← Тараджим

Тараджим · id 50

فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - سيرتها، فضائلها، مسندها - رضي الله عنها -

إبراهيم بن عبد الله المديهش

Полный текст (3 488 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ثالثا: فاطمة ﵂ في كتب المستشرقين . (١)

стр. 422

من كتابات المستشرقين المفردة (١) عن فاطمة ﵂ -: ١. «فاطمة بنت الرسول» لويس ماسينيون (ت ١٣٨٢ هـ/ ١٩٦٢ م) فرنسا، باريس، مجلة عالم الأخلاق ـ إيرانوس، نشر باللغة العربية ١٣٥٧ هـ/ ١٩٣٨ م. ٢. مقال «فاطمة وبنات محمد» تعليقات نقدية لدراسة السيرة، لهنري دي كاستري (ت ١٣٤٦ هـ/ ١٩٢٧ م) مجلة روما في إيطاليا، المقال باللغة العربية ١٣٣٠ هـ/ ١٩١٢ م. (٢) هذا، وقد فرح المستشرقون النصارى بما افتعلَتْهُ الرافضةُ من

стр. 423

الأحاديث المكذوبة على آلِ البيت وفاطمة ﵃؛ فاعتَمَدُوا عليها، وبَنَوا عليها استنتاجَاتٍ وأوهَامَاً، وما بُنيَ عَلى بَاطِلِ فهُوَ بَاطِلٌ. ذكَروا أنَّ الأحاديث الواردة في آلِ البيت وفي فاطمة إنما هي بأَخَرَةٍ مِن وضْعِ الشيعة. وذكروا أنَّ تأخُرَ زواجِ فاطمةَ؛ دالٌّ على عدم الرغبة فيها، لقلة جمالها ... و ... إلخ وأشاروا ــ دون تمييز ـ إلى أنَّ لفاطمةَ هالةً وقَدَاسةً، وقد أُضفِيَ عليها مناقبُ ومزايا كثيرة، رغم عدم شهرتها والاهتمام بها في سنوات الإسلام الأولى! ! (١) قلت: هكذا قالوا ـ دون تمييز بين ما ذُكِر عن فاطمة عند المسلمين أهلِ السنة والجماعة، أو عندَ الصوفية البدعية الخرافية، أو عند الرافضة، ... أو الإسماعيلية! ! فوضعوا الجميعَ في مربَّعٍ وَاحدٍ، وذهبوا يبحثون عن حقيقيةِ فاطمة؟ ! وذكروا أنَّ اثنين من المستشرقين: هنري لامنس، ولويس ماسينون، قدَّما دراستين متناقضتين عن فاطمة (٢)

стр. 424

الأول: «لامنس» أعطى صورة غير مشرقة عن فاطمة، وأنها مهملة، لايقدِّرُها والدُها .. إلخ، ثم ردوا عليه باختصار، ونقلوا من أحمد أمين في كتابه «فجر الإسلام» كلاماً عن علاقة النبي ﷺ الحميمية بفاطمة. والثاني: «ماسينون» أعطى صورةً طيبةً عن فاطمة، إذْ رفعها مكاناً عَلِيَّاً، فجعلها عند المسلمين (١)، كما مريم عند النصارى! ! ويذكر ماسينون أنها: (امرأةٌ لم تحظ إمكاناتها الروحية بالتقدير الكافي أثناء حياتها، وأنها امرأة انتقلت إليها بعض خصائص روح أبيها. (٢) إنها ربَّة بيت النبوة الذي هو خيمة الكرم والفضل. إنها مُضَيِّفة عُتقاء النبي [ ﷺ ] والذين تحولوا للإسلام من غير العرب، لذا فهي تمثِّل بداية عالمية الإسلام ... ثم أحالوا إلى مراجع من أقواله. (٣) وقال المستشرقون تعقيباً على ماسينون: (إنَّ هذا التفسير لشخصية فاطمة سيُرضي ـ بدون شك ـ ذوي النزعات الصوفية والباطنية (٤) الذين

стр. 425

يعيشون فى عالم من الوَجْد الديني، حيث يُفضِّلون خوض التجارب الدينية غير العادية، بل إنَّ هذا التفسير قد يُرضي الدارسين المهتمين بالقضايا الدينية؛ لأنه يُقدِّم لنا توضيحاً دينياً نفسيَّاً «سيكولوجيا» لأصل تطور الأفكار الأسطورية المتعلقة بابنة النبى [ ﷺ ]، كما أن هذا التفسير يُعَدُّ بمثابة جِسْر أو رابط بين الحقيقة التاريخية والأسطورة الشعبية، وهو ما فَشِلَ لامانس فى تقديمه، لكننا لا يمكن أن نهرب من اعتراضات المؤرِّخين على منهج ماسينون التفسيري هذا، على اعتبار أنه قد أخضع الحقائق للعقائد التى تحَّلقَتْ حول فاطمة، والتي لم تظهر إلا مؤخَّراً). (١) وقد انتبه بعضُ المستشرقين إلى الغلو والأساطير المفتعلة من الرافضة ، فقالوا: (وفي هذا المقالِ سَنذكرُ بعضَ الحقائق التي قد تبدو غيرَ مهمَّةٍ، لكنَّها في الواقع تُمثِّل تَطَوُّرَاً غيرَ مُتَوقَّعٍ للعقائد المتحَلِّقَةِ حَولَ فاطمة خاصةً بين الشيعة (٢)، فعُرسُ فاطمةَ أو جَهازَ عُرْسِهَا أصبح ــ على سبيل المثال ـ موضوعاً للمسرحيَّات الدينية الفارسية، بالإضافة لِطُقوسِ «التعزية»، ... أو «التعازي» المشهورة لديهم). (٣)

