← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

هذا وإنّ ما يقصّه التاريخ من اضطراب الأمم وتخبّطها في سبيل الحياة، إنما هو ناشئ عن هذا السبب، وهو عدم التوفيق بين المطلبين، وبهذا التوفيق تتفاضل الأديان، وبه تتحقق حكمة وجود الإنسان وسطًا بين أفق الحيوان وبين المَلإِ الأعلى، وبه كانت الشريعة الإسلامية آخر الشرائع وكانت أكمل الشرائع، وكانت ناسخة لجميع الشرائع نسخًا لا هوادة فيه، ولهذا عمّت دعوتها ولهذا خاطبت العالم البشري بلسان واحد وبلهجة واحدة إن كانوا لا يعرفونها فإنهم سرعان ما يألفونها لأنها تدعو الأرواح لما يزكيها وتدعو الأجسام لما يحفظها ويقيها، كل ذلك من طريق الفطرة التي يشترك جميع الناس فيها. الإسلام والبيان العربي: هذا الإسلام ... فأما اللسان العربي فهو لسان هذا الدين الذي نزل به كتابه، وهو- يعد- ترجمانه الحاذق الذي نقل الإسلام وما فيه من عقائد سامية، وحكم غالية، وأخلاق عالية، وأسرار جليلة، وآداب قيّمة إلى أمم أجنبية عن لغة هذا الدين، وأخذهم بها أخذة السحر بكيفيةٍ تريهم أن الدين هو اللغة وأن اللغة هي الدين، فبينما هما دين ولغة إذا هما شيء واحد، وإذا تلك النفوس التي كانت بعيدة عن مزاج هذا الدين وعن مزاج لغته تعتقد أن معنى العربية جزء من معنى الإسلام، وإذا بهذا الدين وبهذه اللغة يقرّبان البعيد من تلك الأهواء ويؤلفان بين المتنافر من تلك الميول. ثم تصحو الأفئدة، وينكشف الغطاء عن حقيقة واحدة وهي أن تلك الجنسيات تلاشت في هذه الجامعة الروحانية التي لا تعرف جنسًا وجنسًا، وإنما تعرف الإنسان لأنه إنسان يترقّى بمواهبه ويكرم بتقواه. شيئان أوفيا بالعالم الإنساني على مشرع السعادة. هدي الإسلام في البيان العربي: تلك لعمري حقيقة لا ينكرها إلا من غلب على عقله، (وتمت كلمة ربّك صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم). التربية الإسلامية والنقائص البشرية: غير أن لهذا الطبع الإنساني لدات، رافقته في مراحل الوجود من أول التاريخ وكان لهن من مستقرّ العقل فيه، ملاعب وأحضان، هن التقليد والوهم وهنات أخرى تَمُتُّ لهذين بالنّسب الوثيق، فكان لها على الطبائع ما يكون للترب على تربه من تأثير وتسلط وقد باعدت

стр. 107

حقائق الإسلام ما بينهن وبين الطبع البشري حقبة، وأقامته على صراط الفطرة السوي، وكأنما أنشأته نشأة مستأنفة، بما حرّرته منه من شوائب الاسترقاق لهذه الهنات وغيرها، حتى أصبح لا يدين بالعبودية إلا لله، ثم عاد المسلمين من ذكرى تلك الهنات عيد وطاف بهم طائف من العصبية التي محاها الإسلام لأول ظهوره، وإنّ العصبية لأصل البلاء كله، فنشأت فيهم العصبية إلى الجنس وإن لم يعمر من التاريخ صفحة، والعصبية إلى الرأي وإن لم يتعلق به من السداد نفحة، والعصبية للآباء وإن لم يكن لهم في الصالحات أثر، والتعصّب للأشياخ حتى فيما زاغ فيه الفكر وعثر. لهذه العصبيات، صارت الأمة الواحدة أممًا وصارت السبيل الواحدة سبلًا إذ نشأت عن العصبيات آثارها اللازمة لها فساءت الحال وتراخت حبال الأخوة الإسلامية وضعف أثر الوازع الديني في النفوس، فضعف لضعفه أعظم ركن في الإسلام (وهو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر) فطغت المحدثات على السنن حتى غمرتها وأصيبت العلوم الإسلامية بما أصيب به المجتمع الإسلامي من فتور، ولابست حقائق الدين شبهات أعضل أمرها وساء أثرها، وأتى التقليد بنيان الاستدلال من القواعد فجفّ العلم وعقمت العقول، وكان شر نتيجة لتلك المقدّمات كلها بُعْدُ الأمة الإسلامية عن هداية كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالح من أمّته. بُعد المسلمين عن الهداية الإسلامية: قد لمسنا- عن غير قصد- موضوعًا واسع الجنبات مترامي الأطراف، ولعلّنا نوفّق إلى تعمير بعض صحائف هذه الجريدة بفصول منه تفصل ما أجملناه هنا لأن الكشف عن النواحي الغامضة من هذا الموضوع من أوكد ما تتطلبه النهضة الإصلاحية الدينية، وأوجب ما تجب معرفته على القائمين بها مناشئ العلل وأسبابها وتاريخ نشأتها ليزدادوا بصيرة فيما يحاولونه من إصلاح فاسد أو تقويم معوج. وقد يتعجّب الباحث المسلم المطّلع على أحوال المسلمين لعهدنا هذا، إذ يرى التقاليد والأوهام شائعة بينهم على اختلاف أجناسهم وتباعد ديارهم ويراها متشابهة الآثار فيهم، ويراهم في الاستمساك بها والمحافظة عليها وكأنما يسيرهم إلهام واحد أو يسوقهم إليها قانون واحد، يرى ذلك كله- وهو واقع- فيرى ظاهرًا من حال هذه الأمة يدعو إلى العجب، ولكنه إذا تعمّق في البحث يعثر بالأسباب واضحة العلل معقولة، فيزول العجب. وقد يرى ذلك بعينيه الباحث الغربي أو من يحمل عصبية على المسلمين أو زراية بدينهم فيرد ذلك في منشئه إلى دين الإسلام ويخرج من بحثه بنتيجة خاطئة، وهي أن الإسلام يحمل في خفاياه جراثيم التأخّر والانحطاط والاستسلام للأوهام والخرافات ويخرج من ذلك إلى أنه

стр. 108

لا رجاء للمسلم في الرقي ومجاراة السابقين في الحياة إلا بالخروج من دينه ... شعوذة يمهّدون بها السبيل لمروق المسلم من حظيرة الإسلام، وكم لعبت بهذه النغمات أصابع على أوتار فلم يبال الإسلام بما وقع منها ولا بما طار ... جناية المسلمين على الإسلام: وحسب التاريخ في نقض هذه الشعوذة أن يشهد بأنه سبق لهذا الدين في بعض فصوله أن كان سبب تقدّم وعمران لم يشهد نظيرهما، والسبب الواحد لا تنشأ عنه مسببات متناقضة، فالإسلام الذي كان سببًا في الصلاح لا يكون سببًا في الفساد، والإسلام الذي من مقاصده إسعاد البشر لا يكون أبناؤه أشقى الناس به، والإسلام الذي حرّر العقل من قيوده ليفكر ويدبّر، لا يكون سببًا في تقييده والحجر عليه، والإسلام الذي شرع المساواة في حقوق الحياة لا تنشأ عنه الأنانية والأثرة والتمايز ... ولا والله حلفة بارة، ما جنى المسلمون جناية المتعمّد الذي يقارف الجريمة وهو يعلم أنها جريمة، ولكنهم أتوا- في جميع أزمانهم- من قبل أمراء مستبدّين ورؤساء جاهلين، ومن ورائهم طائفة من علماء السوء تتبع مساقط الدرهم والدينار، وتتفيأ ظلال الجاه الكاذب والسمعة الزائفة، فكانت هذه الطوائف الثلاث- في كل زمان- إلبًا على الأمة تتقارض- المصالح على حساب الأمة، وليتهم ما رزأوها في أخلاقها، وأفسدوا فطرتها وزعزعوا يقينها بالله وابتلوها بأهوائها ووساوسهم، وفرقوا منها ما جمعه الدين، وأدخلوا عليها مع الزمن دخيلًا من التقاليد ودخلًا من الطباع جعلاها تعرف ما أنكر دينها، وتنكر ما عرفه. شدّة تمسّك المسلمين بالنسبة للإسلام: وهي- على ذلك كله- أمة مسلمة، تزدجر إذا وعظت وتتذكر إذا ذكرت، وأن محل رجاء المصلحين في هذه الأمة هو هذا الخلق العريق الذي ملك على المسلم إحساسه وهو الاعتزاز باسم الإسلام والافتخار بالنسبة إليه، والأنفة من الخروج من هذه النسبة، والرضى بالهون والدون في سبيل هذه النسبة ... وإن من أوضح الشواهد على رسوخ هذا الخلق في المسلم أنك تقول لتارك الصلاة- مثلًا- أنت لا تصلي، فيقول لك نعم، وتعيّر مانع الزكاة بالشحّ وقبض اليد، فيقول لك قد كان ذلك، وتقول للمبتدع: أنت مبتدع، فلعله ينصف ويعترف، ولكن إياك أن تقول لواحد من هؤلاء أنت لست بمسلم، ولو قلت لرأيت التنمّر والتنكّر، وسمعت الجافي المكروه من القول.

стр. 109

قاعدة الدعوة الإصلاحية وأسلوبها: هذه النقطة هي محل الرجاء، فليتخذها بناة الإصلاح قاعدة يقيمون عليها هيكل الإصلاح، وليقودوا لهذا الأخ المعتزّ بنسبته، بارك الله عليك أيها الأخ أنت مسلم، ولكن للإسلام واجبات يقضي بها عليك، وواجبات يتقاضاها منك، وآداب يروّضك عليها لتستحقّ بذلك منازل الكرامة في دنياك وآخرتك، وهو يريد تكميلك فلا تنقصه، وبريد أن تكون حجة به فلا تكن حجة عليه، وأنت منسوب إلى الإسلام ولكن هل يسرك ممن ينتسب إليك العقوق وتضييع الحقوق فصحّح العقيدة، وروّض جوارحك على التكاليف، وقف عند حدود الشرع، وخذ نفسك بالصالحات، واقضِ لأخيك بما تقضي به لنفسك، فإذا أنت المسلم الكامل، وإذا أنت عبد الله وحده...؟ آية الإسلام في قوّة رسوخه في القلوب: إني لو شئت أن آتي ببدع من الرأي في معرض الاستدلال على حقيقة هذا الدين لقلت: إن ما عمّ المسلمين من تنكّب عن هداية دينهم، وهو في عمومه من الأدلة على حقيقة دين الإسلام، وانه الدين لا دين غيره، فاعجب لدين ينتزع الشواهد على صحّته من حالتي الإقبال والإدبار، واعجب لدين يسم طباع بنيه بسمة التوحيد في حالتي الوفاء والجفاء، واعجب لدين تغفل القلوب عن وعي حقائقه، وتكسل الجوارح عن أداء وظائفه، وتتجرّد النفوس عن حلاه، وهي مع ذلك كله، على أشدّ ما عرفت من العصبية والتشيعّ له والاعتزاز بالنسبة إليه وإنّ ههنا لسرًّا لم أتبينه فلم أحسن التعبير عليه...؟

стр. 110

تعالوا نُسائلكم* - ١ - أما إن الحق لا يثبت بالدعوى ولكن بالدليل، وأن العبرة بالمسمّيات لا بالأسماء وبالأفعال لا بالأقوال، ولو أن كل من سمّته أمّه "صالحًا" كان صالحًا على الحقيقة وكل من سمّته الحكومة "عدلًا" في المحكمة كان عدلًا على الحقيقة لكنّا سعداء بكثرة الصالحين والعدول فينا. ولو أن كل من تسمّى "حسنًا" لا يأتي لمكان اسمه إلا الفعل الحسن لطم الحسن على القبح، ولكن من وراء هذه الأسماء الجميلة أفق الواقع تتهاوى فيه هذه الأسماء وتنفلق فلا نجد إلا الحقيقة من فعل يصدق أو يكذب.

стр. 111

وإذا عذرنا الأم تسمّي ولدها باسم جميل، ثم تأتي أفعال الولد مكذّبة لاسمه فيشفع لها الفأل، فنقول: أرادت شيئًا وأراد الله ضده- وإذا عذرنا الحكومة فيمن تسمّيه عدلًا وتشفع لها الرسوم الاصطلاحية فنقول: راعت ظاهر الشهادة ولم ترع باطن الخلق- إذا كان ذلك كذلك فما بال أصحابنا "علماء السنّة" (١) يتّسمون باسمٍ لا يلتقون مع معناه في طريق ولا يقوم عليه شاهد من أقوالهم ولا ينتزع عليه دليل من أفعالهم- لولا أنها الشعوذة لبستهما فأنكرناهم فيها فلبسوها فأنكرناها عليهم، فخرجوا من باب اللباس إلى باب التلبيس، وقالوا نحن قوم أصحاب أسماء، قد أسقطنا الواقع من اعتبارنا، وأسقطنا الأعمال من حسابنا فلا نرفع بها رأسًا ولا رجلًا، وما دمنا بهذه الصفة وما دامت في الأمة بقايا من البله والغفلة و "النية" (٢) فلندع أنفسنا بالعلماء وإن لبسنا من الجهل سرابيل، ولنسمِّ أنفسنا "علماء السنّة" وإن كنّا نخوض في البدعة خوضًا- فجاء هذا الاسم كما ترى وليس في الأسماء أكذب منه ولا أشدّ منافرة لمسمّاه. وإذا كان في أفعال العباد ما لا يتمّ إلا بتوفيق من الله، فإن فيها ما لا يتهيأ لصاحبه إلّا بخذلان من الله أيضًا، ومن أمثلته ما تهيّأ لأصحابنا من دعواهم في السنّة دعوى آل حرب في زياد (٣). ولو كان للسنّة معانٍ يضيع بينها القصد وتختلف وجوه التأويل، لقلنا هم علماء السنّة "الدرهمية" أو "الكسكسية" (٤) ففسّرناها بما هو الأشبه بهم أو لكان لنا عذر في السكوت- ولكن القوم دلونا بكلامهم الذي أذاعوه، وبميزانهم الذي وضعوه ورمزهم الذي ابتدعوه- أنهم يريدون هذه السنّة النبوية- التي قضوا أعمارهم في الكيد لها ومكاثرتها ببدعهم المضلّة- لعمري إنه لا أسخف من هذه الإضافة المتنافرة الجزئين وإذا حلت في ذوق فإنما هو من يسمّى "أبا جهل" عدو الشيطان. فهل يحسن بنا، وقد أنضينا قرائحنا في تعلّم هذه السنّة المطهرة وبذلنا في العمل بها جهد المستطيع، وركبنا المخاطر في الدعوة إليها، هل يحسن بنا بعد هذا كله أن نسكت لهؤلاء عن هذه الدعوى الباطلة، ونوليهم منّا ما تولّوا ونبلعهم ريقهم، وهل يحسن بنا أن لا يكون لنا في الدفاع عنها ما كان منّا في الدعوة إليها؟ إنا إذن لمقصرون!

