← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

ملكها الرومان قرونا فلم تنقلب رومانية، وبادوا ولم تبد، وبقيت ولم يبق منهم إلا آثار الظلم، ومعالم الطغيان، ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾. وملكها الأتراك- وهم أبناء ملّتها وربائب دينها- فلم تنقلب تركية، سادوا فيها بالانتصار لها، ثم حادوا بالاغترار للزمن، ولكنهم شادوا فيها أبنية الحق من بيوت الله، فتناستْ أمرَهم، وحفظت ذكراهم. وصبغها التاريخ الطويل بأصباغ مما تنفضه أدواره، فكان أثبتها على الزعازع، وأبقاها على وجه الدهر صبغان زاهيان، هما: العروبة والإسلام. إن القوة- إذا لم يزنها العقل- ضعف، وإن العلم- إذا لم تحطه الحكمة- جهل، وإن الملك- إذا لم يحمه العدل- زائل، وإن سلاح الحق من الحرير، يفلّ سلاح الباطل من الحديد، وإن "السيادة"، ليست حسنى ولا زيادة، وإنما هي استعباد، يبغضه العباد وربّ العباد، ويا ويح الأقوياء من غضب الله، وغضب المستضعفين من عباده. ... الاستعمار مذهب يعتنقه الأقوياء، فما لهم يتفاوتون هذا التفاوت البعيد في مظاهره؛ يتفاوتون في الشرّ، يقارفه أحدهم سافرًا ليس عليه نقاب، وداعرًا ليس عليه مسحة من حياء؛ ويجترحه أحدهم معصية في صورة قربان، وفاتكًا في مسوح رهبان، كذلك يتفاوتون في العوراء، ينطق بها أحدهم كاسمها عوراء شوهاء، تجرح وتؤلم، وينطق بها الآخر ملفوفة في معارض النصح، أو محفوفة بمظاهر الإرشاد، أو مبلولة الحواشي بماء كذب من الحكمة، ونحن ... فما سمعنا قط أن الإنكليز مثلًا قالوا: إن الهند إنكليزية، فسبحان من قسّم الآداب، كما فرّق في الأنساب. وهذه الكلمة الدعية المملولة، التي لم يؤيّدها الحق ببرهانه، ولم تضعها الحكمة في مكانها، كلمة مؤذنة باحتقارنا، جارحة لكرامتنا، طاعنة في شرفنا وديننا وتاريخنا، فهل يريد القوم منا- بعد أن باءوا بسوء الأدب- أن نبوء بالإغضاء عليها، والإقرار لها، والرضى بسبتها؟ هيهات هيهات لما يريدون. إننا- والله- لا نقبلها ولا نرضى بمهانتها، ولا نقرّها، ولا نقصر في دحضها بأدلة الحق، ولو أن الاستعمار شرعها زجلًا بالتسبيح في ناشئة الليل، وجعل كفاء سماعها جزاء الأبرار لكان في آذاننا وقر من سماعها، ولعددناها غثة مرذولة ممجوجة مملولة، ولهدينا بالفطرة إلى الطيب من القول: وهو أن الجزائر ليست فرنسية، ولن تكون فرنسية. كلمات قالها أوّلنا، ويقولها أخيرنا، ومات عليها سلفنا، وسيلقى الله عليها خلفنا.

стр. 1227

لجنة "فرانس - إسلام" * - ١ - (كلامنا موجّه إلى فرنسا الاستعمارية، وإلى آلات الاستعمار من عقول، وأفكار، ورجال، وهيئات، فلا تتجاوز الظنون بنا هذه الدائرة). ــ كلمتان أكرهتا على الجوار في اللفظ والكتابة، فجاءت كل واحدة منهما ناشزة على صاحبتها، نابية عن موضعها منها، لأنهما وقعتا في تركيب لا تعرفه العربية، ولا يقبله الذوق العربي. في العربية تركيب الإسناد، والإسلام لا يرضى أن يُسند إلى فرنسا الاستعمارية، ولا أن تُسند هي إليه، وفي العربية التركيب الإضافي، والإسلام لا يسمح أن يضاف إلى فرنسا، ولا أن تضاف هي إليه؛ وفي العربية التركيب الوصفي، والإسلام لا يقبل أن يوصف بالفرنسي ولا أن توصف فرنساب "الإسلامية"؛ وفي العربية التركيب المزجي، والإسلام وفرنسا كالزيت والماء، لا يمتزجان إلا في لحظة التحريك العنيف، ثم يعود كل منهما إلى سنّته من المباينة والمنافرة، وفي الشرائع الاستعمارية الفرنسية بالجزائر مذهب كانوا يسمّون جانبه التأثيري "الإدماج" وجانبه التأثّري "الاندماج" ومعناه قريب من معنى التركيب المزجي، ولكن هذا المذهب التحق بالمذاهب البائدة التي ولدها العتوّ عن أمر الله والعلو في أرض الله، فتلك آراؤه سخرية الساخر، وأولئك رجاله لعنة الأول والآخر، فهل هذه اللجنة تناسُخ لذلك المذهب غير المرحوم؟ وهل رجالها نُسخ من ذلك الطراز المعلوم؟ إننا لا نفهم من هاتين الكلمتين إلا ما نفهمه من كلمتَي "خير- شر" إذا وُضعتا في حيّز كهذا، لكلِّ معنى إفرادي جزئي، وليس لهما معنى تركيبي كلي، فإن كنّا مخطئين فالذنب

стр. 1228

لاختلاف المعنيين، ولاختلاف الطبيعتين، ولاختلاف المزاجين وللبعد السحيق في أذهاننا بين معنى "فرنسا" وبين معنى "الإسلام". أما المعنى الذي نفهمه ولا نخطئ في فهمه فهو يتوقّف على كلمة محذوفة بين الكلمتين؛ وتقديرها هكذا: فرنسا الاستعمارية- عدو- الإسلام، والحذف من مذاهب لغتنا، وحذف ما يعلم جائز ... نعم ... نعم إن فرنسا الاستعمارية عدوّ الإسلام في ماضيها كله، وفي حاضرها، فلم يكتب تاريخها أنها جاورته فأحسنت، أو قدرت عليه فعفت، أو عاملته فصدقت، أو حكمت أهله فعدلت، ودلّ الواقع المشهود على أنه لم يجنِ منها إلا الكيد له بعيدًا، والإضرار به قريبًا، والعمل على محوه في جميع الحالات؛ ويجري علينا حكم المجانين إذا تصوّرنا أن حاضرها في هذا يخالف ماضيها، أو أن آتيها يكون خيرًا من حاضرها؛ لأن ما نقوله عنها صيّره الاستعمار ذاتيًّا فيها، والذاتيات لا تتخلّف، ومنطق الذاتيات لا ينقض. وما دام هذا هو حظ الكلمتين من فهمنا، فما هو حظ اللجنة من تقديرنا؟ وما هو حظ أعمالها في اعتبارنا؟ ... نحن نعد هذه اللجنة "تدجيلة" جديدة في السياسة الفرنسية الاستعمارية تفتّق عنها ذهن مستشرق "حكومي" (١) من الذين يجعلون الاستشراق ذريعة لاستهواء الشرقيين المفتونين بالغرب، الخاضعة عقولهم وأفكارهم لعقوله وأفكاره، وأنا أسمي ثلة من هؤلاء المستشرقين "حكوميين" تسمية صادقة أصدر فيها عن روية وتثبّت، فما هم إلا أذناب لحكوماتهم، وما هم إلا موظفون أو مستشارون حكوميون، وما هم إلا "تراجمة" للحكومات الاستعمارية وأدلاء، يترجمون لها معاني الشرق، ويدلّونها على المداخل إلى نفوس أبنائه وإلى استغلال أوطانه، وما هم إلا آلات في أيدي وزارات الخارجية، تستعملها لإبطال حق الشرق، وإحقاق باطله، ولبقاء الأمم الضعيفة في الاستعباد، أو إرجاعها إلى الاستعباد. فالاستشراق في هؤلاء عند الحكومات الاستعمارية معناه معرفة مداخل أوطان الشرق، ودخائل أبناء الشرق، وابتكار الوسائل لاستعمار العقول أولًا والأوطان ثانيًا، فهم روّاد عقليون قبل القوّاد العسكريين: ولذلك نرى هؤلاء المستشرقين الحكوميين يبنون أمرهم في الشهرة بين الشرقيين على الأبحاث العلمية الخالصة، ويغطون ضراوة الحجاج بطراوة "الحلاج"؛ فإذا طارت الشهرة في الآفاق، ووقع على الثقة بهم الإصفاق، أصبحوا سهامًا

стр. 1229

نافذة لدولهم في جنب الشرق، وأدلاء بارعين على عورات الشرق، ومن هذه الطائفة صاحب فكرة "فرانس- إسلام". من الطبيعي أن تكون أذهان هؤلاء المستشرقين المأجورين منصرفة إلى الاختراع كأذهان الكيماويين والميكانيكيين، وأن تكون هممهم متوجّهة إلى الاكتشاف كهمم الروّاد والفلكيين، ولكن هل يُكتب الخلودُ ورفع الذكر لمن اكتشف "وقف أبي مدين" في القدس كما كتبا لمن اكتشف أميركا ورأس الرجاء الصالح في الأرض، أو لمن اكتشف كواكب المجرّة في السماء؟ إن هذا الصنف من المستشرقين هم الذين سخروا العلم للسياسة، وهم الذين رضوا للعلم بالامتهان، وهم الذين لم يعتصموا بالاستقلال العلمي، فعصفت بهم الأهواء، فأصبحوا مبشّرين بالاستعمار، داعين إلى ضلاله، فهم غير أهل لاحترام العالم العلمي وإجلاله، وهم- من منازل الاعتبار- في المنزلة الدنيا بين ذوي الوظائف السياسية الرسمية، ولست أدري لماذا فوّتوا على أنفسهم أبّهة الوظيفة ومظاهرها؟ ... ... كوّن هذا المستشرق لجنته في فرنسا التي هي أحد طرفي الاسم، وأوحى إلى المغرورين به في شمال أفريقيا ما أوحى، فإذا الدعاية قائمة، وإذا الاسم دائر على الألسنة، ولكن الأغراض غير محددة ولا مفهومة. وانتظر الناس الأعمال التي تفسّر المقاصد، والمقدّمات التي تشعر بالنتائج، فكانت المقدمات أحاديث ومناشير وبرقيات عن فلسطين، وعن قضية المشرّدين، وعن وقف أبي مدين (الجزائري) ثم انتقلت إلى "تدويل القدس"، وهنا فهم مَن لم يكن يفهم، وضاع الفهم ممن كان فاهمًا، أهذه "شكشوشة" (٢) أديان؟ فلماذا- إذن- ذكرت فرنسا في الاسم ولم تذكر المسيحية؟ ... ولم نجد في التاريخ قديمه وحديثه عالمًا غير مسلم حذق العربية فهمًا، وأتقنها حفظًا، وغاص على أسرارها، ولابست روحه روحها، ثم لم تهده إلى حقائق الإسلام، ولم تقف به على بابه، وأقلّ المراتب التي يضعه علمه الكامل بالعربية فيها أن يكون فيه صغو إلى الإسلام، وسير في اتجاهه، وتفتّح ذهن إلى فهمه، وبشاشة نفس مع أبنائه، كأنه يحسّ أنه

стр. 1230

بمقربة منهم، وأن بينهم وبينه رحمًا واصلة، ونسبًا جامعًا، وقد امتحنا هذا الأصل فيمن عرفناه- بخبره أو أثره- من المستشرقين الفرنسيين الذين يأتوننا موظفين، أو تجّار "استشراق" فوجدناهم شذوذًا في القاعدة، فعلمنا أن ضعف تلك العاطفة فيهم آتٍ من ضعف نصيبهم من العربية، والحقيقة هي تلك ... وما كنا نظنّ أن مستشرقًا ما من هؤلاء يستخفّنا برقاه، أو يسترهبنا بسحره، لأننا عرفناهم بسيماهم، وعرفناهم في لحن القول، فساء ظننا بهم تبعًا لسوء ظننا بالاستعمار الذي جعلهم جوارح لصيده، ووسائل لكيده؛ ما كنا نتوهّم ذلك حتى جاء المستشرق صاحب فكرة "فرانس- إسلام" وقعقع الشنّ، فخيّب الظن.

