قال: أو رَضِيَتْ بنو عبدِ مَناف، وبنُو مخزوم؟ قالوا: نعم. قال: ذلكَ فضلُ اللَّهِ يؤتيه مَن يشاءُ، أو كما قال.
ولهذا جاء أبو سفيان إلى عليٍّ فقال: أرضيتُمْ أن يكون هذا الأمر في بني تَيْم؟ !
فقال: يا أبا سفيان، إنَّ أمْرَ الإسلام ليسَ كأمْرِ الجاهلية، أو كما قال.
فإذا كان المسلمون كلُّهم ليس فيهم مَنْ قال: إنَّ فاطمة ﵂ مَظلومة، ولا أنَّ لها حقَّاً عند أبي بكر وعمر ﵄، ولا أنَّهُما ظلمَاهَا، ولا تكلَّمَ أحَدٌ في هذا بكلمةٍ واحِدَةٍ؛ دَلَّ ذلكَ على أنَّ القومَ كانوا يعلَمُونَ أنَّها ليستْ مظلومَةً، إذْ لَوْ علِمُوا أنَّها مظلومةٌ لكانَ تركَهُم لنُصْرَتِها:
إمَّا عجْزَاً عن نُصْرَتِها،
وإمَّا إهمالاً وإضاعَةً لحَقِّهَا،
وإما بُغضَاً فيها،
إذْ الفِعْلُ الذي يقدِرُ عليه الإنسانُ إذا أرادَه إرادَةً جازِمَةً؛ فَعَلَهُ لا محَالَة، فإذا لم يُرِدْهُ ـ مع قيامِ المقتضِي لإرَادَتِهِ ـ فإما أن يكونَ جاهِلاً به، أوْ لهُ مُعارِضٌ يمنَعُهُ مِن إرادَتِهِ، فلَو كانتْ مَظلُومَةً مَعَ شَرَفِهَا، وشَرَفِ قَبِيْلَتِهَا، وأقَارِبِهَا، وأنَّ أبَاهَا أفضَلُ الخَلْقِ وأحبُّهُمْ إلى أُمَّتِهِ، وهُم يعلَمُونَ أنَّهَا مَظْلُومَةٌ، لكانوا إمَّا عاجِزين عن نُصْرَتِهَا، وإمَّا أن يكون لهم مُعارِضٌ عارَض إرادةَ النصر مِن بُغْضِهَا، وكِلا الأمرين بَاطِلٌ؛ فإنَّ القومَ ما كانوا كلُّهم عاجزين أنْ
стр. 2207
يتكلَّم واحِدٌ منهم بكَلِمَةِ حَقٍّ، وهُمْ كانوا أقدَرَ عَلَى تغْيِير مَا هُوَ أعظَمُ مِنْ هذَا.
وأبو بكر لمْ يكن ممتنِعَاً مِن سماعِ كلامِ أحَدٍ منهم، ولا هُوَ معروفاً بالظلم والجبروت.
واتِّفَاقُ هؤلاءِ كلِّهِم، معَ تَوفُّرِ دواعِيهِم على بُغْضِ فَاطِمَةَ، مع قيام الأسباب الموجِبَةِ لمحبَّتِهَا؛ مما يُعلم بالضرورة امتِنَاعُهُ.
وكذلك عليٌّ ﵁ لا سِيَّمَا وجُمهُورُ قريشٍ، والأنصارِ، والمسلمين، لم يكُن لعليٍّ إلى أحَدٍ منهم إساءَةٌ، لَا في الجاهلية، ولا في الإسلام، ولا قتَلَ أحدَاً مِن أقاربِهِم، فإنَّ الذينَ قتَلَهُمْ عَليٌّ لمْ يكُونُوا مِن أكبَرِ القَبَائِلِ، ومَا مِن أحَدٍ مِن الصحابةِ إلا وقَدْ قتَلَ أيضَاً.
وكان عمرُ ﵁ أشدَّ على الكفار، وأكثرَ عدَاوةً لهم مِن عَلي، فكلامُهُمْ فِيه، وعداوتُهُمْ له مَعروفةٌ، ومع هذا تولَّى عَلَيْهِم، فما مَاتَ إلا وكلُّهم يُثْنِي عليه خَيراً، ويدْعُو لَهُ، ويتوَجَّعُ لمصَابِ المسلمين بِهِ.
وهذا وغيرُه مما يُبيِّنُ أنَّ الأمرَ على نقيض ما تقولُه الرافضةُ من أكاذيبهم، وأنَّ القومَ كانوا يعلمونَ أنَّ فاطمةَ لمْ تكُنْ مظلومةً أصلاً.
فكَيفَ ينتصرُ القومُ لعثمانَ حتَّى سفكُوا دماءَهم، ولا ينتَصِرُونَ لمنْ هُوَ أحبُّ إليهم مِن عثمان، وهُوَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وأهلِ بَيتِه؟ !
وكيفَ يُقاتِلُونَ مَع معاوية حتَّى سفَكَتْ دماؤهُمْ معَهُ، وقدْ اختلَفَ
стр. 2208
علَيْهِ بنُو عبدِ مَنَاف، ولا يُقاتِلُونَ مَعَ عَليٍّ ـ وبنو عبد مناف معه ـ؟ !
فالعباسُ بنُ عبدِ المطلب أكبرُ بني هاشم، وأبو سفيان بنُ حَرْبٍ أكبرُ بني أمية، وكلاهما كانا يَمِيْلانِ إلى عَلِيٍّ، فَلِمَ لَا قَاتَلَ الناسُ معَهُ إذْ ذَاكَ، والأمْرُ في أوَّلِهِ؟ !
والقتالُ إذْ ذاكَ لَوْ كانَ حقَّاً؛ كَان معَ عَلِي أوْلَى، وَوِلَايَةُ عليٍّ أسهَلُ؛ فإنَّه لَوْ عَرضَ نَفَرٌ قلِيلٌ فقَالُوا: الأمْرُ لِعَلِيٍّ، وهُوَ الخليفَةُ وَالوَصِيُّ، ونَحْنُ لا نُبَايُعُ إلَّا لَهُ، ولَا نَعْصِي رسولَ اللَّهِ ﷺ ، ولا نَظلِمُ وصِيَّهُ وأهلَ بَيْتِهِ، ولَا نُقَدِّمُ الظالمينَ أوْ المنافِقِينَ مِنْ آل تَيْمٍ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، الَّذِينَ هُمْ خَيْرُنَا في الجاهِلَيَّة والإسلام؛ لكَانَ القائِلُ لهذا يَستَجِيْبُ لَهُ جمهورُ النَّاسِ، بَلْ يَستَجِيْبُونَ لَه إلا القليلُ، لا سِيَّمَا وأبُو بكرٍ لَيسَ عِندَهُ رَغْبَةٌ وَلا رَهْبَةٌ.
