قال ابن حجر في «التقريب»: مقبول.
واختيار ابن حجر هو الأقرب؛ لأنه قليل الحديث، ولم يرو له من أصحاب الكتب الستة إلا أبو داود، روى له حديثاً واحداً عن ثابت، عن أنس ـ وهو حديث الباب من وجه آخر ـ كما سيأتي ـ. (١)
ــ ثابت بن أسلم البُناني مولاهم، أبو محمد البصري.
مجمع على توثيقه.
قال الذهبي في «تاريخ الإسلام»: أحد أئمة التابعين في البصرة ..... وكان رأساً في العلم، والعمل، ثقةً رفيعاً، ولم يُحسِن ابنُ عدي بإيراده في «كامله»، ولكنه اعتذر، وقال: ما وقع في حديثه من النكرة، فإنما هو من جهة الراوي عنه؛ لأنه روى عنه جماعةٌ ضعفاء.
وقال في «السير»: الإمام، القدوة، شيخ الإسلام ... وكان من أئمة العلم والعمل ـ رحمة الله عليه ـ.
стр. 737
قال ابن حجر في «التقريب»: ثقة، عابد.
توفي سنة ١٢٣ هـ، وقيل: ١٢٧ هـ. (١)
تخريج الحديث:
ــ أخرجه: أبو بكر بن أبي شيبة في «مسنده» ـ كما سبق ـ، وعنه: [أبو يعلى في «مسنده» (٦/ ١١٣) رقم (٣٣٨٣)، وعن أبي يعلى: ابنُ عدي في ... «الكامل» (٦/ ١٧٤) في ترجمة «محمد بن الحسن بن الزبير الأسدي»] عن محمد بن الحسن بن الزبير الأسدي التل.
ــ وأخرج أبو داود في «سننه» (ص ٤٤٨)، كتاب اللباس، بابٌ في العبد ينظر إلى شعر مولاته، حديث رقم (٤١٠٦)، ومن طريقه: [البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٩٥)، وفي «الآداب» له أيضاً رقم (٦٠١)، والضياء المقدسي في «المختارة» (٥/ ٩١) رقم (١٧١٢)] عن محمد بنُ عيسى ابن الطباع. (٢)
стр. 738
كلاهما: (محمد بن الحسن التل، ومحمد بن عيسى ابن الطباع) عن أبي جُميع سالمِ بنِ دينار، عن ثابت، عن أنس ﵁.
ولفظ أبي داود: أن النبيَّ ﷺ أتى فاطمة بعبدٍ قد وهبَه لها، قال: وعلى فاطمةَ ثوبٌ إذا قنَّعت به رأسها لم يَبْلُغ رِجْلَيها، وإذا غَطَّت به رجْلَيهَا لم يَبْلُغْ رأسَها، فلما رأى النبيُّ ﷺ ما تَلْقى قال: «إنَّهُ ليس عليكِ بأسٌ، إنما هو أبوكِ وغُلامُكِ». (١)
وأخرجه ابن مردويه في «تفسيره» ـ أيضاً ـ كما في «الدر المنثور» للسيوطي (١١/ ٣١).
فظهر أنه اختُلف على أبي جميع سالم بن دينار من وجهين، مع أنه قليل الحديث ـ كما سبق في ترجمته ـ.
ورواية ابن الطباع أرجح، لأنه أوثق من محمد بن الحسن التل ـ كما سيأتي في الحكم على الحديث ـ.
وقد تابع أبا جميع، سلامُ بنُ أبي الصهباء:
стр. 739
أخرجها: ابن عدي في «الكامل» (٣/ ٣٠٥) عن محمد بن الحسن بن محمد بن زياد البصري (١)، عن أبي كامل الفضيل بن حسين الجحدري (٢)، عن سلام بن أبي الصهباء (٣)،
عن ثابت، عن أنس ﵁ أن فاطمة
стр. 740
- ﵂ جاءت الى رسول الله ﷺ تشكو أثر مجل بيدها من أثر الطحين.
قال: فأتاها رسول الله ﷺ بغلام قال: وعليها ثوب، فذهَبَتْ تُغَطِّي رأسَهَا، فخَرَجَتْ رِجْلَيها، فذهَبَتْ تُغطِّي رِجلَيْهَا، فخَرجَ رأسُهَا؛ فقال لها رسول الله ﷺ : «إنما هو أبوك، وغلامك».
وذكره البخاري معلقاً عن عبدالله بن أبي القاضي، عن أبي كامل، به. (١)
وهذا ضعيف، لضعف سلام، وقد ذكره البخاري من منكراته.
стр. 741
ــ وأخرجه: الحاكم في «فضائل فاطمة» (ص ١٣٥) رقم (١٩٨) من طريق محمد بن إسماعيل بن مهران. والسهمي في «تاريخ جرجان» ... (ص ٢٧٩) رقم (٤٧٦) من طريق الفضل بن عبدالله بن سليمان. كلاهما عن أبي نعيم عبيد بن هشام الحلبي (١)، عن عبيدالله بن عمرو الرقي (٢)، عن معمر، عن الزهري.
كلاهما: (ثابت، والزهري) عن أنس ﵁.
ــ في رواية السهمي: وهب لفاطمة غلامين، فرآها تضرب أحدهما، فقال لها ...
خالف أبا نعيم عبيدَ بنَ هشام: عبيدُالله بنُ حماد (٣)، فرواه عن عُبيدِالله بن عمرو الرقي، عن معمر، عن أبان (٤)، عن أنس ﵁.
стр. 742
ذكر هذه الرواية الدارقطني في «العلل» (١٢/ ١٩٦) رقم (٢٦١٢). وقال: وهو أشبَه.
