← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

لقفوت في الكتابة آثاره، فلما كثرت الدروس وساويته في عددها أو كدت تبلَّد طبعي وجمد فكري وجفّت قريحتي وجاءت النتيجة معي بالعكس، فعلمت أن كثرة الدروس قد تكون مددًا يمد، وقد تكون سدادًا يسدّ وعوائق تصدّ. فاسمعوا أيها الإخوة، كلامًا موضوعه ابن فكرة وانشاؤه ابن فكرة، فإن جاد فمنهما وإن قصر ففي قصر الوقت شافع للتقصير. أيها الإخوة الأعزاء، إن الإصلاح العلمي هو ناحية من نواحي الإصلاح الكثيرة التي يجب أن تعطيها جمعية العلماء المسلمين فضل اهتمام واعتناء، ولو لم يحدث من الحوادث ما جعل اتجاه الجمعية إلى الإصلاح الديني أقوى لكان الإصلاح العلمي أول ما تعالجه، وتبذل فيه جهودها لأنه ألصق باسمها وأكثر ارتباطا بحرفة رجالها، ويكفينا دليلًا على خطر الإصلاح العلمي وقيمته ان أكبر عناصر الإصلاح الديني الذي لا يمتري في لزومه عاقل يستمدّ قوّته من شيء يسمّى علمًا ومن أشياء تسمّى علماء، وقد سمعنا بآذاننا من يقول وقرأنا لمن يقول: إن الرجوع إلى الكتاب والسنّة ضلال مبين، ولمن يقول: البدع الدينية والعوائد الدينية. وهو مع ذلك معدود في العلماء على رغم أنوفنا، وقوله هذا معدود في العلم على رغم أنوفنا، وإذا كانت هذه الأقوال من العلم فمن العلم أيضًا أن تؤول ظواهرها إذا لم ترق لكم بواطنها، ولا يزال ظهر التأويل ذلولًا عند هذه الطائفة، فأما أن لا نعد تلك الأقوال من العلم ولا نعد أصحابها من العلماء فأمر لا يسلمه لنا كثير. إن تقديم الجمعية للإصلاح الديني على الإصلاح العلمي ضرورة اقتضاها طغيان الفساد في العقائد حتى أصبح من آثاره اللازمة التزهيد في العلم. وليس معنى هذا أن الجمعية لم تحم حول الإصلاح العلمي. فدروس رجالها واسلوبهم في دروسهم، كل ذلك أمثلة من الإصلاح العلمي ونهج جديد نهجوه له وطريقة تحتذى فيه، وإنما نريد أن المظهر الممتاز الذي ظهرت به الجمعية وتجلّت آثاره واشتهرت أخباره حتى غطّى على جميع مقاصدها هو الإصلاح الديني، وقد تكون دواعيه طبيعية ومنها ما أسلفناه. وقد يظن الظانون وتنطق ألسنتهم بهذا الظن، أن هذه المنكرات التي نحاربها ونشتدّ في حربها هي قليلة الخطر ضعيفة الأثر، وأننا غلونا في إنكارها وأنفقنا من الأوقات والجهود في حربها ما كان حقيقًا أن يصرف في ناحية أخرى أهم كالإصلاح العلمي. وفات هؤلاء الظانين أن من اللوازم القريبة لتلك المنكرات التي تشتدّ الجمعية في محاربتها التزهيد في العلم وإفساد الفطر وفشل العزائم وقتل الفضائل النفسية وإزالة الثقة بالنفس من النفس، وتضعيف المدارك وتخدير المشاعر وهي رذائل لا تجتمع واحدة منها مع ملكة علمية صحيحة فكيف بها إذا اجتمعت.

стр. 142

فكان من الحكمة أن تبتدئ الجمعية بتطهير النفوس من هذه الرذائل، وأن تجعل من صرخاتها عليها نذيرًا للناشئة أن تتلطخ نفوسهم بشيء من أوضارها، وأن تكون دروس رجالها مؤدية لغرضين: لغرض الإصلاح العلمي بأسلوبها ولغتها ومناهجها ونوع كتبها، ولغرض الإصلاح الديني بمعاليها ومواضيعها، حتى إذا تهيأت لها الأسباب لدراسات منظمة في مدارس منظمة وجدت نفسها وقد فرغت من وسيلة من أعضل الوسائل وأعصاها على العلاج وهي إعداد النفوس لانطباع الملكات العلمية الصحيحة فيها. وإذا كان الإصلاح العلمي بمعناه العام المتعارف- وهو اختيار أقرب طرائق الإلقاء لذهن المتعلم واختيار أقرب الكتب لأداء المعنى الصحيح ولفهمه وتدريبه على تطبيق النظريات على العمليات- إذا كان هذا الإصلاح لم يتم في مصر وتونس- وحالهما غير حالنا- وهما تملكان من الوسائل لذلك ما لا نملك، وتتصلان من النظام والإدارة بما لا نتصل به- مع صراخ المتعلمين وإلحاحهم ومناداتهم بضرورة الإصلاح ومؤاتاة روح النظام العصري لهم- فكيف يتم لنا شيء من ذلك ونحن قليل مستضعفون، لا نملك بعد الاعتماد على الله إلا ثقتنا بأنفسنا وأبناء بررة من شبابنا الصالح المرجو للصالحات المدخر لحمل راية الإصلاح بعدنا، المرشح لاقتحام ميادينه الذي لم يفسد التعليم القديم الجاف عليه أمرهُ ولم يخدش ملكاته، ومع ذلك فقد استطعنا أن نخطو في الإصلاح العلمي خطوات واسعة وأن نلفت الأنظار إلى عملنا القليل. وأمامنا سبيلان ستتخذهما الجمعية من وسائلها لغايتها من الإصلاح العلمي، أولهما: مؤتمر سنوي تعقده بالعاصمة العلمية مدينة قسنطينة يحضره كل القائمين بالتعليم من أعضائها العاملين، فتتبادل الآراء وتتلاقح الأفكار وتستفيض المباحث عن أصول التربية والتعليم وأقوم طرائقهما، وعن الأساليب والكتب التي تجمع بين العلم والعمل، وسيكون من نتائج هذا المؤتمر توحيد التعليم، وهو الرغبة التي لم تزل مناط آمال المصلحين بهذا الوطن. وثانيهما: عكاظ علمي سنوي تقيمه في مدينة الجزائر على أثر اجتماعها العام، وتمتد أيامه إلى ما فوق الأسبوع، ويلقي كل أعضائها العاملين محاضرات ليتمرّنوا على الخطابة في مواضيع الدعوة والإرشاد. وسيعمل المجلس الإداري لوضع نظام مفصّل لهذين المؤتمرين، فإذا تمّ لنا ما نريد منهما، ووفّقنا لتحقيقهما كانت الغاية منّا قاب قوسين أو أدنى. أيها الإخوة الأعزاء، عرض الحالة العلمية يتوقّف على مقارنة دقيقة بين الماضي والحاضر، وهذه المقارنة قد تشق على المؤرّخ الذي نريد أن يكون دقيقًا في مقارناته، فيستقي الحاضر من الواقع المشاهد ثم يرتقي السلّم ليشاهد القرن الثالث عشر آخره وأوله، والثاني عشر كذلك، فلا يجد من

стр. 143

الآثار العلمية الكتابية ما يكون مرآة تتجلّى فيها روح عصرها إلا بعض ما أبقته الليالي من رسائل في الاخوانيات تدلّ على مقام أصحابها في الأدب، ولا تدلّ على مقامهم في العلم، إذ كانوا لا يسمّون الأدب علمًا ولا يعتدون به ولا يقيمون له اعتبارًا، ومن أوراق في التوثيق والفتوى لا تدل على شيء، وليس بعد ذلك إلا توافه من لغو الحديث كانوا يسمّونها شعرًا وما هي من الشعر في شيء. وقد اطّلعنا على أكثرها، فإذا هي من لون واحد وإذا هي مصروفة في الغالب إلى مدح المشائخ والكبراء، وإذا هي أخت الأشعار الملحونة الرائجة في السوق لأنها منقطعة الصلة بالشعر في أعاريضه وأضرُبه، ومنقطعة الصلة بالعربية في ألفاظها ومعانيها، ومنقطعة الصلة بالخيال في تصرفه وانتزاعه. بل أنا أحكم بأن في الشعر الملحون ما هو شعر على الحقيقة، فقد سمعت من شعر القرن الماضي ما يفيض حكمة وحثًا على الفضائل والكمالات، وتخويفًا من الله والآخرة، وسمعنا منه ما يتضمّن المغازي والسير وإن كان معظمه كذبًا، ولكننا لم نجد لشعر إخواننا العلماء أثرًا في هذه المواضيع. وإذا كانت هذه المقارنة تعسر على المؤرّخ الذي يريد إرضاء الحقيقة على طريقة الواقع ويحمله النهم بحبّ الاطّلاع على الإشراف على ما وراء ذلك، فيرى أن العلوم العربية ضعفت في هذا الوطن منذ خراب أمصار العلم الكبيرة فيه كبجاية وتلمسان، ثم يخرج بنتيجة وهي أن ذلك الضعف الذي حلّ بالعلم من أول المائة العاشرة ألحَّ عليه حتى أودى به، ويقول لو كان علم لكانت آثار. وإذا كانت المقلّمة، من آثار ابن خلدون بهذا الوطن في المائة الثامنة، وبدائع السلك من آثار ابن الأزرق في المائة التاسعة فأين آثار القرن العاشر إذا استثنينا مؤلفات الأخضري وطائفة لا تتجاوز عدد الأصابع. ثم أين آثار القرن الحادي عشر وما بعده إلا بضع رحلات لا قيمة لها إذا قيست برحلة ابن بطوطة في الإحاطة، أو برحلة خالد البلوي في الأدب، أو برحلة ابن رُشيْد الفهري في المحاورات العلمية والرواية، أو برحلة التيجاني التونسي في التنسيق التاريخي. وإذا كان في هذه القرون عالم أجاد علمًا أو خلف أثرًا متقنًا- وهو ما لا ينكر- فهو كالشاذ من القاعدة فلا يرجح به ميزان المقارنة. إذا كانت هذه هي العقبة التي تعترض المؤرّخ فإننا بمنجاة منها في طريقنا إلى عرض الحالة العلمية في الوقت الحاضر، لأننا إنما نقارن يومنا بأمسنا وطورًا بطور فإن زدنا فجيلًا بجيل وحالًا بحال، فقد خلقنا كلنا بهذا الوطن فوجدنا علمًا لا نشكّ في أنه مأخوذ من علم كان قبله بصورته أو بما يقرب منها قوة أو ضعفًا. ووجدنا علماء لا نشك في أنهم أخذوا عن

стр. 144

علماء كانوا قبلهم مثلهم أو على مقربة منهم، لا نشك في هذا وإن كنا نعلم أن طريقة السلف في التزام السند العلمي واعتباره جزءًا من العلم قد اندثرت من أيام بجاية. وأن الحال لم يزل على ذلك إلى أن هبّت على هذا الوطن نفحة من نفحات الله في هذا العهد الأخير فأصبح كتاب الله يدرّس بكيفية حية مثمرة وعلى أساس أنه هداية عامة لجميع البشر، وانه حجة الله البالغة على خلقه في كل زمان وفي كل مكان، وأصبحت سنّة رسول الله ﷺ تُدرّس من أصولها الصحيحة، ويبيّن فيها وفي كتاب الله مقارنة الحكمة للحكم والدليل للمدلول والعلم للعمل، وأصبحت العربية تدرّس بكيفية تؤدي إلى تحصيل الملكة القيّمة والذوق الصحيح، وأنتجت لنا هذه الدراسة شعراء نفاخر بهم وكتابًا وخطباء، وأصبح الشعر والكتابة والخطابة أدوات تقدّم ووسائل حياة لهذه الأمة إذا لم تنصرف في الفنون السخيفة التي كانت تنصرف فيها، ولم تضطرب في الميادين الضيّقة التي كانت تضطرب فيها، بل انطلقت أمام الحياة تمهّد لها السبيل وتفتح لها المغالق. فإذا قارنّا الآن فلنقارن حالنا قبل هذه النهضة بحالنا الآن- ونحن في عنفوانها- لنعلم أي مدى بلغنا وإلى أية مرتبة وصلنا، وليكون ذلك حافزًا لنا إلى التقلّم، ولنأنس بذلك كما يأنس المسافر حينما يقطع مرحلة من مراحل السفر. أيها الإخوة الأعزاء، إن أكبر ميزة يمتاز بها هذا الطور الذي نحن فيه من أطوارنا العلمية هي الاستدلال، فلقد كان العلم إلى ما قبل النهضة مباشرة عبارة عن أقوال يسلمها الشيخ لكتابه، وسلّمها التلميذ لشيخه، فإذا استقامت تراكيب الكتاب وأفادت معنى صحيحًا لم يكن في ذهن الشيخ قوة على التماس الدليل، ولم يكن من حق التلميذ أن يطالبه بالدليل، إذا تاقت نفسه إلى الكمال بمعرفة الشيء بدليله، أو انقدح في نفسه خاطر من شك في صحة تلك القضية فأراد أن يطرده بالدليل كما يطرد خاطر الشر بالاستعاذة بالله. ولقد كان التسليم أصلًا من أصول الأدب في جميع ما يعمر مجالسنا العلمية من الأحاديث، وإن هذا لهو المنفذ الواقع الذي دخلت علينا منه الخرافات والأحاديث الموضوعة والمبالغات السخيفة والآراء المضطربة وكبائر الغلو ومويقاته، حتى أصبحت كلها علمًا وأصبحنا مكرهين على تحمّله وأدائه، وإنما انتقلت إلينا عدوى هذه النزعة- نزعة التسليم- من مشائخ الطرق، فقد كانت مسيطرة على مجالسهم وخلواتهم وكانوا يأخذون أتباعهم فيما يأخذونهم به من أصول التربية بتحقيق معناها من أنفسهم ليروضوهم بها على الطاعة العمياء لهم، ومن كلماتهم التي سارت مثلًا "سلم تسلم" و "سلم للرجال في كل حال". فكان من آثار هذه النزعة في النفوس ما أنتم تعلمون وما أنتم تشاهدون وما أنتم تعانون.