стр. 1231

لجنة "فرانس - إسلام" * - ٢ - (كلامنا موجّه إلى فرنسا الاستعمارية، وإلى آلات الاستعمار من عقول وأفكار، ورجال، وهيئات، فلا تتجاوز الظنون بنا هذه الدائرة). ــ ... وهذا القلم ليس شعودي السن، ولا عنصري النزعة؛ ووالله ما ليق- منذ جرى- بهوى، ولا مُد بباطل، ولا غمس شقاه في منكر، ولا تحلبت ريقته من حمأة التفريق، ولكأنما صيغ هو ولسان صاحبه من جوهر واحد، فهما يتجاريان إلى غاية في حرب شعوبية المذاهب والطرق في الإسلام، وشعوبية الدماء والألسن في الأجناس، وشعوبية الشرق والغرب في أرض الله. ولكن يسوء هذا القلم أن تتنزّى العروق الخفية حينًا بعد حين بالظلم، ملفوفًا بالعلم، وبالمغالطات في صورة النصائح، وأن يستخفّنا هؤلاء القوم فنطيعهم؛ وأن يستميلونا بالأقوال الفارغة فنميل إليهم، وأن يلهونا بالخيالات عن الحقائق فنلهو، وأن يستغفلونا عن ديارنا فيصبحوا سادة فيها، ونصبح عبيدًا؛ ثم هم يستغفلوننا عن ديننا ولغتنا ليصبحوا أئمة فيها، ونصبح مقلّدين، وأن يغزونا الاستعمار الأوربي بالحديد حتى إذا فُلّ غزانا بالرأي والكتاب والعلم والعالم، وأن تتعاصى عليه أقفال عقولنا فيجد مفتاحها عند المستشرق. يسوءنا- والله- أن يكون العلم مفتاحًا للشر، وأن يتستر غلاة الشعويية بالألفاظ المموّهة بالإنسانية والديمقراطية، ثم يرْموا أعداء الشعوبية- مثلنا- بالشعوبية. إن أولى الناس بالتجرّد من الشعوبية هؤلاء المستشرقون، لأنهم يتحلّون باشتراكية علمية تُنافي الشعوبية، وينفردون عن علماء أممهم باتّساع في أفق المعرفة، وباطّلاع مباشر على

стр. 1232

المقارنات التي تقارب بين الأمم؛ لا جرم أن الاطّلاع على خصائص مجتمع تُدني منه، ولا تُبعد عنه، وتؤنس به ولا توحش منه؛ فإذا تهافتوا على السياسيين في اعتبار الأعلى والأدنى. ثم تهافتوا مع المستعمرين في مقياس الأقوى والأضعف، ثم تنزلوا مع المعمّرين إلى ميدان الآكل والمأكول، فأية قيمة لعلمهم؟ وأية ميزة تميّزهم من الناس؟ تعددت جرائم الاستعمار في هذه العصور الأخيرة، واشتدّ تكالبه على الأمم الضعيفة، فما سمعنا صيحة استنكار من هؤلاء المستشرقين على دولهم، أو على أممهم، وإن لهم عند دولهم، وبين أممهم المنزلة الرفيعة، والكلمة المسموعة، فعلمنا أن بعض أسباب ما ينعمون به من منزلة وسمعة هو سكوتهم عن تلك الجرائم، بل تزيينها، بل الإعانة عليها، وعلمنا أن الاستشراق أصبح (صنعة) لا علمًا، وأن الاستعمار ينشطها لمآرب له فيها؛ وعلمنا أنه- لأمر ما- كان ازدهار الاستشراق مقارنًا لازدهار الاستعمار. ونحن نعلم- مع هذا- أن المستشرقين أصناف؛ فمنهم من يطلب العلم رغبة في العلم، وشوقًا إلى المعرفة، وآية هذا الصنف أن يُترجم عن لغات الشرق خير ما فيها لينقل إلى أمّته غذاءً نافعًا، ويضيف إلى معارفها بابًا من المعرفة جديدًا، وهذا الصنف هو موضعُ إجلالنا واحترامنا، ومنهم من يحيي أثرًا من آثار الشرقيين بنصّه ولغته، وهذا الصنف لم ينفع أمّته بعلمه، وإنما نفع نفسه عندنا بما نسبغه عليه من نعوت الإعجاب والتقدير بمبالغتنا الشرقية التي زادها الاستعمار الفرنسي في عقولنا تمكّنًا ورسوخًا؛ ولو أوتينا ما أوتي هذا الصنف من تيسّر الأسباب لفعلنا ما لم يفعلوا؛ ومنهم من يعمد إلى عورات الشرقيين فيفضحها لقومه، وإلى مواقع الضعف فيهم فيدل قومه عليها، وهذا الصنف هو الكثرة الكاثرة، وهو هدف انتقادنا، ومبعث سوء اعتقادنا. لا نلوم من يخدم وطنه، وينفع أمّته، ولكننا نلوم من يستهزئ بنا فيغشّنا، ومن يتظاهر بنفعنا وهو يعمل لضرّنا، ومن يعلن في معاملتنا خلاف ما يبطن، فبعض الإنصاف- أيها القوم- ولا تلوموا من ضاق ذرعه بالاستعمار فغلب صبره، فباح بشكواه، فاعترضته أعمالكم، فلمسكم لمسة، مهما تكن غير خفيفة، فلا تقولوا إنها غير عفيفة؛ وقليل لمن مسستموه بنصب وعذاب، أن يمسّكم بنقد وعتاب، ولئن كتبنا عليكم الكلمات، فلطالما كتبتم عنّا الأسفار. ... وجاءت كارثة فلسطين ... - وفلسطين ملتقى العواطف الروحية، ومجلى التقديس الاجتماعي، ووجود العرب فيها توازن طبيعي لحفظ تلك العواطف، وحقّهم فيها أوضح من

стр. 1233

الشمس، وشهادة القرون لهم بالاضطلاع وحسن الملكة واحترام الأديان ثابتة مسجلة، فما سمعنا من مستشرقي الاستعمار كلمة منصفة، ولا شهادة عادلة، حتى إذا قُضي الأمر ظهرت للوجود لجنة "فرانس- إسلام" يحمل لواءها مستشرق استعماري مدفوع بالنزعة الاستعمارية، لا بالوازع الإنساني، ولا بالعاطفة التي اكتسبها من اطّلاعه وبحثه، ولا بما يلقى من الشرقيين من إكبار وتقدير ... وعمّم الاسم، ولكنه خصّص الفعل ... ومن الأقوال السائرة أن الأمور بخواتمها، ولكن أمر هذه اللجنة بمبادئها، لأنها جاءت في الأخير، وبدأت من الأخير، ولو كانت على شيء من الكياسة لغالطت الناس بأشياء مما يتناوله اسمها، ولكن البدار إلى غاية مرسومة ختم على قلبها، وأعجلها عن التروّي فقفزت إلى تلك الغاية من أعسر طريق. الأقربون أولى بالمعروف- أيتها اللجنة- فلماذا جاوزت الجزائر إلى فلسطين؟ وفي الجزائر إسلام، وفي الجزائر أوقاف، وفي الجزائر مشرّدون. في الجزائر إسلام مستباح الحمى، منتهك الحرمات، وفي الجزائر أوقاف دينية منقوضة العقود، مهدومة الحدود، وفي الجزائر مشرّدون شبعوا بالجوع، واكتسوا بالعري، وعلموا بالجهل، وتداوَوا من المرض بالمرض، واستجاروا من الموت بالموت فأجارهم، فلا هم أحياء ولا هم أموات، وفي الجزائر أصوات تتصاعد بطلب الحق، من فرنسا غاصبة الحق، وفي الجزائر تشكو آخر كلمة في اسمك من أول كلمة، وقد سمعت- أيتها اللجنة- ورأيت فلماذا لم تقع عينك على الشر القريب، ووقعت على الشر البعيد؟ ولماذا لم تعطفي على الإسلام هنا، وعطفت عليه هناك؟ ولماذا لم تبدئي بتحرير أوقاف الإسلام في الجزائر، وبدأت بوقف (أبي مدين) في فلسطين، أم أن قلب المستشرق كالإبرة الممغطسة لا تتجه إلا إلى اتجاه واحد وهو الشرق؟ لا ندري أين كان هذا المستشرق يوم شاركت دولته في جريمة فلسطين، وإخراج الإسلام منها، بموافقتها على التقسيم، وبمساعدتها المفضوحة لليهود في الهجرة والتهريب؟ إنه كان ساكتًا سكوت المغتبط بتلك الأدوار، لأن الإحساس المتنبّه فيه إذ ذاك هو إحساسه الفرنسي الحاقد على الإسلام، فلما تمّت الأدوار، وبلغت نهايتها، وعلم أن اليهود سيأخذون المسالك على دينه ودولته- معًا- تنبّه إحساسه المسيحي الحانق على اليهود، فجاء يُعزّي المسلمين البسطاء تعقلة الشامت، ويبكي لهم على ليلاهم، ودولته أحد المساعدين على قتلها، وجاء ينبّه دولته إلى أن هناك منفذًا تدخل منه إصبعها إلى فلسطين (القريبة من سوريا) وهو وقف (أبي مدين الجزائري)، وأن هناك فرصة تسترجع

стр. 1234

فيها عطف المسلمين الأغرار، وهي قضية المشرّدين، وأن ذلك لا يتمّ إلا بتدويل القدس؛ وليت شعري ماذا يجدي علينا تدويل جانب من مدينة القدس بعد أن ضاعت منّا فلسطين كلها؟ ... إن هذا- في دين اللجنة- لفتح جديد للسياسة الفرنسية، من أنضى في تحقيقه بدنه، فكأنه قرب للاستعمار بدنة.

стр. 1235

ويح المستضعفين * "يا ممسكي الأعنّة، إن رَكوبَة الباطل صعبة، فلا تتقحموا، ويا مشرعي الأسنّة، إنه لا سهم في الجعبة، فلا تتوهّموا، ولا منتهكي الحرُمات، ما ماتت الحرية بينكم ولكن الحرَّ مات، ولا ناشدي الحق في مجامع المبطلين ... لا ردّ الله ضالّتكم، أتطلبون الفص من اللص، وتقيسون في مورد النص، إن الحق ينشدكم، فلا يجدكم، فهل ترجون وجدانه، حين تطلبون نشدانه؟ التمسوه في صفوفكم المتفرقة، وآرائكم المغربة المشرقة، فإذا لم تجدوه فلا تلوموا الذئب على الافتراس. الأماني كواذب، وأكذب منها رجاء العدل من مستعمر". تجري في القطر الجزائري- منذ أكثر من أسبوعين- أعمال مباغتة، من التفتيش للمنازل، والترويع للنساء والأطفال، والاعتقال للمئات من شباب الأمة، وأكثرهم عائل تتوقف عليه حياة أسرة تنتظر قوتها المقتر من عمله المتقطع، وتسري هذه الحالة من قرية إلى قرية، ويتطاير شررها من شرق القطر إلى غربه، ومن غربه إلى شرقه، وهي- على ذلك- سائرة من التخصيص إلى التعميم، ومن التحديد إلى التمدّد والانتشار. وتظاهر هذه الحملة البوليسية حملة أخرى صحفية، تشنّها صحف الاستعمار هنا في الجزائر، وهناك في فرنسا، وتبالغ- على عادتها- وتهوّل، وتشرح فتُطوِّل، وتؤكّد أنها مؤامرة مسلّحة، وتصفها بالصفات المزعجة في حروف كبيرة، وكلمات ضخمة، وجمل مثيرة، وعناوين لافتة، وخرائط محدّدة، كأحسن ما يفعل الصحافي الماهر إذا أراد الإعلان عن شيء وإثارة الاهتمام به، ثم تؤيّد بأرقام للأسلحة والذخائر المحجوزة فتأتي بما يُضحك

стр. 1236

ويُخمد الاهتمام حتى في نفوس المتحمّسين، لأن أكثر من مجموع تلك الأرقام يوجد عند معمر واحد ... ولكن تلك الأقلام المنطلقة في التفاصيل، المستمدّة من أهواء المعمّرين، تقف عند حد التهويل ومحاولة إقناع أولي السلطة بأن في الجزائر خطرًا حقيقيًا على الاستعمار، ولا تكلف نفسها رجوعًا إلى منطق، ولا تحليلًا لواقع، ولا موازنة بين الممكن وبين غير الممكن، ولا مقارنة لسوابق الأحداث بلواحقها ولا تتجاوز ذلك كله إلى النقطة الإنسانية، وهي حالة المعتقلين، وحقّهم في الدفاع، وحظّهم في المعاملة، مع أنها تعلم كما نعلم أن البوليس في الجزائر لا يسأل عما يفعل في معاملة الأهلي، وأنه كالمنوّم المغناطيسي في الاستهواء واستخراج كنائن الصدور، غير أن أحدهما يتسلّط على الأبدان، والآخر يتسلّط على الأرواح. أما الاعتقال هذه المرة في شكله وكيفيته فقد كان أشبه بحالة الحية مع العصفور: اقتلاع، فابتلاع، أصحاب هذه الصحف الطائرة في هوجاء، السائرة على عوجاء، أعلمُ منّا بأحوال المعتقلين وما يلقون من تعنيت، ولكنهم بذلك راضون مغتبطون، أما الأمة فإنها لا تعلم من أحوال المعتقلين شيئًا، ولا تعلم من أمرهم بعد الاعتقال إلا ما تعلمه من أصحاب القبور: ضيق، وضغطة، وسؤال محرج، وانقطاع عن الأحياء، غير أن أصحاب القبور موكلون إلى العدل الإلهي الذي لا يظلم ولا يحابي، وأبناؤنا المعتقلون موكلون إلى الظلم البشري الذي يحقد وينتقم، ويسأل معنتًا، ويخاطب مبكتًا، ويجازي منتقمًا، ويعذّب متشفيًا، ويصل بذلك كله إلى الاعتراف (الكيماوي) على طريقة استخراج المعادن بالصهر والعصر، وإذا قسنا اللاحق على السابق فليس ثم إلا ذاك، وليس وراء الشر إلا شر منه، وليس وراء هذه (الباطنية) التي تجري عليها هذه الاعتقالات إلا العذاب، كما أنه ليس وراء الباطنية في الدين إلا الكفر. ليت شعري، إذا لم تنصح الجرائد الحكومات بالرفق، وتحرّي الحق، والتسوية في المعاملة، ولم تنصح الحكومات الجرائد بالاعتدال، واجتناب التهيّج والاستفزاز، فكيف ينام الناس في أمان؟ وكيف يبيتون من الحياة على ثقة؟ وكيف يستقيم للمودة والإخاء بين الطوائف سبيل؟ وكيف يجد المتساكنون في الوطن الواحد الراحة والاطمئنان؟ ونحن ... فقد أصبحنا- لكثرة ما بلونا من سرائر السياسة الاستعمارية وعجمنا من أعوادها- نفقه كثيرًا من اتجاهاتها ومقاصدها، وكثيرًا من نتائج أعمالها المترتّبة على مقدّمات من نوعها، وكثيرًا من المرامي التي ترمي إليها تلك الأعمال، كما أننا أصبحنا موقنين لبعض النوبات التي تعتريها، لا يختلّ لنا فيها حساب، ولا ينخرم لنا ضابط. ويجمع