стр. 112

إن هذه السنّة المطهرة تأبى علينا أن نهن مع هؤلاء الأدعياء، أو نلين لغمزاتهم أو نتسامح معهم أو نقرّهم على باطلهم أو نخلي لهم الميدان ليفسدوا من هذه الأمة ما أصلحه الدين، ويفرّقوها بكثرة النسب بعد أن وحّد الله نسبتها، وينحطّوا بها إلى أسفل الرتب بعد أن رفع الله رتبتها. وإن هذه السنّة المطهرة تأبى لنا إلا أن نسمّيهم بأسمائهم وأن نفضح مخازيهم ونكشف سوآتهم وننزع عنهم هذا الثوب المستعار، ونظهرهم للأمة كما هم في الحقيقة والواقع لا كما هم في الزعم والدعوى، ويومئذٍ يتبيّن للناس أن بين هؤلاء وبين السنّة بعد المشرقين. إن نسبة هؤلاء القوم إلى السنّة كنسبة عمرو الذي قال فيه الشاعر: أرفق بعمرو إذا حركت نسبته ... فإنه عربي من قوارير! لا جرم أنهم سنيّون من قوارير، لكننا لا نرفق بهم على النحو الذي دعا ذلك الشاعر الهازئ، فإن عمروًا لم يضر أحدًا بادعائه النسبة العربية، وهؤلاء أضرّوا بل أضلّوا: فمن الرفق بالأمة وبهم أن نكسر القوارير فينكسر معها الضلال والإضلال!! إننا لَنعلمُ حقًا أن هذه الطائفة التي سمّت نفسها علماء السنّة ترجع في أصولها إلى ثلاثة: شيخ (مزوّر)، وعالم مأجور، وعامي مغرور، فاجمع أنت هؤلاء الثلاثة وأخبرنا هل يكون الحاصل هو "العلم بالسنّة"؟ لا شكّ أن الحاصل يكون شعوذة (غالية) من الأول، يؤيّدها علم (رخيص) من الثاني، كل ذلك لإيقاع الثالث في الفخ، فهو الذي يدفع ثمن الغالي والرخيص، وهو المغبون أولًا وآخرًا. يا للرزية! ألا يكون علم هؤلاء إلا أداة لتثبيت الباطل في الطرفين، وإلا شهادة زور ولكنه زور (علمي) ولذلك يؤخذ بها من مبطل لمبطل ثم لا يكون حظ العالم إلا ما يأخذه شاهد الزور على شهادة الزور، ثم لا يكون الثلاثة إلا من "علماء السنّة". تعالوا أيها القوم نصارحكم، فقارضونا صراحة بصراحة أليس هذا العامي المسكين هو محل النزاع بيننا وبينكم؟ دعونا من الكذب على السنّة والتلبيس باسم السنّة ودعونا مما ترموننا به من الوهابية ودعوى الاجتهاد، فقد علمنا وعلم العقلاء أن ذلك كله منكم تحامل وتداه تريدون أن تبعدوا به عن محل النزاع وتستجرونا مما نحن فيه إلى ما لسنا منه بسبيل. نقول لكم: دعوا هذا (العامي) على فطرته ليتلقّى الهداية الدينية على يد أهلها سليمة كفطرته، بيضاء كقلبه، نقية كصدره، ونحاكمكم في هذا إلى كتاب الله وسنّة نبيّه وهدي السلف الصالح من أمّته، فلا تسلمون ولا تجادلون بالحسنى بل كلّما قرعتكم الحجة

стр. 113

وعضكم الدليل، رجعتم بنا إلى أصول من طباعكم هي المباهتة والمغالطة والقول بغير علم، وهو شر ما يتخلّق به متخلّق وأوهن ما يعتمد عليه مجادل. ونقول لكم: سلّموا العلم بالكتاب والسنّة وهدي السلف إلى من مارسها بالبصيرة النافذة، وتناولها بالذهن الوقاد والقريحة الحيّة، وأنفق فيها من عمره مثل ما أنفقتم في اللهو واللغو والتطبيل والتزمير- فتمارون وتصرون وتستكبرون، فويحكم إن (التسليم) من أصول طرائقكم فيما تزعمون ... فهل يجب التسليم عندكم للمتخمّر إذا تخمّر، فعبث بالمقامات العليا من نبوية وملكية وألوهية، ويجب التسليم عندكم للمشعوذ إذا شعوذ وللشيطان إذا استحوذ، وللمجذوب إذا اختلّت أعصابه وضاع صوابه وسال لعابه، ولا يجب التسليم لكتاب الله إذا قام دليله، ولهدي نبيّه إذا اتضح سبيله...؟ وهل من محادة لله ورسوله أعظم من هذه؟ وهل في مراتب الاستخفاف بالدين أسفل من هذه؟ فهاتوا مخلصًا من هذا، وهيهات أن تجدوه ولو كان الشيطان لكم نصيرًا. ولسنا ندري أيعلم علماؤكم هذا أم يجهلونه ولكن الذي ندريه أنكم لغير هذا آجرتموهم. وإن كان علماؤكم من الطراز الذي كانت تعلن عنه جريدة البلاغ فتنعت الواحد منهم بأنه مدرّس بقرية كذا وأن عنوانه بقهوة كذا فلا تصدق إلا في آخر النعتين- فقد أضفتم إلى الاستخفاف بالدين الاستخفاف بالعلم. إن محلّ النزاع بيننا وبينكم هو هذا العامي. نريد أن نحرّره من استعبادكم ونطلقه من أسركم، وتريدون أن يبقى عبدًا تستغلّون خراجه ولا يستقيم لكم هذا منه إلا بجهله وغفلته. فأنتم تجهدون في تجهيله وتضليله ومن ذرائعكم لذلك أن تبعدوا ما بيننا وبينه فهلا واحدة هي أقرب إلى النصفة والمعدلة وهي أن لا تضلّوه إذا لم تهدوه وأن تتركوا له مَالَه إذا لم تصلحوا حاله. نريد لهذا العامي أن يؤمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبالكعبة قبلة وبالقرآن إمامًا وبمحمد رسولًا، وأن لا يرجو النفع إلا من ربّه ولا يستدفع الضرّ إلا به، وأن لا يستعين بعد الأسباب الكسبية إلا بقوّته، وتريدون منه أن يؤمن مع ذلك أو قبل ذلك أو بعد ذلك بأنكم أولياء الله وإن استبحتم الحرمات وركبتم المحرمات، وأن يشرككم مع الله في الدعاء أو يدعوكم من دونه وأن يلتجئ إليكم حتى فيما هو من خصائص الألوهية، وأن يشدّ الرحال لبيوتكم كما يشدّها لبيت الله- فاجبهونا بالتكذيب إن استطعتم. أليس فيكم من يبيع الأولاد للعقيم ويبيع الراحة للسقيم؟ أليس فيكم من يهدّد المسلم بخراب البيت وموت الأولاد وهلاك الحرث والماشية إذا هو قطع عادة أو قصر في شيء من رسوم الخدمة؟ أليس فيكم من كتب على قبر أبيه:

стр. 114

هذا مقام إبراهيم ... ومن دخله آمنا لا يخشى من الجحيم ... ومن النار الحاميا فأضاف إلى تلك الشنعاء شنعاء أخرى وهي تحريف آية من كلام الله؟ أليس فيكم من يقول في صراحة إِنه يتصرّف في الوجود ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء ثم ينحل هذا التصرف غيره لتكون له أسوة؟ إن وجودًا يكله الله لتصرّفكم لأهون وجود، وهل بلغ هذا الكون البديع من الهوان على الله أن يكله إلى تدبيركم أيها الحمقى ونحن نراكم أعجز الناس عن تدبير (خبزة) فلا تبلغونها إلا بدفع دينكم ثمنًا لها. أليس من الشائع في معتقدات العامة التي هي من وضع أيديكم أن من زار مقام فلان ثلات مرات كتبت له حجة؟ وهل في التعطيل لأركان الدين أشنع من هذا؟ لكم الويل أَكُلُّ هذا في سبيل إشباع بطونكم؟ بلى، كل هذا فيكم وفيكم غيره مما نعد منه ولا نعدده وإننا لنعلم أن منكم من ينكر هذا في نفسه ويبرأ منه، ولكن لماذا لا يمدّ يده إلينا ويرفع صوته معنا بالإنكار لهذه الشناعات التي صارت لكم سمة ونعتًا وعرفتم بها وعرفت بكم؟ لماذا لا ينضمّ إلينا فيكون لنا من بعضكم الصالح عون على بعضكم الطالح لولا أنكم تتقارضون سكوتًا بسكوت لأن ضلالكم (مصلحي) والمصلحة أنواع. أفي الحق ما بعضه حق وبعضه باطل؟ وفي الأوصاف ما إن وصف به فلان ابن فلان كان خيرًا وكان حسنًا وكان فضيلة وكان بحيث يحمد ولا يذم ويشكر ولا ينكر، وإن وصف به فلان الآخر كان شرًا وكان معصية وكان رذيلة وكان وكان، أوَّلًا: ففيم نزاع الناس في أن هؤلاء لصوص؟ أإن فارقوا اللصّ في هيئته فارقوه في أنه يأخذ مال الناس غلابًا ويأخذونه بما يشبه الرضى وفارقوه في طرائق الاحتيال للتخلّص من القانون- يريدون منّا ألا نسمّيهم لصوصًا، كلا إنهم لصوص ويزيدون على اللص العادي بواحدة- وما يزيدون بها إلا النقص، وهي أنهم يتلصصون باسم الدين. ولقد كان الظن بكم غير ما هو الآن إذ كنتم فرادى يعمل كل واحد منكم في دائرته الخاصة ويسير في طريقه ويحمي مناطق نفوذه ويجرّ النار لقرصه وكانت أسباب العداوة بينكم مستحكمة تمدّها أسبابها الطبيعية وما أسبابها إلا المزاحمة في المصالح الدنيوية والمنافسة على الرياسة والمكاثرة بالاتباع فكنّا نراكم على باطل ولكنه باطل موزع القوة وذلك أوهن له، وكنا لذلك نرجو لكم الرجوع إلى الحق ونرجو منكم معاونة الداعين إليه، فما راعنا في وقت نحن ننتظر فيه منكم الإنابة إلا تألبكم ضد الحق واجتماعكم لحربه فعلمنا أن ذلك الباطل الموزع بعضه من بعض وأن هذه هي غايته لا ما مَوَّه به المموّهون منكم.

стр. 115

فأجمعوا أمركم ثم كيدوا الحق فما أنتم ببالغين إلا ما يبلغه من يريد أن يغطي على الشمس بكمه وهو لا يدري أن وراء كمّه أرض الله الواسعة. أجمعوا أمركم وحدّدوا عقد الإجارة مع علمائكم واستوثقوا منهم ولا تأمنوهم فقد خانوا الله وأحرى بهم أن يخونوكم وإنما هم قوم مع الدراهم كثرة أو قدة لا مع المبادئ حقًا أو باطلًا ومع البطون ملئًا وفراغًا لا مع الآراء صوابًا أو خطأ. أما نحن، فوالله ما نباليكم مجتمعين ولا متفرقين وما رهبناكم وأمركم إلى إقبال والدنيا لكم تبع وأهلها لكم شيع، فكيف نرهبكم وأمركم إلى إدبار وقد ضجّت الدنيا من خفاياكم وخباياكم وزواياكم وبلاياكم ورزاياكم، وكم اشتكت منكم الجيوب إلى علّام الغيوب. ووالله ما وهمنا في شأنكم ولا كذبتنا الحقيقة وما أنتم اليوم إلا من عرفنا بالأمس.

