← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

ما لهؤلاء الرهط- أنصار الأعراض- يسكتون عن أعراض عشرات الآلاف من المسلمات المستخدمات عند الأجانب؟! ما لهم لم تتحرّك غيرتهم على عشرات الآلاف من اللواتي يملأن المواخير؟! ما لهم عميت أبصارهم وبصائرهم عن هذا السيل من التعليم الاستعماري الجارف المتوجّه إلى البنت المسلمة على الخصوص، لينتزعها من الخدر، وينزع عنها لباس الفضائل الإسلامية؟ أين كانوا- لا كانوا- من أفواج البنات المسلمات، طرائد البؤس، وفرائس التبشير المسيحي، وهنّ تحت أسماعهم وأبصارهم؟! كأن هؤلاء المسلمات كلهن في كنف الصيانة، وكأن أعراضهن في حماية عمر بن الخطاب من أمثال نصر بن حجاج، فلم يبقَ معرضًا للانتهاك إلا بضعة آلاف ممن يتعلمن في مدارس جمعية العلماء. كذبتم وفجرتم- أيها الرهط-. إن جمعية العلماء حاربت الرذيلة جهارًا، وحاربت دعاة التحلل الأخلاقي كفاحًا، ووقفت من التبشير وغيره مواقف مشهودة، وإنها تعلّم البنت المسلمة العلم والعفاف، وتربّيها على الكرامة والشرف، علمًا بأن العلم الديني هو رائد العفاف، وأن الجهل هو سبب انحدارها إلى ما ترونه وتتعامون عنه، وإن جمعية العلماء- لما بلته من أمثالكم من فساد الأخلاق- تبالغ في الاحتياط، وتسرف في التشدّد، وتعاقب على الظنة والتوهّم، قمعًا لغرائز الشر، وسدًّا لذرائع الفجور، وإن في بعض من تشيرون إليه منتصرين ممن فصلتهم عن التعليم، من كان سبب فصله هذا الاحتياط. نحن نعلم أن الدوافع الخارجية والداخلية هي التي دفعتكم إلى هذا التقوّل وإشاعة هذه الافتراءات، وكنا نعرض عنكم لو كنتم مميزين، أو كنتم تؤثرون الستر على أنفسكم، فلا تجمعون بين الكذب وبين الافتضاح به؛ ولكنكم مدفوعون مأجورون، والمأجور لا يقف عند حد، والمدفوع لا يملك التماسك؛ فوجب أن نفضحكم، وأن نبلغكم من الفضيحة ما أردتم، ومن رضي لنفسه ما رضيتم لأنفسكم من لؤم التوقح، فليصبر على ألم الكي، وان أحرق وأنضج. الحقيقة- أيها الرهط- أن الاستعمار متشائم بحركات جمعية العلماء كلها، لأنها إيقاظ لشواعر الأمة، وإحياء للفضائل الإسلامية في أنفسها؛ ومتشائم- على الخصوص- بتعليمها للبنت المسلمة، لأن نتيجته تكوين بنت صالحة، تصبح غدًا زوجة صالحة، وبعد غد أمًّا صالحة؛ وهاله أن تعمر البيوت- ولو بعد حين- بالصالحات، فيلدن جيلًا صالحًا صحيح العقائد، متين الإيمان، قويم الأخلاق، طموحًا إلى الحياة، فتطول به غصّته، ثم تنتهي به قصته ...

стр. 1262

والاستعمار- كما لا تعلمون- بعيد النظر، عارف بما للمرأة في أمتها من الأثر، فهو - لهذا- حرّككم، وما زال يحرّككم لإثارة هذا الغبار الأسود في وجه جمعية العلماء، وهو الذي اختار لكم من بين المواضيع الكثيرة هذا الموضوع الشائك، لأنه قدّر له نتيجة - وأخطأ في تقديرها- وهي تشكيك الأمة في أعمال جمعية العلماء، وإحداث أثر من سوء الظن في نفوسها، وتكون النتيجة زعزعة ثقة الأمة بالجمعية في خصوص تعليم البنت وإعراضها عن هذا النوع من التعليم، وتكون النتيجة النهائية رجوع المرأة المسلمة إلى الجهل ثم إلى الفجور، أو إلى هذا الاسترقاق الذي يسمّى استخدامًا ... هذا حظ الاستعمار من جهل المرأة المسلمة بدينها ولغتها، وهذه هي النتيجة التي نَعِم بها حينًا من الدهر لو لم تكدرها عليه جمعية العلماء بهذه البداية التي عرف نهايتها، وهذا أحد الدروس التي يجب أن يتلقّاها الأغرار مثلكم، من المجرّبين أمثالنا، لو هيّأ الله لكم من أمركم رشدًا. وهناك نتيجة ثانية لجهل البنت، نراكم أحرجتمونا إلى بيانها إحراجًا مؤسفًا، وهي نتيجة تُشبع شهواتكم وحدكم، ولا يأمر بها الاستعمار، ولكنها لا تسوءُه إن حصلت وهي حقيقة يندى لها الجبين خجلًا لو أبقت الوقاحة فيكم قطرة من حياء. أتدرون ما هي؟ هي ... أننا أدركنا وأدركتم أقوامًا منّا كانوا يأخذون البنات المسلمات هدايا بلا صداق، ويعاملونهن كالسبايا بلا عتاق، ثم يتركونهن محبوسات بلا طلاق. ويجاوزون في هذا الباب كل حدود الشرع، وما زال من بقاياهم من يتزوج في غرة كل شهر، ويطلق في انسلاخه، فلما جرف الإصلاح هذه الضلالة بقي في نفوسكم حنين إليها وتحرّق عليها، وتمنٍّ لعودتها، فأنتم بممالأتكم للاستعمار وإعانته على تجهيل البنت المسلمة- إنما تحلبون حلبًا لكم شطره وتعملون عملًا- لشهواتكم الخسيسة إحدى نتيجتيه؛ ولكم الويل فقد أخطأت أستاهكم الحفرة، وإذا نزلت الأمة بأولئك الأقوام من درجة التأليه إلى درجة البشرية، فكيف لا تنزل بكم من البشرية إلى جهنم؟ ...

стр. 1263

كلمتنا عن إدارة البريد * كتبنا في العدد ١٤٩ من «البصائر»، الصادر يوم ٢ من شهر أبريل، كلمة (١) عن ضياع كثير من الجرائد والمجلات الشرقية التي تبادل «البصائر»، وعزوْنا بعض أسباب الضياع إلى إدارة البريد الجزائرية، لتقصيرها في التوزيع أو لقصورها في العربية، أو لخضوعها لبعض المؤثرات السياسية؛ وكل ذلك مما يمسّ كرامتها كإدارة مؤتمنة على الأموال والأسرار والمصالح، وقد كان لتلك الكلمة أثرها في الإدارة العليا المسيطرة على مصلحة البريد فكتب إلينا السيّد كاتب الولاية العام، الرسالة التالية: الجزائر في ١٨ أفريل سنة ١٩٥١ سيّدي المدير، أتشرّف بإعلامكم أنه لفت نظري مقال "صحف الشرق العربي" المنشور في عدد ثاني أفريل من جريدتكم ... وإنني أعطي- الآن- أوامر باتخاذ تدابير خاصة لتمكينكم- في سرعة وانتظام- من الدوريات والمنشورات التي حرّرت عناوينها باللغة العربية. وتفضلوا- سيدي المدير- بقبول فائق احتراماتي. الإمضاء ونحن نشكر لحضرة السيد الكاتب العام للولاية عنايته بهذه القضية، ونرجو أن تكون ذات أثر ملموس، وليسمح لنا أن نفتح معه بابًا من الحديث في أطراف هذه القضية ليعلم حضرته- إن لم يكن يعلم- أن هذه المعاملة الشاذة المنافية للحرية وللمصلحة معًا، ليست

стр. 1264

خاصّة بالصحف التي ترد علينا، وليست خاصّة ببريد العاصمة، بل هي عامة في كل علاقاتنا بالبريد، وفي كل مركز من العمالات الثلاث لنا فيه علاقة بالبريد. فقرّاء «البصائر» في الشرقين: العربي والإسلامي، وأصحاب الجرائد التي تبادلها بالبصائر، كلهم يشكون عدم انتظام وصولها إليهم، وأنه لا يصلهم من العشرة إلا عددان أو ثلاثة أو خمسة، وقليل منهم من تصله العشرة كاملة. ومن العجيب أن الأعداد التي لا تصل إلى واحد منهم، هي- بعينها- التي لا تصل إلى معظمهم، ونستبعد جدًّا أن يكون التعطيل صادرًا من إدارات بريدهم، إذ لا داعي إلى ذلك، وقد بحث أولئك القرّاء وأصحاب الجرائد، وراجعوا المسؤولين عن البريد في أوطانهم، فتحقّقوا أن التعطيل ليس داخليًّا، وقد انتقدت «البصائر» بعض ملوك العرب وأمرائهم انتقادًا مرًّا، فلم يجرؤ واحد منهم على منع دخولها ورواجها في مملكته، لا لشيء إلا التأثّر بالحرية، والاحترام لـ «البصائر»، والاعتراف بمكانتها، هذا وهم ليسوا "جمهوربين". وهنا في الجزائر نذكر للسيد الكاتب العام مثالين اثنين مما يجري في بلدة واحدة جزائرية، وهي بلدة "تبسة". ولا نذكر له منع «البصائر» من دخول المغرب الأقصى، فذلك إجراء عسكري ليس من اختصاصه، وإن كنا نعتقد أنه إجراء لم يقع في زمانه ولا في مكانه، وهو- مع ذلك- لا يُسكتنا عن كلمة الحق. ففي هذه الأيام تُشترى الجرائد اليومية المصرية الرائجة في باريس برسم الشيخ العربي التبسي وبماله، وترسل إليه باسمه وعنوانه في تبسة، ومن باريس لا من مصر، ولكنها لا تصل إليه، ويراسل المكلفين بشرائها وإرسالها، فيجيبون- وهم ثقاة- بأنهم أرسلوا المجاميع في حينها، وليست المسافة بالبعيدة، ولا بريد فرنسا بمختلّ النظام، إلا أن يكون في البريد شيطان مريد ... ومنذ سنتين كنا نلقى العناء حين نريد الاتصال بالشيخ العربي التبسي. أو يريد هو الاتصال بنا بواسطة رقمه التلفوني، فلا نسمع في أغلب الأوقات إلا أن الجهاز فاسد، أو أن صاحبه لم يجب، ونحن نعلم- يقينًا- خلاف ذلك، وقد نكون معه على اتفاق تجريبي، فيكون حاضرًا ويكون الجهاز صحيحًا، ولكننا لا نسمع في الأغلب إلا نفس الجواب، ولا يسمع هو إذا طلب إلا كلمة "لم يجب"، وكتبنا كلمة في «البصائر» بعنوان "الرقم السجين" (٢) فلم تفد، حتى اضطرّ الشيخ التبسي في الأخير إلى قطع جهازه التلفوني، وهو في حاجة أكيدة إليه فرارًا من المغرم، بدون مغنم. ...

стр. 1265

العالم- يا جناب الكاتب العام- سائر إلى الاتصال، تحثه الحياة، وتدفعه المصلحة، شئنا أو أبينا، ويوشك أن تصبح الكرة الأرضية دارًا واحدة فلا تكونوا عرضة لسيره، وقد اجتمع الخير والشر على وصل أجزائه، واجتمع الولاء والجفاء، والسلم والحرب على التقريب بينهما، فزويت أطرافه المتباعدة بالراديو والسينما والطيّارة والمدرسة والكتاب والجريدة والطب وجمعية الأمم ... والجوسسة ... والميكروب ... وإن الزمان قاهر غلّاب بأطواره وظروفه، وأحكامه وصروفه، وقد حكم على الأحياء أن يتّصلوا على الطوع والكره، وأن يسيروا في ركابه على السخط والرضى، وأن يتلاقوا على أحداثه في الحياة والموت، وها هي ذي دماء الأضداد تُسيلها الحرب في الشرق الأقصى، وها ذا عرق الجهد يصبه السلم في أمريكا، وما عن رضى سالت تلك الدماء في صعيد واحد، ولا باختيار تصبّب ذلك العرق في ميزاب واحد، ولكنه حُكم الزمان ... فسايروا العالم، وجاروا الزمان، وافتحوا أبواب الاتصال، تسدّوا باب النقد، وتدفعوا ظنون السوء، وتربحوا أكثر مما تخسرون، ومن العجيب أنكم تعرفون كل هذا، ولا تعملون بشيء منه. ... إن بين النصح والنقد فارقًا من هوى النفس، وإن بين العدل والجور فاصلًا من الأنانية، وإن لكلمة الحق ثقلًا يخفّفه الإنصاف، ومرارة تحلّيها سعة الصدر، وإن لكلامنا عندكم شرحين، شرحًا يُمْليه الحق وشرحًا يُمْليه الباطل، فكونوا ما شئتم! ...