стр. 426

ثم عرضوا سيرة فاطمة ﵂ معتمدين ـ كما ذكروا ـ على: ... «الأنساب» للبلاذري، و «الطبقات» لابن سعد، و «الكتب الستة»، وعَرْضُهُم مُوجَزٌ جداً، بأسلوب رَكِيكٍ، وفَهْمٍ سَقِيمٍ، وفيه أخطاء وأوهام. بدأوا بذِكْرِ وِلادَتِها، وتَرتيبِها بين أخَواتِها، وهِجْرَتها، وخِطْبَتِها، وزواجِها، وأولادِها، وحياتِها مع زَوجِها، والخلافات الزوجية، وبعضِ الأحداث في حياة النبي ﷺ التي كانَتْ فاطمةُ طرفاً فيها. وذكروا أنَّ أهل البيت خمسة منهم: فاطمة. وذكروا موقفَ فاطمةَ أثناء مَرضِ النبي ﷺ ، وفاطمةَ بعد وفاة النبي ﷺ ، وطلبَها الميراث، ومَرَضَها ووفاتِها. وذكروا صفاتَ فاطمة، وفاطمةَ في الأساطير ـ صرَّحُوا باعتمادِهم على ثلاثةِ كُتُبٍ رافضية متقدِّمَةٍ ـ، وذكروا فاطمةَ في العبادات المعاصرة عند الرافضة، وفاطمةَ عند الإسماعيلية، ثم ذكروا حَدِيثاً عن الفاطميين نَسبَهُم وتَاريخَهُم.

стр. 427

من الأخطاء التي وقعوا فيها، والمعلومات التي ليس لها أصل: (١) ــ «موجز دائرة المعارف الإسلامية» (٢٥/ ٧٧١٣) ذكروا أنَّ النبيَّ ﷺ قدَّم لابنته وزوجها بعض عذوق! (أفرع) من أعشاب عطرية. قلت: لا أعلم مستند ذلك. ــ (٢٥/ ٧٧١٣) ذكروا أن علياً بنى بعد الزواج داراً غير بعيدة عن دار النبي ﷺ ، لكن فاطمة كانت راغبة في أن تكون دارها أقرب ما تكون لدار أبيها، فقدَّم لهما الحارثةُ بن النعمان ـ وهو رَجُلٌ من أهل المدينة ـ دارَه. قلت: ذكرتُ هذه المسألة في موضعها في الكتاب، لكن لم يَبنِ عليٌّ داراً، ولم تطلب فاطمة، وإنما طلب النبي ﷺ أن يحوِّلها إليه، وأسكنها داراً من دور حارثة. ــ (٢٥/ ٧٧١٤) عُرِضَ على عليِّ أن يتزوج ابنة أبي جهل، وأبو جهل هو: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي. فخطب النبي ﷺ وقال ما قال معترضاً .. ذكر المستشرقون أنهما امرأتان: واحدة بنت أبي جهل، والثانية: بنتٌ

стр. 428

من بني هاشم بن المغيرة. وهذا خطأ. ــ (٢٥/ ٧٧١٤) قالوا: (لم يكن عليٌّ وفاطمة يعيشان في وفاق دائم، وكان عليٌّ يُعامل فاطمة بالغلظة فكانت تشكوه لأبيها، وكان البشر يعلو وجه الرسول [ ﷺ ] عندما يُوفِّق بينهما. لكن حدثَتْ مشكلة ذات خطر حقيقي عندما عرَض بنو هشام بن المغيرة ... ). قلت: كانا ـ في علاقتهما الزوجية ـ مِثْلَ الناس، الأصل بينهما الوفاق والمحبة، وكان عليٌّ مغتبطاً بابنة رسول الله ﷺ ، والخلافات بينهما طبعية وهي عارضة، كما كانت الخلافات العارضة في بيوت النبي ﷺ . وقولهم: بأنه كان يعاملها بالغلظة، غير صحيح، وليس له مستند. ــ (٢٥/ ٧٧١٤) ذكروا أن علياً كُني بأبي تراب، لأنه لما خرج بعد نزاع من فاطمة، وضع التراب على رأسه! ! قلت: غير صحيح، وإنْ ذُكر عند ابن إسحاق بلا إسناد. والصحيح: أنه نام على الأرض وأصاب رأسه التراب، فعلق به شئ منه، ولم يضع هو التراب على رأسه! ! وانظر في ذلك: الباب الأول: الفصل الثالث، المبحث الرابع: وقوع المغاضبة بين فاطمة وعلي ﵄.

стр. 429

ــ (٢٥/ ٧٧١٥) طلب أبو سفيان من فاطمة أن تشفع لهم قُبيل «فتح مكة» قالوا: وكان هذا الطلب وجَيشُ الرسولِ مُحيطٌ بمكة! ! قلت: ليس بصحيح. بل كان في المدينة، لم يتحرك بعد. ــ (٢٥/ ٧٧١٥) قالوا: (ذهبت لمكة بعد الفتح، فطلب منها ... أبو سفيان أن تهبه حمايتها ـ أن تجيره ـ لكنها رفضت، ونهت طفلها عن فعل ذلك، لأن النبي [ ﷺ ] رفض أن يجيره أحد). قلت: هذا غير صحيح، فهذا كان في المدينة، حينما طلب الشفاعة من أبي بكر، وعمر، ثم فاطمة ... وليس في مكة. وقد نبَّه الأساتذة مخرجو الكتاب على هذا الخطأ. ــ (٢٥/ ٧٧١٦) قالوا: (قامت فاطمة وزوجها وأبناؤها بِدَورٍ مهم في «المباهلة»، ذلك الحدَث الذي أصبح له صدى عظيم بين الشيعة). قلت: ما قاموا بشئ! ! بَاهَلَ بهم النبي ﷺ فأين العمل الذي قاموا به؟ ! ــ (٢٥/ ٧٧١٦) قالوا: (أهل البيت خمسة منهم فاطمة). قلت: آل البيت ليسوا خمسة فقط، والخمسة من أقرب آل البيت. ــ (٢٥/ ٧٧١٧) قالوا عن قرابات النبي ﷺ : ( ... بل وامتدت لتدعيها جماعات من المجتمع كالأنصار مثلاً، والحقيقة أنها امتدت لتشمل المجتمع كله). قلت: هذا كذب مفترى.