стр. 145

ثم انتقلت هذه النزعة إلى مجالس العلم فسيطرت عليها وفتكت بعقول المعلمين والمتعلمين، وكان من آثارها هذا الارتخاء الذي نشاهده في ملكاتنا العلمية وهذا الفتور المستحكم الذي استحال إلى انحطاط وتَدَلٍّ في العلم، وقد يستحيل- إذا تمادى- إلى موت وعدم. فهذه إحدى جنايات القوم على العلم وإن لم يتعمدوها. ومن الحقائق أن العلم تأثر بالطرق وتعاليمها إلى حد بعيد، خصوصًا في هذا الوطن، ولو كان موضوع المحاضرة يسمح ببيان هذا التأثر وتحليله لبَيَّناه. فالغرّة اللامعة في جبين هذه النهضة العلمية هي اقتران العلم بدليله، فأصبح علماؤنا يعملون بالدليل، ويدعون إلى الدليل ويطالبون بالدليل، ويحكمون الدليل ولو في أنفسهم. ولقد هالت هذه النزعة القوية- نزعة الاستدلال- أُسراء المألوف وأحلاف الجمود فأكبروها ووسموها بأنها دعوى اجتهاد ودعوة إليه، واتّخذوا منها غميزة يَزِنون بها رجال الجمعية، وذريعة لصرف الأغرار من الطلبة عنها، وتحريك العامة عليها بما يهولون عليهم من أمر الاجتهاد ويعظمون من حرماته. وما بالهم- عافاهم الله- لا يفرّقون بين الاستدلال والاجتهاد، ولو أنصفوا لعلموا أننا دعاة نظر لا دعاة اجتهاد، ندعو إلى العلم التطبيقي العملي ونأخذ به أنفسنا قبل كل أحد، وأن تطبيق الجزئيات على الكليات ليس من الاجتهاد في شيء، وإنما هو روح العلم ولا علم بدونه. ثم ما لهم- سامحهم الله- يجمعون بين المتناقضات فيحجرون الاجتهاد على الأحياء والأموات إلا على طائفة معيّنة كانت في زمن معين، وقد مضت ومضى زمانها وجفّ القلم بأقوالها، ويبنون على هذا أنه لم يبق من سبيل في علم الدين إلا التقليد، قلنا ولمن؟ قالوا لأولئك المجتهدين، قلنا: سلّمنا فهلمّ بنا إلى كتبهم وآرائهم المتصلة الأسانيد إليهم، ولكنهم يتناقضون فيقلدون حتى في أدقّ دقائق العبادات العملية التي لا تؤخذ إلا من نص صريح من آية محكمة أو حديث صحيح- المهدي الوزّاني وابن الحاج- حتى فيما لا نسبة فيه للإمام ولا عزو لأحد من أهل التخريج. ومن غرائب تأثير الحق في نفوس المستعدين له أن هذه النزعة الاستدلالية قد تجاوزت آفاق الطلبة المزاولين للعلم إلى الطبقات التي تليهم، فأصبحت نفوسهم نزاعة إلى طلب الدليل في أمور دينهم، وأصبحت أبصارهم تخشع وأعناقهم تخضع إذا أقيم لهم دليل من آية قرآنية أو حديث نبوي ممن يعتقدون أمانته وصدقه، وإذا كان قصور أفهامهم قد قعد بهم عن فهم ما بين الدليل والحكم من صلة، فقد كان من ثمرات هذه النزعة الجديدة فيهم أنهم

стр. 146

صاروا عارفين بقيمة الدليل، ولا يقبلون الباطل حين يلقى إليهم بالسهولة التي كانوا يقبلونه بها، بل يترددون ويتوقفون وقد يفتق ذلك التردد والتوقف عن المخرج إلى الحق. وكم ألقموا المبطلين حجرًا وأغصوهم بِرِيقِهِمْ حينما يلقون إليهم بباطلهم فيقولون لهم: وأين الدليل؟ وما أثقلها من كلمة على نفوس ألفت التسليم وقادت الأمة بزمامه. فهذا تطور في أحوال العامة يبدو غريبًا لمن لم يبل غرائب النفوس البشرية، ويدعو للاغتباط والسرور، وأخرى هي أدعى للسرور والاغتباط وهي أن هذه الطبقات العامية التي تواظب على سماع الدروس والمحاضرات قد أصبحت تفهم العربية الفصحى حق الفهم بتأثير الممارسة والمران فلا يلتوي عليها غرض من أغراضها ولا يغمض عليها معنى من معانيها. ولقد بدأت دروسي ومحاضراتي في تلمسان بالعربية الفصحى وأَخَذْت نفسي بذلك أخذًا أصل فيه إلى درجة الاغراب أحيانًا، وكان لي من وراء ذلك الالتزام غرضان: أحدُهُما إقامة الدليل للمتعلمين باللغات الأجنبية على أن الفصحى لا تعيا بحمل المعاني مهما تنوعت وعلت، وأنها تَبُذُّ اللغات في ميدان التعبير عن الحقائق والخيالات والخواطر والتصورات، وقد بلغت من هذا الغرض ما أريد. والغرض الثاني أن أُحْدِث في نفوس العامة المحبين للعلم والدين أسفًا يقضّ مضاجعهم فَيَدُعُّهُم إلى تدارك ما فاتهم منها في أبنائهم. وكنت أرى من عامة السامعين حسن إصغاء ينبئ باهتمام عميق فأتأوله على أنه تآثر بالآيات والأحاديث التي يكثر تردادها في الدرس منزلة على ما سيقت له- والتأثُّر بكلام الله وكلام رسوله طبيعي في المسلم- وكم كنت أخشى أن يَنْفَضُّوا من حولي يومًا لعدم فهم ما يسمعون لولا أنني آوٍ إلى ركن شديد من كلام الله ورسوله. وما زلنا على هذا حتى فعل المران فعله وأصبحوا يفهمون ويذوقون ويخرجون وهم يتدارسون. وقد رجعت إلى العامية في بعض الدروس فاستهجنوها ونبت عنها أذواقهم، وإني لا أدري لماذا لا نعجب للعامي يتعلّم الفرنسية بالسماع ونَعْجَب- بل لا نكاد نصدق- له أن يتعلّم العربية بالسماع، مع أن العربية أقرب إلى عاميته وفطرته وروحه. وبلغني عن حاضري محاضرات الأخ العقبي في هذا النادي ما هو من هذا القبيل، ولقد سمعت بأذني من واحد منهم في طريقي إلى الحراش، وقد وقف بنا القطار في بعض مواقفه، فسمعنا رجلًا يسأل سؤالًا غير مشروع، فقال له صاحبنا بالعامية: "ما تقراش سورة الأنعام" إقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ الآية، وتلاها بلهجة صحيحة ثم تبيّن لي من حديثي معه أنه عامي وأنه واعٍ لما يسمع متأثر به.

стр. 147

أيها الإخوة الأعزاء، إن مجلى العبرة في هذا الحديث أن جمعية العلماء إن استطاعت أن تكوّن جمهورًا علميًا يفهم العربية الفصحى بالسماع كما يفهم الفرنسية بالسماع، فقد استطاعت أن تأتي بأعجوبة الدهر وأن تفتح للعلم طريقًا غير طريق الكتابة، وأن تعيد للعربية معجزتها الأولى وهي تفتق الأمية عن الحكمة في العرب. أيها الإخوة الأعزّاء، هذه الظواهر التي أطلنا القول فيها كلها من آثار ميزة الاستدلال وآثار الشيء تابعة له، فنحن لم نخرج عن موضوعنا: عرض الحالة العلمية. ومن أكبر الميزات التي يمتاز بها هذا الطور العلمي الذي نحن فيه العمل والإنتاج والدخول في الميادين العامة والتغلغل في شؤون الحياة، فقد كان الناس بهذا الوطن إلى ما يتصل بالنهضة لا يعرفون من العَالِمِ إلا رجلًا منعزلًا عن العالم. لا همّ له إلّا- بما يتصل بمعيشته، وأكبر أمره بينهم أن يفتيهم في المسائل الجزئية التي لا تتجاوز واحدًا كمسائل الصلاة والصوم أو اثنين كأحكام النكاح والطلاق أو حيًا وميتًا كموص ووصي أو إنسانًا وبهيمة كراعٍ وشاة وفذها. فهو يفتي في الطلاق ولا يبحث عن أسباب الطلاق الفاشية، ويفتي في الأيمان ولا ينهى الناس عن الحلف ولا عن الحنث فيه بعد انعقاده، ويحرّم الخمر والميسر ولا يبيّن للناس مضارّهما ولا يزجرهم عن تعاطيهما- وبالجملة فهو رجل انقطعت الصلة بينه وبين أهل زمنه، فإن قدرت له ملابسة الناس جمع جماعة قليلة يقرئهم درسًا خاصًا لا علاقة له بحالهم أو يتلو معهم حزبًا. أما المعرض العام، معرض الأمة الزاخر بالمفاسد والموبقات، فشيء لا شأن للعلم به، وأما هداية الأمة وضلالها فأمرهما- في نظره- موكول إلى الله الذي وكله إلى العلماء ... وبهذه السيرة التي كانوا عليها خرجت قيادة الأمة من أيديهم إلى أيدٍ لا تحسن قيادة الأمة ... ولو أنهم عملوا للصالح العام ولو قليلًا، لوجدنا الطريق معبّدًا ولخفّفوا علينا من هذا العناء الذي نقاسيه، ويا ليتنا خرجنا معهم كفافًا لا علينا ولا لنا، ولكنهم أبقوا من سكوتهم ضجة للمبطلين علينا، فما أنكرنا عليهم منكرًا تئط منه السماوات إلا وتصايحوا: لماذا لم ينكره العلماء قبلكم ومن العناد احتجاجك على ميت ... وويل لك إن سكتَّ ... وألف ويل إن نطقت ...

стр. 148

أيها الإخوة الكرام، إن خروج قيادة الأمة الإسلامية من أيدي العلماء هو أكبر الأسباب فيما وصلت إليه من انحطاط، وهو أمر قديم العهد، ونحن نعلم علم القطع أن علماءنا في القرون الوسطى كانوا وليس بأيديهم من أمر الأمة شيء، وأهم جهات الاتصال بينهم وبين الأمة وهي التدريس والإمامة والفتوى والقضاء؛ كانت تعطى لهم من أيدي الأمراء المستبدّين تفضلًا لا استحقاقًا، فإذا خطب الخطيب منهم فيجوز أن ينسى شيئًا أو أشياء مما يهم المسلمين ولكنه لا ينسى- أبدًا- الدعاء لأمير نصبه، أو الترخم على واقف يعيش من فضل جرايته، ولا زالت ألفاظهم في الدعاء والترحّم جاربة في الخطب الدينية إلى الآن بالشرق. أما مؤلفاتهم- ﵏ ورضي عنهم- التي خلفوها لنا في الفقه، فقد كتبوها وهم في ديارهم وخلواتهم، ولم يُبْنَ الكثير منها على مراعاة الأحوال العامة، وقد يبنون الأحكام في المعاملات على ما تقتضيه أنظارهم الخاصة، ويولدون من كلام من قبلهم اقتضاءات ووجوهًا من التأويل، فإذا خرجوا إلى السوق وجدوا اليد المصرفة لأزمة الأمة غير يدهم، والقانون الذي تسأس به الأمة تابعًا لأهواء الأمراء لا لما سَطَّروه وأتعبوا أنفسهم في تدوينه، ووجدوا سيف الاستبداد يأمر وينهى، ووجدوا أنفسهم في غمار العامة مسيرين بتلك اليد وبتلك الأهواء وبذلك السيف. ولذلك يرى الباحثون المحققون أن هذه التفريعات التي امتلأت بها كتب الفتوى لا ينطبق الكثير منها على مصالح الناس، لأنها لم تبنَ على رعاية تلك المصالح التي هي أساس حكمة التشريع، ولا سبب لذلك إلّا خروج القيادة الفعلية من أيدي العلماء. وكان من آثار ذلك أن جهل العلماء أنفسهم وأضاعوا مكانتهم الحقيقية، وكثيرًا ما اتخذهم الأمراء آلات لتسخير العامة وتسكين ثائرها. ثم انتقلت قيادة الأمة من أيدي الأمراء إلى أيدي الرؤساء الروحيين، وأصبح العلماء تبعًا لهؤلاء كما كانوا تبعًا لأولئك، ولا ذنب للعامّة في هذا كله وإنما الذنب ذنب العلماء الذين غفلوا أولًا وسكتوا آخرًا حتى خرج الأمر من أيديهم، وقد أدركنا من بقايا هذا السكوت المخزي أن شيخ الطريق الجاهل الأمِّي يجلس في مجالس الوعظ والتذكير، فيذكر مريديه بغير ما أنزل الله ويُجلِسُ بجنبه عالمًا مأجورًا على السكوت ليتّخذ من سكوته حجة وعونًا على إضلال العامة، ولعمري إن هذه شر نهاية وصل إليها المجتمع الإسلامي في كثير من أوطانه. أيها الإخوة الكرام، وما لي لا أذكركم بأوضح فارق جوهري بين حالتينا بالأمس واليوم وأجل ما استطعنا الوصول إليه في نهضتنا العلمية الحاضرة، وهو تكوين زعامة علمية حقيقية بهذا الوطن في أقرب مدة، وهي غاية قصرت عنها الأقطار الإسلامية الأخرى، فلم نعهد في الكثير منها إقرار الزعامة العلمية في نصاب. ولا زلنا نراها على كَثْرَةِ المتأهلين لها متغلغلة الركاب.

стр. 149

أما في وطننا هذا وفي نهضتنا هذه، فإننا نفخر بأنها بنيت على إقرار الزعامة العلمية، وأن النهضة العلمية كسائر النهضات لا تبنى إلا على أساس "الزعامة"، وأن جميع ما يعترض النهضات من بطء وإسراع تابع لوضع الزعامة ومستقرّها. وما دامت الموازنة بين أمسنا ويومنا، فقد كان علماؤنا بالأمس- ولا زالت بقاياهم إلى اليوم- وأمرهم فوضى وشملهم شتيت لم يكوِّنوا زعامة، ولم يعترفوا لزعيم. وإني لأذكر ذلك السكوت الذي يسود مجالسهم إذا اجتمعوا، وتلك النظرات التي يتبادلونها، وأذكر ذلك الملل الذي يغشى تلك المجالس. وأذكر تلك الأحوال التي تلبسهم إذا خلا كل واحد منهم بنفسه، فأصبح زعيم نفسه، وأذكر تلك الأساليب التي كنّا نسمعها من عالم إذا سئل عن ترجمة عالم وعن درجته في العلم أو عن فتوى أفتى بها أو رأي أبداه في مسألة نحوية، وأذكر تلك العبارات التي كانت تبدر منهم في تنقيص بعضهم بعضًا أمام العامة. أيها الإخوة الكرام، ومن الميزات التي لا يغفلها الباحث في عرض الحالة العلمية والموازنة بين الحالين، الاقتصار على لُباب العلم والرمي إلى أغراضه السديدة، واطراح القشور وما لا محصول له من المباحث، وإيثار العلم المفهوم على العلم المحفوظ. وقد بدأ اتجاه التعليم يستقيم، وظهر من آثاره اختيار الكتب العامرة المملوءة علمًا، المعينة على تكوين الملكات، الخالية من النظريات المجردة والمماحكات اللفظية، ولا نذهب بعيدًا في الفرق بين هذه الحالة وبين ما قبلها، فإن بقايا الحالة القديمة لا تزال موجودة ولا تزال هي الغالبة في مجالس التدريس، وإنما نريد التنويه بهذه الحالة التي بدأت بشائرها تخفق في جوّنا العلمي، مغتبطين بها راجين لها النمو السربع والرقي المستمرّ. أيها الإخوة، ومن مميزات هذا الطور الذي نحن فيه من أطوارنا العلمية روح التآخي المُنْبَثَّة بين هذه الطائفة من أعضاء الجمعية، والمحبّة التي ينطوون عليها لبعضهم ولإخوانهم في العلم، وإن تجافوا في المبدإِ، وأنهم إذا أغضبهم من عالم شيء فإنما هو خذله للحق أو نصره للباطل، وهو من نوع البغض في الله الذي أدبنا به الدين. وإن السبب الأقوى في هذا التآخي وهذه المحبّة هو الاتصال والتعارف، وستعمل الجمعية على تقوية هذه الروح في النفوس بتقوية أسبابها، فلا أحد أحوج إلى التعاون من هذه الأسرة العلمية، ولا يتم هذا التعاون ويؤتي ثمراته إلا بتآخٍ يغمرهم، ومحبة تربط بين قلوبهم حتى يكونوا قدوة صالحة لغيرهم، فمن العار أن يدعوا الأمة إلى التآخي، وهم غير متآخين، وإلى المحبَة وهم غير متحابين.