стр. 1266

جمعية العلماء والمغرب العربي مراكش الجزائر تونس ليبيا

стр. 1267

أفي كل حي، عبد الحي ؟ مؤتمر الزوايا بعد مؤتمر الأئمة * ــ سكتنا حتى تمّ الأقنوم الثالث، وها نحن أولاء نطقنا. ونحن حتى في هذا المقال نبين حقيقة، ونكشف عن دسيسة؛ ولا نريد أن نفتح به بابًا للخصومة، إذ لا خصم لنا إلا الاستعمار الذي قضى على ديننا ولغتنا، وأتى على مؤسساتنا الدينية وأوقافنا بالاقتلاع والابتلاع؛ وقد سكتنا عن رجال الزوايا منذ عشر سنين وسكتوا، وفاء كثير منهم إلى الحق؛ وانصرفنا إلى التعليم، فأعان بعضهم بالتنشيط القولي، وبعضهم بالسكوت، وبعضهم بتقديم أولادهم للمدارس. أما الأئمة فهم مغرورون فيما أتوا هذه المرة إلا واحدًا أو اثنين، تعودت الحكومة أن تخطط لهما فينفذا. وأما رجال الزوايا فلولا ذلك العاملُ الجليب لما أقدموا على ما أقدموا عليه؛ وان ما أقدموا عليه لعظيم. ولا يجوز السكوت عليه. غير أنّ في الفريقين استعدادًا لمثل هذه المواقف، وقابليةً للانجرار، فإذا كان في المقال شدة فهي صلابة الحق، وإنّ فيها لدوافع لهم من تلك العلة لو كانوا يعقلون. ولقد نعلم أن مما ترمي إليه الحكومة وتبتهج به، فتح واجهة جديدة للنزاع مثل هذه، وأن تغري بين رجال الدين كما أغرت بين رجال السياس فتشغل البعض بالبعض وتستريح، ولسنا بمبلغيها قصدها إن شاء الله ثم شاء قومنا ... أسلوب قديم من أساليب الإدارة الاستعمارية بشمال أفريقيا، جرّبته في أيام الغفلة والأوهام فنفعها، فلم تنسه حتى في أيام اليقظة والحقائق؛ فهي تستعمله كلما ألحت الأمة في المطالبة بحقوقها الدينية والسياسية، وتستخدمه كلما سدّ عليها المطالبون منافذ الشبهات

стр. 1268

بالبرهان، وتلجأ إليه كلما تقاربت صفوف الأمة وأوشكت أن تتراص، لترميها منه بالخلل والخلاف والتضريب والتشغيب. هذا الأسلوب هو أنها تعمد في الأزمات إلى سلاح مفلول أكله الصدأ، فتنفض عنه الغبار وتصقله وتجلوه وترمي به في الميدان، والعجيب أنها تفعل ذلك وهي ليست على ثقة من نجاحها به ولا من نجاحه بها ... وما هذا السلاح في حقيقته إلا طائفة رباها الاستعمار على الطمع الخسيس، وما يلده الطمع من خنوع واستكانة، وراضها على التقليد له والائتمام به، وطبعها على الإخلاص له والتفاني في خدمته، وسلخها من هذه المعاني التي يعتز بها الرجال، من الضمير الوطني، والشعور الديني، والقيمة الشخصية، والإرادة المستقلة، ودرجها في مدارج (التسليك) الحكومي إلى مقام التجرد والفناء؛ فلما تمّ له ذلك منها، وأصبحت منه كالميت من غاسله، صرفها في أغراضه، وسخرها في مصالحه، واتخذ منها وسائل لغاياته؛ فتارة يثير بها الغبار في وجوه العاملين، وتارة يلهي بها الأمة والألسنة والمجالس، ليشغلها بالباطل عن الحق وبغير المفيد عن المفيد؛ وتارة يقيم منها ضرارًا للحق وضرة لأهله، وهو في كل ذلك يلتمس بها ما يلتمسه المبطل إذا خانته الحُجة. لا تعجب إذا كان الاستعمار لا يجد مبتغاه إلا في طائفة مخصوصة هي المذكورة في العنوان، ولكن تأسف لهذه الطائفة التي تمكن للاستعمار أن يعبث بكرامة الدين، فيستخدمها باسمه، وأن تكون لها- مع هذا- دعوى في الدين ولو كدعوى آل حرب في زياد، أو نسبة إليه، ولو كنسبة عقبة ابن أبي معيط في أمية (١). ... عرفنا هذا من الإدارة الاستعمارية حتى ما يغالطنا فيه أحد؛ وعرفنا من هذه الطائفة أنها كانت في تاريخ الاستعمار طلائع لجنوده، وأعمدةً لبنوده، وشباكًا لصيده، وحبائل لكيده، وأنها كانت وما زالت، في المواقف الوطنية والأزمات القومية، داعية هزيمة ووسيلة تخذيل، وأنّ من المخجل أن نسمي أفرادها أناسيّ تعقل وتعي وتشعر؛ وإنما هي آلاتٌ وأدَوات تسخّر

стр. 1269

وتسير، وعرفْنا في قائدها الجديد، وحامل رايتها عبد الحي الكتاني، أنه كالدرهم الزائف لا يدخل في معاملة إلا كان الغش والتدليس واضطراب السوق؛ وأنه لا يعرف العالي والنازل، والمُدَبَّج والمرسل، إلا في رواية الحديث، ولا يعرف زين الدين وابن الصلاح إلا في رجال المصطلح والآثار، أما مع الاستعمار فإنه لا يعرف إلا التلقي والمباشرة والاتصال، وأنه تاجر بارع في المقايضات باسم الدين والعلم والطرُقية؛ والتاجر الحاذق لا يعجزه إذا بارَتْ سلعته في موطن أن يضرب في الأرض وأن يشدّ الرحال. ... في شهر يناير الماضي تداعى الأئمة وحواشيهم العليا والسفلى إلى عقد اجتماع في الجزائر للنظر- زعموا- في المصالح الخاصة بهم وفي الوسائل التي يحفظون بها تلك المصالح؛ فقال الناس- وللأئمة علينا عهدُ الله أن لا نحكي إلا ما قال الناس وما جاءتنا به الرسائلُ الكثيرة المستفسرة- قال الناس: ما حاجة هؤلاء إلى الاجتماع وليس لهم بعادة؟ وأية المصالح يخشون عليها الضياع؟ أمصالحهم الشخصية؟ أم مصالح الدين الذي يمثلونه؟ وهل جمعيتهم التي أسفر عنها الاجتماع نقابة موظفين؟ فيكون من واجباتها أن تضرب عن العمل إذا لم تستجب رغائبها في زيادة الأجور، وأن تحتج وتنذر وتتوعد إذا نزل الحيفُ بعضو من أعضائها؟ وهل تستطيع جمعية الأئمة أن تفعل شيئًا من ذلك؟ الناس يقولون: لا، ويقولون أيضًا: ما عهدنا هؤلاء القوم يتحرّكون إلا بمحرك، ومن عسى أن يكون هذا المحرك؟ وأيّ ذوق وأية كياسة زَينت لهم اختيار هذا الظرف للاجتماع؟ والأمةُ مقبلةٌ على أمور ذات شأن في حياتها وسائرة إليها في طريق كله عواثير، وواضعة نصب عينيها غايةً واحدة من شذّ عنها شذّ في النار؟ أليس هؤلاء المؤتمرون من الأمة؟ أليسوا أئمة الأمة؟ وهذه المجلة التي قرروا إصدارها- وما نراها تكون إلا لسان حالهم- فماذا ينشرون فيها؟ أتكون رسمية تنشر أوامر التولية والعزل؟ إن الأمر ليس بأيديهم وقد كفتهم الكافية؛ أم تكون رسميةً بمعنى آخر فتنشر الفتاوى الشرعية التي تعمر أوقات المفتين ليعمّ النفع بها، والخطب الجمعية التي يلقيها خطباؤهم ليقرأها من لم يسمعها؟ أم تنشر شروط الإمامة العصرية ومنها الاعتماد في التزكية على (الدوسي)؟ هذا بعض ما يقوله الناس، وما نقلنا إلا القليل. وما لنا فيه إلا الرواية العادلة، وهي- كما يرى القارئ- أسئلة تتقاضى أجوبتها من المؤتمرين؛ ولو صرحوا وأوضحوا من أول يوم لما كان لأكثر هذه الأسئلة من محل؛ ولكنهم سكتوا وأجملوا، وهموا ولم يفعلوا، وأعلنوا عن تشكيلات سطحية إن دلت على شيء فهو أن المؤتمرين ليس لهم من الأمر شيء، وأنهم مسيرون لا مخيرون؛ فحامت حولهم الظنون، ثم اقتحمت الأسوار وكأنها حقائق؛ والذنب ذنبُ الزمان المتوثب المتيقظ الحساس

стр. 1270

الصاخب، فمن ظنّ أنه يعمل فيه بمنجاة، ومن جاء يعرض فيه البضاعة المزجاة، كلاهما مغفل مغرور. ... وفي ١٥ مارس الماضي انعقد مؤتمر رجال الزوايا: ومما دل الناس على أن هذا من ذاك، وأنهما معمولان لعامل واحد- كما يقول النحاة- وقوعهما في ظرف واحد، وخلوهما من الكياسة وحسن الذوق واحترام شعور الأمة؛ ثم جاءت خاتمة الدلائل على اتحادهما في المنشإ والغاية وهي إقامتهما في مقبرة واحدة (٢). بلغنا ما وقع في المؤتمر الأوّل بالتفصيل؛ وهو عبارة عن تلك الشكليات التي أشرنا إليها مما يدلّ ظاهره على هزل لا جدّ فيه، ولولا كلمات علمية ألقاها بعض العلماء منهم لكان المؤتمر أشبه شيء باجتماع عادي في مقهى، ووددنا لو تكلم مفتي تلمسان وألقى درسًا، ولو فعل لطوّقنا منة لا يقوم بها الشكر، إذ يقوم عنا بالعذر فيما عسى أن يحسبه بعض الناس علينا في باب التحامل، ويقوم لنا بالحجة على ما صنع الاستعمار بهذه الوظائف الشريفة من التبذّل والسقوط؛ ونعتقد أنه لو تكلم وسمعه زملاؤه لاستعفى العارفون منهم بقيمة الوظيفة وشرف العلم في الحال، أنفةً منهم للعلم والوظيفة أن يشركهم فيهما مثل ذلك المفتي. وبلغنا ما وقع في المؤتمر الثاني بالتفصيل أيضًا، حتى أسماء الحاضرين والخطباء وما خطبوا، وأنهم تواردوا على معان متقاربة في غايات الاجتماع الظاهرية وهي جمع الشمل وتجديد العهد وخدمة العلم بالتعليم، وكان من كياسة الرئيسين (الدائم والهائم) (٣) أن بالغا في إخفاء الغاية الحقيقية، حتى قام طالب مأجور يعدّونه من أتباع الأتباع، فذكر جمعية العلماء بوصفها القديم الذي كانوا ينبزونها به، وهو أنها جمعية وهابية، وأنها تريد التسلط على المساجد لتوظف فيها أتباعها الوهابيين؛ وبهذه الكلمات كشف ذلك الطالب (غير المسؤول) عن بعض الحقيقة وتعجّل البوح بما ضاق عنه صدره لأنه إمام، والعرب تقول: "شر أهرَّ ذا ناب"؛ ونحن لا يهمنا ذلك كله كما لا يهمنا ما نشرته الجرائد الفرنسية من مقاصد وغايات، لأننا نعلم الحقيقة علم اليقين.