стр. 116

- ٢ - * عهدنا أدعياء السنّة تجّارًا حاذقين لا يخفى عليهم ما يروج وما يكسد وعرفنا أن رأس مالهم التدجيل وعرفنا أن بضاعتهم هي هذه الأمّة المسكينة التي أحكموا الحيلة في تخديرها بالرؤيا والمنامات والفداء والمكفرات، وزعزعوا عقيدتها في الله بما أثبتوه لأنفسهم من التصرف في الكون أحياءً وأمواتًا ومن مشاركة الخالق فيما تفرّد به من الخلق والأمر، وأفسدوا فطرتها الدينية بما ابتدعوه لها من عبادات ميكانيكية هي إما زيادة في الدين أو نقص منه. وغايتها الانحلال من هذا الدين، وبسطوا أيديهم إلى خلق الشهامة والإباء من نفوسها فقتلوه واستباحوا منها المحرّمات واتّخذوا من ذلك كله ذريعة لابتزاز أموالها. ولولا أنهم علموا ميل الأمة إلى السنّة وأحسّوا بانعطافها إلى معنى السنّة الحقيقي لما جاءوا بهذه الكبيرة ولما اتخذوا من هذا الاسم حيلة يطيلون بها زمن التخدير، وخدعة شيطانية يتألفون بها الشارد، وحبالة يصطادون بها المتفلّت وما كثر المتفلّتين. ولعلّ هذه الحيلة هي آخر حيلهم. ونحن- والله- فقد أصبحنا تجّارًا حاذقين لا يخفى علينا ما يدقّ وما يجلّ من أباطيلهما وأوهامهم التي قادوا بها الأمة زمنًا فما قادوها إلا إلى الهلاك، ولكن رأس مالنا الحق نقوله وندفع به عنه ونرشد هذه الأمة المسكينة إليه، ونداوي منها ما جرحته تلك الأيدي القاسية، وفرق ما بيننا وبينهم أننا ندعو إلى السنّة وهم يدعون إلى البدعة، ونحن ندعو إلى أخوة

стр. 117

الإسلام نشدّ بكتاب الله حبالها ونجمع بسنّة رسول الله أوصالها وهم يدعونها إلى الفرقة والفرق وخلاف الطرق. وفرق آخر بيننا وبينهم أننا نذكِّر الأمة بكتاب الله وما صحّ من سنّة نبيّه وهم يذكرونها بالطبل والمزمار. وأننا لا نسألها أجرًا عما أوجب الله علينا من إرشادها ولا نرزأها شيئًا من مالها ولا نبيع لها الأدعية لتملأ لنا الأوعية ولا نغرّها بالمغفرة ولا نهوّن عليها معصية الله واطراح دينه بالفداء والمكفرات في مقابلة لقم محدودة أو دراهم معدودة ولا نغريها بترك الأسباب اتكالًا على الأنساب، ولا نقرّها على الاستسلام والخضوع لغير الله، ولا نقارضها سكوتًا عن باطلها بنطق في مدحنا، ولا نشرع لها من الدين ما لم يأذن به الله. أتدرون عواقب ما صنعتم بهذه الأمّة؟ إنكم اقتلعتم ببدعكم كل ما غرس الإسلام فيها من فضائل فمكّنتم فيها لأعراض الانحلال والتفكك والسقوط. وأتيتم على ما فيها من ذكاء ونشاط وعمل فأصبحت بين الأمم وهي مضرب المثل في البلادة والجمود والكسل ولو كنا وحدنا في أرض الله لهان الأمر في الجملة ولكن من ورائنا الأجانب عن هذا الدين يتربّصون به الدوائر فيأخذونكم في عداد أبنائه ويأخذون أعمالكم في عداد أعماله. فهل في أعمالكم ما يبيّض وجه الإسلام ويدفع عنه عادية الألسنة والأقلام، وإن منكم من يرقص أمام أولئك الأجانب رقص القرود وتلبسه شيطانيته فيلتهم الزجاج والحديد والحيات وهم يضحكون ولا رأي لهم إلا أن هذا هو الإسلام وهذه هي تعاليمه وهذه آثاره، ولا منطق لهم إلا أن هؤلاء أتباع طريقة كذا، وطريقة كذا من الإسلام، فهذا هو الإسلام ونحن نقول لهم إن الإسلام لا يعرف طريقة كذا ولا طريقة كذا فهو بريء من هذه البعران والتماسيح وهو من أفعالهم أبرأ. فأي الفريقين أصدق تعبيرًا على محاسن الإسلام وأحسن تصويرًا لفضائله في نفس الأجنبي؟ أنحن بأقوالنا أم أنتم بأفعالكم؟ أرأيتم كيف تلجئنا الضرورات إلى البراءة منكم إلجاءً وتدفعنا إليه دفعًا لا نملك معه الإرادة إذا كان لا يستقيم لنا الدفاع عن هذا الدين إلا بذلك، وهما أمران ما من أحدهما بد فإمَّا أن أفعالكم حق فالإسلام بكتابه وسنّته وهدي أَئِمَّته باطل، وإما أن الإسلام هو الحق فأنتم وأعمالكم تكونون ماذا؟ وأخرى- ألا تدرون أن هناك محاضرات تلقى وخطبًا تتلى وكتبًا تطبع وتنشر وجمعيات تقوم بجميع ذلك- كل ذلك (لِلطَّعْن) في الإسلام بكم وبأفعالكم واتخاذكم حجّة عليه.

стр. 118

ثم أتدرون الغاية من ذلك كله؟ هي حمل العالم المتحضّر على احتقاركم واعتباركم في الهمج الرعاع الذين لا يصلحون لصالحة ولا يستقيمون على ما يريدون بل على ما يُراد منهم، وحمل الجمهور اللاهوتي منه على اقتحام مأسدة الإسلام لأن فيها ثعالب ... فما أنحسكم على الإسلام. إن للاهوتيين من العالم أن ينتزعوا من أعمالكم حجة مدارها على هذا القياس ما دامت العبادة بالبندير أو بالبيانو فالبيانو أرشق، وما دام الأمر بين أكل الأفاعي وبين أكل الخبز المقدّس فالخبز أفضل، وما دامت المغفرة تُباع بالدراهم عندنا وعندهم فنحن سواء، فما أعظم جنايتكم على الإسلام. إني قلت، وما زلت أقول، إن محاسن هذا الدين كوّنت له أعداء من غير المنتسبين إليه يرمونه بكل نقيصة، وإن حقائقه ومقاصده السامية كوّنت له أعداء من المنتسبين إليه يرمونه بكل معضلة. وإن عداوة الأولين منشأها سوء القصد وعداوة الأخيرين منشأها سوء الفهم وليسوا سواء في القصد والغرض ولكنّهم سواء في الأثر. ونقطة التلاقي بين الفريقين هي التعطيل المحض لهذا الدين إذا قدِّر لهم أن ينالوا منه نيلًا، ولو رزق الأولون شيئًا من الإنصاف ورزق الأخيرون شيئًا من صحة الفهم وصدق النظر لأصبحنا معهم في وفاق ولأصبح الإسلام الحقيقي دينًا عامًا يطوي في ملاءته النوع البشري كله. أيها الناس، إن نقطة النزاع بيننا وبين هؤلاء هو ما علمتم: هو هذه العامة التي أضلّوها وأذلّوها وغاية الشيطان أن يضلّ، وأرادوا أن تعبدهم من دون الله وهو ما يئس منه الشيطان بنصّ الحديث، فإن كان بعد ذلك بيننا وبينهم نزاع في شيء فهو وسائلهم التي يمهّدون بها لهذا القصد، فإن كان بعد ذلك خلاف في شيء كمراتب العبادة وإباحة كراء الأسواق فتلك أغشية يريد علماؤهم المأجورون أن يحجبوا بها الحقيقة ويستجرّونا بها للخروج عن محل النزاع، فإن كان بعد ذلك شيء فهو لا شيء إلا أنهم يقولون عنّا بغير فهم: إنهم وهّابيون وكذا وكذا، ولسنا نستغرب صدور ذلك عنهم فإن من لا يستحي أن يقول على الله بغير علم لا يعزّ عليه أن يقول على المخلوق بغير فهم. ألا لا يرتابنَّ بعد هذا البيان مرتاب ولا يشكن شاك بعد اليوم في أن اجتماع أصحابنا وتلبثهم حول اسم السنّة إنما هو للدفاع عن (الخبزة) المشتركة. إن موقفنا معكم قد أصبح يتقاضانا الصراحة وتسمية كل شيء باسمه فقد طال ما سكتنا عنكم فتجرأتم وطالما كنينا ولم نصرّح وحوّمنا ولم نرد استيلافًا لكم وطمعًا في استصلاحكم، فلم يزدكم ذلك منّا إلا عتوًا واستكبارًا حتى حامت حولنا الظنون وأصبحت الشبه تتساقط بساحتنا، فأصبح من المتحثم علينا أن نشرحكم شرحًا يحلّ المشكلات وبفكّ

стр. 119

المقفلات، وقد فتح الله علينا في فهمكم حتى لا يغمض علينا منكم معنى ولا تلتوي عبارة، وحتى لو أن الله مسخكم جملًا يضمّها كتاب يُكتب عليه (تأليف ابن قشوط بشرح الحافظي) لما كلَّ لنا ذهن ولا قعدت بنا قريحة عن فهمكم، وإن كان لا يصدر عن الرجلين إلا العسلطة والثرثرة وتلفيق شيء لشيء، وسبحان الفتّاح ... وإن هذا القلم الذي خط الألف من هذا الموضوع لا يجف ولا يكف حتى يخط الياء منه، وإن صاحب هذا القلم قد ابتلاه الله بدرس التعقيدات الإنسانية، وهو يزعم أنه زعيم بتحليلها وإرجاع كل عنصر منها إلى أصله وقد أتى من أول هذا المقال بلمحة إنْ لم تكن مصدّقة لهذا الزعم فهي منبّهة على قيمته وهو ماضٍ بعد في جريه حتى يحلّل الموضوع وما وضعتم بهوامشه من تعقيدات، وصبرًا أيها القارئ الكريم فإن هذا القلم ما بعد بكم عن عنوان هذا المقال إلا ليقرّبه إليكم فارتقبوا ولا تعجلوا، وما الحيلة وقد أبى أصحابنا إلا أن يكونوا موضوعًا تضطرب فيه الأفكار وتزدحم عليه الأقلام. وإن من تمام الحل لهذه العقدة أن نأتي على جميع ما يقولونه ونشرحه شرحًا يكشف عمّا بين أقوالهم وبين مقاصدهم من بعد. ونبيّن للناس أنهم غالطون في بعضها ومغالطون ببعضها، ثم نأتي على ما يقولونه عن أنفسهم وما يدعونه لها ونعطي القرّاء عهد الله أننا نخرج من هذا الشرح ونحن في كفة من الميزان وخصومنا في كفّة- وما هو إلا ميزان السنّة الصحيحة- لينظروا أيّنا أرجح. فهم يقولون لو سكت لنا المصلحون في كذا وكذا لسلَّمنا لهم الباقي أو- على الأقلّ- لم تكن منّا هذه الطيرة وهذا التألب وهذه القضية. ونحن نعلم أننا لو تساهلنا معهم وجاريناهم على الظاهر من قولهم فسكتنا لهم عن هذا (الكذا) لقالوا أيضًا لو سكتوا لنا عن كذا آخر حتى نسكت لهم عن الجميع، فالقوم لا يرضيهم منّا إلا السكوت البات كما يقول رئيسهم (١) في شروطه المعروفة للقرّاء. ولا يرضيهم إلا كم الأفواه وتكسير الأقلام لم لا نحصل منهم على الرضا التام حتى نرقص رقصهم ونفحص الأرض بأرجلنا فحصهم ونضرب معهم البندير ونبلع الزجاج والمسامير. ولو كان ما يقولون حقًا وكانوا على شيء من الإنصاف لسلّموا لنا شيئًا من شيء واعترفوا بما يسهل عليهم الاعتراف به ولم يقعوا من الدفاع على الباطل في الإنكار للحق وإذن لكانوا معنا في أهون الشرّين. على أننا قد سكتنا على كثير من أباطيلهم فسكتنا على ما لا يجوز السكوت عنه حتى لنحسب أننا بذلك السكوت شركاؤهم في الباطل وأن الله مؤاخذنا عن ذلك. قد سكتنا- يا لكم الله- عن كتب ابن عليوه وما فيها من البلايا والجرائم وكبائر الإثم والفواحش وأن من يسكت عن كتب ابن عليوه يسكت عن عظيم من الشر وشنيع من

стр. 120

المنكر لا تبرك الإبل به. وأن انتشار هذه الدفاتر في هذه الأمة المسلمة يفوق انتشار الأوبئة والطواعين فيها، وأن الواجب على علماء هذه الأمة أن يحموها من تلك الكتب كما يحمى المريض من بعض الأطعمة وبعض المياه التي تمدّ المرض وتزيده إعضالًا، وأن أيسر ما تستحقه تلك الكتب هو الإحراق. ويقولون عنّا إننا وهّابيون، كلمة كثر تردادها في هذه الأيام الأخيرة حتى أنست ما قبلها من كلمات: عبداويين وإباضيين وخوارج. فنحن بحمد الله ثابتون في مكان واحد وهو مستقر الحقّ، ولكن القوم يصبغوننا في كل يوم بصبغة ويسموننا في كل لحظة بسمة، وهم يتخذون من هذه الأسماء المختلفة أدوات لتنفير العامة منّا وإبعادها عنّا وأسلحة يقاتلوننا بها وكلّما كلّت أداة جاءوا بأداة، ومن طبيعة هذه الأسلحة الكلال وعدم الغناء، وقد كان آخر طراز من هذه الأسلحة المفلولة التي عرضوها في هذه الأيام كلمة "وهابي" ولعلّهم حشدوا لها ما لم يحشدوا لغيرها وحفلوا بها ما لم يحفلوا بسواها ولعلّهم كافأوا مبتدعها بلقب (مبدع كبير). إن العامة لا تعرف من مدلول كلمة "وهابي" إلا ما يعرفها به هؤلاء الكاذبون، وما يعرف منها هؤلاء إلا الاسم وأشهر خاصة لهذا الاسم وهي أنه يذيب البدع كما تذيب النار الحديد، وأن العاقل لا يدري ممَّ يعجب: أمن تنفيرهم باسم لا يعرف حقيقته المخاطب منهم ولا المخاطب أم من تعمّدهم تكفير المسلم الذي لا يعرفونه نكاية في المسلم الذي يعرفونه، فقد وجّهت أسئلة من العامة إلى هؤلاء المفترين من علماء (السنّة) عن معنى الوهابي- فقالوا هو الكافر بالله وبرسوله ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾. أما نحن فلا يعسر علينا فهم هذه العقدة من أصحابنا بعد أن فهمنا جميع عقدهم، وإذ قد عرفنا مبلغ فهمهم للأشياء وعلمهم بالأشياء، فإننا لا نرد ما يصدر منهم إلى ما يعلمون منه ولكننا نردّه إلى ما يقصدون به وما يقصدون بهذه الكلمات إلا تنفير الناس من دعاة الحق ولا دافع لهم إلى الحشد في هذا إلا أنهم موتورون لهذه الوهابية التي هدمت أنصابهم ومحت بدعهم فيما وقع تحت سلطانها من أرض الله وقد ضجّ مبتدعة الحجاز فضجّ هؤلاء لضجيجهم والبدعة رحم ماسّة، فليس ما نسمعه هنا من ترديد كلمة وهابي تقذف في وجه كل داع إلى الحق إلا نواحًا مرددًا على البدع التي ذهبت صرعى هذه الوهابية، وتحرّقًا على هذه الوهابية التي جرفت البدع، فما أبغض الوهابية إلى نفوس أصحابنا وما أثقل هذا الاسم على أسماعهم ولكن ما أخفّه على ألسنتهم حين يتوسلون به إلى التنفير من المصلحين، وما أقسى هذه الوهابية التي فجعت المبتدعة في بدعهم وهي أعزّ عزيز لديهم ولم ترحم النفوس الولهانة بحبّها ولم ترث للعبرات المراقة من أجلها.