стр. 150

ومن مميزات هذا الطور الذي نحن فيه، اقتران العلم بعزة النفس والعزوف عن الدنايا، والتخلّق بمحامد الأخلاق وإظهار صولة العلم في مواقف الدفاع عن الحق، وهي صفات لازمة للعلم، فمن عجز عن جمعها معه في نفسه كان علمه وبالًا عليه. وإن هذه ميزة ما كنا نعرفها في الطبقة التي أدركناها من العلماء إلا قليلًا. وإن جمعية العلماء تفتخر بأن هذه الميزة الأخلاقية هي الصفة الغالبة على رجالها، وأنها أول مظهر ظهروا به على الأيام، ثم امتحنتهم الأيام فلم يزدهم ذلك إلا اعتصامًا بهذه الخلال، ولم يزدهم ذلك الاعتصام إلا إجلالًا ومهابة، وقد نبزهم خصومهم بكل نقيصة حتى إذا وصلوا من قائمة النقائص إلى سقوط الهمّة والطمع والمداهنة في الحق جمجموا، فإن تقوَّلوا فيها أتوا بالهذر الذي يردّه العدو قبل الصديق. ومن مميزات هذا الطور العلمي إتقان اللغة العربية علمًا وتعليمًا، وإجادتها تكلّمًا وكتابة وخطابة، فقد قامت هذه النهضة على ألسنة تنثر الدر من العلم، وألسنة تنفث السحر من البيان وأقلام تسيل رحمة في مواطن الرحمة، وتمجّ السمام أو تنثر السهام في مواطن الغضب للحق والذود عن الحق. وقد كانت لدروس الأخ الأستاذ ابن باديس- ولا نكران للحق- أقوى الآثار في تكوين هذه الملكات وتقويم هذه الألسنة وتثقيف هذه الرماح. فمن تلامذته كتّاب القطر اليوم، ومن تلامذته شعراء القطر اليوم، ومن تلامذته المفكرون والدعاة الذين هم دعائم الحركة الإصلاحية. وقد أصبح الطراز الأدبي الجزائري طرازًا مستقلًا يُحْتَذى ولا يَحتذي، ليست عليه مسحة التآثر والمحاكاة، وإذا كانت ناشئتنا متأثّرة بالتعاليم الزيتونية فإن ذلك التأثر لم يجاوز العلميات أما الأدبيات فلا. إخواني الأعزاء، بقيت عدة نواح عقلية روحية هي من مميزات هذا الطور العلمي الذي نحن فيه لم أشأ أن أقدّمها لكم بتراء مشوّهة لضيق الوقت. وبقيت عدة جهات عملية نظامية هي في باب الإصلاح العلمي أدخل منها في عرض الحالة العلمية، وقد أشرنا إليها في عرض الحديث المتقدم. ولعلّكم سمعتم ما يحمل محمل الإطراء لحالتنا والتنقيص لما سبقها؛ وهو أمر لا محيد عنه في باب الموازنة بين حالين. ونحن في هذه الكلمة نزن حاضرًا بماضٍ، ولو كنا نزن حالنا بما يجب أن نكون عليه لكان لنا نحو آخر من القول ننحوه، ولكان حقًا علينا أن نذكر النقائص والعيوب، ولكان نقصًا ما سمّيناه اليوم كمالًا.

стр. 151

وإن من نقائصنا المتّصلة بحالتنا العلمية الحاضرة ثلاثًا لا كمال معها، ومن المؤسف أن ناشئتنا العلمية المستشرفة إلى الكمال لا تفكر في السلبي منها ولا الإيجابي. هذه النقائص الثلاث هي: - ضعف الميل إلى التخصّص. - ضعف الميل إلى الابتكار. - الكسل عن المطالعة. وإذا كانت الأوليان متعسرتين لفقد دواعيهما، فإن الثالثة أقرب إلى الإمكان. الحقّ أقول إن شبابنا المتعلّم كسول عن المطالعة، والمطالعة نصف العلم أو ثلثاه. فأوصيكم يا شباب الخير بإدمان المطالعة والإكباب عليها، ولْتَكُن مطالعتكم بانتظام حرصا على الوقت أن يضيع في غير طائل. وإذا كنتم تريدون الكمال فهذه إحدى سبل الكمال.

стр. 152

مقدّمة سجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء* انعقد المؤتمر السنوي الخامس لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بنادي الترقي بالجزائر في يوم الأحد السادس عشر من جمادى الثانية عام ١٣٥٤ والأيام الثلاثة الموالية له. فاجتمعت فيه الجزائر العربية المصلحة المجاهدة في سبيل العلم الصحيح والدين الحق واللسان المبين. وكان ذلك الاجتماع الذي ثوب داعيه فأسمع، وسمع واعيه فأهطع، تعبيرًا فصيحًا على تقدير المؤتمرين لدينهم ولغتهم ودليلًا ملموسًا على ما وصلت إليه حركة الإصلاح الديني من قوة وتغلغل في القطر الجزائري، فقد ضمّ هذا المؤتمر بين حناياه أبناء المدن والقرى والخيام، وجمع أبناء السواحل بأبناء الجبال وأبناء الصحاري، وسكّان الشرق بسكّان الغرب وتجلت كرامة جمعية العلماء في اجتماع قطر في ناد، وبحر في واد، ووطن في عطن. حضر ذلك الجمع الحافل- وهو ما بين عضو عامل في جمعية العلماء وعضو مؤيد لها- لسائق واحد إلى اتجاه واحد، وهو تأييد مبدإ الذي تعمل له جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهوّن عليهم ما لاقوا من مس اللغوب، وخفة الجيوب إيمانهم بمبدإ وفرحهم بنجاحه وعرفانهم لقيمته، جزاهم الله أحسن ما يجزي العاملين المخلصين لدينهم ولغتهم. تقدم المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين أمام المؤتمرين فأدى الحساب لا على المال ومآخذه ومصارفه فقط، بل وعلى تلك الأعمال الجليلة التي قام بها، والأمانة الثقيلة التي حملها، فشكروه معترفين بجميله، وأولوه ثقتهم الكاملة فيما مضى وفيما يأتي.

стр. 153

وقد سنّ رئيس جمعية العلماء في هذه السنة سنّة صالحة فعهد (في ظرف ضيّق) إلى طائفة من أعضاء الجمعية الإداريين والعاملين أن يضعوا تقارير محدودة في مسائل مهمّة لها الشأن الأول في اجتماعيات الجزائر، ولها المقام الأول من اهتمام جمعية العلماء، وهي: ١ - الأمية وآثارها وطرق مقاومتها. ٢ - التعليم بقسميه المسجدي والمكتبي، وشرح أحواله وعوارضه التي هو عليها الآن وكيف ينبغي أن يكون. ٣ - الإسراف المالي ومظاهره من الولائم والمآتم. ٤ - الوعظ والإرشاد والطرق التي ينبغي أن يؤدى بها. على أن تلقى تلك التقارير في المؤتمر لتكون نموذجًا للأعمال التي تقوم بها الجمعية وليبدي ذوو الرأي آراءهم في طرق تنفيذها. قام كل واحد من المقرّرين بما عهد إليه، وسمع المؤتمر تقارير بليغة مؤثرة تحمل روح الخطابيات وقوّتها. ولا ندّعي أن تلك التقارير كانت كلّها وافية، ولكنها منبّهة على أغراض لها خطر ولها بال، وإن لم يبلغ البحث فيها حد الكمال. وستكون هذه التقارير معوانًا للباحثين العاملين وحملة الأقلام على طرق هذه المواضيع والإفاضة فيها والتوسّع في تفاريعها. وإنما بادرنا إلى الاعتراف بأنها غير وافية اعتذارًا معجلًا للناقدين بعد ظهور هذه النشرة. فالحق أن معظم تلك التقارير ينقصها عنصر ضروري من عناصر الكمال، ونعني به (الإحصاءات المدققة) وهو الأساس الذي تبنى عليه التقارير في هذا العصر. وأن بناء التقارير على أساس الإحصاء، استحضار للواقع بشواهده وبيّناته، وعرض محسوس يصير الغائب مشهودًا. ولكن عذر المقرّرين عن كل تقصير هو أن الوقت الذي حدّد لهم لا يتّسع للتبسّط في البحث والتقصّي والاحصاء والاستنتاج، وستعطى هذه المسألة في السنة الآتية كل ما تستحقّه من العناية، فتوزّع المواضيع على أهل الكفاءة والاختصاص في وقت واسع وتراعى فيها العمليات دون النظريات. ... وفي الاجتماع الإداري السابق للمؤتمر قرّر المجلس أن يسنّ في اجتماع هذا العام سنة أخرى صالحة حتى تكون له ميّزات محسوسة. تلك السنّة هي أن يخصّص يوم كامل في آخر الاجتماع للخطب والقصائد، وفتح هذا الباب لكل مستعدّ من الحاضرين بشرط أن تكون الخطبة مكتوبة قابلة للنشر، غير خارجة عن دائرة الأدب والعلم والدين. فقرّر المجلس

стр. 154

تمديد أيام الاجتماع إلى أربعة يخصّص آخرها لسماع الخطب رغمًا عما في ذلك من تضييق على الوافدين من أطراف القطر البعيدة. وقد تلقّى المؤتمر هذا القرار بالارتياح ورأى فيه تحقيقًا لغرض طالما جال في نفوس الأدباء، وهو إقامة عكاظ سنوي تتدرّب فيه ناشئتنا الإصلاحية على الكلام في العموميات، وتتمرّن على الخطابة ومناحيها لتستعدّ للقيام بالدعوة والإرشاد. وإن الخطابة لركن الإصلاح الركين. وقد نفّذ هذا القرار- مع ضيق الوقت أيضًا- وتمّت أعمال المؤتمر الرسمية في الأيام الثلاثة الأول، وكان اليوم الرابع حافلًا بالخطب المتنوّعة على نظام مقرّر، خطب فيه نحو من عشرين خطيبًا، وجاء دور الشعر فألقيت عدة قصائد. ... ولما انفضّ المؤتمر محققًا للآمال التي كانت معلّقة عليه، ونجح نجاحًا بعيد المدى برغم المتشائمين والمعاكسين. وكانت الظواهر التي امتاز بها عن الاجتماعات السابقة محسوسة ملموسة شهد بها كل من حضر وكل من سمع. وكافية لتسميته (مؤتمر) بعد أن كان يسمّى (الاجتماع العام) عهد إليّ إخواني أعضاء المجلس الإداري بجمع تلك التقارير التي ألقيت في المؤتمر والخطب التي تليت والقصائد التي أنشدت في اليوم الأخير، وترتيبها ونشرها في كتاب يطبع على نفقة الجمعية. اتفق المجلس الإداري على تسميته وشكله وعدد ما يطبع منه. وكذلك عهدوا إليّ بكتابة فصل يكون تصديرًا للنشرة وبتعقيب كل تقرير بكلمة في خلاصته وبيان كيفية تنفيذ ما فيه، لتكون مرجعًا للمكلفين بالتنفيذ من رؤساء شعب الجمعية وغيرهم. وقد امتثلت وفعلت، بقدر ما استطعت، إلا أن حوادث مفاجئة لم تكن تخطر لي ولا لإخواني على بال حالت بيني وبين تقديمه للطبع في الوقت المحدد فتأخّر عن منتظريه والمتشوّقين إليه أشهرًا. وإني الآن أتقدّم به إلى القرّاء معتذرًا لهم آسفًا على أن لم يكونوا قرأوه قبل اليوم، مؤكّدًا لهم أنه لا يد لي في هذا التقصير، جازمًا أن هذا التأخير لا يقلّل من قيمة هذا السجلّ ككتاب تاريخي، يسجّل درجة من الدرجات التي صعدتها الجمعية من سلّم الحياة ومرحلة من المراحل التي قطعتها. وإن كان يقفل من قيمته كنشرة سنوية. بل أزعم في ثقة أنه قد يأتي من المكروه محبوب، وأن نشره في وسط السنة هو بمثابة مؤتمر ثان، فلم يكد الناس ينسون روعة المؤتمر وبهجته حتى تفاجئهم ممثلة في سجلّ المؤتمر. ثم لا ينتهون من التأثر بهذا السجل الحافل حتى يغشاهم المؤتمر الآتي إن شاء الله على حال أتمّ، وشكل أكمل.

стр. 155

فلسفة جمعية العلماء* بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلاّ على الظالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين وإمام المتقين. وعلى آله وصحبه أجمعين. ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. آمنت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبالكعبة قبلة، وبالقرآن إمامًا، وبسيدنا محمد نبيًا ورسولًا. أقسم ما كنت أدري لم فاضت نفسي بهذه الآية عندما أخذت القلم لأكتب هذا التصدير لنشرة جمعية العلماء؟ ولم جاشت بهذا الاعتراف الشامل لكليات الإيمان في هذا الوقت؟ ولكنني بعد أن كتبت الآية وسجلت الاعتراف وضعت القلم ورجعت إلى نفسي أسائلها فيما بيني وبينها: بأي شعور كانت مغمورة؟ أو أي انفعال كان يساورها حين أملت على القلم هذه الآية، وحين فاضت بهذا الإقرار الذي لا داعي إليه من مثلها في مثل هذا الوقت؟ فخفقت خفقة هي أشبه شيء بلفتة المذعور، كأنها تبحث عن هذا الشعور في الماضي المتصل بالحال، وتبين لي أنها كانت سابحة في جو من التفكير في حال المسلمين، واستعراض ماضيهم السعيد وحاضرهم الشقي، وتلمس الأسباب والعلل لهذا الانحطاط المريع، بعد ذلك الارتفاع السريع، وكأنها وقفت بعد ذلك الاستعراض موقف الحيران المدهوش تسأل: كيف يشقى المسلمون وعندهم القرآن الذي أسعد سلفهم؟ أم كيف يتفرقون ويضلون وعندهم الكتاب الذي جمع أولهم على التقوى؟ فلو أنهم اتبعوا القرآن وأقاموا القرآن لما سخر منهم الزمان وأنزلهم منزلة الضعة والهوان. ولكن الأولين آمنوا فأمنوا

стр. 156

واتبعوا فارتفعوا. ونحن ... فقد آمنا إيمانًا معلولًا، واتبعنا اتباعًا مدخولا. وكل يجني عواقب ما زرع. ثم أدركتها الرهبة فلجأت إلى الابتهال فالتقى اللسان والقلم على هذه الآية: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أما أن المسلمين الأولين سعدوا بالقرآن واتباع الرسول فهذا ما لا مراء فيه، وهو الحقيقة العارية التي جلاها التاريخ على الناس من جميع الأجناس، وزكاها بشاهدين من آثار العلم ونتائج العقل. فإن احتمل أن يجهل هذه الحقيقة جاهل فهم سواد المسلمين قبل غيرهم. وإن وقف باحث عند الظواهر السطحية وقال: سعدوا بالاتحاد مثلًا قلنا له: وما الذي وحدهم بعد ذلك التفرق الشنيع غير القرآن؟ أو قال قوم: استيقظت فيهم عواطف الخير ونوازع الشرف حين ماتت في الأمم فسادوها وقادوها، قلنا له: نعم. ولكن ما الذي أيقظ فيهم تلك العواطف وتلك النوازع وما هم إلّا ناس من الناس، بل قد كانوا قبل القرآن أضل الناس. وليسوا من جذم واحد حتى تتقارب فيهم النوازع الجنسية التي يتوارثها أبناء الجذم الواحد ويترابطون بها وسهل استيقاظها فيهم فجأة. لأننا لسنا نعني بالمسلمين الأولين العرب وحدهم، وإنما نعني بهم الأمم التي دانت بالإسلام في قرونه الأولى، تربت في كنف القرآن وتحت رعايته، وطبعت على غرار الهدي المحمدي. فحرر القرآن أرواحها من العبودية للأوثان الحجرية والبشرية، وحرر أبدانها من الطاعة والخضوع لجبروت الكسروية والقيصرية، وجلا عقولها على النور الإلهي فأصبحت تلك العقول كشافة عن الحقائق العليا، وطهر نفوسها من أدران السقوط والإسفاف إلى الدنايا، فأصبحت تلك النفوس نزاعة إلى المعالي مقدمة على العظائم. وحدد لها لأول مرة في التاريخ صلة الروح بالجسم ومدى تعاونهما في التدبير، وكيفية الجمع بين مطالبهما المتباينة، وعلمها لأول مرة في التاريخ كيف يستغل الإنسان استعداده وفكره، ففتح أمامه ميادين التفكر والاعتبار، وأمره أن يسير في الأرض ويمشي في جوانبها ويتفكر في ملكوت السماوات والأرض. وقد كان الناس قبل القرآن على جهل مطبق بهذا (الاستعمار الفكري) حتى بينه القرآن الكريم، ووضع قواعده، وأرشدها لأول مرة في التاريخ أن الإنسان أخو الإنسان لا سيده ولا عبده، وأنّ فضله في المواهب، وأن تساوي الناس في استعمار الأرض تابع لتساويهم في النشأة، وهذا تقرير لمبدإ المساواة وهو المبدأ الذي لم يسبق الإسلام إليه سابق، ولم يلحقه فيه لاحق، وإن زعم المتبجحون ... بهذه الروح القرآنية اندفعت تلك النفوس بأصحابها تفتح الآذان قبل البلدان، وتمتلك بالعدل والإحسان الأرواح قبل الأشباح، وتعلن في صراحة القرآن وبيانه حقوق الله على الإنسان، وحقوق الإنسان في ملك الله، وحقوق الإنسان على أخيه الإنسان. إنّ الذي صنع هذا كله- وأبيك- للقرآن.