ذكر الدراقطني الاختلاف على عبيدالله الرقي من وجهين، ورجح الوجه الثاني: معمر، عن أبان، عن أنس.
قال السهمي في «تاريخ جرجان» (ص ٢٧٩) رقم (٤٧٦) بعد الحديث: (قال لنا أبو أحمد ابنُ عدي: سألت عبدان عن أبي نعيم الحلبي؟ فقال: هو عندهم ثقة.
وقال ابن عدي: هذا حديث أبي نعيم ينفرد به، وعُبيدُالله بن عمرو الرقي: يُكنى أبا وهب، ثقة).
فأبو نعيم الحلبي انفرد بالحديث، وخُولِف.
أقوال العلماء في حديث أبي داود:
قال الضياء المقدسي في «السنن والأحكام» (٥/ ١٠٧): (رواه ... أبو داود، ولا أعلم بإسناده بأساً).
قلتُ: ولذا أخرجه في «المختارة» (٥/ ٩١) من طريق أبي داود ـ كما سبق ـ.
قال ابن الملقن في «البدر المنير» (٧/ ٥١٠) بعد أن ذكر حديث أبي داود: (وهذا إسناد جيد، وسالم وثَّقَهُ يحيى بنُ معين، وليَّنه أبو زرعة، وقد
стр. 743
تابَعَه سلام بن أبي الصهباء، عن ثابت ـ لا جرم ـ، قال الحافظ ضياء الدين في «أحكامه»: لا أعلم بإسناده بأساً. وقال ابن القطان في كتابه «أحكام النظر»: لا يبالى بقول أبي زرعة ـ يعني: السالف ــ فإن العدول متفاوتون في الحفظ بعد تحصيل رتبة العدالة، والحديث صحيح).
وقال ابن حجر في «التلخيص» (٥/ ٢٢٤٧): (فيه: سالم بنُ دينار أبو جُميع، مختَلَفٌ فيه).
وحديثُ أبي داود: صحَّحه أيضاً الألباني في «إرواء الغليل» ... (٦/ ٢٠٦) رقم (١٧٩٩) قال: (وإسناده صحيح رجاله ثقات , ... وأبو جميع، وثقه ابن معين وغيره , وقال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس , فقول الحافظ فى «التقريب»: مقبول. مما لا وجه له عندى بعد توثيق من ذكرنا إياه، ورواية جماعة من الثقات عنه.
على أنه قد تابعه سلام بن أبى الصهباء، عن ثابت، كما قال البيهقى , وهو وإن كان قد ضعف, فلا يضره ذلك فى المتابعات ـ إن شاء الله تعالى ـ). انتهى كلام الألباني.
وصحَّحَهُ ـ أيضاً ـ في «السلسلة الصحيحة» (٦/ ٨٦٩) رقم (٢٨٦٨).
وفي كلامه ﵀ نَظَرٌ، فسلام بن أبي الصهباء الأقرب ضعفه، والراوي عنه عند ابن عدي يحتمل أنه النقاش، وهو متروك الحديث. وقد
стр. 744
ساق ابن عدي الحديث ضمن منكرات سلام هذا، وسبق وصف البخاري لِـ «سلام» بأنه منكر الحديث، وأورد الحديث في ترجمته، فمن هذا حاله، لا يُقوِّي حديث سالم بن دينار، أبي جميع، فالحديث ضعيف ـ والعلم عند الله تعالى ـ.
ــ وروي حديث أنس ﵁ من وجه آخر مطولاً، من طريق أيوب بن نصر بن موسى البغدادي العصفري، قال: حدثنا علي بن حفص، قال: حدثنا الهيثم بن جماز، عن عون بن أبي شداد ويزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك ﵁.
أخرجه: أبو الطيب أحمد بن علي الجعفري في «جزء ابن عمشليق» ... (ص ٦٠) رقم (٢٧).
وهو حديث منكر لا يصح، فيه مخالفة لما في «الصحيحين» في قصة طلب الخادم، وإرشادهما إلى الذكر قبل النوم.
وفيه: الهيثم بن جماز الحنفي البكاء، متروك (١)، ويزيد بن أبان الرَّقاشي، ضعيف (٢)، وعون بن بن أبي شداد، مقبول. (٣) وفيهِ ...................
стр. 745
مَن لم أجد له ترجمة. (١)
وللحديث شاهد من حديث أبي أمامة ﵁:
عن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ أقبل من خيبر، ومعه غلامان، فقال علي: يا رسول الله، أخدمنا. فقال: «خذ أيهما شئت». قال: خِرْ لي. قال: «خُذْ هذا ولا تضربه؛ فإني قد رأيتُه يصلي مقبلنا من خيبر، وإني قد نهيت».
وأعطى أبا ذر غلاماً وقال: «استوص به معروفاً». فأعتقه، فقال له النبي ﷺ : «ما فعل الغلام»؟ قال: يا رسول الله، أمرتَني أن أستوصي به معروفاً؛ فأعتقتُه.
هذا لفظ أحمد، عن عفان.
أخرجه: الإمام أحمد في «مسنده» (٣٦/ ٤٧٥) رقم (٢٢١٥٤) عن عفان بن مسلم، وحسن بن موسى.
стр. 746
وأخرجه أيضاً في (٣٦/ ٥٦١) رقم (٢٢٢٢٧)، والمروزي في ... «تعظيم قدرالصلاة» (٢/ ٩٢٢) رقم (٩٧١) عن عفان.
وأخرجه: ابن أبي شيبة في «مسنده» ـ كما في «إتحاف الخيرة المهرة» للبوصيري (٥/ ٤٥٠) رقم (٤٩٨٠) عن حسن بن موسى.
