← Тараджим

Тараджим · id 50

فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - سيرتها، فضائلها، مسندها - رضي الله عنها -

إبراهيم بن عبد الله المديهش

Полный текст (3 488 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

المبحث السابع: طلبها ميراث أبيها ﷺ -. ٢٧. [١] قال الإمام البخاري ﵀: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ بِنْتَ النَّبِيِّ ﷺ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ مِمَّا أَفَاءَ الله عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَالله لا أُغَيِّرُ شَيْئَاً مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ الله ﷺ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ . فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلَاً، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلا يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لا وَالله لا

стр. 877

تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَالله لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ الله، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرَاً سَاقَهُ الله إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ نَصِيبَاً، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ الله ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرَاً رَأَيْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلا إِنْكَارَاً لِلَّذِي فَضَّلَهُ الله بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبَاً، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبَاً، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ». [«الجامع الصحيح» (ص ٨٠٣)، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، حديث رقم (٤٢٤٠)]

стр. 878

تخريج الحديث: ــ أخرجه الإمام البخاري كما سبق ـ عن يحيى بن بكير. ــ وأخرجه الإمام مسلم في «صحيحه» (ص ٧٢٩)، كتاب الجهاد والسِّيَر، حديث (١٧٥٩) عن محمد بن رافع، عن حُجين. كلاهما: (ابن بكير، وحُجين) عن الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂. عند البخاري: (فلم آلُ فيها عن الخير)، وعند مسلم (عن الحق). عند البخاري: «فلم يكن يبايع تلك الأشهر» وعند مسلم: «ولم يكن بايع (١) تلك الأشهر»، وبقية ألفاظ الحديث سواء. ــ وأخرجه البخاري في «صحيحه» (ص ٥٩١)، كتاب فرض الخُمُس، باب فرض الخُمُس، حديث (٣٠٩٢)، ومسلم في «صحيحه» ... (ص ٧٣٠)، كتاب الجهاد والسِّيَر، حديث (١٧٥٩) من طريق إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂. بنحو حديث عقيل، عن الليث، وفيه: وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَسْأَلُ أَبَا بَكْرٍ نَصِيبَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ، وَفَدَكٍ، وَصَدَقَتِهُ بِالمدِينَةِ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ

стр. 879

عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَقَالَ: لَسْتُ تَارِكَاً شَيْئَاً، كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ، فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ. فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ، وَأَمَّا خَيْبَرُ، وَفَدَكٌ، فَأَمْسَكَهَا عُمَرُ، وَقَالَ: هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ وَنَوَائِبِهِ، وَأَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الأَمْرَ، قَالَ: فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى اليَوْمِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (أي: البخاري): «اعْتَرَاكَ افْتَعَلْتَ مِنْ عَرَوْتُهُ، فَأَصَبْتُهُ وَمِنْهُ يَعْرُوهُ وَاعْتَرَانِي». هذا لفظ البخاري، وعند مسلم بمثله. وفيه زيادة بعد: (إلى عليٍّ وعبَّاس): «فغلبه عليها عليٌّ». ــ وأخرجه البخاري في «صحيحه» (ص ٣٧٠٨)، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة رسول الله ﷺ ، حديث (٣٧١١) من طريق شعيب، عن الزهري، به. بنحوه مختصراً، وفيه: «لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا المَالِ، يَعْنِي مَالَ اللَّهِ، لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى المَأْكَلِ» ... إلخ. ــ وأخرجه البخاري في «صحيحه» (ص ٧٦٦)، كتاب المغازي، باب حديث بني النضير، حديث (٣٧١١) عن إبراهيم بن موسى، وفي ... (ص ١٢٨٤)، كتاب الفرائض، باب قول النبي ﷺ : «لانورث،

стр. 880

ما تركنا صدقة»، حديث (٦٧٢٥) عن عبدالله بن محمد. كلاهما عن هشام. ــ وأخرجه مسلم في «صحيحه» (ص ٧٣٠)، كتاب الجهاد والسِّيَر، حديث (١٧٥٩) من طريق عبدالرزاق. كلاهما: (هشام، وعبدالرزاق)، عن معمر، عن الزهري، به. ولفظ حديث عبداللَّهِ بن محمد، عن هشام: «أَنَّ فَاطِمَةَ وَالعَبَّاسَ ﵉، أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ أَرْضَيْهِمَا مِنْ فَدَكَ، وَسَهْمَهُمَا مِنْ خَيْبَرَ، فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا المَالِ». قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لا أَدَعُ أَمْرَاً رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَصْنَعُهُ فِيهِ إِلَّا صَنَعْتُهُ، قَالَ: فَهَجَرَتْهُ فَاطِمَةُ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى مَاتَتْ. ــ وأخرجه البخاري في «صحيحه» (ص ١٢٨٥)، كتاب الفرائض، باب قول النبي ﷺ : «لانورث، ما تركنا صدقة»، حديث ... (٦٧٣٠)، ومسلم في «صحيحه» (ص ٧٣٠)، كتاب الجهاد والسِّيَر، حديث (١٧٥٩) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: إن أزواج النبي ﷺ حين توفي رسول اللَّهِ ﷺ -