стр. 1237

ذلك قولك، إنه كلما طالب الشعب الجزائري بحقّه دبّرت له مكيدة ... ويكفينا لتصحيح هذه القاعدة أن نستعرض حالة هذه السياسة في الجزائر في ثلاثة عقود من السنين، من انتهاء الحرب العالمية الأولى إلى الآن، ولا يكلفنا القارئ بضبط التواريخ ونصوص القرارات فإن ذلك واجب المؤرّخ، أما نحن فسائقون للعبرة، ومعتمدون على الخبرة. نذكر أن أولى انتباهة من فرنسا للزوم تغيير سياستها مع مسلمي الجزائر كانت بعقب الحرب العالمية الأولى، وكانت في وزارة كليمانصو، وكأنها أرادت استئلاف الجزائريين- في الجملة- على ما أراقوا في سبيلها من دماء، وما قدموا في الدفاع عنها من تضحيات، فكان الممكن الميسور في نظرها- إذ ذاك- أن فسحت لهم قليلًا في المجالس البلدية والعَمَالية، وأن رخّصت لهم في حمل السلاح كالأوربيين، ولكن المعمرين المدللين رأوا تلك الهنات الهيّنات أمرًا عظيمًا، وجسّمتها لهم الأنانية حتى عدّوها مساواة لهم، واعتبروا ذلك التصرّف من حكومتهم فتحًا لباب يعسر سدّه، فأجمعوا أمرهم على نسخ ما شرعت، وفسخ ما عقدت فشكّلوا بمالهم ونفوذهم عصابات لصوص مسلّحة من الأهلين تعبث بالأمن وتفسد السابلة، وتطرق المنازل للنهب، واتّخذوا من تلك الأعمال حجة على أن الترخيص في حمل السلاح للجزائريين كوضعه في أيدي المجانين، ولم يزالوا على ذلك حتى استردّت الحكومة ما أعطت من ذلك الترخيص. ثم ازداد الشعور العام يقظة وانتشارًا، وفتحت حركة الإصلاح الديني الذي قامت به جمعية العلماء مُغلقات الأفكار، وخرجت الحركة السياسية من صبغتها الفردية إلى ميدانها الاجتماعي، وتألّفت (وحدة النوّاب) وكان لها في مبدإ أمرها اتجاهٌ محمود، وللأمة حولها التفاتٌ مشهود، فهال ذلك المعمرين، وقادتهم هنا وأنصارهم هناك، فدبّروا مكيدة ٥ أوت سنة ١٩٣٤ بتسليط المسلمين على اليهود في مدينة قسنطينة، منبت الحركة ومقرّ أقطابها، وما كان بين المسلمين واليهود ما يدعو إلى ذلك ولا إلى أقلّ منه، ولكن يدَ الاستعمار صنّاع في تدبير المكائد، ولا شك عندنا في أن تلك المذبحة دُبّرت لقتل الحركة السياسية. ولم تؤدّ تلك المكيدة إلى غاية الاستعمار المرجوّة، فاستفحلت بعدها الحركة، وارتفع صوت المطالبة بالحقوق جهيرًا، وتقارب السياسيون تقاربًا لم يعهد مثله، فتمخّضت عن "المؤتمر الإسلامي الجزائري" سنة ١٩٣٦، ونجح نجاحًا منقطع النظير، وقطع وفده البحر إلى فرنسا، على أمواج من أمل الأمة وتشجيعها، فجنّ جنون الاستعمار، وخانه الصبر والأناة، فتعجّل بتدبير مكيدة اغتيال "المفتي كحول" في أسبوع رجوع الوفد، وفي يوم اجتماعه بالأمة، وغاية الاستعمار من تلك الحادثة قتلُ الحركة السياسية التي كان أجلى مظاهرها المؤتمر.

стр. 1238

وجاءت الحرب ... وخفتت الأصوات، فاستعلنت النيات، وتعطّلت الأعمال، فانطلقت الآمال، وكمَّت الألسنة، فأفصحت الإشارات، وهدأت الخلافات فتقاربت القلوب، إلى أن جاء الحلفاء وعلى ألسنتهم أغان عن الحرية ينشدونها، وعلى شمائلهم معان من الديمقراطية يردّدونها، وفي نفوسهم أمان للأمم يعدون بها ويعددونها، فحنت النفوس إلى الحرية، وجرَت الألسنة بالمطالبة بها، وظن الجزائري الذي شارك في الحرب بماله وبحاله وبمهجته- كما ظن كل الناس- أنه واصل إلى مراده، ومتقاض أجر جهاده، وأن الحرب- وهي نار- نقّت القلوب من الدغل، ولكن الاستعمار كان كعقرب الشتاء، تحس وإن لم تتحرّك، فسجّل تلك الأصوات المطالبة بالحرية، وأسر المكيدة في نفسه إلى يوم النصر الأخير، وأتى بها شنعاء صلعاء في حوادث ٨ ماي ١٩٤٥، وانطوى اليوم الذي أرّخوا به لانتصار الديمقراطية، بتسجيل أكبر انكسار للديمقراطية، وشاء القدر الواعظ أن يدخل الضّيفان الحاملان للواء (١) الديمقراطية إلى الجزائر، وفي كل مسمع نغمة من الحرية، وفي كل جانحة نشوة من الانعتاق، وفي كل ناد ذكر من الديمقراطية، وأن يخرُجا منها وفي كل حيّ مأتم (٢)، وفي كل بيت نادبة. هذه أربع شهادات يشهدن أن الخامسة اختهن ...

стр. 1239

حدّثونا عن العدل فإننا نسيناه * - ١ - ... كيف لا تنسى العدل أمة لبثتْ في ظلمات الظلم أحقابًا، وعقبت في ظلّ يحمومه أعقابًا؟ أم كيف تذكره بعد أن محت آيته آية السيف، فلم تنعم منه بإلمامة الطيف؟ وكيف يجد العدل مجالًا بين حاكم لا يسأل عمّا يفعل، وبين محكوم يُسأل عما لم يفعل؟ وكيف يجد العدل سبيلًا إلى نفوس زَرَع فيها الاستعمار- أول ما زرع- بذرة احتقار المسلم الجزائري، ثم ربّاها- أول ما ربّى- على الاستعلاء على المسلم الجزائري، ثم علّمها- أول ما علم- هضيمة المسلم الجزائري، وتجريده من أسباب القوة والحياة بكل وسيلة، وترويضه على الذل حتى يطمئن إليه، ويعتقد أنه كذلك خلق، أو لذلك خلق، فإذا سُلب مالُه عدّ سلامته من الضرب غنيمة، وإذا ضرب جسمه عدّ نجاته من ضرب العنق منحة كريمة، وإذا تأوّه للألم النفسي أو البدني عُدّ التأوّه منه جريمة؟ إن الاحتقار هو الأساس الخلقي الذي وضع عليه الاستعمار قواعدَه، وبنى عليه قوانينه، وإن ملكة الاحتقار هي الغاية في العالم الاستعماري، ينتهي إليها عالمه، وحاكمه، ومشرّعه، ومنفّذه، ولكنه بعد أن تراءى العيانان، عيان الفاعل وعيان القابل، لم يجد فينا قابلية الاحتقار، أباها لنا عرق في الإباء أصيل، وإرث من "محمد" أثيل، فانقلب ذلك الاحتقار على مرّ الزمن حقدًا يصهرُ الجوانح؛ وتحوّل بفعل الأحداث بُغضًا يأكل الأكباد، وكلّ ما يراه الرائي ويسمعه السامع من البلاء النازل علينا فذلك مصدره، وهذا مورده. يا لله ... لما يحمل هذا الجسم المثخن بالجراح من حصانة ومناعة، ولما يكمن فيه من دفاع ومقاومة، هي آثار الخصائص الأصيلة في الجنس العربي، ولولاها لكان في

стр. 1240

الغابرين، وهي بقايا المزايا السامية من الدين المحمدي، ولولاها لختم به تاريخ طسم وجديس وعاد الأولى، ولو أن ما حلّ بهذه الأمّة حلّ أيسره بأمة أخرى، لانعكست فيها نظرية "داروين" ... ابدأ بما شئت، واختم بما شئت، من النُظم والقوانين التي تُساس بها الجزائر، تجدها كلّها دائرة في مبادئها وغاياتها على محور واحد، وهو احتقار المسلم الجزائري وبغضه، وانظر ما شئت في أعمال الحاكمين كبارًا وصغارًا، وفي ملابساتهم للناس، وفي شمائلهم، تجد الأعمال مفسّرة لذلك، والملابسات حتى في الحديث جارية على ذلك، والشمائل ناطقة بذلك. هلمّ إلى الدين تجد الاستعمار الذي كفر بالأديان يقول لك بصريح القول والعمل: أنا أحق منك بالتصرّف في دينك، فلا تدخل المسجد إلا بإذني ولا تُصَلِّ إلا من وراء إمامي، ولا تحجّ إلا برخصتي، ولا تصُمْ إلا على رؤيتي، ولا تزكّ إلا بعد استشارتي، ولا تضع زكاتك إلا حيث أريد لا حيث تريد، ومعنى هذا كله نسخ آية من القرآن، بآية من وحي الشيطان، ولم يبق إلا أن تتلوها كما يريد، "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للاستعمار" وكذب الشيطان الرجيم، وأفك الاستعمار الذميم. ثم ارجع البصر في الدنيا وقوانينها التي يسوسنا بها الاستعمار، تجد ذلك المعنى لائحًا في كل حرف منها، فائحًا من كل كلمة من كلماتها، واضحًا في كل تأويل من تأويلاتها، بيّنًا في كل تطبيق من تطبيقاتها؛ انظر إلى قوانين الانتخاب- وهو عصب الحياة وسلاح الدفاع- تقع أول نظرة منك على احتقار مفضوح بشواهده، وهو وجود صندوقين لأمّتين، لم تقعد بأولاهما قلّتها، ولم تغن عن أخراهما كثرتها، ولا معنى لذلك إلا وجود طائفتين: سيدة ومسودة، ثم انظر إلى التفاصيل في الكم والكيف والإجراءات، وتحكم الإدارات في الإرادات تجد تصداق ما قلناه كالشمس ليس دونها حجاب، ثم انظر إلى قوانين التعليم- وهو سر الحياة وإكسيرها- تجد الاحتقار والبغض ماثلين في كل جولة طرف. يقول المسلم الجزائري للاستعمار: علّمني، فيقول: لا، ويقول له: دعني أتعلّم وحدي ما يقومني، فيقول: لا، ويقول له: دعني أعِنْك على التعليم العام، فيقول: لا. وتبقى الرابعة بينكما، لا يمنعك من قولها إلا الرهبة منه، ولا يمنعه من قولها إلا احتقارك أيضًا ... ولو قالها لكانت ترجمتها: لا أعلمك لأنني أحتقرك وأبغضك، ولا أدعك تتعلّم وحدك، لأنني أحتقرك وأبغضك، ولا أدعك تعينني لأنني أحتقرك وأبغضك. وتعالَ إلى القوانين الجنائية- وهي مظهر المساواة فيما يزعم الاستعمار- تجد الألفاظ واحدة، والتطبيقات مختلفة: يجني الجانيان منا ومنهم جناية متماثلة الكم والكيف والظروف