стр. 157

ولكن ما هو هذا القرآن الذي نكرره في كل سطر؟ أهو هذه (الأحزاب الستون) أو (الأجزاء الثلاثون) التي نحفظها وننفق على حفظها سنوات الطفولة العذبة، وسنوات الشباب الزهر. ثم لا يكون حظنا منه عند هجوم الكبر إلا قراءته على الأموات بدريهمات، واتخاذه جُنة من الجِنَّة وغير ذلك من الهنات الهينات؟ إن كان هو هذا فَلِمَ لم يفعل في الآخرين فعله في الأولين؟ ولمَ نرى حفاظه اليوم- على كثرتهم- أنقى الناس من هذه المعاني التي كان القرآن يفيضها على نفوس حفاظه بالأسى؟ ونجدهم دائمًا في أخريات الناس أخلاقًا وأعمالًا حتى لقد أصبحوا هدفا لسخرية الساخر، يتكسبون بالقرآن فلا يجديهم، ويقعون في المزالق فلا يهديهم، مع أنهم يقرأون فيه ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. فنعم: إن القرآن هو هذه الأحزاب الستون التي نقرأها اليوم بألفاظها وحروفها ونقوشها، منقولًا بالتواتر القطعي، محفوظًا بحفظ الله من كل ما أصاب الكتب السماوية من قبله من النسيان والتبديل وتحريف الكلم عن مواضعه. كبر بتواتره عن الاسناد والمسندين، وشهادة المعدلين والمجرحين، قد نيّف على ثلاثة عشر قرنًا ولم يشك المسلمون في حرف منه فضلًا عن كلمة، وفي الأرض عدد حصاها أعداء له يتمنون بقاصمة الظهر أن لو ينطفئ نوره، ويستسر ظهوره، ويرضخون في سبيل محوه من الأرض بما كسبت الأيدي واحتقبت الخزائن من الأموال، وبما أخرجت بطون النساء من الرجال، وبما أنتجت القرائح من مكر واحتيال وكيد ومحال. فلم ينالوا منه نيلًا إلا مضضًا تنطوي عليه جوانحهم، ووغرًا تنكسر عليه صدورهم، وشجى تنثني عليه لهواتهم، وحقدًا تغلي مراجله في نفوسهم، وقد أبقاهم الله وأبقى لهم منه المقيم المقعد وهم بهذا الحال وهو بهذا الحال إلى يومنا هذا، فلينم المسلمون ملء جفونهم، ولينعموا بالًا من هذه الناحية، وليعلموا أن القرآن أُتِيَ من قبلهم ... ولكن سر القرآن ليس في هذا الحفظ الجاف الذي نحفظه، ولا في هذه التلاوة الشلاء التي نتلوها، وليس من المقاصد التي أنزل لتحقيقها تلاوته على الأموات، ولا اتخاذه مكسبة، والاستشفاء به من الأمراض الجسمانية. وإنما السر كل السر في تدبره وفهمه، وفي اتباعه والتخلق بأخلاقه. ومن آياته ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، ومن آياته ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ و ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾.

стр. 158

هذه هي الطريقة الواحدة التي اتبعها المسلمون الأولون فسعدوا باتباعها والاستقامة عليها، وهذا هو الإسلام متجليا في آيات القرآن، دين واحد جاء به نبي واحد عن إله واحد، وما ظنك بدين تحفه الوحدة من جميع جهاته؟ أليس حقيقًا أن يسوق العالم إلى عمل واحد وغاية واحدة واتجاه واحد على السبيل الجامعة من عقائده وآدابه؟ أليس حقيقًا أن يجمع القلوب التي فرقت بينها الأهواء، والنفوس التي باعدت بينها النزعات، والعقول التي فرق بينها تفاوت الاستعداد؟ بلى والله إنه لحقيق بكل ذلك. ... إن الإسلام في جوهره لإصلاح عام منَّ الله به على العالم الإنساني بعد أن طغت عليه غمرة حيوانية عارمة، اجتاحت ما فيه من فطرة صالحة ركبها رب العالمين، وما فيه من أخلاق قيمة وشرائع عادلة قررها الهداة من الأنبياء والمرسلين والحكماء المصلحين، وصحبتها غمرة وثنية وقفت في طريق الفكر فعاقته عن التقدم وابتلته بما يشبه الشلل، وقطعت الصلة بين الإنسان وبين خالقه، وعبّدت بعضه لبعض، ثم عبدته للأصنام وعبدته للأوهام، ولكن الله تداركه برحمته فجاءه بالإسلام بعد أن مدت هذه الغمرات مدها، وبلغت حدها، واستشرف لحال خير من حاله ونور يجلو ظلمته، وكان ذلك النور هو الإسلام. وكان مستقر الدين من نفوس البشر تتعاوره نزعتان مختلفتان وهما التعطيل المحض والشرك، وكان العالم كله يضطرب بين هاتين النزعتين وقد ملكتا عليه أمره فلا تسلمه المهلكة منهما إلّا للموبقة، ولم يسلم من شرهما حتى الملّيون الكتابيون، فجاءه الإسلام بالدواء الشافي وهو التوحيد الخالص مؤيدًا بالأدلة التي تبتدئ من النفس، وأن نظرة في النفوس حين تتجلى بغرائبها، ونظرة في الآفاق حين تتعرض بعجائبها لتفضيان بصاحبها إلى اليقين الذي لا شك بعده، وهذا هو ما حرمه البشر قبل نزول القرآن فوقفوا في الطرفين المتناقضين من شرك وتعطيل، وهذا هو ما دعا إليه القرآن فهداهم به إلى سواء السبيل. تفرق أهل الكتب السماوية في الدين قبل الإسلام: تلتقي الأديان السماوية في كلمة سواء ومقصد أعلى وهو جمع أهلها على الهدى والحق، ليسعدوا في الدنيا ويستعدوا لسعادة الأخرى. بهذا جاءت الأديان المعروفة، وبهذا نزلت كتبها. والقرآن الذي هو المهيمن عليها يخبرنا بأن كتاب موسى إمام ورحمة، وأن الله تعالى أنزل التوراة والإنجيل هدى للناس، وأنهما جاءا بما جاء به القرآن من الدعوة إلى عبادة إله واحد

стр. 159

والرجوع إليه وحده فيما يعلو كسب البشر، ومن بث التآخي بين الناس وعدم استعباد بعضهم للبعض، ومن الأمر بالخير والنهي عن الشر، ويخبرنا أن من وصايا الله الجامعة لتلك الأمم على ألسنة رسلها هي أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه، وأن تلك الأمم لم تحفظ وصية الله فتفرقت في الدين شيعًا، وجعلت السبيل الواحد سبلًا، واختلفت في الحق من بعد ما جاءها من العلم والبينات فقامت عليها الحجة وحقت عليها كلمة الله وكان عاقبة أمرها خسرًا. والقرآن يبدئ ويعيد في هذا الباب ويقص علينا من مبادئ بني إسرائيل ومصائرهم ومواردهم ومصادرهم ما فيه مزدجر، كل ذلك لنعتبر بأحوالهم، ولا نسلك الطريق الذي سلكوا فنهلك كما هلكوا. ولم يأل نبينا ﷺ أمته نصحًا وابلاغًا في هذا الباب، وكيف لا وقد أنزل عليه ربه ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ فكان أخشى ما يخشاه على أمته أن يدب فيها داء الأمم قبلها فتختلف كما اختلفت، وتتفرق في الدين كما تفرقت. وقد وقع ما كان يخشاه ﷺ ، فتفرقت أمته في الدين ولعن بعضها بعضًا باسم الدين، وأكل بعضها مال بعض باسم الدين، وانتهكت الأعراض والحرمات باسم الدين، واتبعت سَنَنَ من قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع. ولم تنتفع بتلك العظات البالغة والنذر الصادعة من كلام الله وكلام رسوله، حتى حقت عليها الكلمة وصارت إلى أَسْوَإ حال من الخزي والنكال. ولعل لتلك الأمم الكتابية ما يشبه العذر في المصير الذي صارت إليه لضياع كتبها التي هي منبع الهداية بين التحريف والتبديل والنسيان والتأويل. أما هذه الأمة فإن حبل الله المتين فيها ممدود، وباب الفقه فيه مفتوح غير مسدود، ووارد منهله العذب غير مُحَلَّإٍ ولا مطرود. ولكن تناوله أولهم بالتأويل، وآخرهم بالتعطيل حتى اتخذوه مهجورًا، وجعلوا تفسيره وفهمه أمرًا محظورًا، فحرموا ما فيه من شفاء ورحمة، وعلم وحكمة، وبلاغ وبيان، وهدي وفرقان، ونور وحياة، وعصمة ونجاة، وباقيات صالحات، فلم يزالوا لاهين بالانتساب الصوري إليه، حتى دلتهم حوادث الدهر عليه، فاستشعروا- وهم بين براثن من السباع البشرية تتخطف، وصوالجة من الأمم الغالبة تتلقف- غيبة هاديه الذي كان يهيب بالأرواح إلى العز، وفقد حاديه الذي كان يسوق النفوس إلى الكرامة، واختفاء نوره الذي كان يجلو البصائر ويزيل الغمم. فأقبلوا يتلمسونه، وانثالوا عليه يتحسسونه، يرجون منه ما يرجو المدلج الحيران من انبلاج الفجر، وراعي السنين الغبر من انْهلال القَطْر، وقد قوّى أملنا في رجوعهم إليه وإقبالهم عليه ما نراه من اصطباغ الحركة الإصلاحية الحديثة بالصبغة القرآنية، فهي سائرة إلى غايته، داعية إليه، مرشدة به، مستدلة بآياته، به تصول وبه تحارب، وعليه تحامي،

стр. 160

ودونه تنافح، وما الحركة الإصلاحية في يومنا هذا بضئيلة الأثر ولا هي بقليلة الأتباع، وإن هذا لموضع الرجاء في رجوع المسلمين إلى القرآن. ... أي شباب الإسلام: حملة الأمانة ومستودع الآمال وبناة المستقبل وطلائع العهد الجديد. خذوها فصيحة صريحة لا تتستر بجلباب، ولا تتوارى بحجاب. إن علتكم التي أعيت الأطباء واستعصت على حكمة الحكماء هي من ضعف أخلاقكم ووهن عزائمكم. فداووا الأخلاق بالقرآن تصلح وتستقم، وأسوا العزائم بالقرآن تقو وتشتد. وإن الذي قعد بأمتكم عن الصالحات وأعدها لها في أخريات القافلة هو اختلاف قلوبها وتشتت أهوائها. فأجمعوا على القرآن آخرها كما جمع محمد ﷺ أولها، ينتج لكم هذا الآخر ما أنتجه ذلك الأول من عزائم شداد، وألسنة حداد، وهمم كبيرة، وعقول نيرة. وإن أول أمتكم شبيه بآخرها عزوفًا عن الفضائل، وانغماسًا في الرذائل فلم يزل بها هذا القرآن حتى أخرج من رعاة النعم، رعاة الأمم، وأخرج من خمول الأمية أعلام العلم والحكمة. فإن زعم زاعم أن الزمان غير الزمان، فقولوا: ولكن الإنسان هو الإنسان. وإن هذا القرآن وسع الحياة الأبدية فبينها حتى فهمها الناس واعتقدوها وسعوا لها سعيها فكيف لا يسع حياتكم هذه ... ؟ أي شباب الإسلام: إن الأوطان تجمع الأبدان، وان اللغات تجمع الألسنة، وإنما الذي يجمع الأرواح ويؤلفها ويصل بين نكرات القلوب فيعرفها هو الدين، فلا تلتمسوا الوحدة في الآفاق الضيقة ولكن التمسوها في الدين والتمسوها من القرآن تجدوا الأفق أوسع، والدار أجمع، والعديد كثير، والقوى أوفر. بدء تفرق المسلمين في الدين: أقام سلفنا الصالح دين الله كما يجب أن يقام، واستقاموا على طريقته أتم استقامة، وكانوا يقفون عند نصوصه من الكتاب والسنة، لا يتعدونها ولا يتناولونها بالتأويل، وكانت أدواتهم لفهم القرآن، روح القرآن وبيان السنة ودلالة اللغة والاعتبارات الدينية العامة، ومن وراء ذلك فطرة سليمة وذوق متمكن ونظر سديد وإخلاص غير مدخول واستبراء للدين قد بلغ من نفوسهم غايته وعزوف عن فتنة الرأي وفتنة التأويل.

