← Тараджим

Тараджим · id 50

فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - سيرتها، فضائلها، مسندها - رضي الله عنها -

إبراهيم بن عبد الله المديهش

Полный текст (3 488 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ليثَ بنَ أبي سُليم (١)، وجويبر بن سعيد (٢)، والضحاك (٣)، ومحمد بن السائب ـ يعني الكَلبي ـ (٤)، وقال: هؤلاء لا يُحمَدُ حديثُهم، ويُكتَبُ التفسير عنهم. قال البيهقي معلِّقاً: وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم، لأن ما فَسَّرُوا به ألفاظَهُ، تَشهَدُ لهم به لغاتُ العَرَبِ، وإنما عَمَلُهُم في ذلك الجمع والتقريب فقط). (٥) هذا، وإنَّ مِن أشهر أسباب الكذب في الروايات التاريخية (٦): الاختلاف العقدي، فقد وضع أهل البدع روايات عديدة منكرة. على أنَّ مِن منهج المحدِّثين ﵏ ــ ومنهم مؤرِّخُون ـ إذا ذكَرُوا

стр. 457

الحديثَ أو الأثرَ بالإسنادِ؛ فقد برئوا من عُهدتِه، وقاعِدتُهم: «مَن أسنَد لكَ؛ فقَدْ أحالَكَ (١)، ويقال: فقَدْ حمَّلَك، ويقال: فقد برِئَتْ منه العُهْدَة»؛ ثقةً بتمييز القارئ وفحصه. فهذا الإمام ابن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) ﵀ يقول في مقدمة «تاريخه»: (فما يكُنْ في كتاب هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قَارِئُه، أو يستشنعه سامِعُه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً من الصحة، ولا معنى في الحقيقة؛ فليَعْلَمْ أنه لم يُؤتَ في ذلك من قِبَلنا، وإنما أُتيَ من قِبَلِ بعضِ ناقليه إلينا، وأنَّا إنَّما أدَّيْنَا ذلك على نحوِ ما أُدِّيَ إلينا). (٢) قال الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) ﵀: أخبرنا أبو عبيد محمد بن أبي نصر النيسابوري، قال: سمعت أبا الحسن محمد بن علي العلوي الحسني، يقول: سمعت القاسم بن بندار، يقول: سمعت أبا حاتم الرازي، يقول: ... «لم يكُنْ في أمَّةٍ مِن الأُمَمِ مُنْذُ خلَقَ الله آدمَ أمناءُ يحفظونَ آثارَ الرُّسُلِ إلا في هذه الأمة». فقال: له رجل: يا أبا حاتم، رُبَّما رَوَوا حديثاً لا أصلَ له ولا يَصحُّ؟ فقال: علماؤُهم يَعرِفُونَ الصحيح من السقيم، فروايتهم ذلك

стр. 458

لِلْمَعْرِفَةِ؛ لِيَتَبَيَّنَ لِمَنْ بَعدَهُم أنهم ميَّزُوا الآثارَ، وحَفِظُوهَا. (١) وقال ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) ﵀ في ترجمة الحافظ الطبراني ... (ت ٣٦٠ هـ) ﵀: (وقد عابَ عليه إسماعيلُ بنُ محمد بن الفضل التَيْمي جمعَه الأحاديثَ الأفرادَ مع ما فيها مِن النَّكارَةِ الشديدةِ والموضوعاتِ، وفي بعضها القدحُ في كثيرٍ من القُدَمَاء من الصحابة، وغيرهم. وهذا أمْرٌ لا يختَصُّ بِه الطبرانيٌّ، فلا مَعنى لإفرَادِهِ بالَّلومِ، بل أكثرُ المحدِّثينَ في الأعصارِ الماضيةِ مِن سنَةِ مئَتِينِ وهَلُمَّ جَرَّاً، إذا سَاقُوا الحديثَ بِإسنادِهِ، اعتَقَدُوا أنَّهمْ بَرِئُوا مِن عُهْدَتِه، واللهُ أعلَم). (٢) وبناءً عليه، فلا حُجَّةَ لِقَوْلٍ يَرِدُ في كُتُب التاريخ أو السُّنَّة مسنداً، وفيه نكارة ومخالفة، ولامحيص ـ حينئذٍ ـ عن النظر في سنده، ومتنه، وعرضه على الروايات الأخرى، وأقاويل الثقات من سلف هذه الأمة. في مَعرِض مناقشة ابن تيمية ﵀ مَسألةً تاريخيةً، ذكر ما يُفيد بفحص ونَقْدِ الأسانيد التي فيها جَرحٌ وتَلفِيقٌ من أهلِ الأهواء، وعدمِ قَبُولِ

стр. 459

روايات بعضِ الأخباريين: قال ابن تيمية ﵀: ( .... وهذا الذي ذكرناه هو المتَّفَقُ عليه بين الناس في مقتل الحسين ﵁. وقد رُويت زيادات: بعضُها صحيح، وبعضُها ضعيف، وبعضُها كَذِبٌ مَوضُوع. والمصنِّفُون من أهل الحديث في ذلك: كالبغوي، وابن أبي الدنيا، ونحوهما، كالمصنِّفِين من أهل الحديث في سائر المنقولات؛ هُمْ بذلك أعلَمُ وأصدَقُ بِلا نزاع بين أهل العلم؛ لأنهم يُسنِدُونَ ما يَنقُلُونَه عن الثقات، أو يُرْسِلُونَه عمَّن يَكونُ مُرْسِلُهُ يُقارِبُ الصِّحَّةَ، بِخلاف الأخباريين، فَإنَّ كثيرَاً مما يُسنِدُونَهُ عَن كذَّابٍ أوْ مَجهُولٍ. وأمَّا مَا يُرسِلُونَه، فَظُلماتٌ بعضُهَا فوق بعض. وهؤلاء لَعمري ممن يَنقل عن غيرِهِ مُسنَداً أو مُرسَلاً. وأمَّا أهلُ الأهواء ونحوِهم: فيعتَمِدُون على نَقْلٍ لا يُعرَفُ له قَائِلٌ أصلاً، لا ثِقَةٌ ولا مُعتَمَدٌ. وأهوَنُ شيءٍ عندَهُم الكذبُ المختَلَقُ. وأعلَمُ مَن فيهم لا يَرجِعُ فيما يَنقُلُهُ إلى عُمْدَةٍ بَل إلى سَماعات عَن الجاهلين والكذَّابِيْنَ،

стр. 460

وروايات عن أهل الإفك المبين. (١) فقد تبيَّنَ أنَّ القصَّةَ التي يَذكرون فيها حَمْلَ رأسِ الحُسين إلى يَزيد، ونَكْتِهِ إياها بالقَضِيب؛ كَذَبُوا فيها، وإنْ كان الحمْلُ إلى ابنِ زياد ــ وهو الثابت بالقصة ــ فَلَمْ يُنقَلْ بِإسنَادٍ مَعْرُوفٍ (٢) أنَّ الرأسَ حُمِلَ إلى قُدَّامِ يزيد. ولمْ أرَ في ذلك إلا إسناداً مُنقَطِعَاً، قَدْ عارَضه من الروايات ما هُو أثبتُ منْهُ وأظهر، نقلوا فيها أنَّ يزيدَ لما بلَغَهُ مَقتَلُ الحُسين؛ أظهَرَ التَّألمَ مِن ذلك، وقال: لعَن الله أهلَ العراق. لَقد كُنتُ أرضَى مِن طاعتهم بِدُونِ هذا .... ) إلخ. (٣)

