ــ سعيد بن خُثيم بن رَشَد الهلالي، أبو معمر الكوفي.
صدوق، رُمي بالتشيع.
وثقه: ابن معين، وزاد: (ليس به بأس)، والعجلي، وذكره ابن حبان، وابن خلفون في «الثقات»
قال أبو زرعة، والنسائي: لا بأس به.
وقال أبو حاتم: لا أعرفه.
وذكر ابن عدي أن أحاديثَه قليلةٌ، وقال: مقدارُ ما يرويه غير محفوظ.
ورمي بالتشيع، قيل: لابن معين بعد أن وثقه: شيعي؟ قال: وشيعي ثقة، وقدريٌّ ثقة.
قال ابن حجر في «التقريب»: صدوق، رُمي بالتشيع، له أغاليط. (١)
روى له الترمذي، والنسائي.
ولعل الراجح ما اختاره ابن حجر، أنزله عن درجة الثقة؛ لأوهامه وأغاليطه؛ مع قلة أحاديثه. (٢)
стр. 702
ـ فُضيل بن مرزوق الأغرَّ الرقاشي، ويقال: الرؤاسي، ... أبو عبدالرحمن الكوفي العَنَزي مولاهم.
صدوق، شيعي.
وثَّقَه: الثوري، وابن عيينة، وابن معين، والعجلي وزاد: (جائز الحديث، وكان فيه تشيع). ووثَّقَه: يعقوب بن سفيان، وذكره ابن حبان في ... «الثقات» وقال: كان ممن يخطئ.
وقال ابن معين ـ في رواية ابن محرز عنه ـ: صويلح. وفي رواية الدارمي عنه: لا بأس به.
وفي رواية عبدالخالق بن منصور عنه: صالح الحديث؛ لكنه شديد التشيع.
قال البخاري: مقارب الحديث. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.
سئل عنه الإمام أحمد فقال: لا أعلم إلا خيراً.
قال ابن أبي حاتم سألت أبي عنه؟ فقال: صدوق، صالح الحديث، يهم كثيراً، يُكتب حديثه. قلتُ: يحتجُّ به؟ قال: لا.
стр. 703
وضعَّفَه: ابن معين في رواية أحمد بن زهير ـ كما ذكرها ابن حبان في ... «المجروحين» ـ، وضعفه أيضاً: النسائي.
وبعد أن نقل عثمان الدارمي قول ابن معين فيه: لا بأس به. قال: ... (يُقال: فُضيل بن مرزوق ضعيف).
وذكره ابن حبان أيضاً في «المجروحين»، وقال: (منكر الحديث جداً، كان ممن يخطئ على الثقات، ويروي عن عطية الموضوعات، وعن الثقات الأشياء المستقيمة؛ فاشتبه أمره؛ والذي عندي أن كلَّ ما روى عن عطية المناكير، يُلزق ذلك كلُّه بعطية، ويُبرَّأُ فضيل منها؛ وفيما وافق الثقات من الروايات عن الأثبات يكون محتجاً به، وفيما انفرد عن الثقات مما لم يُتابَع عليه؛ يُتنكَّبُ عنها في الاحتجاج بها).
قال الذهبي في «الميزان»: كان معروفاً بالتشيع من غير سبٍّ. وفي ... «تاريخ الإسلام»: وهو شيعي، غير رافضي. وفي «السير»: وحديثه في عداد الحسن ـ إن شاء الله ـ وهو شيعي.
وقال في «الكاشف»: ثقة. وفي «تاريخ الإسلام»: صالح الحديث.
قال ابن حجر في «التقريب»: صدوق يهم، ورُمي بالتشيع.
والراجح: أنه صدوق؛ وهو وسط بين مَن وثَّقَه، ومن ضعَّفَه، وقد نزل عن درجة الثقة، لأوهامه التي ذكرها أبو حاتم، وابن حبان، والحاكم، ولعل
стр. 704
تضعيفه بالنظر للروايات المناكير التي رواها عن عطية العوفي، وهي من قبل عطية، كما قال ابن حبان.
وهذا التوسط هو قول البخاري، وابن معين في بعض الروايات ... ـ والله أعلم ـ.
أخرج له مسلم حديثين في المتابعات، والأربعة.
قال الحاكم عن فضيل: (ليس من شرط الصحيح، ونعيب على مسلم بإخراجه في الصحيح).
قلتُ: الإمام مسلم أخرج له في الشواهد، والاستشهاد بمثله سائغ. (١)
стр. 705
ــ عطية بن سعد بن جُنادة العَوْفيُّ الجَدَليُّ القَيسيُّ، أبو الحسَن الكوفي.
ضَعيفٌ، شيعيٌّ، مُدلِّس.
قال ابن سعد: كان ثقة ـ إن شاء الله ـ، وله أحاديث صالحة، ومِن الناس مَن لا يحتج به.
قال ابن معين ـ في رواية الدوري عنه ـ: صالح. وفي رواية ابن طهمان عنه: ليس به بأس.
وضعَّفَه: يحيى بن سعيد القطان، وأحمد، والثوري، وهشيم، وابن معين في رواية، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي، والجوزجاني، وابن حبان، وابن عدي، والدارقطني، وغيرهم.
وقال ابن معين ـ في رواية ابن الجنيد عنه ـ: ضعيف في القضاء، ضعيف في الحديث.
وقال مرَّةً: ضعيف، يكتب حديثه. وقال أبو داود: ليس بالذي يعتمد عليه.
وقال ابن حبان في «المجروحين» بعد أن ذكر تدليسه: فلا يحل الاحتجاج به، ولا كتابة حديثه، إلا على جهة التعجب.
وقال ابن عدي: وهو مع ضعفه يكتب حديثه، وكان يُعد من شيعة أهل الكوفة.
стр. 706
قال الذهبي في «الكاشف»: ضعفوه. وفي «الميزان»: ضعيف. ... وفي «المغني»: تابعيٌّ، مشهور، مجمعٌ عَلى ضعفه.
وفي «السِّيَر»: من مشاهير التابعين، ضعيف الحديث ... وكان شيعياً.
وقال ابن حجر في «التقريب»: صدوق يخطئ كثيراً، وكان شيعياً مدلِّساً.
وذكره أيضاً في «تعريف أهل التقديس» في المرتبة الرابعة من مراتب المدلسين، وهم: مَنْ اتُفِقَ على أنه لا يُحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع؛ لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل.