стр. 161

أدبهم قوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فكانوا أحرص الناس على وفاق، وكانوا كلما طاف بهم طائف الخلاف في مسألة دينية بادروه بالرد إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله فانحسم الداء وانجابت الحيرة. وكان العلماء هم المرجع الأعلى للعامة في كل ما يحزبُها من شؤون دينها يرجعون إليهم بلا عصبية ويصدرون عن رأيهم بلا عصبية، وكان العلماء يمثلون الاستخلاف الديني والوراثة النبوية تمام التمثيل، يقودون الأمة بالحق إلى الحق ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا تأخذهم في الله لومة لائم. وأول ما نشأ في المجتمع الإسلامي من جراثيم التفرق في الدين الكلام في القدر والخوض في الصفات، وقارن ذلك حدوث الخلاف في الخلافة هل هي شعبة من الدين تفتقر إلى تنصيص من الشارع، أو هي مصلحة دنيوية ترجع إلى اختيار أهل الرأي من الأمة، وقد سبق الخلاف العملي الخلاف العلمي في هذه المسألة، وهي المعترك الأول الذي اشتجرت فيه الآراء حتى تطرفت، بعد أن اشتجرت فيه الرماح حتى تقصفت، كما أنها أول مسألة امتزجت فيها الأنظار الدينية بالأنظار الدنيوية (أو السياسة) كما يقولون اليوم، وفي هذا المعترك نبتت جرثومة التعصب الخبيثة. ثم توسعت الفتوحات وبسط الإسلام ظله على كثير من الممالك التي كانت لها أثارة من عمران وشيء من سلطان، ودانت له كثير من الأمم، وفي كل أمة طوائف دخلت في الإسلام وهي تحمل أوزارًا من بقايا ماضيها، وما كادت هذه المجموعات البشرية تمتزج ويفعل الإسلام فيها فعله، حتى ظهرت عليها أعراض التفرق. فظهر أصحاب المقالات في العقائد، وأحدثوا بدعة التأويل الذي هو في الحقيقة تحريف مسمى بغير اسمه. وتوفرت الدواعي لظهور المذاهب الفقهية والمذاهب الكلامية والمذاهب الصوفية في أزمنة متقاربة، وكان لترجمة الفلسفة اليونانية والحكمة الفارسية والهندية أثر قوي في تعدد المذاهب الكلامية والصوفية، بما أتت به الأولى من بحث في الالهيات على الطريقة العقلية الصرفة، وبما غذّت به المتكلمين من الأنظار المختلفة وأمدتهم به من طرائق الجدل وقوانينه، وهذا، هو مبدأ التفرق الحقيقي في الدين، لأن المتكلمين يزعمون أن علومهم هي أساس الإسلام، والصوفية يقولون إن علومهم هي لباب الشريعة وحقيقتها. أما المذاهب الفقهية فحدوثها ضرووي وطبيعي ما دامت السنة لم تجمع، وبعد جمعها لم تكن وافية بالتنصيص على الوقائع. الجزئية، ومتونها وأسانيدها بعد خاضعة للتزكية

стр. 162

والتجريح لأنها لم تنقل بطريق التواتر، وما دامت مدارك المجتهدين الذين هم المرجع في هذا الباب متفاوتة بالقوّة والضعف في الاستنباط ووجوه القياس وعلله، وما دامت الوقائع التي تناط بها الأحكام لا تنضبط، وقد استحدث العمران أنواعًا جديدة من المعاملات الدنيولة لا عهد للإسلام الفطري بها، وصورًا شتى من المعايش ووجوه الكسب لم تكن معروفة، فمن سماحة التشريع الإسلامي ومرونته أن تتناول هذه المستحدثات الجديدة بأنظار جديدة، وتستنبط من أصوله أحكام لفروعها، وكل هذا لا حرج فيه وليس داخلًا فيما نشكوه، بل نحن أول من يقدر قدر تلك الأنظار الصائبة والمدارك الراقية، ويقيمها دليلًا على اتّساع التشريع الإسلامي لمصالح الناس، وصلاحيته لجميع الأزمنة، وينكر على من سدّ هذا الباب على الأمة فزهّدها في استجماع وسائله، ونحن أول من يقدر قدر أولئك الأئمة العظام الذين هم مفاخر الإسلام. والمذاهب الفقهية في حدّ ذاتها ليست هي التي فرقت المسلمين، وليس أصحابها هم الذين ألزموا الناس بها أو فرضوا على الأمة تقليدهم، فحاشاهم من هذا، بل نصحوا وبينوا وبذلوا الجهد في الإبلاغ وحكموا الدليل ما وجدوا إلى ذلك السبيل، وأتوا بالغرائب في باب الاستنباط والتعليل، والتفريع والتأصيل، ولهم في باب استخراج علل الأحكام، وبناء الفروع على الأصول، وجمع الأشباه بالأشباه، والاحتياط ومراعاة المصالح ما فاقوا به المشرعين من جميع الأمم. وإنما الذي نعده في أسباب تفرق المسلمين هو هذه العصبية العمياء التي حدثت بعدهم للمذاهب، والتي نعتقد أنهم لو بعثوا من جديد إلى هذا العالم لأنكروها على أتباعهم ومقلديهم، وتبرأوا إلى الله منهم ومنها، لأنها ليست من الدين الذي اؤتمنوا عليه، ولا من العلم الذي وسّعوا دائرته. وكيف يرضون هذه العصبية الرعناء ويقرون عليها مقلدتهم، ومن آثارها فيهم جعل كلام غير المعصوم أصلًا وكلام الله ورسوله فرعًا يذكر للتقوية والتأييد إن وافق، فإن خالف أرغم بالتأويل حتى يوافق، وهذا شر ما بلغته العصبية بأهلها، ومن آثارها فيهم معرفة الحق بالرجال، ومن آثارها فيهم اعتبار المخالف في المذهب كالمخالف في الدين، يختلف في إمامته ومصاهرته وذكاته وشهادته إلى غير ذلك مما نعدّ منه ولا نعدده. وقد طغت شرور العصبية للمذاهب الفقهية في جميع الأقطار الإسلامية، وكان لها أسوأ الأثر في تفريق كلمة المسلمين، وإنّ في وجه التاريخ الإسلامي منها لندوبًا. أما آثارها في العلوم الإسلامية فإنها لم تمدها إلّا بنوع سخيف من الجدل المكابر لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا عاصم من شرور هذه العصبية إلّا صرف الناشئة إلى تعليم

стр. 163

فقهي يستند على الاستقلال في الاستدلال، وإعدادها لبلوغ مراتب الكمال، وعدم التحجير عليها في استخدام مواهبها إلى أقصى حد. ... وأما المذاهب الكلامية فلم يكن أثرها بالقليل في تفرق المسلمين وتمزق شملهم، ولكنها لما كان موضوعها البحث في وجود الله وإثبات صفاته، وما يجب له من كمال وما يستحيل عليه من نقص- كل ذلك من طريق العقل- كانت دائرتها محدودة وكان التعمق فيها من شأن الخواص، وقعد بالعامة عن الدخول في معتركها إحساسها بالتقصير في أدواته من جدل وعقليات يحتاج إليها في مقامات المناظرة والحجاج، فليس علم الكلام كعلم التصوّف مطية ذلولًا يندفع لركوبها العاجز والحازم. فالتصوف شيء غامض يسعى إليه بوسائل غامضة، ويسهل على كل واحد ادعاؤه والتلبيس به. فإن خاف مدعيه الفضيحة لم يعدم سلاحًا من الجمجمة والرمز وتسمية الأشياء بغير أسمائها. ثم الفزع إلى لزوم السمت والتدرع بالصمت والإِعراض عن الخلق، والانقطاع والهروب منهم ما دام هذا كله معدودًا في التصوف وداخلًا في حدوده. ولا كذلك علم الكلام الذي يفتقر إلى عقل نير وقريحة وقادة وذكاء نافذ، ويحتاج منتحله إلى براعة وَلِسْنٍ ومران على المنطق ومقدماته ونتائجه وأقيسته وأشكاله. ولم كل هذه العدد؟ كل هذه العدد للمناظرات وما تستلزمه من إيراد ودفع وإفحام وإلزام. وأين العامة من هذا كله؟ لذلك لم يكن لها من حظ في هذا العلم إلّا معرفة أسماء بعض الفرق والانتصار لها انتصارًا تقليديًا، ولذلك كانت آثار التفريق الناشئة عن هذه المذاهب الكلامية قاصرة على طبقات مخصوصة، ولم تتغلغل في العامة كما تغلغلت آثار التصوف. وقد انقرضت تلك الفرق وانقرض بانقراضها سبب جوهري من أسباب التفرق، بل مات بموتها شاغل طالما شغل طائفة من خيرة علماء المسلمين ببعضهم، وجعل بأسهم بينهم شديدًا، وألهاهم بما يضر عما ينفع. تلاشت تلك الفرق ولم تبق إلّا أخبار معاركها الجدلية في كتب التاريخ، والا آراؤها المدونة في كتبها فتنة للضعفاء وتبصرة للحصفاء. ولم يبق من تلك الأسماء التي كونت قاموسًا في الأنساب إلّا اسمان يدوران في أفواه العامة وأشباه العامة ويستعملونهما في أغراض عامية وهما (أهل السنة والمعتزلة). ومن المحزن أن دراسة علم التوحيد حتى في كلياتنا (الراقية) كالأزهر والزيتونة لا تزال جارية على تلك الطرائق، وفي تلك الكتب، ولا تزال تقرر فيها تلك الآراء، ولا تزال تذكر فيها أسماء تلك الفرق التي لم يبق لها وجود. ويستعرض سيدنا المدرس تلك

стр. 164

الآراء ثم يدحضها ويقيمها ثم ينقضها. وتقتطع أوقات الطلبة المساكين في ذلك. ويا ضيعة الأعمار! أما الشبهات التي يوردها كل يوم ملاحدة العصر ومبشرو المسيحية على الإسلام، ويفتنون بها العلماء فضلًا عن العوام، فإن كلياتنا (العلمية الدينية) ومدرسميها لا يعيرونها أدنى اهتمام، ولا يعمرون بها وقت الطلبة. فيا للفضيحة! ... وإذا نحن وازنا بين ما أجداه علينا علم الكلام وبين ما خسرناه بسببه وجدنا الخسارة تربو على الربح. فتوحيد الله مقرر في القرآن بأجدى بيان وأكمل برهان. وصفاته لا يطمع طامع أن يأتي في إثباتها بأكمل مما أتى به القرآن. وطريقة القرآن في التنزيه أقوم طريقة، وقد جرى عليها الصحابة فكانوا أكمل الناس توحيدًا مع أنهم لا يعرفون الجوهر والعرض. وهل يبقى زمانين؟ ولا الكم ولا الكيف بمعانيها الفلسفية الدقيقة. وعلى هذا فما معنى إضاعة الوقت وإعنات النفس في معرفة هذا العلم المسمى بعلم الكلام. ولو كان هذا العلم المستحدث ذا قواعد طبيعية لا تنقض، كقواعد الحساب أو الهندسة مثلًا، لخف ما يلقى الناس في تعلمه من عناء، ولكننا رأينا تلك القواعد تتهاوى في المناظرات القولية أو القلمية كفقاقيع الماء، فلا يكاد يبني الباني حتى ينبري له هادم ينقض ما بنى ويتبر ما علا. فوا أسفاه على تلك الحملات العنيفة التي كانت جهادًا ولكن في غير عدو. ووالهفاه على ذلك النقع المثار وقد انجلى عن غير فتح ولا غنيمة. وواحسرتاه على ذلك الذكاء الذي كانت تكاد تشف له حجب الغيب، ذكاء أبى بكر الباقلاني وفخر الدين الرازي وأبي الهذيل وابن المعلم، وقد ضاع فيما لا تعود على الإسلام منه عائدة، ولا تنجرُّ له منه فائدة. وإنك لتطالع تفسير الرازي مثلًا فتتلمح من جملته ذكاء يشع، وقريحة تتقد وألمعية تكاد تنتزع منك بنات صدرك، فتظن أن سيكشف لك عن الجهات المتصلة بنفسك من القرآن، ويجلي لك سنن الله في الأنفس والآفاق. وإذا بالظن يخيب والفال يكذب، إذ ترى تلك القوى مصروفة إلى جهة غير التي تريد. وترى الرجل وقد غلب على ذكائه وجرفته العادة التي تملكته إلى الآراء والعقليات وإثارة الشبهات. وترى ذلك الذهن العاتي يتخبط في مضائق هي دون قدر القرآن ودون قيمة ذلك الذهن، حتى ليسف فيزعم لك- مثلًا- أن أولي العلم في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾، هم أهل الاصول ...

стр. 165

ونحن نعتقد أن الرجل وأمثاله من الأذكياء ما أتوا إلّا من غرامهم بهذه المباحث الكلامية واستهتارهم فيها. ويمينًا لو أن تلك الجهود التي تفرقت على الكلام تألفت على جهة عقلية أخرى لفتحت في العلم فتحًا أغر زاهرًا، ولتعجلت به الفخر للإسلام وأهله. وأما المذاهب الصوفية فهي أبعد أثرًا في تشويه حقائق الدين وأشد منافاة لروحه، وأقوى تأثيرًا في تفريق كلمة المسلمين، لأنها ترجع في أصلها إلى نزعة غامضة مبهمة، تسترت في أول أمرها بالانقطاع للعبادة والتجرد من الأسباب والعزوف عن اللذات الجسدية والتظاهر بالخصوصية، وكانت تأخذ منتحليها بشيء من مظاهر المسيحية، وهو التسليم المطلق، وشيء من مظاهر البرهمية وهو تعذيب الجسد وإرهاقه توصلًا إلى كمال الروح زعموا. وأين هذا كله من روح الإسلام وهدي الإسلام؟ ولم يتبين الناس خيرها من شرها لما كان يسودها من التكتم والاحتراس، حتى جرت على ألسنة بعض منتحليها كلمات كانت ترجمة لبعض ما تحمل من أوزار. فراب أئمة الدين أمرها، وانفتحت أعين حراس الشريعة فوقفوا لها بالمرصاد، فلاذ منتحلوها بفروق مبتدعة يريدون أن يثبتوا بها خصوصيتهم كالظاهر والباطن، والحقيقة والشريعة، إلى ألفاظ أخرى من هذا القبيل لا تخرج في فحواها عن جعل الدين الواحد دينين. وما كاد السيف الذي سلّ على الحلّاج وصرعى مخرقته يغمد ويوقن القوم أنهم أصبحوا بمنجاة من فتكاته، حتى أجمعوا أمرهم وأبدوا للناس بعض مكنونات أسرارهم ملفوفة في أغشية جميلة من الألفاظ، ومحفوفة بظواهر مقبولة من الأعمال. وحاولوا أن يصلوا نحلتهم تلك بعجرها وبجرها بصاحب الشريعة أو بأحد أصحابه فلم يفلحوا، وافتضحت حيلتهم وانقطع الحبل من أيديهم، فرجعوا إلى ادعاء الكشف وخرق الحجب والاطلاع على ما وراء الحس إلى آخر تلك (القائمة) التي لا زلت تسمعها حتى من أفواه العامة وتجدها في معتقداتهم. ثم أَمِرَ أمر هذه الصوفية وتقوّت على الزمن، والتقت مع الباطنية وغيرها من الجمعيات التي تبني أمرها على التستر على طبيعة دساسة وعرق نهل ومزاج متحد. واختلطت تعاليم هذه بتعاليم تلك، وتشابهت الاصطلاحات وابتلي المسلمون من هذه النحل بالداء العضال. وقد اتسع صدرها بعد أن تعددت مذاهبها، واختلفت مشاربها في القرون الوسطى والأخيرة من تاريخ الإسلامء فانضوى تحت لوائها كل ذي دخلة سيئة وعقيدة رديئة حتى أصبح التصوف حيلة كل محتال، وحلية كل دجال. وأن هذه الطرق المنتشرة بين المسلمين والتي تربو على المذاهب الفقهية عدًّا، كلها، على ما بينها من تباين الأوضاع، واختلاف الطباع، وتنافر الأتباع، تنتسب إلى هذا التصوف. ولكنه انتساب صوري اسمي، وشتان ما بين الفرع وأصله. فمبنى التصوف في أغلب مظاهره- كما أسلفنا- على الانقطاع والزهد في الدنيا، والتجرد والتقشف ورياضة النفس على المشاق وفطمها عن الشهوات. ومبنى هذه

стр. 166

الطرق في ظاهر أمرها وباطنه على حيوانية شرهة لا تقف عند حدّ في التمتع بالشهوات، والانهماك في اللذائذ واحتجان الأموال من طريق الحرام والحلال، واصطياد الجاه وحب الظهور والاختلاط بأهل الجاه وإيثارهم والتزلف إليهم. آثار الطرق السيئة في المسلمين: خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به ... ليعذرنا الشاعر الميت أو أنصاره من الأحياء إذا استعملنا مصراع بيته في ضد قصده. فهو يريد أن المشهود، أكمل من المفقود، ونحن نريد العكس. فإن أبوا أن يعذرونا احتججنا بأن الشاعر المرحوم هو الذي جنى على مصراعه فقد أرسله مثلًا وهو يعلم أن الأمثال "كالكومينال" (١) ارث مشاع، وقصاع بين جياع، تتناهب وتتواهب. ولم كل هذا الصراع. على مصراع. وأمثال قومي في البلاد كثير؟ ... ومع ذلك فلم يحضرني منها الآن إلا كل قبيح اللفظ، فأنا متمسك بحجتي في المصراع برغم أنف الشاعر ورغم أنوف أنصاره. خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به. والمقصود واضح، فإن قارئ هذا العنوان ربما تحلب ريقه طمعًا في أن ننقل له الغابر من الأخبار والمدون في الأسفار من هذه الآثار. فتقاضانا الكسل من جهة والحرص على تعجيل النفع له من أخرى أن نحيله على ما يراه مع مطلع كل شمس من هذه الآثار السيئة التي شتتت شمل المسلمين، وفرقت كلمتهم وفككت روابطهم، وتركتهم أضحوكة الأمم وسخرية الأجيال بعد أن أفسدت فطرتهم واقفرت نفوسهم من معاني الخير والرجولة. فإذا تأمل مليًا وجد في المشهود ما يغنيه عن التطلع للماضي المسموع واستفاد في آن واحد عبرة الحاضر وعظة المستقبل، وكفانا مؤونة الإفاضة والاستقصاء لأنه يعلم من الدراسة اليسيرة لهذا الحاضر المشهود أن كل ما يراه في المسلمين من جمود وغفلة، وتناكر وقعود عن الصالحات ومسارعة في المهلكات، فمرده إلى الطرق ومأتاه مباشرة أو بواسطة منها، فلا كانت هذه الطرق ولا كان من طرقها للناس.