стр. 461

وهذه المسألةُ ـ محل البحث ـ هي في المرويات التي تُستنكر بأي نوع من أنواع النكارة، أو الشذوذ عن سائر المنقولات التاريخية، وغنيٌّ عن البيان أنَّ طائفةً من الجهلة لا يرون إنكار شئ أبداً مما يرد في كُتُب السيرة، أو التاريخ، ويرون أنْ نقبلَه كما هُوَ، دون أن نفحَصَ ما يحتاجُ إلى فَحْصٍ، وفي هذه الطائفة يقول عنهم العلامة المحدِّث: ناصر الألباني ﵀: (وقد يظنُّ بعضُهم أنَّ كلَّ ما يُروى في كتب التاريخ والسيرة، أنَّ ذلك صارَ جزءاً لا يتجَزَّأ من التاريخ الإسلامي، لا يجوزُ إنكار شيء منه! وهذا جهلٌ فاضِحٌ، وتَنكُّرٌ بالغٌ للتاريخ الإسلامي الرائع، الذي يَتميَّز عن تواريخ الأمم الأخرى بأنه هو وَحدَه الذي يملِكُ الوسيلةَ العلميةَ لِتمييزِ ما صَحَّ منهُ مما لم يَصِح، وهي نفسُ الوسيلةِ التي يُميَّزُ بها الحديثُ الصحيحُ من الضعيف، ألا وهُو الإسنادُ الذي قال فيه بَعضُ السلف: لولا الإسنادُ لقال مَن شاء ما شاء. ولذلك لما فقدَتْ الأممُ الأخرى هذه الوسيلةَ العُظمَى؛ امتلأَ تاريخُها بالسخافاتِ والخرافات، ولا نذهَبْ بالقرَّاء بعيداً، فهذهِ كتبُهم التي يُسمُّونها بالكُتب المقدَّسَة، اختلَطَ فيها الحابِل بالنَّابِل، فلا يستطيعونَ تمييزَ الصحيحِ من الضعيف مما فيها من الشرائع المنزَّلَةِ على أنبيائهِم، ولا معرفةَ شيءٍ من تاريخِ حياتِهم، أبدَ الدَّهْر، فهم لا يَزالون في ضلالهم يعمَهُون، وفي دياجير الظلام يتِيهُون!

стр. 462

فهل يُريدُ منَّا أولئكَ الناسِ أنْ نستسلمَ لِكلِّ مَا يُقال: إنه مِن التاريخ الإسلامي؟ ! ولو أنكرَهُ العُلَماءُ، ولَو لم يرِدْ له ذِكرٌ إلا في كُتُب العجائزِ (١) من الرجال والنساء؟ ! وأنْ نَكْفُرَ بهذه المزيَّة التي هِي مِن أعَلى وأغلى ما تميَّز به تاريخ الإسلام؟ ! وأنا أعتقدُ أنَّ بعضَهم لا تخفى عليه المزيَّةُ، ولا يُمكِنُه أن يكونَ طالبَ علمٍ بَلْهَ عالماً دُونَها، ولكنَّه يتجَاهَلُها، ويَغُضُّ النَّظَرَ عنها؛ سَترَاً لجهلِهِ بما لم يصحَّ مِنه، فيتظاهرُ بالغَيرةِ على التاريخ الإسلامي، ويُبَالغُ في الإنكار على مَن يُعرِّفُ المسلمينَ ببعضِ ما لم يَصحَّ مِنه؛ بَطَراً للحَقِّ، وغمطَاً للناس، ... والله المستعان). (٢)

стр. 463

هذا، وإن أعلى ما وقفت عليه في هذه المسألة: المقولة الشهيرة للإمام أحمد ﵀، قوله: (ثلاثة كُتُبٍ ليسَ لها أُصُولٌ: المغازي، والملاحم، والتفسير). (١) ما معنى لا أصل لها، أو ليس لها إسناد؟

стр. 464

لهذه العبارة اطلاقان: (١) ١) عند عامة الأئمة المتقدمين: يطلقونها على الحديث ويريدون بها: ... لا أصل له صحيح، ولا إسناد له ثابت. ٢) عند كثير من المتأخرين: يريدون بها: لايوجد له إسناد. أورد الخطيبُ البغداديُّ ﵀ مقولةَ الإمام أحمد، وكأنَّه استشكلَها، فحَمَلَها على كُتُبٍ مخصُوصَةٍ في هذه العلوم الثلاثة، غير مُعتَمَدٍ عليها، ... ولا مَوثُوقٍ بِصحَّتِها، لسوءِ أحوالِ مُصَنِّفيها، وعَدمِ عدالة ناقليها، وزياداتِ القُصَّاصِ فيها. (٢) وفي كلام الخطيبِ ﵀ نَظَرٌ (٣)، والصحيحُ أنَّ مُرادَ الإمامِ أحمد:

стр. 465

غالبُهَا ليسَ لها أسانيدُ صَحِيحةٌ مُتَّصِلَةٌ، بل غالبُ أسانيدِهَا ضَعِيفَةٌ بِإرسال، أو انقطاع، أو راوٍ ضَعِيفٍ. قال الزركشي ﵀: (قال المحققون من أصحابه: ومراده أن الغالب أنه ليس لها أسانيدُ صِحاح مُتَّصلَةٌ، وإلا فقَدْ صَحَّ مِن ذلك كثير). (١) علَّق السيوطي ﵀ في «الإتقان» بقوله: (قلتُ: الذي صحَّ من ذلك قليلٌ جداً، بل أصلُ المرفوعِ منه في غايَةِ القِلَّة، وسأسردها كلَّها آخر الكتاب ـ إن شاء الله تعالى ـ). (٢) واقتصر في «تدريب الراوي» في بيان معنى قول الإمام أحمد على عبارة مقتضبة موهمة، قال: (قال ابن تيمية: معناه ليس له إسناد) (٣). بينما كلام ابن تيمية ﵀ في بيان معناه: ليس له إسناد صحيح متصل. وإليك كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وفي بعضه تَفصِيْلٌ رَائِعٌ،

стр. 466

يفيد أصل المسألة المتحدَّث عنها ـ وهو مِنْ أعرفِ الأئمةِ بكلامِ الإمامِ أحمدَ ﵀. قال ابن تيمية: (معناه: أن الغالب أنه ليس لها إسنادٌ صحيحٌ). (١) وقال أيضاً: (وأما أحاديث سبب النزول فغالبها مرسل ليس بمسند، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل: «ثلاث علوم لا إسناد لها. وفي لفظ: ليس لها أصل: التفسير، والمغازي، والملاحم». يعني: أنَّ أحاديثَها مرسلَةٌ). (٢) وقال أيضاً: [قال الإمام أحمد: «ثلاث علوم ليس لها أصول: المغازي، والملاحم، والتفسير. وفي لفظ: ليس لها أسانيد». ومعنى ذلك: أن الغالب عليها أنها مرسلة ومنقطعة، فإذا كان الشئ مشهوراً عن أهل الفن قد تعدَّدَتْ طُرُقُه، (٣) فهذا مما يرجع إليه أهل العلم بخلاف غيره ... ثم ذكر بعض كتب التفسير ثم قال ابن تيمية: (وعامَّةُ الكتب تحتاجُ إلى نقد وتمييز، كالمصنفات في

