стр. 911
← Тараджим следующие страницы →
Тараджим · id 50
فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - سيرتها، فضائلها، مسندها - رضي الله عنها -
إبراهيم بن عبد الله المديهش
Полный текст (3 488 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 912
وقد خفيت هذه الأحاديث على زوجات النبي ﷺ ، أوَّل الأمر، وأرَدْنَ بعثَ عثمانَ إلى أبي بكر، ليسألَه عن ميراثهن، فأخبرتهن عائشة بالحديث.
قال ابن كثير ﵀: (والظاهر أن بقية أمهات المؤمنين وافقْنَها على ما روت). (١)
وقد خَفِيَ أيضاً على فاطمة ﵂ فجاءت تطالب أبا بكر ﵁ بميراثها من أبيها ﷺ ، ويرد كثيراً على بعض الصحابة والتابعين، ومَن بعدهم، خفاءُ بعض النصوص النبوية، لكنها لا تخفى على جميعهم، ومن اليقين أن لا أحد يحيط بجميع نصوص الشريعة.
стр. 913
قال ابنُ تيمية ﵀: (وليُعلَم أنه ليس أحدٌ من الأئمة ـ المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً ـ يتعمَّد مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سنته؛ دقيقٍ ولا جليلٍ.
فإنهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباع الرسول ﷺ .
وعلى أنَّ كلَّ أحدٍ من الناس يؤخذ من قولِه ويُترك, إلا رسول الله ﷺ .
ولكن إذا وُجِدَ لواحدٍ منهم قَولٌ قد جاء حَديثٌ صَحيحٌ بخلافه, فلا بُدَّ له من عُذْرٍ في تركه.
وجميع الأعذار ثلاثة أصناف:
أحدها: عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله.
والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.
والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.
وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة: (١)
السبب الأول:
أن لا يكون الحديث قد بلَغَهُ, ومَنْ لم يَبْلُغْه الحديثُ لم يُكلَّف أن يكون عالماً بمُوجبِه, وإذا لم يكن قد بلَغَهُ ــ وقد قال في تلك القضية بمُوجِب ظاهرِ
стр. 914
آيةٍ أو حديثٍ آخر؛ أو بمُوجِب قياس؛ أو موجب استصحاب ــ، فقد يُوافِقُ ذلك الحديث تارةً, ويخالفُه أخرى.
وهذا السبب: هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفاً لبعض الأحاديث.
فإن الإحاطة بحديث رسول اللَّهِ ﷺ لم تكُن لأحَدٍ من الأمَّةِ.
وقد كان النبيُّ ﷺ يحَدِّثُ؛ أو يفتي؛ أو يقضي؛ أو يفعل الشيء؛ فيسمعه أو يراه من يكون حاضراً, ويُبلِّغَه أولئك ـ أو بعضهم ـ لمن يبلغونه, فينتهي عِلمُ ذلك إلى مَنْ شاء اللُّهُ تعالى من العلماء, من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم.
ثم في مجلس آخر: قد يُحَدِّثُ, أو يفتي, أو يقضي, أو يفعل شيئاً, ويشهدُه بعضُ مَن كان غائباً عن ذلك المجلس, ويُبلِّغُونَه لمن أمكنهم.
فيكون عند هؤلاء مِن العلم ما ليس عند هؤلاء, وعند هؤلاء ما ليس عند هؤلاء.
وإنما يتَفاضَلُ العلماء من الصحابة، ومن بعدهم، بكثرة العلم، أو جَوْدَتِه.
وأمَّا إحاطة واحِدٍ بجَميعِ حديثِ رسولِ اللَّهِ ﷺ , فهذا لا
стр. 915
يمكن ادِّعَاؤه قطُّ.
واعتَبِرْ ذلك بالخلفاء الراشدين ﵃ الذين هُم أعلَمُ الأمَّةِ بأمور رسولِ اللَّهِ ﷺ وسُنَّتِه وأحوالِه, خصوصاً الصِّدِّيقُ ﵁ الذي لم يكن يُفَارِقُ رسولَ اللهِ ﷺ حضَراً ولا سفَراً, بل كان يكون معه في غالب الأوقات, حتى إنَّه يسمُر عنده بالليل في أمور المسلمين.
وكذلك عمر بن الخطاب ﵁ , فإنَّ رسول الله ﷺ كثيراً ما كان يقول: «دخلتُ أنا، وأبو بكر، وعُمر»، و «خرجتُ أنا، وأبو بكر، وعُمر).
ثم إنه ــ مع ذلك ـ .... فذكر ابن تيمية بعض المسائل التي خَفِيَتْ على الخلفاء الراشدين ﵃
ثم قال ﵀: (وهذا بابٌ واسِعٌ يَبْلُغُ المنقول منه عن أصحاب رسول الله ﷺ عدداً كثيراً جداً.
وأما المنقول منه عن غيرهم، فلا يُمكن الإحاطة به؛ فإنه أُلُوفٌ.
فهؤلاء كانوا أعلم الأمة وأفقهها, وأتقاها وأفضلها, فمن بعدهم أنقص؛ فخفاء بعض السُّنَّةِ عليهم أولى فلا يحتاج إلى بيان.
فمن اعتقد أنَّ كلَّ حَديثٍ صَحيحٍ قد بلَغَ كلَّ واحِدٍ من الأئمة, أو إمَامَاً
стр. 916
مُعيَّنَاً؛ فهو مُخْطِئٌ خطَأً فاحِشَاً قَبيحَاً ... إلخ). (١)
صدقاتُ النبيِّ ﷺ وما خلَّفَه:
قال القاضى عياض المالكي (ت ٥٤٤ هـ) ﵀: (تفسير صدقات النبى ﷺ للمذكور فى هذه للأحاديث، وذلك أن صدقاته التي تخلفها ﷺ تصيَّرت إليه بثلاثة حقوق:
أحدها: ما وهبه النبي ﷺ ، وذلك في وصية مخيريق اليهودي (٢) عند إسلامه يوم أُحد، وكانت سبعة حوائط فى بني النضير، وما أعطاه الأنصار من أراضيهم، وذلك ما لم يبلغه الماء، وكان منه موضع بسوق المدينة، وكان هذا ملكاً له ﷺ .
