لحاقاً به.
ومن خصائصها: أنها أكثر ملازمة للنبي ﷺ من بقية أخواتها، لتأخر زواجها عن أخواتها، وبقائها وحيدة بعد وفاة أخواتها، وبعد وفاة النبي ﷺ .
وكذا حضورها عند أبيها في غزوة أحد، حينما عالجت الدم الذي سال على وجهه الشريف، وكانت معه في عمرة القضاء، وسترته حينما اغتسل بعد فتح مكة، وكانت معه في حجة الوداع، وكان بيتُها مجاوراً بيت والدها ﷺ .
فقد شهدت مراحل الدعوة الإسلامية كلَّها من بدئها إلى وفاة النبي ﷺ .
وقد نوَّه بذكرها في مواطن: في مكة على الصفا: يافاطمة سليني من مالي، لا أغني عنك من الله شيئاً، وفي خُطبتِه: لو أن فاطمة بنت محمد سرقَتْ لقطعتُ يدها. وفي خُطبته ـ لما أراد عليٌّ أن يتزوج عليها ـ: فاطمةُ بَضعَةٌ مِنِّي، يُريبني ما يُريبُها.
ومن مناقبها: شبهها بأبيها في حديثها، ومشيتها، وصدق لهجتها، وغير ذلك. (١)
стр. 247
٢٢. الكذب على فاطمة ﵂ -
أما كَذِبُ الرافضةِ على آلِ البيت عامَّةً، وفاطمةَ خاصَّةً، فكذِبٌ أيُّ كَذِبٍ، يتضايقُ منه الورَقُ، وتَنْفُرُ منْهُ الحُروف!
كذِبٌ قَبيحٌ فَجٌّ، حَدِّثْ عنه ولا حَرَج، نعَمْ حَدِّث عن أباطيلهم وأباطيل أباطيلهم وزِدْهَا ثالثة، ولا تخشَ في وصفِكَ مُبالَغَةً ولا إسرافاً.
والله لو حَكَّمَ الواحدُ منهم عَقلَهُ؛ لَعرَفَ بُطْلَانَ كثيرٍ مما ينسبونَه إليها.
وستأتيك في كتابي هذا أمثلة من الغلو في فاطمة ـ والله المستعان ـ.
يليهم في الكذب في هذا الباب: الصوفية.
لقد أدخل أهل البدع والضلال مروياتٍ كثيرةً في فضائلِ فاطمة، لكنَّ أهل السُّنَّة لها بالمرصاد ـ ولله الحمد ـ، فبيَّنُوا زيفَها، وأظهَروا الصحيحَ الوارد فيها.
وهي ﵂ غَنِيَّةٌ عن هذه المكذوبات ...
من أمثلتها: أنَّ مُنادِياً ينادي الخلائق يوم القيامة بقوله: غُضُّوا أبصارَكم، لأنَّ فاطمةَ سَتمُرُّ على الصراط! !
ومرويات أخرى من جنس هذا الافتراء.
стр. 248
٢٣. علاقتها بأزواج النبي ﷺ -.
لما حصل بين أزواج النبيِّ ﷺ ما يحصل بين الأزواج، وكنَّ حزبين ﵅ كما في «الصحيح»، أرسلَ حِزبُ أمِّ سلمة فاطمةَ لأبيها ﷺ يَنشُدْنَ العدلَ في ابنةِ أبي قُحَافة، فلَمْ يجب النبيُّ ﷺ ابنتَه، بل حثَّها على حُبِّ عائشة. (١)
وكانت بين عائشة وفاطمة علاقة حميمية ﵄.
ومما ورد في الباب:
ما أخرجه: ابنُ وهب في «الجامع» ـ تحقيق الحمَّادي ـ (١/ ٣٨٨) رقم ... (٦٢٣).
وابنُ سعد في «الطبقات الكبرى» (٨/ ١٢٧) عن مَعْنِ بن عيسى.
كلاهما: (ابنُ وهب، ومَعْن) عن مَخْرَمَةَ بن بُكَير، عن أبيه، قال: سمعتُ عمرَ بنَ عبدِالله، يقول: سمعتُ سعيدَ بنَ المسيب، يقول: «قَدِمَتْ صَفِيةُ بنتُ حُييٍّ وفي أُذُنيها أخْرِصَةٌ مِن ذَهَبٍ، فوَهَبَتْ لِفَاطِمَةَ بنتِ رسُولِ الله ﷺ ، ولِنسَاءٍ معَهَا».
стр. 249
مُرسلٌ وإسنادُه صَحيحٌ، وقد صحَّحَ إسنادَه ابنُ حجر. (١)
وأخرج ابنُ وهب ـ أيضاً ـ في «الجامع» (١/ ٣٨٩) رقم (٦٢٤) عن مالك بن أنس، أنَّ صفيةَ بنتَ حُيَيٍّ، قَدِمَتْ من خَيبَرَ بخُرصَيْنِ مِن ذَهَبٍ، فوهَبَتْ منها لِفاطمة بنتِ رسُولِ الله ﷺ ، ولبعضِ أزواجه.
قال ابن الأثير: (الخُرص ـ بالضمِّ والكَسْرِ ـ: الحلْقَةُ الصغيرَةُ من الحُلِيِّ، وهُوَ مِن حُلِيِّ الأُذُن). (٢)
٢٤. طلب منها الشفاعة عند والدها ﷺ : أزواج النبي ﷺ ، وأبو سفيان.
ــ أزواج النبي ﷺ :
سبق ذكر طلبهن في المسألة السابقة.
ــ أبو سفيان ﵂:
جاء أبو سفيان ﵁ ــ قبل إسلامه ـ إلى المدينة، قبل فتح مكة، يريد العفو من النبي ﷺ بعد نقض العهد، فطلب من فاطمة أن تشفعَ له عند رسول الله ﷺ ليجدد الهدنة التي بينه وبين قريش ...
стр. 250
قال عبدالرزاق الصنعاني (ت ٢١١ هـ) ﵀: عن مَعمَر، عن عثمان الجزَرِي، عن مِقْسَمٍ.
قال مَعْمَر: وكان يُقال لعثمان الجزري المشاهد، عن مِقْسَمٍ مَولى ابن عباس (١)، قال: لما كانت المدَّةُ التي كانت بينَ رسولِ الله ﷺ وبين قريش زمن الحديبية، وكانت سنين ذَكرَ أنها كانت حَربٌ بَين بني بكرٍ ــ وهم حُلَفَاءُ قُريش ــ، وبين خُزَاعَة ــ وهُمْ حُلَفاءُ رسولِ الله ﷺ ـ؛ فأعانَت قريشٌ حُلَفاءَه عَلى خُزاعة، فبلغَ ذلكَ رسولَ الله ﷺ فقال: «والذي نفسي بيده، لأمنعَنَّهُم مما أمنَعُ مِنهُ نَفْسِي وأهلِ بَيتِي».
وأخذَ في الجهَازِ إليهم، فبلَغَ ذلكَ قُرَيشَاً، فقالوا لأبي سفيان: ما تصنَعُ وهذهِ الجيوش تجهَّزُ إلينا؟ ! انطَلِقْ فجَدِّدْ بينَنا وبينَ محمَّدٍ كِتَابَاً، وذلك مَقدَمَهُ مِن الشام.