стр. 121

وإذا لم يفهم أصحابنا من معنى الوهابية إلا أنه محو البدع، فقد استقام لهم هذا المنطق الغريب على هذا النحو الغريب وهو أنه ما دامت الوهابية هي محو البدع، وما دامت وصفًا لا رجلًا وما دام كل وصف ككل كسوة عسكرية كل من يلبسها فهو عسكري يُعرف بها ولا تُعرف به، وما دام المصلحون ينكرون البدع فهم وهابيون وإن لم يؤمنوا للحجاج سبيلًا ولم يأتوا بابن سعود وقومه قبيلًا اهـ. من كتاب ابن قشوط. ونحن نقول لهم على هذا النمط من المنطق الغريب: ما دامت جريدة الإخلاص مكتوبًا على وجهها الأول (ولتكن منكم أمة) - وما دام مكتوبًا على وجهها الثاني يجب السكوت البات على عوائد الأفراح والأتراح والاحتفالات والمآتم. وما دامت هذه العوائد بعضها منكر وبعضها غير معروف، وما دامت الجريدة وجاردها كالثريدة وثاردها يأكلها ولا تأكله فأصحاب جريدة الإخلاص ليسوا (منكم) وليسوا (أمة) ...! أهـ - بتخليط. هذا فهم دارسي التعقيدات مثلي، وأما الفهم السطحي فهو أن دين أصحابنا هو البدعة وما تفرّع عنها، ومن كفر ببدعهم فهو الكافر في اصطلاحهم، وعليه فالوهّابيون كفّار والمصلحون كافرون. ألم يقل لنا الحافظي- نفعه الله- مرارًا إن لكلّ قوم اصطلاحهم ...! يا قوم- إن الحق فوق الأشخاص وإن السنّة لا تسمىّ باسم من أحياها، وإن الوهّابيين قوم مسلمون يشاركونكم في الانتساب إلى الإسلام ويفوقونكم في إقامة شعائره وحدوده ويفوقون جميع المسلمين في هذا العصر بواحدة وهي أنهم لا يقرون البدعة، وما ذنبهم إذا أنكروا ما أنكره كتاب الله وسنة رسوله وتيسّر لهم من وسائل الاستطاعة ما قدروا به على تغيير المنكر؟ أإذا وافقنا طائفة من المسلمين في شيء معلوم من الدين بالضرورة وفي تغيير المنكرات الفاشية عندنا وعندهم- والمنكر لا يختلف حكمه بحكم الأوطان- تنسجوننا إليهم تحقيرًا لنا ولهم وازدراء بنا وبهم، وإن فرّقت بيننا وبينهم الاعتبارات، فنحن مالكيون برغم أنوفكم، وهم حنبليون برغم أنوفكم، ونحن في الجزائر وهم في الجزيرة. ونحن نعمل في طريق الإصلاح الأقلام، وهم يعملون فيها الأقدام. وهم يعملون في الأضرحة المعاول ونحن نعمل في بانيها المقاول. وما رأيكم في أوروباوي لم يفارق أورباه إلا مرة واحدة طار فيها بطيارة فوقعت به في الهند، فرأى هنديًا يصلّي، ثم طار بها أو طارتْ به فوقعتْ به في مراكش فرأى مراكشيًا يصلّي فقال له: أنت هندي لأنك تصلي، ألا تعدون هذا القياس منه سخيفًا؟ إلّا لا تعدوه كذلك فقد جئتم بأسخف منه في نسبتنا إلى الوهابية.

стр. 122

إننا نجتمع مع الوهابيين في الطريق الجامعة من سنّة رسول الله ﷺ وننكر عليهم غلوّهم في الحق كما أنكرنا عليكم غلوّكم في الباطل فقعوا أو طيروا فما ذلك بضائرنا وما هو بنافعكم. ... ومن المضحكات أن جريدة "الإخلاص" وضعت فوق اسمها آية وتحته حديثًا كأنهما شعار لها ولكنّك لا تكاد تجاوز الاسم وما فوقه وما تحته حتى تجد نفسك وكأنما خرجت من بحر لبرٍ ولا تجد أثرًا ولا رائحة من معنى الآية ولا من معنى الحديث ولا تذوق لهما طعمًا، وتمرّ على صحائفها الأرج بأنهارها وسواقيها فلا ترى إلا دعاء للشر لا للخير ولا ترى إلا بدعًا تشهر وتنصر ومنكرًا لا يغير. ولا ترى من أصحاب الجريدة إلا طائفة قائمة (ثائرة) على الحق تهدمه، وعاكفة على الضلال تقويه وتبرمه وتعظمه وتكرّمه. وعذرهم القائم في ذلك أنهم لو حقّقوا من أنفسهم معنى الآية والحديث لأصبحوا وهّابيين حقًا ولأصبحنا نعيرهم بهذا الاسم كما عيّرونا به والنار ولا العار.

стр. 123

- ٣ - وهم يقولون عنّا لو أسقطوا من حسابهم فلانًا وفلانًا لـ ... ولا يأتون في جواب "لو" هذه بشيء سديد ونحن يحقّ لنا أن (نكاشف) ولو مرة في العمر فدعوني آخذ نوبتي في المكاشفة عن جواب (لو) هذه وهاكم تركيب الجملة "لو أسقطوا من حسابهم فلانًا وفلانًا "لاثنين" لقلنا لهم أسقطوا فلانًا وفلانًا لاثنين آخرين حتى لا يبقى ..." وفاتهم أننا تسعة "كما يقولون" وهذا الإسقاط الذي يطلبونه يتناول اثنين اثنين، فلا بدّ من بقاء واحد. والسر في ذلك الواحد ... وما قولكم في ذلك الواحد إذا صاح صيحة الحق فاجتمع عليه تسعمائة وابتدأ الأمر بأشدّ مما انتهى به. ألا يكون ذلك أنكى عليكم؟ أم تظنون أن تنويمكم ضرب على المشاعر الحسّاسة كلّها، وإن ذكركم ملأ الآذان حتى لم تعد تسمع صيحة الحق، ومتى أنار الدنيا هلال مقنع؟ يا قوم، اظهروا ما تجمعون به وتعالوا نتساقط على الكيف لا على الكم كما تريدون ونحن تسعة كما تقولون وأنتم تسعة آلاف ... فيوشك إن فعلتم أن لا يسقط منا اثنان حتى تسقطوا جميعًا لأن نسبتكم من العمل الذي تدعونه نسبة الزؤان من القمح وعند الغربال الخبر اليقين. إنها لخدعة الصبي على اللبن كما يقول علي، كرّم الله وجهه. على أن المسألة ليست مسألة أشخاص، فنحن نرى أن الإصلاح مبدأ وفكرة وأنتم ترونه زيدًا وعمرًا. ونحن نرى أن هذه الفكرة أو هذا المبدأ إن لم يقم بفلان قام بغيره وأنتم ترون أنه إن لم يكن فلان لم يكن مبدأ. ونحن نرى أن فرقًا بين جمعية تتكوّن حول مبدإ اقتضاه تدبير الاجتماع الإنساني فهي مترابطة بجاذبية مبدإ وهي ذائبة في مبدإ وهي دائبة في العمل للمبدإ وبين جمعية تتكوّن حول نفسها لتنصر نفسها بنفسها فتنصر مدبرًا بمدبر وتدافع ما لا يدفع بما لا يدفع ويكون من أول أكاذيبها على الناس أن تكذب في اسمها.

стр. 124

إن أسوأ السوء في أصحابنا أنهم يقدمون على الأمور الكبيرة بالأنظار القصيرة، وإننا لا نجاوز هذا المقام حتى نكشف للقرّاء الكرام عن حقائق تجب معرفتها لعلّهم يفهمون بها العقد الملتوية من شيوخ الطرق بالأمس وعلماء السنّة اليوم، ويطّلعون على مواطن الضعف من إدراكهم، وإذا أفهمنا المستعدّين للفهم فما علينا أن لا يفهم أصحابنا. وهل نحن معهم إلا كما قال ابن الرومي: ولا أنا المفهم البهائم والطـ ... ير سليمان قاهر المرده إن المتتبع لتاريخ هؤلاء الدجّالين يجدهم لم يخلوا من التحرّق على الإصلاح والتنكّر له في جميع أطواره وعلى اختلاف مظاهره فقد كانوا متنكرين له وهو جنين فلما ظهر في الأفراد ازدادوا له تنكّرًا وعليه نقمة، فلما ظهر في شكل جمعية أجمعوا أمرهم وشركاءهم لحربه بهذه المكائد. ألم تعلموا أنهم قبل أن يظهر الإصلاح بهذا الوطن وتلهج الألسنة باسمه كانوا يلعنون ابن تيمية وابن حزم ومحمد عبده وغيرهم من أئمة الإسلام الذين جهروا بإنكار البدع، فلما ظهر الإصلاح بالمظهر الفردي كان أمضى سلاح يقاومونه به قولهم تيمي، عبداوي. هذا ما نعلمه من حالهم ونستيقنه، ولكن القوم ظهروا في الدور الأخير بأقوالهم وأقوال خطبائهم وعلمائهم وكتّابهم وشعرائهم بمظاهر مختلفة لا تتفق مع تلك الحقيقة وقل هو الجهل أو قل هي الشعوذة. فتراهم يتّخذون الأشخاص هدفًا ويرمون حتى تنفد النبال ويطاعنون حتى تنكسر النصال على النصال فتقول أنت إن القوم لا يقاومون إصلاحًا وإنما يحاربون أشخاصًا لهم معهم تِرَاتٌ وذحول وتراهم كذلك يقولون الإصلاح المزعوم، الوهمي، الكاذب، فتقول أنت إن القوم ينشدون إصلاحًا واقعيًا حقيقيًا صادقًا، ولكنّك تراهم مع هذا وذاك غرقى في البدع الصفاء والمنكرات العمياء وتراهم يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق ويشترطون السكوت عن تلك البدع وتلك الأباطيل لأن لهم وحدهم فيها فائدة- وإن أهلكت الأمة كلها- فتقول أنت وحدك ومن غير عناء، هذا غير الأول، وهذا ليس من ذاك، وهذا ليس يتفق مع الإصلاح المزعوم ولا الحقيقي. هؤلاء هم أصحابنا ببردين من تمويه ومغالطة. ونحن، فقد تعلّمنا منهم قليلًا من التمويه والمغالطة نستعمله عند الحاجة فإن أفاد فالفضل لهم. فلنسأل أصحاب تلك الألسنة الكاذبة وتلك الأقلام الكاتبة سؤالًا هو في الإبهام من نوع علومهم، وفي البساطة على قدر فهومهم فنقول لهم: أي هدف ترمون بهذه الشتائم المصبوبة؟ وأي غرض تقصدون بهذه المكائد المنصوبة؟

стр. 125

فإن كنتم تريدون الأشخاص الذين تصرحون بأسمائهم، وتعرضون بنعوتهم وسيمائهم، فقدخلطتم. وإن كنتم تريدون المبدأ مبدأ الإصلاح حتى تموت هذه الفكرة وتنطفئ هذه الجمرة فقد غلطتم. وإن كنتم ترمون الاثنين لعلمكم أن موت المصلحين موت للإصلاح "والعكس" فقد تهتم في العماية وخبطتم. ثم نقول لهم بشيء من التفصيل: إذا كنتم ترمون الأشخاص لذواتهم كما يظهر من كلامكم لأنهم مصلحون وليسوا بصلحاء كما يبدو لأفهامكم، فطالما ظهرتم بمظهر الناصح بما لم ينتصح فيه، والواعظ بما لم يتعظ به، والمعلم لما هو أجهل الجاهلين له، والكاذب على الله ورسوله وصالح المؤمنين فلم يبقَ لكم محمل تحملون عليه في هذه إلا الغش لأمة محمد. والغش لها مدرجة الخروج منها وأخسر بها صفقة. ثم أية نتيجة تظفر بها أيديكم من وراء رمينا بالتُّهم والشناعات؟ إن كنتم تريدون بذلك تنقيص حظنا من الاعتبار الدنيوي والجاه الكاذب، فقد بعنا حظنا منه بخردلة إلا ما كان في حق الله حتى يقضى، أو في نصر ددينه حتى يرضى. وإن كنتم ترمون الفكرة فكرة الإصلاح فقد طاش سهمكم فإن فكرة الإصلاح حق ومغالب الحق مغلوب ومحاربه محروب- نعم إن الإصلاح حق وما وراء الإصلاح إلا الإفساد وأنتم أهله. وهل بعد الحق إلا الضلال وأنتم خيله الموجفة ورجله، ولكن الحق لا يغلب. وإن كنتم ترمون المصلحين ليموت الإصلاح بموتهم فهذا محل الضعف من إدراككم، فإن الإصلاح لا يموت بموت المصلحين الذين تعرفونهم. وإن الإصلاح أمانة إلهية تنتقل من صدر إلى صدر ولا تدخل مع الميت إلى القبر. فلم يبق لكم محمل تحملون عليه في هذه إلا محادة الحق وقد حقّت عليكم الكلمة ويوشك أن يأخذكم الله بعدله. ثم نقول لهم ما هو أبعد عن أفهامهم وأشدّ منافرة لتصوّراتهم وأوهامهم وهو أن هذه الجمعية التي تحاربونها في أشخاصها ومبدئها قد كوّنتها الأمة وأنتم منها، فهل تكذبون النفس أو تعاندون الحسّ؟ نقول إن هذه الجمعية (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) كوّنتها الأمة، ونزيد القول بأن جميع أفراد الأمة أنصار لها شعروا أو لم يشعروا. ومعنى هذا أنه ما تهيأت وسائل تكوين الجمعية وتهيأت أسبابها إلا بعد أن صارت حاجة من حاجاتها وإلا بعد أن استلزمتها ضرورتها الاجتماعية واقتضتها سنة تعاقب الأطوار، ولماذا لم تنشأ في أول القرن الرابع عشر الهجري أو في أول القرن التاسع عشر الميلادي مثلًا؟ السر في ذلك هو أنها دفعت إلى التكوين دفعًا بعوامل أقواها الشعور بحق كان مهجورًا وبحال أمثل من الموجود كان مقبورًا.

