وأصحاب الغرض السياسي؛ والفريقان في جميع أطوار التاريخ يتجاذبان في حالي تصافيهما وتجافيهما هذه الخلّة، وهي اتخاذ الدين سُلمًّا لأغراضهما الدنيوية والسياسية، ولو بما يهدِم الدين؛ وقد تلبَس دعوى حماية الدين لبوس صدق زائفًا، إذا صدرت من منتسب إليه، ولكنَّ الشناعة التي لا توارى، والفِرْية التي لا يصدقها غبيّ ولا ذكي، هي صدورها من أجنبيّ عنه، مجاهرٍ بعداوته، كدعوى المسيحيّ حماية الإسلام، أو دعوى المسلم حماية الأنصاب والأزلام.
علماء الدين- إذا أصلحهم الله- هم حماة الدين حقًّا، وهم المؤتمنون عليه، وهم - إذا عافاهم الله من الجبن والطمع- حفَظته وأنصاره وأسماعه وأبصاره، وهم- إذا سدّدهم الله- نبالُه وقِسيُّه، وحِباله وعصيُّه، وكلهم- إذا جمع الله كلمتهم- غِفاره ودَوْسه، وخزرجه وأوسه؛ ولو أن علماءَنا- من خمسة قرون- حافظوا على تلك الصولة التي كانت لسلفهم على أهل الدنيا والسياسة، لسرَتْ إلينا منهم نفحات ينعشُنا عبيرها، ولمحات يهدينا شعاعها، وإذن لا يكون لهؤلاء الأدعياء في الدين هذه الجرأة على الدين.
أما والله لو أنّ الحاج التهامي كان يشعر بأن علماء الدين محتفظون بقوّتهم وسلطتهم لما حدّثته نفسه باقتراف ما اقترف، ولو لقَّنه ألف ملقِّن، ولكنه شعر بخُلوّ الغاب من أشباله، وفراغ الميدان من أبطاله، فتجرَّأ ثمّ اقتحم ...
ولسنا في هذا الموقف فضوليين، فلو أن الحاجّ التهامي دافع عن منصبه المخزني، وعن نفوذه الإداري، واستعان على ذلك بمن شاء، وركب في ذلك من الوسائل ما يركبه أمثاله من أمراء الإقطاع، وأحلاف السيوف والأنطاع، لما لَفت أنظارَنا إليه، ولما خالف الصورة التي نحملها له في أذهاننا؛ ولكنه فاجأنا بدعوة لم يسبقها إرهاص، وأذّن فينا للصلاة بِلُغة الزنوج، فادّعى أن ثورته إنما هي لحُرُمات الدين المنتهكة، ثم غلا فطلب من فرنسا حماية الإسلام، كما نقلتْ عنه بعض الجرائد الفرنسية فأزعجنا من ذلك ما يزعج كلّ عالم مسلم يغار على الإسلام أن تُنتهك حُرماته، ويعُدُّ أكبر انتهاك لها أن ينتصب لحمايتها إمامُ المنتهكين لها، وأن يستعينَ في ذلك بأكبر العاملين على انتهاكها.
إن وطن الإسلام حيث تُقام شعائرُه، وتتناوَح عشائره، فلنا في كل قطعة منه شرك، ولنا في كل قبيل من أهله نسبة، وعلينا في كل موقف من مواقف النضال عنه حق، فليهنأ الحاج التهامي، فوالله ما كنّا نتوقّع له أن تكون عاقبة علوّه جفاء لسلطانه، وتنكُّرًا لإخوانه، واحتقارًا لدينه، وسعيًا في نكث الحبل، وتشتيت الشمل، واستعاذةً من الفخ بالخاتل، واستعانة على الحياة بالقاتل ...