فخرَجَ أبو سفيان حتَّى قَدِمَ المدينة، فكَلَّمَ رسولَ الله ﷺ فقال: هَلُمَّ فلَنْجُدِّدْ بيننا وبينَك كِتَابَاً.
فقال النبيُّ ﷺ : «فنحنُ على أمرِنَا الذي كانَ، وهَلْ أحدَثْتُمْ مِن حَدَثٍ»؟
стр. 251
فقال أبو سفيان: لا.
فقال النبيُّ ﷺ : «فنحنُ عَلى أمْرِنَا الذي كان بيننا».
فجاءَ عَليَّ بنَ أبي طالب فقال: هَلْ لكَ عَلى أنْ تسُودَ العرَبَ، وتمُنَّ عَلى قَومِكَ فتُجِيْرَهُمْ، وتُجَدِّدَ لهم كتاباً؟ فقال عليٌّ: ما كنتُ لأفتَاتَ عَلى ... رسُولِ الله ﷺ بأمْرٍ.
ثمَّ دخَلَ ــ أبو سفيان ـ عَلى فاطِمَةَ، فقالَ: هَل لَكِ أنْ تَكُوْنِي خَيْرَ سَخْلَةٍ (١) في العَرَبِ؟ أنْ تُجيرِي بَينَ الناس، فقد أجارَتْ أختُكِ عَلى ... رسُولِ الله ﷺ زوجَها أبا العاص بن الربيع فلَمْ يُغَيِّرْ ذلِكَ.
فقالت فاطمة: ما كنتُ لأفتَاتَ عَلى رسُولِ الله ﷺ بأمرٍ.
ثم قال ذلكَ للحسَنِ والحُسَين: أجِيرَا بَين الناس، قُولا: نَعَمْ، فلَمْ يقُولا شيئاً، ونظَرَا إلى أمِّهِما وقالا: نقولُ ما قالَتْ أمُّنَا.
فلَم يَنجح مِن واحِدٍ منهم مَا طلَب .... الحديث. (٢)
وقال ابن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) ﵀: قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، قال: لما وادَع رسولُ الله ﷺ أهل مكة، وكانَتْ خُزاعة حلفاءُ رسولِ الله
стр. 252
- ﷺ في الجاهلية، وكانت بنو بكر حلفاء قريش، فدخلَت خزاعة في صُلح رسولِ الله ﷺ ، ودخلَت بنو بكر في صلح قريش، فكان بين خزاعة وبين بني بكر قتال، فأمدَّتْهم قريشٌ بسلاح وطعام، وظللوا عليهم، فظهرَت بنو بكر على خزاعة، وقتلوا فيهم، فخافت قريش أن يكونوا قد نقَضُوا، فقالوا لأبي سفيان: اذهب إلى محمد فأَجِزْ الحِلْفَ، وأصلح بين الناس .... ثم أتى أبا بكر، ثم عمر، ثم فاطمة، وقال لها: يا فاطمة، هل لك في أمر تَسُودِين فيه نساءَ قومك، ثم ذكر لها نحواً مما ذكرَ لأبي بكر، فقالت: ليس الأمرُ إليَّ، الأمرُ إلى الله وإلى رسُولِه. ثمَّ أتى عَلِيَّاً ... الحديث. (١)
قال الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) ﵀: وحدثني عبدالله بن محمد، عن أبيه، قال: دخل أبو سفيان على فاطمة بنت النبي ﷺ فكلَّمَها فقال: أجيري بين الناس! فقالت ﵂: إنما أنا امرأةٌ. قال: إنَّ جِوارَكِ جَائِزٌ، قَدْ أجارَتْ أُختُكِ أبا العاص بن الربيع، فأجازَ ذلكَ محمد.
قالت فاطمة: ذلكَ إلى رسولِ الله ﷺ ! وأبَت ذلك عليه.
فقال: مُرِي أحدَ بَنِيكِ يُجِيرُ بين الناس!
قالت فاطمة: إنهما صَبِيَّان، وليس مِثلُهُما يُجير. (٢)
стр. 253
فلما أَبَتْ عَلَيْهِ، أتَى عَلِياً ﵁ فقال: يا أبا الحسن، أَجِرْ بَين الناس، وكَلِّمْ محمداً يَزيدُ في المدَّةِ! قال عليٌّ: ويحكَ يا أبا سفيان! إنَّ رسولَ الله ﷺ قَدْ عزَمَ ألا يَفعَلْ، ولَيسَ أحدٌ يَستطِيعُ أن يُكلِّمَ رسولَ الله في شَيءٍ يكرَهُهُ ..... الحديث.
وعند البيهقي بإسناده إلى موسى بن عقبة: ( ..... فلما يئس أبو سفيان مما عندهم دخلَ على فاطمة بنتِ رسول الله ﷺ ، فكلَّمَهَا فقالت: إنما أنا امرأة، وإنما ذاك إلى رسول الله ﷺ . قال: فأمُرِي أحدَ ابنَيْكِ، قالت ﵂: إنما هما صبيَّان ليس مثلهما يُجِير، قال: فكلِّمِي عليَّاً، قالت: أنتَ فكلِّمْهُ، فكلَّمَ عليَّاً ... الحديث. (١)
وأخرج البيهقي ـ أيضاً ـ بإسناده إلى يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا الزهري، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكَم، والمِسْوَر بن مَخْرَمَة، أنهما حدثاه جميعاً، قالا: كان في صلح رسول الله ﷺ يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه مَن شاء يدخل في عقْدٍ محمد وعَهدِه دخل، ومَن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل ....
فذكر طلب أبو سفيان الشفاعة من أبي بكر، ثم عُمر .... وامتناعهما ...
ثمَّ خرَجَ أبو سفيان فدخلَ عَلَى عَلِيِّ بنِ أبي طالب وعندَه فاطمةُ بنتُ
стр. 254
رسُولِ الله ﷺ ، وعندَهَا حسَنٌ، غلامٌ يدبُّ بين يديها، فقال: يا عليٌّ، إنك أمسُّ القومِ بي رَحِمَاً، وأقربُهُمْ مِنِّي قَرابَةً، وقد جِئتُ في حَاجَةٍ، فلا أرجِعَنَّ كما جِئتُ خَائِبَاً، فاشْفَعْ لي إلى رسُولِ الله ﷺ ، فقال: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزمَ رسولُ الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلمَه فيه، فالتَفَتَ إلى فاطمة ﵂، فقال: يا بنتَ محمَّدٍ، هل لكِ أن تَأمُرِي بَنِيْكِ هَذَا، فيُجِيرَ بَينَ الناس؛ فيَكُونَ سَيِّدَ العَرَبِ إلى آخر الدهر؟
فقالت فاطمة ﵂: والله ما بلغَ بَنِييَّ ذاكَ أنْ يُجيرَ بَينَ الناس، وما يُجيرُ أحدٌ على رسولِ الله ﷺ .
فقال: يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد اشتدَّتْ عليَّ فانصحني ... الحديث. (١)
يُلحظ أن في رواية ابن إسحاق، لم يطلب أبو سفيان من فاطمة أن تشفع، بل أن تأمر ولدَها الحسن ﵃، بخلاف رواية الواقدي، وموسى بن عُقبة، ومِقْسَم، وعكرمة ـ والله أعلم ـ.