стр. 430

ــ (٢٥/ ٧٧١٩) قالوا: (وظل الشيعة لعدة قرون يناقشون أحقية فاطمة فى «فدك»). قلت: بل لا زالوا، ولن يزالوا؛ لأنها من أركان دينهم. ــ (٢٥/ ٧٧٢٠) قالوا عن اغتسالها قُبيل موتها: (وكفَّنَتْ بَدَنَها بعباءات خشنة). قلت: وصف «الخشنة» لم أعلم مستنده، مع أنه لا يصح في الموضوع شئ. ــ (٢٥/ ٧٧٢٠) قالوا: (وطلَبَتْ من أسماء بنت عُميس أرملة جعفر بن أبي طالب التي ساعدتها فى الغسل وفي تكفين نفسها .. ). قلت: أسماء في ذلك الوقت ليست أرملة جعفر، بل زوجاً لأبي بكر الصديق ﵃. ــ (٢٥/ ٧٧٢٠) قالوا: (فَوِفْقَاً لما ذكره اليعقوبي فإنها وبَّخَتْ بِعُنْفٍ كُلَّ مَن عادَها من زوجات الرسولِ ونساءِ قريش، وأوصَتْ أسماء بنتَ عُمَيس بمنع عائشة من الدخول .. ). قلت: هذه معلومات رافضية مكذوبة. ــ (٢٥/ ٧٧٢١) تكلموا عن لقب فاطمة «أم أبيها» واستظهروا أن منشأه من الشيعة، وقالوا: (وقد لفَتَ المستشرقُ: ماسينون الأنظارَ إلى وجود صِلَةٍ بين عقيدة المسيحيين فى مريم باعتبارها ـ أم الرب ـ، وعقيدة بعض

стр. 431

المسلمين في فاطمة ـ أم أبيها ـ فالكنيتان متناظرتان). قلت: مريم امرأة من البشر، وعيسى عبدُالله ورسولُه، وكذا فاطمة ووالدها النبي ﷺ ، فأي صلة في عقيدة المسلمين، وعقيدة النصارى الباطلة! ! والكنية «أم أبيها»: محدثة جديدة ـ كما سيأتي بيانها في موضعها ـ. ــ (٢٥/ ٧٧٢١) قالوا: (ومِن المؤكَّدِ أنَّ فاطمة لم تكن جميلةً؛ لأن المصادر سكَتَتْ عن منظرها، بينما تحدَّثَتْ عَن جمالِ أختها رقية، واكتفت ـ أي المصادر ـ بأن ذكرَتْ أنَّ مِشْيَتَهَا كانت تُشْبِهُ مِشْيَةَ أبيها). قلت: هذه وقاحة وجهل كبير، فليس في كتب المسلمين وصفٌ لملامح النساء الصحابيات ولا غيرهن، لأنَّ الله قد فرَضَ الحجاب على نساء المؤمنين، والحجابُ سَتْرُ الوجه كُلِّه، مع نقاب للنَّظَرِ إنْ أرادَتْ. ثم أين ذُكِرَ وَصْفُ زَينَب؟ ! وهذه المعلومة ــ كما سيأتي ـ أكثر مَن ذكَرَهَا المستشرق: لامنس. علَّق الأساتذة مترجمو «موجز دائرة المعارف» ـ جزاهم الله خيراً ـ على الجهل السابق بقولهم: (لا مجال في الواقع لتأكيد ذلك أو نفيِه، ولا مبرر للخوض فيه، لكن المصادر على أية حال مجمِعَةٌ على وسَامَةِ ... النبيِّ ﷺ ، وجمالِ خديجة ﵂، كما أنَّ الجمالَ نِسْبِيٌّ، ومَا دامَ

стр. 432

عليٌّ ـ كرَّمَ الله وجهَهُ ـ قدْ رَضِيَ بِها، وأحبَّها، فما دخلُ الأستاذُ ... المستَشْرِق)؟ ! ــ (٢٥/ ٧٧٢٢) قالوا: (ولا يمكن وصفها بأنها امرأة واهنة مريضة، كما ذهب لامنس؛ اعتمادَاً على حديثين، لابُدَّ أنهما قِيلا في ظروفٍ خاصة، فهناك حقائق أخرى تُفِيدُ عكس ما ذكرَهُ لامنس، فقد كانت ولودَاً أنجبَتْ خمسَاً، كما كانت تقوم بأعمال بيتها بنفسها، وقامَت برحلَتَيْنِ إلى مكة. كل ذلك يشير إلى أنها كانت صحيحة البدن. وتشير كل الوقائع إلى أنَّها كانت امرأةً صَبُورَةً دؤوبَةً تعمَلُ بِجِدٍّ، وأنها كانت تَجِدُ مُتْعَةً في مُسَاعَدَةِ الآخرين ... ). قلت: لم يرد شئ في كتب المسلمين عن الوهن والمرض والضعف والهزال الذي يدعيه المستشرقون، ومَن أخذَ منهم. وقد ذهبَتْ إلى مكة ثلاث مرات: عمرة القضية، وفتح مكة، وحجة الوداع. وقوله: «تجد متعة في مساعدة الآخرين»: لا أعرف مستنداً لذلك، ومِن أين أخذها؟ ــ (٢٥/ ٧٧٢٢) ذكروا أن فاطمة لم تكن تميل لعائشة كثيراً. قلت: هذا محض كَذِبٍ وادِّعاء، وفي كتابي هذا تفصيل عن هذا الموضوع.