стр. 126

لعلّ في هذا التقسيم غموضًا وسببه أمران: الأول أنه مأخوذ من حال أصحابنا، وآخر ما أخذ من الغامض أن يكون غامضًا، والثاني أنني "بوجادي" (١) فيما تعلّمته من أصحابنا. - ومن المؤسف أن كانت التجربة في هذا الفصل- فهاكم الحقيقة في موضوعنا. أسباب تكوين جمعية العلماء المسلمين طبيعية . إن مما لا يفهمه أصحابنا علماء السنّة، أن الأسباب الداعية لتكوين جمعية العلماء طبيعية، وأن رجالها القائمين عليها أدوات ليست مقصودة بالذات، وأن جماعة يؤخرها الانتخاب ويقدّمها ويوجدها الاختيار ويعدمها لهي فكرة خالدة خلود الجبال. فجمعية العلماء المسلمين ومبدؤها الإصلاحي الديني هما في الحقيقة شيء واحد. هما فكرة معتصرة من حال الأمة الجزائرية المسلمة في اجتماعها ومن حيث إنها أمة قابلة للتطوّر، وقد اقتضاها الوجود فوجدت والتزمها التطوّر فظهرت، وقد حان حينها وشبت عن طوق الخفاء فتكوّنت كالنبتة يراها الرائي ضعيفة طرية ليّنة ويراها مع ذلك تشقّ الأرض الصلبة والتراب المتماسك في طريقها إلى الكمال، وما لقوّة النبتة خضعت الأرض الصلبة ولكن لقوّة الحياة وسلطان الوجود. ومن يسدّ طريق العارض الهطل؟ وعلى هذا فلو لم تقم هذه الفكرة بهؤلاء الأشخاص لقامت بآخرين مثلهم، فإذا رماهم الزمان بطائفة مبطلة مثل أصحابنا رماها الله بخذلان من عنده حتى يبلغ الحق مداه وتتمّ كلمة الله فيه. إن الجمعيات لا تبقى ولا يضمن لها الدوام إلا إذا كان في المعنى الذي أسّست لأجله عنصر من عناصر التجديد لطائفة أو لأمة وتكون قواعد العمران وأصول الأديان مقتضية له في حياة تلك الأمة الروحية أو المادية. وما من جديد في حياة الأمة إلا وله أصل اندثر وذهبت منه العين أو الأثر، فتقوم الجماعات أو الجمعيات بإحيائه أو تجديده فيكون لمعنى الاجتماع- وفيه قوّة- مؤازر من معنى الجدة وفيه قوّة أخرى، فتصير القوّتان للجمعية بمثابة جناحين تطير بهما إلى الكمال. وليست بهذه القوة ولا بهذه المثابة، الجمعيات التي تؤسّس لإبقاء قديم على قدمه وحال على ما هي عليه كمن يؤسس جمعية بني فلان لأنهم بنو فلان لا لمعنى آخر زائد على ذلك يجلب لهم نفعًا جديدًا، أو، يعلمهم عملًا مفيدًا أو يدفع عنهم ضرًا مبيدًا، أو يقتضي لهم من الكمال؟ مزيدًا. وكمن يؤسس جمعية الفلّاحين لأنهم فلّاحون فقط، لا لمعنى آخر

стр. 127

جديد يصلح فاسدهم أو ينقلهم من صالح إلى أصلح. وكمن يؤسّس جمعية للأميين ليبقوا أميين، أو جمعية الضُّلَّال ليبقوا على ضلالهم، أو جمعية العمي ليبقوا على عماهم، لا شيء آخر زائد على ذلك. فمثل هذه الجمعيات التي ضربنا بها الأمثال لا تدوم- إذا وجدت- لخلوّها من عنصر الجدة المقتضي للنمو والتكامل. وقد وجد منها نمط على سبيل المثال وهو جمعية علماء السنّة. فكان ذلك النمط مثالًا للمعدوم وكان ذلك النمط شاذًا في بلاد الشذوذات والاستثناآت. وقد أراد أصحاب ذلك النمط الشاذ أن يفرضوه فرضًا على سنن الله في كونه، وإن سنّة الله لكفيلة بطرحهم وطرح نمطهم فليرتقبوا ... وإذا كان في العلم ما يفيد فإن في بعضه ما ينكي ويغيظ وهو ما نعلم به أصحابنا شيوخ الطرق من طبائع الجمعيات وأمزجتها وما تفرغه على الداخلين فيها من ألوان، فهم يجهلون هذا كله، ولولا جهلهم به لما أقدموا على الدخول في جمعية علماء السنة، ولفرّوا منها فرار السليم من الأجرب، ولكان أهون الشرّين عليهم شرّ الإصلاح ولكن لا بدّ من مصداق لقول الشاعر: يقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن فاسمعوا أيها الشيوخ الفضلاء، نعلمكم احتسابًا ولا نسألكم على هذا التعليم أجرًا، ولو كنّا نضمر لكم غشًا لغششناكم في هذه النقطة لأن النصح فيها لا يتفق مع مصلحتنا، فاسمعوا: إن من طبيعة هذه الجمعيات التي كنتم منها في أوسع عافية لولا أن الجأكم إليها (هم الزمان) أنها تغطي على الأسماء والألقاب وهي رأس مالكم، وأنها تقضي على الشهرة والصيت وهي حبائلكم وشباككم التي تصطادون بها العامّة. ومن مزاجها أنها تسوي بين الناس في السمعة، حتى يصير القنديل كالشمعة، ويوازن البحر بالدمعة، وهذا شيء لا يوافق مزاجكم المعجون بالأنانية والاستئثار. ومن ألوانها التي تصبغ بها الداخلين فيها المناوبة في الكلام، والسؤال والجواب والأخذ والرد والإيراد والدفع والمواجهة بالتكذيب وقول لا، ولماذا؛ وهذه كلها أشياء ثقيلة على مزاجكم اللطيف لم تتعوّدوها ولم توطنوا أنفسكم عليها، وإنما تحسنون من هذا كله نوعًا مخصوصًا في مقامات مخصوصة مع قوم مخصوصين رضتموهم على أن يجتمعوا حولكم ويستمعوا قولكم، فتقولون لهم قال الله فيما تقولتموه، قال رسول الله فيما قال مسيلمة، فلا يعتقدون إلا أن ذلك كما قلتم. ولقد قال رجل منكم- وكلكم ذلك الرجل- لأتباعه وهو يحضهم على دفع المغرم للزاوية: يَالَخْوان (٢)، قال الله: لا تنالوا البر والبحر حتى تنفقوا، فقالوا جميعًا صدق الله.

стр. 128

إن مزاجكم، أيّها الشيوخ، ومزاج الجمعيات شيئان متنافران وإنما تتفقون معها في واحدة هي أغيظ لكم مما نافرتموها فيه، وهي أنها مثلكم تأخذ من أتباعها ولا تعطيهم، ولا أثقل من اشتراكات الجمعية إلا طلعة جابيها على نفوس تعوّدت أن تجبى إليها ثمرات كل شيء. هذه حالتكم التي نعرفها لكم ونعرفكم عليها فهل تتنزلون من علياء سماواتكم حين تدعون إلى الحضور في جمعية علماء السنّة فتستجيبون؟ وهل تخلعون رداء الكبرياء والأنانية فتتنازلون إلى المساواة مع بعضكم وإلى مساواة واحد منكم لأتباعه إذا قدّر لهم أن يتشرّفوا بالحضور معه خصوصًا إذا جاء وقت الانتخاب، وقيل فلان (الخوني) فاز وفلان "الشيخ" خاب، وهل توطّنون تلك النفوس المدللة، التي تعوّدت أن تأمر ولا تؤمر، وأن تقول ولا يقال لها، وأن لا تجاب إلا بـ "نعم سيدي" وتلك الآذان التي ألفت سماع (يا سيدي معروف دعوة الخير) وتلك الأيدي التي ألفت التقبيل- من المهد- على الفطام مما ألفت وتعوّدت؟ ومن العناء رياضة الهرم. لهفي على تلك الأسماء التي كانت ترنّ في الآذان، وتنادى من (قاصي الأوطان) وتحدى بها الركبان، وتهينم بها الرهبان. وقد ذابت في اسم واحد وهو جمعية علماء السنة كما تذوب البدعة في الوهابية. ولهفي على تلك الآراء التي كانت كأنها التنزيل تقابل بالوجوم والاطراق، ولا تعارض ولا تراجع، وقد صارت في هذه الجمعية السخيفة تعارض بقول سخيف: "ينظهر لي (٣) يا سي الشيخ رأيك هذا ما يصلحش بنا (راك غالط فيه، ويلزمك تسحبو) " ... له الويل .. وبفيه الحجر ... وما معنى (يسحبو) .. وهل لم يجد من يقول له هذه الكلمة إلا لمن لم يتعوّد أن (يسحبوا) .. أولى لك يا ابن البربرية ولو غيرك قالها ... ولو في غير هذه الجمعية المسخوطة قلتها ... إذ لتناولتك الهراوي من يدي العربي والشاوي. لا تظنّوا، أيها الفضلاء، أنني ساخر بكم، لا، وحقكم إنني لجاد، ولقد أخذني من الرقّة لكم في هذا المقام ما لم أعهده من نفسي، وأنفت لتلك الأسماء المشهورة أن تصبح في جمعية علماء السنّة مقبورة، وتلك الأوامر المطاعة، أن تصبح بين أمثال ذلك السخيف مضاعة، ولكنّكم أنزلتم أنفسكم بهذه المنزلة فسلوا من جرّكم لماذا جرّكم، أليفيدكم أم ليبيدكم؟ وإني لا أرجو منكم على هذه النصيحة أن تشكروني بلفظة ولا أن تنظروني بلحظة.

стр. 129

جمعيّة العلماء: دعوتها وغايتها* (الخطاب النفيس الذي ألقاه الأستاذ البشير الإبراهيمي، نائب الرئيس، مساء الثلاثاء٤ ربيع الأول الماضي، اليوم الثاني للاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين). ــ نبتدئ الكلام باسم الله وحمده، وبالصلاة والسلام على سيّدنا محمد بن عبد الله رسول الله وعبده، وبالرضى عن آله وأصحابه أنصار الحق وجنده، المؤمنين بعهده، المصدقين لوعده، وباستنزال الرحمة الشاملة على أئمة الهدى ونجوم الاقتداء الذين طالما ساورهم الباطل بسلطانه وأَيْدِه وكاثرهم بجموعه وحشده، ودمدم عليهم بهزيمه ورعده- فما وهنوا عند ارخائه، وما استكانوا عند شدّه، وما انخدعوا لهزله ولا لعبوا عند جده- وعلى عباد الله الصالحين المصلحين الذين وقفوا عند شرعه وحده، وأخلصوا عملهم لله بيقين القلب وعقده، وابتلاهم الله بالشر والخير فتنة فقالوا كُلٌّ من عنده، ووفقهم لفهم حقائق الأشياء فما التبست عليهم المعاني ولا سموا الشيء باسم ضدّه. ونحيي بتحيات الله المباركات الطيّبات هذه الوجوه النيّرة وما تحتها من نفوس خيّرة. من كل مدعو إلى الخير مجيب وداع إليه قد أجيب. وندعو لما دعا له كتاب الله من تأكيد الأخوة، والأخذ في أسبابها بالقوّة. وندعو للعلم الذي هو سلّم السعادة ورائد السيادة، ونستعيذ بالله من شر التفرّق- الذي حذّر منه الرحمن ودعا إليه الشيطان- فنحن عباد الرحمن والواجب علينا امتثال أمره، وأعداء الشيطان والواجب علينا اتقاء شرّه واجتناب مكره.

стр. 130

أيها الإخوة الكرام، لعلّكم تظنون أنكم ستسمعون موضوعًا مبتكرًا أو خارجًا عن متعلقات جمعية العلماء، وما دام قدومكم لأجل جمعية العلماء وقلوبكم مع جمعية العلماء وركوبكم المشقات والأتعاب في سبيلها، فليكن حديثنا كله لا يخرج عما يتعلق بجمعية العلماء، وأن هذه الجمعية- بمقاصدها وغاياتها- لموضوع يأتي على مواضيع القول كلها، وأن القول فيها ليستغرق أوقات القائلين. وقد جمعكم الله وأنتم أنصارها وذووها في صعيد واحد كأنكم تقولون هذا هو المظهر، ومن ورائكم أعدادكم ممن قعد بهم العجز أو حالت بينهم وبينها الأعذار، وقد أرسلوا بالبرقيات والكتب وفيها ما سمعتم. فكأنهم يقولون وهذا هو المخبر. ولعلّ أروع ما شهدته الجزائر في تاريخها الحديث هو اجتماع هذه السنة، ولعل غرة أيامها في هذا التاريخ يومان هما أمسكم ويومكم. وأين تقع تلك الاجتماعات الضخمة التي كانت تشهدها فتشهد المظاهر الفخمة على المخابر الوخمة، وتشهد أشتاتًا من الناس لأشتات من المقاصد والغايات- من اجتماع وحّدته الغاية التي لها يعمل حتى كأن من فيه رجل واحد، ووحّدت الغاية رأيه فهو رأي واحد وقبل ذلك وحَّده الحق فجاء أفراده من النواحي المختلفة بسائق واحد وشعور واحد. هذا مظهر الجمعية وهذا مخبرها من حيث القوة والمتانة والمقام والمكانة، فأين مظهرها وأين مخبرها في العمل الذي أسّست لأجله؟ إن جمعيتكم هذه أُسّست لغايتين شريفتين، لهما في قلب كل عربي مسلم بهذا الوطن مكانة لا تساويها مكانة، وهما إحياء مجد الدين الإسلامي وإحياء مجد اللغة العربية. فأما إحياء مجد الدين الإسلامي فبإقامته كما أمر الله أن يُقام بتصحيح أركانه الأربعة: العقيدة والعبادة والمعاملة والخلق، فكلّكم يعلم أن هذه الأركان قد أصبحت مختلّة، وأن اختلالها أوقعنا فيما ترون من مصائب وبلايا وآفات. اختلّت العقائد ولابسها هذا الشوب من الخرافات والمعتقدات الباطلة فضعفت ثقتنا بالله ووثقنا بما لا يوثق به. واختلّت العبادات فخوت النفوس من تلك الآثار الجليلة التي هي سر العبادة والتي هي الباعث الأكبر على الكمال الروحي. واختلّت الأحكام فانتهكت الحرمات واستُبيحت المحرّمات وتفكّكت روابط الأسرة الإسلامية، وقطعت الأرحام وتعادى المسلمون وتباغضوا وتنكّر الأخ لأخيه، وضعف الوازع الديني الذي يهيئ النفوس للانطباع بطابع واحد فأصبحت مستعدّة للتكيّف بما يقبح وما