ومن هذا ـ والله أعلم ـ أقطع الزبير بالمدينة ما جاء من مال بني النضير ـ واللَّهُ أعلم ـ إذْ لا يقطع إلا ما يملك لا ملك غيره.
стр. 917
الثاني: حقه من الفئ من سائر أرض بني النضير حين أجلاهم، كانت له خاصة؛ لأنه لم يُوجف عليها بخيل ولا ركاب، وقسَّم بين المسلمين أموالهم إلا ما حملته الإبل غير السلاح، حسبما كان وافقهم عليه عند إجلائهم، وحبس الأرض لنفسه ولنوائب المسلمين.
وكذلك نصف أرض فدك، صالح أهلها بعد خيبر على نصفها، فكان خالصاً لها.
وكذلك ثلث أرض وادى القرى، أخذه فى الصلح مع يهود أهلها، وكان لهم ثلثا الأرض.
وكذلك حصنان من حصون خيبر: الوطيح، والسلالم، أخذهما صلحاً على أن إجلاء من فيه عنهما.
الثالث: سهم من خمس خيبر وما افتتح منها عنوة، وهو حصن الكتيبة، كان من خمس الغنيمة منها، واقتسم الناس سائر ما أخذه منها عنوة.
قال أكثرهم: فكان هذا خاصاً بالنبي ﷺ لم يستأثر به، وصرفه في مصالح المسلمين بعد إخراج حاجته وحاجة عياله وآله، ووضع ذلك حيث شاء مما فيه المنفعة للمسلمين.
وكافة العلماء على أنها صدقات محرمات التمليك بعده.
فأما ما كان من ذلك بالمدينة من أموال بني النضير ووصيته مخيريق في
стр. 918
جملتها، فهي التي وضع عمرُ العباسَ وعلياً ﵃ ليقوما عليها ويصرفاها في مصالح بني هاشم، وأما ما عداها فأمسكها عمر عنهما لنوائب المسلمين، وصرفها في المصالح التي كان ﷺ يصرف بقية صدقاته فيها.
وأما أبو بكر ﵁ فكان يرى أنه خليفة رسول الله ﷺ القائم مقامه في جميع ذلك، ففعل ما كان يفعل في مصالح قرابته وغيرهم، ... ولم يَرَ إخراجَ ذلك عن نظره ... ). (١)
قال ابن حجر العسقلاني ﵀ بعد بيانها: (وقد ظهر بهذا أن صدقة النبي ﷺ تختص بما كان من بني النضير، وأما سهمه من «خيبر» و «فدك»، فكان حكمُه إلى من يقوم بالأمر بعده.
وكان أبو بكر يُقدِّم نفقة نساء النبي ﷺ وغيرها مما
стр. 919
كان يَصرِفُه؛ فيصرفه من «خيبر» و «فدك»، وما فضُل من ذلك جعلَه في المصالح.
وعمِل عمرُ بعده بذلك، فلما كان عثمان تَصَرَّف في «فدك» بحسب ما رآه ... ). (١)
قال أبو إسماعيل حماد بن إسحاق الأزدي البغدادي (ت ٢٦٧ هـ) ﵀: في كلام طويل مُفحِم للخصم، تحدَّثَ فيه عن صدقات النبي ﷺ ، وأنها صدقة لا ملك له، وأبطل إقطاعه فاطمة فدكاً (٢)، وبيَّنَ أنه ﷺ كان زاهداً راغباً عن الدنيا فكيف يحوز الأموال الطائلة، ويموت وهي في مُلكِه؟ !
ومن كلامه ﵀: (ولم يَستَأثرْ رسولُ اللَّهِ ﷺ بشيءٍ من الأموال، ولا اعتقدَ ذلك لنفسِهِ، ولا لابنتِه ﵉، بل كان قصدُه لأمْرِ الآخرة، والزهدِ في الدنيا، ورفضِهَا والإعراضِ عنها.
وكذلك كان اختيارُه لفاطمةَ ﵍ تركَ الدُّنيا والزهدَ فيها، حتى لم يُعطِهَا خادِمَاً من السَّبْيِّ الذي أتاه، مع ما شكَتْ هِيَ وعَليٌّ ﵉ من شِدَّة الحاجَة إلى ذلك؛ ووَكَلَهُمْ إلى التسبيح والتحميد والتكبير، وأن ذلك خيرٌ
стр. 920
لهما من الخادم، وأنَّ أمرَ الآخرة أولى بهما من الدنيا.
وامتنعَ مِن الدخول إليها حين قدم من تبوك ـ وقد بدأَ بها كما كان يفعل إذا قدِمَ مِن سَفَرٍ ـ مِن أجل مُقَيْنِعَة صبغَتْهَا بشيء من زعفران، وسِتْرٍ اتخذَتْهُ وبِسَاطٍ، حتَّى نزعَتْ ذلك، ولَبِسَتْ أطمارَها؛ فدَخَلَ إليها، وقال: «كذلك كوني فداك أبي وأمي».
وامتنعَ في الحديث الآخر من الدخول إليها من أجل مَسْحٍ أو سِتْرٍ وقُلْبَيْنِ من فِضَّةٍ حلَّتْ بهما الحسن والحسين، وفَجَعَهُمَا بهما وهما يبكيان على القُلْبَيْن، وبَعث بذلك إلى أهل بيتٍ بالمدينة وقال: «إنَّ هؤلاء أهل بيتي، أكرَهُ أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، يا ثوبان، اشتَرْ لفاطمة قلادة من عَصبٍ وسِوَارَين من عَاج». (١)
فكيف يمنعُهَا القليلَ الحقِيرَ مِن أمرِ الدنيا، ولا يرضاه لها، ويقطعُهَا فَدَكَ؟ !