وهَبْ أنَّ عُمَرَ وطائفةً مَعَهُ كانُوا يشُذُّونَ معَهُ، فَلَيْسَ هؤلاءِ أكثرَ ولَا أعزَّ مِن الَّذِين كانوا معَ مُعَاوِيَةَ ﵁، ومَعَ طلحةَ والزُّبَير ﵄ ومَعَ هذَا فقَدْ قاتَلَهُمْ أعوَانُ عَلِيٍّ، معَ كَوْنِهِمْ دُونَ السَّابِقِين الأوَّلِينَ في العِلْمِ والدَّيْنِ، وفِيهِمْ قَلِيْلٌ من السابقين الأولين، فهَلَّا قَاتَلَهُمْ مَنْ هُوَ أفضلُ مِن هؤلاء؟ ! إذْ كانَ إذْ ذاكَ عَليٌّ عَلَى الحَقٍّ، وعَدُوُّهُ عَلَى الباطل، معَ أنَّ وَلِيَّهُ إذْ ذَاكَ أكثَرُ وأَعَزُّ وأعظَمُ عِلْمَاً وإيمَاناً، وعدُوُّهُ إذْ ذَاكَ ــ إنْ كانَ عَدُوَّاً ـ أذَلُّ وأعجَزُ وأضْعَفُ عِلْمَاً وإيمَانَاً وأقَلُّ عُدْوَاناً، فإنَّه لَو كان الحقُّ كما تقولُه الرافضةُ؛ لكانَ أبو بكرٍ، وعُمَرَ، والسابقون الأولونَ، مِنْ شِرَارِ أهْلِ الأرْضِ
стр. 2209
وأعظَمِهِمْ جَهْلاً وظُلْمَاً؛ حيثَ عمَدُوا عَقِبَ مَوْتِ نبيِّهِم ﷺ فبدَّلُوا وغيَّرُوا وظلَمُوا الوَصِيَّ، وفعَلُوا بِنُبُوَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ ما لمْ تَفعَلْهُ اليهودُ والنصَارَى عَقِبَ مَوْتِ مُوسَى، والمسيحِ ـ عليهما الصلاة والسلام ـ؛ فإنَّ اليهودَ والنصارى لمْ يفعَلُوا عقِبَ مَوتِ أنبِيَائِهِمْ مَا تقُوْلُهُ الرافضَةُ أنَّ هؤلاءِ فعلُوهُ عَقِبَ مَوتِ النبيِّ ﷺ ، وعَلَى قولهِمْ تكُونُ هذِهِ الأمَّةُ شَرَّ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للناسِ، ويَكُونُ سابِقُوْهَا شِرَارُهَا! !
وكُلُّ هذَا مما يُعْلَمُ بِالاضْطِرَارِ فسَادُهُ مِن دِينِ الإسلام، وهُوَ مما يُبيِّنُ أنَّ الذي ابتدَعَ مَذْهَبَ الرَّافِضَةِ كانَ زِنْدِيْقَاً مُلْحِدَاً، عدُوَّاً لِدِيْنِ الإسلَامِ وأهْلِهِ، ولمْ يكُنْ مِنْ أهْلِ البِدَعِ المتَأَوِّلِيْنَ كَالخوَارِجِ والقَدَرِيَّةِ؛ وإنَّ كانَ قولُ الرافضةِ راجَ بعدَ ذلكَ عَلى قومٍ فِيهِمْ إيمانٌ لفَرَطِ جَهْلِهِمْ.
وممَّا يُبَيِّنُ ذلكَ أنَّ يُقَالَ: أيُّ دَاعٍ كانَ للقَوْمِ فيْ أنْ ينْصُرُوا عائشةَ بنتَ أبي بكر، ويُقَاتِلُوْا معهَا عليَّاً كمَا ذكَرُوْا، ولا يَنْصُرُونَ فاطمةَ بنتَ رسُولِ اللَّه ﷺ ويُقاتِلُونَ معَهَا، ومعَ زوْجِهَا الوَصِيِّ أبَا بكر وعُمَرَ؟ !
فإنْ كانَ القومُ الذين فعَلُوا هذا يُحبُّونَ الرياسَةَ، ويَكْرَهُونَ إمَارَةَ عَلِيٍّ عَلَيهِمْ، كَانَ حُبُّهُمْ للريَاسَةِ يدعُوهُمْ إلى قِتَالِ أبي بَكْرِ بطَرِيْقِ الأَوْلَى؛ فإنَّ رياسَةَ بَيْتِ عَلِيٍّ أحبُّ إليهم مِن رياسَة بيتِ أبي بكر.
ولهذا قال صفوان بنُ أميَّةَ يومَ حُنين لما ولَّوا مُدْبِرِين، وقال بعض
стр. 2210
الطُّلَقَاء: لا ينتهي فلَهُم دونَ البَحْرِ، وقال الآخر: بطَلَ السِّحْرُ، فقال صفوان: واللَّهِ لأَنْ يَربَّنِي رجلٌ مِن قريشٍ أحبُّ إليَّ مِن أنْ يَربَّنِي رجُلٌ مِن ثَقِيْفٍ.
وصفوانُ رأسُ الطُّلَقَاءِ، كانَ أنْ يربَّهُ رجُلٌ من بني عبْدِ مَنَافٍ أحبَّ إليهِ مِنْ أنْ يربَّه رجُلٌ مِن بنِي تَيْم، فحُبُّ الرِّيَاسَةِ إذَا كانَ هُوَ الدَّاعِي؛ كانَ يدعُوهُم إلى تقْدِيْمِ بني هَاشِمٍ عَلى بَنِي تَيْمٍ باتِّفَاقِ العُقَلَاءِ، ولَوْ لمْ يُقدِّمُوا عليَّاً لقدَّمُوا العبَّاسَ؛ فإنَّ العبَّاسَ كانَ أقرَبَ إلى مُوَافَقَتِهِمْ عَلى المطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِن أبي بكر، فإنْ كانُوا قدْ أقدَمُوا على ظُلْمِ الوَصِيِّ الهَاشِمِيِّ لِئَلَّا يحْمِلَهُمْ عَلَى الحقِّ الَّذِي يكْرَهُوْنَهُ؛ كانَ تقدِيْمُ مَن يحصِّلُ مَطَالِبَهُم معَ الريَاسة الهاشِمِيَّةِ ... ـ وهُو العبَّاسُ ـ أوْلَى وأحْرَى مِن أبي بكر الَّذِي لا يُعِينُهُمْ عَلى مَطَالِبِهِمْ كإعِانَةِ العبَّاسِ، ويحمِلُهُم عَلى الحَقِّ المُرِّ أكثرَ مَا يحمِلُهُمْ عليه عَلِيٌّ، فلَوْ كُرِهَ مِن عَليٍّ حقٌّ مُرٌّ لكَان ذلكَ مِن أبي بكر أكْرَهُ، ولَو أُرِيْدَ مِن أبي بكر دُنْيَا حُلْوَةٌ لكَان طلبُها عندَ العبَّاسِ وعَليٍّ أقرَبَ، فعُدُوْلُهُمْ عَن عليٍّ وعَن العبَّاسِ وغيرِهِمَا إلى أبي بكر دليلٌ عَلى أنَّ القوْمَ وضعُوا الحقَّ في نِصَابِهِ، وأقرُّوْهُ في إهَابِهِ، وأتَوْا الأمْرَ الأرْشَدَ مِنْ بَابِهِ، وأنهم علِمُوا أنَّ اللَّهَ ورسُولَهُ كانَا يَرْضَيَانِ تقْدِيمَ أبي بكر ﵁، وهَذَا أمْرٌ كان معلُومَاً لهم عِلْمَاً ظَاهِرَاً بَيِّنَاً لِمَا رأَوهُ وسَمِعُوهُ مِن النبيِّ ﷺ مُدَّةَ صُحبَتِهِمْ لَهُ، فعلِمُوا مِن تفضِيلِ النبيِّ ﷺ لأبي بكر بِطُولِ المُشَاهَدَةِ والتَّجْرِبَةِ والسَّمَاعِ؛ مَا أوجَبَ تقدِيمَهُ وطاعَتَهُ.