стр. 433

ــ (٢٥/ ٧٧٢٢) قالوا: (فاطمة في الأساطير: لا توجد دراسات متكاملة عن هذا الموضوع، ومِن ثَمَّ فقد ألزمنا أنفسَنَا بالاعتماد على ثلاثة أعمال شيعية باكرة، خَصَّصَ كلُّ منها فصولاً لابنةِ النبيِّ ... [ ﷺ ]، ومؤلِّفُو هذه الأعمال هم: ١. ابن رستم الطبري، الذي عاش ـ وِفْقَاً لما ذكره محرر كتابه «دلائل الإمامة» ـ في القرن الرابع الهجرى ــ العاشر الميلادي ـ. ٢. الحسين بن عبد الوهاب، الذي بدأ فى كتابةِ كتَابِهِ في سنة ... (٤٤٨ هـ/ ١٠٥٦ ـ ١٠٥٧ م)، وهو الكتاب الذى اعتمَدْنَا عليه في نقل بعض القصص عن فاطمة، تختلف اختلافَاً بَيِّنَاً عما ذكرتْهُ المصادر الأخرى، وكان كتابُه هذا مَصدرَاً مِن مصادر المجلِسِي في كتابه «بحار الأنوار»، والبحراني في كتابِه «مدينة المعاجز». ٣. ابن شهراشوب المتوفى (سنة ٥٨٨ هـ/ ١١٩٢ م) الذي ألَّفَ ثلاثةَ كُتُبٍ، يُعتَبَرُ كتابُ «مناقب آل أبي طالب» أوفاها، وأكثرَهَا تفصِيلاً). قلت: أعجبني وصفها بالأساطير، ثم إن إيراد الأساطير عن فاطمة من كتب الرافضة، تبلغ مجلدات كثيرة، مليئة بالغرائب والعجائب التي ينكرها العقل المريض فضلاً عن الصحيح، ولا يقبلها إلا العقل الميت، حتى بلغت

стр. 434

بعض الأساطير إلى النهاية فانعكست لتصبح ذماً لفاطمة، وزوجها ﵄. وقولهم: «لا توجد دراسات متكاملة»، أقول: جاء بعدها كتاب «الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء» لرافضي معاصر ... ـ سبق ذكره ونقده ـ. * * * هذا، وإنَّ أشهر مستشرق تحدث عن فاطمة ﵂ المستشرق شديد الحقد والافتراء: هنري لامَّنس ألَّف كتاباً بعنوان: ... «فاطمة وبنات النبي» (١) ﷺ ولامَّنس هذا بلجيكي المولد، فرنسي الجنسية. ولد سنة (١٢٧٨ هـ)، ... وتوفي في بيروت سنة (١٣٥٦ هـ)، مستشرق نصراني راهب، استَقَرَّ في بيروت، وأنشأ «جريدة البشير»، ودرَّس في كلية للنصارى، وهو من محرِّري «دائرة المعارف الإسلامية» (٢) حرَّر في الطبعة الأولى من الدائرة (٣٩) مادةً

стр. 435

متنوعة، كثير منها عن: الشام، والسيرة، وتراجم الصحابة. وقد ظهر شدة حقدِهِ على النبيِّ ﷺ واضحاً جلياً، وهو يعتبر من أخطر المستشرقين، شديد التعصب ضد الإسلام وأهله وتاريخه وعلومه، كثير الكذب والتزوير، والطعن في الإسلام ونبينا محمد ﷺ والصحابة بكلام لا يستطيع المسلم قراءته. وصنَّف كتباً بالعربية والفرنسية، منها: «فرائد اللغة»، وكتباً عن سوريا ولبنان. ومن مؤلفاته: «فاطمة وبنات محمد» ط. في بيروت (١٣٣٠ هـ/ ١٩١٢ م)، وكتاب: «حياة محمد» ﷺ امتلأ خبثاً وكذباً، لم توافق الفاتيكان على نشره، خشيةَ إغضاب المسلمين. وقد وَصفَهُ بالتعصُّبِ بعضُ إخوانِه من المستشرقين، وعدَلُوا عن كُتُبِهِ لِعِلْمِهم بتزويره وكَذِبِه، مثل: بيكرودسو، وبومبين، وماسيه. ومما قال فاييت أثناء نعي لامَّنس: (إنه من الصعب أن نقبل كتاب ... «فاطمة وبنات محمد» في ثقةٍ ودون تحفُّظٍ، فإنَّ التعصبَ والاتجاهَ العدواني يسُودَانِه إلى حَدِّ كبير).

стр. 436

ذكر الأستاذ: محمد كُرد علي ﵀ أنَّ لامَّنس نشر أخطاءَه في «دائرة المعارف الإسلامية»، ومِن عمَلِه: تحريف آيات القرآن، وحذف ما لايروق له من كتب المسلمين ... وتحريف الأحاديث النبوية، وإيراد الخرافات والموضوعات. قال عنه د. عبدالرحمن بدوي ﵀: (وأبشعُ ما فعلَه، خصوصاً في كتابه: «فاطمة وبنات محمد» هو أنه كان يشير في الهوامش إلى مراجع بصفحاتها، وقد راجعتُ معظمَ هذه الإشارات في الكتب التي أحال إليها، فوجدتُ أنه إما أن يشير إلى مواضع غير موجودة إطلاقاً في هذه الكتب، ... أو يَفهمَ النصَّ مُلتوياً خبيثاً، أو يستخرج إلزامات بتعسف شديد يدل على فساد الذهن وخُبثِ النية. ولهذا ينبغي ألا يعتمد القارئُ على إشاراته إلى مَراجع، فإنَّ معظمها تمويهُ وكَذبٌ وتَعسُّفٌ في فهم النصوص. ولا أعرف باحثاً من بين المستشرقين المحْدَثين قد بلغ هذه المرتبة من التضليلِ وفسادِ النية). (١)