وكان النبي ﷺ يدعو الله أن يجعلَ رِزْقَ آل محمد قُوْتَاً، فكيف كانت هذه دعوتُه ومسألتُه ربَّه لهم، ويزعم هؤلاء أنه اتَّخَذَ الأموال الجليلة لنفسِه وابنتِه؟ !
وقد برأه الله من ذلك، فأعرضَ عن الدنيا، فلم يلْتَفِتْ إليها
стр. 921
حتَّى لَقِيَ الله .
فهذه كانت سبيلُ رسُولِ اللَّهِ ﷺ في أهلِه: الزهدَ في الدنيا، والقصدَ لأَمْرِ الآخرة؛ وبه نزَلَ القرآن في أمرِ أزواجِهِ قال الله : ... ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ ... تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (سورة الأحزاب، آية ٢٩) فخيَّرَهُنَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ في ذلك، وبدأَ بعائشة، فاختَرْنَ اللَّهَ ورسولَه، والدارَ الآخرة.
فهذا كانَ مذهبُهُ ﷺ في نفسِهِ وأهلِهِ، وقد بيَّنَاه مِن ... كتابِ اللَّهِ ، ومن الروايةِ عن رسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ولو كان أقطعَهَا فدَك كما ذكروا، لكانت من أيسرِ امرأةٍ في العَرَب؛ لجلالَةِ قدْرِهَا، وكثَرَةِ ثمَنِهَا، فقد كانت قيمتُهَا القيمةَ الجليلة التي لم يمْلِكْ حجازِيٌّ ما يُقَارِبَها.
وكذلك ادَّعَوا أيضاً في سائر الأموال التي أفاءَها اللَّهُ على رسُولِهِ ﷺ أنَّهُ ملَكَهَا لنفسِهِ، حتَّى خلَّفَهَا مِيراثَاً، ولم يجعَلْهَا صَدَقَةً! ! طعنَاً منهم على أئمة السلَف! فلَو كان الأمرُ على ما ذكروا؛ لم يكُن فيهِم أكثرَ أموَالاً، ولا أعظَمَ مُلْكَاً مِنْ رسولِ الله ﷺ وابنتِهِ فاطمةَ ﵍، وقد برَّأَهُ الله وابنتَهُ ﷺ مِن ذلك؛ وكان أزهدَ الناسِ في الدنيا حتَّى لَقِيَ اللهَ ، حتَّى كان ينالُه ما ينالُه مِن سهَرِ الليل، والغَمِّ،
стр. 922
والاهتمام، في أُوقِيَّةٍ تبقَى عنده، ويقول: «هذه التي فعَلَتْ ما تَرَيْنَ يا عائشة، إنِّي خشيتُ أن يَحدُثَ أمرٌ مِن أمرِ الله، ولم أُمْضِهَا».
ويقول لبلال في أوقيتين، أو أوقية ونصف فضُلَتْ عندَه: «انظُر أنْ تُريحَنِي منها، فإني لستُ داخِلاً على أحَدٍ مِن أهلي حتَّى تُريحَنِي منه».
وأقام في المسجد يومين وليلة لا يدخل منزلاً حتَّى أنفذَهَا بلال، فكبَّر وحمِدَ اللهَ؛ شفَقَاً من أن يُدرِكَهُ الموتُ وعنده ذلك، ثمَّ دخلَ إلى أزواجه ويقول ﷺ : «ما يَسُرُّنِي أنَّ أحداً تحول لآل محمدٍ ذهبَاً أُنفِقُهُ في سبيل الله، أموتُ يومَ أمُوتُ وأدعُ منه دينَارَين، إلا دينارَين أُعدُّهُمَا لِدَيْنٍ إنْ كان».
وإذ كان رسولُ اللَّهِ ﷺ لا يسرُّه أنْ ينفِقَ مثلَ أُحُدٍ ذهبَاً في سبيل الله، والحسنةُ في سبيل اللَّهِ بسبعِ مئةِ ضِعْفٍ قال الله : ... ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ ... حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ ... سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ ... لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (سورة البقرة، آية ٢٦١) على أن يبقى له من ذلك ديناران إلا لغريم، فكيف يحوز الأموال الكثيرة على ما زعموا لنفسه وابنته؟ ! وهُوَ ﷺ يقول: «لا تتخذوا الضَّيْعَةَ، فترغبوا في الدنيا».
ينهاهم عن ذلك ويُقَلِّلُ الدنيا في أعينهم، ويُزَهِّدَهُم فيها، وهي في عينِهِ ﷺ أقلَّ، وهُوَ فيها أزْهَدُ، ثمَّ يتخِذُ كمَا زعَمُوا هذه الضياعَ الكثيرةَ،
стр. 923
والأموالَ الجليلةَ لنفسِهِ وابنَتِهِ؟ !
وأنه ﷺ ماتَ، وما تركَ دينارَاً، ولا دِرْهَمَاً، ولا عَبْدَاً، ولا وَلِيْدَةً، ولا شَاةً، ولا بعيرَاً؛ لأنَّ جميعَ ما صَارَ لهُ ﷺ جعَلَهُ صدَقَةً، كما ثبتت به الرواية التي ذكرنا.