стр. 131

يحسن- ثم غلب ما يقبح على ما يحسن فخرجت الفضيلة الإسلامية من عقل المسلم ومن نفسه وحلّت محلها الرذيلة- ثم جاء الاحتكاك بالأجانب عن هذا الدين ومعهم عاداتهم وأخلاقهم فوجدت السبيل ممهدًا، ووجدت نفوس المسلمين عورات بلا مدافع ولا محام فتمكّنت فيها ومكّنت لغيرها، والشر يعدي، وكان من نتائج ذلك ما ترون من انحلال وتفكّك. ولو كنّا نعبد الله حق عبادته ونبني العبادة الخالصة على عقيدة خالصة، لكان من آثار تلك العبادة في نفوسنا ما يقيها من شرور هذه العوائد العادية. واختلّت الأخلاق وفي اختلالها البلاء المبين، وان الأخلاق في دينكم هي شعب الإيمان، فلا يختلّ خلق إلا وتضيع من الإيمان شعبة. وقد أجمع حكماء الأمم على هذه الحقيقة التي قرّرها الإسلام بدلائله وأصوله وهي أن الأمم لا تقوم ولا تحفظ وجودها إلا برسوخ الأخلاق الفاضلة في نفوس أفرادها. ولهذا نرى الإسلام يأخذ في شرطه على أبنائه أن يتآمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر، ويبدئ في هذا المعنى ويعيد، ويضرب الأمثال ويبيّن الآثار، ويلفت النفوس إلى الاعتبار بمن مضوا وإلى سنن الله الخالية فيهم. لو لم يكن من أصول دينكم، أيها الإخوة، وتعاليمه إلّا هذا الأصل- وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- لكفاه دلالة على أنه دين اجتماع وعمران وحياة وبقاء، ولو لم نُضِع- فيما أضعنا من تلك الأصول- إلا هذا الأصل لكفانا مقتًا واستحقاقًا لغضبه واستبداله بنا قومًا غيرنا. وأما إحياء مجد اللسان العربي فلأنه لسان هذا الدين والمترجم عن أسراره ومكنوناته، لأنه لسان القرآن الذي هو مستودع الهداية الإلهية العامة للبشر كلهم، لأنه لسان محمد بن عبد الله ﷺ صفوة الله من خله، والمثل الأعلى لهذا النوع الإنساني الذي هو أشرف مخلوقات الله، ولأنه لسان تاريخ هذا الدين ومُجَلّي مواقع العبر منه، ولأنه قبل ذلك وبعد ذلك لسان أمة شغلت حيّزًا من التاريخ بفطرتها وآدابها وأخلاقها وحكمها وأطوارها وتصاريفها في الحياة، ودولها في الدول، وخيالها اللامع الخاطف الذي هو أساس فنّها وآرائها في عالمي الكون والفساد. وكلّكم يعلم أن هذا اللسان ضاع من بيننا فأضعنا بضياعه كل ذلك التراث الغالي النفيس من دين وتاريخ، وأن اللغة هي المقوّم الأكبر من مقوّمات الاجتماع البشري، وما من أمة أضاعت لغتها إلا وأضاعت وجودها، واستتبع ضياع اللغة ضياع المقوّمات الأخرى.

стр. 132

ويأبى لكم الله والإسلام أن تضيعوا لغة كتاب الله ولغة الإسلام. يأبى لكم الله إلّا أن ترجعوا إليها لا لتحيوها، بل لتحيوا بها الفضيلة الإسلامية في نفوسكم ولتحيوا بها الحياة التي يريدها الله منكم، فجمعيتكم- بعون الله وبفضل هممكم- تركب لهاتين الغايتين من الوسائل كل ممكن، فمن محاضرات ودروس عامّة إلى دروس خاصّة إلى تنشيط وإرشاد لهذين، وهي تعتمد في الإعانة على القيام بهذا العهد الذي قطعته على نفسها- بعد الله- على كل من يصله صوتها من أبناء هذه الأمة، وهي تعتقد أنها لا تستغني عن الإعانة من أنصارها مهما قلت، وأنها لا تستغني عن حنكة الشيب وتجاريبهم، ولا عن اعتدال الكهول وحكمتهم ولا عن نشاط الشبّان وفتوّتهم، وإن تكافل هذه القوى الثلاث سيخرج للأمة الجزائرية جيلًا مزودًا بالإسلام الصحيح وهدايته والبيان العربي وبلاغته، عارفًا بقيمة الحياة سبّاقًا في ميادينها متحليًا بالفضائل عزوفًا عن الرذائل، عارفًا بما له وما عليه واقفًا في مستقر الحقيقة الواقع، لا في ملعب الخيال الطائر. أيها الإخوة الكرام، ليس من معنى سعي جمعيتكم لهاتين الغايتين أنها تعرض عما سواهما، وأنها لا تقيم الوزن لهذه العلوم التي أصبحت وسائل للحياة أو هي الحياة نفسها- كما ظنه الظانون بهذه الجمعية، فظنوا بها ظنّ من لم يفهم شيئًا من حقيقتها- فهي تعمل للغايتين وتعمل لما وراء الغايتين من كل نافع مفيد لا ينافي كليات الإسلام وأصوله. وإن في سماحة الإسلام الذي تدعو إليه، وفيما هو مقرّر في مقاصده من عدم التحجير على العقول أن تفكّر وعلى الأيدي أن تعمل، وعلى الأرجل أن تسعى، وعلى الألسن أن تتفتّق بكل مفيد، إن في كل ذلك لجوابًا للظانّين وردًا على ما ظنّوه. هذه هي غاية الجمعية التي تسعى لها وتبذل كل عزيز في الوصول إليها- وسواء تبدّلت الإدارة أو بقيت، وسواء واجهها الدهر بالبشر والطلاقة أو بالتجهّم والعبوس، وسواء أحسنت العبارات تأدية معناها للناس أو لم تحسن، وسواء خفّت لهجات الناشرين لدعوتها أو اشتدّت- فتلك هي الغاية، وتلك الحالات كلّها إنما هي أعراض تسرع بالجمعية في الوصول إلى الكمال أو تُبطئ، ولكنها لا تخرجها عن مبدإ ولا تزحزحها عن جادته. وإننا نبتهل إلى الله أن يقيّض لها في كل دور من أدوارها رجالًا مخلصين حكماء يستلمونها بيضاء نقية ويسلّمونها لمن بعدهم أشدّ ما تكون بياضًا وأشدّ ما تكون نقاءً، ويتلقّونها وهي أمانة وعهد فيؤدونها لمن بعدهم وهي أمانة وعهد. وأن يمكن لهم من وسائل التيسير كل ما عجزنا عنه وأن يسدّد خطاهم في حملها، ويشدّد عزائمهم في الدفاع عنها، وأن يقوّي بصائرهم في تحمّلها وأدائها، فما هي بميثاق الفرد للفرد ولكنّها عهد الجيل للجيل.

стр. 133

أيها الإخوة الكرام، إني لم أرَ مثلًا أضربه لجمعيتكم هذه، وهي لم تزل في المهد، إلا شيئًا نسمّيه تباشير الصبح، هو تلك اللمع المتفرقة من النور في الشرق قبل أن ينشقّ عمود الفجر، يرتاح لها الساري في ظلمات الليل؛ لأنه يرى فيها العنوان الصادق على قرب الخروج من المعاسف والخبط في مضلّات السبل. ويرتاح لها المهموم الساهر الذي يبيت يراعي النجوم لأنه يرى فيها متنفسًا لهمّه وسببًا لسلواه وإن لم تكن حدًا لبلواه. ويرتاح لها المقرور الشاتي لأنه يرى فيها مخايل من آية النهار. ويرتاح لها الناسك لأنه يسمع فيها الداعي المثوب بعبادة ربّه. ويرتاح لها الشاعر لأنه يرى فيها مسرحًا لخياله وأفقًا لروحانيته. ويرتاح لها العامل الملتذ بعمله لأنه يرى فيها الأَمَارة المؤذنة بقرب وقت العمل. ولكن هل يدرك النائمون شيئًا من تلك اللذة؟ نعم إن جمعية العلماء هي تباشير الصبح وسترونها تتصدّع عن فجر صادق، ثم عن شمس مشرقة. أطال الله أعماركم، أيها الإِخوة، حتى تتملّوا بكل ما في تلك الشمس من إشراق ونور وبهاء وجمال، وبكل ما تحمله تلك الشمس من أسباب الحياة.

стр. 134

ثلاث سنوات من عمر جمعيّة العلماء* ألحّت طائفة كبيرة من حاضري الاجتماع العام على الأستاذ الإبراهيمي أن يقول كلمة على أثر تلاوة الرئيس للتقرير الأدبي المنشور بهذا العدد من الشهاب، فارتجل خطبة بليغة كان لها وقع عظيم في نفوسهم فألحّوا عليه مرة أخرى أن يلخّص لهم تلك الخطبة لتنشر على قرّاء الشهاب في هذا العدد الخاص بالجمعية ففعل، وكتب ما وعته ذاكرته وذاكرة بعض الإخوان الحاضرين من معاني الخطبة وكثير من ألفاظها، وها نحن ننشرها شاكرين تفضّله، قال (١): ــ أيها الإخوة الكرام، ثلاث سنوات مرّت على هذه الجمعية المباركة وكانها يوم مر أو ليلة تقضت بالسهر، فإذا كانت المبادئ تدلّ عدى الخواتم فستمرّ عديها- إن شاء الله- السنون الكثيرة، وستستقبدها نامية مباركًا فيها، فلا تستقبلها إلا كما يستقبل الصائم عيده مثولة وأجرًا، واطراح كلف، والملجج في البحر صعيده، فرحً! وبشرى واستدبار تلف، ولا تستقبلها إلا عن سنة تحيا وبدعة تموت وحق يُشاد وباطل يُهدم، وحقيقة تثبت ووهم يتلاشى وفضيلة تنشر ورذيلة تقبر. ثلاث سنوات مرّت من عمر الجمعية وما هي بالشيء الكثير في أعمار المبادئ والمشاربع التي تستمدّ حياتها من العناصر الخالدة، وإن كانت شيئًا كثيرًا في أعمار الكائنات الحسية التي تستمذ حياتها من العناصر الفانية. ثلاث سنوات مرّت فعددنا مبدأها باليوم والشهر والسنة إذ كان من حق التاريخ أن يقول عنها كلمة، ومن حق هذه الكلمة أن تكون منتظمة ومن حق النظام أن يكون على وضع زماني مخصوص.

стр. 135

ثلاث سنوات مرّت على هذه الجمعية كما تمر لياليها السوداء على هذا البحر الأخضر فيعدها ولا تعده. وإذا كان أولها- وهو يوم- مبدأ لوجود الجمعية اصطلح عليه الناس يوم اصطلحوا على أن يقولوا: ولد فلان ومات فلان، فلا يكون بين وجوده وعدمه إلا مراحل تنتهي بيوم، فهل من معنى هذا أن لهذه الجمعية مراحل في الوجود تنتهي بيوم؟ كلا. إن وجود هذه الجمعية هو وجود الحقائق الخالدة، وإذا كانت تعمل لمعنى لا يحدّه الزمان فهيهات أن يحدّها ليل ونهار. إن هذه الجمعية كالسحاب ساقه الله إلى بلد ميت فلا يقلع حتى يحييه، وإذا كان إحياء المطر للأرض معنى فوق التحديد فكذلك معنى هذه الجمعية، وان سائق المطر للبلد الميت هو سائق هذه الجمعية لهذا الوطن المشرف على الموت. وإن جاعل المطر سببًا في إحياء الأرض هو جاعل هذه الجمعية سببًا في إحياء هذا الوطن، فليكفكف المبطلون من غلوائهم وليقصر المرجفون عن إِفكهم وليعلموا أنه لا راد لما الله سائقه وأنهم ليسوا، وإن اجتمعوا، بمعجزي الله. إن الحد الأخير الذي يحدده التاريخ لهذه الجمعية هو اليوم الذي يصبح فيه المسلمون كلّهم بهذا الوطن ولا مرجع لهم في التماس الهداية إلا كتاب الله وسنّة رسوله، ولا سلطان على أرواحهم إلا الله الحي القيوم، ولا مصرف لجوارحهم وإرادتهم إلا الإيمان الصحيح تنشأ عنه الأعمال الصحيحة فتثمر آثارًا صحيحة. هو اليوم الذي يصبح فيه المسلمون إخوانًا متناصرين أو أعوانًا متآزرين تجمعهم جامعة القرآن وإن فرّقت بينهم المناسب والأوطان. هو اليوم الذي يصبحون، وقد حطّموا القيود والأغلال التي أثقلتهم فذهبت بدينهم ودنياهم من أهواء اتّبعوها، وبدع في الدين ابتدعوها، وسفاسف ما أنزل الله بها من سلطان افتجروها واخترعوها. يوم يصبحون كما كان سلفهم ذاتًا واحدة تدبرها روح واحدة وتصرفها إرادة واحدة. يوم يصبح المسلمون متساوين في العبودية لله لا يعبدون غيره ولا يدعون سواه، ولا يسلمون وجوههم إلا إليه ولا يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله. وقد عرفوا المقامات الثلاثة فأعطوا لكل مقام حقّه غير منقوص- عرفوا مقام الألوهية فأعطوه ما يستحق من توحيد وتمجيد، وعرفوا مقام النبوّة فأعطوه ما يستحقّ من تعظيم واحترام واقتداء وتأسٍّ، وعرفوا مقام أنفسهم فأعطوها ما تستحقّ من تزكية وتكميل بالاستقامة على صراط الدين، والتسابق إلى التفاضل بالتقوى والاهتداء بسنن الله في كونه وبسننه في دينه.