стр. 1271

والحقيقة هي أن هؤلاء القوم ما زالوا حيث تركناهم في سنة ١٩٣٧، لم تؤثر فيهم أحداث الزمن، ولم يتأثروا بما حل بالأمة من محن، ولم تخرق آذانهم هذه الأصوات المتعالية، ولا انتهى إلى إحساسهم شيء من هذه اليقظة المتفشية في الأمة، ولا وصل إليهم أثر من هذا التطور الذي غمر العالم، وأنهم ما زالوا آلات صماء في يد الاستعمار، يصرِّفها متى شاء لما شاء؛ بل الواقع أنهم ازدادوا تعلقًا به وطاعةً له، بقدر ما أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف؛ ومن دأب الاستعمار إلصاق الحاجة بالناس ليتخذها مقادة لضعفاء الإيمان والإرادة منهم، وقد حلت المصائب بهذه الأمة، وهؤلاء القوم غارّون في نومهم، وامتلأت السجون والمعتقلات بالرجال، وهم آمنون مطمئنون، وجاعت الأمة وما منهم إلا الطاعم الكاسي، وإن الصحف لَمُنَشَّرةٌ بين أيدينا بما أخذوا من المؤن باسم الزوايا، وبما باعوا منها في السوق السوداء، وما كانوا يأخذون تلك المقادير الوافرة إلا على حساب الأمة، فلهم الويل: أهي زوايا أم متاجر؟ إن الحكومة الجزائرية الاستعمارية تعرف ما لا يعرفون، تعرف أن التطور سنة من سنن الله، ولكنها تؤجل وتطاول، وقد أحست بضغط المطالبة بالحقوق السياسية والدينية، فحرّكت هؤلاء القوم بعد طول الهجعة، وأعدّتهم للمعارضة والتشغيب على طلّاب الحقوق الدينية، كما أعدت طائفة أخرى انتخبتها هي لا الأمة للتشغيب على طلّاب الحقوق السياسية، وقد كشفت الانتخابات التي تدور رحاها في هذين الأسبوعين ما كان مبيتًا من مكايد الحكومة، وفضحت ما كان مدبرًا من مخازيها، وتبين ما كنا نعتقده ولا نشك فيه، وهو أن المؤتمر الأول، والمؤتمر الثاني، والمجلس الجزائري، ذريةٌ بعضها من بعض، وكلها من صنع يد الحكومة، وبعضها متمم لبعضها، وكما أنه لا حرية للأمة في هذا الانتخاب، لا إرادة للمؤتمرين في ذلك الاجتماع، ويجمع ذلك كله قولك: تدبيرات لإخماد الحركتين الدّينية والسياسية بهذا الوطن. الأمة تطالب بفصل الدين عن الحكومة، ولسانها في ذلك جمعية العلماء، والمطلب حق، ولا مفرّ للحكومة منه، والحكومة لا تريد أن تنفض يدها من المساجد وأوقافها ورجالها، فكيف العمل؟ العمل هو جمع هذا الجند من المفتين والأئمة والمؤذنين ورجال الزاويا، وإعدادهم لوقت الحاجة فإما أن يبقى ما كان على ما كان، وإما أن تسلم المساجد والأوقاف لهم، لأن هذا أيضًا لا يخرج عن إبقاء ما كان على ما كان. والأمة تطالب بحقوقها السياسية، ولسانها في ذلك رجالها السياسيون، والمطلب حق، والحركة دائبة، فكيف العمل؟ العمل هو أن تنتخب الحكومة نفسها (على طريقة نيرون) أغلبيةً ساحقةً للمجلس الجزائري، تضمن لها إبقاء ما كان على ما كان ... ولو إلى حين. وعبد الحي الكتاني ... ما هو وما شأنه؟

стр. 1272

عيد العرش المحمدي العلوي * آمال فساح، في الفوز والنجاح، وتباشيرُ صباح، باليسر والإسجاح، وتوْق وطماح، إلى السؤدد اللماح. وكدّ وإلحاح، من أصَلاء في العز أقحاح؛ وعزمات صحاح، في الذياد والكفاح، ومغدًى ومراح، في الحق الصراح، وشباب نضّاح، عن الشرف الوضاح، ومليك مسماح، في العلم والإصلاح، وإمامة تاجها العمامة. صدفت عن المظاهر، وعزفت عن المزاهر، لتخط الأسوة، وتحط الجبرية والقسوة، وأعلام من علماء الإسلام، حافظوا على الإرث، وطهروه من الدم والفرث. تلك هي حلية الصدور، وزينة المجالس، في عيد العرش المحمدي العلوي. ... وذكريات من المجد التليد تثار، وآفاق من الفخر الطريف تنار، وسمات من مخايل البطولة تشهر، وصفحات من تاريخ العظمة تنشر، ولمحات من الشرف العلويّ الفاطمي تشع فتشيع، ونفحات من الغر الجلائل من أعمال الأوائل تضوع وتذيع، وذخائر من أخلاق الطيبين الأخاير، تجبى لوارثها، ومفاخر، مما ترك الأوّل للآخر، تجنى لهمامها وحارثها، وصُوَرٌ من عز الملك تجلى، وسور من مكارم الأبوة تتلى، وشمائل من باني البيت إسماعيل تجلت في محمد. تلك هي الجمل التي شرحها عيد العرش المغربي فأبان، ورفع أحاديثها مسندةً إلى أبان، وفرع بها الشماريخ الباذخة من أبان. ...

стр. 1273

والعرشى المغربى همّك من عرش، زُرّتْ أزرارُه على إدريس في الأولين، وعلى الأباة بني عليّ في الآخرين، فرست أواسيه في طينة الشرف الأرفع، وبسقت أفنانه في جوّه الصافي الأنصع ... وأوطأ متونه، ذوائب لمتونه (١)، ومدّ تمتانه (٢)، على واحد هنتانه (٣)، وأرّث الإرين (٤)، بمساعر مرين ... همك من عرش مدّ ظلاله على المغارب أحقابًا، وأطت رحاله على عتبات برقة مرات، فإذا شاركنا إخواننا في البشرى، بعيده، فإنما نفي بعهد قلّ الأوفياء به؛ وننعم بخيال طاف طائفه بنفوس مترقبة لمسراه، متعرضة لمجراه، وما زال الطيف كالضيف محببًا إلى الكرام، مبغضًا للّئام. ... ومن حكم الله في هذا العرش أنه لم يزل حارسًا للغة الضاد من الأضداد، حاميًا للدين من المعتدين، ولم تزل في مقتعديه أمثال مضروبة في النضح عن الإسلام والعروبة؛ اختلفت بها الأنساب بين يعرب ومازيغ، ولم تختلف بهم الأسباب في رعاية العلم وتقدير البيان، فكم ولدت دُوَلهم من أعلام في الأدب والبيان، ونوابغ في الفقه والتشريع، وأساطين في الفلسفة والحكمة، وأثبات في التاريخ والخبر. ... وما زلنا ننكر على المسلمين في زمننا هذا، إقامتهم لهذه الاحتفالات؛ ونعدها عليهم في باب المجانة واللهو؛ ونقول: إن معظمها محاكاة لا تأتي بفائدة، وتقليد للأقوياء لا يعود بعائدة، وأنها تتنافى مع الجد والشهامة، وتلهي عن الواقع والواجب، وأن الأليق الأشبه بنا عقد مناحات نندب فيها الجدود العاثرة، والأشلاء المتناثرة؛ ولكننا حين نصل إلى هذا النوع الذي ينبه ويوقظ، ويحرّك الذكرى الكامنة، ويثير القوة الخامدة، ويذكّر بالماضي من الأعمال والرجال، ويدعو إلى التأسي بالعاملين، نسلم أنها دروس تلقى على الجاهلين، وأمثال تضرب للمأخوذين الذاهلين؛ ونؤمن بأنها تاريخ يحيا، وأجيالٌ تنشر، وأعمالٌ تبعث، وما أحوج الأمم الغافلة، النازلة بالسافلة، المنقطعة عن القافلة، المشغولة عن الفرض بالنافلة، إلى أمثال هذه الدروس الحافلة. ...

стр. 1274

أيها الإخوان في المغرب الأقصى، نحييكم على بعد الدار، وحيلولة الجدار، ومعاكسة الأقدار، تحية ودّ، لا تقابل بالرد، ونهنئكم بهذا العيد السعيد، تهنئة الغريق لمن بالساحل، والمبعد لمن طويت له المراحل؛ وندعو للجالس على العرش بالتأييد من ذي العرش، ونتمنى لكم- كما تتمنون لنا- سعادةً يطرّز حواشيها النعيم، وسيادةً تدفع إلى حرم العزّ من ثنية التنعيم. إننا لمحنا من السنان صفحته، وشممنا من الريحان نفحته، فتعاطفت الأرحام، وتداعت وشائج القربى إلى الالتحام، وهزّتنا الأريحية إلى هذا النزر القليل من التحية، تحملها عنا إليكم ريح الصبا كلما هبت، وبُرُدُ الصحائف كلما خبت، فاعذرونا فإننا لا نبلغ في هذا المقام- وإن أطلنا- القلامة من أصبوع، والدقيقة من أسبوع، والقطرة من ينبوع. ... أيها الإخوان، إن العروش لا تثبت ما لم تكن أواسيها القلوب والمهج؛ فكونوا دون العرش صفًا، وجمعًا ملتفًّا، وساعدًا وكفًّا، ودَفعًا للباغي وكفًّا، وذودوا عنه كل مريب، والقريب منهم قبل الغريب.

стр. 1275

موجة جديدة * موجة جديدة من الاستياء غمرت العقلاء العارفين بما وراء الأكمة، سببتها هذه الموجة الجديدة في راديو الجزائر التي تستعد الحكومة لإنشائها خاصة باللغة البربرية (القبائلية). ما كنا نتوقع حين نشرنا افتتاحية العدد الماضي أن الحماقة تبلغ بالاستعمار المسيِّر للإذاعة الجزائرية إلى هذا الحد، وما كنا نظن أن هناك دركةً أخرى من السماجة أحط مما ظهر به الاستعمار في أصل الإذاعة باللغة القبائلية، حتى سمعنا ممن سمع ذلك الراديو أنه أعلن عزمه على تخصيص موجة للغة القبائلية، كاملة الأدوات ببرنامجها، ومحاضريها، ومخبريها وموسيقاها وقرائها، ولا ندري هل القرآن الذي يتلونه، يتلونه باللغة العربية أو باللغة القبائلية؟ ولا نستغرب أن يتهوّر هذا (الراديو) يومًا ما في ضلالة جديدة فيتلو للقبائل قرآنًا جديدًا بالقبائلية، إِذْ لم يبق لِمَنْ جانب الحِكمةَ إلا هذا النوع من أنواع السفه العقلي، ولو فعل لما عدم من يفتيه ويزين له. وإنما المشكلة في من يضع هذا القرآن أو يترجمه بالقبائلية، وإذاعة القرآن في الموجة القبائلية هدم للغرض الاستعماري الخبيث ونقض له من أساسه وصفعة يتلقاها قفا الاستعمار من كف الاستعمار، وإن الهوى ليعمي ويصم. ولعل القراء يعجبون لإعادتنا الحديث في هذه المسألة إذ يتوهمون أنها ليست بهذه المكانة من الأهمية، وإن أمرَ هذه المسألة لأعظم مما يتوهمون، إنها فرع من شجرة خبيثة غرسها الإستعمار بيده وتعهدها بالعناية والتربية، واسمها الحقيقي "التفريق بين الأخوين العرب والبربر".

стр. 1276

ومن فروع هذه الشجرة الخبيثة الظهير البربري المشهور. ومن فروعها ما سارت عليه حكومة الجزائر منذ قرن في وطن زواوة من تخصيص بقوانين وأحكام إدارية وقضائية، وتقوية النظام العشائري فيه، وإبعاده بالتدريج عن القضاء الإسلامي. ومن فروعها تكثير مراكز التبشير بالنصرانية في الوطن القبائلي. ومن فروعها راديو الجزائر للغة القبائلية. وليست الحكمة في الإذاعة القبائلية هي الأخذ بخواطر القبائل وتشريف لغتهم؛ لأن الحكومة تعلم ما نعلم من أنّ خمسة وتسعين في المائة من القبائل سكان (مداشر) (١) في رؤوس الجبال لا يعرفون الراديو ومن (ردّاه)، ولا يسمعون صوته ولا صداه. والخمسة في المائة من سكان الحواضر والقرى الاستعمارية يتكلمون العربية ويفهمونها كما يفهمون الفرنسية، ويستطيبون الإذاعة العربية، ويطربون للموسيقى العربية لأنهم عرب مسلمون، رغم أنف الاستعمار. وإنما الحكمة الاستعمارية في هذه المسألة خاصة- زيادةً على ما تقدم- أن يشيع في العالم الذي لا يعرف لهذا الوطن إلا لغةً واحدة وهي العربية، أن فيه لغةً أخرى يتكلمها كثير من الناس ولا يفهمون العلم والحياة إلا بها، بحيث اضطر- شفقةً عليهم ورحمةً بهم- أن يخصص لهم إذاعةً، وينفق عليها الملايين احترامًا لهذه اللغة، ولأهلها. ولو علم العالم حقيقة الأمر وعلم ما عليه أهل هذه اللغة من بؤس وما هم فيه من شقاء لقال للاستعمار الفرنسي ما يقوله المصري لقليل الحياء: (اختش). إن هذه (العملية) الجديدة سلاح مبتكر لحرب العربية، ومكيدة مدبرة للتقليل من أهميتها، وحجة مصطنعة لإسكات المطالبين بحقها في وطنها. ولكنه سلاح مفلول، ومكيدة فاشلة وحجة داحضة، يسخر منها القبائلي قبل العربي. وسيعلم الاستعمار وأعوانه أن هذه الموجة ستبتلعها أمواج، وأن المذيعين فيها كالمغنين في المقبرة. أصداءٌ في الأثير، لا تحرِّك ولا تثير. وقد فات هذه الحكومة، التي تنفق أموال الأمة فيما لا يفيدها، أن اللهجات البربرية بهذا الوطن متعددة متباعدة، بحيث لا يفهم أهلها بعضهم عن بعض، وهبها أرضت بهذا الصنيِع واحدة فأين الأخريات؟ وأين المزابية والشاوبة (٢)؟ أم أنها ستخصّص لكل واحدة موجةً حتى ترضي الجميع؟

стр. 1277

إن الجميع بحكم العروبة والإسلام لا يرضَوْن بغير العربية بديلًا. كما لا يرضون بغير الإسلام دينًا. لسنا بهذه الكلمات ننتقد راديو الجزائر ولا برامجه ولا رجاله. ولو شئنا نقده لنقدناه في الصميم، ورميناه بالمقعد المقيم، ولنشرنا ما وهبه الله من جمود البرامج وتفاهة المواضيع وضيق العطن، ولكننا قوم عمليّون، فلا ننتقد من جوانب الراديو إلا ما يعنينا كعرب نغار على لغتنا، ومسلمين نغار على ديننا، وما الراديو إلا أداةٌ حكومية تسيره في أغراضها، ولو شاءت لجعلت منه مدرسة تهذيب، ومنبع حقائق، ولكونت منه لسان صدق ينشر محاسنها ومحامدها ويستهوي إليها أفئدة العالم، لا بوق تضليل ينشر مكايدها الاستعمارية، ويُلبسها حللًا مستعارة تمزقها نسمات الحق فضلًا عن عواصفه. نحن ننتقد عملًا من أعمال الحكومة، اتخذت الراديو وسيلة لتنفيذه، فإذا ذكرناه هنا فإنما نذكره بالعرض لا بالقصد، وقد قصرنا ... وسنطيل ...