ولَو رَغِبَ رسُولُ الله ﷺ في الدنيا، لَقَبِلَ مِن خَزائنِ الأرْضِ مَا لمْ يُعْطَهُ أحَدٌ قبلَهُ، ولا يُعطَاه أحدٌ بعدَه؛ كما عُرِضَتْ عليه عَلَى أنْ لا يُنْقِصَهُ ذلك مما عندَ اللَّهِ ـ جَلَّ ذِكْرُهُ ـ في الآخرةِ شيئَاً، وجعلَ ذلك لنفسِه وابنَتِهِ وأهْلِهِ، بَلْ قال: يجمع هذا كلَّه لي في الآخرة، وجعلَ لَه بِهِ العِوضَ من ذلك: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ (سورة الفرقان، آية ١٠) ففي هذا أبين الحجة وأوضحها لدفع ما قالوا .. ). (١)
وقال أيضاً ﵀: (فَلْيَتَّقِ الله قومٌ، ولا يحمِلَهُمْ مَا يُريدُونَ مِن الطعنِ عَلى مَنْ تقدَّمَ مِنْ الأئمةِ أنْ يُخرِجَهُمْ ذلكَ إلى الطعنِ عَلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ! ! يُثبِتُوا كما زَعَمُوا بقولهم أنَّه ﷺ كان نَبيَّاً مَلِكَاً، لا نَبيَّاً زاهِدَاً! لأنه متى ثبتَ قولُهم فيما ذكروا، مما حوَاهُ لنفسهِ، وتركَهُ مِيراثَاً، وأنكروا أنْ يكونَ تركَهُ صدَقَةً، وخرَجَ مِنهُ للَّهِ ، حتَّى خَلَّفَ خَيبَر مع
стр. 924
عَظيمِ قدْرِهَا، وأموالَ بني النضير، وهي الحوائطُ السَّبْعُ بالمدينة، لم يُخرِجْ ... إلى الله منه، وأقطعَ ابنَتَهُ فاطمةَ دون جميع المسلمين فَدَكَ معَ كثرتِهِا وجلالَتِهَا! !
فلو كان الأمرُ على ما قالوا أنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ وابنتَهُ حازَا جميعَ هذه الأموال لأنفسِهِمَا دونَ جميعِ المسلمين؛ لكان ﷺ أحَدَ مُلوكِ الدُّنْيَا مِنَ الأنبياء! ! وهُوَ أزْهَدُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ مِن النَّبِيِّينَ وَالمرْسَلَيْنَ، لا نَعْلَمُ أحدَاً مِن الأنبياء عُرِضَتْ عليه خَزَائنُ الأرضِ عَلى أنْ لا يُنْقَصَهُ ذلك مما عند اللَّهِ في الآخرة؛ فَأبَى ذلك، وقال: «بل اجمَعُوهُ لي في الآخرة» غيرَهُ ﷺ .
ولمْ يزَلْ مُعْرِضَاً عن الدُّنيَا، لا يَعْبَأُ بشيءٍ مِنهَا، حتَّى لَقِيَ اللَّهَ ، وقد ذكرنَا قليلاً مِن كثيرٍ مِنْ زُهْدِهِ في الدُّنيَا في هذا الكتاب). (١)
ويحسن هنا إ يراد الحديث الطويل الكافي، الذي تضمن تفصيلات مهمة حول تركة النبي ﷺ
عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بنِ الحَدَثَانِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بنُ جُبَيْرٍ، ــ ذَكَرَ لِي ذِكْرَاً مِنْ حَدِيثِهِ ذَلِكَ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى مَالِكِ بنِ أَوْسٍ،
стр. 925
فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الحَدِيثِ، فَقَالَ مَالِكٌ ــ بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ فِي أَهْلِي حِينَ مَتَعَ (١) النَّهَارُ، إِذَا رَسُولُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ يَأْتِينِي، فَقَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى رِمَالِ سَرِيرٍ، (٢) لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسْتُ، فَقَالَ: يَا مَالِ، إِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ قَوْمِكَ أَهْلُ أَبْيَاتٍ، وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخٍ (٣)، فَاقْبِضْهُ فَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لَوْ أَمَرْتَ بِهِ غَيْرِي، قَالَ: اقْبِضْهُ أَيُّهَا المَرْءُ.
فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَهُ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ، ... وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَسْتَأْذِنُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا، فَسَلَّمُوا وَجَلَسُوا.
ثُمَّ جَلَسَ يَرْفَا يَسِيرَاً، ثُمَّ قَالَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَدَخَلا، فَسَلَّمَا فَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا، وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مِنْ مَالِ بَنِي النَّضِيرِ، فَقَالَ الرَّهْطُ، عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا، وَأَرِحْ
стр. 926
أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ.
قَالَ عُمَرُ: تَيْدَكُمْ (١) أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ؟ قَالَ الرَّهْطُ: قَدْ قَالَ: ذَلِكَ.
فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا اللَّهَ، أَتَعْلَمَانِ ... أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ.
قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ ﷺ فِي هَذَا الفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا ... رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ سورة الحشر: ٦
فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ الله ﷺ ، وَاللَّهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ، وَلا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ، قَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَبَثَّهَا فِيكُمْ، حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا المَالُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا المَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ، فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ، فَعَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ حَيَاتَهُ، أَنْشُدُكُمْ بِالله، هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
стр. 927
ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ، أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ، هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَ عُمَرُ: ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ ... رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ ... رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ: إِنَّهُ فِيهَا لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، فَكُنْتُ أَنَا وَلِيَّ أَبِي بَكْرٍ، فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَتِي، أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا عَمِلَ فِيهَا ... أَبُو بَكْرٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ: إِنِّي فِيهَا لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ.
ثُمَّ جِئْتُمَانِي تُكَلِّمَانِي، وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ، وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ:
جِئْتَنِي يَا عَبَّاسُ، تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ.
وَجَاءَنِي هَذَا ــ يُرِيدُ عَلِيَّاً ــ يُرِيدُ نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا.
فَقُلْتُ لَكُمَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»، فَلَمَّا بَدَا لِي أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْكُمَا، قُلْتُ: إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا، عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ: لَتَعْمَلانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا ... رَسُولُ الله ﷺ ، وَبِمَا عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَبِمَا عَمِلْتُ فِيهَا مُنْذُ وَلِيتُهَا، فَقُلْتُمَا: ادْفَعْهَا إِلَيْنَا، فَبِذَلِكَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا، فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ، هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ؟ قَالَ الرَّهْطُ: نَعَمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ، هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ؟ قَالا: نَعَمْ.