стр. 881

أرَدْنَ أن يبعثْنَ عثمان بن عفان إلى أبي بكر، فيسألنه ميراثهن من النبي ﷺ ، قالت عائشة لهن: أليس قد قال رسول اللَّهِ ﷺ : «لا نورث ما تركنا فهو صدقة». لفظ مسلم. ــ وأخرجه البخاري في «صحيحه» (ص ٧٦٥)، كتاب المغازي، باب حديث بني النضير، حديث (٤٠٣٤)، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: (أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ عُثْمَانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، يَسْأَلْنَهُ ثُمُنَهُنَّ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ، فَكُنْتُ أَنَا أَرُدُّهُنَّ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: أَلا تَتَّقِينَ اللَّهَ، أَلَمْ تَعْلَمْنَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ـ يُرِيدُ بِذَلِكَ نَفْسَهُ ـ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي هَذَا المَالِ» فَانْتَهَى أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مَا أَخْبَرَتْهُنَّ. قَالَ: فَكَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِيَدِ عَلِيٍّ، مَنَعَهَا عَلِيٌّ عَبَّاسَاً فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ كَانَ بِيَدِ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ بِيَدِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، وَحَسَنِ بْنِ حَسَنٍ، كِلاهُمَا كَانَا يَتَدَاوَلانِهَا، ثُمَّ بِيَدِ زَيْدِ بْنِ حَسَنٍ، وَهِيَ صَدَقَةُ ... رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَقَّاً). (١)

стр. 882

غريب الحديث: ــ (وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرَاً): أي: لم نحسدك، ويقال: نفَس عليه بالشئ؛ إذا لم يَرَه أهلا له، وبَخِل به عليه، قال عياض: (وقوله «نفاسة علي أبي بكر» أي حسداً له، ورغبة وحرصا على ما ناله، ولم يره له أهلاً، وقوله: وما نفسناه عليك ولم ننفس عليك: بمعناه قال أبو عبيد: نفست عليه الشيء أنفس نفاسة إذا لم تره يستاهله). (١) * * *

стр. 883

٢٨. [٢] قال الإمام البخاري ﵀: حدثنا عبدُالله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا يقتسم ورثتي ديناراً، ولا درهماً، ما تركتُ بعد نفقَةِ نسائي، ومَؤونَة عامِلي؛ فهُو صَدَقَةٌ». [«الجامع الصحيح» (ص ٥٣٥)، كتاب الوصايا، باب نفقة القيِّم على الوقف، حديث (٢٧٧٦)] تخريج الحديث: أخرجه البخاري ـ كما سبق ـ، وفي (ص ٥٩٣)، كتاب فرض الخمس، باب نفقة نساء النبي ﷺ بعد وفاته، حديث (٣٠٩٦) عن عبداللهِ بن يوسف. وفي (ص ١٢٨٥)، كتاب الفرائض، باب قول النبي ﷺ : ... «لانورث، ماتركنا صدقةٌ»، حديث (٦٧٢٩) عن إسماعيل بن أبي أويس. وأخرجه مسلم في «صحيحه» (ص ٧٣١)، كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٦٠) عن يحيى بن يحيى. ثلاثتهم: عن مالك. وهو في «موطئه» (ص ٥٩٥) رقم (٤١٩٠). وأخرجه مسلم في ـ الموضع السابق ـ من طريق سفيان. كلاهما: عن أبي الزناد.

стр. 884

وعند مسلم أيضاً من طريق يونس، عن الزهري. كلاهما: (أبو الزناد، والزهري) عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁. ــ لم تُذكر زيادة الدرهم إلا في الموضع الأول عند البخاري برقم ... (٢٧٧٦). * * *

стр. 885

٢٩. [٣] قال الإمام أحمد ﵀: حَدَّثَنَا عَبْدُالله بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ـ وَسَمِعْتُهُ (١) مِنْ عَبْدِالله بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ـ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ﵁ قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ الله ﷺ أَرْسَلَتْ فَاطِمَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵃: أَنْتَ وَرِثْتَ رَسُولَ الله ﷺ ، أَمْ أَهْلُهُ؟ قَالَ: فَقَالَ: لَا، بَلْ أَهْلُهُ. قَالَتْ: فَأَيْنَ سَهْمُ رَسُولِ الله ﷺ ؟ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ ، إِذَا أَطْعَمَ نَبِيَّاً طُعْمَةً، ثُمَّ قَبَضَهُ جَعَلَهُ لِلَّذِي يَقُومُ مِنْ بَعْدِهِ». فَرَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَتْ: (فَأَنْتَ، وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ أَعْلَمُ). [«المسند» للإمام أحمد (١/ ١٩١) رقم (١٤)] تخريج الحديث: ــ عبدُالله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العَبْسي مولاهم، الواسطي الأصل، أبو بكر بن أبي شيبة الكوفي. ثِقَةٌ، حَافِظٌ، مُتفَقٌ على تَوثِيقِهِ.

стр. 886

قال الذهبي في «الميزان»: الحافظ، الكبير، الحجة. وقال: أبو بكر ممن قفز القنطرة، وإليه المنتهى في الثقة. وقال في «السير»: الإمام العلم، سيد الحفاظ، وصاحب الكتب الكبار «المسند»، و «المصنف»، و «التفسير». وقال ابن حجر في «التقريب»: ثقة حافظ، صاحب تصانيف. (ت ٢٣٥ هـ). (١) ــ محمد بن فُضيل بن غَزوان بن جرير الضَّبِّي مولاهم، أبو عبدالرحمن الكوفي. ثِقةٌ، شِيعي، وليس غالياً في التشَيُّع. وثَّقَه: ابن معين، وابن سعد وزاد: (وكان صدوقاً كثير الحديث، متشيعاً، وبعضهم لايحتج به). ووثَّقَه: ابن المديني ـ فيما ذكره عنه ابنُ شاهين ـ، ولفظه: (كان ثقة ثبتاً في الحديث، وما أقلَّ سقطَ حديثِه). ووثَّقَهُ: العجلي، والبسوي، وذكره ابن حبان في «الثقات». (٢)

