليٌّ ﵁ لا سِيَّمَا وجُمهُورُ قريشٍ، والأنصارِ، والمسلمين، لم يكُن لعليٍّ إلى أحَدٍ منهم إساءَةٌ، لَا في الجاهلية، ولا في الإسلام، ولا قتَلَ أحدَاً مِن أقاربِهِم، فإنَّ الذينَ قتَلَهُمْ عَليٌّ لمْ يكُونُوا مِن أكبَرِ القَبَائِلِ، ومَا مِن أحَدٍ مِن الصحابةِ إلا وقَدْ قتَلَ أيضَاً.
وكان عمرُ ﵁ أشدَّ على الكفار، وأكثرَ عدَاوةً لهم مِن عَلي، فكلامُهُمْ فِيه، وعداوتُهُمْ له مَعروفةٌ، ومع هذا تولَّى عَلَيْهِم، فما مَاتَ إلا وكلُّهم يُثْنِي عليه خَيراً، ويدْعُو لَهُ، ويتوَجَّعُ لمصَابِ المسلمين بِهِ.
وهذا وغيرُه مما يُبيِّنُ أنَّ الأمرَ على نقيض ما تقولُه الرافضةُ من أكاذيبهم، وأنَّ القومَ كانوا يعلمونَ أنَّ فاطمةَ لمْ تكُنْ مظلومةً أصلاً.
فكَيفَ ينتصرُ القومُ لعثمانَ حتَّى سفكُوا دماءَهم، ولا ينتَصِرُونَ لمنْ هُوَ أحبُّ إليهم مِن عثمان، وهُوَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وأهلِ بَيتِه؟ !
وكيفَ يُقاتِلُونَ مَع معاوية حتَّى سفَكَتْ دماؤهُمْ معَهُ، وقدْ اختلَفَ
стр. 2208
علَيْهِ بنُو عبدِ مَنَاف، ولا يُقاتِلُونَ مَعَ عَليٍّ ـ وبنو عبد مناف معه ـ؟ !
فالعباسُ بنُ عبدِ المطلب أكبرُ بني هاشم، وأبو سفيان بنُ حَرْبٍ أكبرُ بني أمية، وكلاهما كانا يَمِيْلانِ إلى عَلِيٍّ، فَلِمَ لَا قَاتَلَ الناسُ معَهُ إذْ ذَاكَ، والأمْرُ في أوَّلِهِ؟ !
والقتالُ إذْ ذاكَ لَوْ كانَ حقَّاً؛ كَان معَ عَلِي أوْلَى، وَوِلَايَةُ عليٍّ أسهَلُ؛ فإنَّه لَوْ عَرضَ نَفَرٌ قلِيلٌ فقَالُوا: الأمْرُ لِعَلِيٍّ، وهُوَ الخليفَةُ وَالوَصِيُّ، ونَحْنُ لا نُبَايُعُ إلَّا لَهُ، ولَا نَعْصِي رسولَ اللَّهِ ﷺ ، ولا نَظلِمُ وصِيَّهُ وأهلَ بَيْتِهِ، ولَا نُقَدِّمُ الظالمينَ أوْ المنافِقِينَ مِنْ آل تَيْمٍ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، الَّذِينَ هُمْ خَيْرُنَا في الجاهِلَيَّة والإسلام؛ لكَانَ القائِلُ لهذا يَستَجِيْبُ لَهُ جمهورُ النَّاسِ، بَلْ يَستَجِيْبُونَ لَه إلا القليلُ، لا سِيَّمَا وأبُو بكرٍ لَيسَ عِندَهُ رَغْبَةٌ وَلا رَهْبَةٌ.