стр. 167

ومن مكرها الكُبَّار أن تعمد إلى العلماء وهم ألسنة الإسلام المنافحة عنه فترميها بالشلل والخرس، وتصرفها في غير ما خلقت له. فقد ابتلت هذه الطرق علماء الأمة في القديم بوساوسها وأوهامها حتى سكتوا لها عن باطلها، ثم لم تكتف منهم بالسكوت بل تقاضتهم الاقرار لها والتنويه والتمجيد، وابتلتهم في الحديث بدريهماتها ولقمها حتى زادوا على السكوت والاقرار الاتباع والانتساب، والوقوف بالأعتاب. حتى أصبحنا نرى العالم المؤلف يعرف نفسه للناس في صدر تأليفه بمثل قوله: فلان المالكي مذهبا الأشعري عقيدة التيجاني طريقة. وفي وقتنا هذا بلغ الحال بالطرق أنها أذلت العلماء إذلالًا واستعبدتهم استعبادًا. ولم ترض منهم بما رضيه سلفها من سلفهم من حفظ الرسم واللقب وإبقاء السمة والمكانة بين العامة، بل أغرت العامة بتحقيرهم وإذلالهم. ... وإذا كان الناظر في أحوال المسلمين ممن رزق ملكة التعليل وأراد إرجاع كل شيء إلى أصله الأصيل ومنبته الأول، فإنه لا يعسر عليه أن يرجع أمهات علل المسلمين الدينية والاجتماعية إلى هذه الطرقية الكاذبة الخاطئة، التي أصبحت من قرون فكرة تسود العالم الإسلامي وتتحكم في دينه ودنياه، وتتدخل في حياته وسياسته ثم تستحكم في طباعه، فإذا هو في غمرة من الذهول مطبقة أضاع معها آخرته ودنياه. إن أعظم مصيبة أصابت المسلمين- وهي جفاؤهم للقرآن وحرمانهم من هديه وآدابه- منشؤها من الطرق. فهي التي غشَّت المسلمين لأول ما طاف بهم طائفها. وغشيتهم بهذه الروح الخبيثة روح التزهيد في القرآن. وكيف لا يزهد المسلمون في القرآن وكل ما فيه من فوائد وخيرات وبركات قد انتزعتها منه الطرق، وجردته منها ووضعته في أورادها المبتدعة، ورسومها المخترعة، ونحلته شيوخها ومقدميها وصعاليكها؟ ولماذا يعنِّي الناس أنفسهم في فهم القرآن وتدبره، وحمل النفس على التخلق بأخلاقه والوقوف عند حدوده، إذا كان كل ما يناله منه- مع هذا التعب- يجده في الطريق عفوًا بلا تعب وبلا سبب أو بأيسر سبب. فإذا كان هذا القرآن يفيد معرفة الله- وهي أعلى مطلب- فالقوم عارفون بالله، وإن لم يدخلوا كتّابًا، ولم يقرأوا كتابًا. وكل من ينتسب إليهم فهو عارف بالله بمجرد الانتساب أو بمجرد اللحظة من شيخه. وقد كان قدماؤهم يتخذون من مراحل التربية مدارج للوصول إلى معرفة الله فيما يزعمون وفي ذلك تطويل للمسافة وإشعار بأن المطلوب شاق. حتى جاء الدجال ابن عليوه واتباعه بالخاطئة، فأدخلوا تنقيحات على الطريق ورسومًا أملاها عليهم

стр. 168

الشيطان. وكان من تنقيحاتهم المضحكة تحديد مراحل التربية (الخلوية) لمعرفة الله بثلاثة أيام (فقط لا غير)، تتبعها أشهر أو أعوام في الانقطاع لخدمة الشيخ من سقي الشجر، ورعي البقر، وحصاد الزرع وبناء الدور مع الاعتراف باسم الفقير، والاقتصار على كل الشعير، ولئن سألتهم لم نزلتم مدة الخلوة إلى ثلاثة أيام؟ ليقولن فعلنا ذلك مراعاة لروح العصر الذي يتطلب السرعة في كل شيء، فقل لهم: قاتلكم الله. ولم نقصتم مدة الخلوة، ولم تنقصوا مدة الخدمة أيها الدجاجلة؟ وقد قرأنا كثيرًا من رسائلهم التي يتراسلون بها فإذا هم ملتزمون لصفة واحدة يصف بها بعضهم بعضًا، وهي صفة (العارف بالله) وأكثر الطرقيين سخاء في إعطاء هذا اللقب هم العليويلة. ونحن ... فقد عرفنا كثيرًا من هؤلاء (العارفين بالله) فلم نعرفهم إلّا حمرًا ناهقة. فكيف تبقى للقرآن قيمة في نفوس الناس من هذه الناحية بعد هذا التضليل؟ وكيف لا يستحكم الجفاء بين الأمة وقرآنها مع هذا التدجيل والصد عن سواء السبيل؟ وإذا كان هذا القرآن متعبدًا بتلاوته اللفظية وهو ستون حزبًا فإن تلاوة انجيل التيجاني القصير وهو (صلاة الفاتح) مرة واحدة تعدل ستة آلاف ختمة من القرآن. وإذا كان القرآن قد شرع الغزو وهو من أحمز الأعمال وأشقها، فإن تلاوة هذا الإنجيل التيجاني مرة واحدة تعدل آلاف الغزوات، وهي لا تقوم إلا على حركة اللسان من غير اقتحام للميدان، ولا تعرض للرمح والسنان. وإذا كان القرآن يفرض الحج وفيه ما فيه من مصاعب ومتاعب، فإن انجيل التيجاني تعدل تلاوته آلاف المرات من الحج ومئات الآلاف من الصلاة كما هو منصوص في كتب التيجاني وكتب أصحابه. فأي تعطيل للقرآن أعظم من هذا؟ وأي تهوين لشعائر الإسلام ونقض لحكمها أكبر من هذا؟ وأي تزيين للتفلت من تلك الشعائر يبلغ ما يبلغه هذا الكلام من مثل هذا الدجال؟ اللهم إننا نعلم بما علمتنا أن دين التيجاني غير دين محمد بن عبد الله. وأنت تعلم أي دين هو، فضعه حيث تعلم وعامله بما يستحق. أما والله ما بلغ الوضاعون للحديث، ولا بلغت الجمعيات السرية ولا العلنية الكائدة للاسلام من هذا الدين عشر معشار ما بلغته منه هذه الطرق المشئومة. فإذا خرجت من هذا الباب، باب التزهيد في القرآن مقتنعًا بما بينا لك من الأمثلة فقد خرجت بنتيجة، وهي أن هذه الهوة العميقة التي أصبحت حاجزة بين الأمة وقرآنها هي من صنع أيدي الطرقيين.

стр. 169

وانظر الآن إلى الطرق وإلى أهل الطرق بعد أن باعدوا بين الأمة الإسلامية وبين قرآنها، وخلا لهم وجهها، وخلت جنبات النفوس من الحارس اليقظ، ومكنوا فيها خلق الخوف منهم والرجاء فيهم والطاعة والخضوع لهم، وأصبحت مقاليد العامة والدهماء -وهم معظم الأمة المحمدية- في أيديهم. أنظر في أي سبيل صرفوها؟ إنهم بعد أن أفسدوا فطرتها وأماتوا ما غرسه الإسلام فيها من فضيلة، وفككوا كل ما أحكم بينها من روابط أخوة، وراضوها على الذل والمهانة والخضوع وسدوا عليها منافذ النور فاستقامت لهم على ذلك، فرقوها فرقًا وقسموها إلى مناطق نفوذ يتزاحمون على استغلالها واستعمارها، وأغروا بينها. العداوة والتضريب والبغضاء، وإنك لتسمعهم يقولون الاخوة والاخوان فاعلم أنهم لا يريدون أخوة الإسلام العامة ولا يرعون من حقوقها حقًا، وإنما يريدون أخوة الشيخ وأخوة الطريق. وكل ما يجب عليك من حق فهو لأخيك في الطريق أعاذك الله منها. وأن هذه الأخوة القاطعة تفرض عليهم أن يبغضوا كل من لم يتصل معهم بحبل الشيخ، وينابذوه ولا يجتمعوا معه ولو في العبادات الشرعية كالصلاة وقراءة القرآن، أو البدعية كحلقهم الخصوصية، بل يبلغ الغلو ببعضهم (كالتيجانية) أن لا يصلوا خلفه ولا يصاهروه. وتسمعهم يقولون الإحسان وهم لا يريدون الإحسان الذي دعا إليه القرآن. وعندهم أن حق الشيخ قبل حق الزوجة والأولاد والآباء والأجداد، وحق الشيخ في المال قبل حق الفقير والمسكين. بل إنهم يصرفون لهم الزكاة كاملة وينقلونها لأجلهم من بلد إلى بلد. فأين حكمة الله في الزكاة؟ وأين مصارفها التي بينها القرآن؟ لعمرك إن الطرقية في صميم حقيقتها احتكار لاستغلال المواهب والقوى، واستعمار بمعناه العصري الواسع، واستعباد بأفظع صوره ومظاهره. يجري كل هذا والأشياخ أشياخ يقدس ميتهم وتشاد عليه القباب، وتساق إليه النذور، ويتمرغ بأعتابه، ويكتحل بترابه، وتلتمس منه الحاجات وتفيض عند قبره التوسلات والتضرعات، ويكون قبره فتنة بعد الممات كما كان شخصه فتنة في الحياة. ثم تتوالد الفتن فيكون اسمه فتنة، وأولاده فتنة، وداره فتنة وإذا هو مجموع فتون، تربو عدا على ما في مجموع المتون. وما ضر هؤلاء الأشياخ- وقد دانت لهم الأمة وألقت إليهم يد الطاعة ومكنتهم من أعراضها وأموالها- أن يأخذوا أموالها سارقين، ثم يورثونها أولادًا لهم فاسقين، يبددونها في الخمور والفجور، والسيارات والملابس والقصور. ما ضرهم أن تهزل الأمة إذا سمنوا؟ ما ضرهم إذا فسدت أخلاقها ما دام خلق البذل والطاعة لهم صحيحًا؟ ما ضرهم أن تتفرق كلمة الأمة ما دامت مجمعة على تعظيمهم واحترامهم، ومغضية على شرهم وإجرامهم؟

стр. 170

ولكن الذي يضيرهم ويقض مضاجعهم هو أن ترتفع كلمة حق بكشف مخازيهم وحيلهم الشيطانية، وتنفير الناس منهم وتحذيرهم من إفكهم وباطلهم؛ فهنالك تقوم قيامتهم وينادون بالويل والثبور، ويقاومون بما لا يخرج عن طريقتهم في التضليل ودس الدسائس، ويبلغ بهم الحال أن يتناسوا الفوارق الطرقية بينهم والمنافسات الاستعمارية والأحقاد القديمة، ويتصافحوا على (الزردة) (٢) ويتقاسموا ولكن لا بأسماء أشياخهم، خشية أن تثور الثوائر الكامنة فيحبط ما صنعوا ... لأن هذه النقطة ليست محل تسليم. فهلا اجتمعتم بالأمس أيها الكاذبون. وهلا خيرًا من هذا وذاك وهو الرجوع إلى الحق. دفع شبهة ونقض فرية في هذا المقام: سيقول بعض الناس: ان ما ذكرتموه من آثار الطرق السيئة كله صحيح وهو قليل من كثير، ولكن هذه الطرق لم يعترها الفساد والافساد إلّا في القرون الأخيرة، وأنتم- معشر المصلحين- تذهبون في إنكاركم إلى ما قبل هذه القرون، وتتناولون فيما تكتبون وما تخطبون وما تدرسون المحدثين والقدماء والأصول البعيدة والفروع القريبة. حتى بسطتم ألسنتكم بالسوء إلى مقامات وأسماء كانت قبل اليوم كحمام الحرم. ولعل خصومكم يكونون أدنى للرجوع إلى الحق لو سكتم لهم عن هذه الأسماء. لهذا القائل نقول- بعد شكره على الاعتراف ببعض الحق- إن الجزء الأخير من كلامك مقتبس مما يشنع به علينا خصوم الإصلاح، وهو أننا ننبش القبور ولا نحترم الأموات، وننكر كرامات الأولياء ومراتبهم (من غوثية وقطبانية) إلى أكاذيب يلفقونها وأراجيف يتناقلونها عنّا. فاسمع يا هذا: إنء حجة الإسلام قائمة، وميزانه منصوب، وآدابه متمثلة في سيرة الصحابة والتابعين، واننا لا نعرف في الإسلام بعد قرونه الثلاثة الفاضلة ميزة لقديم على محدث، ولا لميت على حي، وإنما هو الهدى أو الضلال، والاتباع أو الابتداع، وليست التركة التي ورثناها الإسلام عبارة عن أسماء تطفو بالشهرة وترسب بالخمول ويقتتل الناس حولها كالأعلام، أو يفتنون بها كالأصنام. وإنما ورثنا الحكمة الأبدية والأعمال الناشئة عن الإرادة، والعلم المبني على الدليل. وإن المسلمين غلوا لق تعظيم بعض الأسماء غلوًا منكراً فأداهم ذلك الغلو إلى نوع غريب من عبادة الأسماء نعاه القرآن على من قبلنا ليعظنا ويحذرنا ما صنعوا. وقد عزل عمر خالد بن الوليد. وقال: خشيت أن يفتتن به الناس.