стр. 467

سائر العلوم من الأصول والفروع وغير ذلك؛ فإن الفقهاء قد وضعوا في الفقه أشياء كثيرة من الموضوعات والضعاف. وأما جمهور المصنفين في الأخبار، والتواريخ، والسير، والفتن، من رجال الجرح والتعديل، منهم من هو في نفسه مُتَّهمٌ، أو غير حافظ، كأبي مخنف لوط بن يحيى، وهشام بن محمد بن السائب الكلبي، وإسحاق بن بشر، وأمثالهم من الكذابين، بل الواقدي خير من ملء الأرض مثل هؤلاء، وقد عُلِمَ ما قيل فيه، ومحمد بن سعد كاتبه ثقة، لكن يُنظر عمَّن نقل، وكذلك أبو الحسن المدائني وأمثاله، وإن سلموا من الطعن فيهم، فليسوا من علماء الجرح والتعديل حتى يكون مارووه ولم ينكروه مقبولاً. وإنما العالمون بالجرح والتعديل هم علماء الحديث، وهم نوعان: منهم من لم يرو إلا عن ثقة عنده: كمالك، وشعبة، ويحيى بن سعيد، وعبدالرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وكذلك البخاري، وأمثاله. ومنهم من يروي عن الثقة وغيره؛ للمعرفة، ولما عنده من

стр. 468

التمييز، كالثوري (١)، وغيره). (٢) وشَبيهٌ بكلام ابنِ تيمية السابق، ما ذكرَ الأديبُ الكبير: أبو عثمان الجاحظ (ت ٢٥٥ هـ) ﵀ حينما عرض أثراً عن عائشة ﵂، فيه أنها رَكِبَتْ بَغْلاً للإصلاح بين حَيَّيْنِ متنازِعَين ... إلخ ذكر الجاحظ أنه حديث مصنوع، من توليد الروافض ... ثم نقَدَ متنَه نقْدَاً عِلْمِيَّاً، ثم قال بعدَهُ: (وما هوَ إلا أنْ ولَّدَ أبو مخنف حديثاً، أو الشرْقيُّ بنُ القُطَاميِّ، أو الكلبيُّ، أو ابنُ الكلبيِّ، أو لقيطُ المُحَارِبيِّ، أو شَوْكَر، ... أو عطاءُ المِلْط، أو ابنُ دَأْب، أو أبو الحسنِ المدائنيِّ، ثم صوَّرَه في كتابٍ، وألقاه في الورَّاقين، إلَّا رواهُ مَن لا يُحصِّلُ ولا يتَثبَّت ولا يتوقَّفُ.

стр. 469

وهؤلاء كلُّهم يتشيَّعُونَ. وكان يونس بن حبيب يقول: يا عجباً للناس، كيف يكتبون عن حمَّاد (١) وهو يُصحِّف ويكذبُ ويَلحَنُ ويَكسِر؟ ! ومَن أرادَ الأخبار، فليأخذها عن مثل: قتادة، وأبي عمرو بن العلاء .... وذكر الجاحظُ عدداً من المحدِّثِين والأدباء، ثم قال: هؤلاء وأشباهُهُم مأمُونُونَ، وأصحابُ تَوَقٍّ وخَوفٍ من الزوائد، وصَونٍ لما في أيديهم، وإشفاقٍ على عدَالَتِهِم). (٢) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( ... فالمقصودُ أن المنقولات التي يحتاج إليها في الدين قد نصَبَ الله الأدلَّةَ على بيان ما فيها من صَحيحٍ وغَيرِه. ومعلومٌ أنَّ المنقولَ في التفسير أكثرُه كالمنقول في المغازي والملاحم؛ ولهذا قال الإمام أحمد: «ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير، والملاحم، والمغازي. ويُروى: ليس لها أصل». أي: إسناد؛ لأن الغالب عليها المراسيل، مثل: ما

стр. 470

يذكره عروة بن الزبير، والشعبي، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، ومَن بعدهم: كيحيى بن سعيد الأموي، والوليد بن مسلم، والواقدي، ونحوهم في المغازي؛ فإن أعلم الناس بالمغازي أهلُ المدينة، ثم أهل الشام، ثم أهل العراق، .... ثم تحدَّث ابن تيمية عن المراسيل (١) ـ وسيأتي كلامه بعد صفحات ـ. القول الثاني في مدلول عبارة (لا أصل له): أي لا إسناد له. وهذا الشائع لدى عامة المتأخرين. وهو مَفَادُ كلام: العراقي، والبُلْقِيني، وغيرِهم ـ كما سيأتي في المثال التالي ـ. ومن المعاصرين: ابن عثيمين. (٢) ويحدث الاشكال هُنا حينما يَستَدرِكُ بعض العلماء المتأخرين على الأئمة السابقين في اطلاقهم (لا أصل له) على ما له إسناد، والاستدراك مَنقوضٌ بمعرفة مراد الأولين بهذه العبارة، وأن قصدَهم: لا أصلَ له صحيح، أو ... لا إسنادَ لهُ صَحيحٌ مُتَّصلٌ. (٣)

стр. 471

من هذه الأمثلة: قال الإمام أحمد ﵀: (أربعة أحاديث تدور عن رسُولِ الله ﷺ في الأسواقِ ليس لها أصلٌ: «من بشرنى بخروج آذار؛ بشَّرته بالجنة»، و «مَن آذى ذميَّاً فأنا خصمه يوم القيامة»، و «يومُ نحرِكُم يوم صومِكم»، و «للسائلِ حقٌّ وإنْ جَاءَ على فَرَسٍ»). أنكرَ العراقيُّ، والزركشيُّ، والبلقينيُّ، وغيرُهم، صحةَ هذا القول؛ لأن الإمامَ أحمدَ أخرجَ الحديثَ الرابع في «مسنده»، وقال البلقيني: (فمثلُ ذلك لا يُقال فيه: ليسَ له أصلٌ). وسيأتي بيانٌ قول الإمام أحمد: «أربعة أحاديث .... »، وتخريجه، وكلام العلماء حوله، في الباب الثالث «مسند فاطمة» في تخريج حديث «للسائل حقٌّ، وإنْ جاءَ على فرَس». (١) ومن الأمثلة: أنَّ الإمام أحمد ضعَّف حديثاً، وقال: (هذا ليس بشيء، ليس له إسناد). قال ابن رجب: يشير إلى ضعف إسناده. (٢)

стр. 472

وقال الإمام أحمد في حديث: (ليس له إسناد). قال ابن رجب: يعني أنَّ في أسانيدِه ضَعفاً. (١) وفي حديث جابر ﵁ في قول الرجل للنبي ﷺ : «إنَّ امرأتي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ». وهو مُخرَّجٌ في «السنن» وغيرها (٢) قال الإمام أحمد ... ـ فيما حكاه الخلال عنه ـ: (هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله ﷺ ، ليس له أصلٌ). (٣) وقالَ الإمام أحمد في حديث ـ وقد أخرجه في «مسنده» (٤) ـ: ليس لهُ إسناد. وقال ـ أيضاً ـ: لم يسمعه سليمان من أبي مجلز. (٥) وحديث آخر أخرجه في «مسنده» (٦)، وقال عنه في موضع: ما أُرى لهذا الحديثِ أصْلٌ. (٧)