стр. 887

قال الدارقطني ـ كما في سؤالات السلمي له ـ: كان ثَبَتًا في الحديثِ، إلا أنَّه كان مُنحرِفًا عن عثمانَ ـ رضي اللَّهُ عن عثمانَ ـ بلغني أنَّ أباه ضرَبَهُ من أولِ الليلِ إلى آخرِه؛ لِيَترحَّمَ على عثمانَ، فلم يَفعلْ. وتوسَّط فيه جماعة: قال الإمام أحمد: حسن الحديث، وقال أبوزرعة: صدوق من أهل العلم، وقال النسائي: لا بأس به. قال أبو حاتم: شيخ. (١) وصفه بالتشيُّع: ابن سعد، والإمام أحمد، والعجلي، والبسوي، وقال ... أبو داوود: كان شيعياً محترِقاً. علَّق الذهبي في «تاريخ الإسلام» على قول أبي داوود بقوله: قلت: ... (إنما كان متوالياً فقط، مُبَجِّلاً للشيخين، وقد قرأ القرآن على حمزة .. ). وعلَّق في «السِّيَر» بقوله: (قلتُ: تحرُّقُه على مَن حارب أو نازع الأمر علياً ﵁ وهو مُعظِّمٌ للشيخين ﵄، وكان ممن قرأ القرآن على حمزة الزيات، وقد أدرك منصور بن المعتمر، ودخل عليه، فوجده مريضاً، وهذا أوان أول سماعه للعلم). وقال ابن حبان: كان يغلو في التشيع.

стр. 888

قال ابن محرز: (سمعت يحيى ـ أي ابن معين ـ يقول: سمعت محمد بن فضيل ـ وأنا عنده ـ قال له رجل: إن مروان الفزاري (١) يزعم أنَّ أباكَ أرادَك ليلةً أنْ تستغفرَ لعُثمان، فلم تَفْعَل؛ فسمعتُهُ يقول: لا والله، ما عَلِمَ اللهُ هذا مِنِّي قطُّ، وما ذَكرتُ عثمانَ قَطُّ إلا بِخَير). وفي «التعديل والتجريح» للباجي: (قال أحمد بن علي بن مسلم، : حدثنا أبو هشام ـ هو محمد بن يزيد الرفاعي ـ: سمعتُ ابن فضيل يقول: رحِمَ اللهُ عثمان، ولا رَحِمَ مَنْ لا يترَحَّمُ عليه. قال: وسمعتُهُ يحلفُ باللَّهِ أنَّه لَصاحبُ سُنَّةٍ وجماعَةٍ، قال أبو هشام: ورَأيتُ على خُفِّهِ أثَرَ المسْحِ، وصَلَّيتُ خَلْفَهُ مَا لا أحصي، فلَمْ أسمَعْهُ يجهَرُ يَعنِي بالبسملة). وقال الجوزجاني: زائغ عن الحق. (٢) وسبق قول الدارقطني بأنه منحرف عن عثمان، وأنه والده ضربه ليلة ... إلخ. وقصة الضرب هذه رواها العقيلي في «الضعفاء» فقال: (حدثنا محمد بن إسماعيل الأصبهاني، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني، قال: سمعت

стр. 889

فُضَيل ـ أو حُدِّثت عنه ـ قال: ضربتُ ابني (١) البارحة إلى الصباح؛ أن يترحَّمَ على عثمان ﵁، فأبى عليَّ). وهذه القصة ذكرها الذهبي في «السير»، وغيرِه، ولم يتعقبها، ويظهر ... ـ واللهُ أعلمُ ـ أنها لا تصحُّ، لثلاث عِلل: ١. يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني، متَّهم بسرقة الحديث. (٢) ٢. وهو لم يدرك فضيلاً والدَ محمد: فَفُضَيلٌ توفي بعد ١٤٠ هـ، وولادة الحمَّاني في حدود (١٥٠ هـ). (٣) ٣. أن محمد بن فضيل أنكر أن يكون وقع هذا، ويحلفُ باللَّهِ أنه لم يذكر عثمانَ إلا بخير، كما سبق في نقل ابن معين، فالقصَّةُ مخالفة للصحيح المنقول عنه من ترَحُّمِهِ على عثمان ﵁. قال الذهبي في «الميزان»: (كوفي، صدوق، مشهور ... وكان صاحب حديث ومعرفة). وفي «المغني»: (ثقة مشهور، لكنه شيعي، قال ابن سعد: بعضهم لا يحتج به). وفي «السير»: الإمام، الصدوق، الحافظ، .... على تشيع كان فيه، إلا أنه كان من علماء الحديث، والكمال عزيز.

стр. 890

وقال أيضاً: وقد احتج به أرباب الصحاح. وقال في «من تُكُلِّم فيه وهو موثق أو صالح الحديث»: شيعي صدوق. وقال في «الكاشف»: ثقة، شيعي. قال ابن حجر في «هدي الساري»: (إنما توقَّفَ فيه من توقَّف؛ لتشيُّعِه، وقد قال أحمد بن علي الأبار: حدثنا أبو هاشم، سمعتُ ابن فضيل يقول: ... «رحِمَ اللهُ عثمانَ، ولا رَحِمَ اللهُ مَن لا يترحَّمُ عَلَيهِ» قال: ورأيتُ عليه آثارَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة ﵀، احتَجَّ بِهِ الجماعة). وقال ابن حجر في «التقريب»: صدوق، عارف، رُمي بالتشيع. والراجح أنه ثقة، لتوثيق من ذُكر، واحتجاج الشيخين به في صحيحيهما، ولعل مَن أنزله لدرجة الحسَن، لأجل تشيعه، كما قال ابن حجر في «الهدي»، ويلحظ تردد الذهبي في وصفه، والصحيح أنه ليس غالٍ في التشيع، وهو معظم للشيخين كما قال الذهبي، وكان يترحم على عثمان، ولم تصح القصة في انحرافه عنه ـ والله أعلم ـ. روى له الجماعة. (ت ١٩٥ هـ). (١)