روى له البخاري في «الأدب المفرد»، والأربعة إلا النسائي.
(ت ١١١ هـ). (١)
стр. 707
تخريج الحديث:
ــ أخرجه: أبو يعلى في «مسنده» ـ كما سبق ـ عن الحسين بن يزيد الطحان، عن سعيد بن خُثيم.
ــ والبزار في «مسنده» = «كشف الأستار» (٣/ ٥٥) رقم (٢٢٢٣) عن عباد بن يعقوب (١)، عن أبي يحيى التيمي. (٢)
ــ وابن عدي في «الكامل» (٥/ ١٩٠) عن القاسم بن زكريا، عن عباد بن يعقوب. والحاكم في «فضائل فاطمة» (ص ٥٣) رقم (٣٦) من طريق إبراهيم بن محمد بن ميمون. (٣)
والذهبي في «ميزان الاعتدال» (٣/ ١٤٧) معلقاً عن ابن وهب.
ثلاثتهم عن علي بن عابس. (٤)
стр. 708
ــ وأخرجه أبو موسى المديني في «إبانة براءة ساحة الصديق مما ينسبه إليه الرافضي الزنديق» ــ ذكره ابن ناصر الدين الدمشقي في «جامع الآثار» ... (٧/ ٣٥٧) ــ من طريق محمد بن علي بن دحيم، قال: حدثنا أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو عبدالرحمن الأصباغي. (١)
أربعتهم: (سعيد بن خثيم، وأبو يحيى التيمي، وعلي بن عابس، أبو عبدالرحمن الأصباغي) عن فضيل بن مرزوق.
تابعه: أبو عمرو بن العلاء، فرواه الحاكم في «فضائل فاطمة» ... (ص ٥٣) رقم (٣٧) من طريق عثمان بن طالوت (٢)، عن بشر بن أبي عمرو بن العلاء (٣)، عن أبيه.
كلاهما: (فضيل بن مرزوق، وأبو عمرو بن العلاء) عن عطية العَوفي، عن أبي سعيد الخدري ﵁.
وفي حديث بشر بن العلاء، عن أبيه، زيادة: أعطاها فدكاً والعوالي، وقال ﷺ لها: «هذا قَسَمٌ قسَمَهُ اللهُ من السماء، لك ولعقبك،
стр. 709
والويل لمن حال دونه».
وأخرجه أيضاً: ابن أبي حاتم، وابن مردويه في «تفسيرهما» كما في ... «الدر المنثور» للسيوطي (٩/ ٣٢٠). وابن النجار كما في «كنز العمال» ... (٣/ ٧٦٧) رقم (٨٦٩٦). (١)
ــ وروي من وجه آخر:
رواه أبو زرعة الرازي، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، مرسلاً. لم يذكر أبا سعيد الخدري ﵁. قال أبو حاتم: وهذا أصح.
أخرجه: ابن أبي حاتم في «العلل» (٤/ ٥٨٣) رقم (١٦٥٦).
ــ ورواه أبو أيوب سليمان بن داوود الشاذكوني (٢)، قال: حدثنا
стр. 710
عبدالله بن داوود، وعبيدالله بن موسى، قالا: عن فضيل، به.
ذكره ابن ناصر الدين الدمشقي في «جامع الآثار» (٧/ ٣٥٦)، والظاهر أنه من كتاب أبي موسى المديني: «إبانة براءة ساحة الصديق مما ينسبه إليه الرافضي الزنديق».
إذن ثلاثتهم: (أبو نعيم الفضل، وعبدالله بن داوود، وعبيدالله بن موسى) عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، مرسلاً.
ــ وروي من وجه آخر:
قال عمر بن شبَّة (ت ٢٦٢ هـ) في «تاريخ المدينة» (١/ ١٩٩): حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، قال: حدثنا فضيل بن مرزوق، قال: حدثني النميري بن حيان (١)، قال: قلت لزيد بن علي ﵀ ـ وأنا أريد أن أهجِّن أمرَ أبي بكر ـ: إن أبا بكر ﵁ انتزع من فاطمة ﵂ فدك.
فقال: إنَّ أبا بكر ﵁ كان رجلاً رحيماً، وكان يكره أن يغير شيئاً تركه رسول الله ﷺ فأتته فاطمة ﵂ فقالت: إنَّ ... رسولَ الله ﷺ أعطاني فدك. فقال لها: هل لك على هذا بيِّنَة؟
стр. 711
فجاءت بعلي ﵁ فشهد لها، ثم جاءت بأم أيمن ﵂ فقالت: أليس تشهد أني من أهل الجنة؟ قال: بلى. ــ قال أبو أحمد (١): يعني أنها قالت ذاك لأبي بكر وعمر ﵄ ــ.
قالت: فأشهدُ أنَّ النبيَّ ﷺ أعطاها فدك.
فقال أبو بكر ﵁: فَبِرَجُلٍ وامرأة تستحقِّينها، أو تستحقين بها القضية؟
قال زيد بن علي: وايم الله، لو رجع الأمر إليَّ؛ لقضيتُ فيها بقضاء أبي بكر ﵁.
وروي بنحوه من وجه آخر، بإسناد ضعيف مرسل، كما في «فتوح البلدان» للبلاذري (ص ٤٠).
وللحديث شاهدان:
١. حديث ابن عباس ﵄.
أخرجه: ابن مردويه في «تفسيره» كما في «الدر المنثور» للسيوطي ... (٩/ ٣٢١).
ثم وجدت ابنَ ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢ هـ) ذكره في «جامع الآثار» (٧/ ٣٥٨)، فقال: (ولا حُجَّةَ بما رواه إبراهيم بنُ الحكَم بن ظهير،
стр. 712
عن أبيه، عن السُّدِّي، عن أبي مالك، عن ابن عباس ﵄ في تفسيره لما نزلت ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦] أقطعَ رسولُ الله ﷺ فاطمة ﵂ فدك.
فهذا لا يُحتجُّ به؛ لِظلمة إسناده، فإبراهيم، وأبوه، والسدي، ضعفاء غير محتجٍّ بهم). انتهى.
٢. حديث الحسين بن علي ﵄.