стр. 255
٢٥. مع أبي لبابة ﵁
قصةُ أبي لبابة بن عبدالمنذر الأنصاري ﵁ وربطِه نفسَه في المسجد ندَماً على خطئيته ــ إما بعد غزوة تبوك، وإما بعد قريظة على اختلاف في ذلك ــ، وحَلَفَ أن لا يحِلَّ رِبَاطَه إلا رسولُ الله ﷺ ، فحلَّه الرسولُ ﷺ ـ كذا في أغلب الأسانيد والروايات وهي من روايات السير والمغازي ــ وهذا القول هو المتناقل عند المحدِّثين والمفسرين والمؤرِّخِين.
وفي رواية ضعيفة جداً: أن فاطمةَ ﵂ هي التي حلَّتْهُ وفكَّت رباطه، وقال النبي ﷺ إثرَ ذلك: «هي بضعةٌ مني».
فبَرَّ أبو لبابة بيَمِيْنِهِ.
والصوابُ والأشهر، هوالأول، ولا يصح لفاطمة ذكرٌ في القصة.
قال عبدالرزاق الصنعاني (ت ٢٠٤ هـ) ﵀: عن مَعمَرٍ قال: أخبرني الزهري، قال: كان أبو لبابة ممَّنْ تخلَّفَ عن رسولِ الله ﷺ في غزوة تبوك، فربَطَ نفسَه بِسَارِيَةٍ، ثم قال: والله لا أَحِلُّ نفسِي منها، ولا أذوقُ طعامَاً ولا شَرابَاً حتَّى أموتَ أوْ يتُوبَ الله عليَّ.
فمَكَثَ سبعةَ أيام لا يذوقُ فيها طعاماً ولا شراباً، حتى كان يخِرُّ مَغشِيَّاً عليه قال: ثم تاب الله عليه فقِيلَ له: قد تِيْبَ عليكَ يا أبا لبابة. فقال: والله
стр. 256
لا أحِلُّ نفسِي حتى يكونَ رسولُ الله ﷺ يحلُّنِي بيدِهِ.
قال: فجاء النبيُّ ﷺ فحلَّه بِيدِهِ، ثم قال أبو لبابة: ... يا رسولَ الله، إنَّ مِن تَوبَتِي أنْ أهجُرَ دارَ قَوْمِي التي أصبْتُ فيها الذَّنْبَ، وأنْ أنخَلِعَ مِن مالي كُلِّهِ صدقةً إلى الله وإلى رسُولِه.
قال ﷺ : «يجزِيْكَ الثُّلُثُ يَا أبَا لُبَابَةَ». (١)
وأخرجه: ابنُ جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: قال الزهري ... فذكره. (٢)
وقال ابن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) ﵀: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قوله: ﴿(١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ (التوبة: ١٠٢) وذلك أنَّ رسولَ الله ﷺ غزا غزوةَ تبوك، فتخلَّف أبو لبابة وخمسةً معه عن النبيِّ ﷺ .
ثمَّ إنَّ أبا لُبَابَةَ ورَجُلَين معه تفكَّرُوا ونَدِمُوا وأيقَنُوا بالهَلَكَةِ، وقالوا:
стр. 257
نكونُ في الكِنِّ والطمأنينةِ مع النساء، ورسولُ الله والمؤمنونَ معَهُ في ... الجهاد؟ ! والله لَنُوَثِّقَنَّ أنفسَنَا بالسَّوَارِي، فلا نُطْلِقهَا حتى يكونَ رسولُ الله ﷺ هو يُطلِقُنَا ويَعذِرُنَا.
فانطلق أبو لبابة وأوثقَ نفسَه، ورجلان معَه بسَواري المسجد، وبقِيَ ثلاثةُ نفَرٍ لم يُوثِقُوا أنفسَهَم.
فرجع رسول الله ﷺ من غزوته، وكان طريقُه في المسجد، فمرَّ عليهم، فقال: «مَن هؤلاء الموثقِو أنفسهم بالسواري»؟ فقالوا: هذا أبو لبابة وأصحابٌ له تخلَّفُوا عن رسول الله ﷺ ، فعاهدوا الله أن لا يطلِقُوا أنفسَهم حتى تكونَ أنتَ الذي تُطلِقُهُمْ وتَرضَى عنهم، وقد اعترَفُوا بذنوبهم.
فقال رسولُ الله ﷺ : «والله لا أُطلِقُهُمْ حتَّى أُومَرُ بإطلاقِهِم، ولا أَعذُرُهُم حتَّى يكونَ الله هُوَ يعذُرُهُمْ، وقد تخلَّفُوا عنِّي، ورَغِبُوا بأنفسِهم عَن غزوِ المسلمين وجهادِهم».
فأنزل الله برحمتِهِ: ﴿(١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ التوبة: ١٠٢ وعسى ... مِن الله واجبٌ. فلما نزلت الآيةُ أطلقهم رسول الله ﷺ وعذرَهم، وتجاوزَ عنهم. (١)
стр. 258
وقال ابن جرير ـ أيضاً ـ: حُدِّثْتُ عن الحُسين بن الفرج، قال: سمعتُ أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول .... فذكر تفسيراً نحو تفسير ابن عباس. (١)
وذكر ابن جرير الأقوالَ في الموضوع ـ وليس فيه الشاهد عن فاطمة ـ ثم قال: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قولُ مَن قال: نزلَت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلُّفِهم عن رسول الله ﷺ ، وتَركِهم الجهاد معَهُ والخروجَ لِغزو الروم حين شخَصَ إلى تبوك، وأن الذين نزلَ ذلك فيهم جماعةٌ أحدُهُم أبو لبابة.
وإنما قُلْنَا ذلك أولى بالصواب في ذلك، لأن الله جَلَّ ثناؤه قال: ... ﴿(١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا﴾ فأخبرَ عن اعترافِ جماعةٍ بذنوبهم، ولم يكن المعترفُ بذنْبِهِ الموثِّقُ نفسَه بالسارية في حصار قريظة غيرَ أبي لبابة وحدَهُ. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله ﵎ قد وصفَ في قوله: ﴿(١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا﴾ بالاعترافِ بذنوبهم جماعةً، عُلِمَ أنَّ الجماعةَ الذين وصفَهُمْ بذلك السببِ غيرُ الواحد، فقد تبيَّنَ بذلك أنَّ هذه الصفة إذا لم تكن إلا لجماعة، وكان لا جماعةَ فعَلَتْ ذلك فيما نقلَهُ أهلُ السِّيَرِ والأخبار، وأجمعَ عليه أهلُ
стр. 259
التأويل إلا جماعةٌ مِن المتخلِّفِين عن غزوة تبوك؛ صحَّ ما قُلنا في ذلك، وقُلْنَا: كان منهم أبو لبابة؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك). (١)
وورد ربط أبي لبابة نفسَه في غزوة بني قريظة:
قال البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) ﵀: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، قال: فحدثني والدي إسحاق بن يسار، عن معبد بن كعب بن مالك السلمي، أنَّ رسولَ الله ﷺ حاصرَهم خمساً وعشرين ليلةً حتَّى أجهدَهُمْ الحِصَار، وقذَفَ الله الرعبَ في قلوبهم، وكان حَييُّ بنُ أخطَبٍ دخَلَ مع بني قُريظة في حِصنِهِم حينَ رجعَتْ قُريشُ وغطَفَانُ؛ وفاءً لِكَعْبِ بنِ أسَدٍ بما كان عاهدَه عليه ..... إلى أن قال:
ثم بعثوا إلى رسول الله ﷺ : ابعَثْ إلينا أبا لبابة بن عبدالمنذر ـ وكانوا حُلَفَاء الأوس ـ؛ نَستشِيرُهُ في أمرِنَا، فأرسَلَهُ رسولُ الله ﷺ إليهم، فلما رأوه، قامَ إليه الرِّجَالُ، وجهَشَ إليه النساءُ والصبيانُ يَبْكُونَ في وجهِهِ، فرَقَّ لهم، وقالوا له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزِلَ على حُكْمِ محمد؟ فقال: نعم. وأشار بيده إلى حَلْقِهِ؛ أنَّه الذبح.