стр. 891

ــ الوليد بن عبدالله بن جُمَيع الزهري الخزاعي المكي، نزيل الكوفة، وقد يُنسب إلى جَدِّه. صدوق يَهِم، ورُمي بالتشيع. وثقه: ابن سعد، وابن معين ـ في رواية الدارمي ـ، وزاد ـ في رواية ابن محرز ـ: (مأمون، مَرْضِي)، والعجلي، وذكره ابن حبان في «الثقات» وفي ... «المجروحين» أيضاً. قال الإمام أحمد، وأبو زرعة، وأبو داوود: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. قال عمرو بن على الفلاس: كان يحيى بن سعيد لا يُحدثنا عن الوليد بن جميع، فلما كان قبل موته بقليل، حدَّثَنَا عنه.

стр. 892

وقال البزار: رجلٌ من أهل الكوفة، قد حدَّث عنه جماعةٌ، واحتملوا حديثه، وقال في موضع: كانت فيه شيعية شديدة، وقد احتمل أهل العلم حديثه، وحدَّثوا عنه. أورده ابن حبان في «المجروحين» وقال: (كان ممن ينفرد عن الأثبات مالا يشبه حديث الثقات، فلما فحش ذلك منه، بطل الاحتجاج به). قال العقيلي: في حديثه اضطراب. قال الحاكم: لو لم يخرج له مسلم، لكان أولى. قال مغلطاي: (وخرج أبو عوانة الإسفراييني حديثه في «صحيحه»، وكذلك ابن خزيمة، والحاكم، وأبو علي الطوسي). قال ابن حجر: صدوق يهم، ورُمي بالتشيع. وهو الراجح لأن أغلب الأئمة على التوسط فيه، وله أوهام كما في كلام ابن حبان، والعقيلي، والحاكم، لا تنزله عن درجة الاحتجاج به، لذا أخرج له مسلم في «صحيحه»، والنسائي، وابن خزيمة، وغيرهم. (١)

стр. 893

ــ أبو الطفيل عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمير بن جابر بن حميس بن جزء بن سعد بن ليث كلدة بن حنبل الليثي، وهو أخو صفوان بن أمية لأمه. ﵁ صحابي جليل، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃. ولد عام أحد، أدرك من زمان النبي ﷺ ثماني سنين، سكن الكوفة، ثم مكة حتى مات بها. قال الذهبي: خاتم مَن رأى رسول اللهِ ﷺ في الدنيا. وقال في «تاريخ الإسلام»: آخر من رأى النبي ﷺ في الدنيا بالإجماع، وكان من شيعة علي. وقال وهب بن جرير: سمعت أبي يقول: كنت بمكة سنة عشر ومئة، فرأيت جنازة، فسألت عنها، فقالوا: هذا أبو الطفيل. علق الذهبي بقوله: هذا هو الصحيح من وفاته لثبوته، ويعضده ما قبله. ولو عُمِّرَ أحَدٌ بعْدَهُ كما عُمِّرَ هُوَ بَعْدَ النبي ﷺ لعاش إلى سنَة

стр. 894

بضع ومئتين. قال ابن حجر: توفي سنة (١١٠ هـ) على الصحيح، وهو آخر من مات من الصحابة، قاله مسلم، وغيره. (١) تخريج الحديث: ــ أخرجه الإمام أحمد، وابنه في «المسند» ـ كما سبق ـ، ومن طريق الإمام أحمد: [الضياء في «الأحاديث المختارة» (١/ ١٢٩) رقم (٤٢)]. ــ ويعقوب بن شيبة ـ كما في «جامع الآثار» لابن ناصر الدين الدمشقي (٧/ ٣٥٥) ـ، وابن شبَّه في «تاريخ المدينة» (١/ ١٩٨)، ... والمروزي في «مسند أبي بكر» (ص ١٤٦) رقم (٧٨)، وأبو يعلى في ... «مسنده» (١/ ٤٠) رقم (٣٧)، ومن طريقه: [الضياء في «الأحاديث المختارة» (١/ ١٣٠) رقم (٤٣)]. ــ وأخرجه: ابن عبدالبر في «التمهيد» (٨/ ١٦٧) من طريق محمد بن وضَّاح.

стр. 895

سبعتهم: (أحمد، وابنه، ويعقوب بن شيبة، وابن شبَّه، والمروزي، ... وأبو يعلى، والبزار، ومحمد بن وضاح) عن أبي بكر ابن أبي شيبة. ــ وأخرجه: أبو داوود في «سننه» (ص ٣٣٧)، كتاب الخراج، باب في صفايا رسولِ اللهِ ﷺ من الأموال، حديث (٢٩٧٣) عن عثمان بن أبي شيبة. ــ والبزار في «البحر الزخار» (١/ ١٢٤) رقم (٥٤) عن عبدالله بن سعيد الكندري. ــ والحاكم في «فضائل فاطمة» (ص ١٤٨) رقم (٢٢٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٠٣) من طريق أحمد بن عبدالجبار العطاردي. أربعتهم: (أبو بكر ابن أبي شيبة، وعثمان ابن أبي شيبة، وعبدالله الكندري، وأحمد العطاردي) عن محمد بن فُضيل، عن الوليد بن جُميع، عن أبي الطُفيل ﵁، به. ــ عند أبي داوود: لم يذكر سؤال فاطمة: مَنْ يرثك؟ ولا كلامَها الأخير. ــ عند ابن شبه، والمروزي، وأبي يعلى، وابن عبدالبر: قالت فاطمة ﵂ لأبي بكر ﵁: مالَكَ ياخليفة رسول الله؟ ! ــ وعند يعقوب، والبزار، والحاكم، والبيهقي: ياخليفة رسول الله.