***
стр. 1297
ونضّر الله وجوه إخواننا علماء الدين بالمغرب الأقصى، فقد بلغنا أنهم قالوا كلمتهم في القضية، فأدُّوا الأمانة، وأقرُّوا الحق، وخرجوا من العهدة، وقاموا بواجب يحسُن به الذكر، وتُدفع به التهمةُ عنّا جميعًا، ومحَوا هُجنةَ السكوت في المقامات الحرِجة التي ألِف علماؤنا أن يلوذوا فيها بالصمت، فلا ينصرون حقًّا، ولا يخذلون باطلًا، ولا يبوءون فيها بمحمدة من المحقّ ولا من المبطل، وبلغنا أنهم كانوا في هذا الموقف على إجماع تخِرّ له أصنامُ الباطل، وبلغتْنا قِطَع من عرائضهم المرفوعة إلى السلطان، فإذا هي فرائض مكتوبة أدّيت، لا عرائض مكتوبة ألحمت وسُدّيت ...
стр. 1298
أرحام تتعاطف *
طالما نعينا على المسلمين خصوصًا، وعلى الشرقيين عمومًا، هذا التقاطع الذي شتّت شملهم، وفرّق جامعتهم، وصيّرهم لقمة سائغة للمستعمرين، وطالما شرحْنا للمسلمين أسرار التواصل والتراحم والتقارب الكامنة في دينهم، وأقمنا لهم الأدلة، وضربنا لهم الأمثال، وسُقنا المَثلات، وجلونا العبر، وكانت نُذر الشر تتوالى، فيتمارَوْن بها، وصيحات الضحايا منهم تتعالى، فيصِمُّون عنها، والزمن سائر، والفلك دائر، وهم في غفلة ساهون.
دعوناهم إلى الجامعة الواسعة التي لا تضيق بنزيل، وهي جامعة الإسلام، إلى الروحانية الخالصة التي لا تشاب بدخيل، وهي روحانية الشرق، وحذّرناهم من هذه الأفاحيص الضيقة، والوطنيات المحدودة، التي هي منبع شقائهم ومبعث بلائهم، وبيَّنا لهم أنها دسيسة استعمارية، زيّنها لهم سماسرة الغرب، وعلماؤه وأدلّاؤه، وغايتهم منها التفريق، ثم التمزيق، ثم القضم، ثم الهضم، وأنّ الاستعمار- بهذه الدسيسة وأشباهها- يُفسد فطرة الله فيهم، وينقُض دين الله عندهم، ففطرة الله تُلهِم نصر الأخ لأخيه، وحماية الجار لجاره، ودينُ الله يوجب حقوق الأخوة، ويدعو إلى إيثار الجار والإحسان إليه، وهو بهذا يُعمِّم التناصر، ويقيم في الأرض شرعة التعاون، فما من جار إلا له جار، والناس كلهم متجاورون، جوار الدار للدار، فجوار القرية للقرية، فجوار المدينة للمدينة، فجوار الوطن للوطن، فإذا أخذوا بهذه الشرعة وأقاموا حدودَها عمّ التناصر والتعاون، وسدّت المنافذ على المغيرين، وعلى المفسدين في الأرض، ولكنّ الاستعمار- بهذه الدسيسة- بدّل شرعة الله بشرعة الشيطان، فهو يقول لك: أقصِر اهتمامك على دارك، ولا تلتفتْ إلى دار جارك، ويوسوس للجار بمثل ذلك، حتى إذا أطاعاه خرّب الداريْن، واستعبد الجارين.