стр. 260
قال أبو لبابة: فوَالله، ما زالَتْ قدَمَايَ تَرجُفَان، حين عرَفْتُ أني قد خُنْتُ اللهَ ورسولَه.
ثم انطلقَ أبو لبابة على وجهِهِ، ولم يأَتْ رسولَ الله ﷺ حتى ارتبطَ في المسجد إلى عمُودٍ من عُمُدِهِ، وقال: لا أبرحُ مَكَاني هذا حتى ... يتُوبَ الله عليَّ مما صنعْتُ. وعاهد الله أن لا يطَأَ بَنِي قُريظةَ أبدا، ولا يَراني في بَلدٍ خُنْتُ الله ورسولَه فيه.
فلما بلَغَ رسولُ الله ﷺ خبرَهُ، وكان قَدْ استبطَأَهُ، قال: «أما لَوْ جاءَني، لاستَغْفَرتُ لَه، فأمَّا إذْ فعَلَ الذي فعَلَ، مَا أنا بالذي يُطلِقُهُ مِن مَكانِهِ حتَّى يتوبَ الله عليه».
قال البيهقي: هكذا قال ابنُ إسحاق بإسناده، وزعَم سعيد بن المسيب أن ارتباطَه بسارية التَوبةِ كان بعدَ تخلُّفِهِ عن غزوة تبوك، حينَ أعرضَ عنه رسولُ الله ﷺ ، وهُو عليه عاتِبٌ بما فعَلَ يوم قريظة، ثم تخلَّفَ عن غزوة تبوك فيمن تخلف، والله أعلم.
وفي رواية علي بن أبي طلحة، وعطية بن سعد، عن ابن عباس في ارتباطه حين تخلف عن غزوة تبوك، ما يؤكد قول ابن المسيب. (١)
стр. 261
ثم قال البيهقي (٤/ ١٦): أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، قال: حدثنا ... أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا يزيد بن عبدالله بن قسيط، أنَّ توبة أبي لبابة نزلَتْ على رسولِ الله ﷺ وهُو في بيتِ أمِّ سلمة، فقالَت: سمعتُ رسول الله ﷺ من السَّحَرِ وهُو يَضحَكُ، فقلتُ: مَا يُضحِكُكَ؟ أضحَكَ الله سِنَّكَ.
فقال: «تِيبَ عَلى أبي لبابة».
فقلتُ: ألا أُبشِّرُهُ يا رسول الله بذاك؟
فقال: «بلى إنْ شِئتِ».
فقُمْتُ على بابِ حُجْرَتي فقلتُ ــ وذلك قبل أن يُضربَ علينا الحجابُ ـ: يا أبا لبابة، أَبشِرْ، فقد تابَ الله عليكَ.
فثار الناسُ إليه لِيُطْلِقُوهُ، فقال: لا، والله حتَّى يكونَ رسولُ الله ﷺ هو الذي يُطلِقُنِي بيده.
فلمَّا مَرَّ عليه خَارِجَاً إلى صلاة الصبح، أطلَقَهُ. (١)
стр. 262
قال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣ هـ) ﵀: ولا يتصل حديث أبي لبابة فيما علمتُ، ولا يستَنِدُ. وقِصَّتُهُ مَشهُورَةٌ في السِّيَرِ مَحفُوظَةٌ.
ذكر ابن عبدالبر حديث الزهري، وأن ابن إسحاق رواه فجوَّده بطولها وتمامها في قصة قريظة. ثم نقل قول ابن هشام في القصة، عن زياد، عن ابن إسحاق، ثم ذكر من مسند بقي بن مخلد أثر عكرمة في سبب نزول الآية.
ثم ذكر ابن عبدالبر أن حديث أبي لبابة منقطع لا يتصل إسناده إلا على ما ذكرنا. (١)
قلتُ: جميع الأسانيد الماضية وغيرها على ما فيها من الضعف والانقطاع، تناقله أهل السير والمغازي، وقبِلُوه.
لكن: ليس فيه شَئٌ عن فاطمة ﵂.
وقد رُوي مِن وَجهٍ واحدٍ أنَّ فاطمة هي التي حلَّتْ رِبَاط أبي لبابة؟
قال ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) ﵀: ( .... مَوَّهَ بعضُهُم بأنْ ذكَرَ مَا رَوينَاهُ مِن طريقِ حماد بنِ سَلَمَةَ، عن علي بن زيد بن جُدْعَان، عن علي بن
стр. 263
الحسين: «أنَّ أبا لبابة ربَطَ نفسَهُ إلى ساريةٍ (١)، وقال: لا أَحِلُّ نَفْسِي حتَّى يحِلَّنِي رسُولُ الله ﷺ أو تَنزِلَ تَوبَتِي.
فجاءَتْ فاطمةُ تُحِلَّه، فأَبَى إلا أنْ يُحِلَّهُ رسُولُ الله ﷺ فقال ﵇: إنَّ فاطمةَ بَضْعَةٌ مِنِّي».
فهذا لا يَصِحُّ، لأنَّه مُرْسَلٌ، ثمَّ عَن علي بن زيدٍ (٢)، وهُو ضَعيفٌ). (٣)
ونقلَهُ عبدُ الحق الإشبيلي عن ابن حزم، وقال عقبه: (هذا مرسل، وعلي بن زيد ضعَّفَه أكثرُهم). (٤)
قلتُ: لم أجدْهُ مسنداً، إلا هذا المعلَّق وهو مع ذلك مُرسَلٌ، وفيه ابنُ جُدعان.
стр. 264
قال السُّهَيلي (ت ٥٨١ هـ) ﵀: (حول قصة أبي لبابة:
فصلٌ: وذكَر أبا لبابة واسمُه: رفاعة بن عبد المنذر بن زنبر، وقيل: اسمه مبشر، وتوبتَهُ وربطَهُ نفسَهُ حتَّى تابَ الله عليه، وذكَرَ فيه أنه أقسَمَ ألا يَحِلَّهُ إلا رسُولُ الله ﷺ .
وروى حمادُ بن سلمة، عن علي بن زيد، عن علي بن الحسين: أنَّ فاطمةَ أرادَت حِلَّهُ حِين نَزلَتْ تَوبتُهُ، فقال: قَدْ أقسَمْتُ ألا يُحِلَّنِي إلا رسولُ الله ﷺ . فقال رسولُ الله ﷺ : «إن فاطمة مضغة مني».