стр. 1278

ليبيا، موقعها منا * ليبيا - بأجزائها الطبيعية- قطعة ثمينة من وطن العروبة الأكبر، ومعقل حصين من معاقل الإسلام الباذخة، مكتنفة الشمال والجنوب بجمالين من مياه البحر الأبيض، ورمال الصحراء المغبرة؛ مسورة الشرق والغرب بجمالين من عظمة مصر ومجد تونس: فهي رقعة من صنع الله مطرزة الحواشي بما يسحر الألباب، ويفتن النفوس، ويستهوي الأفئدة، ويذكر بالعزة، ويفتق القرائح عن روائع الوصف، وبدائع التمثيل، وهي- لذلك كله- نازلة من نفس كل عربي في مستقر الغيرة والحفاظ، ومن نفس كل مسلم في منزلة الحب والكرامة، وننفرد نحن سكان الشمال الأفريقي بمعنى من معاني التقدير لهذه القطعة العزيزة من وطن العروبة والإسلام، وهو أنها كانت مجرَّ عوالي الفاتحين من أسلافنا، ومجرى سوابقهم إلى هذا الشمال، يحملون إليه التوحيد والحكمة والسلام، فعلى ثراها مرّ عقبة والمهاجر وحسان، ومن بعدهم موسى وطارق، وإدريس وعبد الرحمن، وفي جنباتها تصاهلت جياد الكماة الصّيد من مضر ويمن، وأنها كانت كذلك مجازًا للأبطال، من بني هلال، الذين غرسوا العروبة بهذا الشمال، وأنها كانت أخت الجزيرة، تلك أنبطت وهذه أحْرَتْ، وتلك أنبتت وهذه أرْوَتْ، وتلك قدحت وهذه أورت، وأنها صارت- بعد ذلك- بابنا إلى الشرق، يوم كان أبرّ ببنيه، وأحنى عليهم من البحر، لا نلج حظائره القدسية إلا منه، حجاجًا وتجارًا ومستبضعي علم. إن كل قارئ مطلع في هذا الوطن الجزائري ليعرف عن ليبيا وقراها، وجبالها، وأوديتها، ودُروبها مثل أو أكثر مما يعرف عن وطنه، لكثرة ما يقرأ عنها في كتب الرحالين المغاربة من أمثال الفهري والعبدري وابن بطوطة، والتيجاني، والعيّاشي، والورتلاني؛ وإن كل عامي راوية للشعر الملحون ليحفظ أسماء قراها، ووديانها، وجبالها، أكثر مما يحفظ

стр. 1279

من أمثالها من بلاده، لكثرة ما يسمعها في قصائد شعراء الملحون الوصافين لركاب الحج، المعدّدين لمنازله، احتذاءً للبوصيري في (عدة المنازل) (١)، من أمثال محمد الشلالي، وابن السنوسي، وابن خلوف، وابن يوسف، وغيرهم من الشعراء الشعبيين في المائة الثانية عشرة إلى الآن؛ وهؤلاء هم الذين انتهت إلينا أخبارُهم وأشعارُهم، عن طريق الحفظ والرواية، وقد كانوا يُرَحلون ركب الحج من مراكش إلى مكة، ويصفون الجادّة التي يسلكها وصفًا شعريًّا مشوّقًا، أحسن مما يصفه الجغرافي المتقصّي، وأدخل في النفس منه، حتى يخيل إلى السامع أن هذه الموصوفات منه بمرأى العين؛ وأذكر أنني في سن الصبا كنتُ سمعتُ أسماء زوارة وطرابلس، والجبل، ومسراته، والخمس، وزليطن، وبنغازي، ودرنة، وأجدابية، متناثرةً في هذا الشعر، موصوفةً، محددة المسافات التي تفصل بينها، قبل أن أقرأها في كتب الرحلات والجغرافيا، وقبل أن أسمعها من أفواه السفار، أو من أفواه أهلها. ... ولإخواننا الليبيين- أو الطرابلسيين كما نسميهم- علينا حق الدين، وحق اللغة، وحق الجنس، وحق الجوار، وحق الاشتراك في الآلام والمحن، وفي الآمال المقترحة على الزمن، وهذه كلها أرحام، يجب أن تبل ببلالها، وحقوق في ذمة المروءة والوفاء يجب أن تؤدّى، وإنّ من حسن القضاء عند الكرام الأوفياء أن يكون في وقت الحاجة إليه، وإن هؤلاء الإخوان اليوم في طور امتحان عسير معقد، تتخلله الأهواء والمطامع، ويحيط به الكيد والتعنيت من كل جانب، وإن نجاحهم فيه يتوقف على جمع الكلمة، وتسوية الصف، وتوحيد الرأي، ومتانة الإيمان بالحق، والحذر الشديد من الأشراك المنصوبة والعُصَب الدخيلة، والنظر البعيد في العواقب المخبوءة والمكايد الخفية، والاحتفاظ بكلمة الفصل، يقولها الواحد فترددها الملايين، وإنهم في حالة انتقال من حال إلى حال، من حال كانوا يواجهون فيه عدوًّا واحدًا، مكشوف النيات والسرائر، حيواني الشهوات والمنازع- إلى حال يواجهون فيه ثلاثة أعداء، متشاكسي المصالح، متبايني المطامع، متظاهرين بالتقوى والعدل، والنصيحة الرشيدة للمستضعفين؛ ولكنهم متفقون على الاستغلال لا على الاستقلال؛ ومن ورائهم ذلك الثعلب القديم- وقد قصمت الحرب ظهره- جائعًا يتضوّر، وقابعًا يتحفز، وحانقًا يتلظى، وراجيًا يتعلق، وطامعًا يتملق؛ ينتصر بالمتات، وينتظر الفتات. قاوم هؤلاء الإخوان الكرام الاستعمارَ الإيطالي، ووقفوا في وجهه وقفة المستميت، لم يثنهم التقتيل والتشريد، حتى إذا استيأسوا، وظنوا أن هذا الجبار العنيد ختم عليهم بالعبودية

стр. 1280

المؤبّدة، جاءت الحرب الأخيرة، وعاد الرجاء، ونبض عرق البطولة، وهبّ المغاوير من سلائل العرب، يثأرون لعمر المختار، والشهداء الأبرار، حتى اشتفوا: وأوبقت إيطاليا جرائرها، فأبادها الله، وما كان إخواننا يدْرون أنهم يعينون استعمارًا على استعمار، وأنهم سينتقلون من شِدْق الأفعى إلى ناب الأفعوان؛ ولكنهم لم يهنوا ولم يفشلوا في طلب استقلالهم، فصمّت الآذان عن سماع صوتهم حينًا، ثم تصادمت المطامع، فكان لأصوات الدول الضعيفة في مجلس الأمم مجال في الآذان الصماء، ومنفذ إلى القلوب الغلف، فقضى ذلك المجلس باستقلال ليبيا طائعًا كمكره، ولكنه أرجأ الإنجاز إلى أول سنة ١٩٥٢. كنا نعرف أن الاستقلال جنة لا يعبر إليها إلا على جسر من الضحايا، وكنا نعدّ إخواننا الليبيين أول الداخلين إلى هذه الجنة بغير حساب، لأنهم قدّموا من الضحايا ما لم تقدّمه أمة شرقية، ولأنهم جمعوا أسباب الفلاح الأربعة: الصبر والمصابرة والمرابطة والجهاد، ولكن شيطان الاستعمار أبى عليهم ذلك، ووضع في طريقهم برزخًا زمنيًّا، أو جسرًا ثانيًا غير الضحايا والقرابين والأعمال الصالحة، وهو هذا الأجل المحدد بسنة ١٩٥٢. ويقول الاستعمار: إنه وضعه للإعداد والتشويق، ونقول نحن: إنه وضعه للإبعاد والتعويق، ومرحبًا بالسنتين إذا كنا نقضيهما في الاستعداد والتأهل وإصلاح الفاسد من أخلاقنا ورجالنا وأعمالنا. واهًا لهذا الوطن المتردّد في لهوات الزمان، الذي جنى عليه موقعه من البحر الأبيض ومن الصحراء، فثبتت عليه أعين الطامعين، وازدحمت عليه أقدام الأقوياء، وحامت عليه حوائم الدرهم والدينار، تغرّ وتُغري، وإنّ لها في نفوس ضعفاء الإيمان وفاقدي الضمائر لموقعًا، ومن وراء الدرهم والدينار سماسرة تتخطف، وصَوالجة تتلقّف، وأبالسةٌ تأمر بالمنكر، وتنهى عن المعروف، وتدفع الألقاب قيمًا للممالك، ومن أبناء الوطن فريق من أعوان التفريق، وأعوان التحريق، وهنا أصل البلاء، وهنا منبت العلة، وهنا- فقط فقط- جرثومة الطاعون، وهنا العدو الحقيقي فاحذروه ... وحنانًا على إخواننا المجاهدين! ... كتب عليهم أن يتجرّعوا ثلاث مرارات في جيل واحد: مرارة الإهمال في العهد التركي، ومرارة الاستعباد في العهد الإيطالي، وها هم أولاء يتجرّعون مرارة التنكر من حلفاء دلوهم بغرور، وسجروا بهم التنوّر، ثم أخلفوا الوعد، ونقضوا العهد. من بعض حقكم علينا- أيها الإخوان- أن نسعدكم، ولو بقول معروف، من نصيحة خالصة، ودعاية نافعة، وتذكير منبه، وليسعد النطق إن لم يسعد الحال.

стр. 1281

ليبيا، ماذا يراد بها ؟ * شاعت بيننا- معشر المستضعفين- كلمة خاطئة، ألجأنا إليها الضعف وأملاها علينا العجز، فألفناها حتى غطّى الإلف خطأها وسخافتها، ويسرها التعوّد على الألسنة والأقلام، كما يسّر كلمة الكفر على لسان قائلها، وكأننا ورثناها عن الساسانيين أصحاب الكُدية، لا أصحاب الملك والدولة؛ وإن كانت لغة الساسانيين مبعثها الجبلة، والجبلة شعبة من القوة؛ فكلمتنا هذه مبعثها الاستخذاء، والاستخذاءُ وليد الضعف. هذه الكلمة الخاطئة هي "طلب الاستقلال" ومعناها في الواقع، طلب الحق من غاصبه، أو طلب الملك من سالبه؛ ولو كان من طبيعة الغاصب السالب أن يرد المغصوب فيئَة إلى الرشد، وإنابةً إلى الله- لردَّهُ من غير طلب، ولا رفع دعوى، ولا إقامة دليل. أما الكلمة المصيبة لهدف الحق فهي "العمل للاستقلال" ... إن العامل للشيء سائر إليه بذرائعه الطبيعية خطوةً خطوة؛ فهو واصل إليه لا محالة؛ وهو آخذٌ له حين يأخذه بالاستحقاق الطبيعي؛ أما طالب الشيء- في مفهومه العرفي- فهو كطالب الصدقة، إما أن يعطى وإما أن يُحرم؛ فإن أعطِيَ فبفضل، وإن حرم فبعدل؛ وعجيبٌ أن تعيش هذه الكلمة الجوفاءُ بيننا مع كلمة عبقرية تضارها وتناقضها، وهي أن "الاستقلال يؤخذ ولا يعطى". شروط الاستقلال الحقيقية هي: الإيمان به مع التصميم، ثم العمل له مع الإصرار، ثم المحافظة عليه بعد تحصيله، وليس منها- عندنا- إلا طلبه ... وإخواننا الليبيون عملوا للاستقلال على قرب عهدهم بانتزاعه منهم، وبذلوا في استرجاعه فوق ما يبذله من في منزلتهم من الضعف والقلة؛ وإن حبله لم ينقطع من أيديهم، وإن روائحه العطرة لتُفعم أنوفهم، وإن أخيلته الجميلة لتتراقص في أذهانهم، وإن ذكرياته لماثلة