стр. 473

سأل حربُ الكرماني الإمامَ أحمد عن حديث؟ فقال: (لا أصل له، وليس له إسناد يثبت). (١) فدَلَّتْ هذه الأمثلة على أن مراد الإمام أحمد بِـ (لا أصل له) و (لا إسناد له): أي لا إسنادَ له صَحيحٌ. وهو استخدامُ عامَّةِ الأئمةِ المتقدِّمين. (٢) ف عُلِم مما سبق أنَّ المغازي، والتفسير، والملاحم، تَقِلُّ فيها الأسانيدُ الصحيحةُ المتَّصِلَةُ، فما بالُكَ بما دونها من الآثارِ في سِيَر وقَصَصِ الصحابة، ثم التابعين، ثم مَن بعدَهم التي تَرِدُ في كُتُبِ التاريخ، وكُتُبِ مَنْ حشَاها بالروايات المنكرة . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كلامٍ له رائع: (والمراسيل إذا تعدَّدَتْ طُرُقها، وخلَتْ عن المواطأة قصداً، أو الاتفاق بغير قصد؛ كانت صحيحةً قطعاً؛ فإن النقل إمَّا أن يكون صدقاً مطابقاً للخبر، وإما أن يكون كذباً تعمَّد صاحبُه الكذِبَ أوْ أخطأ فيه؛ فمتى سَلِمَ مِن الكذب العَمْدِ والخطأ؛ كان صِدقاً بلا ريب. فإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات، وقد عُلِمَ أنَّ المُخبِرَين لم

стр. 474

يتواطآ على اختلاقِه، وعُلِمَ أنَّ مثل ذلك لا تقع الموافقة فيه اتِّفَاقاً بِلا قَصدٍ؛ عُلِمَ أنَّه صحيحٌ (١)، مثل: شخص يحدِّثُ عن واقِعَةٍ جَرَت، ويذكُرُ تفاصيلَ ما فِيهَا من الأقوال والأفعال، ويأتي شخْصٌ آخَرُ قدْ عُلِمَ أنه لمْ يُواطِئَ الأول، فيذكرُ مثلَ مَا ذكرَهُ الأوَّل من تفاصيل الأقوال والأفعال؛ فيُعلَم قطعاً أن تِلك الواقعةَ حَقٌّ في الجملة؛ فإنه لو كان كلُّ منهما كَذَبَهَا عَمْدَاً أو خطأً؛ لم يتَّفِق في العَادة أنْ يأتيَ كُلٌّ منهما بتلك التفاصيل التي تمنَعُ العَادةُ اتِّفَاق الاثنين عليها بلا مُواطَأة من أحدهما لصاحبه، فإن الرجُلَ قد يتَّفِق أن ينْظِمَ بيتاً، وينظمَ الآخرُ مثلَه؛ أو يكذبَ كذبةً، ويكذِبَ الآخرُ مثلَهَا؛ أمَّا إذا أنشأَ قصِيدَةً طويلةً ذاتَ فنونٍ على قافيةٍ ورَوِيٍّ، فَلَمْ تجرِ العادَةُ بأنَّ غيرَهُ يُنْشِئُ مثلَها لفظاً ومَعْنَى، مع الطُّولِ المفْرِطِ؛ بلْ يُعلَمُ بالعادَة أنَّه أخذَهَا منه. وكذلك إذا حدَّث حديثاً طويلاً فيهِ فُنونٌ، وحدَّثَ آخرُ بمثلِهِ، فإنه إمَّا أنْ يكونَ واطأَهُ عليه، أو أخذَهُ منه، أو يكونَ الحديثُ صِدْقاً. وبهذه الطريق يُعلَمُ صِدقُ عامَّةِ مَا تتعدد جهاتِهُ المختلفة على هذا الوجه من المنقولات (٢)، وإن لمْ يكنْ أحدُها كافياً، إما لإرساله، وإما لضعف ناقله.

стр. 475

لكن مثل هذا لا تُضبَطُ به الألفاظُ والدقائقُ التي لا تُعلم بهذه الطريق، بل يُحتَاجُ ذلك إلى طريق يَثبتُ بها مثلُ تلك الألفاظ والدقائق؛ (١) ولهذا ثبتتْ بالتواتر غزوة بَدْر، وأنها قبل أُحُدٍ، بل يُعلَمُ قطعاً أن حمزةَ وعليَّاً وعُبَيدةَ بَرَزُوا إلى عُتْبَةَ وشيبةَ والوليد؛ وأنَّ عليَّاً قتلَ الوليدَ، وأنَّ حمزةَ قتلَ قِرْنَهُ، ثمَّ يُشَكُّ في قِرْنِهِ هَل هُوَ عُتْبَةُ أو شَيْبَةُ؟ وهذا الأصلُ ينبغي أنْ يُعرف، فإنَّه أصلٌ نافعٌ في الجزم بكثير من المنقولات: في الحديث، والتفسير، والمغازي، وما يُنقَلُ من أقوال الناس، وأفعالهم، وغير ذلك. ولهذا إذا رُوِيَ الحديثُ الذي يتأَتَّى فيه ذلك عن النبي ﷺ مِنْ وجهينِ معَ العِلمِ بأنَّ أحدَهما لمْ يأخذْهُ عَن الآخر؛ جُزِمَ بأنَّهُ حقٌّ، لا سِيَّمَا إذا عُلِمَ أن نقَلَتَهُ ليسوا ممن يتعمَّدُ الكذِبَ، وإنما يُخَافُ على أحدهم النسيانَ والغلَط؛ فإن مَنْ عرفَ الصحابةَ: كابن مسعود، وأُبَيِّ بن كعب، وابنِ عُمَر، وجابرَ، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وغيرهم؛ عَلِمَ يقيناً أنَّ الواحدَ من هؤلاء،

стр. 476

لم يكن ممن يتعمَّدُ الكذبَ على رسول الله ﷺ فضلاً عمن هو فوقهم؛ كما يعلمُ الرجلُ مِن حالِ مَنْ جرَّبَهُ وخَبَرَهُ خِبْرَةً باطنةً طويلةً أنّه ليسَ ممن يسْرقُ أموالَ الناس، ويقطع الطريق، ويشهد بالزور، ونحو ذلك. وكذلك التابعون بالمدينة، ومكة، والشام، والبصرة، فإنَّ مَن عرَفَ مثلَ أبي صالح السمَّان، والأعرج، وسليمان بن يسار، وزيد بن أسلم، وأمثالهم؛ عَلِمَ قطعاً أنهم لمْ يكونوا ممَّن يتعمَّدُ الكذِبَ في الحديث ... ). (١) ومما سبق في كلام الإمام ابن تيمية ﵀ يتبين رجحان قبول المراسيل والمنقولات التاريخية إذا تعدَّدَتْ طُرُقُهَا، وسَلِمَ رجالها مِن الكَذِبِ، وكان فيها من التفصِيل ما لايمكن في العَادَةِ التَواطُؤ عَلَيْه. ونجد للأئمة ﵏ نقداً في بعض مرويات السيرة النبوية، وكذا التاريخية، فكيف لاتُنْقَد المرويات عن الصحابة، ومَن بعدهم، خاصة إن كان لها تعلُّق بآل البيت؛ لكثرة ما وضعت الرافضة في سيرهم وفضائلهم؛ ... أو تضمنت أمراً منكراً، ومخالفاً للثابت المعروف، أو جرحاً في أحد الصحابة، وخيار سلف الأمة.