стр. 437

وجاء في «دائرة المعارف الإسلامية» التي ألَّفها مجموعة من المستشرقين نقلهم وصف المستشرق لامَّنس عن فاطمة ﵂: (بأنها امرأةٌ غير جذَّابَة، ذات ذكاء متوسط، مهملة تماماً، لايقدرها أبوها النبي ... [ ﷺ ] إلا قليلاً، ويُعاملها زوجُها عليٌّ معاملةً سيئة، وكانت مصابةً بفقر الدم، تعاني المرض في غالب أيامها، نزَّاعةً للبكاء، وربما تكون قد ماتت بداء السِّلِّ). (١) ولأنه شديد الكذب والافتراء ردَّ عليه بنو مذهبه وقومه ــ كما سبق ـ، وبيَّنوا خطأ كلامه، لكنهم وافقوه على أنها ليست جميلة! ! وسيأتي الردُّ على كذبهم هذا في موضعه في الباب الأول: الفصل الثاني: المبحث الأول: خِطبتها. وفيه قولٌ لمستشرق آخر، وهو: أميل درمنغم.

стр. 438

شبهة أخرى للمستشرقين: ذكرت د. عائشة بنت الشاطئ - رحمها الله - دعوى المستشرقين أن المرويات عن فاطمة صُنِعَت بأخَرَةٍ بعدما تطوَّرَتْ فِكرة الشيعة سياسياً ودينياً. وذكرَتْ قول المستشرق الحاقد: لامنَّس أن المؤرِّخين تناسوا فاطمة، ولم يحفلوا بها أولَ الأمر، حتى ظهرت فكرة التشيع ... وطال الحديث عنها، بخلاف أخواتها، فليس لهنَّ ذِكْرٌ، ولا عنهن حديث. وذكرَتْ د. عائشة ــ أيضاً ـ أنَّ الأستاذ: عمر أبو النصر ﵀ ... في كتابه «فاطمة بنت محمد» (ص ٦٠) رد عليهم بقوله: (فأما عدم ذكر مؤرِّخي السيرة لفاطمة وغير فاطمة من بناتِ رسول الله ﷺ ؛ فمردُّه أن مؤرِّخي السيرة إنما كانوا يؤرِّخُون النبوةَ والإسلامَ، ولم تكُن النبوةُ والإسلامُ مُعَلَّقَين ببناتِ الرسولِ ﷺ متَّصِلَين به، خصوصاً وأنهن لم يخضن حرباً، ولا اندفَعْنَ في معركة، ولا كان لهن من الشأنِ في سياسةِ ... الرسول ﷺ وشريعَتِهِ ما يدفَعُ المؤرِّخَ إلى ذِكْرِهِنَّ والتَّبَسُّطِ في تاريخهن، ومِن البَدَاهَةِ والحالةُ هذَهِ ألا يَذكُرَ المؤرِّخُونَ مِن أخبَارِهِنَّ إلا مَا كان لَهُ كَبيرٌ شَأنٍ أوْ عَظِيْمُ أثَرٍ). وذكرت د. عائشة - رحمها الله - أنَّ الردَّ لا ينفي زعم لامَّنس، ورأَتْ أن الردَّ ينبغي أن يكون بنفي صِحَّة الدعوى من الحقَدة من متعصبي

стр. 439

المستشرقين، وأنَّ الأخبارَ متوافرَةٌ في كتب التاريخ والسير كابن إسحاق، وابن سعد، وابن جرير، وكتب الحديث. (١) قلت: وجواب د. عائشة صحيح، فالحديث عن زوجات النبي ﷺ وبناته ﵅، متوافر تفصيلاً في كتب المسلمين: الحديث، والتاريخ، والتراجم، فانظر مثلاً كتاب: ابن سعد، وأبي نعيم، وابن عبدالبر، وابن الأثير، وابن حجر، وابن ناصر الدين الدمشقي في «جامع السِّيَر والمولد» تفصيلات حسنة، وكذا ابن كثير في «البداية والنهاية»، والصالحي في «سبل الهدى والرشاد»، فضلاً عن دواوين السُّنَّة المطهَّرة، وكتب فضائل الصحابة، وكتب مناقب آل البيت. وهذه المعلمة التي بين يديك بمروياتها ونقولاتها دالة على كذب دعوى هذا المستشرق الحاقد، ومَن تابعه، وما أكثر كذبهم وتدليسهم. وللمستشرقين شبهة ثالثة: قالوا: لِمَ استأثرَتْ فاطمة بهذه المكانة الخاصة عند أبيها؟ وكان جوابهم أنَّ الأحاديث الواردة في فاطمة متأخرة مفتعلة من قِبَل الشيعة! ! وسيأتي الرد عليهم في موضعه في الباب الثاني: الفصل الأول: المبحث الأول: محبة النبي ﷺ لها.