فصَلَّى الله علَيهِ وَعَلَى فاطمةَ.
فهَذَا حَديثٌ يَدُلُّ عَلَى أنَّ مَنْ سَبَّهَا؛ فَقَدْ كَفَر، وأنَّ مَن صَلَّى عَلَيها، فقَدْ صَلَّى عَلَى أبِيْهَا ﷺ . (١)
وفيه أنزلَ الله تعالى: ﴿(١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ التوبة: ١٠٢ ... غيرَ أنَّ المفسرين اختلَفوا في ذَنْبِهِ ما كان؟
فقال ابن إسحاق فيما ذكرَهُ في السِّيْرَةِ مِن إشارَتِهِ على بني قريظة.
стр. 265
وقال آخرون: كانَ مِن المخلَّفِينَ الذين تخلَّفُوا عن رسولِ الله ﷺ في غزوة تبوك، فنزلَتْ توبةُ الله عليه في هذه الآية. (١)
نَقَلَهُ الصالحي (٩٤٢ هـ) ﵀، ثم قال مُعِلِّقاً: (قلتُ: عليُّ بنُ زيد ... ـ هو ابنُ جدعان ـ ضَعيفٌ، وعليُّ بنُ الحسين روايتُه مُرْسَلَةٌ). (٢)
وقال السهيلي ـ أيضاً ـ ضمن حديثه عن المفاضلة بين خديجة وعائشة ﵄: (٣)
(الموازنة بين خديجة وعائشة ﵄:
فصل: وذكرَ قول رسول الله ﷺ لخديجة: «هذا جبريلُ يُقرَئُكِ السلامَ مِن ربِّك ... الحديثَ».
يُذكر عن أبي بكر بن داود أنه سُئل أعائشة أفضل أم خديجة؟ فقال: ... «عائشةُ أقرأها رسولُ الله ﷺ السلامَ من جبريل، وخديجةُ أقرأها جبريلُ السلامَ من ربِّها على لسانِ محمدٍّ ﷺ ؛ فهي أفضل».
قِيلَ له: فمَن أفضل أخديجة أم فاطمة؟ فقال: إنَّ رسُولَ الله
стр. 266
- ﷺ قال: «إنَّ فاطمةَ بَضْعَةٌ مِنِّي». فَلا أعدِلُ ببَضْعَةٍ مِن ... رسُولِ الله أحَداً.
وهذا استِقْرَاءٌ حَسَنٌ، ويشهَدُ لِصحَّةِ هذا الاستقراءِ: أنَّ أبا لُبَابَةَ حين ارتبَطَ نفسَهُ، وحَلَفَ ألا يَحِلَّهُ إلا رسُولُ الله ﷺ ، فجَاءَتْ فاطِمَةُ لِتَحِلَّهُ فأبَى مِن أجلِ قسَمِهِ، فقال رسول الله ﷺ : «إنما فاطمة مضغة مني». فحلَّتْهُ ـ وسنذكرُ الحديث بإسنادِهِ في مَوضِعِهِ إن شاء الله تعالى ـ.
ويدل أيضاً على تفضيل فاطمة ... إلخ (١)
أشار إلى القصة ابنُ القيم (ت ٧٥١ هـ) ﵀ وفيها: أن فاطمة جاءت تحله، فقال أبو لبابة لا، إلا رسول الله ﷺ ، فقال: «فاطمة بضعة مني».
قال ابن القيم: فهل يَبَرُّ الحالفُ بمثل هذا لَوْ اتَّفَق اليوم؟
قيل: لا، إمَّا أنه مختصٌّ بالنبي ﷺ ، وإمَّا لأنَّ فاطمةَ
стр. 267
بضعةٌ منه قَطعاً، واللهُ أعلم. (١)
وقال علي بن إبراهيم الحلبي (ت ١٠٤٤ هـ) ﵀: (وظاهر هذا أنَّه ﵁ كان يُبَرُّ بإطلاق سيِّدتنا فاطمة ﵂ له، فَليُتَأمَّلْ). (٢)
الخلاصة: لا يصحُّ شَئٌ عن فاطمة ﵂ أنها حَلَّتْ رِباطَ أبي لُبَابة ﵁.
стр. 268
٢٦. طلبها الميراث وعلاقتها بالشيخين أبي بكر ... وعمر ﵄.
لم تكُن فاطمة ﵂ تَعلَمُ ـ كما بقية أزواج النبي ﷺ عدا عائشة ـ أنَّ النبي ﷺ لا يُورث، فجاءت تطلبُ ميراثها من أبي بكر، فأخبرَها بالسُّنَّة في ذلك، فصدَّقت، ولم تُناقشْهُ في ذلك، ولم تَعُدْ تطلب الميراث منه مرةً ثانية.
قال الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) ﵀: (ولما توفي أبوها ﷺ ، تعلَّقَتْ آمالها بميراثه، وجاءتْ تطلب ذلك من أبي بكر الصديق، فحدثها: أنه سمع من النبي ﷺ يقول: «لا نورث، ما تركنا، صدقة». فوَجَدَتْ عَليه، ثم تعَلَّلَتْ .... ثم ذكر الذهبي مراضاة أبي بكر لها في مرضها ﵄). (١)
كان الشيخان أبو بكر وعمر، والصحابة كلُّهم ﵃، والمسلمون أهل السنة والجماعة يحبون آل بيت النبي ﷺ محبة شرعية، ويعرفون لهم حقوقهم، وكان بين الصحابة وآل البيت ألفة وحميمية ومصاهرة لم ينكرها إلا مكابر معاند.
стр. 269
كان الشيخان الخليفتان الراشدان الباران: أبو بكر، وعمر ﵄ يعتنيان بفاطمة وأولادها غاية العناية، وقد طلبت فاطمة من أبي بكر أمرين: ميراثها، وأن يتولى زوجها صدقات النبي ﷺ ، فأخبرها أبو بكر بالشرع الوارد، وأن النبي ﷺ لا يُورث، وأما الصدقات فإنه يتولاها خليفة الرسول، ويعمل فيها كما كان يعمل فيها الرسول ﷺ ، وخيراً فعل ﵁.
لم يحصل لفاطمة ﵂ ما طلَبَتْهُ، وعتَبَتْ على أبي بكر، فهجَرتْهُ حتى ماتَتْ، كما ذكرَتْ ذلك عائشةُ ﵂ وهي بهذا أعلم، وحديثها في «الصحيحين»، لم ينكر أحدٌ من الأئمةِ صِحة ما ورد فيه، إلا بعضُ المعاصرين الذين طعَنوا في عدد من الجُمَل الواردة فيه، ومنها: هَجْرُ فاطمة أبا بكر ﵄، ولم يكن معهم حجة فيما ذهبوا إليه من القدح في الحديث.
لم يكن لفاطمة ولا نساء النبي ﷺ ولا أحد من نساء المسلمات رأيٌ في خلافة أبي بكر ﵁، بل أمرُ الإمامة وعَقْدِها للرجال باتفاق العلماء، ولم يَظهر من فاطمة أيُّ خِلافٍ أو رأيٍ في ذلك.