أخرجه: الحاكم في «فضائل فاطمة» (ص ٥١) رقم (٣٣) قال أبو عبدالله الحاكم (١): حدثنا أبو بكر بن أبي دارم الحافظ بالكوفة (٢)، قال: حدثنا المنذر بن محمد بن المنذر القابوسي (٣)، قال: ...
стр. 713
حدثنا أبي (١)، قال: حدثنا عمي (٢)، عن أبيه (٣)، عن أبان بن تغلب (٤)،
عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن الحسين بن علي ﵄ قال: لما نزلت ... فذكر مثل حديث أبي سعيد ﵁.
أقوال الأئمة:
ــ سئل أبو حاتم عن الحديث من طريق سعيد بن خثيم، عن فضيل، فقال: (إنما هو: عن عطية؛ قال: لما نزلت ... مرسل؛ قال: ليس فيه ذكر أبي سعيد).
وأكَّد هذا ــ أيضاً ــ في مَوضعٍ آخر، وذكر أنَّ روايةَ أبي نُعَيم مُرسَلاً
стр. 714
أصحُّ. (١)
ــ قال البزار ـ بعد الحديث ـ: (لا نعلم رواه إلا أبو سعيد، ولا حدَّث به عن عطيةَ إلا فُضيلٌ، ورواه عن فُضيلٍ أبو يحيى، وحميدُ بنُ حماد بن أبي الخوار). (٢)
ــ قال الحاكم في «تاريخه» عن طريق إبراهيم بن محمد بن ميمون: ... (تفرَّدَ به إبراهيم بن محمد بن ميمون، عن علي بن عابس). (٣)
قلتُ: وسبق ذكر متابعة لإبراهيم بن محمد.
ــ قال ابنُ ناصر الدين الدمشقي: (هذا حديث لايثبت، وقد تقدَّم أنه مفتعل، لا ثبتَ فيه، من قولِ حماد بن إسحاق (٤) ... ثم ذكر عن الحافظ أبي موسى المديني في كتابه «إبانة براءة ساحة الصديق مما ينسبه إليه الرافضي الزنديق» أنه رواه وأبطله من وجوه:
стр. 715
١. أنَّ عطيةَ للشيعة مَطيةٌ، وأنه تلقَّى التفسير عن الكلبي، والكلبيُّ حاله في الرفض مشهور.
٢. أنَّ ابنَ عباس وغيرَه من المفسرين اتَّفَقوا على أن سورة بني إسرائيل مكية، وفدَك إنما أفاء اللهُ على رسولِه ﷺ بالمدينة في أواخر عهدِه، فكيف أعطاها بمكة قبل أن يفيئها اللهُ عليه؟ !
٣. أن فاطمة وعلياً وعباساً ﵃ كذَّبوا هذا الحديث، حيث ادَّعوا نصيب الميراث من فدَك، ولو كان رسول اللهُ ﷺ أعطاها فدك؛ لطلبت الكلَّ، ولما طلبَ العباسُ منه شيئاً.
وذكر وجوهاً أُخَر تدلُّ على بطلان هذا). انتهى من «جامع الآثار». (١)
ــ قال الذهبي عن هذا الحديث: (هذا باطل، ولو كانَ وقعَ ذلك لما جاءتْ فاطمة ﵂ تطلبُ شيئاً هو في حَوْزِها ومُلكِها). (٢)
ــ قال ابن كثير: (وهذا الحديث مشكل لو صحَّ إسناده؛ لأن الآية مكية، وفدَك إنما فُتحت مع خيبر، سنة سبع من الهجرة؛ فكيف يلتئم هذا مع
стр. 716
هذا؟ ! فهُو إذاً حديثٌ مُنْكَر، والأشبَهُ أنه من وَضْعِ الرافضة، والله أعلم). (١)
ــ قال أبو إسماعيل حماد بن إسحاق المالكي (ت ٢٦٧ هـ) ﵀: ... (فأمَّا ما يحكيه قومٌ أن فاطمة ﵍ طلبتْ فدَك، وذكرَتْ أنَّ ... رسولَ اللهِ ﷺ أقطعها إيَّاها، وشهِدَ لها عليٌّ ﵇، فلم يقبل أبو بكر ﵁ شهادتَه؛ لأنه زوجها؛ فهذا أمرٌ لا أصَلَ لَهُ، ولا تثْبُتْ بِهِ رواية، أنَّها ادَّعَتْ ذلك، وإنما هُوَ أمْرٌ مُفْتَعَل لا ثبُتُ فيه، وإنِّما طلَبَتْ وادَّعَت الميراث، هي وغيرها من الورثة؛ وكان النظر والدعوى في ذلك، وقد بيَّنَا ما جاءت به الروايات الصحاح فيه، وإنما طلبتْ هيَ والعباسُ ﵉ من فدك وغيرها، مما خلَّفَ رسولُ الله ﷺ الميراث، ولم تذكر أن رسول الله ﷺ أقطعها إياها، بل كان طلبها من فدك وغير فدك ميراثها). (٢)
وقال أيضاً: ( ... ولو كان رسولُ الله ﷺ أقطعَها فدَك، وعَلِمَ بذلك عليٌّ ﵇، وشهِدَ بِهِ كما ذَكَرُوا؛ لأَوْجَبَهَا عَليٌّ ﵇
стр. 717
لِوَرَثَةِ فاطمة ﵍، حيثُ وليَ الأمر، ولم يظلمِهُمْ حقوقَهُم أن كان قَدْ شهِدَ بذلك عَلى رسُولِ اللهِ ﷺ كما زعموا، ولم يسَعَه إلا ذلك، إنْ كان كما قالوا شهِدَ بذلك على رسولِ اللهِ ﷺ ، ولم يكُن عَلِمَهُ ... أبو بكر فرَدَّ شهادتَه مِن أجل أنَّه زوجُها.