стр. 1282

في نفوسهم مثول ذكريات الشباب في نفوس الشيوخ، وليس بين إشراق الشباب وأفوله إلا فسحةٌ في العمر، وإن كثيرًا من الأحياء في ليبيا أدركوا زمن انتزاعه، وسيدركون زمن ارتجاعه. ... هذا الشيء الذي يسمونه (مجلس الأمم المتحدة) لم يبلغ من العدل والرحمة أن يقسم الحقوق بالسوية، وأن يقتص للجمّاء من القرناء، بل دينه وديدنه أن يركب للقرناء قرونًا أخرى تنطح بها المستضعفين، وتذودهم بها عن مراتع الحياة ومواردها؛ وقد قرر ذلك المجلس استقلال القطر الليبي العزيز، استقلالًا شابه بالدخن وشانه بالتأجيل؛ ومع ذلك فقد تهللت أسرّة، وخفقت قلوب، وحييت آمال كانت كامنة في النفوس، وتشوّف المدلجون- بعد هذه التباشير- إلى الفجر الصادق، بتبلّج عموده على هذه الرقعة، آملين أن يعمّ بقية الرقاع، لكن المتعمقين كانوا يرون أن هذا القرار ليس من طبيعة الروح الشريرة التي تصرّف ذلك المجلس وتسيره؛ وإنما هو ثمرة من ثمرات الجهاد المتواصل، من ذلك الشعب الذي نقص الاستعمار عدده وأمواله، ولم ينقص اعتداده بنفسه وإيمانه بحقه؛ وأنه أثر من آثار أصوات الدول الصغيرة التي أكسبها الاتحاد قوة في ذلك المجلس، فاتجه سعيها إلى نصرة الضعفاء، "وكل ضعيف للضعيف نسيب"، وأنه نتيجة من نتائج التشاكس بين مطامع الأقوياء، ومخاوف بعضهم من بعض، فلولا التنين، الذي ابتلع الصين، ولم تزل كبده حرّى إلى نُغبة من ماء البحر الأبيض، لما وافقت أمريكا وإنكلترا على قرار الاستقلال، ولولا العملاق الذي يضع رجله على طهران، ويده على الظهران وعينه على وهران، لما صادقت روسيا على ذلك القرار، فهو بما حفه من هذه الأسباب، استقلال كياد من الدول الغربية لروسيا، يردن منه إقصاءها عن البحر المتوسط، ليأمنَّ شرها وشركها؛ ثم يقسمن الفريسة أجزاء، كما شاء لهن الهوى بأسماء خلّابة من ورائها قوة غلّابة، وما كان ذلك التأجيل إلا لهذا، وقد ظهرت الحقائق جلية بما بدر منهن- الواحدة بعد الأخرى- قبل أن يجف مدادُ قرار الاستقلال، هذه في فزان وتلك في برقة، وثالثة تنتظر طرابلس؛ وإنهن لبالغات إلى أهدافهن، وواجدات فينا من يأخذ بأيديهن إليها، ومن يَمْدُدْنَ له في أسباب المطامع، فيقطع لأجلها صلته بالله، وعلاقته بالوطن، إلا إذا بدأنا بالأشراك المنصوبة بيده فأزلناها، وبادرنا إلى الأوثان المرفوعة باسمه فكسرناها، وعمدنا إلى النقائص المتأصلة في نفوسنا فاستأصلناها، وصمدنا إلى الجموع المتفرقة فجمعناها، وإلى الألسنة الداعية بالتفريق فقطعناها، وإلى الشهوات الجامحة فقمعناها، وإلى الألقاب المهينة فمحوناها، وإلى العزائم المرتخية فقوّيناها بالحق وشددناها، وإلى جميع الثغر التي يأتينا منها العدو فأغلقناها في وجهه وسددناها، ثم لقيناه بعد ذلك بصف واحد، وإرادة واحدة، ولسان واحد، ورأي جميع،

стр. 1283

وعزيمة ترتد عنها المحاولات حسرى، وكلمة واحدة لا يقبل معناها التأويل، وهي (أن هذا الوطن واحد لا يقبل التقسيم، وأن أبناءه وحدة لا تقبل التجزئة، وأنهم يريدون حياة حرة كريمة)؛ ولو فعلنا ذلك لجاء الاستقلال عفوًا بلا طلب، صفوًا بلا كدر، بمعناه في لغتنا لا في لغة قياصرة مجلس الأمم. إن هؤلاء الأقوياء قد راضونا على الشهوات الخسيسة، حتى عرفوا مواقعها ومداخلها إلى نفوسنا، فأصبحوا يقودوننا بزمامها، ويبتزّون ضمائرنا بالشهوات النفسية، كالرتب والألقاب، وأموالنا بالشهوات الحسية، كفضول اللباس والطعام والشراب، وإن أوقى الجُنَن منها الزهد فيها، والتعفف عنها؛ ولو أن أهل فزان- مثلًا- استنارت بصائرهم، ونالت منهم الموعظة بغيرهم، فرفضوا لقب "الباي"، وهجروا شرب "التاي"، لسعت إليهم الحرية حبوًا. ... من كتم داءه قتله، وقد آن أن نعلن داءنا، ونعترف بنقائصنا، وإن لم يكن لنا فضل المعترف، فقد فضحنا الزمان قبل أن نفيء إلى أنفسنا، ونتدارك الوهي بالترقيع، فصيَّرَنا بذلك مثلة في الإنسانية، وداء إخواننا الليبيين هو داؤنا جميعًا، ليس لأحدنا فيه فضل إذ لا فضل في النقص، ولا بيننا فيه تفاضل، لأن علة العلل واحدة؛ هو الداء الذي ترك جزيرة العرب تضم ملاءتها على بضع دول وإمارات، وعلى عدة ملوك وأمراء؛ ولولا ذلك الداء لكان للعرب دولة واحدة، لأنهم أمة واحدة في رقعة واحدة، ولكان ذلك أرهب لعدوّهم، وأحفظ لحقيقتهم، ولولا ذلك الداء لما ضاعت فلسطين، ولما بؤنا بسبة الدهر وعار الأبد. أصل دائنا التفرق والخلاف، بدأ صغيرًا في الدين، ثم بدأ كبيرًا في الدنيا ومن الخلاف تشعبت شعب تلتقي معه في الأثر والنتيجة والشر والضر، والطعم المر؛ كما يحمل الفرع خصائص أصله، فاذكر الخلاف تذكر التخاذل والأنانية ووهن العزائم، واذكر الخلاف تذكر عدم الاعتداد بالنفس وعدم الثقة بين الإخوان؛ واذكر الخلاف تذكر تعدد الزعماء والأحزاب في الوطن الواحد، واذكر الخلاف تذكر ضعف العقيدة وخطل الرأي، واذكر الخلاف تذكر بيع الذمم والضمائر، والتفريط في المصالح الوطنية، واذكره تذكر كل مرض عقلي نعانيه، وكل حقيقة في الحياة نغلط فيها؛ فالرجولة مائعة، والتفكير سطحي، والتضحية أقوال، والأهواء متبعة، والزعامة زعم، والنصر تصفيق، والقضايا الخطيرة نلقاها بالعقول الصغيرة، والألسن القصيرة؛ وهذه الأمراض هي التي أدركها المستعمرون فينا فاحتقرونا، ولو لم يعتبرونا أطفالًا لما وضعوا في أيدينا هذه اللعب يلهوننا بها عن أعمال الرجال. ***

стр. 1284

أيها الإخوان الليبيون: إن لكم إخوانًا يصل بينكم وبينهم الماء والصحراء، ويشرفون عليكم من مخارم هذه السلاسل الشامخة من الأطلس الكبير، وإنهم يشاركونكم في الشدائد والمحن، كما شاركوكم في الألسنة والسحن، وإنهم يقاسمونكم مرارة الامتحان الذي أنتم فيه، فانظروا في أيّ موضع وضعتكم الأقدار، إنكم في موضع قدوة لشعوب ترجو ما ترجون، وتعمل لما تعملون، فاحذروا أن تكونوا قدوة في الهزيمة، ومثالًا لخيبة الأمل، واقتلوا الألقاب تحيوا الحقائق؛ إننا نعيذكم بشرف الرجولة أن تكون فيكم سيوف اليمن، وجنرالات تونس (١)، فتلك لا تصلح للضرب، وهذه لا تغني في الحرب.

стр. 1285

إضراب التلامذة الزيتونيين * ما زلنا نربأ بجامعاتنا- أو جوامعنا- التاريخية أن تبقى جاريةً على التقليد البالي في مناهجها وكتبها، وأن ترضَى لنفسها هذا الجفافَ في الزمان الممرع، وهذا التمطّي في العصر المسرع، وما زلنا نرجو لها- مخلصين- إصلاحًا شاملًا، يعقبه صلاح كامل. يبتدئ ذلك الإصلاح من الكتب، وينتهي إلى العقول، ويجرف ما بين الطرفين من أوضاع من النظم بالية، وأوساخ على الأذهان عالية، أثبتها الإلف لا الفائدة، وزيّنها النقص لا الكمال، وبين البدء والختم مجالات سيفعل الإصلاح فيها فعله، ويأخذ مأخذه. وإن لنا في هذا الإصلاح لآراءً جريئة، أوحى بها إلينا حالُ الأمم الإسلامية بين الأمم، وصقلتها التجارب المتكررة في وسائل الإصلاح، ونحن نتربّص بنشرها أوقاتها المقتضية، ما دام عصرنا يتسم بالنفاق، وبعد المجاملة من أصول الأدب، والرياء من حسن الذوق وجمال السلوك، ولو نشرناها اليوم لأثرنا ثائرة، وأسعرنا نائرة، وأغضبنا أقوامًا شاء لنا ولهم الهوى أن نتنادَم على بساط ذلك النفاق، ولو خلع هذا العصر لبوسه وزايلتْه سماته، لأرانا أنّ نهاية ما يرجوه الراجون ويطلبه الطالبون من الإصلاح هي بداية الإصلاح الحقيقي الذي نراه ونقول به. وكأنّ أبناءنا الزيتونيين- نصرهم الله ونضر وجوههم- أرادوا بثورتهم الحاضرة أن يختصروا هذه الفترة المنافقة، وأن يقرِّبوا منّا الزمن الصالح لنشر هذه الآراء، وإنّ لهذا الأمر لعاقبةً هذا نذيرها، فإذا لم نقدم عليها طائعين أُرغمنا عليها مكرَهين. ونحن- حين نشكر أبناءَنا- نرى أن شطرَ الشكر يرجع إلى هذا التقريب الذي نخرج به من تبعة كتمان الحق، لأن النصيحة إذا تأخرتْ عن ميقاتها أصبحت غشًّا، ومن أظلم ممن غشّ نفسه وأمّته؟

стр. 1286

وعذرًا إذا تعجلتُ كلمةً منصفة، وهي أن الإصلاح المأمولَ لا يتوقف منه على الحكومات إلا شطرُه المادّي، وأهونْ به، أما شطرُه الآخر- وهو اللباب- فلا يضطلع به إلا ثلاث فرق متساندة مخلصة: المسيّرون لهذه الجامعات بالإدارة والتعليم، والتلامذة، والأمة، ومن اعتمد في هذا القسم من الإصلاح على غير هؤلاء فقد سجّل على نفسه قصر النظر، وقصور الرأي، والتقصير في الواجب. وإنني مرسل إلى أبنائي التلامذة الزيتونيين بالكلمة التالية، تحييهم، وتشدّ من عزائمهم، فإن لم تكنْ رَوْحًا يدوم ويبقى، تكنْ ريحانًا يُشمّ ويذوى، وإذا تأخّرتْ عنهم فعذرُها أن العُرْج في آخر الذود، فلينتظروا العوْد، وأن عسى أن أكونَ قد قمت ببعض حقّهم عليّ. ما هذا التصميم الذي يفلّ الحديد؟ وما هذه العزائم التي لا تعرف الهزائم؟ وما هذا التحدّي الذي يقهر الخصوم اللدّ؟ وما هذا الإصرار الذي يقتحم البحر وقد جاشت غواربه؟ إنها- وأبيكم- هبة من نفحات الأجداد، طاف طائفها بنفوس لم يدنّسها الاستبداد، ولم يكدر صفوها سوء الاستعداد، فهاجت وتلظّت، ولازَمت فألظّت، ولو غير نفس العربيّ المسلم كانت، وغشيها من صدإ السنين وعنت الأيام ولؤم التحكّم ما غشيَ النفس العربية المسلمة- لَلانت، ثم هانت، ثم ذابت وادّغمت، أو لاطمأنت إلى شيمة العبيد، أبد الأبيد، ولكنها النفس العربية المسلمة، تركّز في التراب ولا تبلى، وتراوحها الأنداء فلا تصدأ، وتصلَى النار ولا تحترق، فقولوا للذين يريدون طمس التاريخ، ومحو الخصائص النسبية، والمعاني الإرثية: أطمسوا ما شئتم مما سطرته الأقلام في الكتب، أما ما كتبته يد الله في النفوس فمحال أن تطمسوه، ولأنتم أعجز من ذلك، ولا كرامة، وإنّ نبْض عرق واحد بخصيصة دموية ليضيع عليكم جهد العقول والسنين. وأنا عربي، أعرف الخصائص العربية، وأغالي بقيمتها- على بصيرة- في قيم الخصائص الإنسانية، وأتلمّحها من مأثور أقوالهم كأنني أراها، وأبالغُ فأجعلها ميزانًا لتصحيح الأنساب، وأنا- في ذلك كله- مؤمن بناموس الوراثة، ثم أتصفَّح تلك الخصائص في أخلافهم فلا أجدُها، فأرتاب في النسبة، وأقول إنها هُجنة دسيسة، أو نطفة خسيسة، وأبقى ظاهريًّا حتى يقوم دليل، وقد أقام أبناؤنا الزيتونيون الدليل هذه المرة على أنهم عرب، فليهنأوا بصحة النسب، قبل نيل الأرب، وإنها لصفقة رابحة. أجدَّكم أن العزائم التي قهر أجدادُنا الفرسَ والرومانَ بمثلها قد تمثّلت من جديد، في الشباب الزيتوني العتيد؟ وأن الإصرار الذي لبِس طارقًا فأخضع به الجبّارين: البحر والجبل، قد لابس نفوس أبنائنا الزيتونيين كرةً أخرى؟ وأن الإيمان الذي صاحب خالدًا في اليرموك،