стр. 1241

والشهادات والقرائن، فيصطرع القانون المكتوب في الطروس، والقانون المكتوب في النفوس، ويتضاءل الأول أمام جانيهم حتى ليكاد يعتذر إليه، فتصبح جنايته بالتأويل ليست جناية فلا جزاء عليها، وتمسي جنايتنا بالتهويل جنايتين ونصفًا، فالجزاء عليها ضعفًا وضعفًا. وانحدر إلى الإجراءات البوليسية البسيطة فما فوقها تجدها كأنها تنفيذ لشريعة اسمها شريعة الاحتقار والبغض، أول موادّها لا رحمة بضعيف، ولا عذر لعائل، ولا شفقة على بائس، ولا احترام لذي مقام ديني؛ بل كل المسلمين سواسية أمام قانون الاحتقار. إن الاحتقار هو الأساس الذي بنى عليه الاستعمار تربيته وتعليمه وحكمه، وقد أصبح خلقًا ذاتيًّا في أبنائه وأنصاره وحكّامه، لا يستطيعون الانفكاك عنه لأنه جزء من وجودهم، ومادة لحياتهم، ثم غمره البغض فأصبحا عنصرين مكوّنين لشيء موجود هو هذا الظلم. وإن الاحتقار والبغض هما اللذان رفعا الحصانة عن ديننا، وأموالنا، وأعراضنا، وأبداننا. ... سلوا عقلاء الأرض الذين لم يصابوا في عقولهم بمرض الاستعمار، وسلوا علماءها الذين لم يفسد علمهم الاستعمار، سلوهم جميعًا أو أشتاتًا: هل يلتقي الاستعمار والعدل في طريق؟ وهل يتحقق العدل مع الاحتقار والبغض بين حاكم ومحكوم؟ سلوا أرسخ الأمم عرقًا في الحرية، وأكثرها تمتّعًا بها، عن الأسباب التي تمكّن للعدل في الأرض، وتحقّقه بين الناس، وتثبّت أصوله بينهم، يجيبوا بلسان واحد: إن العدل لا تثبت أركانه لزعازع الاستبداد، ولا يقوى بنيانه على طغيان المستبدين، إلا إذا كان بين الحاكم والمحكوم علاقة من محبة، وجامع من مصلحة، ورابطة من روح، وشركة في شعور: شعور من الحاكم بأن المحكوم شريكه ومعينه، وشعور من المحكوم بأن الحاكم زميله وقرينه، وأنهما- لذلك كله- متعاونان على إقامة العدل، فإذا وُجد أصل هذا الشعور في الجانبين ازداد تمكّنًا كلّما آتى العدلُ ثمراته، حتى ينتهي في نفس الحاكم إلى اعتراف بأن المحكوم هو الذي رفعه إلى تلك المنزلة، وفي نفس المحكوم إلى اعتقاد بأنه مساوٍ للحاكم في استحقاق تلك المرتبة. وأخرى ... تُثبت العدل وتحميه، وهي إحساس الحاكم برقابة متيقّظة ممن تحته، وبمحاسبة دقيقة ممن فوقه، فإذا زايله وازع الضمير، ووازع القانون، ردّه وازع المراقبة والمحاسبة إلى سواء السبيل، وأين في الحكّام- اليوم- من يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الناس؟

стр. 1242

إن الحاكم إذا لم يكن له ضمير يردعه، ولا قانون يزعه، ولا رقيب يمنعه، ولا حسيب يذوده عن الظلم ويدفعه، رجع إلى الغرائز الإنسانية الدنيا، فدفعته إلى المحاباة والعنصرية، فكان على يده ضياع العدل أولًا، وضياع قوّته التي يستند إليها ثانيًا، وكم أهلك الظلم من أمم، وتلك هي سريرة الاستعمار، وتلك هي جريرته التي يأخذه الله بها، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾. ... والرقابة الفعّالة في هذا الزمن الذي وصل طرف الحضارة الأخير بطرف البداوة الأول ... وردّ الإنسان إلى غرائز الحيوان، تكاد تنحصر- في مظهرها- في النيابة والصحافة، فقد أصبحت النيابة في الأمم التي رسخ فيها نظامها، وبُنيت حياتها عليها، رقيبًا عتيدًا على الحكومات وعلى الحكّام، وأصبحت الصحافة بجانبها حسيبًا مرهوب الصولة، يقرع النفوس بتحذيره ويخلع القلوب بتشهيره، فإذا جرتا إلى غاية واحدة كانتا ملاذًا للمظلوم، تقومان بنصره، وملجأً للملهوف، تسرعان إلى غوثه، وملتحدًا للضعيف تأخذان بيده، ولكن ... إذا أفسدت المطامع النوّاب، وأفسدت العنصرية الصحافة فعلى العدل السلام. ... وماذا في الجزائر من هذا؟ ...

стр. 1243

حدّثونا عن العدل فإننا نسيناه * - ٢ - ... وماذا في الجزائر من ذاك؟ يسمع البعيدون الذين منّ الله عليهم بالسلامة مما نحن فيه، أن في الجزائر نوّابًا ومجالس نيابية، وأن فيها من مواليد عهد التطورات مجلسًا جزائريًّا، يتراءى في مظاهر برلمانية، تلوح عليه مخايل البرلمان وسماته، وتنفح من طياته روائح البرلمان ونسماته، يسمعون ذلك عن الجزائر فيحسبون أن الحرية صافحتها، وأن عوادي الدهر صافتها، وأن هذه المجالس النيابية خليقة أن تراقب الحكومة والحكّام، وأن تناقش، وأن تحاسب، وأن تحامي عن مصالح الأمة وحقوقها، كدأبها في كل بلد نيابي، وقد يغبطنا جيراننا الأقربون عن هذه الحياة الشورية التي حرمهم الاستعمار منها. مَن يَسمعْ يَخل، والبعيد يسمع الأصداء لا الأصوات، والحقيقة هي أنه ليس في الجزائر نيابة ولا نوّاب، ولا منتخبون ولا انتخاب، وأن حالتها في هذا الباب- بعد مائة وعشرين سنة من استعمار فرنسا أم الدساتير وأم الشعوب النيابية في العالم- قد انتهت إلى حيث ابتدأ (الباش أغا) عبد الله قائد دوار شرق الأردن. وان هذا التشابه لينبئ بأن ذلك الباش أغا قد استعرض في بدايته (عيّنات) من النيابات، فاستوقفه نوع النيابة الجزائرية في نهايتها، فاستهوته، فاختارها فقلّدها، والشكل يقع على شكله. ليس في الجزائر نيابة ولا نوّاب، بالمعنى الذي تعرفه الأمم، وإنما هي صور بلا حقائق، وألفاظ مجرّدة من معانيها، وأجسام مفرغة من أرواحها ... إنما هي وظائف توزّعها الحكومة على أعوانها، وتضع عليها هذه الأسماء، تمويهًا وتغليطًا، وتغطّيها بأقلية ضئيلة من

стр. 1244

النوّاب الأحرار، تمهيدًا للغدر، وتعويذًا من العين، ودفعًا للتهمة وقالة النقد، فإذا اجتمعتْ هذه المجالس النيابية ليوم الفصل في المشكلات، أو ليوم الرأي في المعضلات، لم تجد نوّابًا ولا رأيًا، ولكنك تجد الحكومة تتحكّم وتسيطر، وتوجّه وتملي، ثم لا يكون إلا رأيها، وإنك لترى أشخاصًا وتسمع أصواتًا، وتشاهد حدودًا من النظام، وتسمع في بعض الفترات نبرات حرة تخترق تلك الكثافة الغالبة، حتى يخدعك النظر، وتهُمّ بأن تعتقد أنها مجالس نيابية، ولكن ذلك كله ما دام الحديث في القشور والتوافه، أما إذا عُرضت مصالح الحكومة، وعارضتْها مصالح الوطن وحقوق الأمة فإن النيابة تنقلب حكومة، ويضيع الصوت الحرّ- إن كان- في الضجيج. لا تكون النيابة مثمرة إلا إذا كان الانتخاب حرًّا، وكان المنتخب عارفًا بقيمة نفسه وبمعى الانتخاب، ولم ترَ الجزائر انتخابًا حرًّا خاليًا من شوائب التدخّل الحكومي من يوم نشأ فيها الانتخاب؛ ولا تبحث بعد هذا عن أعجوبة الأعاجيب في هذه المجالس، وهي تمثيل الأقلية فيها لأكثرية السكّان، وتمثيل الأكثرية لأقليتهم، ولئن سألتهم ليقولن: إن أكثرية السكّان متأخرة عقلًا وثقافة، منحطّة علمًا وتفكيرًا، لا جرم أنها لا تستحقّ إلا هذه النسبة في التمثيل، فسلهم: ما الذي أخّرها؟ إن الاستعمار هو الذي أخّرها عامدًا، فسدّ عليها منافذ العلم، وأفسد فيها معاني الرجولة، وعامل القيم الإنسانية والموازين العقلية فيها بالبخس، ومحا منها بوسائله السحرية من الوظيفة واللقب والنيشان والأطماع كل المثل العليا التي هي مناط الطموح في الأمم، فأصبح معظمها حيًّا بلا حياة، وبلا أمل في الحياة، تسيَّر، ولا تخيّر، ويفتات عليها، ولا تشاور، وأصبح هؤلاء النوّاب نوائب نازلة عليها، لا يعرفونها إلا في أيام الانتخاب، أو لا يعرفونها قط، لأن الحكومة عرفت بهم، فإذا حلّت الكوارث بالأمة، أو فعلت الحكومة الأفاعيل بالأمة، سكتوا، كأن الأمر لا يعنيهم، ولأن الحكومة ما وضعتهم حيث هم إلا ليسكتوا ... إن الغابط لنا على هذه النيابة خابط في ضلالة، وإن الحاسد لنا عليها حاسد على الموت، وإن الممتن بها علينا ممتن بالسراب على العطاش. هذه هي حقيقة النيابة في الجزائر، فكيف يُرجى منها ما يُرجى من أمثالها في الأمم من مراقبة للحكومة، ومحاسبة للحكّام، وحماية للأمة، حتى يفشو العدل، ويشيع بين الناس. وأما الصحافة في الجزائر فإنها استعمارية خالصة لحمًا ودمًا، تعيش على ماله، وتسير بتوجيهه، فهي تخدم ركابه، وتنصر مبادئه، وتثبت أصوله وتنافح من ورائه، وتأمر في حق الأمة الجزائرية بالمنكر، وتنهى عن المعروف وتضع الموازين البخس، لمصالحها، وتجسّم

стр. 1245

المخاوف منها، وتزين المبالغة في إرهاقها وتعذيبها، ولا تقنع بما يقع من الحكّام من ضغط وزجر وإعنات، بل تعدّه تقصيرًا منهم في الواجب، وتفريطًا في المحافظة على السيادة الاستعمارية، والحقوق الفرنسية، ولذلك كله تراها لا تدعو ثبورًا واحدًا، بل تدعو ثبورًا كثيرًا كلما سمعتْ نبأة بطلب حق، أو رفع مظلمة، وشأن الصحافة الحرّة شأن النوّاب الأحرار، قلة في العدد، ونضوب في المدد، وريح تُلاقي إعصارًا. وهذه هي حقيقة الصحافة في الجزائر، فكيف يُرجى منها ما يُرجى من مثلها عند الأمم من مراقبة حكومة، أو محاسبة حكّام، حتى يفشو العدل ويشيع بين الناس. ... يقول الاستعمار- وقوله الباطل-: لا حق للأمة الجزائرية في الحياة، وما قالها إلا بعد أن فعلها ... جرّدها من سلاح الحماية، فلا قانون يحميها، ولا نيابة تنطق باسمها، ولا صحافة تدافع عنها، ولا حاكم منها يعطف عليها ... فمن الذي يحمي عرضها من الثلب، ويحمي مالها من السلب، ويحمي دينها من القلب، ويحمي جسمها من الضرب، لا شيء ... لا شيء ... ولا بعض الشيء ... هل تنتظر هذه الأمة العدل من فرنسا (منارة العدل)؟ لقد انتظرته حتى ملّت الانتظار، فعادت إلى اليأس، وارتفعت صيحاتها بالتظلّم إلى فرنسا حكومةً وبرلمانًا وشعبًا، فلم يجبها عند ذاك مجيب. حلّت المصائب بهذه الأمة، وتتابعت المكائد التي تدبّرها حكومتها الاستعمارية، فرفعت صوتها إلى آخر ملجإ حكم عليها القدر بالالتجاء إليه، وهو فرنسا، فلم تظفر منها بشيء يداوي الجروح، ويسلّي النفوس، ولا رأت منها عناية- ولو مصطنعة- بهذه القضايا الخطيرة، ولا نهيًا عن تلك المنكرات التي تئطّ منها السماء والأرض، ومظهر العناية من دولة عريقة في الجمهورية، وأيسر شيء عليها أن ترسل لجنة برلمانية للتحقيق العادل، ولكن شيئًا من ذلك لم يقع. بل وقع في كل حادثة ما يضاده ويعاكسه، وهو إعلان الثقة بمدبّري المكائد، ومكافأتهم عليها، والإملاء لهم ليزدادوا طغيانًا وإثمًا. وقعت حوادث ٥ أوت ١٩٣٤ - وهي مكيدة مدبّرة- فلم تحرّك فرنسا ساكنًا، وتركت المكيدة تجري لغايتها. ووقعت حوادث ٨ ماي ١٩٤٥ المروّعة فأعلنت فرنسا ثقتها بالمدبرين لها، ورضاها عما يصنعون، واهتزت الدنيا لهولها وفظاعتها، ولم تهتز فرنسا إلا هزّة الإعجاب ببطولة الهاتكين