стр. 477

فالذهبي ﵀ نَقَدَ سِيرَةَ ابنِ إسحاق، مع أنه قال فيه: (وكان بَحْرَاً في العِلْمِ، حَبْرَاً في مَعرِفَةِ أيامِ النبيِّ ﷺ .... وبعدَ كلامٍ للأئمةِ في جرحِه وتَعديلِهِ، قال: (الذي استقرَّ عليه الأمر أنَّ ابنَ إسحاق صالحُ الحديث، وأنه في المغازي أقوى منه في الأحكام). ثم قال: (وكذا في «السيرة» عجائب ذكرها ابنُ إسحاق بلا إسنادٍ تَلَقَّفَها، وفيها خيرٌ كثيرٌ لمن له نَقْدٌ ومَعرِفَةٌ). (١) وقال أيضاً عنه: (وثَّقَه غيرُ واحدٍ، ووهَّاهُ آخرون، وهو صالحُ الحديث، ماله عندي ذنبٌ إلا ما قد حشا في «السيرة» من الأشياءِ المُنكرةِ المُنقَطِعة، والأشعارِ المكذوبة). (٢) وذكر أيضاً أن فيها آثاراً لم تصحَّح، وأن كتابَه يحتاج إلى تنقيحٍ وتصحيح، وروايةِ ما فاتَه. (٣) فإذا كان هذا الحديث عن ابن إسحاق، وهو في درجة القبول في الحديث، وفي السيرة أقوى منه في الحديث، والنقدُ موجَّهٌ إلى كتابِ ... سيرةِ النبيِّ ﷺ ، فكيف بمَن دون ابنِ إسحاق من المتَّهَمِينَ

стр. 478

والوضَّاعِينَ: كالواقدي، والكلبي، وأبي مخنف، وغيرهم؟ ! وكان المروي أيضاً في سيرة أحد الصحابة أو التابعين، لا شك أنه ينبغي النظر في إسناده، نظراً يناسب طبيعة الرواية التاريخية، بالنظر إلى العدد المروي، وتعدُّدِ طُرُقِه ومخارِجِه، واشتهارِه عند أهلِ الفَنِّ، وخُلوِّهِ مما يجبُ الوقوفُ عندَه وتمحيصُه من: حُكْمٍ شَرعِيٍّ، أو قَضيةٍ يُستَفَادُ منها في فَهْمِ نصٍّ شَرعيٍّ كالدلالة على تأخُّرِ النصِّ ونَسْخِهِ مَثلاً، أو طَعْنٍ في إمام (١)، أو راوٍ، أو ذي شأن (٢)؛ ويُستفاد في النظر الحديثي للترجيح عند تعارض المرويات التاريخية، وما اشتُهِر منها ـ والله أعلم ـ.

стр. 479

قال د. أكرم ضياء العُمري: (ونظراً لأن المصادرَ المتعلِّقَة بالحديث والعلوم الشرعية، والتاريخ الإسلامي، معظمها يسرد الروايات بالأسانيد، فلابُدَّ من تحكيم قواعد علماء المصطلح في نقد هذه الروايات، مع عدم التخلي عن الروايات التي لاتصل إلى مستوى الصحة الحديثية؛ ففي الأبحاث التاريخية تُعتبر الروايات المسندة من طُرُقِ رُوَاة لايبلغون مستوى الثقات، أفضلُ من الروايات والأخبار غير المسندة؛ لأن فيها مايدل على أصلها، ويُمكن من التحكم بنقدها وفحصها بصورة أفضل من الأخبار الخالية من المسند. أما في الدراسات المتصلة بالعقيدة، والشريعة، فلابد من الاعتماد فيها على الروايات والأحاديث الصحيحة، ونقد وبيان الضعيفة منها، وستسلم في هذا الجانب أحاديث صحيحة على شرط المحدِّثين تكفي لبيان العقيدة وأحكام الشريعة؛ لأن المحدثين أولوا الأحاديث عنايةً كبيرة، وأحاطوا رواتها بدراسة دقيقة واسعة، واهتموا بطُرُقِ تحمُّلِها وأدائها، فإذا طُبِّقَتْ قواعِدُهُم على الأحاديث فهي أهل لذلك، لما بلغته من الدقة والإتقان. أما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبار التاريخية التي لاتمس العقيدة، والشريعة؛ ففيه تعسُّفٌ كثير، والخطرُ الناجِمُ عنه كبير؛ لأن الروايات التاريخية التي دوَّنها أسلافنا المؤرِّخُون لم تُعامَل معاملةَ الأحاديث، بل تم التساهُل فيها، وإذا رفضنا منهجهم فإنَّ الحلقات الفارغة في تاريخنا

стр. 480

ستشكل هُوَّة سَحِيقَةً بيننا وبين ماضينا؛ مما يُولِّدُ الحيرةَ والضياع، والتمزق والانقطاع. إنَّ تاريخ الأمم الأخرى مبني على روايات مفردة، ومصادر مفردة في كثير من حلقاته، وهم ينقدون متون الروايات فقط، ويُحلِّلُونها وفق معايير نقدية تُمكِّنُهم من الوصول إلى صورة ماضيهم، لعدم استعمال الأسانيد في رواياتهم التاريخية؛ لأن الأسانيد اختصَّت بها الأمةُ الإسلامية. لكنَّ ذلك لايعني التخلِّي عن منهج المحدِّثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية، فهي وسيلتُنا إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة، كما أنها خيرُ معين في قبولِ أو رفضِ بعضِ المتون المضطرِبة، أو الشاذَّةِ عن الإطار العام لسير أمتنا؛ ولكن الإفادة منها ينبغي أن تَتِمَّ بمرونة، آخذين بعينِ الاعتبار أنَّ الأحاديثَ غَيرُ الرواياتِ التاريخية، وأنَّ الأُولى نالَتْ من العناية ما يُمكِنها من الصمود أمامَ قواعِدِ النقدِ الصارِمَة). (١) هذا، ويُحذَر في جملة من المرويات التاريخية عن الصحابة ﵃ والأئمةِ المقتدى بهم، فقد دخلها تخليط، ولا يُمَيَّزُ ذلك ـ عند الحاجة ـ ... إلا بالمنهجِ الحديثي: النظر في الأسانيد، وتحقيقِها، ومقارَنةِ المرويات، ونقدِ

стр. 481

المتون، قال السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) ﵀: (ورحَمِ اللهُ مُنَقِّحَ المَذْهَبِ المحيوي النوَوِيُّ، فإنه لما أثنى على فوائِد «الاستيعاب» للحافظ الحجةِ أبي عمر ابنِ عبدالبر، قال: «لولا ما شانَهُ من ذِكْرِ كثير مما شَجَرَ بين الصحابة، وحكايَتِهِ عن الأخبارِيِّينَ، والغالبُ عليهم الإكثارُ والتخلِيطُ). (١) ذكر الشيخ د. حاتم العوني اختلاف المنهج في الحكم على مرويات السيرة والتاريخ والتفسير وغيرها، وذكر مثالاً على ذلك: أنْ يوازِنَ القارئ بين مَنهجِ ابن جرير الحديثي في كتابه «تهذيب الآثار»، ومَنهَجِهِ التاريخي في كتابه «تاريخ الأمم والملوك»، ومَنهَجِهِ في التفسير في كتابه «جامع البيان»، ليُعرَفَ اختلافُ المنهج في هذه الثلاثة. وردَّ على مَن يرى اتحادَ منهجِ النقد لمنقولاتِ العلومِ المختلفة، فلِكُلِّ عِلْمٍ مَنْهَجُ نَقْدٍ مختَلِفٌ. (٢)