ــ والبخاري في «الأدب المفرد» رقم (١٦٣)، والمروزي في «تعظيم قدرالصلاة» (٢/ ٩٢٢) رقم (٩٧٢)، والطبراني في «المعجم الكبير» ... (٨/ ٢٧٥) رقم (٨٠٥٧) عن حجاج بن منهال.
ــ وابن عدي في «الكامل» (٢/ ٤٥٥) من طريق إبراهيم بن الحجاج السامي.
أربعتهم: (عفان بن مسلم الصفار، والحسن بن موسى الأشيب، وحجاج بن منهال، وإبراهيم بن الحجاج السامي) عن حماد بن سلمة، (١)
عن
стр. 747
أبي غالب، عن أبي أمامة ﵁.
ـ رواية المروزي في الموضعين ليس فيها الشاهد، وإنما هي مقتصرة على قوله: «إني نهيت عن ضرب أهل الصلاة».
ــ أبو غالب، صاحب أبي أمامة: قيل: اسمه حزَوَّر، وقيل: سعيد بن الحزوَّر، وقيل: نافع. بصري، نزل أصبهان، قال الذهبي: صالح الحديث، صحح له الترمذي. وقال ابن حجر: صدوق يخطئ. أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، والأربعة. (١)
قال البوصيري في «الإتحاف» (٥/ ٤٥٠) عقب إسناد ابن أبي شيبة: ... (هذا إسناد حسن، أبو غالب مختلف فيه).
والحديث حسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣/ ٤١٤) رقم ... (١٤٢٨)، و (٥/ ٤٩٢) رقم (٢٣٧٩).
وعلى فرض أن الراوي عن أبي غالب: (عليُّ بن زيد) ـ كما في الحاشية السابقة ـ فالإسناد ضعيف؛ لضعف علي بن زيد بن جدعان ـ والله أعلم ـ.
стр. 748
ــ ذكر ابن حجر في «فتح الباري» (١١/ ١٢٤) أن في «تهذيب الآثار» لابن جرير الطبري من طريق أبي أمامة الباهلي، عن علي قال: أُهدي ... لرسول الله ﷺ رقيقٌ أهداهم له بعض ملوك الأعاجم، فقلت لفاطمة: ائتِ أباك فاستخدميه.
ولم أجد الحديث فيما طُبع من «تهذيب الآثار»، ولا في غيره من المصادر.
ثم وجدتُه في «الدعاء» للطبراني (٢/ ٨٣٤) رقم (٢٢٢)، و «فضائل فاطمة» للحاكم (ص ٨٦) رقم (١٠٧) من طريق سعيد بن أبي مريم (١)، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب (٢)، عن عُبيدِالله بن زحْر (٣)، عن علي بن يزيد (٤)، عن القاسم (٥)، عن أبي أمامة، عن علي ﵁ قال: أُهدي لرسول الله ﷺ رقيقٌ أهداهم له بعض ملوك العجم، فقلت لفاطمة: ائتِ أباك فاستخدميه خادماً، واشتكي إليه ماتلقين من الخدمة ... الحديث وفيه أنه
стр. 749
أرشدها للتسبيح عند النوم، ولم يعطها. (١)
وهذا ضعيف، لضعف الألهاني، وتَفرُّدِه.
ــ وقد يُستأنس بما ورَدَ مُعضَلاً عند ابن عساكر أنَّ النبيَّ ﷺ أهدى لفاطمة غلاماً أسوداً، يُسمَى: عبدالله بن مسعدة الفزاري، فربَّتْه، وأعتقَتْه.
وهذا نصُّ ابن عساكر: [حُديج، ووجدته في كتاب من كُتُب إسحاق بن إبراهيم الموصلي خديج ـ وهو خصي ـ وكان لمعاوية بن أبي سفيان.
حكى: عنه، وعن أبي الاعور السلمي، وربيعة الجرشي.
وروى عنه: عوانة بن الحكم، وعبد الملك بن عمير ــ وكان مع معاوية بالجابية ـ.
أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن محمد بن كرتيلا، قال: أنبأناأبو بكر محمد بن علي بن محمد الخياط، قال: أنبأنا أبو الحسين أحمد بن عبدالله السوسي، قال: أنبأنا أبو جعفر أحمد بن أبي طالب علي بن محمد الكاتب، قال: أنبأنا أبي، قال: أنبأنا محمد بن مروان ابن عم الشعبي، قال: حدثني محمد بن
стр. 750
أحمد أبو بكر الخزاعي، قال: حدثني جدي ــ يعني سليمان بن أبي شيخ ـ، قال: نبأنا محمد بن الحكم، عن عوانة، قال: حدثني حديج ــ خصي لمعاوية رأيته زمن يزيد بن عبد الملك في ألفين من العطاء ــ قال: اشترى لمعاوية جاريةً بيضاء جميلة، فأدخلتها عليه مجردة وبيده قضيب، فجعل يهوي به إلى متاعها، ويقول: هذا المتاع لو كان له متاع، اذهب بها إلى يزيد بن معاوية، ثم قال: لا، ادْعُ لي ربيعةَ بنَ عمرو الجرشي ـ وكان فقيهاً ـ فلما دخل عليه قال: إنَّ هذه أُتيت بها مجرَّدةً، فرأيت فيها ذاك وذاك، وإني أردت أنْ أبعثَ بها إلى يزيد، قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين؛ فإنها لا تصلح له. قال: نعمَ ما رأيتَ.
ثم قال: ادع لي عبدَالله بن مَسعدة الفزاري فدعوتُه ـ وكان آدم شديد الأدمة ــ فقال: دونك هذه بيِّض بها ولدَك.
وهو: عبدالله بن مسعدة بن حكمة بن بدر (١).