стр. 1246

للأعراض الطاهرة، الفاتكين بالمهج البريئة، المثخنين في شعب أعزل: ورويت الضواري الوالغة من دماء هذه الأمة، وشفيت الصدور المغيظة عليها من الغليل، وأفاق المظلومون من غمرة الذهول، على حمى مستباح، ودماء مطلولة، فرفعوا أصواتهم يطلبون من فرنسا إرسال لجنة برلمانية للتحقيق الذي لا يردّ فائتًا، ولا يحيي مائتًا، ولكنهم كانوا ينادون صخرة صمّاء، ومن عجيب ما رآه الناس في تلك الحادثة أن بريقًا من الإنصاف لاح في نفس بعض المسؤولين هنا فانتدب شخصين اثنين للتحقيق في أول بقعة اندلع فيها لهيب الحادثة، وأحد الشخصين فرنسي منصف، والآخر جزائري متعفّف، ولكنهما رجعا ليومهما، وحيل بينهما وبين الاطّلاع على أصغر جزئية في القضية. ووقعت بعد ذلك حوادث (دوّار السطح)، وأتت بما تقشعرّ منه الجلود، وانجلت الحقائق بالوثائق، فلم يتحرّك من فرنسا ساكن، ولا نبض لها عرق. ووقعت في السنّة الماضية حوادث (دوار علي بوناب) فكانت تمثيلًا للوحشية في أشنع صورها، وكثر فيها القيل والقال، والجواب عن السؤال، وطارت أخبارها إلى ما وراء الستار الحديدي، ولكن فرنسا طردت القاعدة، فظلّت قاعدة. ... وفي هذه الأيام تجري حوادث صامتة الظواهر، مفصحة البواطن، مسبوقة بالأمثال والشواهد، تومض نارها من خلل الرماد، ولكنها تُنسي كل ما قبلها في الترويع والتجنّي، وإن لها لغاية في الكيد، هي سائرة إليها، فمن أين نلتمس العدل فيها؟ أمن فرنسا؟ ...

стр. 1247

حدّثونا عن العدل فإننا نسيناه * - ٣ - ومن أين نلتمس العدل؟ ... أمن فرنسا الاستعمارية؟ ... إن فرنسا اثنتان: تلك التي يتمجد التاريخ بصحائفها البيضاء في العلم والعرفان، ويتغنّى بروائعها في الأدب والفن، ويتحدّث عن وقائعها في تحرير نفسها من الاستعباد الروحي والعقلي والبدني، ويشيد بأعلامها في السياسة والبيان، ونحن لم نرَ فرنسا الموصوفة بهذه الصفات، ولم نعرفها، ولم نحسّ بها، ولا شأن لنا معها، إلا شأن البعيد الدار، المختلف الأوطار عن الأوطار. وأما فرنسا الثانية التي التقى تاريخها بتاريخنا من سنة ١٨٣٠ إلى الآن فهي التي عرفناها فاتحة بالسيف، حاكمة بالحيف، وأيأسنا من عدلها أنها حقّقت لنا معنى المثل: المستجير بعمرو ... وكيف نستدفع البلاء، بما هو أصل البلاء؟ إن فرنسا هذه التي نعرفها دولة أشربت معاني الاستعمار، وما يتبعه من احتقار وظلم واستعباد، وما يستلزمه من عتو وغطرسة وأنانية، ومن العجب أنها مع هذا تنتحل صفات الأخرى وتدّعيها وتفخر بها في العالمين، فهي كالجزّار يذكر الله ويذبح، ونحن لا نعرف لها تلك الصفات، ولا نعترف بشيء لم نره، ولم نستبن في أنفسنا أثره، ولا نعرف إلا صحائفها السوداء في معاملتنا، ووقائعها في ظلمنا وتقتيلنا، ولا نصدق بشيء مما تدعيه لنفسها، أو يدّعيه لها المفتونون بها من العدل والديمقراطية. لم نرَ من فرنسا الاستعمارية إلا الهضم لديننا، والمحو للغتنا ومقوّماتنا، والزراية بجنسيتنا، والمنّ علينا بما لم نذق طعمه ولم نَرِح رائحته، والاستكبار في الأرض بغير

стр. 1248

الحق، والنكران لفضلنا عليها في الأزمات؛ أفلا يعذرنا العقلاء إذا أنكرنا كل فضيلة تتّسم بها، أو يسمها بها المفتونون بمدنيتها، المسبّحون بحمدها: والناس أكيس من أن يمدحوا رجلًا ... حتى يروا عنده آثار إحسان تريدنا فرنسا الاستعمارية على أن نحمدها بما لم تفعل، فنقول: عسى ولعلّ ... ثم تريدنا على أن نحمدها بما فعلت معنا من ظلم وعدوان، وأن نصوّر مساوئها فينا محاسن وأن نسمّي شرّها خيرًا، وجورها عدلًا، وإساءتها إحسانًا، وإهانتها تشريفًا، وأن ننكر إحساسنا وعقولنا، وأن نتنكّر للمنطق وللواقع، فلا نقول إلا ما يرضيها وإن جانب الحق، ولا نعمل إلا ما يوافق هواها، وإن أسخط الله، فنقول: لا، ثم لا، لأن ترجمة هذا كلّه أنها تلطمنا فنشكرها على اللطمة، وتعذّبنا فنقدّم لها شواهد الإخلاص. هذه هي فرنسا التي نعرفها، أو هذا هو الجانب الذي نعرفه من جوانب فرنسا، قلنا فيه ما نعرف، وشهدنا بما نعلم، فإن كان لها جانب غير الذي عرفناه، فسلوا عن العسل مَن ذاق طعمه، أما نحن فقد ذُقنا الحنظل، فوصفنا الحنظل. ولو أن حاتمًا جمع كل ما قاله في نفسه، وقاله الشعراء فيه، في ديوان، وقرأه على جار له حُرم رفده، فلم ينل من لحوم نحائره حُزة، ولا من أوبارها جزة، أكان يهتزّ لذلك، ويشكره عليه، إن لم يكذبه؟ وكذلك نحن؛ لا نهتز لما تمتدح به فرنسا، أو يمدحها به المادحون، ما دمنا لم نرَ منه في أنفسنا إلا عكسه ونقيضه، وقلْ أنت: أنا غني، فلعلّك لا تجد من يكذبك، ولكنك حين تقول: أنا الجواد المفضل، تجد- لا محالة- من يقول لك: وأين الأثر؟ ولو أن ذكرك بالإحسان والعدل استفاض حتى ملأ مسامع الدنيا، لما أغنى عنك يوم الفخار شيئًا، إذا جاء جارُ بيتك يحمل من ترويعك له دلائل ويستظهر على تجويعك له بشواهد وبيّنات. إن الاستعمار غشاوة على الأبصار، ورين على البصائر، فهو- كما يرمي فاعله بالعمى عن الحقائق- يَرمي المبتلى به بالعمى عن المحاسن، فلو أن فرنسا خلعت ثوب الاستعمار، ومحت رسومه، لزالت هذه الغشاوة عن بصرها فعرفت لنا حقوقنا، ولزالت عن أبصارنا فعرفنا لها محاسنها؛ وما دام الاستعمار، فالرين على البصائر والغشاوة على الأبصار، وليس في طبائع الأشياء غير هذا. ... وإلى عقلاء العالم، وساقة القوافل البشرية نسوق الحديث، وإن كنا في شك من أن المادية الخبيثة أبقت في العقلاء معنى التعقّل، حتى يدركوا كيف يسعد الأقوياء بشقوة

стр. 1249

الضعفاء، وفي مرية من أن الاستعمار ترك لأولئك الساقة وجهة غير وجهته التي يزاحم عليها سائق سائقًا، ويجاري فيها متخلف سابقًا: أنتم تحثون الركائب لغاية تزعمونها، وفي القافلة الكبرى أنضاء طلاح، إن لا تعوّق عن تلك الغاية تؤخر البلوغ إليها، فهلّا أذّنتم في أولاها بالأناة والتلبّث، وحدوْتم في أخراها بالعجلة واللحاق، حتى يتلاقى البطاء والسراع على الغاية؟ أما عملكم اليوم فهو مضاعفة لقوادم الطائر حتى يحلّق في الجوّ، وإضعاف لحركات الواقع حتى ينبَتّ في الدو. هل أتاكم نبأ أمة تعيش في زمنكم، بغير أدوات الحياة في زمنكم؟ وهل أنتم على بصيرة من وضعيتها الناشزة الغريبة الشاذة في نواميس زمنكم؟ هل أتاكم نبأ عشرة ملايين من سلائل البشر الراقية، تحكمها فئة تعادل عشرها، ليس بينهما من الجوامع إلا الآدمية، ولا من الصلات إلا صلة القوي بالضعيف، ولا من العلائق إلا امتصاص الأقل لدم الأكثر، وسمنه بهزاله، واعتزازه بإذلاله. إن هذه الملايين تُساس بقوانين لا رأي لها فيها، وبمجموعة من النُظم لا يد لها فيها، وبأنواع من الإدارات غابت عن وضعها، وهي موضع تنفيذها وبعُصَب من الرجال ليس فيهم واحد منها ... إلا واحد يمسك عنقها للذبح، وآخر يضرب بدنها للإرضاء. كيف ترجو هذه الملايين العدلَ أو تتخيله؟ وليس من أبنائها قاض مستقلّ في محكمة، ولا رئيس مسؤول في إدارة، ولا ضابط كبير في ثكنة، ولا حاكم كبير ولا صغير في مركز، ولا مدير حرّ في مصلحة، بل كل فرد منها خادم مطيع، وكل أجنبي عنها مخدوم مطاع، وكل الوظائف الرئيسية في وطنها محتكرة لغيرها، وكل المنافع الثابتة أو النابتة في أرضها محرّمة عليها. تشريك المواطنين في الرأي والحكم هو سمة زمنكم، ولكن هذه السمة مطموسة في الجزائر، وحرية المعتقدات والأديان هي شعار زمنكم، ولكن هذا الشعار لا يوجد في الجزائر، وحرية التنقّل هي مفخرة زمنكم، ولكنها معدومة في الجزائر، والمساواة في القانون والعدالة من ثمرات زمنكم، ولكنها محرّمة في الجزائر، والديمقراطية هي دعوى زمنكم، ولكنها باطلة في الجزائر، وحرمات المنازل والأعراض من تبجحات زمنكم، ولكنها مهتوكة في الجزائر، وعصمة الأبدان من الضرب والتعذيب من أكاذيب زمنكم، ولكن الجزائر أصبحت مدرسة عالية لتعليم النمط الرفيع من أنواع الضرب، وأساليب التعذيب وأصبحت تجارِبُه الأولى في أبداننا، ولولا هدير البحار، وصخب الساسة لسمعتم أنين المكلومين، ولامتزج في آذانكم حفيف السياط بالصراخ و "العياط"؛ وليوشكن إن تمادى زمنكم في التفنّن، ولم تبادروا جرثومة الاستعمار بالاستئصال- أن تستمرئوا لذة نيرون باحتراق روما،

стр. 1250

وأن يهاجر أبناؤكم إلى الجزائر، للتخصص في فن التعذيب على أساتذته. نعم، نعم- ولا نُنكر الفضل- إن حرية الرذيلة من آفات زمنكم، وهي موجودة على أكمل وجه وأتمّ حال في الجزائر. ... ويحكم! إنكم لسائرون بهذه القوافل إلى الدمار، وإن حاديكم إليه هو الاستعمار، فعاملوه بالقطيعة تتواصلوا، واقضوا عليه قبل أن يَقضي عليكم. ويحكم! إن هذا العارض الذي تسمّونه الاستعمار ليس ذاتيًّا في زمنكم، ولا هو من طبيعته، فإن تركتموه حتى يُلبس العصر الجديد لبوسه كان عونًا عليكم، إن الزمان لا تؤمن غوائله وتقلباته، أم أنتم في أمان من الزمان؟! ... ويحكم! إن هذا الاستعمار الذي تؤيدونه، وهذه الديمقراطية التي تنوون إقرارها في العالم، أو إقرار العالم عليها، ضدان لا يجتمعان، فلماذا تغشّون أنفسكم، وتغشون العالم، وتكذبون على الحق؟ ويحكم! أحيوا العدل وانشروه، وأميتوا الاستعمار واقبروه، تكن الأمم كلها معكم بقلوبها، وعقولها، وأبدانها، وأموالها، وتأمنوا البوائق التي تخشون انفجارها، فإن لم تفعلوا فأيقنوا أن كل ما تنفقونه من جهد ووقت ومال في تمكين الاستعمار ضائع، ولا الحمد مكسوبًا، ولا المال باقيًا، ثم ما يزال بكم هذا الغول الذي تربّونه وتحتضنونه حتى يرديكم في هاوية. ... أفكلّما رثّ حبل الاستعمار، وتصدّع جداره، وأشرف على الفناء في حربين ماضيتين، جاءت أميركا حاضنة الديمقراطية، تكفكف دموعه وتنظّم جموعه، وترمّم جداره، وتعمر بالدولار داره؟ إن الأمم الضعيفة قد لُدغت من جحر واحد مرّتين، فاحذروا الثالثة، وقد أصبحت هذه الأمم تلقّب أميركا بلقب لا يشرّفها، وهو أنها (نصيرة الاستعمار). الاستعمار عمل أوّله ختل، وآخره قتل، وشر لا بقاء عليه، ثم لا بقاء له، ووحش مروّض آخر صرعاه رائضه؛ ومرض آكل يأتي على المكاسب، ويثني بالمواهب، ومخلوق

стр. 1251

لئيم، يُدان ولا يفي، وينتقم ولا يشتفي، ويستأصل ولا يكتفي، ويجاهر بالسوأى ولا يختفي؛ وكنود، أوْلى الأيدي عنده بالقطع يد مُدّت بإحسان إليه. والمساواة عدل تنمو عليه الأخوة، وتنبعث منه القوة. والاستقلال تكافؤٌ في الآدمية، واحترام للإنسانية، وتبادل للمنفعة والخير، وتحقيق لسنّة الله. والعدل من الأقوياء هو الميزان الذي يُقرّ كل شيء في نصابه، ولكن أين هو؟ لم يبق إلا الحديث عنه، فحدّثونا عنه، فإننا نسيناه! ...