стр. 896

أقوال العلماء في الحديث: قال يعقوب بن شيبة: (حديث كوفي، صالح الإسناد من هذا الوجه، وأبو الطفيل له صحبة، ولا أدري سمع هذا من أبي بكر أم لا؟ لا يبين فيه سماعاً ـ والله أعلم ـ). (١) ـ إذا لم يثبت سماعه هذا الحديث، فهو من مراسيل الصحابة، وهي حجة. قال البزار عقب الحديث: (وهذا الحديث لا نعلم أحداً رواه بهذا اللفظ، إلا أبو بكر عن النبي ﷺ ، ولا نعلم له طريقاً عن أبي بكر، إلا هذا الطريق، وأبو الطفيل قد روى عن النبي ﷺ أحاديث، والوليد بن جُميع رجلٌ من أهل الكوفة، قد حدَّثَ عنه جماعةٌ، واحتملوا حديثه). قال ابن عبد البر: (وهو حديث لا تقوم به حجة، لضعفه). (٢) وقال ابن عبدالبر: (فإن قيل: ما معنى قول أبي بكر لفاطمة: «بل ورثه أهله» يعني: رسولَ اللهِ ﷺ ، وهو يقول: «لا نورث ما تركنا

стр. 897

صدقة»؟ قيل له: معناه على تصحيح الحديثَين أنه لو تخلَّف رسول الله ﷺ شيئاً يُورَث؛ لَوَرِثَهُ أهلُه، فكأنه قال: بل وَرِثَهُ أهلُه إن كان خلَّفَ شيئاً، وإن كان لم يتخلَّف شيئاً يُورَث، لأن ما تخلَّفه صدقةٌ راجعةٌ في منافع المسلمين، من الكراع والسلاح وغيرها، فأيُّ شيءٍ يرِثُ عنه أهلُه وهو لم يُخلِّف شيئاً؟ ! فإن قيل: فما معنى قول أبي بكر عن النبي ﷺ : «إذا ... أطعمَ اللهُ نبياً طُعمة، ثم قبضَه جعلَه لِلَّذِي يقوم بعده»؟ قيل له: اللام في قوله: «للذي» ليست لام الملك، وإنما هيَ بمعنى إلى، كما قال الله ... : ... ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ الأعراف: ٤٣ أي: هدانا إلى هذا، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى ... صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ... ﴾ الشورى: ٥٢، ومثله قوله : ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ الزلزلة: ٥، معناه: أوحى إليها. فكأنه قال: جعلَهُ إلى الذي بعده، يقوم فيه بما يجب، على حسب ما قدمناه ذكرَه، والأحاديث الصحاح، ولسان العرب كلُّ ذلك يدُلُّ على ما ذكرنا). (١)

стр. 898

وقال الذهبي: (رواه أحمد في «مسنده»، وهو منكر، وأنكر ما فيه قوله: «لا، بل أهله»). (١) وقال ابن حجر: (ورجاله ثقات، أخرج لهم مسلم، لكنَّه شاذ المتن؛ لأن ظاهره إثبات كَونِ النبي ﷺ يُورَث، وهو مخالف للأحاديث الصحيحة المتواترة). (٢) وقال أيضاً: (فيه لفظة منكرة، وهي قول أبي بكر: «بل أهله»؛ فإنه معارض للحديث الصحيح أن النبي لا يورث). (٣) وذكر ابن كثير الحديثَ بإسناد أحمد ومتنه، وتخريج أبي داوود، ثم قال: (في لفظ هذا الحديث غرابة ونكارة، ولعلَّه رُوِي بمعنى ما فهمه بعض الرواة، ومنهم من فيه تشيُّع، فليُعلَم ذلك. وأحسن ما فيه قولها: «أنت وما سمعت من رسُولِ اللهِ ﷺ ». وهذا هو المظنون بها، واللائق بأمرها وسيادتها وعلمها ودينها ﵂. وكأنها سألتَهُ بعد هذا أن يجعل زوجها ناظراً على هذه الصدقة، فلم يجبْهَا إلى ذلك ; لما قدمناه، فتعتَّبَتْ عليه بسبب ذلك، وهي امرأةٌ من بني آدم،

стр. 899

تأسَفُ كما يأسفون، وليسَتْ بواجِبَةِ العِصمة مع وجودِ نصِّ رسولِ الله ﷺ ، ومخالفةِ أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، وقد رُوِّينا عن أبي بكر ﵁ أنه ترضَّى فاطمةَ وتلاينها قبل موتها، فرَضِيَتْ ﵂). (١) والحديث حسَّنه الألباني. (٢) الراجح: أن الحديث حسَن؛ لأجل الوليد بن جميع، وهو صدوق يهم. ولعل اللفظة المنكرة التي أشار إليها الذهبي، وابن حجر، من أوهام الوليد. لذا قال ابن كثير: ولعله روي بمعنى ما فهمه بعض الرواة. ولها محمل كما في توجيه ابن عبدالبر، وإن كان تأويلاً بعيداً، فالأقرب ... ـ والله أعلم ـ أنها وهم من الوليد بن جميع. شواهد: ١. حديث سعد بن تميم ﵁. أخرجه: البخاري في «التاريخ الكبير» (٤/ ٤٦)، ومن طريقه: ... [البيهقي في «الجامع لشعب الإيمان» (٩/ ٤٦٧) رقم (٦٩٧١)]، والبسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٢٧٩)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٤/ ٤٠٦) رقم (٢٤٥٥)، وابن قانع في «معجم الصحابة»