كان عمر يقدِّم آل البيت في العطاء، وقد أظهر محبته لفاطمة، وبيَّن مكانتها عنده، وأخبرها بخطأ اجتماع نفَرٍ من الرجال عند زوجها ﵁ في الأيام الأولى من البيعة، والبيعةُ قد قامت لأبي بكر، فأمرَها عمرُ بعدم
стр. 270
اجتماعهم، وهدَّدَ الرجال إن اجتمعوا أن يحرِّق عليهم، كلُّ ذلك إتماماً للجماعة ودَفعاً للفُرقة والنزاع، وللسياسةِ الشرعية أحكام.
من محبة عمر لفاطمة زواجه بابنتها أم كلثوم ﵃.
٢٧. حزنها على وفاة أبيها ﷺ .
في «الصحيحين»: عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: وَا كَرْبَ أَبَاهُ، فَقَالَ لَهَا: «لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ»، فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ، مَنْ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، مَأْوَاهْ يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ، فَلَمَّا دُفِنَ، قَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: يَا أَنَسُ أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ التُّرَابَ.
حُزْنُها ومُصيبَتُها على أبيها النبيِّ ﷺ لا يمكن أن يتصورها أحدٌ، وفي كلماتها السابقة حزن كاتم، مع إيمان ويقين بالله ﵎.
تضاعف الحزن عليها بعد وفاة أبيها ﷺ ، وبقيت حزينة حتى توفيت بعده بستة أشهر، وكانت صابرة محتسبة ﵂.
قال محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵀: «ما رُئِيَتْ فاطمةُ ضَاحِكةً بعْدَ رسُولِ الله ﷺ إلا أنها قد تُمُورِي في طَرَفِ فِيها».
стр. 271
عن عبدالله بن الحارث، قال: مكثَتْ فاطمة بعد النبي ﷺ ستة أشهر، وهي تَذُوب.
قيل: وما ضحكت بعده أبداً، وقيل: وما رُئيت ضاحكة إلا تبسماً حتى ماتت، وامتروا بطرف فيها، ويُروى أنها تبسمت قُبيل وفاتها عندما قيل لها عن النعش الذي يُصنع في الحبشة.
قال ابن كثير ﵀: (ويقال: إنها لم تضحك في مدة بقائها بعده ﵊، وإنها كادت تذوب مِن حُزنِها عليه، وشوقِها إليه).
قال القسطلاني ﵀ في حالها: ما ضحِكت، وحُقَّ لها ذلك.
وسيأتي مبحث خاص في هذا الموضوع، وهو في الباب الأول: الفصل الأول: المبحث السادس.
٢٨. وصيتها.
ذكر أهلُ التاريخ الأوَّلُون أنها أوصت علياً أن يتزوج بعدها ابنةَ أختها زينب: أمامة بنت أبي العاص ﵂.
وأوصت أن تُدفَن ليلاً، قيل: حِرصاً منها على الستر.
ورُوي أنها اغتسلَتْ، ولبِسَتْ أكفانها، وأوْصَتْ ألا تُغسَّل. وهذا باطل لا يصح.
стр. 272
ورُوي أنها أوصت علياً وأسماء بنت عميس أن يُغسِّلاها. وهذا ضعيف لايثبت.
وثمَّةَ وصايا كثيرة، وكلُّ ماقيل فيها وفي مظلمتها كذب وزور من افتعال الرافضة.
وفي الكتاب تفصيل ذلك كله.
٢٩. وفاتها.
أخبر النبي ﷺ في مسارَّته لابنته بقُرْبِ أَجَلِه، وأنها أول مَن يتبعه من أهله.
مرِضت ﵂، فشُغِل بها عليٌّ ﵁، في تمريضها، وفي تسليتها بعد مصيبتها في فقد أبيها نبينا ﷺ ، وكان يلازمها.
توفيت ليلةَ الثلاثاء، لثَلاثٍ خَلَونَ من شهر رمضان، سنة (١١ هـ) بعد أبيها بستة أشهر، غَسَّلَها عليٌّ، وَصَلَّى عَليها مع جماعة من آله، ودفنَها في البقيع ليلاً، ولم يُخبر بذلك أبا بكر والصحابة ﵃.
وكان عمرها نحو ثمان وعشرين سنة ونصف السنة تقريباً.
قيل بأنها أول مَن غُطِّي نعشها في الإسلام، لما روي أن أسماء بنت عميس ذكرت لها ما رأته في الحبشة من ستر المرأة بهذا النعش، فاستحسنته ﵄.
стр. 273
٣٠. قبرها.
لا إشكال أنَّ فاطمة ﵂ دُفنت في المقبرة في بقيع الغرقد، ولايصح أنها دُفنت في بيتها، هذا هو المعتمد عند المؤرخين، وقد رَدُّوا على مَن ادَّعى أن قبرَها في بيتها، أو أمامَ مصلَّى الإمامِ بالروضة الشريفة، وهي أقوال واهِيةٌ جداً.
وأيضاً لا يصحُّ أن قبرَها أُخفِي عن الصحابة ـ كما تدعيه الرافضة ـ، وقد وردَتْ آثارٌ كثيرة ـ على ضَعفِها وانقطاعِها ـ تُثبِتُ أنها في مقبرة البقيع، قريباً من زاوية دار عُقيل، ومُواجِه دار نُبيه.
وهذه الدور والمواضع كلها قد زالَتْ، ودخلَتْ في التوسعة ... ـ والله أعلم ـ.
ولا يكاد يَعلَمُ أحَدٌ الآن قبرَاً مُعَيَّنَاً من القبور التي ذُكرت في عدد من النصوص ــ ذكرتُها في الدراسة الموضوعية لِفَصلِ: وفاتها ــ.
فالقبورُ تتغيَّر معالمها، وتندثرُ تماماً مع تعاقب القرون فكيف بتعاقب قرون طويلة تصل إلى خمسة عشر قرناً، وفي التاريخ ما يدل على تعاقب الدفن في البقيع في موضع واحد دون معرفة بالسابق.
ولم يكن على قبرها ولا قبر أحد من المسلمين تَجصيصٌ، ولا قُبَّةٌ، ... ولا بناءٌ؛ لنهي النبيِّ ﷺ عن ذلك، وإنما حدثَ البناء على القبور
стр. 274
في مكة والمدينة، وغيرِها، في زمن العُبيدين الباطنيين في القرن الخامس الهجري.
قال السمهودي (ت ٩١١ هـ) ﵀: (وإنما أوجب عدم العلم بعين قبر فاطمة ﵂ وغيرها من السلف، ما كانوا عليه من عدم البناء على القبور وتجصيصها ..... ).
وسيأتي تفصيل ذلك كله.
ومَن دخل في البقيع الآن، وسلَّم على الجميع بما في ذلك الصحابة وآل البيت ﵃؛ كفَاهُ ذلك ـ والحمدُ الله ـ.
ومن محاسن الدولة السعودية السُّنِّيَّة السَّنِيَّة المباركة ـ حفظها الله وحماها، وأبقاها مَصدَرَاً ومَورِدَاً لأهل السُّنَّةِ والجماعة ـ:
أنها هدَمَتْ القِباب البِدعية المبنية على القبور في مكة والمدينة، ... ومنها: قُبَّةٌ عظيمةٌ جداً بُنيَت في البقيع على قبور يُدَّعى أنها لبعض آل البيت، ومنهم: فاطمة! !