стр. 1252

ويحهم ... أهي حيلة حربية ؟ .. * نشرت جريدة "الجزائر الجمهورية" اليومية الصادرة في ٢٢ من الشهر الماضي تفاصيل جزء صغير من مؤامرة سرية واسعة، كشف الغطاء عنها النائب البرلماني الشريف جماد، في المجلس الوطني الفرنسي في جلسة ١١ فيفري الماضي، وأعلنها كحقائق واقعية مضبوطة، بالأسماء الصريحة، والأماكن المعينة والإحصائيات المدقّقة، لاستعدادات هائلة بالأسلحة والذخائر الحربية، والأجهزة المتنوّعة، والوقود والسيارات، ورجال الاختصاص، حتى ليخيّل إلى قارئها أنها حملة حربية كاملة ... ولو لم يصرخ بها نائب برلماني مسؤول، يعرف ما يقول، على منبر مجلس الأمة، لقلنا إنها من نسج الخيال. وقرأنا تلك التفاصيل، على حالة بين الدهشة والاستغراب، وبين التصديق والتكذيب، حتى انتهينا؛ فإذا هي استعدادات تبعث الرعب والفزع في النفوس، وإذا هي تسليح جديد لطائفة كانت مسلّحة- قبل- بالحكم والمال، فكأنها إمداد لليث بناب فوق نابيْه، وتقويةٌ للقوس بقاب مع قابيْه، وإذا تلك الحملة كلها شر من شرور مخبوءة لهذه الأمة المسكينة العزلاء الجائعة العارية الحافية المجرّدة- عن عمد وإصرار- من كل أسباب القوّة، وإذا هي في شريعة هؤلاء الطغاة وفي نفسيتهم الخبيثة جزاء- مستحق- لهذه الأمة على ما بذلته من تضحيات مكفورة في سبيل فرنسا! ... وإن كشفها في قرية "فج مزالة" لا يعني أنها محصورة فيها، ومقصورة عليها، وإنما هو كشف لفرع من فروعها، واكتشاف لوكر من أوكارها؛ ومحال أن يكون هذا التدبير الشيطاني المحكم خاصًّا بفج مزالة، ولا خصوصية فيها تقتضي هذا. وتفلسفنا قليلًا- على حسب بساطتنا- لنرجّح اليقين على الشك، فقلنا: إن كشف هذه المؤامرة ونشرها يساوي كشف سر من أسرار الحرب شناعة ونكرًا، فإفشاؤها في

стр. 1253

البرلمان، ونشر الجرائد لها، يصيّرها حقيقة واقعة، وسكوت الحكومة عن تكذيب ناشرها، وعن عقاب مُفشيها، هو إقرار لها، واعتراف بها، وتصديق بكل ما قيل عنها، وسمّه إن شئت- غير مكذب- "حكمًا بشرعيتها"؛ فإذا لم تصدق هذه الفلسفة العاقلة البسيطة- التي يَبْدَهُ بها كل عاقل- فلا بدّ من أحد جديدين: إما أن الأرض عمرت بالمجانين، وإما ... أن ملائكة الرحمة قد تنزلت على القوانين ... ورجعنا إلى الماضي نستقريه ونسأله، فوجدناه كله شواهد على هذا، ووجدنا أنفسنا- بعد زوال الدهشة- أعلمَ الناس بهذا، وأحق الناس بكشف هذا، لولا بلادة تُخالط، ونفوس تُغالط، فقد علَّمَنا أول هذه المكائد آخرها وأنبأنا ماضيها بمستقبلها، ونفضت هذه النفوس الخبيثة سرائرها على أقلامها الكاتبة، وألسنتها الخاطبة، فتركتنا لا نُخطئ وزنًا ولا تقديرًا. ... وقعت حوادث ٨ ماي المريعة، ودارت رحاها في سطيف، وخراطة، وقالمة، وانجلت عن تلك الفضائح الوحشية التي تكفي وحدها لتلطيخ تاريخ فرنسا بالسواد، من تحريق للديار، وإتلاف للثمار، ونهب للأموال، وتقتيل للرجال، وتذبيح للشيوخ والنساء والأطفال، وانتهاك للحرمات الإنسانية، مما لو رآه فرعون لافتخر بفوات ما فاته منه، فقد كان يذبح الأبناء ويستحيي النساء ... وانتظر العقلاء- بعد انحسار الغمرة- أن تكفر فرنسا عن زلة أبنائها (الممدنين المعلمين) بتحقيق يمهّد للعدالة، ويكون من ورائه ما يقمع الظالمين، ويرضي المظلومين، ويكفكف دموع البائسين، ولكنها لم تفعل ... وأستغفر الله، بل فعلت كل أسباب النكبات الواقعة بعدها والمتوقعة. ثم وقعت حادثة "دوار السطح" وهي نسخة مصغّرة من حوادث ٨ ماي، أو ذيل من ذيولها، أعيد فيها تمثيلُ رواية نهب الأموال، واستباحة الأعراض وانتهاك الحرمات، وانتظر العقلاء من الحكومة شيئًا يعيد النوم إلى الجفون الساهرة، والأمن إلى القلوب الواجفة، ولكنها لم تفعل ... ثم وقعت حادثة "دوار علي بوناب"، وهي جزء من (ذلك البرنامج الحافل) وعلت فيها أصوات المتظلمين، وأوسعتها الجرائد بيانًا وتعليقًا، وانتظر العقلاء شيئًا من الحكومة، إن لا يكن إقرارًا للحق لا يكن إقرارًا للباطل، ولكن مواقفها من هذه الحوادث كانت متشابهة، كبقر بني إسرائيل، تصامًّا عن الحق، وتغطية للجريمة، ودفاعًا عن المجرمين، بل جاءت في هذه الحادثة الأخيرة ببدع جديد في باب المكابرة وإنكار المحسوس، فنسخت سنة "حسان الحق"، المنافح عن الحق، "بحسان الباطل" المنافح عن الباطل ...

стр. 1254

من ذلك الحين فهمنا، وفهم كل العقلاء أن تلك الحوادث أمثلة من قاعدة وعنوان على كتاب، وآثار من عقيدة انطوت عليها نفوس هؤلاء القوم، واصطبغت بها أرواحهم الخبيثة، وهي أن دم المسلم هدَر، وعرضه مباح، وماله فيء، ودينه لهو، ولغته لغو، ومنظره قذى، وبدنه هدف تدريب على الضرب، وصراخه من الألم نغمات موسيقية. ... الحقيقة التي انتهينا إلى فهمها في العمليات، أن حادثة سطيف وما تفرّع عنها وما تبعها، لم تكن سماوية فتكون من سر الأقدار، ولم تكن جرح عجماء فتدخل في حكم "الجُبَار"، وإنما هي حوادث محكمة التدبير، مبيتة، مجمع عليها، من جامعة المعمّرين بإملاء رجال الحكومة أو ممالأتهم، ولم يبلغ بنا الجنون ولا الغفلة أن نعتقد أن الحكومة لم تكن على علم بكل مكيدة قبل أن ترجف راجفتها، لأنها تتمتعّ بحاسة في (الشم) لم يهبها الله لمخلوق. وإذا قلنا: "الحكومة"، فإننا لا نعني رجالًا يحملون ألقابًا عالية، ويقتعدون مناصب رفيعة، ويذهب الواحد منهم فيخلفه آخر، وإنما نعني هذا الجهاز الاستعماري الثابت المقيم الذي لا يبرح، من موظفين صغار، ومعمّرين كبار، فهؤلاء في الجزائر هم الحكّام وهم الحكومة، وهم الحكم، وهم كل ما يتصرف من هذه المادة، لا نستثني إلا المحكوم والحكمة والحكيم، فليس فيهم محكوم، بل كل واحد منهم حاكم بأمره، وليس فيهم حكيم بل كل واحد منهم جبّار في الأرض، وليس في أعمالهم حكمة، وإنما هي ظلم، تمدّه قوّة، يمدّها استعلاء، تمدّه عنصرية رعناء. ولم تكتفِ الحكومة بالسكوت على الفضائح التي اجترحها هؤلاء القياصرة في حوادث ماي وما تبعها، بل بالغتْ في تدليلهم بالبكاء على موتاهم، والتعزيات الرسمية والوعود الصريحة بالانتقام من قاتليهم، والإنعام على رؤسائهم بالنياشين والترقيات، على أننا نعادل كل قتيل منهم بآلاف القتلى منا، كل ذلك من غير أن تعطي موتانا لفتة مجاملة، أو تصدر منها لأحيائنا فلتة من حسن المعاملة، وكل ذلك كان في وقت لم تجف فيه دماء أبنائنا في مواطن الدفاع عنها، وانتزاع النصر من أعدائها، وكنّا نرضى الرضى كله لو فتح التحقيق ونصب ميزان العدالة، وتبين المجرم، ونحن- بعد ذلك- أهل العفو وأهل المغفرة. ولم تكتفِ الحكومة بذلك ... وكأنها رأت أن عدد القتلى منا لم يبلغ النصاب المقرّر، فحكمت محاكمها العسكرية على العشرات بالإعدام ونفّذته فيهم، وكأن ذلك كله لم يشفِ غليلها، فسنت قانونًا متنه من وحي الرومان، وشرحه من فقه الإسبان، يقضي بمنع أيامى

стр. 1255

القتلى من التزوّج، وبعدم قسم المواريث المتخلفة عنهم، وبعدم السماح لأهل البر والإحسان بتبنّي يتاماهم ... أفلا نعذر بعد هذا كله إذا فهمنا أن تلك المعاملات تنشيط للمجرمين، وتشجيع لهم على العودة إلى اقتراف أمثالها؟ إن مكيدة "فج مزالة" المكشوفة لمصداق لفهمنا واعتقادنا. أفلا نُعذر إذا أيّدنا فهمنا هذا بخروجنا من السجون والمعتقلات في حوادث ٨ ماي ... فقد أطلقوا سراحنا باسم العفو والامتنان، كأننا مجرمون ألحفنا العفو، لا مظلومون برّأتنا العدالة. ... وجمعية العلماء كانت أول طعمة لنار تلك الحوادث، وكان حظها من السجن والاعتقال أوفر الحظوظ، وها نحن أولاء نقلب الطرف في هذه القائمة "المزالية" فنجد أكثرها من رجال جمعية العلماء وأنصارها وأعوانها على الخير، فهذا الشيخ عبد المجيد حيرش وأسرته، تكاد تستوفيهم القائمة عدًّا، والذي نعرفه ويعرفه كل الناس أن هذه الأسرة بعيدة عن السياسة قريبة من العلم، فلا ذنب لها عند الحكومة إلا انتسابها لجمعية العلماء، ولا ذنب لها عند "الكولون" إلا احتفاظها بقطع أرض في بحر لجيّ من أملاك المعمّرين، وقد تلقّت هذه الأسرة في حوادث ٨ ماي ضريبة قاسية، فأودع رجالها السجون واستؤصلت نعمتهم، وانتهبت نقودهم وذخائرهم، وذبحت أنعامهم، مع بعدهم وبعد ديارهم عن مسرح الحوادث، والشيخ عبد المجيد حيرش عضو في جمعية العلماء، منقطع للعلم والتعليم، مدرّس بالمعهد الباديسي في قسنطينة، فما شأنه في القائمة السوداء ... المكشوفة حديثًا؟ لا عجب ... فلو كشفت بقية القوائم لوجدنا رجالَ الجمعية منزلين في منازلهم منها ... ... إن الشعب الأعزل محكوم عليه بالموت شاهدًا وغاًئبا، وإن الشعب الذي لا يشارك أبناؤه في الإدارات الحاكمة، ولا رأي له في تشريع ولا تنفيذ، لا ينتظر إلا أمثال هذه الحالة، يحيا مع الحيّات، فيجاورها وتجاوره، وهو لا يدري متى تساوره، ويعطيها من دمه، فتعطيه من سمّها. وإذا كان في الغرابة غريب فهاكه: اقرأ ما كتب عن مكيدة "فج مزالة" فإذا وصلت إلى قوائم "الميلسيا" (١) فإنك ستجد في آخر كل قائمة اسمًا عربيًّا أو اسمين ... كأنهم جعلوها