стр. 900

(١/ ٢٥٥)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٦/ ٤٥) رقم (٥٤٦١)، والسهمي في «تاريخ جرجان» (ص ٤٩٣)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٣/ ١٢٧٩) رقم (٣٢١١)، وابن عبد البر في «الاستيعاب» (٢/ ٥٨٣)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٥/ ١٠٤) من طُرُقٍ عن الوليد بن مسلم، قال: حدَّثنا عبدالله بن العلاء بن زَبْر، وغيره، أنهما سمعا بلال بن سعد، يحدث عن أبيه سعد بن تميم السكوني ـ وكان من الصحابة ـ قال: قيل: ... يا رسول الله، ما للخليفة من بعدك؟ قال: «مثل الذي لي، ما عدل في الحكم، وقسط في القسط، ورحم ذا الرحم، فمَن فعل غير ذلك، فليس مني ولست منه». وهذا سند جيِّد. بلال بن سعد بن تميم الأشعري، ثقة، عابد. «تقريب» (ص ١٦٨). وعبدالله بن العلاء بن زبر، ثقة. «تقريب» (ص ٣٥١)، الوليد بن مسلم القرشي، الدمشقي. ثقة، كثير التدليس والتسوية. «تقريب» ... (ص ٦١٤). ٢. حديث أم هانئ ﵂. أخرجه: ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٢/ ٣١٤)، وابن شبه في ... «تاريخ المدينة» (١/ ١٩٧)، والبلاذري في «فتوح البلدان» (ص ٤٠)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٣٠٨) رقم (٥٤٣٧، ٥٤٣٨)، والحاكم في «فضائل فاطمة» (ص ١٤٩) (٢٢٦)، وابن عبدالبر في ...

стр. 901

«التمهيد» (٨/ ١٦٧) من طريق محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن أم هانئ ﵂ أن فاطمة ﵂ قالت لأبي بكر ﵁: ... (مَنْ يرِثُكَ إذا مِتَّ؟ قال: ولَدِي، وأهلي. قالت: فما لَكَ ورِثْتَ النبيَّ دونَنا؟ فقال: يا بنت رسول الله، إني واللهِ ما ورِثْتُ أباك أرضاً، ولا ذهبَاً، ولا فضةً، ولا غُلَاماً، ولا مالاً. قالت: فسهمُ اللَّهِ الذي جعله لنا، وصافيتنا التي بِيَدِك؟ فقال: إني سمعتُ رسول اللَّهِ ﷺ يقول: «إنما هي طعمة أطعمنيها الله، فإذا متُّ كان بين المسلمين». لفظ ابن سعد. والباقون بنحوه. وعند الحاكم في آخره: وفي آخره: أنت ورسول الله أعلم، ما أسألُكهُ بعد مجلسي هذا. وهذا الحديث واهٍ لايصح، عِلَّته محمد بن السائب الكلبي، متهم بالكذب، ورمي بالرفض. «تقريب التهذيب» (ص ٥١٠). ومع أنه متروك إلا أنه اختُلِف عليه، فقد سئل الدراقطني عن هذا الحديث فقال: (هو حديث يرويه الكلبي، واختلف عنه: فقال إسماعيل بن عياش، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن أم هانئ،

стр. 902

عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، قالت: دخلت على أبي بكر، فقلت: أرأيت لو مت من كان يرثك؟ وخالفه سفيان الثوري، والمغيرة بن مسلم، فروياه عن الكلبي، عن أبي صالح، عن أم هانئ؛ أن أبا بكر قال لفاطمة). (١) ٣. حديث عمر بن الخطاب ﵁. ــ أخرجه: ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٢/ ٣١٥) قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر ﵁ يقول: ) لما كان اليوم الذي توفي فيه رسولُ اللهِ ﷺ بُويع لأبي بكر في ذلك اليوم , فلما كان من الغد جاءت فاطمة إلى أبي بكر، معها علي، فقالت: ميراثي من رسول اللهِ أبي ﷺ ؟ فقال أبو بكر: أمن الرثة أو من العقد؟ قالت: فدك، وخيبر، وصدقاته بالمدينة، أرِثُهَا كما يرثُكَ بناتُكَ إذا مِتَّ. فقال أبو بكر: أبوكِ والله خَيرٌ منِّي، وأنتِ والله خَيرٌ مِن بنَاتِي , وقد قال رسول الله ﷺ : «لا نورث , ما تركنا صدقة». يعني: هذه الأموال القائمة، فتعلَمِين أنَّ أباكِ أعطاكها؟ فوالله لئن قلتِ نعم لأقبلَنَّ قولَكِ ولأُصدِّقَنَّكِ؟

стр. 903

قالت: جاءتني أم أيمن فأخبرتني أنه أعطاني فدَك. قال: فسمعتِه يقول هيَ لكِ؟ فإذا قلتِ: قد سمعتُه، فهي لكِ، فأنا أصدِّقُكِ، وأقبلُ قولَكِ. قالت: قد أخبرتك ما عندي. وهذا باطل، فيه الواقدي ـ وهو متروك ـ. (١) وسبق بيان هذه المسألة في المبحث الرابع. ٤. حديث أبي هريرة ﵁. ــ أخرجه: أحمد في «مسنده» (١/ ٢٤١) رقم (٧٩)، و (١٤/ ٢٨٣) رقم (٨٦٣٦). والترمذي في «جامعه» رقم (١٦٠٩)، وفي «العلل الكبير» (٢/ ٦٨٨) رقم (٢٨٦) عن علي بن عيسى. والمروزي في «مسند أبي بكر الصديق» (ص ١١٢) رقم (٥٤) عن أبي خيثمة. والبزار في «البحر الزخار» (١/ ٨٠) رقم (٢٦) عن إبراهيم بن زياد. والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٠٢) من طريق عباس الدوري.