стр. 2211
ولهذا قالَ عُمَرُ ﵁: «لَيسَ فِيكُمْ مَنْ تُقطَعُ إليهِ الأعَنَاقُ مِثلَ أبي بكر». أرادَ أنَّ فضيلَتَهُ عَلى غيرِهِ ظاهِرَةٌ مَكشُوفَةٌ لا تحتَاجُ إلى بَحْثٍ ونَظَرٍ.
ولهذَا قالَ له بِمَحْضَرٍ مِن المهاجرين والأنصار: «أنتَ خيرُنَا وسيِّدُنَا وأحبُّنَا إلى رسُولِ اللَّه ﷺ ». وهُمْ يُقرِّونَهُ على ذلك، ولا يُنَازِعُهُ منهم أحَدٌ، حتَّى إنَّ المنَازِعِينَ في الخِلَافَةِ مِنْ الأَنصَارِ لمْ يُنَازِعُوا في هَذَا، ... ولَا قالَ أحَدٌ: بَلْ عَليٌّ أوْ غيرُهُ أحبُّ إلى رسُولِ اللَّهِ ﷺ أو خَيرٌ مِنْهُ أوْ أفضَلُ.
ومِنْ المعلُومِ أنَّه يمتنِعُ في العَادَةِ، لا سِيَّمَا عادَةُ الصَّحَابَةِ المتَضَمِّنَةِ كمَالَ دِيْنِهِم، وقَولِهِم بِالحَقِّ، ألَّا يتكَلَّمَ أحَدٌ مِنهُمْ بِالحقِّ المتضَمِّنِ تَفْضِيلَ عَلِيٍّ، بَلْ كلُّهُمْ مُوَافِقُوْنَ عَلَى تَفْضِيْلِ أبي بَكرٍ مِنْ غَيْرِ رغْبَةٍ فِيهِ، ولا رَهْبَةٍ). (١)
وفي الختام
يحسن التنبيه إلى أمر مهم، وهو أنَّ بعض المحسوبين على أهل السنة والجماعة، من الأدباء أو المثقفين المعاصرين، يكتب في السيرة أو تراجم الصحابة، ثم ينقل مثل هذه الأكاذيب السابقة، ينقلها من كتب المستشرقين الذين أخذوها مباشرة مِن كُتُب الرافضة، أو ينقلها هُو مِن كتب الرافضة، دونَ بيانٍ أو تعقُّبٍ، أو إدراكٍ لخطورةِ ما تضمَّنَتْهُ مِن الكذب والطعن
стр. 2212
بالصحابة الأخيار، ثم يأتي بعضُ الرافضة المعاصرون ليقولوا لأهل السنة: إنَّ هذه القصة ذكرها فلانٌ وفلانٌ ـ ويُعدِّدُ بعضَ الأدباء المعاصرين ـ! !
من أمثلة ذلك:
ماذكره: محمد حسين هيكل، من جمعِ عمر الحطَب ... إلخ (١)
وما ذكرته د. عائشة بنت عبدالرحمن «بنت الشاطئ» من محاولة عمر دخول بيت فاطمة، ثم وبَّخَتْهُ، فانصرف محزوناً ... إلخ (٢)
وسبق في آخر المبحث الأول ذكرَ أمثلة أخرى من نقل بعض الأدباء المعاصرين المنتسبين إلى أهل السُّنَّة أخباراً رافضية تدلُّ على أنَّ الخلافةَ لعلي بعدَ النبي ﷺ ! ! فإنَّا لِلَّهِ وإنَّا إلَيهِ راجِعُونَ، ولا حَولَ ولا قوةَ إلا باللَّهِ العليِّ العظِيم.
* * *
стр. 2213
الفصل الرابع: منزلتها في العلم والعبادة، وما فُضِّلَت به. وفيه أحد عشر مبحثاً:
المبحث الأول: روايتها الأحاديث عن رسول الله ﷺ .
المبحث الثاني: تعليم النبي ﷺ إياها.
المبحث الثالث: صدق لهجتها ﵂.
المبحث الرابع: انفرادها بمعرفة جواب سؤال للنبي ﷺ .
المبحث الخامس: إقامتُها الحدَّ على جاريةٍ لها قد زنَتْ.
المبحث السادس: صَدَقَتُهَا ﵂ على بني هاشم، وبني المطلب.
المبحث السابع: تحريها ساعة الإجابة يوم الجمعة.
المبحث الثامن: زيارتها قبر عمها حمزة وأختها رقية ﵃.
المبحث التاسع: غضب الله - تعالى - لغضبها.
المبحث العاشر: أن المهدي المنتظر من ولدها.
المبحث الحادي عشر: أمور خصت بها، وفيه مطلبان [*]:
المطلب الأول: إسرار النبي ﷺ لها بخبر موته وموتها.
المطلب الثاني: أن النبي ﷺ عصبة لأولادها.
стр. 2214
المبحث الأول:
روايتها الأحاديث عن رسول الله ﷺ -.
وهي أحاديث «مسندها» ستأتي في الباب الثالث، وقد بلغت تسعة وأربعين (٤٩) حديثاً، عدد الرواة عنها (٢٧) راوياً. وفي مقدمة الباب تمهيد وإحصاءٌ لهذه الأحاديث.