وكان يجبُ عليه ﵇ حيث وليَ الأمرَ أنْ يُمضِيْهِ لهم، ويقول: قدْ أشهَدَنِي رسولُ الله ﷺ ، ورَدَّ أبو بكر شهادَتي مِن أجلِ أني زوجٌ، ولا يسَعُنِي إلا إنفاذَ الحقِّ لأهْلِهِ، كما جعلَهُ رسولُ اللهُ ﷺ لها، إذْ علمتُ منهُ مَا لم يكُنْ عَلِمَهُ أبو بكر، فإنَّه لا يحلُّ لمسلمٍ إلا إنفاذَ ما صَحَّ عندَهُ مِن فِعْلِ رسولِ الله ﷺ وأمرِهِ، يقول اللهُ : ... ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ ... يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ ... عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ... (سورة النور، آية ٦٣) كمَا عمِلَ أبو بكر ﵁ فيما سَمِعَ مِن رسولِ اللهِ ﷺ من قوله: «إنَّا لا نُورث»؛ وكذلك إمضاؤه أمرَ قَسْمِ الخُمُسِ وغَيرِهِ، على ما رأى مِن فِعْلِهِ ﷺ ، ثمَّ لا يستَوحِشْ مِن ذلك ولا يُشاوِرْ فيه أحداً كما كان يفعلُ في غيره، مما لم يسمَعْ فيه منه شيئَاً، فيجمَعُ له أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ عمرُ بعده.
ومَنْ قال بهذا القولِ يَلزمُهُ الطعنُ عَلى عَلِيٍّ ﵇ أكثرَ مما يلزمُه مِن الطعنِ عَلى أبي بكر! إذْ كان يزعُمُ أن عليَّاً ﵇ لم يُنفِذْ أمَرَ رسُولِ الله
стр. 718
- ﷺ الذي قدْ عَلِمَهُ، وشَهِدَ بِهِ، وأجازَ ما كانَ ظُلماً عندَه، ولم يُغيِّرْهُ، وزعَمُوا أنَّ أبا بكر لم يكُنْ عَلِمَ بذلك، وإنَّمَا شهِدَ بِهِ عندَهُ الزوجُ، فلَمْ يُجِزْ شهادَتَهُ، وطَعْنِهِمْ عَلى عَلِيٍّ ﵇ في هذَا أكثَرُ؛ وقَدْ خَلَّفَتْ ﵍ من الوَلَد: الحسنَ، والحسين، وزينب، وأم كلثوم ﵈، فتزوجَ عبدُالله بنُ جعفر بزينب، وولَدَتْ لَه أولاداً، وتزوَّجَ عُمَرُ بأم كلثوم، وولدَتْ له زيْداً ورقية ابني عُمَر، فكان يجبُ عَلى عَلِيٍّ ﵇ تسلِيمَ فَدَكٍ إلى ولَدِهَا، وكانَ لِعُمَرَ ﵁ الحظُّ الوَافر في ذلك، وهُو حَقُّ زوجتِهِ أمِّ كُلثومٍ، ثمَّ لزيدٍ ابنِهِ منها ولَدٌ). (١)
ــ قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية ﵀ (٢) ــ بعد أن أورد قول الرافضي طلب فاطمة من أبي بكر فَدَك، وردَ أبي بكر شهادةَ أمِّ أيمن وعليِّ بن أبي طالب ﵃ ــ قال:
(والجواب: أنَّ في هذا الكلام من الكذب والبهتان والكلام الفاسد ما لا يكاد يُحصى إلا بكَلَفة، ولكن سنَذكرُ مِن ذلك وجوها ـ إن شاء اللهُ تعالى ـ:
أحدها: أنَّ ما ذكر من ادعاء فاطمة ﵂ فدك، فإن هذا يناقض كونها ميراثاً لها، فإن كان طلبها بطريق الإرث؛ امتنع أن يكون بطريق الهبة،
стр. 719
وإن كان بطريق الهبة؛ امتنع أن يكون بطريق الإرث، ثم إنْ كانت هذه هبة في مرض الموت، فرسولُ اللهِ ﷺ مُنزَّهٌ، إن كان يُورَث كما يُورَث غيره، أنْ يُوصي لوارثٍ أو يخصُّه في مرض موتِه بأكثر من حقِّه، وإن كان في صحته فلا بد أن تكون هذه هبة مقبوضة، وإلا فإذا وهب الواهب بكلامه ولم يقبض الموهوب شيئاً حتى مات الواهب كان ذلك باطلاً عند جماهير العلماء، فكيف يهب النبي ﷺ فدَكَ لفاطمة ولا يكون هذا أمراً معروفاً عند أهل بيته والمسلمين، حتى تخص بمعرفته أم أيمن أو علي ﵄؟ !
الوجه الثاني: أنَّ ادِّعاءَ فاطمة ذلك كَذِبٌ على فاطمة، وقد قال الإمام أبو العباس بن سُرَيج في الكتاب الذي صنَّفَه في الرد على عيسى بن أبان لما تكلم معه في باب اليمين والشاهد، واحتج بما احتج، وأجاب عما عارض به عيسى بن أبان، قال: وأما حديث البحتري بن حسان (١)، عن زيد بن علي: أن فاطمة ذكرت لأبي بكر أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أعطاها فدك، وأنها جاءت برجل وامرأة، فقال: رجل مع رجل، وامرأة مع امرأة، فسبحانَ اللهِ ما أعجب هذا؟ ! قد سألتْ فاطمة أبا بكر ميراثها وأخبرها عن رسُولِ اللهِ ﷺ أنه قال: «لا نورث»، وماحُكِيَ في شيء من الأحاديث أنَّ
стр. 720
فاطمة ادَّعَتْها بغير الميراث، ولا أنَّ أحداً شهد بذلك.
ولقد روى جرير، عن مغيرة، عن عمر بن عبد العزيز أنه قال في فدك: ... «إنَّ فاطمةَ سألَتْ النبيَّ ﷺ أن يجعلها لها فأبى، وأنَّ النبيَّ ﷺ كان ينفق منها، ويعود على ضعَفَةِ بني هاشم، ويزوج منه أيِّمَهُم، وكانت كذلك حياة رسولِ الله ﷺ أمر صدقة وقبلت فاطمة الحق، وإني أشهدكم أني رددتها إلى ما كانَتْ في عهد رسُولِ اللهِ ﷺ ».