стр. 1299
وما زال الاستعمار يروّض المسلمين والشرقيين على قبول هذه الدسيسة، ثم على استحسانها، ثم على الأخذ بها، حتى تقطَّعوا في الأرض أممًا ليس منهم الصالحون ... ثم تقطَّعت الأمم جماعات، وكلّما آنس منهم مخيلة انتباه غرّهم بما يغرّ به الشيطان، بشجرة الخلد وملك لا يبلى، وجرّهم بما ينجرّ به الصبيان: ألفاظ فارغة وأسماء وألقاب، وعروش من أعواد، في مسيل واد، حتى ابتلع ممالكهم، واسترقَّ ملوكهم، واحتجن أموالهم، وتركهم مثلًا في الآخرين، واعتبرْ ذلك بهذا الاستعمار الجاثم في شمال أفريقيا، وعدْ بذاكرتك إلى مبدإ أمره، وكيف أكل العنقود حبّة حبّة، متمهّلًا مطاولًا، يرقب الخُلسَ، ويدَّرع الغَلس؟ وكيف أطعمتْه غفلتنا الكراع، فأطمعته في الذراع، حتى استوعب الجسد كلّه أكلًا. وكيف كان يعتدي على الجزء، فيقابله الكل بالهزء. اعتبر ذلك ترَ أننا ما أخِذنا بغتة، ولا سُلبنا هذا الملك الضخم فلتة، وإنما هي آثار تلك الدسيسة فينا، استبدلنا التناحر بالتناصر، والتعاوي بالتعاون، ثم نزلنا دركة، فأصبحنا وإن الأخ ليقتل أخاه في سبيل قاتلهما معًا، ولو اتّعظ الأخير منا بالأول لما مدّ الاستعمار هذا المدّ، ولما بلغ فينا إلى هذا الحدّ.
...
وحلّت المحنة بالمغرب الأقصى، وجاءت فرنسا بالخاطئة، فأهانت ملكًا، وهدّدت عرشًا، وأذلّت شعبًا، وروّعت سربًا، وانتهكتْ حُرمات، واعتقلت أحرارًا، وكبتت أصواتًا، وحطت أعلياء من مراتبهم، ونصبَتْ أدنياء في غير مناصبهم، واستعانت على العقلاء بالسفهاء، وسلّطت الأخ على أخيه، والرّعيّة الآمنة على ملكها الأمين، وأشعلت النار بنا، لتُطفئها بنا ... فلا يكون ضرامها في الإشعال والإطفاء إلا أجسامنا ودماؤنا ... وجنت - بذلك كله- ثمار ما زرعته من تفريق، ورأينا- رؤية العين- ما كنّا نحذره على المسلمين، ونُحذّر منه المسلمين ... رأينا المثال المجسّم من انتصار الاستعمار بالمسلم على أخيه المسلم، وترويع المسلم بأخيه المسلم، وخوف المسلم من أخيه المسلم، كلّ ذلك والدين واحد، والوطن واحد، والمصلحة واحدة، والخصم المتربّص واحد، ولولا حكمة من العقلاء، وأناةٌ من الحلماء، لأريقت دماء المسلمين بمُدَى إخوانهم، في سبيل تمكين الاستعمار من رقاب جميعهم، ولعمري إنها لأقصى غاية من الفساد بلغناها، وأقصى أمنيّة للاستعمار نالها بنا فينا.
من كان يظنّ أو يتوقّع أن يجلب الاستعمار على عرش من عروش الإسلام العريقة، لا بخيله ورجله، بل بخيل المسلمين الذين رفعوا دعائمه ورجلهم؛ من كان يظن أو يتوقَّع أن الاستعمار يبلغ منا هذا المبلغ، فيدوسنا بأرجلنا، ويريق دماءَنا بأيدينا، وينتصر علينا بنا،
стр. 1300
ويصيِّر من بعضنا لبعضنا "بعابع" تخويف، ووحوش إرهاب، ويبلغ في ترويضنا إلى حد أن نصبِح أذلةً عليه، أعزةً على قادتنا ورجالنا؟ من كان لا يظن ذلك ولا يتوقعه، فها هو ذا محقَّق غير مظنون، وواقع غير متوقع، ولئن وقع متفرقًا في غير المغرب، فقد وقع كله مجتمعًا في المغرب.