стр. 928
قَالَ: فَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ، فَوَاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، لا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ، فَإِنِّي أَكْفِيكُمَاهَا.
أخرجه: البخاري في «صحيحه» (ص ٥٩٢)، كتاب فرض الخُمُس، باب فرض الخُمُس، حديث (٣٠٩٤)، واللفظ له، وأخرجه في مواضع أخرى، المطولة منها برقم (٤٠٣٣) و (٥٣٥٨) و (٦٧٢٨) و (٧٣٠٥)، وأخرجه مسلم في «صحيحه»، (ص ٧٢٨)، كتاب الجهاد والسِّيَر، حديث (١٧٥٧)، من طريق الزهري، به. (١)
وأخرج: أبو داوود في «سننه» (ص ٣٣٦)، كتاب الخراج، باب في صفايا رسول الله ﷺ من الأموال، حديث (٢٩٧٢)، ومن طريقه: [البيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٠١)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٥/ ١٧٨)]، البلاذري في «فتوح البلدان» (ص ٤١)، وابن عبدالبر في «التمهيد» (٨/ ١٦٩) من طريق جرير بن عبدالحميد، عن المغيرة بن مقسم الضبي، قال: جمع عمر بن عبدالعزيز بني مروان حين استخلف، فقال: إنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ كانت له فدك، فكان ينفق منها ويعود
стр. 929
منها على صغير بني هاشم، ويزوج منها أيمهم، وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى»، فكانت كذلك في حياة رسول الله ﷺ ، حتى مضى لسبيله، فلما أنْ وليَ أبو بكر ﵁ عَمِلَ فيها بما عَمِلَ النبيُّ ﷺ في حياتِه حتى مضَى لِسَبيلِه، فلما أنْ وليَ عمر عَمِل فيها بمثل ما عَمِلا حتى مضى لسبيله، ثم أقطعَها مروانُ، ثم صارت لعمرَ بنِ عبدالعزيز.
قال عمر ـ يعني ابنُ عبد العزيز ـ: فرأيتُ أمراً منَعَه رسولُ اللَّهِ ﷺ فاطمةَ ﵍، ليس لي بحق، وأنا أُشهِدُكم أني قد رددتها على ما كانت يعني على عَهْدِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قال أبو داود ﵀: (ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، وغَلَّتُه أربعون ألف دينار، وتوفي وغَلَّتُه أربع مئة دينار، ولو بقي لكان أقل).
وهذا أثر صحيح، رجاله ثقات.
قال الخطابي ﵀ ـ عقب الحديث ـ: (إنما أقطعها مروان في أيام حياة عثمان بن عفان، وكان ذلك مما عابوه وتعلقوا به عليه، وكان تأويله في ذلك ـ واللهُ أعلم ـ ما بلَغَهُ عن رسُولِ اللَّهِ ﷺ من قوله: «إذا أطعم الله نبياً طُعمة فهي للذي يقوم من بعده».
وكان رسُولُ اللَّهِ ﷺ يأكل منها، وينفق على عياله قوت سنة، ويَصرفُ الباقي مَصرِف الفيء؛ فاستغنَى عثمان عنها بماله، فجعلها
стр. 930
لأقربَائِهِ، ووصَلَ بها أرحَامَهُم، وقد روى أبو داود هذا الحديث). (١)
قال البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) ﵀ ـ عقب الحديث ـ: (إنما أقطع مروان فدكا فى أيام عثمان بن عفان ﵁، وكأنه تأول فى ذلك ما روى عن النبى ﷺ : «إذا أطعم الله نبياً طعمة فهى للذي يقوم من بعده».
وكان مستغنياً عنها بماله، فجعلها لأقربائه، ووصل بها رحمهم، وكذلك تأويله عند كثير من أهل العلم.
وذهب آخرون إلى أن المراد بذلك: التولية، وقطع جريان الإرث فيه، ثم تُصرف في مصالح المسلمين، كما كان أبو بكر وعمر ﵄ يفعلان، ... وكما رآه عمر بن عبد العزيز حين ردَّ الأمر فى «فدك» إلى ما كان، واحتجَّ مَن ذهب إلى هذا بما روينا فى حديث الزهري، وأما «خيبر، وفدك» فأمسكها ... عمر بن الخطاب ﵁ وقال: هما صدقة رسُولِ اللَّهِ ﷺ كانت لحقوقه التي تعرُوه ونوائبه، وأمرُهما إلى ولي الأمر، فهما على ذلك إلى الآن). (٢)
стр. 931
قال ابن كثير ﵀: (وأما تغضب فاطمة ﵂ وأرضاها، على أبي بكر ﵁ وأرضاه، فما أدري ما وجهه؟ !
فإن كان لمنعه إياها ما سألته من الميراث، فقد اعتذر إليها بعذر يجب قبوله (١)،
وهو ما رواه عن أبيها رسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال:
стр. 932
«لا نورث، ما تركنا صدقة». وهي ممن تنقاد لنص الشارع الذي خفي عليها قبل سؤالها الميراث (١)، كما خفي على أزواج النبي ﷺ حتى أخبرتهن عائشة بذلك، ووافقنها عليه.
وليس يُظَنُّ بفاطمة ﵂ أنها اتَّهمَت الصديق ﵁ فيما أخبرها به، حاشاها وحاشاه من ذلك، كيف وقد وافَقَهُ على رواية هذا الحديث: عمر
стр. 933
بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عُبيدالله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وعائشة؟ ! ﵃ أجمعين، كما سنبينه قريباً. (١)
ولو تفرَّد بروايته الصديق ﵁؛ لوجب على جميع أهل الأرض قبول روايته، والانقياد له في ذلك.