ولم يُسمَعْ أن فاطمة ﵁ ادَّعت أنَّ النبيَّ ﷺ أعطاها إياها في حديث ثابت متَّصِلٍ، ولا أن شاهداً شهد لها، ولو كان ذلك لحُكِي؛ لأنها خصومة وأمرٌ ظاهرٌ تنازَعَتْ فيه الأمةُ وتحادثت فيه، فلَمْ يقُلْ أحَدٌ من المسلمين: شَهِدَتُ النبيَّ ﷺ أعطاها فاطمة، ولا سَمِعْتُ فاطمة تدعيها؛ حتى جاء البحتري (١) بن حسان يحكي عن زيد شيئاً لا ندري ما أصله؟ ! ولا مَنْ جاء به، وليس من أحاديث أهل العلم: فضل (٢) بن مرزوق، عن البحتري (٣)، عن زيد، وقد كان ينبغي لصاحب الكتاب أن يكُفَّ عن
стр. 721
بعض هذا الذي لا معنى له، وكان الحديث قد حسن بقول زيد: لو كنتُ أنا لقضيتُ بما قضى به أبو بكر.
وهذا مما لا يثبت على أبي بكر، ولا على فاطمة، لو لم يخالفه أحد، ولو لم تجر فيه المناظرة، ويأت فيها الرواية، فكيف وقد جاءت؟ وأصل المذهب أن الحديث إذا ثبت عن رسول اللهِ ﷺ ، ثم قال أبو بكر بخلافه، إن هذا من أبي بكر ﵀ كنحو ما كان منه في الجدة، وأنه متى بلغه الخبر؛ رجع إليه.
ولو ثبت هذا الحديث لم يكن فيه حجة؛ لأن فاطمة لم تقل: إني أحلف مع شاهدي فمنعت. ولم يقل أبو بكر: إني لا أرى اليمين مع الشاهد.
قالوا: وهذا الحديث غلط؛ لأن أسامة بن زيد، يروي عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: كان مما احتج به عمر أن قال: كانت ... لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا: بنو النضير، وخيبر، وفدك.
فأما بنو النضير، فكانت حبساً لنوائبه.
وأما فدك، فكانت حبساً لأبناء السبيل.
وأما خيبر، فجزأها رسول الله ﷺ ثلاثة أجزاء: جزأين بين المسلمين، وجزءاً نفقة لأهله، فما فضل عن نفقة أهله، جعله بين فقراء المهاجرين جزأين.
стр. 722
وروى الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها أخبرته أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه بالمدينة، وفدك، وما بقي من خُمُس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة، وإنما يأكل آل محمد من هذا المال»، وإني والله لا أُغَيِّرُ شيئاً من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ﷺ ، ولأعملنَّ فيها بما عمل به رسول الله ﷺ ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً. (١)
ورواه شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري قال: حدثني عروة: أن عائشة أخبرته بهذا الحديث. «قال: وفاطمة ﵂ حينئذ تطلب صدقة ... رسول الله التي بالمدينة، وفدك، وما بقي من خمس خيبر. قالت عائشة: فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة، وإنما يأكل آل محمد في هذا المال». يعني: مال الله ، ليس لهم أن يزيدوا على المال. (٢)
ورواه صالح، عن ابن شهاب، عن عروة، أن عائشة قالت فيه: فأبَى
стр. 723
أبو بكر عليها ذلك، وقال: لستُ تاركاً شيئاً كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملتُ به، إني أخشى إن تركتُ شيئاً من أمرِهِ أن أزيغ. فأما صدقَتُه بالمدينة فدفَعَها عمرُ إلى عليٍّ وعَبَّاس، فغَلَبَ عليٌّ عليها. وأما خيبر وفدك فأمسَكَهَا عُمَرُ، وقال: هما صدقة رسول الله ﷺ كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرُهَا إلى مَنْ وَلِيَ الأمر. قال: فهما على ذلك إلى اليوم. (١)
فهذه الأحاديث الثابتة المعروفة عند أهل العلم، وفيها ما يُبَيِّنُ أن فاطمة ﵂ طلَبَتْ ميراثها من رسول الله ﷺ على ما كانت تعرف من المواريث، فأُخبِرتْ بما كان من رسول الله؛ فَسَلَّمَتْ ورَجَعَتْ، فكيف تطلبها ميراثاً وهي تدَّعِيْهَا مُلْكَاً بالعطيَّةِ؟ ! هذا ما لا معنى فيه.
وقد كان ينبغي لصاحب الكتاب أن يتدبر، ولا نحتج بما يوجد في الأحاديث الثابتة لرده وإبانة الغلط فيه، ولكن حبّك الشيء يُعمي ويُصِم.
وقد روي عن أنس أن أبا بكر قال لفاطمة ــ وقد قرأت عليه ــ إني أقرأ مثل ما قرأت، ولا يبلغن علمي أن يكون قاله كله. قالت فاطمة: هو لك ولقرابتك؟ قال: لا، وأنت عندي مصدَّقَة أمينة، فإن كان رسول الله ﷺ عهد إليك في هذا، أو وعدك فيه موعداً، أو أوجبه لكم حقَّاً
стр. 724
صدَّقْتُكِ. فقالت: لا غيرَ أن رسول الله ﷺ قال حين أنزل عليه: «أبشروا يا آل محمد وقد جاءكم الله بالغِنى».
قال أبو بكر: صدق الله ورسوله، وصدقَتِ، فلَكُمْ الفيء، ولم يبلُغْ عِلْمي بتأويل هذه أن أستلم هذا السهم كلَّه كاملاً إليكم، ولكم الفيء الذي يسعكم.
وهذا يبيِّنُ أنَّ أبا بكر كان يقبل قولها، فكيف يرده ومعه شاهد وامرأة؟ ! ولكنه يتعلق بكل شيء يجده.
الوجه الثالث: أن يقال: إن كان النبي ﷺ يورث، فالخصم في ذلك أزواجه وعمُّه، ولا تقبل عليهم شهادة امرأة واحدة، ولا رجل واحد، بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، واتفاق المسلمين؛ وإن كان لا يورث فالخصم في ذلك المسلمون، فكذلك لا يقبل عليهم شهادة امرأة واحدة، ولا رجل واحد، باتفاق المسلمين، ولا رجل وامرأة.
نعم يحكم في مثل ذلك بشهادة ويمين الطالب عند فقهاء الحجاز، وفقهاء أصحاب الحديث.
وشهادة الزوج لزوجته فيها قولان مشهوران للعلماء، هما روايتان عن أحمد: إحداهما: لا تقبل، وهي مذهب أبي حنيفة، ومالك، والليث بن سعد، والأوزاعي، وإسحاق، وغيرهم.