وهَبْ أنَّ عُمَرَ وطائفةً مَعَهُ كانُوا يشُذُّونَ معَهُ، فَلَيْسَ هؤلاءِ أكثرَ ولَا أعزَّ مِن الَّذِين كانوا معَ مُعَاوِيَةَ ﵁، ومَعَ طلحةَ والزُّبَير ﵄ ومَعَ هذَا فقَدْ قاتَلَهُمْ أعوَانُ عَلِيٍّ، معَ كَوْنِهِمْ دُونَ السَّابِقِين الأوَّلِينَ في العِلْمِ والدَّيْنِ، وفِيهِمْ قَلِيْلٌ من السابقين الأولين، فهَلَّا قَاتَلَهُمْ مَنْ هُوَ أفضلُ مِن هؤلاء؟ ! إذْ كانَ إذْ ذاكَ عَليٌّ عَلَى الحَقٍّ، وعَدُوُّهُ عَلَى الباطل، معَ أنَّ وَلِيَّهُ إذْ ذَاكَ أكثَرُ وأَعَزُّ وأعظَمُ عِلْمَاً وإيمَاناً، وعدُوُّهُ إذْ ذَاكَ ــ إنْ كانَ عَدُوَّاً ـ أذَلُّ وأعجَزُ وأضْعَفُ عِلْمَاً وإيمَانَاً وأقَلُّ عُدْوَاناً، فإنَّه لَو كان الحقُّ كما تقولُه الرافضةُ؛ لكانَ أبو بكرٍ، وعُمَرَ، والسابقون الأولونَ، مِنْ شِرَارِ أهْلِ الأرْضِ
стр. 2209
وأعظَمِهِمْ جَهْلاً وظُلْمَاً؛ حيثَ عمَدُوا عَقِبَ مَوْتِ نبيِّهِم ﷺ فبدَّلُوا وغيَّرُوا وظلَمُوا الوَصِيَّ، وفعَلُوا بِنُبُوَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ ما لمْ تَفعَلْهُ اليهودُ والنصَارَى عَقِبَ مَوْتِ مُوسَى، والمسيحِ ـ عليهما الصلاة والسلام ـ؛ فإنَّ اليهودَ والنصارى لمْ يفعَلُوا عقِبَ مَوتِ أنبِيَائِهِمْ مَا تقُوْلُهُ الرافضَةُ أنَّ هؤلاءِ فعلُوهُ عَقِبَ مَوتِ النبيِّ ﷺ ، وعَلَى قولهِمْ تكُونُ هذِهِ الأمَّةُ شَرَّ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للناسِ، ويَكُونُ سابِقُوْهَا شِرَارُهَا! !
وكُلُّ هذَا مما يُعْلَمُ بِالاضْطِرَارِ فسَادُهُ مِن دِينِ الإسلام، وهُوَ مما يُبيِّنُ أنَّ الذي ابتدَعَ مَذْهَبَ الرَّافِضَةِ كانَ زِنْدِيْقَاً مُلْحِدَاً، عدُوَّاً لِدِيْنِ الإسلَامِ وأهْلِهِ، ولمْ يكُنْ مِنْ أهْلِ البِدَعِ المتَأَوِّلِيْنَ كَالخوَارِجِ والقَدَرِيَّةِ؛ وإنَّ كانَ قولُ الرافضةِ راجَ بعدَ ذلكَ عَلى قومٍ فِيهِمْ إيمانٌ لفَرَطِ جَهْلِهِمْ.
وممَّا يُبَيِّنُ ذلكَ أنَّ يُقَالَ: أيُّ دَاعٍ كانَ للقَوْمِ فيْ أنْ ينْصُرُوا عائشةَ بنتَ أبي بكر، ويُقَاتِلُوْا معهَا عليَّاً كمَا ذكَرُوْا، ولا يَنْصُرُونَ فاطمةَ بنتَ رسُولِ اللَّه ﷺ ويُقاتِلُونَ معَهَا، ومعَ زوْجِهَا الوَصِيِّ أبَا بكر وعُمَرَ؟ !