قال عوانة: وكان في سبي فَزَارَة، فوهبة النبيُّ ﷺ لابنته فاطمة، فأعتقَتْهُ، كان غلاماً ربَّتْهُ
стр. 751
فاطمةُ وعليٌ ﵉ وأعتقتْهُ، فكان بعد ذلك مع معاوية ﵁ أشدَّ الناس عَلَى عليٍّ ﵁]. (١)
وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة ﵁:
أخرجه: الحاكم في «فضائل فاطمة» (ص ١١٦) رقم (١٥٠) من طريق داوود بن محبر بن قحذم، قال: حدثنا محمد بن سعيد، عن أبان، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁ قال: دخلتُ على عليِّ وفاطمة ﵄ وهما يطحنان، فقلتُ: أيكما أعقب؟ فقال علي: إياها. فقامتْ، وقعدتُ أطحن مع علي، فقالتْ: يا أبا هريرة، أما ترى مابيدي من الطحن؟ فقلتُ: إئتِ أباكِ فسليه خادماً ... فذكرالحديث وفيه إرشادُها إلى التسبيح ... ثم قال:
стр. 752
ثم أتاه بعد ذلك سبي، فأخذ غلاماً أسود، فانطلَق به إليها، فلما نظرتْ إلى أبيها ومعه الغلام، قامتْ فدخلَتْ البيتَ، وعليها شَمْلَةٌ، وكانت إذا رفعت الشملة تغطي رأسها بدت ساقاها، وإذا أرسلتها تغطي ساقيها انكشف رأسُها، فلما رأى رسولُ الله ﷺ ما تلقى قال: «اثبُتي مكانك، إنما هوعبدكِ وغلامكِ»، ثم قال: «ابنُ عمِّك، وهذا الغلام فسيكفيكم السقي والطحن، فأعينوه إذا عَجِزَ، ولا تضربوه، فقد رأيتُه يصلِّي، وإني نُهيتُ عن ضرب المصلين».
ــ داوود بن المحبَّر، قال ابن حجر: (متروك، وأكثر كتاب العقل الذي صنَّفَه موضوعات). (١)
ومحمد بن سعيد يحتمل أنه المصلوب، كذاب. (٢)، وأبان بن أبي عياش، متروك. (٣)
стр. 753
هذا، وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ أهدى لابنته فاطمةَ جاريةً تُسمَّى: «فِضَّةالنوبية»:
أخرج حديثها: أبو موسى في «الذيل» وعنه: [ابن الأثير في «أُسْد الغابة» (٦/ ٢٣٦)]، والثعلبي في «تفسيره» (١٠/ ١٠١) من طريق القاسم بن بهرام، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ... وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] وذكر حديثاً طويلاً لوائح الوضع عليه ظاهرة.
حكم بوَضْعِهِ: ابنُ تيمية ـ وأطال في نقدِه ـ (١)، ....................
стр. 754
والذهبي (١)، وابن حجر. (٢)
وقال ابن حجر في ترجمة «فضة النوبية» (٣): (وذكر ابن صخر في «فوائده»، وابن بشكوال في كتاب «المستغيثين» (٤) من طريقه، بسند له، من طريق الحسين بن العلاء (٥)، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن علي ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ أخدم فاطمة ابنتَه جارية اسمها «فضَّةٌ»، وكانت تشاطرها الخدمة، فعلَّمها
стр. 755
رسول الله ﷺ دعاء تدعو به، فقالت لها فاطمةُ: أتعجنين أو تخبِزين؟ فقالت: بل أعجنُ يا سيِّدَتي، وأحتَطِبُ، فذهَبَتْ واحتَطَبَتْ وبِيدِهَا حُزْمَةٌ، وأرادتْ حملَها فعجَزَتْ، فدَعَتْ بالدُّعَاءِ الَّذِي علَّمها وهو: «يا واحد، ليس كمثله أحَدٌ، تُمِيْتُ كلَّ أحَدٍ، وتُفْنِي كلَّ أحَدٍ، وأنتَ عَلى عَرْشِكَ واحِدٌ، ولا تأخذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ». فجاء أعرابيُّ كأنَّه مِن أزْدِ شَنُوْءَةَ فحَمَلَ الحُزْمَةَ إلى باب فاطمة). (١)
كذا في «الإصابة»، وعبارته في «المستغيثين بالله»: ( ... فإذا بأعرابي كأنه من أزد شنؤة، قال لها: يا جارية، أعيدي هذا الدعاء علي. فأعادت عليه، فقال لها: ممن سمعت هذا الدعاء؟ قالت: أخذته من فيِّ رسول الله ﷺ . قال: أفتحبين أن يسبقك الحطب أم تسبقين الحطب؟ قالت: بل أحب أن يسبقني الحطب. فجاءت والحطب على باب فاطمة ﵂).
стр. 756
الراجح في الحديث محل الدراسة:
أنه ضعيف لا يصح، فيه علل، بيانها كما يلي:
١. مداره على أبي جُميع سالم بن دينار الهجيمي ـ وهو مقبول ـ أي حيث يتابع، وإلا فضعيف، ولم يتابع. وعلى فرض أنه أعلى درجة، وحُكم عليه بأنه صدوق، فإنه تفرد بالحديث عن أصحاب ثابت ـ كما سيأتي ـ.
٢. أما متابعة: (معمر، عن الزهري، عن أنس)، فقد رجح الدارقطني: (معمر، عن أبان، عن أنس)، وأبان متروك ـ كما سبق ـ.
ومتابعة سلام بن أبي الصهباء، منكرة لا تصح، فيها زيادة ألفاظ، تخالف ما في الصحيح ـ كما سيأتي ـ وسلام: ضعيف جداً.