والثانية: تقبل، وهي مذهب الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، وغيرهم.
стр. 725
فعلى هذا لو قُدِّر صحة هذه القصة؛ لم يجُزْ للإمام أن يحكم بشهادة رجل واحد، ولا امرأة واحدة، باتفاق المسلمين، لا سيما وأكثرهم لا يجيزون شهادة الزوج، ومِن هؤلاء من لا يحكم بشاهدٍ ويمين، ومن يحكم بشاهد ويمين لم يحكم للطالب حتى يحلفه.
الوجه الرابع: قوله: (فجاءت بأم أيمن فشهدت لها بذلك، فقال: امرأة لا يقبل قولها.
وقد رووا جميعاً أن رسول الله ﷺ قال: «أم أيمن امرأة من أهل الجنة»).
الجواب: أن هذا احتجاجُ جاهلٍ مُفرِطٍ في الجهل، يريد أن يحتجَّ لنفسِهِ فيحتجّ عَليها، فإن هذا القول لو قاله الحجاج بن يوسف، والمختار بن أبي عبيد، وأمثالهما؛ لكان قد قال حقاً، فإن امرأة واحدة لا يُقبل قولها في الحكم بالمال لمدع يريد أن يأخذ ما هو في الظاهر لغيره، فكيف إذا حُكِي مثل هذا عن أبي بكر الصديق ﵁؟ !
وأما الحديث الذي ذكره، وزعم أنهم رووه جميعاً، فهذا الخبر لا يُعْرَفُ في شيء من دواوين الإسلام، ولا يُعرف عالمٌ من علماء الحديث رواه.
وأم أيمن هي أم أسامة بن زيد، وهي حاضنة النبي ﷺ ، وهي من المهاجرات، ولها حقٌّ وحُرْمَةٌ، لكن الرواية عن النبي ﷺ -
стр. 726
لا تكون بالكذب عليه، وعلى أهل العلم. وقول القائل: (رووا جميعاً) ... لا يكون إلا في خبرٍ متواتر، فمن ينكر حديث النبي ﷺ «أنه لا يورث»، وقد رواه أكابر الصحابة، ويقول: إنهم جميعاً رووا هذا الحديث، إنما يكون من أجهل الناس وأعظمهم جحداً للحق.
وبتقدير أن يكون النبي ﷺ قد أخبر أنها من أهل الجنة، فهو كإخباره عن غيرها أنه من أهل الجنة، وقد أخبر عن كل واحد من العشرة أنه في الجنة، وقد قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة». وهذا الحديث في «الصحيح» ثابت عند أهل العلم بالحديث، وحديث الشهادة لهم بالجنة رواه «أهل السنن» من غير وجه، من حديث: عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد.
فهذه الأحاديث المعروفة عن أهل العلم بالحديث.
ثم هؤلاء يُكذِّبُونَ مَن عَلِمَ أن الرسولَ شهِدَ لهم بالجنة، وينكرون عليهم كونهم لم يقبلوا شهادة امرأة زعموا أنه شهد لها بالجنة، فهل يكون أعظم من جهل هؤلاء وعنادهم؟ !
ثم يقال: كون الرجل من أهل الجنة لا يُوجب قبول شهادته، لجواز أن يغلط في الشهادة. ولهذا لو شهدت خديجة، وفاطمة، وعائشة، ونحوهن، ممن يُعلم أنهن من أهل الجنة؛ لكانت شهادة إحداهن نصف شهادة رجل، كما حكم بذلك القرآن؛ كما أنَّ ميراثَ إحدَاهُن نصفُ ميراثِ رجُلٍ، ودِيتُها
стр. 727
نصفُ ديةِ رجُل. وهذا كله باتفاق المسلمين، فكون المرأة من أهل الجنة لا يوجب قبول شهادتها، لجواز الغلط عليها، فكيف وقد يكون الإنسان ممن يكذب ويتوب من الكذب ثم يدخل الجنة؟
الوجه الخامس: قوله: (إنَّ عليَّاً شهد لها، فرد شهادته لكونه زوجها).
فهذا مع أنه كذب، لو صح، ليس يقدح، إذْ كانت شهادة الزوج مردودة عند أكثر العلماء، ومن قبلها منهم، لم يقبلها حتى يتم النصاب، إما برجل آخر، وإما بامرأة مع امرأة، وأما الحكم بشهادة رجل وامرأة مع عدم يمين المدعي، فهذا لا يسوغ.
الوجه السادس: قولهم: (إنهم رووا جميعاً أن رسول الله ﷺ قال: «علي مع الحق، والحق معه يدور حيث دار، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض»).
من أعظم الكلام كذباً وجهْلاً، فإن هذا الحديث لم يروه أحد عن النبيِّ ﷺ ، لا بإسناد صحيح، ولاضعيف. فكيف يقال: إنهم جميعاً رووا هذا الحديث؟ وهل يكون أكذب ممن يروى عن الصحابة والعلماء أنهم رووا حديثاً، والحديثُ لا يُعرَف عن واحدٍ منهم أصلاً؟ !
بل هذا من أظهر الكذب. ولو قيل: رواه بعضهم، وكان يمكن صحته، لكان ممكناً، فكيف وهو كَذِبٌ قطعاً على النبيِّ ﷺ ؟ !
стр. 728
بخلاف إخباره أن أم أيمن في الجنة، فهذا يمكن أنه قاله، فإن أمَّ أيمن امرأة صالحة من المهاجرات، فإخباره أنها في الجنة لا ينكر، بخلاف قوله عن رجل من أصحابه: أنه مع الحق وأن الحق يدور معه حيثما دار، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. فإنه كلام ينزَّهُ عنه رسولُ اللهِ ﷺ .
أمَّا أولاً: فلأن الحوض إنما يرده عليه أشخاص، كما قال للأنصار: ... «اصبروا حتى تلقوني على الحوض». وقال: «إن حوضي لأبعد ما بين أيلة إلى عدن، وإنَّ أول الناس وروداً فقراء المهاجرين، الشعث رؤوساً، الدنس ثياباً، الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا تفتح لهم أبواب السدد، يموت أحدهم وحاجته في صدره لا يجد لها قضاء» رواه «مسلم»، وغيره.
وأما الحق فليس من الأشخاص الذين يردون الحوض. وقد روي أنه قال: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض». فهو من هذا النمط، وفيه كلام يُذكر في موضعه ... ـ إن شاء الله ـ.