стр. 482

وقال د. حاتم بن عارف العوني ـ بعد بَيانٍ له ـ: (الضابط الذي يُمكِنُ من خلالِه التشديدُ في نقدِ الأخبارِ والقَصصِ بمنهج المحَدِّثين، أو عَدَمِ التشديد والاكتفاء بمناهج نَقْدٍ أخرى تكفي في مثلِها للتوثُّقِ والتحَرِّي. - فالضابط هو: كلُّ خَبَرٍ سَأَبْنِي عليه ـ مُبَاشَرةً أو بِغَير مُبَاشَرَةٍ ـ حُكْمَاً دينياً، فالأصلُ فيه أنه لا يُقبَل إلا بذلك المنهجِ المتشدِّدِ للمحدِّثين الذين ينقدُون به السُّنَّةَ، وما لا؛ فلا. وشرحُ هذا الضابطِ قد يطول، لكنني سأكتفي بأمثلة تُبيِّنُ بعضَ جوانبه: - إذا جِئتُ للسيرة النبوية، أجدُ أنَّ أخبارها منها: ١. ما يُمكن أن يُستَنبَط منه حكمٌ شرعي: فهذا من السُّنَّةِ التي تُنقَد بهذا المنهج المُحتَاط لها. ٢. ومنها مالا يُستَنبَط منه حكم شرعي، كتاريخ سرية من السرايا، وعدد من كان فيها، وتحديد موقعها بدقة ... ونحو ذلك: فهذه لا نُطَبِّقْ عليها منهجَ المحدِّثين، إلا إن كان بعض ذلك له علاقة غير مباشرة باستنباط حُكْم، كمعرفة تَقدُّمِ خَبَرٍ، أو تأخره؛ ليفيدنا ذلك في الناسخ والمنسوخ، أو غير ذلك: فيمكن حينها أن أعود إلى احتياط المحدِّثين مع السُّنَّة في نقدي لهذا الخبر.

стр. 483

- وإذا جئتُ للآثار الموقوفة على الصحابة ﵃: ١. فإنَّ منها ما يكون له علاقة بالأحكام، كفتاواهم وأقضيتهم، فإذا كنتُ سأعتمدُ على قول صحابي في مسألة لا نصَّ فيها ـ على سبيل المثال ـ، فسأحتاطُ في نَقدِها وفْقَ مَنهَجِ نقْدِ أحاديثِ النبيِّ ﷺ ، ولا بُدَّ من ذلك فيها. أما إذا كانت المسألةُ فيها نصٌّ صَريحٌ، فإنَّ إيراد أقوال الصحابة بعد ذلك يكون استئناساً وتأكيداً لِصِحَّةِ فَهْمِنَا لذلك النص، فإنْ نَقَدْنَا ذلكَ الخبرَ بالاحتياط المذكور آنفاً، فهو حَسَنٌ، وإنْ لم نفعل ذلك، فالأمرُ واسِعٌ، ولن نَضُرَّ المسألةَ العلميةَ شيئاً، لِوُرود النص فيها. ٢. ومنها ما يكون من باب الأخبارِ التاريخية: كأخبار الفتوح، والغزوات، ونحوها، وهذه حُكمُها حُكْمُ السيرةِ النبويةِ. ٣. فإنْ جئنَا لأخبار ما وقع بينهم في الفتنة، فواجب حينها أن تُنقَد بالاحتياط المذكور لأحاديث النبي ﷺ ، ولا يجوز غير ذلك؛ وذلك اتِّسَاقَاً مع الضابطِ الكُلِّي الذي وضعناه آنفاً، وليس استثناءً ـ خارجاً عن القانون ـ؛ حيثُ إنَّ أخبار الفتنةِ ليسَتْ أخباراً مجرَّدةً لا ينبني عليها أحكامٌ على أشخاص، بل هي أخبارٌ إذا ذُكِرَتْ لابُدَّ أن تتركَ في النفوس أحكاماً على الأشخاص بالصواب أو الخطأ، وربما بالعدالة أو الفسق عند بعض الأقوام،

стр. 484

وهؤلاء الأشخاص الذين ستُصْدِرُ عليهم تلك الأحكام هم أصحابُ النبي ﷺ و ﵃ أجمعين، وهم مَنْ سبقَ لهم مِنْ الله تعالى ورسُولِه الثناءُ والحكمُ بالعدالة؛ فلابُدَّ من تمحيصِ تلكَ الأخبارِ؛ خَاصَةً أنها أيضاً كانت مجالاً رحباً لأصحابِ الأهواءِ وأمراضِ النفوس من أهل الغِلِّ والحِقْدِ على دينِ الله تعالى، وعلى أصحابِ رسولِ الله ﷺ للتقوِّلِ والافتراء عليهم. على أنه يُمْكِنُ أنْ نُعَامِل الأخبار المتعلِّقَةِ بالفتنة، أو ما كان بنحوها بمنهج وسَط، وهُو أنه إذا ثَبَتَ عندنا ـ بالمنهج الحديثي المحتَاط ـ أصلُ خبرٍ من الأخبار، أن نُتَمِّمَ جوانبَ هذا الخبر بتفاصِيلَ مِن بقيةِ الأخبار، بشرط أن لا يكون في تفاصيلِ تلك الأخبار شئٌ يُعارِض الحكمَ الثابتَ لأصحابِ النبيِّ ﷺ من الخيرية والعدالةِ والفَضلِ، وأن لا يُعارِض أصلَ الخبرِ الثابتِ أيضاً. وذكر د. العوني مثالاً على ذلك، ثم قال: - فإذا جئنَا لأخبارٍ تاريخيةٍ بعدَ ذلك، مما وقع في القرن الهجري الثاني، أو الثالث: فالأصل فيها: إمرارُها والاستفادةُ منها دون نَقْدٍ حَدِيثيِّ مُحتَاطٍ، إلا إذا أراد أحدٌ أن يُصدِرَ حُكْماً دينياً على شَخْصٍ من الأشخَاصِ له حُرْمَةٌ دِينِيَّةٌ،