٣. روى الحديث عن أبي جميع: اثنان، بمتنين مختلفين:
محمد بن الحسن الأسدي التل ـ وهو صدوق، فيه لين ـ، ومحمد بن عيسى الطباع ـ وهو ثقة ـ.
فالأول: ذكرَ الإحسان إلى العبد، وعدم ضربه؛ لأنه يصلي.
والثاني: ذكرَ أن فاطمة عليها ثوب قصير، لا يكفي لتغطية رأسها إلى قدميها، وعندها غلامها؛ فأذن النبي ﷺ لها.
وقد ذكره ابن عدي في إفرادات وغرائب (محمد بن الحسن الأسدي التل) كما في «الكامل» (٦/ ١٧٤).
стр. 757
٤. تفرد سالم بن دينار بالحديث، فأين أصحاب ثابت البناني الثقات عن هذا الحديث؟ ! وفي الطبقة الأولى من أصحاب ثابت: الثقات: شعبة، وحماد بن زيد، وسليمان بن المغيرة، وحماد بن سلمة، ومعمر، ذكرهم ابن رجب، وغيره، ثم قال: (والطبقة الثانية: الشيوخ: مثل الحكم بن عطية. وقد ذكر أحمدُ الحكمَ بنَ عطية، فقال: «هؤلاء الشيوخ يخطئون على ثابت»، وذكر للحكم بن عطية، عن ثابت، عن أنس، أحاديث مناكير. وقال: سهيل بن أبي حزم يروي عن ثابت منكرات. وقال في عمارة بن زاذان: يروي عن ثابت أحاديث مناكير، ثم قال: «هؤلاء الشيوخ رووا عن ثابت، وكان ثابت جل حديثه عن أنس، فحملوا أحاديثه عن أنس».
ونقل ابن رجب عن أحمد قوله: وكل شئ لثابت روي عنه، يقولون: ثابت، عن أنس.
وقال أحمد في رواية أبي طالب: أهل المدينة إذا كان الحديث غلطاً، يقولون: ابن المنكدر، عن جابر. وأهل البصرة يقولون: ثابت، عن أنس، يحيلون عليهما.
قال ابن رجب: ومرادُ أحمد بهذا: كثرة من يروي عن ابن المنكدر من ضعفاء أهل المدينة، وكثرة من يروي عن ثابت من ضعفاء أهل البصرة، وسيئِ الحفظ والمجهولين منهم، فإنه كثرت الرواية عن ثابت من
стр. 758
هذا الضرب، فوقعت المنكرات في حديثه، وإنما أُتِي مِنْ جهة مَن روى عنه من هؤلاء. ذكرَ هذا المعنى ابنُ عدي، وغيرُه.
ولمَّا اشتهرت «رواية ابن المنكدر، عن جابر»؛ ورواية «ثابت، عن أنس»؛ صار كلُّ ضعيف وسيئِ الحفظ، إذا روى حديثاً عن ابن المنكدر، يجعله عن جابر، عن النبي ﷺ ؛ وإن رواه عن ثابت، جعله ... عن أنس، عن النبي ﷺ . هذا معنى كلام الإمام أحمد، ... واللهُ أعلم). (١)
٥. أن المعروف في الحديث الصحيح، المخرَّج في الصحيحين (٢): أن فاطمة ﵂ جاءت تطلب من أبيها ﷺ خادماً، ولم يعطها، وأرشدها إلى الذكر عند النوم ـ وسيأتي الحديث في الباب الثاني: الفصل الرابع: المبحث الثاني.
стр. 759
وعلى فرض تحسينه، يكون من المحتمل أن النبي ﷺ أعطاها وعلياً غلاماً في المرة الأولى، ثم باعاه أو أعتقاه، وطلبا منه مرة ثانية، فأرشدهما إلى الذكر عند النوم ـ والله تعالى أعلم ـ.
الحكم على الحديث:
الحديث ـ محلِّ الدراسة ـ ضعيف.
* * *
стр. 760
١٦. [٥] قال الإمام مسلم ﵀: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كُريب، وزُهير بن حرْب، واللفظ لزهير، قال أبو كُريب: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا وكيع، عن مِسْعَر، عن أبي عَون الثَّقَفي، عن أبي صالح الحنَفِي، عن عليٍّ ﵁ أنَّ أُكَيدَر دُوْمَةَ أهدَى إلى النَّبيِّ ﷺ ثَوبَ حَرِير، فأعطَاه عليَّاً، فقال: «شَقِّقْه خُمُرَاً بَينَ الفَوَاطِمْ».
وقال أبو بكر، وأبو كريب: «بيْنَ النِّسْوَة».
[«الجامع الصحيح» للإمام مسلم (ص ٨٦١)، كتاب اللباس والزينة، حديث رقم (٢٠٧١)]
تخريج الحديث:
ــ أخرجه مسلم في «صحيحه» (ص ٨٦١)، كتاب اللباس والزينة، حديث رقم (٢٠٧١) من طريق وكيع، عن مسعر ـ كما سبق ـ.
ــ ورواه ـ أيضاً ـ رقم (٢٠٧١) من طريق شعبة، عن أبي عون، قال: سمعت أبا صالح، يحدث عن علي، قال: أهديت لرسول الله ﷺ حُلَّةٌ سَيْرَاء (١)، فبعث بها إلي فلبستُها، فعرفت الغضب في وجهه، فقال: «إني لم
стр. 761
أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتُشَقِّقها خُمُرَاً بين النساء».
ــ وفي رواية لشعبة رقم (٢٠٧١): «فأمرني فأَطَرْتُهَا (١) بين نسائي»، وفي رواية أخرى: «فأَطَرْتُهَا بين نسائي» ولم يذكر: فأمرني.