стр. 1256

تمائم للتعويذ من العين، أو معاذير عما يرتكب من العار والشين، ونحن نعلم من سرّ ذلك وحكمته وآرابه المخبوءة ما إن أهونه تضرية المسلم على قتل أخيه، وما لهم- خيّبهم الله- يُشركون أدنياءنا في الظلم، ولا يشركون أعلياءنا في الحكم؟ ورجعنا إلى الشعر نستلهمه العزاء والسلوى، وننتزع منه الشواهد والأمثال، فذكرنا قول الأول: وما من يد إلا يد الله فوقها ... وما ظالم إلا سيُبلى بظالم وقول الآخر: أين عاد؟ أين فرعون؟ ومن ... ملك الأرض وولّى وعزلْ وقول الأخير في نصوص هذه الشريعة: قتل امرئى في غابة ... جريمة لا تغتفر وقتل شعب كامل ... مسألة فيها نظر وقول الآخر يخاطب عيسى: خلطوا صليبك والخناجر والمُدى ... كلٌّ أداة للأذى وحِمامُ ... لك الله، أيها الشعب المعذّب، لقد هُنت عليهم حين هُنت على نفسك إنهم ما ضربوك إلا بعد أن جربوك، وما جرفوك إلا بعد أن عرفوك، وما جنوا عليك واتهموك إلا بعد أن قرأوك وفهموك، فلا تلمهم، ونفسك فلم، وغيِّرْ ما بنفسك وهلمّ ... أعنتهم في إفساد دينك وأخلاقك فارتفعوا وانحدرت، وأعنتهم على إفساد دنياك فاستغنوا وافتقرت، واجتمعوا وافترقت، وانتظموا وانتثرت، وجرّوك بمغوياتهم ومغرياتهم فانجررت، فإذا كان القوم قد أمنوا بوادرك فلأنك عوّدتهم ذلك من نفسك، وإذا كانوا قد أمنوا مكر الله، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. إن القوم لا يدينون إلا بالقوة، فاطلبها بأسبابها، وأْتِها من أبوابها، وأقوى أسبابها العلم، وأوسع أبوابها العمل، فخذهما بقوّة تعش حميدًا، وتمت شهيدًا. بالأمس كانوا يعتمدون عليك ليحيوا، واليوم هم يأتمرون بك ليقتلوك، وما شر من الأولى إلا الثانية، فهل في وسعك الخلاص من الاثنتين؟ ***

стр. 1257

أيها القوم! أين البطولة؟ إن البطل من يقرع الحديد بالحديد، لا من يقرع الحديد باللحم والدم. أين الشرف؟ إنه لا محمدة في قتل الأعزل، فادّخروا السلاح لأهل السلاح، وعند جنوبكم (٢) من مواقعه الخبر اليقين. أين العهد؟ إن هذا الشعب قاتل دونكم، وذبّ عن حرماتكم، وشارك في تحرير أوطانكم، وزفّ لكم النصر منظوم الأكاليل، أفمن حُسن الجزاء أن تقتلوا من أحياكم؟ ومعذرة منه إليكم ... فإنه لم يكن يدري حين نصركم على عدوّكم أنه نصركم على نفسه أيضًا. إنه منطق سخيف لم يتعلّمه، وأدب حيواني لم يؤدبه به دينه وتقاليده، وعرق خبيث لم تُدَسِّه فيه أعراقه الكريمة. أتقتلون من كان لكم بالأمس حارسًا أمينًا؟ إن قتل الحارس معناه استدعاء اللص. فأبشروا بتداعي اللصوص المبيرة، والحشود المغيرة. ويومئذٍ تدعونه، فلا تجدونه.

стр. 1258

أين موقع "بسكرة" من أفريقيا الشمالية ؟ في كل نادٍ أثر من ثعلبة * ــ وثعلبة - في حديثنا اليوم- هو روح لا شخص، هو روح من الأرواح الخبيثة، التي تعتري طائفة من الثعالى الخبيثة، لأغراض خبيثة. أما الروح فهي الاستعمار الذي أصبح كالسل في الملازمة والتعاصي عن الطب، وفي الفتك في آخر الأمر ... وكما يبتلي السل الأجسام الضعيفة القابلة لسريانه وتأثيره، لأنها غير محصّنة بقوّة المقاومة في الدم، يبتلي الاستعمار الأرواح الضعيفة القابلة لوسوسته وسحره، لأنها غير محصّنة بقوة الإيمان، ومتانة الخلق، وسموّ الهمّة، والشعور بالكرامة والشرف، وما زال للاستعمار في هذه الأمة حق معلوم من هؤلاء الثعالى ... وهم فئة استفزّها الشيطان بصوته فنزر حظها من الإيمان والشرف، فأعطت قيادها للشهوات والمطامع. فقادتها إلى الاستعمار، فكانت حظه منّا، وكأن الله قال للاستعمار ما قاله للشيطان: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ﴾؛ فكلما قامت في الوطن حركة صالحة، وخشي منها على سلطانه أن ينهار، وعلى ليله أن ينسخه النهار، رماها منهم بواحد كالجماعة في باب التهويل، أو بجماعة كالواحد في باب التعويل، يحاولون نحت صخرتها بالأظافر، وإطفاء جمرتها بالألسنة، والحط من قيمتها بالكذب، وإشاعة قالة السوء فيها بالوقاحة؛ وكلما خاب رهط، عوّضهم برهط، فلا عددهم ينفد، ولا الخيبة تعظ، ولا الاستعمار يرعوي، وقد شهدنا كل هذا في مقاومته لجمعية العلماء في مبدأيها الأساسيين: فصل الدين، والتعليم العربي. كانت حكومة الجزائر الاستعمارية تحارب جمعية العلماء بالكيد المغلّف بالقانون، والقانون المبطّن بالكيد؛ ولكنها كانت كلما جاءت بآبِدة، وأحكمت تدبيرها، قدّر الله تتبيرها، فرجعت إلى مقاومتها بنوع من جنس عملها:

стр. 1259

في الرسميات بهذا التعليم العربي الميت الذي أحدثته، أو الذي تريد أن تحدثه، وتكثر له من المدارس والأقسام، وتريد أن (تنظّمه) بالقرار الأخير الصادر من الوالي العام السابق الذي هو قتل لما بقي من التعليم العربي، وفي غير الرسميات بهؤلاء الرهط الذين تنتدبهم (لمنافسة) جمعية العلماء في أنواع عملها، فهذا مرشد، وهذا واعظ، وهذا مفسّر للقرآن في المساجد وفي المجلّات، وهذا معلّم، وهذا صحافي ... وقد رفعتهم جميعًا إلى أسفل، ونصبتهم أعلام مقاومة، وفتحت لهم مغارات تضليل، سمّوها كليات، وبسطت أيديهم وألسنتهم وأقلامهم بالسوء، وهي من ورائهم تتوارى بهم، كما يتوارى سائق الحمار بالحمار، ثم يَخِزُه ليندفع على غير هدى الغريزة الحمارية، فلا يفهم الناس إلا أن وراء الحمار سائقًا، وأنه يسوقه إلى ما ليس في طبعه، أو ليس في قدرته. ولو كان هؤلاء الرهط على شيء من الإخلاص واستقلال الإرادة لكانوا مزيدًا فينا، ولشفع الإخلاص في نقص الكفاءة، ولهداهم حب الخير لأمّتهم إلى تأييد الحركة القائمة بكلمة الخير أو بالسكوت؛ ولكنهم مسخّرون لهدمها، غافلون عن العاقبة الحتمية، وهي أنه إذا تمّ لمسخّرهم شيء مما أراد منهم، عاد عليهم فهدمهم. ... من هؤلاء الرهط (مخلوق) في بسكرة و (مخلوق) في تونس، هما هدف حديثنا اليوم، ونمسك عن البقية إلى أن يحين حينهم، تربط بين المخلوقين صلات قديمة، فيها ما هو لله، وصلات جديدة، كلها للشيطان، وقد أوحى الاستعمار إلى المخلوق البسكري أن ينشئ مدرسة ويضع لها اسمًا يغري، وبرنامجًا يغرّ، وأن يتولّى هو الظواهر التي يراها الناس، ويكل السرائر إلى من "يراكم هو وقبيله"، وكان العربون في هذه الصفقة الخاسرة، تقديم المحل نقدًا، وأشياء أخرى نقدًا ووعدًا؛ وأوحى إلى المخلوق التونسي أن ينشئ صحيفة يضع اسمه واسمها في أعلاها، ويترك أوديتها مجرى للقاذورات. وقد قام كل مخلوق منهما بما أوحي إليه على حدة، ثم التقيا على قدر ... وتعاونا على الإثم كما أشار "المعلم" وأمر، فكان منهما هذه الافتراءات التي ينشرانها عن جمعية العلماء، وهذه الأكاذيب المتعمّدة التي لو انفصل فيها لسان كل منهما عن قلبه لكذب القلب اللسان؛ ونحن نعلم أن هذه الأكاذيب صادرة عن مخلوق بسكرة، لأنه (خُلق) لمثلها، ومنشورة- بالأمر- من مخلوق تونس، لأنه (أنشئ) لنشر أمثالها. وقد سكتنا عن الأولى احتقارًا لأحدهما واستصغارًا للآخر، فلما تماديا وجب علينا أن نلقمهما حجرًا، ونلقّنهما درسًا، إن لم يكن زجرًا لهما، فموعظة لأمثالهما.

стр. 1260

وبعيد أن تضلّنا هذه الأسماء التي تُنعَل بها المقالات عن المجرم الحقيقي، المركّب من رجلين: صاحب مدرسة بسكرة، وصاحب جريدة "أفريقيا الشمالية" وما أفريقيا الشمالية إلا هذا المضطرب الضيّق الذي تضطرب فيه هذه الصحيفة وصاحبها، من قرية هنا إلى خيمة هناك، ومن فرد في تونس إلى أفراد في الجزائر، وما مبدأُها الذي تسير عليه إلا الترويج للمتاع المرذول، والانتصار للفريق المخذول، والنطح للصخور، وإن أوهت القرن، والحرق للبخور، ولو في لهيب (الفرن)، ثم الاستنجاد بالفلول، والانتساب بين عامر وسلول. وما هذه الأسماء التي تُنسب إليها المقالات؟ إن بعضها خيالي، استعير للتستّر، وبعضها من جِراء السوء الذين ربّتهم جمعية العلماء وعلّمتهم وأنفقت عليهم، ولولاها لما كانوا، ولا عرفوا القلم والكتابة، ولكنهم كفروا نعمتها، وعقوا أبوّتها، لفساد في الفطرة لا تقوى التربية على إصلاحه، وهي تحمد الله على أنه ليس كل أبنائها (أبا قصّة). ... تثير هذه الصحيفة الغبار حول تعليم جمعية العلماء للبنت المسلمة في مدارسها، وترميها - إفكًا وزورًا- بالعظائم، وتختلق من الوقائع ما يهدي البُلْه فضلًا عن العقلاء إلى قصدها من ذلك ومرماها، وتتصنعّ الغيرة على أعراض المسلمات أن تنتهك، وعن الحرمات الإسلامية أن تُهان، وتستعدي السماء والأرض على جمعية العلماء لأنها عرّضت الأعراض المصونة للتمزيق، وتتباكى على الإسلام حتى يوشك أن ينقلب مدادها دموعًا. وكل ذلك كذب، وكل ذلك بهتان يأتفكه الشريكان، اتّباعًا للوحي الأعلى، واستدرارًا لأجور مطففة، يتقاضيانها من مصدر ذلك الوحي. وهل كفرت الجرائد العربية كلها بالإسلام وتنكّرت له، فلم يبق إلا هذه الجريدة مؤمنة به منتصرة له؟ وهل جفّت كلها من الغيرة عليه، فلم تبقَ إلا هذه الجريدة تغار عليه، وهل تواطأت الجرائد العربية كلها على الرضا بهذا المنكر فخرقت جريدة (أفريقيا الشمالية) اجماعهنّ، وكانت أمة وحدها في تغيير المنكر. لا شيء من ذلك، وإنما هي خطة مرسومة، وأعمال مقسومة، وأوامر تقابل من أفراد المأمورين بالطاعة، وتوجيهات إلى الشر افتقرت إلى لسان حال، فكانت هذه الجريدة هي لسانه "الرسمي" فلم يبقَ من صفات التعريف بها إلا أن يكتب على وجهها: "صحيفة أسبوعية لنشر الأكاديب والدفاع عن الرذيلة، وتشجيع الدجّالين ومحاربة الصدق والصادقين"، ولعنة الله على الكاذبين.