وإن كان غضبها لأجل ما سألتِ الصديقَ ــ إذ كانت هذه الأراضي صدقةً لا ميراثاً ــ أن يكون زوجها ينظر فيها، فقد اعتذر بما حاصله أنه لما كان خليفةَ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فهو يرى أنَّ فرضاً عليه أن يعمل بما كان يعمله رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ويلي ما كان يليه رسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ولهذا قال: «وإني واللَّهِ لا أدَعُ أمرَاً كان يصنَعُه فيه ... رسُولُ اللَّهِ ﷺ إلا صنَعتُه». قال: فهجرته فاطمة، فلم تُكلِّمه حتى ماتت.
стр. 934
وهذا الهجران ـ والحالة هذه ـ فَتَحَ على فِرقة الرافضة شرَّاً عرِيضَاً، وجَهْلاً طويلاً، وأدخلوا أنفسَهم بسببِه فيما لا يعنِيهم، ولو تفهَّمُوا الأمورَ على ما هي عليه؛ لَعرفوا للصدِّيقِ فضلَه، وقبلوا منه عُذرَه الذي يجب على كُلِّ أحدٍ قبولُه، ولكنهم طائفةٌ مخْذُولَةٌ، وفِرقَةٌ مَرذُولَةٌ، يتمسَّكُون بالمتشابه، ويتركون الأمور المحكمة المقرَّرَة عند أئمة الإسلام، مِن الصحابة والتابعين فمَنْ بعدَهم من العلماء المعتبرين في سائر الأعصار والأمصار، ﵃ وأرضاهم أجمعين). (١)
وقال ابن كثير ـ أيضاً ـ: (وقد روينا أن فاطمة ﵂ احتجَّت أولاً بالقياس، وبالعموم في الآية الكريمة، فأجابها الصديق بالنص على الخصوص بالمنع في حق النبيِّ ﷺ ، وأنها سلَّمَت له ما قال. وهذا هو المظنون بها، ﵂). (٢)
وقال ابن كثير ـ أيضاً ـ ﵀: (فَصْلٌ: وقد تكلَّمَت الرافضة في هذا المقام بِجَهلٍ، وتكلَّفُوا ما لا عِلْمَ لهم به، وكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله، وأدخلوا أنفسهم فيما لا يعنيهم، وحاول بعضهم أن يرِدَ خَبرُ
стр. 935
أبي بكر ﵁ فيما ذكرناه بأنه مخالف للقرآن حيث يقولُ اللهُ تعالى: ... ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ ... الآية. (النمل: ١٦).
وحيث قال تعالى إخباراً، عن زكريا أنه قال: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (مريم: ٥ ــ ٦) إنما يعني بذلك في الملك والنبوة؛ أي جعلناه قائماً بعده فيما كان يليه من الملك وتدبير الرعايا، والحكم بين بني إسرائيل، وجعلناه نبيا كريماً كأبيه، فكما جمع لأبيه الملك والنبوة كذلك جعل ولده بعده، وليس المراد بهذا وراثة المال؛ لأن داود كما ذكره كثيرُ من المفسرين كان له أولادٌ كثيرون يقال: مئةُ ولَدٍ. فلِمَ اقتصَرَ على ذكر سليمان من بينهم لو كان المراد وراثة المال؟
إنما المراد وراثة القيام بعده في النبوة والملك، ولهذا قال: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (سورةالنمل، آية: ١٦). وما بعدها من الآيات. وقد أشبعنا الكلام على هذا في كتابنا «التفسير» (١) بما فيه كفاية، وللَّهِ الحمدُ والمنة كثيراً.
وأما قصة زكريا فإنه ﵇ من الأنبياء الكرام، والدنيا كانت عنده أحقر من أن يسأل اللهَ ولداً ليرثه في ماله، كيف وإنما كان نجاراً يأكل من كسب يده؟ ! كما رواه البخاري.
стр. 936
ولم يكن ليدِّخر منها فوق قوته حتى يسأل ولداً يرث عنه ماله ـ أن لو كان له مال ـ وإنما سأل ولداً صالحا يرثه في النبوة والقيام بمصالح بني إسرائيل، وحملهم على السداد، ولهذا قال تعالى: ... ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي ... وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ... ﴾ (سورة مريم: ١ ـ ٦)
يعني: النبوة كما قررنا ذلك في «التفسير» (١) ولله الحمد والمنة.
وقد تقدم في رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بكر، أنَّ ... رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «النبيُّ لا يُورث» وهذا اسم جنس يَعمُّ كُلَّ الأنبياء. وقد حسَّنَه الترمذيُّ.
وفي الحديث الآخر: «نحنُ مَعشر الأنبياء لا نُورث».
الوجه الثاني: أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قد خُصَّ من بين الأنبياء بأحكام لا يشاركونه فيها، كما سنعقد له باباً مفرداً في آخر السيرة ... ـ إن شاء اللَّهُ ـ، فلو قُدِّرَ أن غيرَه من الأنبياءِ يورثون ـ وليس الأمرُ كذلك ـ
стр. 937
لكان ما رواهُ مَن ذكرناه من الصحابة الذين منهم الأئمة الأربعة؛ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، مبيناً لِتَخصيصِه بهذا الحكم دون ما سواه.
الوجه الثالث: أنه يجب العملُ بهذا الحديث والحكمُ بمقتضاه، كما حكَمَ به الخلفاءُ، واعترفَ بصحته العلماء، سواء كان من خصائصهِ أم لا، فإنه قال: «لا نُورث، ما تركنَا صَدَقةٌ». إذْ يحتمل من حيث اللفظ أن يكون قوله ﵊: «ما تركنا صَدقةٌ» أن يكون خبراً عن حكمه أو حكم سائر الأنبياء معه، على ما تقدم، وهو الظاهر.
ويحتمل أن يكون إنشاء وصية، كأنه يقول: لا نورث؛ لأن جميع ما تركناه صدقة. ويكون تخصيصه من حيث جواز جعله ماله كله صدقة، والاحتمال الأول أظهر، وهو الذي سلكه الجمهور.