علمها عند أهل السنة والجماعة:
لاشك أنها في الدرجة العالية من العلم، وقد حفِظَتْ كثيراً من أقوال وأفعال وهدي أبيها ﷺ منذ أن عقلت نفسها إلى وفاته ﷺ ، لكنها لم تحدِّث به لعدم احتياج الناس إليها في حياة أبيها ﷺ ، فبيتُها مجاور لأبيها، والناس يسألون والدَها ﷺ ويَروُون عنه، ولم تفارق المدينة النبوية ـ إلا مع أبيها ـ فلم يحتج الناس لسؤالها وحديثِها، ولم تطلْ مدَّتُها بعد أبيها فقد ماتت بعده بستة أشهر، وربما لو قُدِّر لها العمر المديد، لنَشَرَتْ علماً غزيراً كما نشرَتْ أزواج النبي ﷺ عائشة وغيرها، أو أكثر.
стр. 2215
قال ابن حجر العسقلاني ﵀: (ثمَّ إنَّ ما لم يحصُل بها مِنَ الانتفاع بالعلم، لم يكن مِنْ تقصيرها، بل لِسُرعة انتقالها بعده ﷺ ، وجاز أنَّها لو عاشت مثَلاً، لانتَشَرَ عنها مِن ذلك قدرُ ما انتَشَرَ عن غيرها، واللَّهُ أعلم). (١)
ولم يَروِ أحدٌ من أولادِ النبيِّ ﷺ عنه غيرُ فاطمة ـ فيما وصل إلينا من الأحاديث ـ. وسيأتي مزيد بيان في مقدمة الباب الثالث.
هذا، وقد ذكر ابنُ حزم ﵀ أصحاب الفتيا من الصحابة ﵃، على طبقات ثلاث: المكثرين من الفتيا، ثم المتوسطين، ثم قال: ... (والباقون منهم مُقِلُّون في الفتيا، لا يُروى عن الواحدِ منهم إلا المسألةُ والمسألتان، والزيادة اليسيرة على ذلك؛ يُمكن أن يُجمع من فتيا جميعِهم جزءٌ صغير فقط، بعد التقصِّي والبحث، ... ثم ذكرَهم، ومنهم: ( ... وسيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ ).
وقد نقل ذلك عنه ابنُ القيم ﵀. (٢)
стр. 2216
ــ رُوي عن فاطمة ﵂ في قول اللَّه تعالى:
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (سورة آل عمران، آية: ٧). الوقفُ على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾. (١)
* * *
стр. 2217
علمها عند الرافضة:
يتلخص عِلْمُها عندهم ـ حسب ما وقفتُ عليه ـ في:
١. روايتها للأحاديث، وكانت تفتي الناس.
٢. خادمة فاطمة: «فضَّة» وكانت تلميذتها أيضاً.
٣. خُطَب فاطمة.
٤. مصحف فاطمة.
٥. لوح فاطمة
وكلها كذب مفترى! !
أما روايتها للأحاديث، فلم يذكروا إسناداً واحداً من أسانيدهم متصلاً، رجاله ثقات عندهم، إلى النبي ﷺ من «مسند فاطمة» (١)، ومع ذلك يعيبُ بعضُهم قِلَّةَ أحاديثِها عندَ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعة (٢)، مع ورود
стр. 2218
عدد من الأحاديث، وبيان أهل السنة والجماعة سبب قلة المرويات عنها.
والعجيب أنه لا يوجد لفاطمة ﵂ حديثٌ واحد من قولها في الكتب الأصول الأربعة المعتمدة عندهم: «الكافي» للكليني، «مَن لا يحضره الفقيه»، «تهذيب الأحكام»، «الاستبصار»! ! (١)
وأما فتاوى فاطمة، فلم يوجد من ذلك شئ عند أهل السنة والجماعة، عدا ما أشار إليه ابن حزم ـ كما سبق ـ.
وقد ذكرَتْ الرافضة أن لها خادمةً اسمها «فضَّة» (٢)، وَرِثَتْ عِلْمَ فاطمة، وأنها مكثت عشرين سنة لا تتحدث إلا بالقرآن! ! (٣) وهذا لا دليل
стр. 2219
عليه.
وأما الخُطَبُ التي افتعلوها، وهي خطبتان: الأولى: في المسجد أمام الصحابة، والثانية: في بيتها أمام النساء ـ وكلها مكذوبة ـ. (١)
وأما مصحف فاطمة ، ولوح فاطمة المكذوبان، فأفضل مَن تكلَّم عليهما، وبيَّن ما تضمن إدعاؤهما من مخالفة أصلِ دين الإسلام وما عُلِم منه بالضرورة: الشيخُ أ. د. ناصر بن عبداللَّه بن علي القفاري ـ حفظه اللَّه وجزاه خيراً ــ في كتابِه الفذِّ الفريد: «أصول مذهب الشيعة الاثني عشرية ... ـ عرض ونقد ـ» (٢) (٢/ ٥٨٨ ـ ٥٩٩): (٣)
ذكرت الرافضة أنَّ اللَّه أرسل ملكاً لفاطمة بعد وفاة والدِها نبيِّنا ﷺ ، ليُسَلِّيَ عنها غمَّها وهمَّها، وأخبرَتْ علياً بذلك، فجعل يكتُبُ كلَّ ما سمِع من المَلِك، حتى أثبتَه في «مصحف»، ليس فيه شئ
стр. 2220
من الحلال والحرام، وإنما فيه عِلْمُ ما يكون! ! (١)
وليس ثمَّ رابطة بين تسليتها وإخبارها بما سيكون من علم الغيب، وفيه: ما تنقله الرافضة من قتل أبنائها، وملاحقة الفتن لأهل البيت! !
وكيف تُعطَى عِلْمَ ما سيكون = علم الغيب (٢)، وقد قال اللَّهُ لنبيِّه: ... ﴿ ... قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ... (سورة الأعراف، آية ١٨٨)
وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الأنعام، آية ٥٠)
وزعمَتْ الرافضةُ هنا أنَّ علياً كان يكتب المصحف، وفي روايات عديدة ذكروا أنه كان بعد وفاة النبي ﷺ مشغولاً بجمع القرآن، وهكذا
стр. 2221
الكذب تناقض واختلاف.
وجاء عنهم أنَّ «مصحف فاطمة» ثلاثةُ أضعاف القرآن، ليس في قرآننا منه حرفٌ واحد! ! (١)
فهذا يدلُّ على أنه يفوق القرآن، ويخالفه في مادته؟ ! وأنه أكملُ من القرآن وأوفى، واللَّهُ يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (سورة الأنعام، آية ٣٨)
وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة النحل، آية ٨٩) فكيف تكون الهداية بكتاب من رب العالمين مفقود إلى الآن كما يتفق عليه الرافضة؟ !
ولم يتفقوا على وصف هذه الكذبة «مصحف فاطمة»، فمرة يذكرون أنه من إملاء أحد الملائكة، وكان نزوله بعد وفاة الرسول ﷺ ! !