стр. 171

ونحن حين نحكم على الأشياء نحكم عليها بآثارها. وآثار هذا الغلو في المسلمين كانت الشر المستطير والتفرق الماحق. ونحن إذ ننكر إنما ننكر الفاسد من الأعمال، والباطل من العقائد سواء علينا أصدرت من سابق أم من لاحق، ومن حي أم من ميت. لأن الحكم على الأعمال لا على العاملين، وليس صدور العمل الفاسد من سابق بالذي يحدث له حرمة أو يصيره حجة على اللاحقين، بل الحجة لكتاب الله ولسنّة رسوله، فلا حق في الإسلام إلا ما قام دليله منهما واتضح سبيله من عمل الصحابة والتابعين بهما، أو إجماع العلماء بشرطه على ما يستند عليهما. وبهذا الميزان فأعمال الناس إما حق فيقبل أو باطل فيرد. وقد روى الثقات عن الإمام مالك أنه من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا. وإنكاره على الإمام عبد الرحمن بن مهدي وضع الرداء أمامه في الصلاة وعده ذلك من الحدث معروف، وحكايته مع الرجل الذي سأله عن الإحرام من مسجد المدينة وقال له: إنما هي بضعة أميال أزيدها، واستشهاد الإمام بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، كل ذلك معروف مشهور. ومع أننا نعلم أن الطرق منتشرة في العالم الإسلامي وأن آثارها فيه متشابهة، وأنها هي السبب الأقوى في كثير مما حل به من الأرزاء والنكبات، وكثيرًا ما كانت مفتاحًا لاستعمار ممالكه، فإن حربنا موجهة أولًا وبالذات إلى طرقية الشمال الافريقي، وبينها من الوشائج ما يجعلها كالشيء الواحد. فعلى مقدار هؤلاء الذين نعرف جنسهم وفصلهم، وفرعهم وأصلهم نفصل القول، وإلى هذا الهدف نسدد السهام. والأمر بيننا وبينهم من يوم شنت الغارة دائر على أحوال وسائر على مراحل ينتقلون بنا من إحداها إلى الأخرى ولا نزال نطاردهم وهم يلتجئون من ضيق إلى أضيق إلى الآن. وذلك أننا لما أنكرنا عليهم باطلهم الذي يرتكبونه باسم الدين، زعموا أن الطريق هي الدين، ولما نقضنا لهم هذه الدعوى تنزلوا فزعموا أن لها حبلًا واصلًا بالدين وسندًا متصلًا بالسلف، ولما بينا لهم أن الحبل مقطوع وأن السند منقطع قالوا إن هذه الطرقية مرت عليها قرون ولم ينكرها العلماء، فبينا لهم أن عدم إنكار العلماء الباطل لا يصيره حقًا، ومرور الزمن عليه لا يصيره حقًا، وقلنا لهم إذا كان سلفكم في الطرقية يعملون مثل أعمالكم فهم مبطلون مثلكم، وإذا كانوا على المنهاج الشرعي فليسوا بطرقيين، ونحن نعلم من طريق التاريخ لا من طريق الشهرة العامة أن بعض أصحاب هذه الأسماء الدائرة في عالم التصوف والطرق

стр. 172

كانوا على استقامة شرعية وعمل بالسنة ووقوف عند حدود الله. فهم صالحون بالمعنى الشرعي، ولكن الصلاح لم يأتهم من التصوف أو الطرق وإنما هو نتيجة التدين، وفي مثل هؤلاء الصالحين الشرعيين إنما نختلف في الأسماء، فنحن نسميهم صالحي المؤمنين وهم يسمونهم صوفية وأصحاب طرق، فيا ويلهم إن طريقة الإسلام واحدة، فما حاجة المسلمين إلى طرق كثيرة. ثم ما هذا التصوف الذي لا عهد للإسلام الفطري النقيّ به؟ إننا لا نقره مظهرًا من مظاهر الدين أو مرتبة عليا من مراتبه، ولا نعترف من أسماء هذه المراتب إلّا بما في القاموس الديني: النبوة والصديقية والصحبة والاتباع ثم التقوى التي يتفاضل بها المؤمنون، ثم الولاية التي هي أثر التقوى، وإن كنا نقره فلسفة روحانية جاءتنا من غير طريق الدين ونرغمها على الخضوع للتحليل الديني. وهل ضاقت بنا الألفاظ الدينية ذات المفهوم الواضح والدقة العجيبة في تحديد المعاني حتى نستعير من جرامقة اليونان أو جرامقة الفرس هذه اللفظة المبهمة الغامضة التي يتسع معناها لكل خير ولكل شر؟ ويمينًا، لو كان للمسلمين يوم اتسعت الفتوحات، وتكونت (المعامل) الفكرية ببغداد ديوان تفتيش في العواصم ودروب الروم ومنافذ العراق العجمي، لكانت هذه الكلمة من "المواد الأولية" المحرمة الدخول ... فقد أصبحت هذه الكلمة التي غفلوا عنها أمًّا ولودًا تلد البر والفاجر. ثم تمادى بها الزمن فأصبحت قلعة محصنة تؤوي كل فاسق وكل زنديق وكل ممخرق وكل داعر وكل ساحر وكل لص وكل أفاك أثيم. وانظر طبقات الشعراني الكبرى وما طبع على غرارها من الكتب تجد أصناف المحتمين بهذه القلعة- وهم ببركة حمايتها- طلقاء من قيود الشريعة. وإن هذه القلعة لهي المعقل الأسمى والملاذ الأحمى لأصحابنا اليوم. فكل راقص صوفي، وكل ضارب بالطبل صوفي، وكل عابث بأحكام الله صوفي، وكل ماجن خليع صوفي، وكل مسلوب العقل صوفي، وكل آكل للدنيا بالدين صوفي، وكل ملحد في آيات الله صوفي، وهلم سحبًا. أفيجمل بجنود الإصلاح أن يدعوا هذه القلعة تحمي الضلال وتؤويه أم يجب عليهم أن يحملوا عليها حملة. صادقة شعارهم "لا صوفية في الإسلام" حتى يدكوها دكًا وينسفوها نسفًا ويذروها خاوية على عروشها؟ إن احترام الصوامع والأديرة- لأن فيها قومًا فحصوا أرؤسهم وحبسوا نفوسهم- مشروط بما إذا لم تكن مأوى للمقاتلة، وإلا زال احترامها.

стр. 173

والحقيقة أن الطرقيين أرادوا أن يصبغوا طرقهم بالقدسية الدينية فانتحلوا لها هذه الأباطيل وأعطوها خصائص الدين كلها. ألم تر أنهم يعدون الخروج من طريقة ولو إلى طريقة أخرى كالارتداد عن الدين يموت فاعله على سوء الخاتمة قبحهم الله؟ فما هو إلّا خروج من ضلالة إما إلى هدى وإما إلى ضلالة أشنع. ولما فضحناهم من هذه النواحي كلها لجأوا إلى العامة يستصرخونها باسم الغيرة على الأوائل ... وأن كثيرًا منهم ليعني بالأوائل أباه القريب وجده. وقد كان في هؤلاء الأوائل الذين يعنونهم من ينتحل ظواهر من التدين، وفيهم من يفعل فعل الأبالسة. ونحن أدركنا كثيرًا منهم وبلونا أخبارهم فوجدنا ظواهر مموهة على بواطن مشوهة، وأكبر جرحة دينية فيهم عندي إقرارهم لتلك الأماديح الشعرية الملحونة التي كان يقولها فيهم الشعراء المتزلفون، وينشدونها بين أيديهم في محافلهم العامة، وفيها ما هو الكفر أو دونه الكفر من وصفهم بالتصرف في السموات والأرضين، وقدرتهم على الإغناء والإفقار وإدخال الجنة والإنقاذ من النار. دع عنك المبالغات التي قد تغتفر، كل ذلك وهم ساكتون، بل يعجبون لذلك ويطربون، ويثيبون المادح علمًا منهم أن ذلك المديح دعاية مثمرة تجلب الأتباع وتدر المال. ولو كانوا على شيء من الدين لما رضوا أن يسمعوا تلك الأماديح وهم يعلمون كذبها من أنفسهم، ويعلمون أن فيها تضليلًا للعامة وتغريرًا بعقائدها، وأن تلك الأماديح المنشورة بين الناس في وطننا هذا هي سر انتشار الطرقية وتغولها فيه، وقد سمعنا الكثير منها ولنا فيها وفيمن قيلت فيه فلسفة خاصة، سنفردها بالكتابة في فرصة أخرى إن شاء الله. وبالجملة، فهذا الطراز الطرقي الذي أدركناه من آباء وأبناء يجمعهم قولك طلاب دنيا وعباد شهوات. ولو أكلوا أموال الناس بالباطل من غير أن يتخذوا الدين شباكًا لهان أمرهم على الناس ولاتّقوهم بما يتقون به اللصوص، ولوكلناهم نحن إلى القوانين والوزعة. فأما أن يعبثوا بالدين كل هذا العبث، وبما حرم الله من أعراض المسلمين وأحوالهم ثم يريدون أن نسكت عنهم كما سكت العلماء من قبلنا، فلا والله ولا كرامة. ولعل أسخف طور مر على الطرقية في تاريخها هو هذا الطور الأخير. فقد أصبح من أحكامها أن شيخ الطريقة لا يلد إلّا شيخ طريقة. وهم- قطع الله دابرهم- لا يعرفون من السنة إلّا تناكحوا تناسلوا إلخ، فكثر نسلهم وكثرت بكثرته (مشائخ الطرق)، وأصبح أمر هذه المشيخة لا يتوقف على تربية ولا تسليك ولا إجازة، وإنما يتوقف على قاعدة "خبز الأب للابن" أو على شيء آخر وهو التولية الحكومية مثل ما نعلم عن مصر وتونس والجزائر من صدور الإرادات السنية والأوامر العلية والمراسيم الحكومية بولاية المشيخة الطرقية. فيا للسخرية ... وأغرب من هذا أننا رأينا لأول مرة في تاريخ الطرقية شيخ الطريقة بالانتخاب عند الطائفة العليوية المجددة العصرية (المودرن).

стр. 174

إننا لا نحمل لهؤلاء المشائخ ولا لأولادهم ولا لأحفادهم حقدًا ولا نضطغن عليهم شيئًا، ولا ننفس عليهم مالًا من الأمة ابتزوه، ولا جاهًا على حسابها أحرزوه، وليس بيننا وبينهم ترات قديمة، ولا ذحول متوارثة، ولا طوائل مغرومة. وإنما هو الغضب لله ولدينه وحرماته انطقنا فقلنا، وشنناها غارة شعواء على الآباء والأبناء، ما دام هذا الغصن من تلك الشجرة، ولو كنا من الشعريات بسبيل لقلنا مع القائل: لَا أَذُودُ الطَّيْرَ عَنْ شَجَرٍ ... قَدْ بَلَوْتُ الْمُرَّ مِنْ ثَمَرِهْ أول صيحة ارتفعت بالإصلاح في العهد الأخير: لا نزاع في أن أول صيحة ارتفعت في العالم الإسلامي بلزوم الإصلاح الديني والعلمي في الجيل السابق لجيلنا هي صيحة إمام المصلحين الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده- ﵁ وأنه أندى الأئمة المصلحين صوتًا وأبعدهم صيتًا في عالم الإصلاح. فلقد جاهر بالحقيقة المرة، وجهر بدعوة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى الرجوع إلى الدين الصحيح والتماس هديه من كتاب الله ومن سنة نبيه، وإلى تمزيق الحجب التي حجبت عنا نورهما وحالت بيننا وبين هديهما مبينًا بصوت يسمع الصم، وبلاغة تستنزل العصم، ان علة العلل في سقوط المسلمين وتأخرهم وراء الأمم، وانحطاطهم عن تلك المكانة التي كانت لهم في سالف الزمن هي بعدهم عن ذلك الهدي الروحاني الأعلى. وانه لا يرجى لهم فلاح في الدنيا ولا في الآخرة، ولا صلاح حال يستتبع صلاح المآل، ولا عزة جانب، ترد عنهم عادية الغاصبين من الأجانب، إلّا إذا راجعوا بصائرهم، واسترجعوا ذلك الهدي الذي لم يغصبه منهم غاصب، وإنما هجروه عن طوع أشبه بالكره، واختيار أشبه بالاضطرار، فباءوا بالمهانة والصغار، والضعة والخسار. كانت تلك الصيحة الداوية من فم ذلك المصلح العظيم صاخّة لآذان المتربصين بالإسلام، ولآذان المبطلين من تجار الولاية والكرامات وعبدة الأجداث والأنصاب، ولآذان الجامدين من العلماء. وجموا لها وملكتهم غشية الذهول علمًا منهم أن أول آثارها إذا تغلغلت في النفوس هو قطع الطريق على المتربصين وهدم سلطان المبطلين الزائف، ومكانتهم الكاذبة، وجاههم الخادع، وجفاف المراعي الخصبة التي كانوا يسيمون فيها شهواتهم ولذاتهم، ونضوب المنابع الروية من المال التي كانوا يعلّون منها وينهلون. ولقد وقفوا بعد زوال تلك الغشية صفًا واحدًا في وجه ذلك المصلح يجادلونه بالبهت، ويكايدونه بالإفك، وألبوا عليه الألسنة والأقلام، ووقفوا له بكل مرصد، ورموه بكل نقيصة. فلم ينالوا منه نيلًا إلّا قولهم إنه كافر، وهنة وهنة، وهذه هي النغمة المرددة التي كان فقهاء

стр. 175

الجيل البائد في وطننا هذا وفي غيره يرددونها مقرونة بالسب واللعن، وقد ورثها عنهم أهل هذا الجيل واشتقوا منها اشتقاقات غريبة، وهي أسلحتهم التي يقذفون بها في وجوه المصلحين كلما أعيتهم الحجة، وأعوزهم الدليل. وكان الأستاذ الإمام أعجوبة الأعاجيب في الألمعية وبعد النظر وعمق التفكير وحدة الخاطر واستنارة البصيرة وسرعة الاستنتاج واستشفاف المخبآت، حكيم بكل ما تؤديه هذه الكلمة من معنى. منقطع النظير في صدق الإلهام وسداد الفهم، وصدق العزيمة، وخصب القريحة واستقلال الفكر، ونصاعة الاستدلال، وتمكن الحجة. موفور الحظ من طهارة الدخلة، والانطباع على الفضيلة، مستكمل الأدوات من فصاحة المنطق، وذلاقة اللسان، وقرطسة الفراسة، ودقة الملاحظة، وسلاسة العبارة، ومطاوعة البديهة، ورباطة الجأش، وكبر الهمة ووفرة الملكة الخطابية، وقوة العارضة في البيان، واتساع الصدر لمكاره الزمان وأهله. حجة من حجج الله في فهم أسرار الشريعة ودقائقها وتطبيقها، وفي البصر بسنن الله في الأنفس والآفاق، وفي العلم بطبائع الاجتماع البشري وعوارضه ونقائصه. وبالجملة، فالرجل فذ من الأفذاذ الذين لا تكونهم الدراسات وإن دقت، ولا تخرجهم المدارس وإن ترقت، وإنما تقذف بهم قدرة الله إلى هذا الوجود وتبرزهم حكمته في فترات متطاولة من الزمن على حين انتكاس الفطرة، واندراس الفضيلة وانطماس الحقيقة، فيكون وجودهم مظهرًا من مظاهر رحمة الله بعباده وحجة للكمال على النقص، وإصلاحًا شاملًا وخيرًا عميمًا. ولو أن قول الشاعر: هَيْهَاتَ لَا يَأْتِي الزَّمَانُ بِمِثْلِهِ ... إنَّ الزَّمَانَ بِمِثْلِهِ لَبَخِيلُ لم يبتذله المترجمون للرجال بوضعه في غير موضعه حتى صاروا ينشدونه في حق أشخاص يتكرم الزمان علينا بمآت من مثلهم في كل جيل، لولا هذا الابتذال السخيف لهذا البيت لقلنا: إن أحق رجل بانطباقه وصحة إطلاقه عليه هو الأستاذ الإمام. فرضي الله عن الأستاذ الإمام. حمل لواء الإصلاح بعد موت الإمام تلميذه الأكبر ووارث علومه السيد محمد رشيد رضا. وقد كان في حياة الإمام ترجمان أفكاره باعتراف الإمام، والمنافح عنه والمدافع دونه. واضطلع بعد موته بحمل أعباء الإصلاح حين نكل عن حملها أقوام، وضعف عن حملها