وقد يقوى المعنى الثاني بما تقدم من حديث مالك وغيره، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال «لا يقتسمُ ورثتي ديناراً، ما تركتُ بعد نفقة نسائي ومؤنة عامِلي فهو صَدقةٌ».
وهذا اللفظ مخرَّج في «الصحيحين»، وهو يردُّ تحريفَ مَن قال مِن الجهلةِ من طائفة الشيعة في رواية هذا الحديث: «ما تركنا صَدقةً» بالنصب؛ جعل «ما» نافيةً! ! فكيف يصنع بأول الحديث وهو قوله: «لا نورث»؟ !
стр. 938
وبهذه الرواية: «ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة»؟ ! (١)
وما شأن هذا إلا كما حُكي عن بعض المعتزلة أنه قرأ على شيخ من أهل السنة: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (النساء: ١٦٤) بنصب الجلالة، فقال له الشيخ: ويحك! ! كيف تصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (الأعراف: ١٤٣)). (٢)
هذا، وقد أجاد كثيراً شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀، وأفاد، في بيان دعوى الرافضة ظلم أبي بكر فاطمةَ ﵃ بمنعها من الميراث، أتى على جميع شبههم ثم نقضَها واحدةً واحدةً، بما لا مَزيد عليه، فليُراجع. (٣)
стр. 939
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 940
* * *
стр. 941
الفصل الثاني: زواجها بعلي بن أبي طالب ﵁ وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: خطبتها، ومشاورة النبي ﷺ لها في زواجها.
المبحث الثاني: مهرها.
المبحث الثالث: تجهيزها.
المبحث الرابع: البناء بها.
المبحث الخامس: وليمة عرسها ﵂.
стр. 942
المبحث الأول:
خطبتها، ومشاورة النبي ﷺ لها في زواجها .
٣٠. [١] قال الإمام أحمد ﵀: حدثنا حسين بن محمد، قال: حدثنا أيوب بن عتبة، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: كان رسول اللهِ ﷺ إذا أراد أنْ يُزَوِّجَ شيئاً مِنْ بنَاتِه، جلَسَ إلى خِدْرِها فقال: «إنَّ فلاناً يذكر فلانة»، يُسمِّيها ويُسَمِّي الرجلَ الذي يَذكُرُها، فإنْ هي سكَتَتْ، زوَّجَهَا، وإنْ كَرِهَتْ نَقَرَتْ السِّتْرَ، فَإذَا نَقَرَتْهُ، لَمْ يُزَوِّجْهَا.
[«المسند» للإمام أحمد (٤١/ ٤٢)، حديث رقم (٢٤٤٩٤)]
دراسة الإسناد:
ــ حسين بن محمد بن بَهْرام التميمي، أبو أحمد، ويقال: أبو علي، المؤدب المروزي. سكن بغداد.
ثقة.
وثقه: ابن سعد، والعجلي، وابن قانع، وذكره ابن حبان في «الثقات».
قال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن نمير: صدوق.
وذكر الذهبي في «الميزان» أنه لا مغمز فيه. وقال في «السير»: الإمام،
стр. 943
الحافظ، الثقة. وقال ابن حجر: ثقة.
أخرج حديثه الجماعة.
(ت ٢١٣ هـ)، وقيل: (٢١٤ هـ). (١)
ــ أيوب بن عُتْبَة اليمامي، أبو يحيى، قاضي اليمامة، من بني قيس بن ثعلبة.
ضعيف.
قال الإمام أحمد: ثقة إلا أنه لا يقيم حديث يحيى بن أبي كثير. وفي لفظ: مضطرب الحديث عن يحيى بن أبي كثير، وفي غير يحيى على ذاك.
ضعفه: الإمام أحمد ـ في رواية ـ، وابن معين، وابن المديني، والجوزجاني، والفلاس، ومحمد بن عبداللَّه بن عمار، والإمام مسلم، والبسوي.
زاد الفلاس: وكان سئ الحفظ، وهو من أهل الصدق.
стр. 944
قال العجلي: يُكتب حديثه، وليس بالقوي. قال البخاري: هو عندهم ليِّن. وقال النسائي: مضطرب الحديث. وقال في موضع: ضعيف. وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيراً، ويَهِمُ شديداً، حتى فحش الخطأ منه. وقال ابن عدي: في حديثه بعض الإنكار، وهو مع ضعفه يُكتب حديثه. وقال الدارقطني: يترك. وقال مرة: يعتبر به، شيخ.
وقد بيَّنَ الإمامان: أبو حاتم، وأبو زرعة سبب ضعف حديثه من رواية أهل العراق عنه، فقال ابن أبي حاتم: (سمعت أبا زرعة يقول: قال لي سليمان بن داود بن شعبة اليمامي: وقع أيوب بن عتبة إلى البصرة، وليس معه كُتُب، فحدَّثَ من حفظه، وكان لا يحفظ، فأما حديث اليمامة ما حدث به ثمَّةَ، فهو مستقيم.
سمعتُ أبي يقول: أيوب بن عتبة، فيه لين، قدم بغداد ولم يكن معه كتبه، فكان يُحَدِّث من حفظه على التوَهُّمِ؛ فيغلط، وأما كُتُبُه في الأصل فهي صحيحة عن يحيى بن أبي كثير، قال لي سليمان بن شعبة هذا الكلام، وكان عالماً بأهل اليمامة، وقال: هو أروى الناس عن يحيى بن أبي كثير، وأصحُّ الناس كتاباً عنه.
فقيل لأبي: عبد اللَّه بن بدر أحب إليك أو أيوب بن عتبة؟ فقال: أيوب بن عتبة أعجب إليَّ وهو أحبُّ إليَّ من محمد بن جابر.
وسئل أبا زرعة عن أيوب بن عتبة فقال: ضعيف).
стр. 945
قال أبو داوود: صحيح الكتاب.
قال الذهبي في «السير»: ليِّنٌ من قِبَل حفظه. وفي «المغني»: ضعَّفوه، لكثرة مناكيره.