فإنْ كانَ القومُ الذين فعَلُوا هذا يُحبُّونَ الرياسَةَ، ويَكْرَهُونَ إمَارَةَ عَلِيٍّ عَلَيهِمْ، كَانَ حُبُّهُمْ للريَاسَةِ يدعُوهُمْ إلى قِتَالِ أبي بَكْرِ بطَرِيْقِ الأَوْلَى؛ فإنَّ رياسَةَ بَيْتِ عَلِيٍّ أحبُّ إليهم مِن رياسَة بيتِ أبي بكر.
ولهذا قال صفوان بنُ أميَّةَ يومَ حُنين لما ولَّوا مُدْبِرِين، وقال بعض
стр. 2210
الطُّلَقَاء: لا ينتهي فلَهُم دونَ البَحْرِ، وقال الآخر: بطَلَ السِّحْرُ، فقال صفوان: واللَّهِ لأَنْ يَربَّنِي رجلٌ مِن قريشٍ أحبُّ إليَّ مِن أنْ يَربَّنِي رجُلٌ مِن ثَقِيْفٍ.
وصفوانُ رأسُ الطُّلَقَاءِ، كانَ أنْ يربَّهُ رجُلٌ من بني عبْدِ مَنَافٍ أحبَّ إليهِ مِنْ أنْ يربَّه رجُلٌ مِن بنِي تَيْم، فحُبُّ الرِّيَاسَةِ إذَا كانَ هُوَ الدَّاعِي؛ كانَ يدعُوهُم إلى تقْدِيْمِ بني هَاشِمٍ عَلى بَنِي تَيْمٍ باتِّفَاقِ العُقَلَاءِ، ولَوْ لمْ يُقدِّمُوا عليَّاً لقدَّمُوا العبَّاسَ؛ فإنَّ العبَّاسَ كانَ أقرَبَ إلى مُوَافَقَتِهِمْ عَلى المطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِن أبي بكر، فإنْ كانُوا قدْ أقدَمُوا على ظُلْمِ الوَصِيِّ الهَاشِمِيِّ لِئَلَّا يحْمِلَهُمْ عَلَى الحقِّ الَّذِي يكْرَهُوْنَهُ؛ كانَ تقدِيْمُ مَن يحصِّلُ مَطَالِبَهُم معَ الريَاسة الهاشِمِيَّةِ ... ـ وهُو العبَّاسُ ـ أوْلَى وأحْرَى مِن أبي بكر الَّذِي لا يُعِينُهُمْ عَلى مَطَالِبِهِمْ كإعِانَةِ العبَّاسِ، ويحمِلُهُم عَلى الحَقِّ المُرِّ أكثرَ مَا يحمِلُهُمْ عليه عَلِيٌّ، فلَوْ كُرِهَ مِن عَليٍّ حقٌّ مُرٌّ لكَان ذلكَ مِن أبي بكر أكْرَهُ، ولَو أُرِيْدَ مِن أبي بكر دُنْيَا حُلْوَةٌ لكَان طلبُها عندَ العبَّاسِ وعَليٍّ أقرَبَ، فعُدُوْلُهُمْ عَن عليٍّ وعَن العبَّاسِ وغيرِهِمَا إلى أبي بكر دليلٌ عَلى أنَّ القوْمَ وضعُوا الحقَّ في نِصَابِهِ، وأقرُّوْهُ في إهَابِهِ، وأتَوْا الأمْرَ الأرْشَدَ مِنْ بَابِهِ، وأنهم علِمُوا أنَّ اللَّهَ ورسُولَهُ كانَا يَرْضَيَانِ تقْدِيمَ أبي بكر ﵁، وهَذَا أمْرٌ كان معلُومَاً لهم عِلْمَاً ظَاهِرَاً بَيِّنَاً لِمَا رأَوهُ وسَمِعُوهُ مِن النبيِّ ﷺ مُدَّةَ صُحبَتِهِمْ لَهُ، فعلِمُوا مِن تفضِيلِ النبيِّ ﷺ لأبي بكر بِطُولِ المُشَاهَدَةِ والتَّجْرِبَةِ والسَّمَاعِ؛ مَا أوجَبَ تقدِيمَهُ وطاعَتَهُ.