стр. 440

ولهم شبهة رابعة: عدم عناية مؤرِّخي أهل السنة والجماعة بالحديث عن فاطمة! ! قالوا كما في «موجز دائرة المعارف الإسلامية» (٢٥/ ٧٧١٠): (أما المراجع المتأخرة كابن عبد البر فى «الاستيعاب»، وابن الأثير فى «أسد الغابة»، وابن حجر فى «الإصابة»، والحلبي فى «السيرة الحلبية»، والديار بكري في ... «تاريخ الخميس»؛ فقد كان هناك تجاهلٌ ـ إلى حَدٍّ كَبير ـ لفاطمة). قلت: وهذا كذب وافتراء، فالمذكورون خاصة الثلاثة الأول، ترجموا لفاطمة ترجمة طيبة، بما يتناسب مع منهجهم في التراجم طولاً وقصراً، لكن عند ابن سعد، وابن ناصر الدين، والصالحي، سيرة مطولة جداً. أما الأخيران: «السيرة الحلبية»، و «تاريخ الخميس» فهما من كتب السيرة النبوية، لا من كتب التراجم، فيأتي ذكر فاطمة وغير فاطمة ضمن سرد السيرة وأحداثها. وقد سبق في المبحث الأول ذكر المؤلفات المفردة في فاطمة ﵂. (١)

стр. 441

* * *

стр. 442

المبحث السادس: تطبيق منهج النقد الحديثي على مرويات السيرة، ... والروايات التاريخية؛ للقبول أو الرد . (١) قبل الولوج في الباب الأول المتعلِّق بسيرة فاطمة ﵂، يحسُن الحديثُ باختصار حول هذه المسألة المنهجية المهمَّة، التي تنازع حولها بعضُ المعاصرين من أهلِ الحديث، وأهلِ التاريخ. (٢)

стр. 443

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 444

لاشك ـ عند أهل العلم ـ بأهمية الإسناد، وأنه من الدِّين، ومن خصائصِ الأمة المحمدية (١)، وأهميةِ نقدِ الإسناد والمتن، وفق الضوابط والمقاييس المعروفة عند أهل الاختصاص؛ خاصةً عند ورود الإشكال في النص، وأنَّ فحصَ الإسنادِ والمتنِ مِن منهجِهم المتميز (٢) في الأحاديث النبوية المرفوعة والموقوفة، وآثار السلف، وفي الأخبار

стр. 445

التاريخية أيضاً إن احتِيج إليه. (١)

стр. 446

وأن منهج النظر والنقد يختلف في الأحاديث المرفوعة من باب إلى باب: فأحاديثُ العقائد في درجة عالية من الحيطة، ثم أحاديث العبادات، ثم مابعد ذلك من الجنايات، والمعاملات، وأحكام النكاح والطلاق ونحوها، ثم الفضائل، والآداب، والمغازي، والتفسير، والملاحم، والرقائق، وغيرها. (١)

стр. 447

والحديثُ الوارد في الباب: منه ما يرد في أصلِ الباب، ومنه ما يرد تابعاً وشاهداً، فيُتخَفَّفُ في الثاني ما لايُتخَفَّفُ في الأول، ومنه صَنيع الإمامين: البخاري ومسلم في تخريج أحاديث الرواة الثقات.

стр. 448

وأبواب المغازي، والتفسير (١)، والملاحم يَقِلُّ فيها الحديث المسند المتصل الصحيح. والخبر الوارد عن الصحابة والتابعين: منه ما يكون في معنى ما ورد في الحديث المرفوع، ومنه ما يخالفه. ومنه خبر يؤخذ منه حُكْمٌ شَرعِيٌّ، وآخر لا يؤخذ منه ذلك، وإنما هو في الوعظ مثلاً أو التاريخ. وفي كلٍّ منها يُعْمِلُ أئمةُ الحديث النقد فيها ـ وإن كان على درجات ـ. (٢) وأخبار الصحابة تُسَمَّى عند جمهور المحدثين «الأحاديث الموقوفة»، وهي من تخصصهم، ولهم فيها عناية فائقة؛ لمكانتهم، وللاستعانة بها في فهم ومعرفة الأحاديث المرفوعة، ومنها ما تُعتَبرُ مِن المرفوعِ حُكْمَاً. (٣) وقد ذكر المطهِّر بن طاهر المقدسي (ت بعد ٣٥٥ هـ) ﵀: (٤)

стр. 449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 450

أنَّ تراجم الصحابة ﵃ وبيان أعمارِهم، وأحوالِهم، وذِكْرِ أولادهم؛ بابٌ من صناعة «أصحاب الحديث»، وهو عِلْمٌ برأسه، مُنْفَرِدٌ بمعرفته صاحبه، مرجِعُهُ إلى جودة الحِفظ، وكثرة الروايات، وقد وضعوا فيه كُتُبَاً كثيرةً موسومةً بسمات مختلفة: كالتواريخ، والطبقات، والمعارف). (١) وقال ابن تيمية ﵀: (علماءُ الدِّين أكثرُ ما يُحَرِّرُون النقلَ فيما يُنْقَلُ عن النبيِّ ﷺ ؛ لأنه واجبُ القبول، أو فيما يُنقل عن الصحابة. وأما ما يُنقَل من الإسرائليات ونحوها، فهم لايكترثون بضبطها، ولا بأحوال نقلها؛ لأن أصلها غير معلوم، وغايتها أن تكون عن واحد مِن علماء أهل الكتاب، أو مَن أخذه عن أهل الكتاب، لما ثبت في «الصحيح» عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا حدَّثكم أهل الكتاب، فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بباطل، فتصدقوهم، وإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوهم»). (٢)

стр. 451

وأما أخبارُ الصالحين، وأقاويلهم في الوعظ والإرشاد، وأقوال اللغويين، وحِكَمُ الأدباء، ومواعظ البلغاء، فلا تحتاج إلى إسناد. (١) ولكلِّ عِلْمٍ مَعاييرُهُ الخاصة في نقد المنقولات فيه.