ورواية أخرى تذكر أنه من كلامِ اللَّهِ ، أملاه النبيُّ ﷺ في حياتِه على عليِّ بن أبي طالب! ! (٢)
سبحان اللَّه! كيف ينزل على فاطمة، ثم يكون من إملاءِ الرسولِ ﷺ وخَطِّ عليٍّ؟ !
стр. 2222
ومرة يقولون عن مصحف فاطمة: ما فيه شيءٌ من كتاب اللَّهِ ، وإنما هو شيء أُلقيَ عليها. (١)
ولهم روايات يذكرون بها أنهم يستطلعون بمصحف فاطمة ما يحدث في الكون إلى قيام الساعة! !
قال أ. د. القفاري: (إنَّ المغزَى من هذه النصوص واضحٌ، فإعطاء الأئمة عِلمَ ما يكون من إضفاءٍ لصفةِ الألوهية عليهم بمَنْحِهم ما هُوَ مِن خصائص الإله «وهو عِلْمُ الغَيب»، وجَعْلِ مُصحفَ فاطمةَ يحوي عِلْمَ الحدودِ والدياتِ هُو اتِّهَامٌ «مُبَطَّنٌ» بقُصُورِ التشريعِ الإسلامي ... ). (٢)
стр. 2223
لوح فاطمة
قال أ. د. ناصر القفاري ـ وفقه اللَّه ـ:
(وهذا ــ كما يؤخذ من رواياتهم ــ غير مصحف فاطمة، لأنَّ مصحف فاطمة نزلَ بعد وفاةِ الرسولِ ﷺ بواسطة الملَك، وكتبَه عليٌّ من فَمِ الملَك، وسلَّمَه لفاطمة، أو نزلَ جملةً واحدةً بواسطة ثلاثة من الملائكة ... إلى آخر ما بيَّنا من أوصاف القوم لهذا الكتاب.
أما لوح فاطمة فله صفاتٌ أخرى منها:
أنه نزلَ على الرسُولِ ﷺ وأهداه لفاطمة، إلى غير ذلك من أوصافِه، وقد نقلُوا عن لوحِ فاطمة بعضَ النصوص التي تؤيد عقائدَهم.
ويبدو أنَّ هذا الخبر عن «لوح فاطمة» والنصَّ المنقول منه على درجة
стр. 2224
عالية من السرِّيَّةِ، ففي نهاية النص ـ كما سيأتي ـ أمْرٌ بكتمانِه عن غير أهله؛ فهو سِرٌّ من أسرَارِهِم، ولا ندري كيف تَسَرَّبَ؟ ولماذا تَسرَّب؟ ومتى؟
وإليكَ النص:
روى صاحب «الوافي عن الكافي» عن أبي بصير، عن أبي عبداللَّه قال: قال أبي لجابرِ بن عبداللَّه الأنصاري: إنَّ لي إليك حاجة متى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟
قال له جابر: في أيِّ الأحوال أحببَتَ.
فخلا به في بعض الأيام، فقال له: يا جابر، أخبرني عن اللوح الذي رأيتَه في يدِ أمِّي فاطمةَ بنتِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وما أخبرتْكَ به أمِّي أنه في ذلك اللوح مكتوب؟
فقال جابر: أشهدُ باللَّه أني دخلتُ على أمِّكَ فاطمة ﵍ في حياة رسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وآله، فهنَّيتُها بولادَةِ الحسين، فرأيتُ في يديها لَوحَاً أخضَر، ظننتُ أنه مِن زمُرُّد، ورأيتُ فيه كتابَاً أبيض شِبهُ لَون الشمس، فقلت لها: بأبي وأمي أنتِ يا بنتَ رسُولِ اللَّه، ما هذا اللوح؟
فقالت: هذا لوحٌ أهداهُ اللَّهُ تعالى إلى رسُولِهِ ﷺ ، فيه اسمُ أبي، واسمُ بَعْلِي، واسمُ ابنِي، واسمُ الأوصياء من ولَدِي، وأعطانيه أبي ليُبَشِّرَنِي بذلك.
стр. 2225
قال جابر: فأعطتنيه أمُّك فاطمة ﵍، فقرأتُه، واستَنْسَخْتُهُ، فقال أبي: فهل لك يا جابرُ أن تَعرضَهُ عليَّ؟ قال: نعم، فمَشَى معه أبي إلى منزل جابر، فأخرجَ صَحِيفةً من رَقٍّ، فقال: يا جابر، انظر في كتابك لأقرأ عليه، فنظر جابرُ في نسخته وقرأ أبي، فما خالَفَ حرفُ حرفاً، فقال جابر: أشهدُ باللَّه أني هكذا رأيته في اللوح مكتوبَاً:
«بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من اللَّه العزيز الحكيم لمحمد نبيه ونوره وسفيره وحجابه ودليله، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين، عظِّمْ يا محمد أسمائي واشكر نعمائي ... ». (١)
стр. 2226
ثم ذكر د. القفاري دعوى الرافضة نزول اثنتي عشرة صحيفة من السماء تتضمن صفات الأئمة. (١)
وإن هذه الدعاوى الخرافية المناقضة لدين الإسلام في: إتمامه وكماله، وحفظ القرآن، وختم النبوة بمحمد ﷺ ، وانقطاع الوحي بموته؛ يكفي عرضُها عن الردِّ عليها، والحمد لله على نعمة الإسلام والسُّنَّة والجماعة، وعلى نعمة العقل.
* * *
стр. 2227
المبحث الثاني:
تعليم النبي ﷺ إياها .
١٠٢. [١] عن عَلِيِّ بن أبي طالب، أَنَّ فَاطِمَةَ ﵄ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ، فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ، قَالَ: فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمَا»، فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا، حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي، فَقَالَ: «أَلا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا ــ أَوْ أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا ـ فَسَبِّحَا ثَلاثَاً وَثَلاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلاثَاً وَثَلاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعَاً وَثَلاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ». أخرجه: البخاري ومسلم.
وفي رواية عند أبي داوود في «سننه» أنه قال لها: «اتَّقِي اللَّه ... يا فاطمة، وأدِّي فريضة ربك، واعمَلي عمَل أهلِكِ، فإذا أخذتِ مضجَعَكِ فسبِّحي ثلاثاً وثلاثين .... الحديث.
وعند مسلم في «صحيحه» من حديث أبي هريرة ﵁ قال: أتت فاطمةُ النبيَّ ﷺ تسأله خادماً، فقال لها: «قولي: اللَّهم ربَّ السماوات وربَّ الأرض وربَّ العرش العظيم، ربَّنا وربَّ كلِّ شيءٍ، فالقَ الحبِّ والنَّوى، ومنزلَ التَوراةِ والإنجيلِ والفُرقَان، أعوذُ بِكَ من شرِّ كل شيء أنتَ آخِذٌ بناصيته، اللَّهم أنتَ الأول فليس قبلَكَ
стр. 2228
شَيءٌ، وأنتَ الآخِر فليس بعدَكَ شيءٌ، وأنتَ الظاهر فليسَ فوقَكَ شيءٌ، وأنتَ الباطِنُ فلَيس دُونَكَ شيءٌ، اقضِ عنَّا الدَّين، وأغَنِنَا مِن الفَقْرِ».