стр. 136

أيها الإخوة الكرام، يقول فريق من الناس ممن لم يرزق صوابًا في الرأي ولا سدادًا في التفكير، إن الجمعية فرّقت كلمة الأمة وجلبت عليها الاضطراب والفتنة والتشويش، في كلمات من هذا القبيل لا تصدر إلا ممن لم يعرف موقعه من الأمة ولا موقع الأمة منه، وليت شعري، متى كانت هذه الأمة مجتمعة حتى يقول قائل إن الجمعية فرّقتها؟ وأنّى لها أن تجتمع، وان أمامها في كل طريق ناعقًا ينعق باسم طريق وداعيًا يدعو إلى التفريق؟ بل كيف تجتمع وللشيوخ فيها ما للذئاب الضارية في قطيع الغنم؟ أم كيف تجتمع والشيوخ قد قسموها إلى مناطق نفوذ، وأحاط كل شيخ رعيته بأسوار منيعة من الترغيب والترهيب؟ كيف تجتمع وأتباع كل طريقة يعتقدون أنهم أهدى سبيلًا من أتباع بقية الطرق، وأن طريقتهم تضمن لسالكها الغنى في الدنيا وحسن الخاتمة عند الموت، وإن قتل النفس التي حرّم الله بغير حق؟ أم كيف تجتمع وفيهم من يرى من واجبات طريقته ومن شروط المحافظة عليها أن لا يصلي خلف طرقي آخر يخالفه في الطريقة- وإن اشتركا في لقب الإسلام- لا لشيء سوى ذلك؟ ونحن نقول لهم إذا كانت الأمة قبل اليوم متفرّقة وكلها على باطل، فهي اليوم- بحمد الله وبفضل هذه الجمعية- متفرقة وبعضها على الحق. وإن أهون الشرّين ما بعضه خير. ويقول فريق آخر إن هذه الجمعية ضالّة مضلّة، وإنها عاملة على هدم الدين في ألفاظ محوكة على نول من الباطل، وهؤلاء القائلون موتورون، والموتور معذور، فهم يتحاملون على الجمعية ويحملون لها بين جنوبهم مكائد وأضغانًا ويرون أنه لا يتم وجودهم إلا بعدمها، وقد ناصبها هذا الفريق العداوة من يوم تأسيسها، ورأى فيها نذير الشؤم وطائر النحس، ولمح فيها زوال سلطانه المحدود على هذه الأمة الضعيفة، فهو يرمي هذه الأقاويل بين أظهر الغافلين للنيل من كرامة الجمعية والتنقيص من قيمتها، إذ أعجزهم أن يقابلوا حقّها بباطلهم، وقد كانت هذه الطوائف كثيرة فقلّلها الله، ومعتزة بباطلها فأذلّها الحق. ولو أن هذه الطائفة أوتيت قليلًا من الرشد والإنصاف لكانت للجمعية مكان الأخ من أخيه، ولحمدوا لها سعيها في خدمة الأمة، ولعادوا من نحلهم المفرّقة إلى دعوتها الجامعة التي هي دعوة الله لخلقه على لسان أنبيائه. ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 137

أيها الإخوة الكرام، إن هذه الجمعية التي هببتم لنصرها هي من جهة فكرة، وهي من جهة أخرى مشروع، وقد قام أفراد من أعضائها بخدمتها من الوجهة الأولى وبلغوا بها إلى درجة تغبط، وما كنا لنطمع بالوصول إليها في هذه المدة الوجيزة، وإن من أظهر آثار هذه الخدمة ما نراه من تيقّظ غشي الطبقات كلها، وما نراه من إشراق بدأَ يدبّ إلى مكامن السرائر من النفوس. وأما خدمة الجمعية من الوجهة الثانية، وهي أنها مشروع يسير بنظام، ويدار على أعمال تحتاج إلى مدد من رأي ومدد من مال، فالله يشهد أننا كلّنا مقصّرون في هذه الناحية تقصيرًا لا يغتفر. فقوموا بالواجب، أيها الإخوان، من خدمة المشروع كما قام إخوانكم بواجبهم في خدمة الفكرة، وإني أعيذكم بالله أن تكونوا من المقصّرين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 138

مُلخصُ خطاب ألقي بنادي الترقّي* . طلبنا من الأخ محمد البشير الإبراهيمي أن يلخّص لنا خطبته التي ارتجلها في المأدبة التي أعدّتها إدارة نادي الترقّي العامر لمجلس إدارة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بعد انفضاض الاجتماع العام، فكتب لنا ما وعته ذاكرته منها، وها نحن ننشرها على قرّاء الشهاب تخليدًا لها وحرصًا على جمع أكثر ما قيل في هذا الاجتماع، وهذا نص ما كُتب (١): ــ أيها الإخوة الكرام، إن هذه الأمّة الجزائرية أمّة واحدة ولا كلام، ربّها الله وإمامها القرآن ونبيّها محمد ولغتها العربية ودينها الإسلام. وإنها تحمل ما تحمله الأمم من المقوّمات الكلية، وإن كانت لا تحمل ما تحمله الأمم من المؤهلات للحياة. وقد أخذت تشعر بنقائصها الاجتماعية وأخذت تتلمّس سبل الهداية لسدّ تلك النقائص، وتجلّى هذا الشعور في رغبتها الصادقة في العلم، ورغبتها الصادقة في التعارف والاجتماع، ومن الشواهد التي لا تُنكر والبيّنات التي لا يكابر فيها على هاتين الرغبتين ما رأيتموه بأعينكم في هذا النادي من اجتماع علماء الأمة ومتعلميها ومؤيدي العلم فيها، وما سمعتموه بآذانكم من الصرخات الداوية في رحاب هذا النادي. أيها الإخوة، إن أخوف ما نخافه على هذه الأمّة- وهي في الخطوة الأولى من نهضتها- أن تتشابه عليها السبل ويضيع صوابها بين تفاؤل المتفائلين وتشاؤم المتشائمين- وان تكبو في غبار هذه المشادات القائمة وفي ميدان الأنظار المختلفة- في أي الطرق هي أقرب للغاية وأمكن منها وأشد ملاءمة لروح الأمّة.

стр. 139

إن اختلاف الأنظار في أوائل نهضات الأمم ضروري وطبيعي ولكنه قد يطغى فيه غير المعقول على المعقول، فيكون ذلك عائقًا للسير ومطيلًا للمدة وقاطعًا عن التقلّم ومميتًا للشعور. أيها الإخوة، إن المهمة التي تقوم جمعية العلماء المسلمين بأدائها- وهي السير بهذه الأمّة إلى الحياة من طريق العلم والدين- هي أقوم الطرق وأمثلها وأوفقها لمزاج الأمة. وسيأتي يوم توضع فيه الموازين القسط للعاملين وستتبين الأمة الأوفياء من الغادرين والنصحاء من الغاشين، وستجزي هداتها تكرمة وذكرًا في الآخرين. أيها الإخوة، أنا لا أعتد من هذه الأمة بملايينها الستة، وهي على الحالة التي نراها عليها من التفكّك والتخاذل وضعف البصائر في دينها ودنياها، ولا أَعْتَدُّ من عناصر الحياة فيها إلا بهذا العنصر الذي بدأ يتكوّن حول عقيدة واحدة ومبدإ واحد، معتصمًا بالحق متسلّحًا بالصبر والثبات، متدرّعًا بالفضيلة، عالمًا أن الحياة في الدنيا للعاملين وأن العاقبة في الآخرة للمتّقين، وأن سنة الله كفيلة بذوبان العناصر الضعيفة كلها، وسيغتالها الجوع العقلي لأنها لم تعلم، وسيغتالها الجوع البدني لأنها لم تعمل، فلا يبقى إلا هذا العنصر المستعدّ للبقاء. فعلى العاملين من قادة هذه الأمة وهداتها أن يتعاهدوا هذا العنصر النامي بالعناية، وأن يحوطوه بالرعاية، وأن يأخذوا بيده إلى الكمال الذي استعدّ له، فلا يمضي زمن حتى تتكوّن لنا أمّة صحيحة العقول، صحيحة العقائد، صحيحة التفكير صحيحة الأبدان، صحيحة الأعمال. تلك هي الأمة التي نرجوها ونعلّق عليها الآمال. تلك هي الأمّة التي تمحو سيّئاتنا بحسناتها، ونتّكل عليها أن تثأر لنا من الزمان، وأن الاتكال على الضعيف ضعف، وأن الاتكال على القويّ قوّة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 140

عرض الحالة العلميّة* (المحاظرة التي ألقاها الشيخ في صباح اليوم الثالث من أيام الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين). ــ الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة الكرام، إن موضوع هذه المحاضرة- عرض الحالة العلمية- هو ثمرة اقتراح اقترحه علي الأخ الرئيس (١) بالأمس، فمن حقّه علي أن أشكره على إرشادي لموضوع قد يكون مفيدًا إذا جمعت أطرافه، ولكن أنّى لي ذلك وإن غيري لأملك به منّي. ولو ان الأخ الرئيس- سامحه الله- سلّط على هذا الموضوع نظرات المؤرّخ الصائبة المستقصية لكان خيرًا وأحسن تمثيلًا، وإذا كان من حقّه عليّ أن أشكره فمن حقّي عليه أن أحمِّله حظه من عهدة التقصير فيما قصرت فيه من موضوع يحتاج إلى بصيرة نافذة وذهن نيّر ووقت متّسع وأنا لا أملك شيئًا من هذه. وإني اخترت كتابتها لتكون أعون على التنسيق والضبط، وتنشر إذا رأيتم انها تستحق النشر، ولتبقى لي تذكرة أتسلى بها إذا رأيتم رفضها وعدم استحقاقها للنشر، وإن أعصى ما يتعاصى على الكاتب والخطيب ضبط الموضوع. فقد يطغى الموضوع على الكاتب أو الخطيب فتتفلّت حواشيه فلا يملك لها جمعًا وتند على فكره أشياء وإذا هو مقصّر من حيث أراد الكمال ومخطئ من حيث توخّى الإصابة. كثيرًا ما كنت أسمع الأخ الرئيس يعتذر في مقامات الكتابة ودواعيها (بأنه مدرّس)، كأن التدريس ومعاناته وأسلوبه واصطلاحاته ملكت عليه أمره وأضعفت منه ملكة الكتابة، وكنت أراه مع ذلك يأتي بالإبدل إذا كتب فأقول: لو أني كثرت من الدروس إكثاره،

стр. 141

لقفوت في الكتابة آثاره، فلما كثرت الدروس وساويته في عددها أو كدت تبلَّد طبعي وجمد فكري وجفّت قريحتي وجاءت النتيجة معي بالعكس، فعلمت أن كثرة الدروس قد تكون مددًا يمد، وقد تكون سدادًا يسدّ وعوائق تصدّ. فاسمعوا أيها الإخوة، كلامًا موضوعه ابن فكرة وانشاؤه ابن فكرة، فإن جاد فمنهما وإن قصر ففي قصر الوقت شافع للتقصير. أيها الإخوة الأعزاء، إن الإصلاح العلمي هو ناحية من نواحي الإصلاح الكثيرة التي يجب أن تعطيها جمعية العلماء المسلمين فضل اهتمام واعتناء، ولو لم يحدث من الحوادث ما جعل اتجاه الجمعية إلى الإصلاح الديني أقوى لكان الإصلاح العلمي أول ما تعالجه، وتبذل فيه جهودها لأنه ألصق باسمها وأكثر ارتباطا بحرفة رجالها، ويكفينا دليلًا على خطر الإصلاح العلمي وقيمته ان أكبر عناصر الإصلاح الديني الذي لا يمتري في لزومه عاقل يستمدّ قوّته من شيء يسمّى علمًا ومن أشياء تسمّى علماء، وقد سمعنا بآذاننا من يقول وقرأنا لمن يقول: إن الرجوع إلى الكتاب والسنّة ضلال مبين، ولمن يقول: البدع الدينية والعوائد الدينية. وهو مع ذلك معدود في العلماء على رغم أنوفنا، وقوله هذا معدود في العلم على رغم أنوفنا، وإذا كانت هذه الأقوال من العلم فمن العلم أيضًا أن تؤول ظواهرها إذا لم ترق لكم بواطنها، ولا يزال ظهر التأويل ذلولًا عند هذه الطائفة، فأما أن لا نعد تلك الأقوال من العلم ولا نعد أصحابها من العلماء فأمر لا يسلمه لنا كثير. إن تقديم الجمعية للإصلاح الديني على الإصلاح العلمي ضرورة اقتضاها طغيان الفساد في العقائد حتى أصبح من آثاره اللازمة التزهيد في العلم. وليس معنى هذا أن الجمعية لم تحم حول الإصلاح العلمي. فدروس رجالها واسلوبهم في دروسهم، كل ذلك أمثلة من الإصلاح العلمي ونهج جديد نهجوه له وطريقة تحتذى فيه، وإنما نريد أن المظهر الممتاز الذي ظهرت به الجمعية وتجلّت آثاره واشتهرت أخباره حتى غطّى على جميع مقاصدها هو الإصلاح الديني، وقد تكون دواعيه طبيعية ومنها ما أسلفناه. وقد يظن الظانون وتنطق ألسنتهم بهذا الظن، أن هذه المنكرات التي نحاربها ونشتدّ في حربها هي قليلة الخطر ضعيفة الأثر، وأننا غلونا في إنكارها وأنفقنا من الأوقات والجهود في حربها ما كان حقيقًا أن يصرف في ناحية أخرى أهم كالإصلاح العلمي. وفات هؤلاء الظانين أن من اللوازم القريبة لتلك المنكرات التي تشتدّ الجمعية في محاربتها التزهيد في العلم وإفساد الفطر وفشل العزائم وقتل الفضائل النفسية وإزالة الثقة بالنفس من النفس، وتضعيف المدارك وتخدير المشاعر وهي رذائل لا تجتمع واحدة منها مع ملكة علمية صحيحة فكيف بها إذا اجتمعت.