ولو صحَّ هذا، لكان المراد به ثوابُ القرآن.
أما الحق الذي يدور مع شخص، ويدور الشخص معه، فهو صفة لذلك الشخص لا يتعداه. ومعنى ذلك أن قوله صِدْقٌ، وعَملَهُ صالحٌ، ليس المراد به أن غيره لا يكون معه شيء من الحق.
стр. 729
وأيضاً فالحق لا يدور مع شخصٍ غير النبي ﷺ ، ولو دار الحقُّ مع عليٍّ حيثما دار، لوجب أن يكون معصوماً كالنبي ﷺ ، وهُمْ من جهلهم يدَّعُونَ ذلك! ولكن من عَلِمَ أنه لم يكن بأولى بالعصمة من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم، وليس فيهم من هو معصوم؛ عَلِمَ كذبَهُمْ.
وفتاويه من جنس فتاوي عمر، وعثمان، ليس هو أولى بالصواب منهم، ولا في أقوالهم من الأقوال المرجوحة أكثر مما في قوله، ولا كان ثناء النبي ﷺ ورضاه عنه بأعظم من ثنائه عليهم ...
إلى أن قال ابن تيمية ﵀ بعد بيان ونقاش طويل:
أما قصة فاطمة ﵂ فما ذكروه مِن دعواها الهبة، والشهادة المذكورة، ونحو ذلك، لو كان صحيحاً لكان بالقدح فيمن يحتجون، أشبه منه بالمدح). انتهى المراد نقله (١)
ــ وممن حكم عليه بالوضع: الألباني ﵀ في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» (١٤/ ١٥٧) رقم (٦٥٧٠).
стр. 730
الحكم على الحديث:
الحديث موضوع، حكم بوضعه عدد من الأئمة ـ كما سبق في أقوالهم ـ.
وفيه عللٌ إسنادية، ومتنية:
أما الإسنادية، فمداره على عطية العوفي، وهو ضعيف، شيعي، مدلِّس ـ وهو المتَّهم به ـ.
ومَن دونه لا يخلو من ضعف شديد، واتهام بالغلو في التشيع:
فعَليُّ بنُ عابس: ضعيف. وبشر بن أبي عمرو: مجهول يروي أحاديث موضوعة. وفي زيادته دلالة واضحة على وضع الرافضة لقوله: (والويلُ لمن حال دونه).
والقصة التي رواها النميري بن حيان، عن زيد، مرسلة: زيد لم يدرك القصة.
ومن تدليسه عطية: أن أبا نعيم الفضل بن دكين، رواه عن عطية، مرسلاً. لم يذكر أبا سعيد. ورجح هذا الوجه أبو حاتم ـ كما سبق ـ.
وحديث الحسين بن علي ﵄، فيه: أبو بكر بن أبي دارم: رافضي، كذاب. والمنذر بن محمد: متروك، وفيه من لم أقف له على ترجمة.
وأما المتنية: فكما سبق في قول ابن كثير: بأن السورة مكية، وفَدَك في السنة السابعة للهجرة.
стр. 731
وأمر آخر بيَّنَه بياناً شافياً ابنُ تيمية ــ كما سبق ـ: أن فاطمة ﵂ جاءت تطلب ميراثها من النبي ﷺ فدَك، وخيبر، وغيرهما؛ فكيف يلتئم هذا مع القول بأنه قد وهبها؟ ! (١)
غريب الحديث:
ــ (فَدَك): بفتح أوله، وثانيه، قال البكري: بينها وبين خيبر يومان.
قال ياقوت: (قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة، أفاءها الله على رسوله، ﷺ ، في سنة سبع صلحاً ... وقال الزجاجي: سميت بفدك بن حام، وكان أول من نزلها، وقد ذُكر غيرُ ذلك).
قال القطيعي: فيها عين فوَّارة ونخل.
قال د. عاتق بن غيث البلادي (ت ١٤٣١ هـ): (بَلدةٌ عامِرَةٌ، كثيرة النخل، والزرع، والسكان، على ظهر الحرَّة، شرق خيبر، ماؤها إلى وادي الرمة،
стр. 732
وتسمى اليوم «الحائط»، فيها إمارة، ومحكمة، ومدارس، وسكانها ... بنو رشيد، وطريقها إلى «المدينة» على طريق النُّخَيل والصويدرة، ثم المدينة.
ولم يعد للسلطان ملك في أرض فدك، ولا لآل البيت، إنما هي مقسَّمةٌ بين السكان كأي قرية أخرى، وليس لدينا عِلمٌ متى صار ذلك، إلا أنه من المؤكد أن ذلك صار عند ضعف الدولة العباسية، فقد اضمحل سلطان الدولة، وتغلَّب الأقوياء على ما يستطيعون التغلب عليه.
وهي اليوم في ديار بني رشيد بن هُتَيْم). (١)
* * *
стр. 733
١٥. [٤] قال أبو بكر ابن أبي شيبة ﵀ في «مسنده»: حدثنا محمد بن الحسن، قال: حدثنا أبو جميع الهجيمي، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعطى عليَّاً وفاطِمةَ ﵄ غُلاماً، وقال: «أحسِنَا إليه؛ فإني رأيتُه يُصَلِّي».
[«المطالب العالية» لابن حجر (١٢/ ٢٠٩) رقم (٢٨٣٥)]
دراسة الإسناد:
ــ محمد بن الحسن بن الزبير الأسدي، أبو عبدالله، ويقال: أبو جعفر، الكوفي، لقبه: التَلُّ.
صَدوقٌ، فيه لِينٌ.
وثَّقَهُ: ابن نُمير، والبزار، والدراقطني ـ كما في سؤالات الحاكم ـ، وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: يُغرِب.
قال العجلي، والدراقطني: لا بأس به. قال أبو داوود: صالح الحديث، يُكتب حديثه.
وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال عثمان بن أبي شيبة: هو ثقة صدوق، قلتُ: هو حجة؟ قال: أما حجة فلا، وهو ضعيف.
وقال ابن معين: قد أدركته، وليس بشئ. وفي رواية: ليس حديثه بشئ.
وقال ابن معين أيضاً، وأبو حاتم: شيخ.
стр. 734
وضعَّفَه أيضاً: البسوي، والساجي. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم.