стр. 485

وهو أن يكون مسلماً ـ كبعض الملوك والسلاطين ـ (١)، فإننا لا نقبل ذلك إلا بنَقْدٍ يَثْبُتُ بمثلِه الحكمُ الديني. هذا إن كان لمثلِ هذا البحث ثَمرَةٌ عِلمِيةٌ، ... أما إن لم يكن له ثَمرةٌ، أو كان له ثَمرةٌ خبيثةٌ، فيُنهَى عن مثل هذا البحث، وعن إضاعة الوقت فيه. - وإذا جئنا إلى سِيَرِ العُلَماء وأخبَارِهِمْ: فالضابِطُ الكُلِّيُّ سائِرٌ على تَراجُمِهِم: ١. فإن كان ما يرد في تراجمهم سوف يصدرُ عنه حُكْمٌ ديني، وضعناه في معياره المحتاط، وأَوضحُ صُوَرِ هذا الحكم الديني: عبارات الجرح والتعديل في رُوَاة السُّنَّة. ٢. وإن كان بخلاف ذلك، كقِصَّة البخاري ـ السابقة ـ (٢) أو كعبارات في الوعظ والحِكْمَةِ، أو كَذِكْرِ مؤلَّفَاتِهِم، أو وصفِ مكتباتهم، ونحو ذلك من الأخبار؛ فهذه لا تُنْقَد بذلك النقد المحتاط، ولكن تُنْقَد بمعايير أخرى: تراعي المعقولَ وغيرَ المعقولِ، والثقةَ بناقِلِ الخبَرِ ـ أي المصدرَ ومؤلِّفَه ـ، وغيرَ ذلك من القرائِنِ المحتَفَّةِ بكُلِّ خَبَرٍ منها، وتُراعِي

стр. 486

المصلحةَ الحاصِلةَ من نَقدِهِ أيضاً). (١) وأختمُ بنَصٍّ نَفِيسٍ لمنظِّر المؤرِّخين: ابنِ خلدون (ت ٨٠٨ هـ) ﵀ حيث قال: (فضلُ علمِ التاريخ، وتحقيقُ مذاهِبه، والإلماعُ لما يَعرِض للمؤرخين من المغالط، وذِكرُ شيءٍ من أسبابها. اعلَمْ أنَّ فنَّ التّأريخ فنٌّ عزيزُ المَذهبِ، جمُّ الفوائد، شريفُ الغاية؛ إذْ هو يُوقِفُنَا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سِيَرهم، والملوك في دُوَلِهم وسياستهم. حتّى تتمَّ فائدةُ الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدِّين والدُّنيا. فهو محتَاجٌ إلى مآخِذَ مُتعَدِّدةٍ، ومَعَارِفَ مُتنوَّعةٍ، وحُسْنِ نَظَرٍ وتَثبُّتٍ يفضيان بصاحبهما إلى الحقِّ، ويُنَكِّبَان بهِ عن المزَلَّات والمغَالِطِ؛ لأنَّ الأخبارَ إذا

стр. 487

اعتُمِدَ فيها على مجرَّدِ النَّقْلِ، ولمْ تُحَكَّم أصولُ العَادَةِ، وقواعدُ السِّياسَةِ، وطبيعةُ العمران والأحوال في الاجتماع الإنسانيِّ، ولا قِيسَ الغائبُ منها بالشَّاهِدِ، والحاضرُ بالذَّاهِبِ؛ فرُبَّما لم يُؤمَنْ فيها مِن العُثُور ومَزِلَّةِ القَدَمِ والحَيدِ عَن جادَّة الصِّدْقِ. وكثيراً ما وقع للمُؤرِّخين والمُفَسِّرين وأئمَّةِ النَّقْلِ من المَغَالِطِ في الحكايات والوقائع؛ لاعتمادِهِمْ فيها على مُجَرَّد النَّقلِ غَثَّاً أوْ سمِيناً، ... لم يَعرِضُوهَا على أُصُولِهَا ولا قاسُوها بأشباهها، ولا سبَرُوها بمِعْيَارِ الحِكمَةِ، والوقوفِ عَلى طبائِعِ الكائنات، وتحكيمِ النَّظَرِ والبَصِيْرَةِ في الأخبار؛ فضلُّوا عن الحق، وتاهُوا في بَيْدَاءِ الوَهْمِ والغَلَطِ، سيِّما فِي إحصاءِ الأعدادِ من الأموال والعساكر، إذا عَرَضَتْ في الحِكَايات؛ إذْ هِيَ مَظِنَّةُ الكَذِبِ ومَطِيَّةُ الهَذَرِ، ... ولا بُدَّ من ردِّها إلى الأُصُولِ، وعَرْضِهَا عَلى القَوَاعِدِ). (١)

стр. 488

النتيجة: الأحاديث النبوية، والأخبار التاريخية على مراتب عدة: فأحاديث العقائد في درجة عالية من الحيطة، ثم أحاديث العبادات، ... ثم مابعد ذلك من الجنايات، والمعاملات، وأحكام النكاح والطلاق ونحوها، ثم الفضائل، والمناقب، والآداب، والرقاق، وغيرها. والحديث الوارد في الباب: منه ما يرد في أصل الباب، ومنه ما يرد تابعاً وشاهداً، فيُتخفف في الثاني ما لايتخفف في الأول، ومنه صنيع الإمامين البخاري ومسلم في تخريج أحاديث الرواة الثقات. فهذه لها مراتب عند المحدثين في الحكم عليها وقبولها. وثمَّةَ أبوابٌ عظيمةٌ كالمغازي، والتفسير، والملاحم يَقِلُّ فيها الحديث المسند المتصل الصحيح. وأخبار السيرة النبوية منها ما يستفاد منه حكمٌ شرعيٌّ، فيأخذ حكم السنة النبوية في النقد والتمحيص، ومنه ما لا يؤخذ منه حكمٌ شرعيٌّ، وإنما بيان عدد الرجال في الغزوة، أو تحديد دقيق في وقتها ومكانها، وغير ذلك فهذا يُتسامح فيه، ولا يعامل معاملة الأحاديث النبوية في فحصها ونقدها. ويرى بعض العلماء أن التسامح في تلك المرويات يكون في الرواة الضعفاء، ومن اعتُمِدوا في السِّيَر والمغازي كابن إسحاق (١)، وغيره.

стр. 489

وأما الواقدي ومن دونه من المتروكين والكذابين: كهشام بن محمد بن السائب الكلبي، وأبيه محمد، وأبي مخنف لوط بن يحيى، وإسحاق بن بشر، وغيرهم؛ فلا يُعبأُ بهم؛ ومنهم مَن يستأنس بهم إذا لم يَأتُوا بمُنكَر. والخبرُ الوارد عن الصحابة والتابعين: منه ما يكون في معنى ما ورد في الحديث المرفوع، ومنه ما يخالفه. ومنه خبر يؤخذ منه حكم شرعي، وآخر لا يؤخذ منه ذلك، وإنما هو في الوعظ مثلاً أو التاريخ. وفي كلٍّ منها يُعمِلُ أئمةُ الحديث النقدَ فيها ـ وإن كان على درجات ـ. وكذلك الأخبار التاريخية عن سلَف وخلَف هذه الأمة: إن لم يتضمن حكماً مؤثراً على طائفة أو شخص، أو ورد فيه ما يستنكره أهل العلم، وفيه مخالفة لما تتابع عليه العلماء من مؤرِّخِين وغيرِهم، إنْ سَلِم من ذلك، فإنه يُقبل دون فَحْصٍ ونَقْدٍ لإسنادِه. ويستفادُ في فحص إسنادِه للترجيح عند تعارض المرويات. وما سبق في تقسيم د. حاتم العوني، فهو تَقسيمٌ حاصِرٌ، حَسَنٌ جَمِيل. و ليس من الصوابِ أن نُقسِّم المسألة إلى: أحاديث نبوية، وروايات تاريخية فقط، فهذا تقسيم قاصِر، بل ينبغي أن تُعرَفَ مَراتِبُ الأحاديث، والمرويات ، فيقال: ١. أحاديث نبوية بمراتبها المذكورة سابقاً: عقيدة، أحكام، حدود ... وجنايات، معاملات، أخلاق وفضائل ... إلخ