ــ وأخرجه البخاري في «صحيحه» (ص ١١٤١)، كتاب اللباس، باب الحرير للنساء، حديث (٥٨٤٠)، و (ص ٤٩٤)، كتاب الهبة، باب هدية ما يُكره لُبْسُه، حديث (٢٦١٤)، و (ص ١٠٦٢)، كتاب النفقات، باب كسوةِ المرأة بالمعروف، حديث (٥٣٦٦)، ومسلم في «صحيحه» ... (ص ٨٦١)، كتاب اللباس والزينة، حديث (٢٠٧١)، من طريق شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «كساني النبيُّ ﷺ حُلَّةً سَيْرَاءَ، فخرجتُ فيها، فرأيتُ الغَضَبَ في وجهِهِ، فشَقَقْتُهَا بينَ نِسَائِي». (٢) هذا لفظ البخاري في الموضع
стр. 762
الأول، ومسلم.
ومن الزوائد التوضيحية على الحديث:
ما أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٢/ ٤٤٥) رقم (٢٥١٣٧)، وعنه: [ابن ماجه في «سننه» رقم (٣٥٩٦)] من طريق يزيد بن أبي زياد، عن أبي فاختة، قال: حدثني هبيرة بن يريم، عن علي: أنه أهدي إلى رسول الله ﷺ ، حلة مسيرة بحرير إما سداها، أو لحمتها، فأرسل بها إلي، فأتيته فقلت: يا رسول الله: ما أصنع بها ألبسها؟ قال: «لا، إني لا أرضى لك ما أكره لنفسي، ولكن اجعلْها خُمُراً بين الفواطم».
ــ يزيد بن أبي زياد الهاشمي مولاهم الكوفي. ضعيف، كبر؛ فتغيَّر، وصار يتلقَّن، وكان شيعياً. (١)
ــ سعيد بن عِلاقة الهاشمي مولاهم، أبو فاختة الكوفي. ثقة. (٢)
ــ هُبَيرة بن يَريم الشِّبَامي، ويقال: الخارفي. لابأس به، وقد عِيب بالتشيع. (٣)
стр. 763
ــ وأخرج الإمام أحمد في «مسنده» (٢/ ٢٦٩) رقم (٩٦٣) من طريق إسماعيل بن سُميع، عن مالك بن عُمير قال: كنت قاعداً عند علي ﵁ قال: فجاء صعصعة بن صوحان فسلَّم، ثم قام فقال: يا أمير المؤمنين، انهنَا ... عما نهاكَ عنه رسولُ اللهِ ﷺ فقال: «نهانا عن الدُّباء، والحنْتَمِ، والمزَفَّتْ، والنَّقِيرِ، ونهانا عن القسِيِّ، والميثَرَةِ الحمرَاء، وعن الحرير، والحلق الذهب».
ثم قال: كساني رسولُ اللهِ ﷺ حُلَّةً من حرير، فخرجتُ فيها ليرى الناسُ علي كسوةَ رسولِ اللهِ ﷺ قال: «فرآني ... رسولُ اللهِ ﷺ فأمرني بنزعهما، فأرسلَ بإحداهما إلى فاطمة، وشق الأخرى بين نسائه».
ــ إسماعيل بن سُميع الحنفي. صدوق، تُكلِّم فيه؛ لبدعة الخوارج. (١)
ــ مالك بن عُمير الحنفي الكوفي. قال ابن حجر: (مخضرم، وأورده يعقوب بن سفيان في الصحابة). قال أبو زرعة: (مالك بن عمير، عن علي ﵁ مرسل). (٢)
стр. 764
وأخرج: ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (١/ ١٤٢) رقم (١٧٠)، و (٥/ ٤٦٩) رقم (٣١٦٤)، وابن أبي الدنيا في كتابه «الهدايا» ــ كما في ... «فتح الباري» لابن حجر (١٠/ ٢٩٧) ــ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٥٣) رقم (٦٧١٩)، وعبدالغني بن سعيد في «الغوامض والمبهمات» (ص ١٧٩) رقم (٦٢)، وابن عبدالبر في «التمهيد» ... (١٤/ ٢٥٠)، وعنه: [ابن بشكوال في «غوامض الأسماء المبهمة» ... (١/ ٤٥٠) رقم (٤١٩)] من طريق يزيد بن أبي زياد، عن أبي فاختة، عن جعدة بن هبيرة، عن علي ﵁ ... الحديث، وقال في آخره: فشققتُ منها أربعة خُمر: خماراً لفاطمة بنت أسد بن هاشم ـ وهي أم علي بن أبي طالب ـ؛ وخماراً لفاطمة بنت محمد ﷺ ؛ وخماراً لفاطمة بنت حمزة بن عبدالمطلب؛ وخماراً لفاطمة أخرى، قد نَسِيتُها.
والقائل: قد نسيتها، هو يزيد بن أبي زياد.
وعند الطحاوي: أن الهدية من أمير أذربيجان. وعند ابن عبدالبر: أمير أذرعات.
قال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٩٧) عن حديث الطحاوي: (وسنده ضعيف).
وأخرج الطحاوي أيضاً في «شرح المعاني» (٤/ ٢٥٤) رقم (٦٧٢٠) من طريق عبدالعزيز بن مسلم، عن يزيد بن أبي زياد، به. وفيه: ...
стр. 765
فقلت: يا رسول الله , ألبسُها؟ قال: «لا , أكره لك ما أكره لنفسي , ولكن اقطعْها خمراً, لفلانة, وفلانة, وفلانة» , وذكر فيهن فاطمة قال: فشققتها أربع خمر.