стр. 1287

وسعدًا في القادسية، والمثنَّى في بابل، وعمرًا في بلبيس، وعقبةَ في افريقية، قد خالطت بشاشته قلوب طائفة من أحفادهم؟ إيه- أبناءَنا الأعزّة- أإضرابٌ ما صنعتم، أم إطراب؟ لقد أضربتم، فأطربتمونا، فللهِ إضراب كل ما فيه إطراب، فاسكُبوا- يا أبناءنا- هذه الأغاريد في الآذان العَطِلَة، فقد طال عهدُها بسماعها، واضرِبوا هذه الأمثال الشوارد في التحدّي، للظلم والتعدّي، فقد استطابا في دياركم، وكذّبوا الظانين بكم ظنّ السوء فقد طال ما قالوا عنكم وتقوّلوا؛ قالوا إنكم كآبائكم تقولون كثيرًا، ولا تعملون شيئًا، هانكم تحسنون المطالبة، ولا تحسنون المغالبة، وإنكم ترهبون القويّ، وتتبعون الغويّ، وإنكم لا تعملون الواجب، لأنكم لا تعرفون الواجب، وإنكم تنامون على الضيم والهون، لأنكم في غمرة ساهون، وإنكم في حالتي الحمق والكيس، لا تعدون أخلاق امرئ اقيس (١): فأمثلُ أخلاق امرئ القيس أنها ... صلابٌ على طول الهوان جلودها لله أنتم، حيث كنتم، فقد كذّبتم هذه الأقاويل بالفعلة الحاسمة، وأريتمونا مثالًا من التصميم بعد ما قامت فينا نواعيه، ونموذجًا من التحدّي بعد ما فقدت منا دواعيه، ورمزًا من التحكُّم في التحكّم خابت من قبلكم سواعيه، وعنوانًا من الوفاء لزمنكم قل راعيه وغاب واعيه. أضربتم فسخِروا وقالوا: عادة ونوبة، ثم أصررتم فتماروا وقالوا: رُعونة من ورائها معونة، ثم تحدّيتم فصدّقوا، ولئن زدتم ليقولنّ: آمنّا أنه لا إله إلا الذي خلق الزيتونة شجرة مباركة، والزيتونيين رجالًا مباركين ... أضربتم فتلفَّت الزمان المشيح بوجهه، المليحُ بنهره ونجهه، ثم مدَّ الإضراب مدّه، وبلغ أشدّه، فتساءل الناس: أفي الحقّ هذا؟ أفي الواقع هذا؟ ثم انقسموا فريقين. أضربتم فقال بعض الناس: أضربوا عن الدرس، وهو جدوى، وعن العلم، وهو غذاء، وقلنا نحن: أضربوا عن حاضر لا أمل فيه، لينشئوا مستقبلًا كله آمال، وكله خيرات. إن الأسابيعَ التي تقضونها في الإضراب، لأجْدَى عليكم من شهور ينقضين في مقدمات بلا نتائج، وفي التقلّب في موات، من عقول الأموات. تلك دروس تغذّي الذهن، ونحن من تغذيتها للعقل والروح في شك مريب، وهذه دروس تغذّى العقل فيعرف الحياة، وتغذّي الإرادة فتعمل للحياة، وتغذي الروح فتفقه سر الحياة، وتغذي العقيدة فيتبيّن كل إنسان واجبَه، وتغذي العزيمة فينبعث كل إنسان إلى تأدية

стр. 1288

واجبه، وتغذّي النفس فتطهرُ من أدران الخوَر والفسولة والتخنث والتردد، وإن هذه لجماع الأمراض التي أودت بأمّتكم. أعندنا علم؟ فأين الحياة؟ إن العلم الذي لا يحيي، جهل مسمّى بغير اسمه! أعندنا علماء؟ فأين قيادتُهم للأمة، وأين آثارهم في توجيه الأمة وتوحيد الأمة؟ إن العالِم إذا لم يقدْ انقاد، فإن انقاد جاءت الفتنة والفساد. معذرة إليكم- يا أبناءنا- إذا لم نعمل لكم شيئًا فقمتم تعملون لأنفسكم. لعلّكم سمعتم وحفظتم هذه الجملة: الناس بزمانهم أشبهُ منهم بآبائهم، ولعلكم سمعتم في معناها تأويلين أو تأويلات؛ لكنها لا تقبل التأويل، لأنها من آيات الله في الأنفس والآفاق؛ فأين موضعُ الشبه منكم بزمانكم؟ زمانكم طائر، وأنتم واقعون، وزمانكم مصمّم، وأنتم متردِّدون، وزمانكم سائر، وأنتم جامدون، وزمانكم ضاحك مستبشر، وحظُّكم منه العبوس والحزن، ويمينًا، لو أن هذا الزمان تمثّل بشرًا سويًّا وانتسبنا إليه لعرَضنا وعرضكم على القافة ... تريدون أن تبرّوا أباكم الزمان، وأن تصدُقوا في انتسابكم إليه، فلكم العذر ولكم الحق. كأن عيني تراكم في معهدكم تطوُون الليالي كأنما تطوُون من التاريخ صحائف، وتعافون الطعام، وكأنما تصدفون عن المعاني البطنية التي أذلَّت أعناق الكثير من أمّتكم فكانت المقادة إلى إذلالهم وإذلال الوطن بهم، وتصومون وكأنما صومُكم عن الشهوات الغالبة التي ينقُدُها الغرب أثمانًا لضمائر الشرقيين وفضائلهم، إن صومَكم- وإن كان غير مشروع- لأزكى من صوم كثير من عبَّاد الشهوات: أيْ أبناءنا، لولا هذه المعاني التي رفعتم بها من قيمة عملكم، لكان إضرابكم ضربًا من غضب الصبيان، يفثأ (٢) باللعبة الحقيرة، ويكسر بالبسمة المصطنعة؛ إن هذا النوع التافه من الإضرابات لا يخيف خصمًا، ولا ينيل رغيبة، وقد ألفه الناس حتى ما يبالوا به بالة. أما والله لو نال شبابَ الأمم الحية عشرُ ما نالكم من بخس وهضيمة لأقاموا الدنيا وأقعدوها، ولقام معشر خشن، فكيف يستكثر منكم إضراب أسابيع؟ إن دينكم وتاريخكم ووطنكم ورفاتَ أجدادكم، كل أولئك في حاجة إلى هذا النوع السامي من مقاومة الجمود، ونفض غبار الركود ... أيها الأبناء الأعزّة: أفي هذا الشمال قعدة عن نصركم؟ إن كانوا، فلا كانوا، ولا كان من يلوذ بالاعتزال عن هذا النزال.

стр. 1289

أيها الأبناء الأعزّة: ما زلنا نتتبَّع أخباركم باهتمام، ونعوّذكم بالله وبالمعوّذات من كلامه أن تكون من ورائكم يدٌ تحرّككم للمساعي الضائعة، أو تكيد لكم من حيث لا تشعرون، فقد عوّدنا هذا الزمان الفاسد عادات مرذولة في استغلال الشباب وتصريفهم في غير الطرق التي خلقوا لها. أيها الأبناء الأعزّة: لستم منا بموضع الهوان حتى ننساكم، وليس شأنكم عندنا بالهيّن حتى لا نفكّر فيه، وليس مستقبلكم في نظرنا بالرخيص حتى لا نغالي فيه، إنما أنتم عندنا أحجار بناء المستقبل المجيد، فحقٌّ علينا أن نتخيّر وأن نستجيد، وإنما أنتم ذخائر الغد، فواجب أن نحافظ وأن نضنّ، إنما أنتم كفّارة ما اجترحنا من سيئات، ولا يقبل الله إلا الطيِّب، إنما أعماركم صحائف في تاريخ هذه الأمة، فجديرٌ بنا وبكم أن نعمرها بالباقيات الصالحات، وأن لا نبدّد دقائقها في التوافه والصغائر. إنما عقولكم أسلحة للحرب الفاصلة بين الخير والشر، فواجبٌ أن نشحذَ وأن نسُنّ، إن عصركم بطل، فمن البرّ به أن تكونوا أبطالًا؛ وإن جيلكم سماويّ التشوّف، فلا تخلدوا إلى الأرض؛ وإن حاضركم جديد، فلا تكونوا منه في موضع الرقعة البالية، وإن الحياة حسناءُ، مهرُها الأعمال العامرة، فلا تسوقوا لها الأقوال الجوفاء، وإن دينكم ينهاكم أن تأخذوا الأمور بالضعف والهوينا، فخذوها بالقوة والغلاب؛ وإن أربع خلال ارتضاها الله لعباده وأمرهم بها: الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى، ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، و ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 1290

إبليس ينهى عن المنكر ! ... * من خصائص المدرسة الاستعمارية الفرنسية في تخريج تلامذتها أنها لا تجري على منهاج المدارس العلمية في الاعتداد بالسنوات والدرجات، ثم الاعتماد على الشهادات والإجازات، إنما تجري على المنهاج الطُرقي الحديث في تربية المريدين، وهو منهاج عجيب، مبنيٌّ على اختصار الوقت واختزال الطريق واستعجال النفع من المُريد لا للمُريد، من أوجُه الشبه بين المدرستين الاستعمارية والطرقية الحديثة اللتين اصطحبتا في النشأة، وتقارضتا النصر والمعونة، أنّ العلم ليس شرطًا في واحدة منهما، بل ربّما كان الجهل شرطًا في صحة الانتساب إليهما، وفي كمال الاكتساب منهما؛ وما معنى الخصوصية إذا لم يكن هذا؟ ... وإنما مبنى الأمر فيهما على المواهب والحظوظ (وعلى اللحظات) من أساتذة الأولى ومشائخ الثانية؛ فلحظة من الأستاذ ترفع التلميذ درجات، ولحظة من الشيخ تدفع المريد إلى النهايات، هذا كله باعتبار الأصل العام، ثم تأتي الشروط الإيجابية والسلبية في كل فرد؛ وأهمّها في الإيجاب الاستعداد للشرّ في التلميذ، وأهمّها في السلب التجرّدُ من الدين والفضيلة، وتأتي بعد الأهمّ مهماتٌ في الطرفين، كالسمع والطاعة والإخلاص، وكالتسليم في المشخِّصات الإنسانية، وموت الضمير الآدمي، وإخماد الشعل الفكرية وقطع العلائق الفطرية مع القوم والجنس والوطن. هذه المدرسة الاستعمارية تهيئ تلامذتها أو مريديها للشر، وتروّضهم عليه في حال تطول قليلًا، أو تقصُر جدًّا، على نسبة استعداد التلميذ، وإنما تروّض نفوسهم على الشر بالجملة، فإذا جاء دور التفصيل لم يعجزها أن تُلبس الفاتك منهم لباسَ الناسك، وتقلِّد الراعي وظيفة الداعي، وتسِمَ الخلي بسِمَة الوليّ؛ وتحرّك لسان الماكر بورد الذاكر، وتؤزّر أولاد الحرام بإزار الإحرام، وتخلع على الصعلوك ألقابَ الملوك.