وعند أحمد في «مسنده»، والدولابي، والطبراني من حديث أم سلمة ﵂ قالت: جاءت فاطمة فقالت: يا رسُولَ اللهِ، واللهِ لقد مجلَتْ يدَاي من الرَّحى، أطحَنُ مرةً، وأعجِنُ مرَّة ... الحديث، وفي آخره قال ﷺ لها: وإذا صليتِ صلاةَ الصبح، فقولي: لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. عشر مرات بعد صلاة الصبح، وعشر مرات بعد صلاة المغرب، فإن كل واحدة منهن تكتب عشر حسنات، وتحط عشر سيئات، وكل واحدة منهن كعتق رقبة من ولد إسماعيل، ولا يحل لذنب كسب ذلك اليوم أن يدركه إلا أن يكون الشرك، ... لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وهو حرسك، ما بين أن تقوليه غدوة إلى أن تقوليه عشية، من كل شيطان، ومن كل سوء». لفظ أحمد.
سبق تخريج هذه الأحاديث برقم (٥٦)، وانظر أيضاً: الباب الثالث: الحديث رقم (٢٦) من مسند فاطمة.
* * *
стр. 2229
١٠٣. [٢] قال الإمام النسائي ﵀: أخبرنا عبدالرحمن بن محمد بن سلَّام، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: أخبرني عثمان بن مَوْهَب الهاشمي، قال: سمعتُ أنسَ بن مالك ﵁ يقول: قال النبيُّ ﷺ لفاطمة ﵂: «ما يمنعك أن تسمعي ما أُوصيكِ به، أن تقولي إذا أصبحتِ وإذا أمسيتِ: يا حيُّ يا قيومُ برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كلَّه، ولا تَكِلْنِي إلى نفْسِي طَرْفَةَ عَيْن».
[«السنن الكبرى» للنسائي (٩/ ٢١٢) رقم (١٠٣٣٠)]
دراسة الإسناد:
ــ عبدالرحمن بن محمد بن سلَّام بن ناصح البغدادي، أبو القاسم مولى بني هاشم، وقد يُنسب إلى جَدِّه، سكَنَ طَرسُوس.
ثقة.
قال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: لا بأس به. وقال في موضع آخر: ثقة، وكذا وثقه الدارقطني. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: ربما خالف.
قال ابن حجر في «التقريب»: لا بأس به. (١)
стр. 2230
ــ زيد بن الحُباب التميمي العُكْلي الخراساني ثم الكوفي.
صدوق يخطئُ خاصةً في حديث الثوري.
وثَّقَهُ: ابنُ معين، وابنُ المديني، والعجليُّ، والدراقطنيُّ.
وقال أبو حاتم: صدوقٌ صالِح.
وقال الإمام أحمد: كان صدوقاً، وكان يضبط الألفاظ عن معاوية بن صالح، ولكن كان كثيرَ الخطأ.
وقال ابن معين: كان يقلب حديث الثوري، ولم يكن به بأس.
وذكره ابن حبان في الثقات» وقال: (وكان ممن يخطئ، يُعتبر حديثه إذا روى عن المشاهير، وأما روايته عن المجاهيل ففيها المناكير).
قال الذهبي: لم يكن به بأس، قد يَهِم.
وقال ابن حجر: صدوق يخطئ في حديث الثوري. (١)
ــ عثمان بن مَوْهَب الكوفي الهاشمي مولاهم.
مقبول ـ حيثُ يُتابَع وإلا فليِّنُ الحدِيث ـ.
стр. 2231
قال المزي وابن حجر: وليس بعثمان بن عبداللَّه بن موهب. (١)
روى عن: أنس بن مالك ـ عند النسائي في عمل اليوم والليلة وهو هذا الحديث ـ.
تفرَّدَ عنه: زيد بنُ الحباب، قاله: الذهبي والعراقي.
سئل عنه أبو حاتم، فقال: صالح الحديث.
قال ابن حجر في «التقريب»: (روى عن أنس، مقبول، من الخامسة، وهو غَيرُ عثمان بن عبداللَّه بن موهب).
ليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث ـ محل الدراسة ـ. (٢)
стр. 2232
تخريج الحديث:
أخرجه: النسائي في «سننه الكبرى» ـ كما سبق ـ، ومن طريقه: ... [الضياء المقدسي في «المختارة» (٦/ ٣٠١) رقم (٢٣٢٠)]، والضياء المقدسي ـ أيضاً ـ من طريق آخر (٦/ ٣٠١) رقم (٢٣٢١) عن عبدالرحمن بن محمد بن سلام.
ــ وابن أبي الدنيا في «الدعاء» ـ كما في «إتحاف السادة المتقين» للزبيدي (٥/ ٦٦) ـ، ومن طريق ابنِ أبي الدنيا: [الحاكم في «المستدرك» ... (١/ ٧٣٠) رقم (٢٠٠٠)، وعن الحاكم: البيهقي في «الأسماء والصفات» ... (١/ ٢٨٥) رقم (٢١٣)، ومن طريق الحاكم: الضياء المقدسي في ... «الأحاديث المختارة» (٦/ ٣٠١) رقم (٢٣٢٢)] عن الحسن بن الصبَّاح.
ــ والبزار في «البحر الزخار» (١٣/ ٤٩) رقم (٦٣٦٨)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (ص ٤٨) رقم (٤٨)، والضياء المقدسي في ... «المختارة» (٦/ ٣٠٠) رقم (٢٣١٩)، ومن طريقه: [ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ٤٠٧)] عن سلمة بن شبيب.
ــ والخرائطي في «مكارم الأخلاق» ـ ط. الفاروق ـ (٤/ ٢٠٢) رقم ... (١٠٥٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٢١٢) رقم (٧٤٦) من طريق الحسن بن علي الحلواني.
стр. 2233
ــ وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (ص ٤٨) رقم (٤٨) من طريق هارون بن عبداللَّه.
ــ وابن عدي في «الكامل» (٤/ ٣٢٨) (١)، ومن طريقه: [البيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٢١٢) رقم (٧٤٥)] عن ابن صاعد، عن أبي هاشم الرفاعي.
ــ والحاكم في «فضائل فاطمة» (ص ١٣٥) رقم (١٩٩) من طريق إسحاق بن إبراهيم الصفار.
سبعتهم: (عبدالرحمن بن محمد بن سلام، والحسن بن الصباح، وسلمة بن شبيب، والحسن الحلواني، وهارون بن عبداللَّه، وأبو هاشم الرفاعي، وإسحاق الصفار) عن زيد بن الحباب، عن عثمان بن موهب (٢) الهاشمي
стр. 2234
مولاهم، عن أنس بن مالك ﵁.