وعند الطبراني في «المعجم الكبير» (٢٤/ ٣٥٧) رقم (٨٨٧) من طريق يزيد بن أبي زياد، به، لكن قال علي: فشققتُ منها ثلاثة أخمرة: خماراً لفاطمة بنت أسد، وخماراً لفاطمة بنت محمد ﷺ ، وخماراً لفاطمة بنت حمزة.
هنا ذكر ثلاثة، وفي الطريق السابق ذكر أربعة أخمرة.
ــ جَعْدَة بن هُبيرة بن أبي وَهْب المخزومي. قال ابن حجر: ... (صحابي صغير، له رؤية. وهو ابن أم هانئ بنت أبي طالب. وقال العجلي: تابعي ثقة). (١)
وفي «المسند الكبير» لأبي يعلى ــ كما في «المطالب العالية» (١٠/ ٣٤٣) رقم (٢٢٣٨)، و «إتحاف الخيرة المهرة» (٤/ ٤٩٦) رقم (٤٠١١) ــ من حديث أم هانئ ﵂.
قال أبو يعلى: حدثنا زهير، قال: حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي فاختة، قال: حدثتني أم هاني ﵂ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ
стр. 766
أهدي له حلة حرير سيراء، فبعث بها إلى علي ﵁ فراحَ وهي عليه، فقال رسولُ الله ﷺ لعلي ﵁: «إني لا أرضى لكَ إلا ما أرضى لنفسي، إن لم أكسُكهَا لتلبسها، إني كسوتُكها لتجعلَها خُمراً بين الفواطم».
قال ابن حجر: في إسناده ضعف، وله شاهد من حديث علي ﵁ نفسه.
جميع الطرق السابقة، فيها يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف ـ كما سبق ـ وقد اضطرب فيها. (١)
غريب الحديث:
ــ (خُمُرَاً): جمع خمار: وهو ما تغطي به المرأة رأسها. ويُجمَع على: أَخْمِرَةٌ، وخُمْرٌ، وخُمُرٌ. (٢)
ــ (أُكَيدَر دُوْمَةَ): أكيدر بن عبدالملك بن عبد الجن، صاحب دومة الجندل، ذكره ابن مندة وأبو نعيم في «الصحابة».
وتعقب ذلك ابنُ الأثير، فقال: إنما أهدى إلى النبيِّ ﷺ وصالَحَهُ ولم يُسلِمْ. وهذا لا خلاف فيه بين أهل السِّير، ومَن قال: إنه أسلَمَ
стр. 767
فقد أخطأَ خطأً ظاهراً، بل كان نصرانياً.
ولما صالَحَهُ النبيُّ ﷺ عاد إلى حِصْنِهِ وبَقِيَ فيه.
ثم إنَّ خالدَ بنَ الوليد أسرَهُ في أيام أبي بكر فقتَلَهُ كافراً.
وقد ذكر البلاذريُّ أنّ أُكيدر دُومَة لما قَدِمَ على النبيِّ ﷺ مع خالد أسلمَ وعاد إلى دومة، فلما مات النبي ﷺ ارتدَّ ومنعَ ما قبله، فلما سار خالد بن الوليد من العراق إلى الشَّام قتَلَهُ.
قال ابن الأثير: فعلى كُلِّ حال، لا ينبغي أن يُذكَر في الصحابة.
وقال ابن حجر في «الإصابة»: اختُلفَ فيه. والأكثر على أنه قتل كافراً. (١)
ــ (دُومة): هي: دُومَةُ الجندَل: قال علماء البلدان: هي بضم أوله وفتحه.
قال القاضي عياض: (يقال بضم الدال وفتحها، وبالوجهين قيدناه على ابن سراج وغيره؛ وأنكر ابن دريد الفتح، وقال: كذا يقوله المحدِّثون وهو خطأ).
стр. 768
وقال ابن الأثير: (تُضَم دالها وتفتح).
قال ابن دُريد في «الجمهرة»: (ودُومة الجَنْدَل، بضَمِّ الدَّال: مَوضِع هَكَذَا يَقُول بعض أهل اللُّغَة، وأصحابُ الحَدِيث يَقُولُونَ: دَومة الجندل، بِفَتْح الدَّال، وَذَلِكَ خطأ).
وأنكر الفتح أيضاً ابنُ سيده.
وتقع دومة من المدينة النبوية على ثلاث عشرة مرحلة، ومن الكوفة على عشر مراحل، ومن دمشق على عشر مراحل، وقيل: سبع.
وقال أبو عبيد السكوني: دومة الجندل حصن وقرى بين الشام والمدينة، قرب جبلي طيّءٍ، كانت به بنو كنانة من كلب، قال: ودومة من القريات، من وادي القرى إلى تيماء أربع ليال، والقريات: دومة، وسكاكة، وذو القارة، فأما دومة فعليها سور يتحصن به، وفي داخل السور حصن منيع يقال له: مارد، وهو حصن أكيدر الملك بن عبدالملك بن عبد الحيِّ.
ومن الموسوعة الحرة «ويكيبيديا» في الشبكة العالمية:
دومة الجندل إحدى المدن في شمال «المملكة العربية السعودية»، في ... «منطقة الجوف»، وتقع جنوب غرب مدينة «سكاكا»، عاصمة منطقة الجوف.
وتبعد عن سكاكا ٥٠ كم. وتبعد عن مدينة الرياض ٩٠٠ كم. وعن مكة ١٢٢٠ كم.
стр. 769
بلغ عدد السكان حسب التعداد السكاني في عام (١٤٣١ هـ):
٦٤٦، ٤٩ نسمة. وفيها عدد من المواقع الأثرية. (١)
ــ (الفواطم) (٢): قال الأزهري (ت ٣٧٠ هـ): (قال القتيبي (٣):
стр. 770
إحداهن: فاطمة بنت رسول الله ﷺ .