стр. 904

وابن عساكر في «معجمه» (١/ ٤١٣) رقم (٤٩٧) من طريق الحارث بن أسامة، ويحيى بن أبي طالب. سبعتهم: (الإمام أحمد، وعلي بن عيسى، وأبو خيثمة، وإبراهيم بن زياد، وعباس الدوري، والحارث بن أسامة، ويحيى بن أبي طالب) عن ... عبد الوهاب بن عطاء قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن فاطمة جاءت أبا بكر، وعمر، تسأل ميراثها من رسول الله ﷺ ، فقالا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «إني لا أورث». قالت: والله لا أكلمكما أبداً، فماتت ولا تكلمهما. قال علي بن عيسى: معنى «لا أكلمكما»، تعني: في هذا الميراث، أبداً أنتما صادقان. (١)

стр. 905

قال الترمذي: وقد روي هذا الحديث من غير وجه، عن أبي بكر الصديق، عن النبي ﷺ . هذا لفظ الترمذي من «جامعه»، وليس عند أحمد قول فاطمة الأخير. وأخرج الترمذي أيضاً في «جامعه» رقم (١٦٠٨)، وفي «العلل الكبير» (٢/ ٦٨٨) رقم (٢٨٦)، وفي «الشمائل» ـ ط. الغرب ـ رقم ... (٤٠٠)، والبزار في «البحر الزخار» (١/ ٨٠) رقم (٢٥) عن محمد بن المثنى قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر، فقالت: من يرثك؟ قال: أهلي، وولدي، قالت: فما لي لا أرث أبي؟ فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا نورث»، ولكني أعول من كان ... رسول الله ﷺ يعوله، وأنفق على من كان رسول الله ﷺ ينفق عليه).

стр. 906

لفظ الترمذي. وقال في «جامعه»: (وفي الباب عن عمر، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وعائشة. وحديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه، إنما أسنده حماد بن سلمة، وعبد الوهاب بن عطاء، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وسألتُ محمداً ـ أي البخاري ـ عن هذا الحديث؟ فقال: «لا أعلم أحداً رواه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، إلا حمادُ بن سلمة». قال الترمذي: وقد رواه عبد الوهاب بن عطاء، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، نحو رواية حماد بن سلمة). ولفظ البزار مختصراً. ــ وأخرجه أحمد في «مسنده» (١/ ٢٢٦) رقم (٦٠) عن حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، أن فاطمة قالت لأبي بكر: من يرثك إذا مت؟ قال: ولدي وأهلي. قالت: فما لنا لا نرث النبي ﷺ ؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إنَّ النبيَّ لا يُورَث»، ولكني أعولُ مَن كان رسول الله ﷺ يَعولُ، وأُنفِقُ على من كان رسول الله ﷺ يُنفِق. كذا مرسلاً، ليس فيه أبو هريرة.

стр. 907

قال البزار في «البحر الزخار» (١/ ٨٠) رقم (٢٦): (وهذا الحديث لا نعلم أحداً رواه فوصله إلا حماد بن سلمة، وعبد الوهاب؛ وغيرُهما يرويه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، مرسلاً). وقد رجَّح الوجه المرسلَ الدراقطنيُّ، فقد سئل عن هذا الحديث كما في ... «العلل» (١/ ٢١٨) رقم (٢٥)، فقال: (هو حديث رواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، واختُلف عنه فيه: فرواه حماد بن سلمة، من رواية أبي الوليد الطيالسي، ويحيى بن سلام، عنه، فأسنداه عنه، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بكر. وخالفهما عفان بن مسلم، فرواه عن حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، مرسلاً عن أبي بكر، لم يذكر فيه أبا هريرة. وتابعه عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وأنس بن عياض، وغيرُ واحد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، لم يذكروا فيه أبا هريرة. ورواه عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن محمد بن عمرو، فأسنده عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بكر، وعمر ﵄، عن النبي ﷺ . وروى نحو هذا الحديث، وهذا المعنى، شيخٌ لأهل البصرة، يقال له:

стр. 908

سيف بن مسكين، حدَّث به عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن أبي بكر. وزاد فيه ألفاظاً لم يأت بها غيرُه. وسيف بن مسكين، هذا ليس بالقوي. (١) ولم يُتابَع على روايته هذه عن سعيد. وليس بمحفوظ عن قتادة من هذا الوجه، ولا غيره. (٢)

стр. 909

والصحيح من هذا الحديث: المرسل؛ لكثرة من رواه من الحفاظ عن محمد بن عمرو، مرسلاً. وروي عن حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بكر. وليس ذلك بمحفوظ، ولا هذا من حديث الزهري. والصحيح ما تقدم ذكره عن حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة). انتهى كلام الدارقطني ﵀.