стр. 490

٢. السيرة النبوية: منها ما يؤخذ منه حكم شرعي، فيُلحق بالأول، ومنها ما لا يؤخذ منه حكم، فيعامل معاملة أخرى. ٣. آثار الصحابة. ٤. آثار التابعين. ٥. روايات تاريخية، وهي درجات: ما تتعلق بالأئمة المتبوعين، والعلماء، والحكام، ثم من دونهم درَجَةً دَرَجَة ... ٦. مرويات السلف في الحِكمَة والفضائل. ٧. مرويات اللغويين والأدباء. إنَّ معرفةَ مراتبِ هذه المرويات قبل فحصها أمْرٌ يُسهِّلُ معرفة المعايير المطلوبة، وليس صحيحاً أن نجعلها قسمين فقط! ثم مضمون الرواية التاريخية، فبعضها يتضمن: حكماً شرعياً، أو نقداً في جماعة أو شخص، أو قولاً شائعاً عند المؤرخين، أو قولاً شاذاً، وهكذا. ولكل منها حُكْمٌ ونَظَر. والمسألةُ ـ محلُّ البَحْثِ ـ فيها طَرَفَانِ بَعِيدَانِ، وَوَسَطٌ. ١. طَرفٌ يريد تطبيق القواعد الحديثية على المرويات التاريخية كلها، دون قيد أو شرط. ٢. وطَرفٌ يُنكِرُ إعمالَ النقد في أي شئ من مرويات السيرة، والتاريخ، وغالب مَن يُنكرُ ـ إنْ لم يكُنْ كلُّهم ـ مِن الجهلة الضعفاء، والصوفية.

стр. 491

٣. والوسط: إعمالُ النقدِ العلمي الحديثي المُمَيَّز وقَبولُهُ على ما يُستنكَر فقط، بأي نوعٍ من أنواع النكارة العلمية المذكورة في كتبِ علمِ الحديث، وتطبيقاتِهم العملية، أو المستنكرة عند علماء التاريخ وفق ضوابطهم العلمية النقدية. ويُعمَل أيضاً عند الترجيح بين الروايات المتعارضة. وأهلُ الحديث يقبلون من الرجال الرواة في علم التاريخ ما لا يقبلونه في الحديث ـ كما سبق ذكر نماذج منهم ـ. وعليه، فلا يلزم من إعمال النقد الحديثي لإسناد الرواية التاريخية ... ـ الضعيفة حديثياً ـ عدم القبول؛ فلا تعارض بين أن نقول عن رواية تاريخية: إسنادها مرسل، أو فيها راوٍ ضعيف، أو مدلِّس، ومع ضعفها حديثياً إلا أنها تُقبَل، لأنها رواية تاريخية، ولعدم وجود ما يُنكر فيها، ولوجود قرائن تاريخية مؤيدة لها ... إلخ. ولإظهار العمل الحديثي في الرواية التاريخية فوائد، منها: أنه قد تظهر فيما بعد ـ في المسألة التاريخية ـ روايات، أو أقاويل أخرى، يحتاج المؤلِّف أو القارئ إلى الموازنة والترجيح. فالأحسن إعمالُ وبيان حال الرواية المسندة التاريخية بالمنهج الحديثي مطلقاً في الدراسات والبحوث؛ للعلم والمعرفة. أما القبول أو الرد، والموازنة والاعتبار بكلام المؤرِّخين، فهي مسألة تالية للنظر الحديثي، فيُجمَعُ بين الأمرين ـ والعلمُ عند الله تعالى ـ.

стр. 492

أين موقع المرويات الواردة في سيرة فاطمة ﵂ من هذه القائمة؟ إن كثيراً من مرويات سيرةِ فاطمة ﵂ تُعتَبَرُ من الأحاديث النبوية التي لايجوز أنْ يُعامِلَها المرءُ معاملةَ الروايات التاريخية ـ كما حصل لبعض المعاصرين ـ بل منها ما يدخل في أحاديث الأحكام، ومنها ما هو أرفع من أحاديث السيرة النبوية، يُعرف ذلك حَسب موضوعه. وليس شئٌ منها يُنظر إليها على أنها رواية تاريخية فحسب، فيَنقلُ الكاتبُ ما يشاءُ اتِّكاءً على أنها روايات تاريخية! ! كما فعل بعض المعاصرين. فسيرةُ بناتِ النبيِّ ﷺ يؤخَذُ كثيرٌ منها على أنها من قسم الأحاديث النبوية بمراتبها السابقة، والباقي كالسيرة النبوية. إذا وردت أسانيدُ ـ غير مرفوعة ـ في شأن فاطمة ﵂: فإن كانت تتضمن حكماً شرعياً، أو لها تعلُّق بالسيرةِ النبوية، ... أو تتضمن أمراً يخالف ما عليه الأكثرون من الأئمة السابقين من المحدِّثين والمؤرِّخين؛ فإنه ـ والحالة هذه ـ تُعرض الأسانيد على المنهج الحديثي النقدي. فإن لم تتضمن ماسبق؛ فإنه يتساهل فيها، خاصة إن كانت صحيحة إلى راوٍ من رواة آل البيت، فآلُ البيت أدرى بشأن آبائهم؛ وعليه فتقبل المراسيل التاريخية في هذا الباب، إذا لم تُعارَض بمثلها، ويزداد قبولها إذا كانت مُوافقة ... لِمَا عليه أهلُ السِّيَر.

стр. 493

وفي الختام: هذا ما تيسر إيرادُه على سبيل الإيجاز، والموضوعُ في نظري ... ـ رغم ما كُتب فيه من بحوث ــ يستحقُّ الدراسةَ المطوَّلة المحرَّرَة، وإفرادَه في كتابٍ مستقلٍّ مُحَرَّرٍّ، يتضمن تطبيق القواعدِ الحديثية على مرويات: التفسير، والمغازي، والملاحم، والتاريخ، واللغة والأدب؛ لِكُلِّ نَوعٍ منها بَابٌ مُستقِلٌّ، مع ذكر نماذج تطبيقية من العلماء في كل فَنٍّ؛ وذلك لأهميةِ هذا الموضوع وخُطورَتِهِ؛ خاصةً مع ظهور دراسات جيِّدة من بعض أهل العلم في زماننا، عَرضَتْ الأخبار والقصص التاريخية على ميزان المحدِّثِين (١)، فحصل نفيٌ لبَعضِ ما تواترَ عند أهل العلم واستقرَّ، فكانت ـ تلك الدراسات ـ مثار تساؤل وإشكال منهجي ـ والله تعالى أعلم ـ. * * *

стр. 494

فاطمة بنت النبي ﷺ سيرتها، فضائلها، مسندها ﵂ -

стр. 495

(ح) دار الآل والصحب الوقفية، ط. الأولى ١٤٤٠ هـ جميع الحقوق محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى رمضان ١٤٤٠ هـ دار الآل والصحب الوقفية في: الرياض/ المدينة/ الأحساء المركز الرئيسي: الرياض: هاتف ٩٢٠٠٠٨٦٣٧ الموقع الشبكي: www.alaalwalsahb.com
следующие страницы →