стр. 452

إيراد: قد يحتجُّ بعضُ أهل البدع ـ كالرافضة ـ بروايات عن الصحابة والتابعين موجودةٍ في كتب التاريخ عند أهل السنة والجماعة، فيعتمدوها طعناً في أهل السنة، ويُلزِمُوهُمْ بها، فما الجواب؟ الجواب: ١. أن كتب التاريخ العامة ليست من عُمَد أهل السنة والجماعة في معرفة أحكام الشريعة، وفضل الصحابة وأحوالهم ، وما يتضمن ذلك من آثار وأحكام، ولا فيما شجر بينهم؛ لوجود روايات كثيرة عن متروكين وكذابين، وبعض كتب التاريخ الكبار لا يقرأها إلا مَنْ يَملِكُ التمحيص والتمييز. (١) قال الذهبي في ترجمة «محمد بن السائب الكلبي» (٢): (قال سفيان الثوري: اتَّقُوا الكَلْبيَّ، فقيل له: فإنك تَروي عنه، قال: أنا أعرفُ صِدْقَهُ مِن كَذِبِهِ). (٣)

стр. 453

٢. قال د. محمد يسري سلامة ﵀: (الكتابة التاريخية تقوم أوَّل ما تقوم على الجمعِ، وهذا يتطلَّبُ الأخذ والتلقِّي والتفتيش عن المصادر كافَّةً من دون تمييز، ثم يأتي التمحيص والنقد في مرحلة تالية. ومَن اقتصَر على الجمع والسَّردِ من الأخباريين والمؤرِّخين لا يعيبُه ذلك، بل قد يكون من أعلى طبقات المؤرِّخين؛ إذا كانت المادةُ التي توجَدُ عنده لا تُوجَد عند غيرِه .... ثم ذكَر قول ابن جرير في مقدمة تاريخه (١) في إيراد الأسانيد، تاركاً التمحيص للقارئ). (٢) ومع ردِّ المحدِّثِين بعضَ الرواةِ وتَرْكِ الاحتِجَاجِ بِهمْ في الحَدِيثِ إلا أنهم يَقبَلُونَ مِنهُم مَا اختَصُّوا بِهِ في عِلْمٍ مِن العُلُومِ ـ وأهلُ كُلِّ عِلْمٍ أولى مِن غيرِهم فيما يذكرونَهُ مِن اختِصَاصِهِمْ ـ «فالحِذق بالفنِّ مَظِنَّةُ التمييز، والملَكَةُ التي تتَأتَّى لأهلِ كلِّ عِلْمٍ في عُلُومِهم لا تحصُلُ لِغَيرهم». (٣)

стр. 454

مِن ذلك: محمد الكلبي ـ السابق ذكره ـ قَبِلَهُ بَعضُ أئمةِ الحديث في التفسير. (١) وقَولُ المحدِّثين في ابن إسحاق، مع توثيقه في السيرة ـ معروف ـ. وكذا الواقدي في المغازي. ومن ذلك: أنَّ أبا المنذر هشام بن محمد بن السائب الكَلْبي ـ أخباريٌّ نسَّابةٌ متروكٌ ـ (٢) إلا أنهم اعتمدوه في النَّسَبِ. ذكر ابنُ عبدالبر أثراً موقوفاً على ابن عباس ﵄ في الأنساب، من طريق ابن الكلبي، عن أبيه. فقال عقبه: (وليس هذا الإسناد مما يُقطع بصحته، ولكنه عمَّنْ عِلْمُ الأَنسابِ صَنْعَتُه). (٣) قال ابن الأثير ﵀ في مسألة: (وأظنُّ الحقَّ قولَ الكلبي؛ لِعلِمِهِ بالنَّسَب). (٤) وقال ابن حجر ﵀: (وابنُ الكلبيِّ يُرجَع إليه في النَّسَبِ). (٥)

стр. 455

وقال عن حفص بن سليمان الأسدي القارئ ـ صاحب عاصم ـ: ... (متروك الحديث، مع إمامته في القراءة). (١) وقال ابن حجر ـ أيضاً ـ عن سيف بن عمر التميمي الكوفي، صاحب كتاب «الرِّدَّة»: (ضعيف الحديث، عمدةٌ في التاريخ، أفحش ابنُ حبان ... القولَ فيه). (٢) وهكذا في جملة من الرواة يُضعَّفُون في الحديث، ويُقبَلُون في المغازي، ... أو التفسير، أو القراءات، أو التاريخ، أو غيرها. قال يحيى بن سعيد القطان (ت ١٩٨ هـ) ﵀: (تساهلوا في التفسير عن قوم لا يُوَثِّقُونَهُمْ في الحديث. ثم ذَكَرَ: .........................................................

стр. 456

ليثَ بنَ أبي سُليم (١)، وجويبر بن سعيد (٢)، والضحاك (٣)، ومحمد بن السائب ـ يعني الكَلبي ـ (٤)، وقال: هؤلاء لا يُحمَدُ حديثُهم، ويُكتَبُ التفسير عنهم. قال البيهقي معلِّقاً: وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم، لأن ما فَسَّرُوا به ألفاظَهُ، تَشهَدُ لهم به لغاتُ العَرَبِ، وإنما عَمَلُهُم في ذلك الجمع والتقريب فقط). (٥) هذا، وإنَّ مِن أشهر أسباب الكذب في الروايات التاريخية (٦): الاختلاف العقدي، فقد وضع أهل البدع روايات عديدة منكرة. على أنَّ مِن منهج المحدِّثين ﵏ ــ ومنهم مؤرِّخُون ـ إذا ذكَرُوا