وقد أخرجه المعمري في «عمل اليوم والليلة» من طريق زيد بن الحباب ـ كما في «نتائج الأفكار» لابن حجر (٢/ ٤٠٧ ـ ٤٠٨) ـ.
ــ حديث سلمة بن شبيب عند ابن السني: (ياحي ياقيوم برحمتك أستغيث). وليس فيه الزيادة، وذكر أنها جاءت في حديث هارون بن عبداللَّه.
وجاء عند البيهقي في «الشعب» (٢/ ٢١٢) بعد ذكر الحديث قوله: ... (قال زيد: وكان مسعر يسألني عن هذا الحديث ... ).
أقوال الأئمة:
قال البزار عقب الحديث: (وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أنس إلا من هذا الوجه، بهذا الإسناد).
وقال الحاكم: (حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه).
قلت: بناءً على أنَّ عثمانَ هو ابن عبداللَّه بن موهب ـ من رجال
стр. 2235
الشيخين ـ والصواب أنه غيره من رجال النسائي فقط.
وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٤٥٧): (رواه النسائي والبزار بإسناد صحيح، والحاكم، وقال صحيح على شرطهما).
وقال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ٤٠٧): هذا حديث حسن غريب.
وصحح إسنادَه الألبانيُّ في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١/ ٤٤٩) رقم (٢٢٧).
وقد روي من وجه آخر ــ وفيه قصة ــ:
أخرج: ابن حبان في «الثقات» (٦/ ٣٩٨)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٤/ ٤٣) رقم (٣٥٦٥)، وفي «المعجم الصغير» (١/ ٢٧٠) رقم (٤٤٤)، وفي «الدعاء» (٢/ ١٢١١) رقم (١٠٤٦) من طريق نصر بن علي الجهضمي (١)، قال: حدثنا سلمة بن حرب بن
زياد الكلابي (٢)، قال: حدثني
стр. 2236
أبو مدرك (١) قال: حدثني أنس ﵁ قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في المسجد، حتى إذا طلعت الشمس، خرجَ رسول اللَّه ﷺ واتَّبَعْتُهُ فقال: «انطلِقْ بنا حتى ندْخُلَ على فاطمة بنت محمد ﷺ » فدخل عليها، فإذا هي نائمةٌ مُضطجعةٌ، فقال: «يا فاطمة، ما ينيمك في هذه الساعة»؟
قالت: ما زلت منذ البارحة محمومة قال: «فأين الدعاء الذي علَّمْتُكِ»؟ قالت: نسيته.
قال: «قولي: يا حيُّ، يا قيومُ، بِرحمتِكَ أستغيثُ، أصلِحْ لي شأني كلَّه، ولا تكِلْني إلى أحدٍ من الناس، ولا إلى نفسي طرفةَ عَين».
لفظ الطبراني. وذكر ابن حبان طرَفَه الأخير وهو الذِّكْرُ.
قال الطبراني: (لا يروى هذا الحديث عن أنس إلا بهذا الإسناد تفرَّدَ به: نصرُ بنُ علي).
وهذا ضعيف جداً، لجهالة أبي مدرك، وتلميذه.
стр. 2237
وقد روي مِن وجه آخر ــ دون ذكر الشاهد ــ:
أخرجه: الترمذي في «جامعه» (ص ٥٥٤)، كتاب الدعوات، باب رقم (٩١)، حديث رقم (٣٥٢٤)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» ... (ص ٢٩٩) رقم (٣٣٧) من طريق أبي بدر شجاع بن الوليد (١)، عن الرُّحَيل بن معاوية ـ أخي زهير بن معاوية ـ (٢)، عن يزيد الرَّقَاشي (٣)، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا كَرَبَهُ أمْرٌ قال: «يا حيُّ يا قيومُ برحمتِكَ أستغيثُ».
وهذا ضعيف، لضعف الرقاشي، وليس فيه الشاهد: تعليم فاطمة، وفيه أنَّ الذِّكْرَ عند الكَرب وليس مِن أذكار الصباح والمساء.
وقد أوردَه الألبانيُّ في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٧/ ٥٥٦) رقم (٣١٨٢). (٤)
стр. 2238
وقد روي من حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: ذكر الشاهد:
قال الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (٨/ ٥٨٣): أخبرنا القاضي أبو الحسن محمد بن علي بن محمد بن الطيب (١) وأبو الحسين أحمد بن عمر بن روح النهرواني (٢)، قالا: أخبرنا عبيداللَّه بن عبد الرحمن الزهري (٣)، قال: حدثنا الحسين بن سعيد بن سابور النجاد أبو موسى (٤)، قال: حدثنا محمد بن
стр. 2239
عبد اللَّه المُخرِّمي (١)، قال: حدثنا روح بن عُبادة (٢)، عن شعبة (٣)، عن محمد بن جُحَادة (٤)، عن أبي حازم (٥)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لابنته فاطمة ﵂: «يا فاطمة ما لي لا أسمَعُكِ بالغَداةِ والعَشِيِّ تقُولين: يا حيُّ يا قيومُ، برحمتِكَ أستَغِيثُ، أصلِحْ لي شَأني كُلَّهُ، ولَا تَكِلْنِي إلى نَفْسي».
وهذا الحديث منكر، تفرَّد به الحسين بن سعيد، وهو مجهول الحال.
لم أجده عند غير الخطيب، وقد عزاه المتقي الهندي في «كنز العمال» ... (٢/ ١٦٩) رقم (٣٦٠٦) إلى الخطيب فقط. (٦)
стр. 2240
الحكم على الحديث:
الحديث ــ محل الدراسة ـ بذكر الشاهد: تعليم فاطمة، ضعيف؛ لضعف عثمان، وتفرُّده، حيث لم أجد له متابعاً، وقد تفرد بالرواية عنه زيد بن الحباب وهو صدوق يخطئ، ومثل هذا الحديث في ذكر طرَفَي النهار، وفيه تعليم فاطمة ﵂ لابد أن يُنقل من طُرق ويشتهر، ويرويه أصحاب أنس بن مالك ﵁ المشاهير الثقات، وهذا ما لم يُنقل.
وشاهدُه من حديث أبي هريرة: منكر.
وقد يقال بتحسين الحديث لحكم أبي حاتم الرازي على عثمان بن موهَب بأنه صالح، وإخراج النسائي له، وهما مَن عرف عنهما التشدد في الرجال ـ كما ستأتي الإشارة إليهما في الباب الثالث: مسند فاطمة، حديث رقم (٣٢) ـ.
أما أصل الذكر دون تحديده في طرفي النهار فقد جاء من حديث أنس عند الترمذي كما سبق ـ وفيه ضعف ـ، وله شاهد، قد يتقوَّى به.