قال العقيلي: لا يُتابَع على حديثه.
وذكره ابن حبان في «المجروحين» وقال: كان فاحش الخطأ، ممن يرفع المراسيل، ويقلب الأسانيد، ليس ممن يحتج به.
وساق له ابن عدي بعض ما استُنكر عليه ـ ومنه الحديثُ محلُّ ... الدراسة ـ، ثم قال: وله غير ما ذكرتُ أحاديث إفرادات، وحدث عنه الثقات من الناس، ولم أر بحديثه بأساً.
قال ابن حجر في «التقريب»: صدوق، فيه لين.
ولعل قول ابن حجر هو الراجح، فالأكثرون على توهينه؛ وله غرائب وإفرادات كما في قول ابن حبان، وابن عدي ـ والله أعلم ـ.
روى له البخاري حديثين في المتابعات، والنسائي، وابن ماجه.
(ت ٢٠٠ هـ) أو نحوها. (١)
стр. 735
ــ سالم بن دينار، ويقال: ابن راشد، التميمي، أبو جُميع القزاز البصري، «مولى الحارث بن عطية الهُجيمي». (١)
مقبول.
وثَّقه: ابن معين ـ في رواية الدارمي عنه ـ، وذكره ابن حبان في ... «الثقات».
قال الإمام أحمد: أرجو أن لايكون به بأس، لم يكن عنده إلا شئ يسير من الحديث.
قال ابن معين ـ في رواية ابن طهمان عنه ـ: ليس به بأس.
قال أبو زرعة: ليِّن الحديث. وقال أبو داود: شيخ. قال الدراقطني: ليس بمتروك، حمل الناس عنه.
قال الذهبي في «الميزان» و «المغني»: فيه ضعف.
стр. 736
قال ابن حجر في «التقريب»: مقبول.
واختيار ابن حجر هو الأقرب؛ لأنه قليل الحديث، ولم يرو له من أصحاب الكتب الستة إلا أبو داود، روى له حديثاً واحداً عن ثابت، عن أنس ـ وهو حديث الباب من وجه آخر ـ كما سيأتي ـ. (١)
ــ ثابت بن أسلم البُناني مولاهم، أبو محمد البصري.
مجمع على توثيقه.
قال الذهبي في «تاريخ الإسلام»: أحد أئمة التابعين في البصرة ..... وكان رأساً في العلم، والعمل، ثقةً رفيعاً، ولم يُحسِن ابنُ عدي بإيراده في «كامله»، ولكنه اعتذر، وقال: ما وقع في حديثه من النكرة، فإنما هو من جهة الراوي عنه؛ لأنه روى عنه جماعةٌ ضعفاء.
وقال في «السير»: الإمام، القدوة، شيخ الإسلام ... وكان من أئمة العلم والعمل ـ رحمة الله عليه ـ.
стр. 737
قال ابن حجر في «التقريب»: ثقة، عابد.
توفي سنة ١٢٣ هـ، وقيل: ١٢٧ هـ. (١)
تخريج الحديث:
ــ أخرجه: أبو بكر بن أبي شيبة في «مسنده» ـ كما سبق ـ، وعنه: [أبو يعلى في «مسنده» (٦/ ١١٣) رقم (٣٣٨٣)، وعن أبي يعلى: ابنُ عدي في ... «الكامل» (٦/ ١٧٤) في ترجمة «محمد بن الحسن بن الزبير الأسدي»] عن محمد بن الحسن بن الزبير الأسدي التل.
ــ وأخرج أبو داود في «سننه» (ص ٤٤٨)، كتاب اللباس، بابٌ في العبد ينظر إلى شعر مولاته، حديث رقم (٤١٠٦)، ومن طريقه: [البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٩٥)، وفي «الآداب» له أيضاً رقم (٦٠١)، والضياء المقدسي في «المختارة» (٥/ ٩١) رقم (١٧١٢)] عن محمد بنُ عيسى ابن الطباع. (٢)
стр. 738
كلاهما: (محمد بن الحسن التل، ومحمد بن عيسى ابن الطباع) عن أبي جُميع سالمِ بنِ دينار، عن ثابت، عن أنس ﵁.
ولفظ أبي داود: أن النبيَّ ﷺ أتى فاطمة بعبدٍ قد وهبَه لها، قال: وعلى فاطمةَ ثوبٌ إذا قنَّعت به رأسها لم يَبْلُغ رِجْلَيها، وإذا غَطَّت به رجْلَيهَا لم يَبْلُغْ رأسَها، فلما رأى النبيُّ ﷺ ما تَلْقى قال: «إنَّهُ ليس عليكِ بأسٌ، إنما هو أبوكِ وغُلامُكِ». (١)
وأخرجه ابن مردويه في «تفسيره» ـ أيضاً ـ كما في «الدر المنثور» للسيوطي (١١/ ٣١).
فظهر أنه اختُلف على أبي جميع سالم بن دينار من وجهين، مع أنه قليل الحديث ـ كما سبق في ترجمته ـ.
ورواية ابن الطباع أرجح، لأنه أوثق من محمد بن الحسن التل ـ كما سيأتي في الحكم على الحديث ـ.
وقد تابع أبا جميع، سلامُ بنُ أبي الصهباء:
стр. 739
أخرجها: ابن عدي في «الكامل» (٣/ ٣٠٥) عن محمد بن الحسن بن محمد بن زياد البصري (١)، عن أبي كامل الفضيل بن حسين الجحدري (٢)، عن سلام بن أبي الصهباء (٣)،
عن ثابت، عن أنس ﵁ أن فاطمة
стр. 740
- ﵂ جاءت الى رسول الله ﷺ تشكو أثر مجل بيدها من أثر الطحين.
قال: فأتاها رسول الله ﷺ بغلام قال: وعليها ثوب، فذهَبَتْ تُغَطِّي رأسَهَا، فخَرَجَتْ رِجْلَيها، فذهَبَتْ تُغطِّي رِجلَيْهَا، فخَرجَ رأسُهَا؛ فقال لها رسول الله ﷺ : «إنما هو أبوك، وغلامك».
وذكره البخاري معلقاً عن عبدالله بن أبي القاضي، عن أبي كامل، به. (١)
وهذا ضعيف، لضعف سلام، وقد ذكره البخاري من منكراته.