стр. 1291

من تلامذة هذه المدرسة الاستعمارية النجباء المقدمين، تلميذ بالمغرب الأقصى، قفز قناطر الامتحان بخطوة، وغبّر في وجوه أساتذته بلهوة، وقطع أسئلتهم المتنوّعة الكثيرة بهذه الجمل القصيرة، وهي: "أنا روح الاستعمار وسرّه وحقيقته المشخِّصة، وإنه لو لم يكن في الدنيا استعمار لكنتُ وحدي استعمارًا قائمًا بذاته، ولو انقطع الاستعمار- لا قدّر الله- فسأكون أنا وحدي حافظ أنسابه، ووارث أسلابه، وقيّم أبوابه، والمتعبِّد بتلاوة كتابه، وأنا وحدي المثال المحقِّق لقاعدته، وأنا وحدي الدليل على خروج الاستعمار من صورته الذهنية إلى حقيقتة الخارجية، وإنني كنت أرجو أن أكونه لو لم يكن، فلما أخطأني من ذلك ما أخطأ ابن أبي الصلت من النبوّة، لم أكن كابن أبي الصلت، بل كنت أول المؤمنين به، الذابِّين عن حياضه، المغرّدين كالذبابة في رياضه، الناشرين لدينه، العاملين على امتداد سلطانه، وإنني عاهدت نفسي على أن أكونَ للاستعمار ما كان أبو مسلم الخراساني للمنصور، أو ما كان طاهر بن الحسين للأمين، وساءا مثلًا ... أين يقعان منِّي؟ وأين يقع المنصور والأمين من المستعمرين الميامين؟ ... فاجعلوني سيِّدًا أكنْ لكم عبدًا؛ وأعينوني بقوة أجعل لكم بين البربر وبين العرب رَدْمًا، ثم لآتينّكم منهم بطوابير تملأ البوابير" (١). هذه ترجمةُ جوابه في الامتحان الكتابي ... ويَلمّه (٢) محظأ نار، وشيطان استعمار ... إن تلميذًا يسابق أسئلةَ الأساتذة بهذا الجواب، لَحقيق أن يفعلَ ما فعله الحاج التهامي الجلاوي، أو لَحقيق أن يكون هو- نفسُه عينُه- الحاج التهامي الجلاوي ... وهبْه هو هو أو هو إياه، فما هو على الحقيقة بالتهامي كما سمّاه أبواه، ولا بالجلاوي كما عزاه من عزاه، ولا بالشريف المزواري كما يصفه المادحون الكذبة وإنما هو شر مهيأ للمغرب الإسلامي منذ كان هو، ومنذ كان للاستعمار فيه وجود، وهو سلاح من الباطل مجرّد في وجه الحق كلّما نأمتْ نأمتُه، وجلت عن السكوت ظُلامته، وما أمرُ هذه الأسلحة الاستعماريَّة بسِرّ، فقد فضحناها بأقوالنا، ثم فضحت نفسها بأعمالها، ثم فضحها الاستعمار بسوء استعمالها، فلم يبقَ إلا التفكير الجدّي والعمل الحازم لفلِّها وإبطال فعلها، وإنّ من المؤسف أن الخلاص منها لا يكون إلا مع الخلاص من أصلها الذي تفرّعت عنه، ومن مادتها التي تمدّها بالنماء والبقاء، وإن ذلك لما يعمل له العاملون الصادقون المخلصون. ولا بعدَ من خير وفي الله مطمع، ولا يأس من روح وفي القلب إيمان. ...

стр. 1292

قبل أسابيع معدودة قام هذا الرجل التهامي الذي ليس من تهامة، ولا كرامة، بأخبث ما تقوم به أحط صنيعة استعمارية في أرض الله؛ وتسامى إلى مقام ينحطُّ عنه أمثاله من الآلات البشرية الرخيصة؛ وتطاول إلى أفُق من يتطاول إليه يجد له شهابًا رصدًا، وإننا لا ندري من أي حاليْه نعجب: أمن تطاوله ذاك، وأين السّمك من السمّاك؟ أم من مجيئه في مقام واحد بنقيضتين، تَلعَنُ إحداهما الأخرى؟ فقد أظهر نفسه في الأولى فاتكًا جريئًا، وفي الثانية ناسكًا بريئًا، فشهدت الثنتان بأنه آفِك مبطل في الثنتين. أراد في الأولى أن يظلم الناس ولا يتظلَّموا، وأن تبسط يداه فيهم بالضر والشر ولا يتكلَّموا، وأن تكون آيةُ الحق منسوخةً لأجله، وتاج الأمة المغربية الماجدة موطئًا لرجله ... ويلُمّه مرةً أخرى! لقد جاء بها شنعاء صلعاء؛ ثمّ ماذا؟ وأن يكون لأولئك المستضعفين الذين أشقاهم القدر به وبحكمه وغشِّه وظلمه، كجهنم لمن حلّ فيها ... يستغيثون فلا يغاثون. وأراد في الثانية أن يكون محاميًا للدين وظهيرًا ووليًّا ونصيرًا وكافلًا ومُجيرًا، وممن يريد أن يمنع المتظلمين؟ من مرجعهم الأسمى، وحماهم الأحمى، سلطانهم الشرعي "محمد بن يوسف". وممن يريد أن يجير الدين؟ من مجيره ... بل من جاره المنيع الجناب، بل من ملجئه وعصمته، السلطان "محمد ابن يوسف". ويلُمه مرة ثالثة! أمِن الدين الذي يدافع عنه أن يظلم الناس، ثم يحول بين فرائس ظلمه وضحايا عدوانه، وبين رفع ظلاماتهم إلى سلطانهم وسلطانه؟ أمن الدِّين الذي يدافع عنه ما سارت به الركبان من أعماله المنكرة وموبقاته المشتهرة؟ أمِنَ الدين، أن يكون عدوًّا لأنصار الدين، وظهيرًا لأعداء الدين؟ وما لنا نتشدّد مع الرجل كل هذا التشدّد، وما لنا لا نُعذر إليه، فنسأل أيّ دين يعني؟ فإن كان يعني دين محمد بن عبد الله، قلنا له ما قاله عمر لعقبة ابن أبي معيط: حنَّ قَدَح ليس منها، وقلنا له: ليس الإسلام بعشِّك فادْرج، وليست دارُه بدارك فاخرجْ، وقلنا له: واضيعة الإسلام إن كنت أنت ناصره! وقلنا له: ما لك وللإسلام بعد أن تجرّدت من فضائله، وتعرّيت من آدابه، وقفزت حدوده. كأنها- عندك- درجات الامتحان ...

стр. 1293

وإن كان يعني نحلة الشاب الظريف (٣)، أو دين صالح بن طريف (٤)، قلنا: ما أشبه الباطل بالباطل، وما أحقّ العاطل بنصرة العاطل! ... لم يفُتْ هذا المخلوق العجيب إلا أن يغلط يومًا فيدخل أحد مساجد مراكش الجامعة (ولو جامع الفناء ... مثلًا) فيصعد المنبر في يوم جمعة، وبخطب الناس، فيتباكى كما يتباكى بعض الناس عندنا، ويتشاجَى كما يتشاجون، ولا غرابة ... فهما رضيعا لبان، وسليلا أمومة، وخرِّيجا مدرسة، وبذلك- فقط- يصبح الحاج التهامي من "رجال الدين" ...

стр. 1294

إبليس يأمر بالمعروف ! ... * ليس في أبواب السُّخرية بالإسلام، أسمجُ من هذه الفصول السخيفة التي تقوم بتمثيلها السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا، وإن لها في الجوانب الدنيوية لمنادح، فما بالها تحنُّ إلى التحرّش بالدين، هذا النوع البارد من الحنين؟ لم تتورّع أمس عن نصب موظّف مسيحي رئيسًا لجمعية دينية إسلامية بالجزائر وقسنطينة؛ ولم تتوزع اليوم عن نصب التهامي الجلاوي محاميًا عن الدين، ومشفقًا عليه، ومنتصرًا له؛ وإنّ بين الحادثتين لمسافةً مملوءة بالأحداث والتجارب التي تحمل المذنب على التوبة والإقلاع، ولكن القائمين على هذه السياسة لا يتوبون ولا هم يذَّكرون، وإن بين القطرين دينًا جامعًا، وأرحامًا متشابكة، فما جُرِّبَ هنا وخاب، محكوم عليه بالخيبة هناك، ولا يُغني عنه أن يتقدّم هنا بقبَّعة، وهناك بعمامة. ... إن ظروف الحادثة، والجوّ العالمي المتحكّم في أعصاب السياسيين، والأحداث التي سبقتها في المحيط المغربي الخاص، كل أولئك تدلّ على أنها كانت مدبَّرة لأوانها، وأنها رواية من فصل واحد، اختير لتمثيلها رجل واحد؛ ولم يُسدَل الستار، ليبقى المجال واسعًا للنكرات المسرحية التي تظهر في الملعب بعد ذلك، فالوقت محدَّد، والأسباب محضَّرة، والمناسبة منتظرة، والممثِّل تام الحفظ والتلقين. وكل هذا ليس مما يعنينا شأنُه؛ لأنه شيء مألوف ليس بجديد في السياسة الاستعمارية، ولا غريب عنها؛ ولكن الذي أزعجنا وأثار اهتمامنا لجدّته وغرابته، هو عرض الدين في

стр. 1295

الرواية، وهضيمته، والانتصار له ... فهذه القطعة من الرواية هي التي لمسَتْ مواقع الإحساس منا، فقلنا: أصحيح أن الإسلام بالمغرب في خطر؟ أصحيح أن هذا الرجل هو الذي يقوم بنصره، وقد كنا نعلم- ونحن أطبّاء هذا المرض- أن الإسلام في جميع مواطنه تحيط به أخطار لا خطر واحد، وأنّ بعض أخطاره هذا الرجل وأمثاله ... وأن أكبر الأخطار وأعظمها ما التجأ إليه هذا الرجل من أنواع الحماية؛ فهل جدَّ في الاكتشافات الطبيّة أن يكون السرطان دواءً للسل؟ وهل جدّ في القوانين الاجتماعية أن يكون "حاميها حراميها"، كما يقول المثل الشرقي؟ ... طارت أخبار الحادثة، وردَّدتها الصحف والمذاييع، وقعقعت بها البُرد في الشرق والغرب، وقال كل قائل فيها رأيه: صوابًا أملاه الإنصاف ومحَّصه التحقيق، أو خطأ أملاه الغرض وزوّره التلفيق، وهوّنها بعض الناس غفلةً عما وراءها، وهوّلها بعضهم حذَرًا مما وراءها، أو استغلالًا لما وراءها، وسكتنا نحن حتى هدَرت الشقائق وقرَّت، لا استخفافًا بالحادثة، فلعلّنا من أكبر المتشائمين بعواقبها، المقدّرين لخطرها، المدركين لمراميها، ولكننا سكتنا ننتظر كلمة علماء الدين، فإن نطقوا كانت كلمتهم فصلاً في القضية، وإن سكتوا كان سكوتهم حجّةً على الدين، وحجةً ناهضة للمعتدين. كنا ننتظر كلمتهم في هذه القضية التي نعدّها غمزًا لإبائهم، وامتحانًا لكرامتهم، وطعنًا في كفاءاتهم لحمل أمانة الدفاع عن الدين، لأنهم مسؤولون أمام التاريخ، أين كنتم إذا كان ما يدّعيه الحاج التهامي حقًّا؛ وأين أنتم إذا كان ما يدَّعيه باطلًا؟ وهم محجوجون في الحالتين. ولنا مع هذه الطائفة حساب، ولنا عليها عتاب، فهم- بحكم الله- حرَّاس هذا الدين، والمؤتمنون على حرماته، وقد أوتوا سلطانًا إلهيًّا مبينًا ففرّطوا فيه، واستحقّوا إرثًا نبويًّا ثمينًا فأضاعوه، حتى خرج الأمر من أيديهم، وتعاوَرتْه أيدٍ سفيهة لا تحسن تصريفًا ولا قيادة، فوقعت الأمة فريسةً للمبتدعين في الدين، والمتسلطين في الدنيا، والمتبعين لأهوائهم في الدين والدنيا؛ وإذا نام الحارس، استيقظ اللص، طبيعة لا تتحوّل، وصبغة لا تحول، وهذا هو حال علماء الإسلام في الشرق والغرب، لم يقوموا بحق الله في عباده، فأصبحوا أضحوكةً بين عباده، وكساهم الله ثوب عزٍّ فنضَوْه فأذلّهم، ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾. ولو أنهم قاموا بواجباتهم في حماية الدين، وحافظوا على سلطانهم الديني الروحي لسدّوا المنافذ على عبَّاد المادّة، وقطعوا الطريق على المتطاولين بغير حق، ولو فعلوا لكانوا - أبدًا- مُرْصَدين لهذه البوادر الخبيثة التي تبدُر في كل حين من أصحاب الجاه الدنيوي،