وقد هُدِمَت القباب في البقيع مرتين ـ ولله الحمد ـ وعادت المقبرة كما كانت في عهد النبي ﷺ ، وعهد الخلفاء الراشدين، والقرون الثلاثة المفضلة.
فالحمد لله على التوحيد، والسُّنَّة، والعقل الرشيد، ونسأل الله أن
стр. 275
يجزي الدولة السعودية خيراً كثيراً على إحسانها في هذه الأمور العقدية، وفي رعاية شؤون الحرمين الشريفين رعايةً فائقةَ الجودة، مُبهِجَةً مُدهِشَةً ـ زادها اللهُ قوة وعزة ونُصرة للتوحيد والسُّنَّة، ورزَقَها خيراً على خير ـ.
والحمد للهِ ربِّ العالمين.
стр. 276
٣١. قصائد في مدح فاطمة ﵂ - (١)
١ ـ لابن عساكر
قال ابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢ هـ): (وأنشدَ الحافظ ... أبو القاسم عليُّ بن الحسن بن عساكر (ت ٥٧١ هـ) في المجلس الرابع والأربعين بعد الثلاث مئة من إملائه، ووجدْتُّهُ بِخَطِّه:
لفاطمةَ البتولِ الطُّهْرُ فَضْلٌ ... تَحقَّقَهُ الرِّجَالُ أولُو العُقُول
أَتَتْنَا فِيهِ أخبَارٌ صِحَاحٌ ... تَلَقَّتْهَا الأئِمَّةُ بِالقَبُول
وَلَوْ لَمْ يَأتِنَا فِي ذَاكَ نَقْلٌ ... كَفَاهَا كَوْنُها بِنْتَ الرَّسُول
وَزَوْجَ الهاشِمِيِّ وأمَّ سِبْطَي ... رَسُولِ الله ذِي العَطْفِ الوصُول
فَأظهِرْ حُبَّهَا تُؤجَرْ عَلَيْهِ ... وَيُخبِرُ مِنْكَ عَنْ طِيْبِ الأُصُوْل
فَإنَّ مُحِبَّهَا فِي الحَشْرِ نَاجٍ (٢) ... سَتُوصِلُهُ إلى أَوْفَى وُصُول
وَلَيْسَ يَسِرُّ للزَّهْرَاءِ بُغْضَاً ... سِوَى رَجُلٍ دَعِيٍّ أوْ جَهُوْل
فَرِضْوَانُ المُهَيمِنِ كُلَّ وَقْتٍ ... ورَحْمَتُهُ عَلى رُوْحِ البَتُولِ) (٣)
стр. 277
٢ ــ ينقل عن الشاعر الباكستاني: محمد إقبال ... (ت ١٣٥٧ هـ) ﵀ أبياتٌ جميلة تداولها الناس من قصيدة له عن فاطمة ﵂، مطلعها:
نسبُ المسيح بنَى لمريم سيرةً ... بقيت على طول المدى ذكراها
المجدُ يُشرِقُ مِن ثَلاثِ مَطَالِعٍ ... في مَهدِ فاطمة فما أعلاها
هي بنتُ مَن؟ هي أمُّ مَن؟ هي زوجُ مَن؟ ... مَن ذا يُداني في الفَخَار أبَاها ... مَن؟
هي ومضةٌ من نور عين المصطفى ... هادي الشعوب إذا تروم هداها
وقد تضمنت مدحاً في زوجها، وابنيها، وفيها ضعف.
وفيها أيضاً ـ أبيات ـ مبنية على أحاديث مكذوبة، مثل:
لما شكا المحتاج خلف رحابها ... رقت لتلك النفس في شكواها
جادت لتنقذه برَهْنِ خمارها ... يا سُحبُ أين نداك من جدواها
وفيها غلو، منها:
هي رحمة للعالمين وكعبة الـ ... آمال في الدنيا وفي أُخراها
ومنها:
نور تهاب النار قدس جلاله ... زمنى الكواكب أن تنال ضياها
بلَّت وسادتَها لآلئُ دمعها ... من طول خشيتها ومن تقواها
جبريل نحو العرش يرفع دمعها ... كالطل يروي في الجنان رباها
стр. 278
ولم أجد هذه القصيدة في ديوانه في طبعتين من طبعاته. (١)
وله ﵀ في ديوانه قصيدة في فاطمة ﵂. (٢)
стр. 279
٣ ــ فاطمة ﵂.
للأستاذ الأديب: د. عبدالرحمن بن صالح العشماوي
منها هذه الأبيات:
هي ابنةُ المصطفى الهادي ويالَكِ من ... أُبُوَّةٍ شرَّفتَها، وهِي زَوجُ عَلي
أمُّ الحسَنِينِ مَا أعلاه مِن نَسَبٍ ... لو حَاولَتْ نَيْلَهُ الأفلاكُ لم تَنَل
شَبِيْهَةٌ بأبِيهَا وهِي سَاكِنَةٌ ... في قَلْبِهِ زَهْرَةٌ في رَوْضِهِ الخَضِل
تمشِي عَلى بُسُط الإيمانِ طَاهِرَةً ... سَلِيمَةُ القَلْبِ مِنْ حِقْدٍ ومِنْ دَغَل
محمُودَةُ الصِّبْرِ تَأبَى أنْ تُفَارِقَهُ ... وقَلْبُهَا الحُرُّ لايَشكُو مِن الزلَل
في مَنزِلِ الوَحِي ربَّاهَا الرسُولُ عَلَى ... دِينٍ تَزولُ الرَّوَاسِي وهُوَ لم يَزُلِ (١)
стр. 280
٤ ــ في رحاب الزهراء.