стр. 910

الحكم على الحديث: الحديث ـ محل الدراسة ـ حديثٌ حَسَنٌ؛ لأجل الوليد بن جميع، وهو صدوق يهم. واللفظة المنكرة، وهي قول أبي بكر: «بل أهله»؛ لعلها من أوهام الوليد، وسبق بيان ذلك في التخريج ـ والله أعلم ـ. غريب الحديث: ــ (طُعْمَةً): قال الزمخشري: (الطعمة: الرزق وَالْأكل يُقَال: جعلت هَذِه الضَّيْعَة طعمة لفُلَان، وَيُقَال للمأدبة: الطعمة. وَكَأن الطّعْم وطعمة بِمَعْنى إِلَّا أَن الطعمة أخص مِنْهُ). وقال ابن الأثير: (الطعمة بالضم: شبه الرزق، يريد به ما كان له من الفيء وغيره. وجمعها طُعَمٌ). (١) * * *

стр. 911

الدراسة الموضوعية: دلَّت الأحاديث الصحيحة على أن النبي ﷺ لا يورث، وماتركه، فهو صدقة. وهو من خصائصه ﷺ (١)، وقد أجمع على ذلك الصحابة ﵃، ومَن بعدهم، ولم يخالف في ذلك إلا الرافضة. (٢)

стр. 912

وقد خفيت هذه الأحاديث على زوجات النبي ﷺ ، أوَّل الأمر، وأرَدْنَ بعثَ عثمانَ إلى أبي بكر، ليسألَه عن ميراثهن، فأخبرتهن عائشة بالحديث. قال ابن كثير ﵀: (والظاهر أن بقية أمهات المؤمنين وافقْنَها على ما روت). (١) وقد خَفِيَ أيضاً على فاطمة ﵂ فجاءت تطالب أبا بكر ﵁ بميراثها من أبيها ﷺ ، ويرد كثيراً على بعض الصحابة والتابعين، ومَن بعدهم، خفاءُ بعض النصوص النبوية، لكنها لا تخفى على جميعهم، ومن اليقين أن لا أحد يحيط بجميع نصوص الشريعة.

стр. 913

قال ابنُ تيمية ﵀: (وليُعلَم أنه ليس أحدٌ من الأئمة ـ المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً ـ يتعمَّد مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سنته؛ دقيقٍ ولا جليلٍ. فإنهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباع الرسول ﷺ . وعلى أنَّ كلَّ أحدٍ من الناس يؤخذ من قولِه ويُترك, إلا رسول الله ﷺ . ولكن إذا وُجِدَ لواحدٍ منهم قَولٌ قد جاء حَديثٌ صَحيحٌ بخلافه, فلا بُدَّ له من عُذْرٍ في تركه. وجميع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله. والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول. والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ. وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة: (١) السبب الأول: أن لا يكون الحديث قد بلَغَهُ, ومَنْ لم يَبْلُغْه الحديثُ لم يُكلَّف أن يكون عالماً بمُوجبِه, وإذا لم يكن قد بلَغَهُ ــ وقد قال في تلك القضية بمُوجِب ظاهرِ

стр. 914

آيةٍ أو حديثٍ آخر؛ أو بمُوجِب قياس؛ أو موجب استصحاب ــ، فقد يُوافِقُ ذلك الحديث تارةً, ويخالفُه أخرى. وهذا السبب: هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفاً لبعض الأحاديث. فإن الإحاطة بحديث رسول اللَّهِ ﷺ لم تكُن لأحَدٍ من الأمَّةِ. وقد كان النبيُّ ﷺ يحَدِّثُ؛ أو يفتي؛ أو يقضي؛ أو يفعل الشيء؛ فيسمعه أو يراه من يكون حاضراً, ويُبلِّغَه أولئك ـ أو بعضهم ـ لمن يبلغونه, فينتهي عِلمُ ذلك إلى مَنْ شاء اللُّهُ تعالى من العلماء, من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم. ثم في مجلس آخر: قد يُحَدِّثُ, أو يفتي, أو يقضي, أو يفعل شيئاً, ويشهدُه بعضُ مَن كان غائباً عن ذلك المجلس, ويُبلِّغُونَه لمن أمكنهم. فيكون عند هؤلاء مِن العلم ما ليس عند هؤلاء, وعند هؤلاء ما ليس عند هؤلاء. وإنما يتَفاضَلُ العلماء من الصحابة، ومن بعدهم، بكثرة العلم، أو جَوْدَتِه. وأمَّا إحاطة واحِدٍ بجَميعِ حديثِ رسولِ اللَّهِ ﷺ , فهذا لا

стр. 915

يمكن ادِّعَاؤه قطُّ. واعتَبِرْ ذلك بالخلفاء الراشدين ﵃ الذين هُم أعلَمُ الأمَّةِ بأمور رسولِ اللَّهِ ﷺ وسُنَّتِه وأحوالِه, خصوصاً الصِّدِّيقُ ﵁ الذي لم يكن يُفَارِقُ رسولَ اللهِ ﷺ حضَراً ولا سفَراً, بل كان يكون معه في غالب الأوقات, حتى إنَّه يسمُر عنده بالليل في أمور المسلمين. وكذلك عمر بن الخطاب ﵁ , فإنَّ رسول الله ﷺ كثيراً ما كان يقول: «دخلتُ أنا، وأبو بكر، وعُمر»، و «خرجتُ أنا، وأبو بكر، وعُمر). ثم إنه ــ مع ذلك ـ .... فذكر ابن تيمية بعض المسائل التي خَفِيَتْ على الخلفاء الراشدين ﵃ ثم قال ﵀: (وهذا بابٌ واسِعٌ يَبْلُغُ المنقول منه عن أصحاب رسول الله ﷺ عدداً كثيراً جداً. وأما المنقول منه عن غيرهم، فلا يُمكن الإحاطة به؛ فإنه أُلُوفٌ. فهؤلاء كانوا أعلم الأمة وأفقهها, وأتقاها وأفضلها, فمن بعدهم أنقص؛ فخفاء بعض السُّنَّةِ عليهم أولى فلا يحتاج إلى بيان. فمن اعتقد أنَّ كلَّ حَديثٍ صَحيحٍ قد بلَغَ كلَّ واحِدٍ من الأئمة, أو إمَامَاً
следующие страницы →