стр. 457

الحديثَ أو الأثرَ بالإسنادِ؛ فقد برئوا من عُهدتِه، وقاعِدتُهم: «مَن أسنَد لكَ؛ فقَدْ أحالَكَ (١)، ويقال: فقَدْ حمَّلَك، ويقال: فقد برِئَتْ منه العُهْدَة»؛ ثقةً بتمييز القارئ وفحصه. فهذا الإمام ابن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) ﵀ يقول في مقدمة «تاريخه»: (فما يكُنْ في كتاب هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قَارِئُه، أو يستشنعه سامِعُه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً من الصحة، ولا معنى في الحقيقة؛ فليَعْلَمْ أنه لم يُؤتَ في ذلك من قِبَلنا، وإنما أُتيَ من قِبَلِ بعضِ ناقليه إلينا، وأنَّا إنَّما أدَّيْنَا ذلك على نحوِ ما أُدِّيَ إلينا). (٢) قال الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) ﵀: أخبرنا أبو عبيد محمد بن أبي نصر النيسابوري، قال: سمعت أبا الحسن محمد بن علي العلوي الحسني، يقول: سمعت القاسم بن بندار، يقول: سمعت أبا حاتم الرازي، يقول: ... «لم يكُنْ في أمَّةٍ مِن الأُمَمِ مُنْذُ خلَقَ الله آدمَ أمناءُ يحفظونَ آثارَ الرُّسُلِ إلا في هذه الأمة». فقال: له رجل: يا أبا حاتم، رُبَّما رَوَوا حديثاً لا أصلَ له ولا يَصحُّ؟ فقال: علماؤُهم يَعرِفُونَ الصحيح من السقيم، فروايتهم ذلك

стр. 458

لِلْمَعْرِفَةِ؛ لِيَتَبَيَّنَ لِمَنْ بَعدَهُم أنهم ميَّزُوا الآثارَ، وحَفِظُوهَا. (١) وقال ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) ﵀ في ترجمة الحافظ الطبراني ... (ت ٣٦٠ هـ) ﵀: (وقد عابَ عليه إسماعيلُ بنُ محمد بن الفضل التَيْمي جمعَه الأحاديثَ الأفرادَ مع ما فيها مِن النَّكارَةِ الشديدةِ والموضوعاتِ، وفي بعضها القدحُ في كثيرٍ من القُدَمَاء من الصحابة، وغيرهم. وهذا أمْرٌ لا يختَصُّ بِه الطبرانيٌّ، فلا مَعنى لإفرَادِهِ بالَّلومِ، بل أكثرُ المحدِّثينَ في الأعصارِ الماضيةِ مِن سنَةِ مئَتِينِ وهَلُمَّ جَرَّاً، إذا سَاقُوا الحديثَ بِإسنادِهِ، اعتَقَدُوا أنَّهمْ بَرِئُوا مِن عُهْدَتِه، واللهُ أعلَم). (٢) وبناءً عليه، فلا حُجَّةَ لِقَوْلٍ يَرِدُ في كُتُب التاريخ أو السُّنَّة مسنداً، وفيه نكارة ومخالفة، ولامحيص ـ حينئذٍ ـ عن النظر في سنده، ومتنه، وعرضه على الروايات الأخرى، وأقاويل الثقات من سلف هذه الأمة. في مَعرِض مناقشة ابن تيمية ﵀ مَسألةً تاريخيةً، ذكر ما يُفيد بفحص ونَقْدِ الأسانيد التي فيها جَرحٌ وتَلفِيقٌ من أهلِ الأهواء، وعدمِ قَبُولِ

стр. 459

روايات بعضِ الأخباريين: قال ابن تيمية ﵀: ( .... وهذا الذي ذكرناه هو المتَّفَقُ عليه بين الناس في مقتل الحسين ﵁. وقد رُويت زيادات: بعضُها صحيح، وبعضُها ضعيف، وبعضُها كَذِبٌ مَوضُوع. والمصنِّفُون من أهل الحديث في ذلك: كالبغوي، وابن أبي الدنيا، ونحوهما، كالمصنِّفِين من أهل الحديث في سائر المنقولات؛ هُمْ بذلك أعلَمُ وأصدَقُ بِلا نزاع بين أهل العلم؛ لأنهم يُسنِدُونَ ما يَنقُلُونَه عن الثقات، أو يُرْسِلُونَه عمَّن يَكونُ مُرْسِلُهُ يُقارِبُ الصِّحَّةَ، بِخلاف الأخباريين، فَإنَّ كثيرَاً مما يُسنِدُونَهُ عَن كذَّابٍ أوْ مَجهُولٍ. وأمَّا مَا يُرسِلُونَه، فَظُلماتٌ بعضُهَا فوق بعض. وهؤلاء لَعمري ممن يَنقل عن غيرِهِ مُسنَداً أو مُرسَلاً. وأمَّا أهلُ الأهواء ونحوِهم: فيعتَمِدُون على نَقْلٍ لا يُعرَفُ له قَائِلٌ أصلاً، لا ثِقَةٌ ولا مُعتَمَدٌ. وأهوَنُ شيءٍ عندَهُم الكذبُ المختَلَقُ. وأعلَمُ مَن فيهم لا يَرجِعُ فيما يَنقُلُهُ إلى عُمْدَةٍ بَل إلى سَماعات عَن الجاهلين والكذَّابِيْنَ،

стр. 460

وروايات عن أهل الإفك المبين. (١) فقد تبيَّنَ أنَّ القصَّةَ التي يَذكرون فيها حَمْلَ رأسِ الحُسين إلى يَزيد، ونَكْتِهِ إياها بالقَضِيب؛ كَذَبُوا فيها، وإنْ كان الحمْلُ إلى ابنِ زياد ــ وهو الثابت بالقصة ــ فَلَمْ يُنقَلْ بِإسنَادٍ مَعْرُوفٍ (٢) أنَّ الرأسَ حُمِلَ إلى قُدَّامِ يزيد. ولمْ أرَ في ذلك إلا إسناداً مُنقَطِعَاً، قَدْ عارَضه من الروايات ما هُو أثبتُ منْهُ وأظهر، نقلوا فيها أنَّ يزيدَ لما بلَغَهُ مَقتَلُ الحُسين؛ أظهَرَ التَّألمَ مِن ذلك، وقال: لعَن الله أهلَ العراق. لَقد كُنتُ أرضَى مِن طاعتهم بِدُونِ هذا .... ) إلخ. (٣)
следующие страницы →