стр. 1296

وأصحاب الغرض السياسي؛ والفريقان في جميع أطوار التاريخ يتجاذبان في حالي تصافيهما وتجافيهما هذه الخلّة، وهي اتخاذ الدين سُلمًّا لأغراضهما الدنيوية والسياسية، ولو بما يهدِم الدين؛ وقد تلبَس دعوى حماية الدين لبوس صدق زائفًا، إذا صدرت من منتسب إليه، ولكنَّ الشناعة التي لا توارى، والفِرْية التي لا يصدقها غبيّ ولا ذكي، هي صدورها من أجنبيّ عنه، مجاهرٍ بعداوته، كدعوى المسيحيّ حماية الإسلام، أو دعوى المسلم حماية الأنصاب والأزلام. علماء الدين- إذا أصلحهم الله- هم حماة الدين حقًّا، وهم المؤتمنون عليه، وهم - إذا عافاهم الله من الجبن والطمع- حفَظته وأنصاره وأسماعه وأبصاره، وهم- إذا سدّدهم الله- نبالُه وقِسيُّه، وحِباله وعصيُّه، وكلهم- إذا جمع الله كلمتهم- غِفاره ودَوْسه، وخزرجه وأوسه؛ ولو أن علماءَنا- من خمسة قرون- حافظوا على تلك الصولة التي كانت لسلفهم على أهل الدنيا والسياسة، لسرَتْ إلينا منهم نفحات ينعشُنا عبيرها، ولمحات يهدينا شعاعها، وإذن لا يكون لهؤلاء الأدعياء في الدين هذه الجرأة على الدين. أما والله لو أنّ الحاج التهامي كان يشعر بأن علماء الدين محتفظون بقوّتهم وسلطتهم لما حدّثته نفسه باقتراف ما اقترف، ولو لقَّنه ألف ملقِّن، ولكنه شعر بخُلوّ الغاب من أشباله، وفراغ الميدان من أبطاله، فتجرَّأ ثمّ اقتحم ... ولسنا في هذا الموقف فضوليين، فلو أن الحاجّ التهامي دافع عن منصبه المخزني، وعن نفوذه الإداري، واستعان على ذلك بمن شاء، وركب في ذلك من الوسائل ما يركبه أمثاله من أمراء الإقطاع، وأحلاف السيوف والأنطاع، لما لَفت أنظارَنا إليه، ولما خالف الصورة التي نحملها له في أذهاننا؛ ولكنه فاجأنا بدعوة لم يسبقها إرهاص، وأذّن فينا للصلاة بِلُغة الزنوج، فادّعى أن ثورته إنما هي لحُرُمات الدين المنتهكة، ثم غلا فطلب من فرنسا حماية الإسلام، كما نقلتْ عنه بعض الجرائد الفرنسية فأزعجنا من ذلك ما يزعج كلّ عالم مسلم يغار على الإسلام أن تُنتهك حُرماته، ويعُدُّ أكبر انتهاك لها أن ينتصب لحمايتها إمامُ المنتهكين لها، وأن يستعينَ في ذلك بأكبر العاملين على انتهاكها. إن وطن الإسلام حيث تُقام شعائرُه، وتتناوَح عشائره، فلنا في كل قطعة منه شرك، ولنا في كل قبيل من أهله نسبة، وعلينا في كل موقف من مواقف النضال عنه حق، فليهنأ الحاج التهامي، فوالله ما كنّا نتوقّع له أن تكون عاقبة علوّه جفاء لسلطانه، وتنكُّرًا لإخوانه، واحتقارًا لدينه، وسعيًا في نكث الحبل، وتشتيت الشمل، واستعاذةً من الفخ بالخاتل، واستعانة على الحياة بالقاتل ... ***

стр. 1297

ونضّر الله وجوه إخواننا علماء الدين بالمغرب الأقصى، فقد بلغنا أنهم قالوا كلمتهم في القضية، فأدُّوا الأمانة، وأقرُّوا الحق، وخرجوا من العهدة، وقاموا بواجب يحسُن به الذكر، وتُدفع به التهمةُ عنّا جميعًا، ومحَوا هُجنةَ السكوت في المقامات الحرِجة التي ألِف علماؤنا أن يلوذوا فيها بالصمت، فلا ينصرون حقًّا، ولا يخذلون باطلًا، ولا يبوءون فيها بمحمدة من المحقّ ولا من المبطل، وبلغنا أنهم كانوا في هذا الموقف على إجماع تخِرّ له أصنامُ الباطل، وبلغتْنا قِطَع من عرائضهم المرفوعة إلى السلطان، فإذا هي فرائض مكتوبة أدّيت، لا عرائض مكتوبة ألحمت وسُدّيت ...

стр. 1298

أرحام تتعاطف * طالما نعينا على المسلمين خصوصًا، وعلى الشرقيين عمومًا، هذا التقاطع الذي شتّت شملهم، وفرّق جامعتهم، وصيّرهم لقمة سائغة للمستعمرين، وطالما شرحْنا للمسلمين أسرار التواصل والتراحم والتقارب الكامنة في دينهم، وأقمنا لهم الأدلة، وضربنا لهم الأمثال، وسُقنا المَثلات، وجلونا العبر، وكانت نُذر الشر تتوالى، فيتمارَوْن بها، وصيحات الضحايا منهم تتعالى، فيصِمُّون عنها، والزمن سائر، والفلك دائر، وهم في غفلة ساهون. دعوناهم إلى الجامعة الواسعة التي لا تضيق بنزيل، وهي جامعة الإسلام، إلى الروحانية الخالصة التي لا تشاب بدخيل، وهي روحانية الشرق، وحذّرناهم من هذه الأفاحيص الضيقة، والوطنيات المحدودة، التي هي منبع شقائهم ومبعث بلائهم، وبيَّنا لهم أنها دسيسة استعمارية، زيّنها لهم سماسرة الغرب، وعلماؤه وأدلّاؤه، وغايتهم منها التفريق، ثم التمزيق، ثم القضم، ثم الهضم، وأنّ الاستعمار- بهذه الدسيسة وأشباهها- يُفسد فطرة الله فيهم، وينقُض دين الله عندهم، ففطرة الله تُلهِم نصر الأخ لأخيه، وحماية الجار لجاره، ودينُ الله يوجب حقوق الأخوة، ويدعو إلى إيثار الجار والإحسان إليه، وهو بهذا يُعمِّم التناصر، ويقيم في الأرض شرعة التعاون، فما من جار إلا له جار، والناس كلهم متجاورون، جوار الدار للدار، فجوار القرية للقرية، فجوار المدينة للمدينة، فجوار الوطن للوطن، فإذا أخذوا بهذه الشرعة وأقاموا حدودَها عمّ التناصر والتعاون، وسدّت المنافذ على المغيرين، وعلى المفسدين في الأرض، ولكنّ الاستعمار- بهذه الدسيسة- بدّل شرعة الله بشرعة الشيطان، فهو يقول لك: أقصِر اهتمامك على دارك، ولا تلتفتْ إلى دار جارك، ويوسوس للجار بمثل ذلك، حتى إذا أطاعاه خرّب الداريْن، واستعبد الجارين.

стр. 1299

وما زال الاستعمار يروّض المسلمين والشرقيين على قبول هذه الدسيسة، ثم على استحسانها، ثم على الأخذ بها، حتى تقطَّعوا في الأرض أممًا ليس منهم الصالحون ... ثم تقطَّعت الأمم جماعات، وكلّما آنس منهم مخيلة انتباه غرّهم بما يغرّ به الشيطان، بشجرة الخلد وملك لا يبلى، وجرّهم بما ينجرّ به الصبيان: ألفاظ فارغة وأسماء وألقاب، وعروش من أعواد، في مسيل واد، حتى ابتلع ممالكهم، واسترقَّ ملوكهم، واحتجن أموالهم، وتركهم مثلًا في الآخرين، واعتبرْ ذلك بهذا الاستعمار الجاثم في شمال أفريقيا، وعدْ بذاكرتك إلى مبدإ أمره، وكيف أكل العنقود حبّة حبّة، متمهّلًا مطاولًا، يرقب الخُلسَ، ويدَّرع الغَلس؟ وكيف أطعمتْه غفلتنا الكراع، فأطمعته في الذراع، حتى استوعب الجسد كلّه أكلًا. وكيف كان يعتدي على الجزء، فيقابله الكل بالهزء. اعتبر ذلك ترَ أننا ما أخِذنا بغتة، ولا سُلبنا هذا الملك الضخم فلتة، وإنما هي آثار تلك الدسيسة فينا، استبدلنا التناحر بالتناصر، والتعاوي بالتعاون، ثم نزلنا دركة، فأصبحنا وإن الأخ ليقتل أخاه في سبيل قاتلهما معًا، ولو اتّعظ الأخير منا بالأول لما مدّ الاستعمار هذا المدّ، ولما بلغ فينا إلى هذا الحدّ. ... وحلّت المحنة بالمغرب الأقصى، وجاءت فرنسا بالخاطئة، فأهانت ملكًا، وهدّدت عرشًا، وأذلّت شعبًا، وروّعت سربًا، وانتهكتْ حُرمات، واعتقلت أحرارًا، وكبتت أصواتًا، وحطت أعلياء من مراتبهم، ونصبَتْ أدنياء في غير مناصبهم، واستعانت على العقلاء بالسفهاء، وسلّطت الأخ على أخيه، والرّعيّة الآمنة على ملكها الأمين، وأشعلت النار بنا، لتُطفئها بنا ... فلا يكون ضرامها في الإشعال والإطفاء إلا أجسامنا ودماؤنا ... وجنت - بذلك كله- ثمار ما زرعته من تفريق، ورأينا- رؤية العين- ما كنّا نحذره على المسلمين، ونُحذّر منه المسلمين ... رأينا المثال المجسّم من انتصار الاستعمار بالمسلم على أخيه المسلم، وترويع المسلم بأخيه المسلم، وخوف المسلم من أخيه المسلم، كلّ ذلك والدين واحد، والوطن واحد، والمصلحة واحدة، والخصم المتربّص واحد، ولولا حكمة من العقلاء، وأناةٌ من الحلماء، لأريقت دماء المسلمين بمُدَى إخوانهم، في سبيل تمكين الاستعمار من رقاب جميعهم، ولعمري إنها لأقصى غاية من الفساد بلغناها، وأقصى أمنيّة للاستعمار نالها بنا فينا. من كان يظنّ أو يتوقّع أن يجلب الاستعمار على عرش من عروش الإسلام العريقة، لا بخيله ورجله، بل بخيل المسلمين الذين رفعوا دعائمه ورجلهم؛ من كان يظن أو يتوقَّع أن الاستعمار يبلغ منا هذا المبلغ، فيدوسنا بأرجلنا، ويريق دماءَنا بأيدينا، وينتصر علينا بنا،

стр. 1300

ويصيِّر من بعضنا لبعضنا "بعابع" تخويف، ووحوش إرهاب، ويبلغ في ترويضنا إلى حد أن نصبِح أذلةً عليه، أعزةً على قادتنا ورجالنا؟ من كان لا يظن ذلك ولا يتوقعه، فها هو ذا محقَّق غير مظنون، وواقع غير متوقع، ولئن وقع متفرقًا في غير المغرب، فقد وقع كله مجتمعًا في المغرب. وكأنّ الأزْمة اشتدّت لتنفرج ... وكأنْ القنديل آذن بالانطفاء فتلك إيماضتُه الأخيرة، وكأنّ يد الله التي ارتفعت عنّا بما كسبت أيدينا قد لامستنا هذه المرة ... فلم نرَ محنةً من المحن التي جرّها الاستعمار على الإسلام وعلى الشرق، كانت أجمع للقلوب، وأدعى إلى التناصر من هذه المحنة، فقد كانت عاملًا إلهيًّا فتح العيون العُمي، والآذان الصمّ، والقلوب الغُلف، وأيقظ الشواعر النائمة، ونبّه القوى الخامدة، فتعاطفت الأرحام المتقاطعة، وتعارفت الأرواح المتناكرة، فكانت تلك الموجة الجارفة من السخط والغضب والامتعاض، ظهرت في صحف الشرق، ثم سرت إلى حكوماته وهيئاته، ثم انتقلت عدواها إلى الشعوب، فكوّنت إجماعًا رهيبًا على انتصار المشرق للمغرب، لم يسبق له مثيل، وكانت غضبةً إسلامية ارتاع لها الاستعمار، وقدّر عواقبها، فلاذ بالحيلة والكيد والتهديد على عادته، وواهًا لها غضبةً لو اعترتنا مرةً أو مرتين قبل اليوم، لما عاش الاستعمار بيننا إلى اليوم! إننا- على ضعفنا- ما زلنا نملك أسلحة لو أحسنَّا استعمالها مجتمعين، لأرهبنا صهيون ونيرون معًا، ولكنّ طالع الاستعمار ما زال بغفلتنا وتخاذلنا متنقلًا بين "سعد السعود" وبين "سَعْدِ بُلَع"، ولو عاملناه بغير هذه المعاملة لكان منزلُه "الدَّيران". ولو أن المسلمين والشرقيين عمومًا لقُوا خصومهم في كل معترك سياسي بمثل هذا الإجماع في الرأي، والتواطؤ على الغضب، لهَتَموا أنيابهم الحداد، وقلَّموا أظافرهم الجاسية، ولكنهم لانوا لخصمهم أولًا، فقسا عليهم أخيرًا، وعوّدوه أن لا يلقوه جميعًا، فعوّدهم أن يلتهمهم جميعًا. ونكون عقلاء واقعيين إذا قدّرنا أن هذه الضجة التي أثرناها ستنتهي بلا فائدة، ولا تنال من ظاهر الاستعمار منالًا؛ لما نعرفه من أساليبه في إسكات مثلها بالحيلة والكيد؛ ولما نعرفه من أنفسنا من عيوب الانخداع والاغترار وسرعة التراجع، وعدم الاستمساك، ولكننا نكون عقلاء واقعيين أيضًا إذا قدرنا هذه الضجة قدرها، وأعظمنا آثارها النفسية في الشعوب الإسلامية والشرقية، وأقمناها دليلًا على شمول اليقظة لها، وحياة الشعور فيها، وانتزعنا منها فألًا، ما ينتزعه الاستعمار منها طيرة. ***
следующие страницы →