والثانية: فاطمة بنت أسد ابن هاشم، أم علي بن أبي طالب، وكانت أسلمت، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي.
قال: ولا أعرف الثالثة.
قلت: والثالثة: فاطمة بنت عتبة بن ربيعة، وكانت هاجرت وبايعت النبي ﷺ .
ومن الفواطم: فاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء، ﵁ ولعلها الثالثة، لأنها من أهل البيت ﵈).
وكذا استظهر الأزدي أن الثالثة: فاطمة بنت حمزة.
نقل القاضي عياض قول ابن قتيبة والأزهري، ثم قال: (والرابعة: فاطمة بنت عتبة، زوج عقيل ابن أبي طالب، وهي التي سار معاوية وابن عباس حكمين بينهما أيام عثمان).
стр. 771
ذكر النووي قول عياض؛ لاختصاصها بعلي ﵁ بالمصاهرة، وقربها إليه بالمناسبة، وهي من المبايعات، شهدت مع النبي ﷺ حُنيناً، ولها قصة مشهورة في الغنائم تدل على ورعها، والله أعلم.
قلتُ: واستظهر ابن حجر في «الإصابة» أن الرابعة: امرأة عقيل بن أبي طالب وهي: فاطمة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس.
وسئل الدارقطني: مَن عَنَى بالفواطم؟
فقال: (فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وفاطمة بنت حمزة، وفاطمة بنت أسد والدة علي ﵁).
قال ابن الأثير في «جامع الأصول»: (الفواطم: جمع فاطمة، وهنَّ: فاطمةُ الزهراءُ بنتُ رسولِ الله ﷺ ؛ وفاطمةُ بنتُ أَسَدٍ أُمُّ علي بن أبي طالب؛ وفاطمةُ أُمُّ أسماءَ بنتِ حمزةَ، وقيل: الثالثة: فاطمةُ بنتُ عُتْبَةَ بنِ ربيعةَ، وكانت قد هاجَرَتْ).
وقال في «النهاية»: (أراد بهن فاطمةَ بنت رسول الله، زوجته، وفاطمةَ بنت أسد أمه، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، وفاطمةَ بنت حمزة عمه).
وذكر النووي: أن الهروي، والأزهري، والجمهور، على أنهن ثلاث فواطم. وذكرهن.
стр. 772
قال ابن حجر في «فتح الباري»: (وهي فاطمة بنت أسد أمُّه، وفاطمة بنت النبي ﷺ زوجتُه، وفاطمة بنت حمزة بنتُ عمه، رواه بن أبي الدنيا في كتاب الهدية.
وحكى القرطبي فيهن أيضاً: فاطمة بنت الوليد بن ربيعة. وفيه نظر.
وقال عياض: يشبه أن تكون فاطمة بنت شيبة بن ربيعة، زوج عقيل بن أبي طالب).
وقال أيضاً في موضع آخر: (فقال عياض: لعلها فاطمة امرأة عقيل بن أبي طالب، وهي بنت شيبة بن ربيعة، وقيل: بنت عتبة بن ربيعة، وقيل: بنت الوليد بن عتبة.
وامرأة عقيل هذه هي التي لما تخاصمت مع عقيل بعثَ عثمان معاوية وابن عباس حكَمين بينهما، ذكره مالك في «المدونة»، وغيره). (١)
стр. 773
فائدة:
ذكر اللغوي أحمد بن فارس (ت ٣٩٥ هـ) الفواطم اللاتي يلينه في القرابة:
١. فاطمة بنت سعد، أم قصي.
٢. فاطمة بنت عمر بن جرول بن مالك، أم أسد بن هاشم.
٣. فاطمة بنت أسد بن هاشم، أم علي بن أبي طالب ﵄.
٤. وأمها: فاطمة بنت هَرْم بن رواحة.
٥. وفاطمة بنت رسول اللهِ ﷺ . (١)
стр. 774
الدراسة الموضوعية:
الأحاديث السابقة في هذا المبحث ضعيفة، عدا الأخير رقم ... (١٦) في قسمة ثوب الحرير على الفواطم، والحديث رقم (١٥) في إعطائه ﷺ فاطمة غلاماً يُحَسِّنُه بعضُ العلماء ـ وهو محتمل كما سبق ـ.
كان النبي ﷺ أتقى الناس لربه ، وأحسن العالمين خُلقاً، ومن كريم الأخلاق، وجميل السجايا أن يحسن الإنسان إلى من يعول، وأن لا يضيع من يقوت.
وقد وردت عنه ﷺ في الإنفاق على الأولاد أحاديث، وورد عنه الإحسان إلى البنات ورعايتهن، ومن أعظم الإحسان: القيام بالنفقة عليهن.
وأفضل مَن يعمل بها هو النبيًّ ﷺ ؛ لتقواه، وحسن تربيته، وجميل أخلاقه.
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في الإنفاق والإحسان على الأولاد من عدة أوجه:
стр. 775
- البدء في النفقة بالأقرب فالأقرب
١. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول».
تقول المرأة: إما أن تطعمني، وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني، إلى من تدعني».
فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: «لا، هذا من كيس أبي هريرة». (١)
٢. عن جابر ﵁، قال: أعتق رجلٌ من بني عذرة عبداً له عن دُبُر، فبلغ ذلك رسول اللهِ ﷺ فقال: «ألك مال غيره»؟ فقال: لا. فقال: «مَن يشتريه مني»؟ فاشتراه نعيم بن عبدالله العدوي بثمان مئة درهم، فجاء بها رسول الله ﷺ فدفعها إليه، ثم قال ﷺ : ... «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا» يقول: فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك. (٢)