قال ابن حجر: ضعيف.
(ت ١٦٠ هـ)، وقيل: (١٧٠ هـ). (١)
ــ يحيى بن أبي كثير ــ واسمه: صالح، وقيل: يسار، وقيل: نشيط، وقيل: دينار ــ، الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي.
ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، لكِنَّه يُدَلِّسُ، وَيُرْسِلُ.
стр. 946
وَثَّقَهُ: شعبة ـ حيث قدَّمه على الزهري ـ، والعجلي، وأبو حاتم، والبسوي، وغيرهم. وذكره ابن حبان في «الثقات».
قال الإمام أحمد: يحيى بن أبي كثير من أثبت الناس ...
قال أبو حاتم: (إمامٌ لا يحدِّثُ إلا عن ثِقَةٍ).
وكان يدَلِّس، وصفه بذلك: النسائي، والعقيلي، والدارقطني.
قال الذهبي في «الميزان»: أحد الأعلام الأثبات، ذكره العقيلي في كتابه، ولهذا أوردته ...
ثم ذكر إرساله، وقال في آخر الترجمة: هو في نفسه عدل حافظ، من نظراء الزهري، وروايته عن زيد بن سلام منقطعة، لأنها من كتاب وقع له.
وقال في «الكاشف»: كان من العباد، العلماء، الأثبات.
وقال ابن حجر في «التقريب»: ثقة، ثبت، لكنه يُدلِّس ويُرسِل.
وأورده في المرتبة الثانية من مراتب المدلسين، وهم: مَنْ احتمل الأئمة تدليسه، وأخرجوا له في الصحيح؛ لإمامته، وقلة تدليسه في جنب ما روى، أو كان لايدلس إلاعن ثقة.
(ت ١٢٩ هـ). (١)
стр. 947
ــ أبو سَلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني، قيل: اسمه عبد اللَّه، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته.
ثِقَةٌ.
وثَّقَهُ وأثنى عليه: ابن سعد، وأبو زرعة، وزاد: إمام، والدارقطني، وغيرهم.
قال الذهبي في «تاريخ الإسلام»: كان إماماً حجة، واسع العلم.
وفي «السير»: كان طلَّابَةً للعلم، فقيهاً، مجتهداً، كبيرَ القَدْرِ، حُجَّةً.
وقال ابن حجر في «تقريب التهذيب»: ثِقَةٌ، مُكْثِر.
أخرج حديثه الجماعة.
قال الهيثم بن عدي، وابن سعد، توفي سنة ٩٤ هـ، قال ابن سعد: «وهذا أثبت من قول من قال إنه توفي سنة أربع ومئة».
وعمره ٧٢ سنة، فتكون ولادته سنة ٢٢ هـ.
والذي قال: توفي سنة ١٠٤ هـ هو الواقدي، ولا يُتابع عليه كما قال
стр. 948
الذهبي في «السير». (١)
تخريج الحديث:
هذا الحديث روي من وجوه مختلفة، وقد اختُلف فيه على: أيوب بن عتبة، ويحيى بن أبي كثير، وهشام الدستوائي.
١. الاختلاف على أيوب بن عتبة ــ وهو ضعيف كما تقدم ــ.
الوجه الأول: رواه حسين بن محمد المروزي ــ ثقة كما تقدم ــ، عن أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن عائشة.
أخرجه: الإمام أحمد في «مسنده» ـ كما سبق ـ.
تابعه على هذا الوجه: السكن بن أبي السكن الأنصاري الأصم ... ــ صدوق (٢) ــ، عن حجاج الصواف ــ ثقة، حافظ (٣) ــ، عن يحيى بن أبي كثير، به.
стр. 949
ذكره الدارقطني في «العلل» (٩/ ٢٧٧) رقم (١٧٥٩).
الوجه الثاني: رواه عبداللَّه بن صالح العجلي المقرئ ـ ثقة (١) ـ، عن أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، عن عائشة.
أضاف: أبا هريرة.
أخرجه: ابن عدي في «الكامل» (١/ ٣٥٣).
والراجح: الوجه الأول، لرواية ثقتين: حسين، وحجاج.
٢. الاختلاف على: يحيى بن أبي كثير.
الوجه الأول: أيوب بن عتبة ـ واختُلِف عليه كما سبق ـ، وحجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة ــ كما سبق ـ.
الوجه الثاني: رواه حاتم بن إسماعيل المدني الحارثي ... ــ صحيح الكتاب، صدوق يهم (٢) ــ، عن أبي الأسباط بشر بن رافع الحارثي ــ فقيه، ضعيف الحديث (٣) ــ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ وعن عكرمة، عن ابن عباس. لم يذكر عائشة.
стр. 950
أخرجه: الطبراني في «المعجم الكبير» (١١/ ٣٥٥) رقم (١١٩٩٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ١٢٣).
قال البيهقي عقبه: (كذا رواه أبو الأسباط الحارثي، وليس بمحفوظ، والمحفوظ من حديث يحيى مرسل).
وأخرجه: الحربي في «غريب الحديث» (٢/ ٦٧٣) من طريق حاتم بن إسماعيل، عن أبي الأسباط، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس. لم يذكر حديث أبي سلمة.
الوجه الثالث: رواه يحيى بن سعيد القطان، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن المهاجر بن عكرمة ــ مقبول (١) ــ، عن عبداللَّه بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ــ صدوق (٢) ــ، مرسلاً.
أخرجه: مسدد في «مسنده» ـ كما في «المطالب العالية» (٨/ ١٤٤) رقم (١٥٨٣)، ومن طريقه: [ابن قانع في «معجم الصحابة» (٢/ ١٠٠)].
الوجه الرابع: رواه إسحاق بن سيار النصيبي ــ ثقة (٣) ــ، عن داوود بن شبيب، أبي سليمان الباهلي ــ صدوق (٤) ــ، عن همام بن يحيى العَوْذي