стр. 142

فكان من الحكمة أن تبتدئ الجمعية بتطهير النفوس من هذه الرذائل، وأن تجعل من صرخاتها عليها نذيرًا للناشئة أن تتلطخ نفوسهم بشيء من أوضارها، وأن تكون دروس رجالها مؤدية لغرضين: لغرض الإصلاح العلمي بأسلوبها ولغتها ومناهجها ونوع كتبها، ولغرض الإصلاح الديني بمعاليها ومواضيعها، حتى إذا تهيأت لها الأسباب لدراسات منظمة في مدارس منظمة وجدت نفسها وقد فرغت من وسيلة من أعضل الوسائل وأعصاها على العلاج وهي إعداد النفوس لانطباع الملكات العلمية الصحيحة فيها. وإذا كان الإصلاح العلمي بمعناه العام المتعارف- وهو اختيار أقرب طرائق الإلقاء لذهن المتعلم واختيار أقرب الكتب لأداء المعنى الصحيح ولفهمه وتدريبه على تطبيق النظريات على العمليات- إذا كان هذا الإصلاح لم يتم في مصر وتونس- وحالهما غير حالنا- وهما تملكان من الوسائل لذلك ما لا نملك، وتتصلان من النظام والإدارة بما لا نتصل به- مع صراخ المتعلمين وإلحاحهم ومناداتهم بضرورة الإصلاح ومؤاتاة روح النظام العصري لهم- فكيف يتم لنا شيء من ذلك ونحن قليل مستضعفون، لا نملك بعد الاعتماد على الله إلا ثقتنا بأنفسنا وأبناء بررة من شبابنا الصالح المرجو للصالحات المدخر لحمل راية الإصلاح بعدنا، المرشح لاقتحام ميادينه الذي لم يفسد التعليم القديم الجاف عليه أمرهُ ولم يخدش ملكاته، ومع ذلك فقد استطعنا أن نخطو في الإصلاح العلمي خطوات واسعة وأن نلفت الأنظار إلى عملنا القليل. وأمامنا سبيلان ستتخذهما الجمعية من وسائلها لغايتها من الإصلاح العلمي، أولهما: مؤتمر سنوي تعقده بالعاصمة العلمية مدينة قسنطينة يحضره كل القائمين بالتعليم من أعضائها العاملين، فتتبادل الآراء وتتلاقح الأفكار وتستفيض المباحث عن أصول التربية والتعليم وأقوم طرائقهما، وعن الأساليب والكتب التي تجمع بين العلم والعمل، وسيكون من نتائج هذا المؤتمر توحيد التعليم، وهو الرغبة التي لم تزل مناط آمال المصلحين بهذا الوطن. وثانيهما: عكاظ علمي سنوي تقيمه في مدينة الجزائر على أثر اجتماعها العام، وتمتد أيامه إلى ما فوق الأسبوع، ويلقي كل أعضائها العاملين محاضرات ليتمرّنوا على الخطابة في مواضيع الدعوة والإرشاد. وسيعمل المجلس الإداري لوضع نظام مفصّل لهذين المؤتمرين، فإذا تمّ لنا ما نريد منهما، ووفّقنا لتحقيقهما كانت الغاية منّا قاب قوسين أو أدنى. أيها الإخوة الأعزاء، عرض الحالة العلمية يتوقّف على مقارنة دقيقة بين الماضي والحاضر، وهذه المقارنة قد تشق على المؤرّخ الذي نريد أن يكون دقيقًا في مقارناته، فيستقي الحاضر من الواقع المشاهد ثم يرتقي السلّم ليشاهد القرن الثالث عشر آخره وأوله، والثاني عشر كذلك، فلا يجد من

стр. 143

الآثار العلمية الكتابية ما يكون مرآة تتجلّى فيها روح عصرها إلا بعض ما أبقته الليالي من رسائل في الاخوانيات تدلّ على مقام أصحابها في الأدب، ولا تدلّ على مقامهم في العلم، إذ كانوا لا يسمّون الأدب علمًا ولا يعتدون به ولا يقيمون له اعتبارًا، ومن أوراق في التوثيق والفتوى لا تدل على شيء، وليس بعد ذلك إلا توافه من لغو الحديث كانوا يسمّونها شعرًا وما هي من الشعر في شيء. وقد اطّلعنا على أكثرها، فإذا هي من لون واحد وإذا هي مصروفة في الغالب إلى مدح المشائخ والكبراء، وإذا هي أخت الأشعار الملحونة الرائجة في السوق لأنها منقطعة الصلة بالشعر في أعاريضه وأضرُبه، ومنقطعة الصلة بالعربية في ألفاظها ومعانيها، ومنقطعة الصلة بالخيال في تصرفه وانتزاعه. بل أنا أحكم بأن في الشعر الملحون ما هو شعر على الحقيقة، فقد سمعت من شعر القرن الماضي ما يفيض حكمة وحثًا على الفضائل والكمالات، وتخويفًا من الله والآخرة، وسمعنا منه ما يتضمّن المغازي والسير وإن كان معظمه كذبًا، ولكننا لم نجد لشعر إخواننا العلماء أثرًا في هذه المواضيع. وإذا كانت هذه المقارنة تعسر على المؤرّخ الذي يريد إرضاء الحقيقة على طريقة الواقع ويحمله النهم بحبّ الاطّلاع على الإشراف على ما وراء ذلك، فيرى أن العلوم العربية ضعفت في هذا الوطن منذ خراب أمصار العلم الكبيرة فيه كبجاية وتلمسان، ثم يخرج بنتيجة وهي أن ذلك الضعف الذي حلّ بالعلم من أول المائة العاشرة ألحَّ عليه حتى أودى به، ويقول لو كان علم لكانت آثار. وإذا كانت المقلّمة، من آثار ابن خلدون بهذا الوطن في المائة الثامنة، وبدائع السلك من آثار ابن الأزرق في المائة التاسعة فأين آثار القرن العاشر إذا استثنينا مؤلفات الأخضري وطائفة لا تتجاوز عدد الأصابع. ثم أين آثار القرن الحادي عشر وما بعده إلا بضع رحلات لا قيمة لها إذا قيست برحلة ابن بطوطة في الإحاطة، أو برحلة خالد البلوي في الأدب، أو برحلة ابن رُشيْد الفهري في المحاورات العلمية والرواية، أو برحلة التيجاني التونسي في التنسيق التاريخي. وإذا كان في هذه القرون عالم أجاد علمًا أو خلف أثرًا متقنًا- وهو ما لا ينكر- فهو كالشاذ من القاعدة فلا يرجح به ميزان المقارنة. إذا كانت هذه هي العقبة التي تعترض المؤرّخ فإننا بمنجاة منها في طريقنا إلى عرض الحالة العلمية في الوقت الحاضر، لأننا إنما نقارن يومنا بأمسنا وطورًا بطور فإن زدنا فجيلًا بجيل وحالًا بحال، فقد خلقنا كلنا بهذا الوطن فوجدنا علمًا لا نشكّ في أنه مأخوذ من علم كان قبله بصورته أو بما يقرب منها قوة أو ضعفًا. ووجدنا علماء لا نشك في أنهم أخذوا عن

стр. 144

علماء كانوا قبلهم مثلهم أو على مقربة منهم، لا نشك في هذا وإن كنا نعلم أن طريقة السلف في التزام السند العلمي واعتباره جزءًا من العلم قد اندثرت من أيام بجاية. وأن الحال لم يزل على ذلك إلى أن هبّت على هذا الوطن نفحة من نفحات الله في هذا العهد الأخير فأصبح كتاب الله يدرّس بكيفية حية مثمرة وعلى أساس أنه هداية عامة لجميع البشر، وانه حجة الله البالغة على خلقه في كل زمان وفي كل مكان، وأصبحت سنّة رسول الله ﷺ تُدرّس من أصولها الصحيحة، ويبيّن فيها وفي كتاب الله مقارنة الحكمة للحكم والدليل للمدلول والعلم للعمل، وأصبحت العربية تدرّس بكيفية تؤدي إلى تحصيل الملكة القيّمة والذوق الصحيح، وأنتجت لنا هذه الدراسة شعراء نفاخر بهم وكتابًا وخطباء، وأصبح الشعر والكتابة والخطابة أدوات تقدّم ووسائل حياة لهذه الأمة إذا لم تنصرف في الفنون السخيفة التي كانت تنصرف فيها، ولم تضطرب في الميادين الضيّقة التي كانت تضطرب فيها، بل انطلقت أمام الحياة تمهّد لها السبيل وتفتح لها المغالق. فإذا قارنّا الآن فلنقارن حالنا قبل هذه النهضة بحالنا الآن- ونحن في عنفوانها- لنعلم أي مدى بلغنا وإلى أية مرتبة وصلنا، وليكون ذلك حافزًا لنا إلى التقلّم، ولنأنس بذلك كما يأنس المسافر حينما يقطع مرحلة من مراحل السفر. أيها الإخوة الأعزاء، إن أكبر ميزة يمتاز بها هذا الطور الذي نحن فيه من أطوارنا العلمية هي الاستدلال، فلقد كان العلم إلى ما قبل النهضة مباشرة عبارة عن أقوال يسلمها الشيخ لكتابه، وسلّمها التلميذ لشيخه، فإذا استقامت تراكيب الكتاب وأفادت معنى صحيحًا لم يكن في ذهن الشيخ قوة على التماس الدليل، ولم يكن من حق التلميذ أن يطالبه بالدليل، إذا تاقت نفسه إلى الكمال بمعرفة الشيء بدليله، أو انقدح في نفسه خاطر من شك في صحة تلك القضية فأراد أن يطرده بالدليل كما يطرد خاطر الشر بالاستعاذة بالله. ولقد كان التسليم أصلًا من أصول الأدب في جميع ما يعمر مجالسنا العلمية من الأحاديث، وإن هذا لهو المنفذ الواقع الذي دخلت علينا منه الخرافات والأحاديث الموضوعة والمبالغات السخيفة والآراء المضطربة وكبائر الغلو ومويقاته، حتى أصبحت كلها علمًا وأصبحنا مكرهين على تحمّله وأدائه، وإنما انتقلت إلينا عدوى هذه النزعة- نزعة التسليم- من مشائخ الطرق، فقد كانت مسيطرة على مجالسهم وخلواتهم وكانوا يأخذون أتباعهم فيما يأخذونهم به من أصول التربية بتحقيق معناها من أنفسهم ليروضوهم بها على الطاعة العمياء لهم، ومن كلماتهم التي سارت مثلًا "سلم تسلم" و "سلم للرجال في كل حال". فكان من آثار هذه النزعة في النفوس ما أنتم تعلمون وما أنتم تشاهدون وما أنتم تعانون.

стр. 145

ثم انتقلت هذه النزعة إلى مجالس العلم فسيطرت عليها وفتكت بعقول المعلمين والمتعلمين، وكان من آثارها هذا الارتخاء الذي نشاهده في ملكاتنا العلمية وهذا الفتور المستحكم الذي استحال إلى انحطاط وتَدَلٍّ في العلم، وقد يستحيل- إذا تمادى- إلى موت وعدم. فهذه إحدى جنايات القوم على العلم وإن لم يتعمدوها. ومن الحقائق أن العلم تأثر بالطرق وتعاليمها إلى حد بعيد، خصوصًا في هذا الوطن، ولو كان موضوع المحاضرة يسمح ببيان هذا التأثر وتحليله لبَيَّناه. فالغرّة اللامعة في جبين هذه النهضة العلمية هي اقتران العلم بدليله، فأصبح علماؤنا يعملون بالدليل، ويدعون إلى الدليل ويطالبون بالدليل، ويحكمون الدليل ولو في أنفسهم. ولقد هالت هذه النزعة القوية- نزعة الاستدلال- أُسراء المألوف وأحلاف الجمود فأكبروها ووسموها بأنها دعوى اجتهاد ودعوة إليه، واتّخذوا منها غميزة يَزِنون بها رجال الجمعية، وذريعة لصرف الأغرار من الطلبة عنها، وتحريك العامة عليها بما يهولون عليهم من أمر الاجتهاد ويعظمون من حرماته. وما بالهم- عافاهم الله- لا يفرّقون بين الاستدلال والاجتهاد، ولو أنصفوا لعلموا أننا دعاة نظر لا دعاة اجتهاد، ندعو إلى العلم التطبيقي العملي ونأخذ به أنفسنا قبل كل أحد، وأن تطبيق الجزئيات على الكليات ليس من الاجتهاد في شيء، وإنما هو روح العلم ولا علم بدونه. ثم ما لهم- سامحهم الله- يجمعون بين المتناقضات فيحجرون الاجتهاد على الأحياء والأموات إلا على طائفة معيّنة كانت في زمن معين، وقد مضت ومضى زمانها وجفّ القلم بأقوالها، ويبنون على هذا أنه لم يبق من سبيل في علم الدين إلا التقليد، قلنا ولمن؟ قالوا لأولئك المجتهدين، قلنا: سلّمنا فهلمّ بنا إلى كتبهم وآرائهم المتصلة الأسانيد إليهم، ولكنهم يتناقضون فيقلدون حتى في أدقّ دقائق العبادات العملية التي لا تؤخذ إلا من نص صريح من آية محكمة أو حديث صحيح- المهدي الوزّاني وابن الحاج- حتى فيما لا نسبة فيه للإمام ولا عزو لأحد من أهل التخريج. ومن غرائب تأثير الحق في نفوس المستعدين له أن هذه النزعة الاستدلالية قد تجاوزت آفاق الطلبة المزاولين للعلم إلى الطبقات التي تليهم، فأصبحت نفوسهم نزاعة إلى طلب الدليل في أمور دينهم، وأصبحت أبصارهم تخشع وأعناقهم تخضع إذا أقيم لهم دليل من آية قرآنية أو حديث نبوي ممن يعتقدون أمانته وصدقه، وإذا كان قصور أفهامهم قد قعد بهم عن فهم ما بين الدليل والحكم من صلة، فقد كان من ثمرات هذه النزعة الجديدة فيهم أنهم
следующие страницы →