* * *
стр. 2241
١٠٢. [٣] قال الإمام أحمد ﵀: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا همَّام، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثني زيد بنُ سلَّام، أن جدَّه حدَّثَه، أنَّ أبا أسماء حدَّثه، أنَّ ثوبانَ مولى رسول اللهِ ﷺ حدَّثَه: أنَّ ابنَةَ هُبَيْرَةَ (١) دخَلَتْ عَلى رسُولِ اللهِ ﷺ وفِي يَدِهَا خَواتِيمُ مِنْ ذهَبٍ، يقال لها الفَتْخَ، فجعَلَ رسولُ اللهِ ﷺ يقرَعُ يدَهَا بعصَيَّةٍ معَه يقول لها: «أيسرُّكِ أن يجعلَ اللهُ في يدِكِ خَواتِيم مِنْ نَار»؟ !
فأتَتْ فاطمةَ فشكَتْ إليها ما صنَعَ بها رسُولُ اللهِ ﷺ قال: وانطلَقَتُ أنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ فقامَ خلفَ الباب، وكان إذا استَأذَنَ قامَ خَلْفَ الباب، قال: فقالت لها فاطمة: انظري إلى هذه السِّلْسِلَةِ التي أهداها إليَّ أبُو حَسن.
قال: وفي يدِهَا سِلسِلَةٌ من ذَهَبٍ، فدَخَلَ النبيُّ ﷺ فقال: «يَا فاطمةُ بالعدل أن يقولَ الناسُ: فاطمةُ بنتُ محمد، وفي يَدِكِ سِلْسِلَةٌ مِن نَار»؟ ! ثمَّ عَذَمَها عَذْمَاً شَدِيْدَاً، ثم خرَجَ ولَمْ يقْعُدْ،
стр. 2242
فأمَرَتْ بالسِّلْسِلَةِ فبِيْعَتْ، فاشْتَرَتْ بثَمَنِهَا عَبْدَاً، فأعْتَقَتْهُ، فَلَمَّا سَمِعَ بذلكَ النبيُّ ﷺ كبَّر، وقال: «الحمْدُ للهِ الذِي نَجَّى فَاطمَةَ مِنْ النَّارِ».
[«المسند» للإمام أحمد (٣٧/ ٨٣) رقم (٢٢٣٩٨)]
دراسة الإسناد:
ــ عبدالصمد بن عبدالوارث بن سعيد التميمي العنبري مولاهم.
ثِقةٌ. (١)
ــ همَّام بن يحيى بن دينار العوْذي مولاهم، أبو عبداللَّه الأزدي، ويقال: أبو بكر البصري.
ثقة، وله أوهام يسيرة إذا حدَّث من حفظه، وكتابه أضبط، وهو مقدَّم في قتادة، ويحيى بن أبي كثير.
وثَّقَهُ: ابنُ سعد وزاد: (ربما غلط في الحديث)، وابنُ معين، وابنُ المديني، والإمامُ أحمد، ويزيدُ بنُ هارون، وابنُ مهدي، والعجليُّ، وأبو حاتم وزاد: (صدوق في حفظه شئ)، ووثَّقُهُ غيرُهم. وذكره ابن حبان في ... «الثقات».
стр. 2243
توسَّطَ فيه بعضهم:
قال أبو زرعة: لا بأس به. وذكر أبو حاتم أنه ضابط لكتابه، ويهِم إذا حدَّث مِن حفظه.
ومثلُه قولُ يزيد بنُ زريع: همام حِفْظُه ردئ، وكتابُه صالح.
وقال الساجي: صدوقٌ سئُ الحفظ، ما حدَّثَ من كتابه فهو صالح، وما حدَّث من حفظه فليس بشيء.
تَرَكَهُ يحيى القطان:
قال ابن مهدي: إذا حدَّث همام من كتابه فهو صحيح، وكان يحيى ـ أي ابن سعيد القطان ـ لا يرضى كتابَه ولا حفظَه.
وذكر الأئمةُ أنَّ يحيى القطان سئُ الرأي فيه جداً، وكان لا يعبأ بحديثه، ولا يَستَمْرئِهُ.
وسبب ذلك، قيل:
١. ماذكره ابنُ عدي عن الإمام أحمد قوله: شهد يحيى بن سعيد في حداثته شهادة، وكان همام على العدالة. يعني وأنَّ هماماً لم يعدِّلْه، فتكلَّم فيه يحيى لهذا.
٢. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن مهدي: ظلمَ يحيى بنُ سعيد همامَ بنَ يحيى، لم يكن له به علم، ولا مجالسة.
وأشار الذهبي في «السير» إلى احتمال أن يحيى تغيَّر رأيه بأخرة في همام.
стр. 2244
هذا وقد ذكر سبب خطئه ووهمه في الحديث:
ونقل العقيلي عن الحسن بن علي الحلواني قال: سمعت عفَّان قال: كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابِه ولا ينظر فيه، وكان يخالَف فلا يَرجع إلى كتابِه، وكان يكره ذلك، قال: ثمَّ رجعَ بعْدُ فنَظَرَ في كُتُبِهِ، فقال: يا عفان كنا نخطئ كثيراً فاستغفرُ اللَّهَ.
علَّق على ذلك ابنُ حجر بقوله: (وهذا يقتضي أنَّ حديثَ همام بأخرة أصحُّ ممن سمع منه قديماً، وقد نصَّ على ذلك أحمد بن حنبل).
هذا، وقد قال صالح ابنُ الإمام أحمد عن أبيه: همام ثبتٌ في كل المشايخ.
وقد قدَّمَه الأئمة في حديث قتادة، ويحيى بن أبي كثير.
قال ابن عدي: (وهمام أشهر وأصدق من أن يُذكر له حديث منكر، وأحاديثه مستقيمة عن قتادة، وهو مقدَّم أيضاً في يحى بن أبي كثير، وعامة ما يرويه مستقيم).
قال الذهبي في «الميزان»، و «مَن تُكُلِّمَ فيه وهو موثَّق أو صالح الحديث»: ثقة.
وقال في «تاريخ الإسلام»: (أثنى عليه غير واحد، وكان أحد أركان الحديث في البصرة).
وفي «السير»: الإمام الحافظ الصدوق الحجة.
стр. 2245
وقال ابن حجر: ثِقةٌ، ربما وهِم.
(ت ١٦٣ هـ) وقيل: (١٦٤ هـ).
روى له الجماعة. (١)
ــ يحيى بن أبي كثير أبو نصْر اليمامي.
ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، لكِنَّه يُدَلِّسُ، وَيُرْسِلُ.
أورده ابن حجر في المرتبة الثانية من مراتب المدلِّسين، وهم: مَنْ احتمل الأئمة تدليسَه، وأخرجوا له في الصحيح؛ لإمامته، وقِلَّةِ تدليسِه في جنب ما روى، أو كان لايُدلِّس إلاعن ثِقَةٍ. (٢)