стр. 176

أقوام، واستقل بتسيير سفينته فكان الربان الماهر وأقام على مبادئ أستاذه وفيًا لها وله، فتمادى على إصدار التفسير على منهاج الإمام من حيث وقف الإمام، وجمع تاريخ حياة الإمام فكان أضخم عمل استقل به فرد، وليس تاريخ الأستاذ الإمام بالأمر الهين الذي يقوم به فرد، لو لم يكن ذلك الفرد (رشيدًا). كان أكمل آثار الشيخ رشيد في حياة الإمام إنشاء مجلة المنار، وأنفس ذخر علمي اشتملت عليه هو دروس الإمام في التفسير التي هي النواة الأولى لتفسير المنار. وتلك الفتاوى الجليلة التي كان ينشرها في أمهات العقائد والأحكام على ذلك النحو العجيب من الاستقلال في الاستدلال. ولعمري، لو أن رشيدًا قصر كما قصر غيره ولم يجمع خلاصات دروس الإمام، لأضاع على العالم الإسلامي كنزًا علميًا لا يُقوّم بمال الدنيا. بارك الله في أوقات الأستاذ رشيد، فاستمر بعد موت الإمام على إصدار المنار واتسق أفق انتشاره في الأقطار الإسلامية وكثر قراؤه- أو تلامذته كما كان يقول ﵀ وأحدث، حتى في أصلبها عودًا وأشدها جمودًا، انقلابًا فكريًا في فهم الدين وصلته بالدنيا، وألف المؤلفات الكثيرة، ونشر من مؤلفات المصلحين من القدماء ما زاد به الإصلاح الحاضر تمكينًا ورسوخًا، فكانت تلك المؤلفات غذاء صالحًا للنهضة العلمية، وساهم في الإصلاح العلمي والإصلاح السياسي لقومه، وبني وطنه، وإن كانت بعض آرائه في هذا الأخير لا تخلو من الشذوذ. وكان طول حياته بلاء مسلطًا على طاثفتين: دعاة التدجيل من المسلمين ودعاة النصرانية من المسيحيين. فلم نعرف في التاريخ من فضح الطائفتين شر فضيحة غير الأستاذ السيد رشيد. وإن أزهر الصحائف في سجل حياته هي تلك المواقف العاتية التي كان يقفها في الدفاع عن الإسلام ونصره، ورد عوادي الكفر والضلال عنه. وعاش ما عاش مرهوب شباة اللسان مرهوب شباة القلم، إلى أن لحق بربه راضيًا مرضيًا في هذا العام. فشعر العالم الإسلامي بأن خسارته فيه لا تعوض. وان من واجب الوفاء والاعتراف بالفضل لأهله، أن نجري ذكره بما يتسع له المقام في هذه النشرة الإصلاحية التي تمت إلى أعماله ومبادئه بالنسب العريق، وتتصل إلى علومه ومعارفه الواسعة بالسبب الوثيق. وقد فعلنا. ولكن أين تقع هذه الجمل مما يوجبه الوفاء لرجل، هو في بناء الاصلاح الركن والدعامة، وفي هيكل الإصلاح الرأس والهامة؟ وعسى أن تساعد الأقدار فنوفيه بعض حقه.

стр. 177

لقيته- ﵀ ببلدة دمشق على أثر انتهاء الحرب العظمى وقد جاءها ليتصل بالهيئات العاملة لخير العرب، وليزور أهله في القلمون من لبنان الشمالية. ونزل ضيفًا على صديقنا العالم السلفي الشيخ بهجت البيطار. وبيت آل البيطار في دمشق هو مبعث الإصلاح ومطلعه. ولعميدهم الشيخ عبد الرزاق البيطار ورفيقه الشيخ جمال الدين القاسمي صداقة باذخة الذرى، وصلة وثيقة العرى بالأستاذ الإمام، تجمع الثلاثة وحدة الفكرة والرأي والسلفية الحقة والاستقلال في العلم. والبيطار والقاسمي عالمان جليلان لم أدركهما حين دخلت دمشق. ولكني قرأت من آثارهما في الكتب التي كتباها، ورأيت من آثارهما في النفوس التي ربياها، ما شهد لي أنهما ليسا من ذلك الطراز المتعمم الذي أدركناه بدمشق، ولثانيهما آثار مطبوعة هي دون قدره، وفوق قدر علماء مصره. كنا نذهب ليلًا إلى دار صديقنا البيطار للسمر مع الشيخ رشيد. ورفيقي إذ ذاك الأستاذ الشيخ الخضر بن الحسين، المدرس الآن في الأزهر. وأشهد أنها كانت ليالي ممتعة يغمرنا فيها الأستاذ رشيد بفيض من كلامه العذب في شؤون مختلفة. وإن أنس فلا أنس إحسانه في التنقل ولطف تحيله في الخروج بنا من معنى آية إلى شأن من شؤون المسلمين العامة. وكان في الليالي التي اجتمعنا به فيها يستولي على المجلس ويملك عنان القول، فلا يدع لغيره فرصة للكلام إلّا أن يكون سؤال سائل، مع اشتمال المجلس على طائفة عظيمة من أهل الأفكار المستقلة والألسنة المستدلة. وأخبرني عارفوه أن تلك عادته، فإن كان ما قالوه حقًا فهي غميزة في فضله وأدبه. وبمناسبة لقائي للشيخ رشيد، فأنا ذاكر قصة لها تعلق به، وهي تنطوي على ضروب من العبر وتكشف عما يضمره العلماء الجامدون للعلماء المصلحين من كيد وسوء نية، وما يصمونهم به من عظائم، مما لا يصدر من مسلم عامي فضلًا عن العالم. وإنني أذكر القصة، بدون تعليق. صادف قدوم الشيخ رشيد إلى الشام عزمي على الرجوع إلى الجزائر، وخرج الشيخ رشيد إلى القلمون فخرجت بعده إلى بيروت في وجهتي إلى المغرب. وكان من رفاقي في هذه الوجهة الأستاذ محمد المكي بن الحسين شقيق الشيخ الخضر المتقدم. فاجتمعنا ذات صباح بالشيخ يوسف النبهاني الخرافي المشهور في دكان أحد التجار، وكان النبهاني سمع بي فجاء مسلمًا قاضيًا لحق الجوار بالمدينة المنورة، إذ كنا قد تعارفنها فيها، فإنا لكذلك إذ مر بنا الشيخ رشيد ولم يرنا ولم نره. وما راعني إلّا النبهاني يلفت رفيقي ويسأله: أتعرف هذا؟ فأجابه: وكيف لا؟ هذا الشيخ رضا. فما كان من النبهاني إلّا أن قال: هذا أضر على الاسلام من ألف كافر، فكان امتعاض قطعت نتائجه سرعة الانفضاض.

стр. 178

نشوء الحركة الإصلاحية في الجزائر: لا يطلق- في هذا المقام- لفظ حركة في العرف العصري العام إلّا على كل مبدإ تعتنقه جماعة وتتساند لنصرته ونشره والدعاية والعمل له عن عقيدة، وتهيئ له نظامًا محددًا وخطة مرسومة وغاية مقصودة، وبهذا الاعتبار، فإن الحركة الإصلاحية لم تنشأ في الجزائر إلّا بعد الحرب العالمية. والتأثير الأكبر في تكوينها على هذه الصورة يرجع في الحقيقة إلى سنة الادالة الكونية التي اقتضاها تدبير الاجتماع، ويرجع في الظاهر- فيما نرى- إلى العوامل الآتية: الأول: نوازع جزئية محدودة أحدثتها في النفوس المستعدة الأحاديث المتناقلة في الأوساط العلمية عن الامام عبده، ولو من خصومه الممعنين في التشنيع عليه وسبه ولعنه- وما أكثرهم بهذا الوطن! فكانت تلك الأحاديث تفعل فعلها في النفوس المتبرمة من الحاضر والمستشرفة إلى تبدله بما هو خير، وتكيفها تكييفًا جديدًا وتغريها أولًا بالبحث عن منشإ هذه الخصومة العنيفة لهذا الرجل. فإذا علمت أن منشأ ذلك دعوته إلى القرآن، أو ادعاؤها الاجتهاد، كما كانوا يقولون قرب هذا الاسم منها، فأحبته ولجت في الانتصار له، وإن لم تتبين مشربه كل التبيّن. ويضاف إلى هذا العامل قراءة "المنار" على قلة قرائه في ذلك العهد، واطلاع بعض الناس على كتب المصلحين القيمة، ككتب ابن تيمية وابن القيم والشوكاني. فهذا عامل له أثره في التمهيد للدعوة الإصلاحية. الثاني: الثورة التعليمية التي أحدثها الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس بدروسه الحية والتربية الصحيحة التي كان يأخذ بها تلاميذه، والتعاليم الحقة التي كان يبثها في نفوسهم الطاهرة النقية، والإعداد البعيد المدى الذي كان يغذي به أرواحهم الوثابة الفتية. فما كادت تنقضي مدة حتى كان الفوج الأول من تلاميذ ابن باديس مستكمل الأدوات من فكر صحيحة وعقول نيرة ونفوس طامحة، وعزائم صادقة، وألسن صقيلة، وأقلام كاتبة. وتلك الكتائب الأولى من تلاميذ ابن باديس هي طلائع العهد الجديد الزاهر، وقد سمع الناس لأول مرة في الجزائر من بعض تلك البلابل شعرًا يؤدي معنى الشعر كاملًا، وقرأوا كتابة تؤدي معنى الكتابة. ثم زحفت من أولئك التلاميذ في ذلك العهد أيضًا كتيبة جرارة، سلاحها الفكرة الحية الصحيحة، إلى جامع الزيتونة لتكمل معلوماتها ولتبني على تلك الفكرة الحية وعلى ذلك الأساس العلمي الصحيح، بناء علميًا محكمًا. ورجعت تلك الطائفة إلى الجزائر، فكان من مجموعها وممن تخرج بعدها من تلاميذ الأستاذ، ومن تلاميذ جامع الزيتونة، جنود الإصلاح اليوم وقادته وألويته المرفرفة، وأسلحته النافذة.

стр. 179

الثالث: التطور الفكري الفجائي الذي خرج به الجمهور من ثمرات الحرب العظمى. ومن آثار ذلك التطور انحطاط قيمة المقدسات الوهمية في نظر كثير من الناس. ومما أعان على نمو هذا الأثر في النفوس تطور زعماء التخريف وأساطين التدجيل بالانكباب على المال، والتكالب في جمعه والانهماك في الملذات ومزاحمة العامة في الوظائف والنياشين (٣)، بعد أن كانوا وكان سلفهم القريب يتظاهرون بالبعد عن هذه المواقف، ويتنصلون من النياشين إذا عرضت لهم، ويكثرون في مجالسهم من مثل هذه الجملة (لا شيعة إلّا شيعة ربي) (٤) إغراقًا منهم في التلبيس على العامة، واستبقاء لطاعتها وتجنبًا لنفورها. ولكن الحرب العظى فضحتهم بآثارها وأطوارها. الرابع: عودة فئة من أبناء الجزائر البررة المخلصين من الحجاز مهد الإسلام الأول ومنبت الدعوة إلى الحق ومبعث الإصلاح الإنساني العام، بعد أن تلقوا العلم هناك بفكرة إصلاحية ناضجة مختمرة. وإن هذه الفئة التي رجعت من الحجاز بالهدي المحمدي الكامل قد تأثرت بالإصلاح تأثرًا خاصًا مستمدًا قوته وحرارته من كلام الله وسنة رسوله مباشرة، ولم تكن قط متأثرة بحال غالبة في الحجاز إذ لم يكن للإصلاح في ذلك الوقت شأن يذكر في الحجاز إلّا في مجالس محدودة وعند علماء محدودين. ولو شاء ربك لرمى الجزائر بقافلة من الحجاز مضللة تتخذ من حرمة الجوار شركًا جديدًا، وتجعل منه غلًا في الأعناق شديدًا، كما رماها بطائفة من الأزهريين الجامدين فزادوها قرحًا على قرح وكانوا ضغثًا على إبالة، ولكن ربك أرحم من أن يكثر عداد أولادها العاقين فيزيدها بذلك ويلًا على ويل وترابًا على سيل. بهذا العامل الرابع تلاحق المدد وتكامل العدد، وانفسح للإصلاح الأمد، واتضح منه الصدد، والنهج اللاحب الجدد. وهناك رجال ظهروا بفكرة إصلاحية محدودة، ولكنها على كل حال محمودة ... وذلك قبل أن يظهر الإصلاح (التعاوني) ويزخر عبابه وتتسق أسبابه، فقاوموا البدع في دوائر ضيقة وكان لهم في القضاء على بعضها مساع موفقة، ولهم في ذلك نيتهم وقصدهم، ولو كنا في مقام المؤرخ المتقصي، لقمنا بما يوجبه الإنصاف في حقهم، فخير ما طبع عليه امرؤ الانصاف، ولكنها نظرات عجلى نريد من ورائها ارتباط الكليات فحسب.

стр. 180

الخطوة الأولى: كان معقولًا جدًا أن الإصلاح الديني لا يطمئن به المضجع في هذه الديار ولا ترسخ جذوره إلّا إذا مهدت له الأرض ونقيت، ولا بد بعد وجود المقتضيات من إزالة الموانع، وموانع الإصلاح بهذه الديار وعوائقه هي طائفة أو طوائف تختلف اسمًا وصفة، وتتحد رسمًا وغاية، والمصلحون إذ ذاك يلتقون على فكرة ولا يلتقون على نظام ولا في جمعية، لأن جمعية العلماء لم تؤسس بعد. فكانت الأوساط الإصلاحية في ذلك العهد يتجاذبها رأيان يلتقيان في المقصد وبختلفان في المظهر العملي للإصلاح وكيف يكون؟ أحدهما، صرف القوّة كلها وتوجيه جهود متضافرة إلى التعليم المثمر، وتكوين طائفة جديدة منسجمة التعليم مطبوعة بالطابع الإصلاحي علمًا وعملًا، مسلحة بالأدلة، مدربة على أساليب الدعوة الإسلامية والخطابة العربية، حتى إذا كثر سواد هذه الطائفة وكان منها الخطيب ومنها الكاتب ومنها الشاعر ومنها الواعظ ومنها الداعي المتجول، استخدمت في الحملة على الباطل والبدع على ثقة بالفوز. وهذا رأي له قيمته وخطره، وكان كَاتِبُ هذه الأسطر من أصحاب هذه الفكرة في ذلك الوقت. و الرأي الثاني أخذ المبطلين مغافصة والهجوم عليهم وهم غارّون، واسماع العامة المغرورة صوت الحق فصيحًا غير مجمجم، ويرتكز هذا الرأي على أن هذه البدع والمنكرات التي يريد الإصلاح أن يكون حربًا عليها هي أمور قد طال عليها الأمد، وشاب عليها الوالد، وشبَّ عليها الولد وهي بعد شديدة الاتصال بمصالح ألفها الرؤساء حتى اعتبروها حقوقًا لهم، وأنس بها العامة حتى اعتقدوها فروضًا عليهم، فلا مطمع في زوالها إلّا بصيحة مخيفة، تزلزل أركانها، ورجة عنيفة تصدع بنيانها واعصار شديد يكشف الستر عن هذا الشيء الملفف، والسر الذي يأبى أن يتكشف، ليتبينه الناس على حقيقته، وأقل ما يكون من التأثير لهذا العمل أن تضعف هيبته في نفوسهم وتضؤل رهبته في صدورهم، وهنالك يسهل العمل في نقضه، وتخف المئونة في هدمه. وهذا رأي له خطره وقيمته كذلك؛ فإن هذه الأسماء (مرابط وشيخ طريق وما شاكلهما) التي أصبح الناس الآن يتقززونها وينددون بها جهارًا قد كانت محاطة في ذلك الوقت بسور من الإجلال والقدسية، وهذه الأباطيل التي صارت بغيضة إلى كل نفس ملعونة بكل لسان، قد كانت في ذلك العهد ترتكب بين قلوب من العامة واجفة، وألسنة راجفة، خوفًا من أن يخطر الانكار بالبال فيحل الوبال.
следующие страницы →