للأستاذ الأديب: د. ناصر بن مسفر القرشي الزهراني (١)
إذا تعطر شعري بالثناء على ... خير الورى وازدهى لفظي بسيرته
فالقول يزداد إجلالاً إذا عبِقَت ... منه روائع حب عن صفيته
مجدٌ يهيم به شعري وكم خشعت ... مشاعر الحب إجلالاً لهيبته
يبوح قلبي بأفنان الثناء على ... فضائل الواحد الباري ومنته
أغاث روحيَ بالحب الزلال له ... سبحانه ثم للهادي وعترته
تطيب نفسي ويسلو خاطري وأنا ... أجول في صحبة المختار وابنته
سلام ربي على الزهراء ما طربت ... نفسٌ وما ازدان من وجهٍ ببسمته
سلام ربي على الزهراء ما عذُبت ... مشاعرٌ وزكا عطرٌ بنفحته
سلام ربي على رمز الحياء على ... ريحانة المصطفى عنوان سلوته
بنت النبي إمام المرسلين وما ... لمجدها من مُضاهٍ في مَزِيَّته
أم الحبيبين للمختار أجمل مَن ... حلا بوجدانه الزاكي ومهجته
وزوج مَن كان في حب النبي له ... كمثل هارون من موسى ورتبته
يا بَضْعةً من رسول الله أفضل مَن ... براه ربي تعالى من بريته
стр. 281
كأنها المصطفى في سمتها وإذا ... مرت فأشبه إنسانٍ بمشيته
كانت له البنت والأم الرؤوم لما ... يلقاه من قلبها الحاني ورقته
أحبَّها وارتقى أبناؤها نُزلًا ... في روحه لا يُسامى في مكانته
تعلمت منه أفنان الصفات وما ... تحيد طرفة عينٍ عن وصيته
تقواه، إخلاصه، إشراق طلعته ... وفاءه، وزلالاً من رَوِيَّته
إحسانه، لطفه، آدابه، وشذا ... ما بثَّه في البرايا من هدايته
حياءُه، طُهره، بستان رقَّتِه ... طيب التعامل فيه، صِدقُ نيَّتِه
تطل كالبدر في دنياه تسطع في ... سمائه وهي عطرٌ في معيته
حتى إذا حارب الأعداء كان لها ... حضورها المتجلي في سريته
أما نظرت إلى الزهراء في أُحُدٍ ... كم نالها من رزاياه وشدته؟
ثم انبرت في خضم الهول مسرعةً ... لكي تداوي أباها من إصابته
إذا رآها كأنَّ الأرض باسمةٌ ... له ففي وجهها أسرار بهجته
يقوم إن أقبلت أنسَاً يعانقها ... يضمُّها وهي في شوقٍ لضمته
يصغي إليها يُحيِّيها يؤانسها ... وترتوي وهي جَذْلَى من مودته
تدنو إلى رأسه الزاكي تقبِّلُه ... وراحتاها حريرٌ فوق وجنته
يَهُبُّ إن نالها ضيمٌ ويغضب مِن ... إغضابها لا يجارى في حميته
بكت حنانَاً وإشفاقَاً لمنظره ... لما رأته يعاني يوم وعكته
كانت تظن أباها لن يغيب فما ... في بالها أنها شكوى منيته
أشار فاقتربَتْ منه فساررها ... فأشرقَ الوجه يحكي عن بشارته
стр. 282
يا أول الناس إقبالاً عليَّ إلى ... جنان ربي ومَن يحظى برحمته
بشراك خير نساء العالمين ويا ... أعز إنسانةٍ تأوي لجنته
وحَلَّ ما حلَّ بالزهراء من كمَدٍ ... لهول ما كان من خطبٍ ولوعته
مات الحبيب رسولُ الله سلوتها ... وخيَّمَ الحزن فتَّاكاً بحرقته
وأصبح العيش في الدنيا يؤرِّقها ... وكيف تصفو حياةٌ بعد غيبته؟
ضاقت على قلبها الدنيا بما رحبت ... لو جاز شرعاً لنامت فوق تربته
فاختارها الواحد الباري ليسعدها ... برفقة الوالد الحاني وصحبته
يا روعة الطهر يا عطر النبوة يا ... ثوب الحياء الذي يسمو بروعته
يا منهل الفضل يا معنى العفاف ويا ... سباقةً لرضا الباري وطاعته
يا خير ما حفظ الرحمن من نسبٍ ... وحُقَّ لي الفخر أني من سلالته
عِزٌّ لشاعرك الأوفى إذا سطعت ... أنوار خير الصبايا في قصيدته
هذي نسائم وُد غامرٍ وهوىً ... من مولعٍ صادقٍ في حب سادته
ما أعذب الشعر في آل النبي وما ... ألذَّه مثل شهدٍ في خليته
هذا فؤادٌ هَواكم سِر فرحته ... وحبكم ورضاكم من سجيته
* * *
стр. 283
٣٢. منظومات لترجمة فاطمة ﵂ - (١)
لقد بحثتُ كثيراً عن قصائد، أو منظومات في فاطمة ﵂، ولم أجد شيئاً ـ سالماً من الغلو ـ إلا ما ذَكرته سابقاً.
واستكتبتُ بعضَ مَن أثق بجودة شعره أو نظمه، ميسراً لهم ذلك بمختصر جداً لترجمتها، ولم أتمكن مِن الحصول إلا مِن اثنين:
١ ــ من فضيلة الشيخ الأديب د. جبران بن سلمان بن جابر سحَّاري (٢) فقد طلبتُ منه نظماً في فاطمة ﵂، وأرسلتُ له مختصراً من هذه ... الترجمة (٣)، فاستجاب لذلك ورحَّبَ ـ أحسن الله إليه وجزاه خيراً ـ، ثم نظمَها في مئة بيت، وأرسلها إليَّ (٤)، وهي التالية:
стр. 284
متن الأرجوزة الفاطمية المسماة:
«السنن العاصمة في مناقب فاطمة ﵍»
للشيخ الفقيه الأديب د. جبران بن سلمان بن جابر سحَّاري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الناظم
الحمد لله الذي علَّمنا ... مذاهب الأسلاف إذ فيها الغِنى
فمن طريقِهم أتانا الدينُ ... مؤصّلاً شعارُه التبيينُ
ما فيه من ميلٍ عن الآثارِ ... ولا تكلفٍ لمن يماري
وهذه الأرجوزة المُرتّبة ... فيما لبنت أحمدٍ من مَرْتبة
صلى عليه ربُّنا وسلَّما ... وآله وصحبه ومَن سما
تحوي صحيح الفضل أضحت عاصمة ... في سيرة «الزهراء» وهي «فاطمة» (١)
بنتُ النبيِّ المصطفى المطهّرة ... زوجُ ابنِ عمه المسمى «حيدرة» (٢)
أتت على منهج أهل السنةِ ... وحبهم للآلِ خير عترةِ (٣)
سألنيها الفاضلُ «المديهشُ» ... وهو اللبيبُ الفاحصُ المفتشُ
стр. 285
عن هذه الفضائل المسطورة ... في الكتب النافعة المنشورة
فلم أجد بُداًّ من امتثالي ... سؤالَه فهو أخو أفضال
اسمها ونسبها وكنيتها ولقبها
«فاطمةُ» اسمها من الفطْم الجلي ... وهو انفصالٌ عن رضاعٍ فاعقل
نسبُها إلى الرسول الهاشمي ... محمدٍ لنسل عدنانَ نُمي
من ولدِ اسماعيلَ للخليلِ ... يعودُ في التحقيق يا خليلي
كنيتها: «أم أبيها» كم لها ... من شرفٍ بهِ يطاول السُّها
وقيل: أم الحسنين أيضاً ... أفاده ابن حجرٍ خذ فيضاً
لقبُها: الزهراءُ والبتولُ ... كم لهجت بذينك الفحولُ
الأول الضياء والإنارة ... من البياض فاحفظ العبارة
وأما البتول فمن التبتُّلِ ... وذاك الانقطاع لله العلي
وقيل: إن اللقبين انطلقا ... من قبل الشيعةِ ثم صُدّقا
من بعض أهل السنةِ الأخيارِ ... إذ ليس فيهما من استنكار
والحقُّ عندنا هو المعتبرُ ... يُقبل ممن قاله فحرّروا
والدُها ووالدتها
والدها أفضلُ خلقِ الله ... محمدٌ هو ابن عبدالله
القرشيُّ الهاشميُّ العربي ... سيّدُ نسلِ آدمٍ خيرُ نبي
وأمها: خديجةٌ خيرُ النساء ... في هذه الأمةِ ذات الائتسا
وكلُّ أولادِ النبيِّ منها ... سوى ابنه ابراهيم فاحفظنها