стр. 1261

ما لهؤلاء الرهط- أنصار الأعراض- يسكتون عن أعراض عشرات الآلاف من المسلمات المستخدمات عند الأجانب؟! ما لهم لم تتحرّك غيرتهم على عشرات الآلاف من اللواتي يملأن المواخير؟! ما لهم عميت أبصارهم وبصائرهم عن هذا السيل من التعليم الاستعماري الجارف المتوجّه إلى البنت المسلمة على الخصوص، لينتزعها من الخدر، وينزع عنها لباس الفضائل الإسلامية؟ أين كانوا- لا كانوا- من أفواج البنات المسلمات، طرائد البؤس، وفرائس التبشير المسيحي، وهنّ تحت أسماعهم وأبصارهم؟! كأن هؤلاء المسلمات كلهن في كنف الصيانة، وكأن أعراضهن في حماية عمر بن الخطاب من أمثال نصر بن حجاج، فلم يبقَ معرضًا للانتهاك إلا بضعة آلاف ممن يتعلمن في مدارس جمعية العلماء. كذبتم وفجرتم- أيها الرهط-. إن جمعية العلماء حاربت الرذيلة جهارًا، وحاربت دعاة التحلل الأخلاقي كفاحًا، ووقفت من التبشير وغيره مواقف مشهودة، وإنها تعلّم البنت المسلمة العلم والعفاف، وتربّيها على الكرامة والشرف، علمًا بأن العلم الديني هو رائد العفاف، وأن الجهل هو سبب انحدارها إلى ما ترونه وتتعامون عنه، وإن جمعية العلماء- لما بلته من أمثالكم من فساد الأخلاق- تبالغ في الاحتياط، وتسرف في التشدّد، وتعاقب على الظنة والتوهّم، قمعًا لغرائز الشر، وسدًّا لذرائع الفجور، وإن في بعض من تشيرون إليه منتصرين ممن فصلتهم عن التعليم، من كان سبب فصله هذا الاحتياط. نحن نعلم أن الدوافع الخارجية والداخلية هي التي دفعتكم إلى هذا التقوّل وإشاعة هذه الافتراءات، وكنا نعرض عنكم لو كنتم مميزين، أو كنتم تؤثرون الستر على أنفسكم، فلا تجمعون بين الكذب وبين الافتضاح به؛ ولكنكم مدفوعون مأجورون، والمأجور لا يقف عند حد، والمدفوع لا يملك التماسك؛ فوجب أن نفضحكم، وأن نبلغكم من الفضيحة ما أردتم، ومن رضي لنفسه ما رضيتم لأنفسكم من لؤم التوقح، فليصبر على ألم الكي، وان أحرق وأنضج. الحقيقة- أيها الرهط- أن الاستعمار متشائم بحركات جمعية العلماء كلها، لأنها إيقاظ لشواعر الأمة، وإحياء للفضائل الإسلامية في أنفسها؛ ومتشائم- على الخصوص- بتعليمها للبنت المسلمة، لأن نتيجته تكوين بنت صالحة، تصبح غدًا زوجة صالحة، وبعد غد أمًّا صالحة؛ وهاله أن تعمر البيوت- ولو بعد حين- بالصالحات، فيلدن جيلًا صالحًا صحيح العقائد، متين الإيمان، قويم الأخلاق، طموحًا إلى الحياة، فتطول به غصّته، ثم تنتهي به قصته ...

стр. 1262

والاستعمار- كما لا تعلمون- بعيد النظر، عارف بما للمرأة في أمتها من الأثر، فهو - لهذا- حرّككم، وما زال يحرّككم لإثارة هذا الغبار الأسود في وجه جمعية العلماء، وهو الذي اختار لكم من بين المواضيع الكثيرة هذا الموضوع الشائك، لأنه قدّر له نتيجة - وأخطأ في تقديرها- وهي تشكيك الأمة في أعمال جمعية العلماء، وإحداث أثر من سوء الظن في نفوسها، وتكون النتيجة زعزعة ثقة الأمة بالجمعية في خصوص تعليم البنت وإعراضها عن هذا النوع من التعليم، وتكون النتيجة النهائية رجوع المرأة المسلمة إلى الجهل ثم إلى الفجور، أو إلى هذا الاسترقاق الذي يسمّى استخدامًا ... هذا حظ الاستعمار من جهل المرأة المسلمة بدينها ولغتها، وهذه هي النتيجة التي نَعِم بها حينًا من الدهر لو لم تكدرها عليه جمعية العلماء بهذه البداية التي عرف نهايتها، وهذا أحد الدروس التي يجب أن يتلقّاها الأغرار مثلكم، من المجرّبين أمثالنا، لو هيّأ الله لكم من أمركم رشدًا. وهناك نتيجة ثانية لجهل البنت، نراكم أحرجتمونا إلى بيانها إحراجًا مؤسفًا، وهي نتيجة تُشبع شهواتكم وحدكم، ولا يأمر بها الاستعمار، ولكنها لا تسوءُه إن حصلت وهي حقيقة يندى لها الجبين خجلًا لو أبقت الوقاحة فيكم قطرة من حياء. أتدرون ما هي؟ هي ... أننا أدركنا وأدركتم أقوامًا منّا كانوا يأخذون البنات المسلمات هدايا بلا صداق، ويعاملونهن كالسبايا بلا عتاق، ثم يتركونهن محبوسات بلا طلاق. ويجاوزون في هذا الباب كل حدود الشرع، وما زال من بقاياهم من يتزوج في غرة كل شهر، ويطلق في انسلاخه، فلما جرف الإصلاح هذه الضلالة بقي في نفوسكم حنين إليها وتحرّق عليها، وتمنٍّ لعودتها، فأنتم بممالأتكم للاستعمار وإعانته على تجهيل البنت المسلمة- إنما تحلبون حلبًا لكم شطره وتعملون عملًا- لشهواتكم الخسيسة إحدى نتيجتيه؛ ولكم الويل فقد أخطأت أستاهكم الحفرة، وإذا نزلت الأمة بأولئك الأقوام من درجة التأليه إلى درجة البشرية، فكيف لا تنزل بكم من البشرية إلى جهنم؟ ...

стр. 1263

كلمتنا عن إدارة البريد * كتبنا في العدد ١٤٩ من «البصائر»، الصادر يوم ٢ من شهر أبريل، كلمة (١) عن ضياع كثير من الجرائد والمجلات الشرقية التي تبادل «البصائر»، وعزوْنا بعض أسباب الضياع إلى إدارة البريد الجزائرية، لتقصيرها في التوزيع أو لقصورها في العربية، أو لخضوعها لبعض المؤثرات السياسية؛ وكل ذلك مما يمسّ كرامتها كإدارة مؤتمنة على الأموال والأسرار والمصالح، وقد كان لتلك الكلمة أثرها في الإدارة العليا المسيطرة على مصلحة البريد فكتب إلينا السيّد كاتب الولاية العام، الرسالة التالية: الجزائر في ١٨ أفريل سنة ١٩٥١ سيّدي المدير، أتشرّف بإعلامكم أنه لفت نظري مقال "صحف الشرق العربي" المنشور في عدد ثاني أفريل من جريدتكم ... وإنني أعطي- الآن- أوامر باتخاذ تدابير خاصة لتمكينكم- في سرعة وانتظام- من الدوريات والمنشورات التي حرّرت عناوينها باللغة العربية. وتفضلوا- سيدي المدير- بقبول فائق احتراماتي. الإمضاء ونحن نشكر لحضرة السيد الكاتب العام للولاية عنايته بهذه القضية، ونرجو أن تكون ذات أثر ملموس، وليسمح لنا أن نفتح معه بابًا من الحديث في أطراف هذه القضية ليعلم حضرته- إن لم يكن يعلم- أن هذه المعاملة الشاذة المنافية للحرية وللمصلحة معًا، ليست

стр. 1264

خاصّة بالصحف التي ترد علينا، وليست خاصّة ببريد العاصمة، بل هي عامة في كل علاقاتنا بالبريد، وفي كل مركز من العمالات الثلاث لنا فيه علاقة بالبريد. فقرّاء «البصائر» في الشرقين: العربي والإسلامي، وأصحاب الجرائد التي تبادلها بالبصائر، كلهم يشكون عدم انتظام وصولها إليهم، وأنه لا يصلهم من العشرة إلا عددان أو ثلاثة أو خمسة، وقليل منهم من تصله العشرة كاملة. ومن العجيب أن الأعداد التي لا تصل إلى واحد منهم، هي- بعينها- التي لا تصل إلى معظمهم، ونستبعد جدًّا أن يكون التعطيل صادرًا من إدارات بريدهم، إذ لا داعي إلى ذلك، وقد بحث أولئك القرّاء وأصحاب الجرائد، وراجعوا المسؤولين عن البريد في أوطانهم، فتحقّقوا أن التعطيل ليس داخليًّا، وقد انتقدت «البصائر» بعض ملوك العرب وأمرائهم انتقادًا مرًّا، فلم يجرؤ واحد منهم على منع دخولها ورواجها في مملكته، لا لشيء إلا التأثّر بالحرية، والاحترام لـ «البصائر»، والاعتراف بمكانتها، هذا وهم ليسوا "جمهوربين". وهنا في الجزائر نذكر للسيد الكاتب العام مثالين اثنين مما يجري في بلدة واحدة جزائرية، وهي بلدة "تبسة". ولا نذكر له منع «البصائر» من دخول المغرب الأقصى، فذلك إجراء عسكري ليس من اختصاصه، وإن كنا نعتقد أنه إجراء لم يقع في زمانه ولا في مكانه، وهو- مع ذلك- لا يُسكتنا عن كلمة الحق. ففي هذه الأيام تُشترى الجرائد اليومية المصرية الرائجة في باريس برسم الشيخ العربي التبسي وبماله، وترسل إليه باسمه وعنوانه في تبسة، ومن باريس لا من مصر، ولكنها لا تصل إليه، ويراسل المكلفين بشرائها وإرسالها، فيجيبون- وهم ثقاة- بأنهم أرسلوا المجاميع في حينها، وليست المسافة بالبعيدة، ولا بريد فرنسا بمختلّ النظام، إلا أن يكون في البريد شيطان مريد ... ومنذ سنتين كنا نلقى العناء حين نريد الاتصال بالشيخ العربي التبسي. أو يريد هو الاتصال بنا بواسطة رقمه التلفوني، فلا نسمع في أغلب الأوقات إلا أن الجهاز فاسد، أو أن صاحبه لم يجب، ونحن نعلم- يقينًا- خلاف ذلك، وقد نكون معه على اتفاق تجريبي، فيكون حاضرًا ويكون الجهاز صحيحًا، ولكننا لا نسمع في الأغلب إلا نفس الجواب، ولا يسمع هو إذا طلب إلا كلمة "لم يجب"، وكتبنا كلمة في «البصائر» بعنوان "الرقم السجين" (٢) فلم تفد، حتى اضطرّ الشيخ التبسي في الأخير إلى قطع جهازه التلفوني، وهو في حاجة أكيدة إليه فرارًا من المغرم، بدون مغنم. ...

стр. 1265

العالم- يا جناب الكاتب العام- سائر إلى الاتصال، تحثه الحياة، وتدفعه المصلحة، شئنا أو أبينا، ويوشك أن تصبح الكرة الأرضية دارًا واحدة فلا تكونوا عرضة لسيره، وقد اجتمع الخير والشر على وصل أجزائه، واجتمع الولاء والجفاء، والسلم والحرب على التقريب بينهما، فزويت أطرافه المتباعدة بالراديو والسينما والطيّارة والمدرسة والكتاب والجريدة والطب وجمعية الأمم ... والجوسسة ... والميكروب ... وإن الزمان قاهر غلّاب بأطواره وظروفه، وأحكامه وصروفه، وقد حكم على الأحياء أن يتّصلوا على الطوع والكره، وأن يسيروا في ركابه على السخط والرضى، وأن يتلاقوا على أحداثه في الحياة والموت، وها هي ذي دماء الأضداد تُسيلها الحرب في الشرق الأقصى، وها ذا عرق الجهد يصبه السلم في أمريكا، وما عن رضى سالت تلك الدماء في صعيد واحد، ولا باختيار تصبّب ذلك العرق في ميزاب واحد، ولكنه حُكم الزمان ... فسايروا العالم، وجاروا الزمان، وافتحوا أبواب الاتصال، تسدّوا باب النقد، وتدفعوا ظنون السوء، وتربحوا أكثر مما تخسرون، ومن العجيب أنكم تعرفون كل هذا، ولا تعملون بشيء منه. ... إن بين النصح والنقد فارقًا من هوى النفس، وإن بين العدل والجور فاصلًا من الأنانية، وإن لكلمة الحق ثقلًا يخفّفه الإنصاف، ومرارة تحلّيها سعة الصدر، وإن لكلامنا عندكم شرحين، شرحًا يُمْليه الحق وشرحًا يُمْليه الباطل، فكونوا ما شئتم! ...
следующие страницы →