وكأنّ الأزْمة اشتدّت لتنفرج ... وكأنْ القنديل آذن بالانطفاء فتلك إيماضتُه الأخيرة، وكأنّ يد الله التي ارتفعت عنّا بما كسبت أيدينا قد لامستنا هذه المرة ... فلم نرَ محنةً من المحن التي جرّها الاستعمار على الإسلام وعلى الشرق، كانت أجمع للقلوب، وأدعى إلى التناصر من هذه المحنة، فقد كانت عاملًا إلهيًّا فتح العيون العُمي، والآذان الصمّ، والقلوب الغُلف، وأيقظ الشواعر النائمة، ونبّه القوى الخامدة، فتعاطفت الأرحام المتقاطعة، وتعارفت الأرواح المتناكرة، فكانت تلك الموجة الجارفة من السخط والغضب والامتعاض، ظهرت في صحف الشرق، ثم سرت إلى حكوماته وهيئاته، ثم انتقلت عدواها إلى الشعوب، فكوّنت إجماعًا رهيبًا على انتصار المشرق للمغرب، لم يسبق له مثيل، وكانت غضبةً إسلامية ارتاع لها الاستعمار، وقدّر عواقبها، فلاذ بالحيلة والكيد والتهديد على عادته، وواهًا لها غضبةً لو اعترتنا مرةً أو مرتين قبل اليوم، لما عاش الاستعمار بيننا إلى اليوم!
إننا- على ضعفنا- ما زلنا نملك أسلحة لو أحسنَّا استعمالها مجتمعين، لأرهبنا صهيون ونيرون معًا، ولكنّ طالع الاستعمار ما زال بغفلتنا وتخاذلنا متنقلًا بين "سعد السعود" وبين "سَعْدِ بُلَع"، ولو عاملناه بغير هذه المعاملة لكان منزلُه "الدَّيران". ولو أن المسلمين والشرقيين عمومًا لقُوا خصومهم في كل معترك سياسي بمثل هذا الإجماع في الرأي، والتواطؤ على الغضب، لهَتَموا أنيابهم الحداد، وقلَّموا أظافرهم الجاسية، ولكنهم لانوا لخصمهم أولًا، فقسا عليهم أخيرًا، وعوّدوه أن لا يلقوه جميعًا، فعوّدهم أن يلتهمهم جميعًا.
ونكون عقلاء واقعيين إذا قدّرنا أن هذه الضجة التي أثرناها ستنتهي بلا فائدة، ولا تنال من ظاهر الاستعمار منالًا؛ لما نعرفه من أساليبه في إسكات مثلها بالحيلة والكيد؛ ولما نعرفه من أنفسنا من عيوب الانخداع والاغترار وسرعة التراجع، وعدم الاستمساك، ولكننا نكون عقلاء واقعيين أيضًا إذا قدرنا هذه الضجة قدرها، وأعظمنا آثارها النفسية في الشعوب الإسلامية والشرقية، وأقمناها دليلًا على شمول اليقظة لها، وحياة الشعور فيها، وانتزعنا منها فألًا، ما ينتزعه الاستعمار منها طيرة.
***
стр. 1301
أينقِم منّا الاستعمار أن نتناصر بالكلام، وهو سلاح المغلوب، ونتعاون بالأقلام، وهي بقية المتاع المسلوب، وتتعاطف منا الأرحام، وذلك أيسر مطلوب؟ إن صحّ ذلك منّا فلا رضي ولا حظي، ولا زال غضبان حرِدًا.
إننا لا نلومه إلا إذا لمنا السباع الضارية على الافتراس، وإنما نلوم أنفسنا أن لا نكون شوكًا في لهواته، ونغَصًا في شهواته، وسوادًا في لونه، وفسادًا في كونه، وضياعًا في صونه، وخذلانًا في عونه، ولو كنّا ذلك لأنصفناه وانتصفنا لأنفسنا منه ...
стр. 1302
سكتُّ ... وقلت ... *
(هدية إلى حُماة العروبة بالمغرب الأقصى)
ــ
سكتُّ، فقالوا: هدنة من مسالم ... وقلت، فقالوا: ثورة من مُحارب
وبينَ اختلاف النطق والسكت للنُّهى ... مجال ظنون، واشتباه مسارب
وما أنا إلا البحر: يَلقاك ساكنًا ... ويلقاك جيَّاشًا مهولَ الغوارب
وما في سكون البحر منجاة راسب ... ولا في ارتجاج البحر عصمة سارب
ولي قلم آليتُ أن لا أمدَّه ... بفتل مُوارٍ، أو بختل موارِب
جرى سابقًا في الحقّ ظمآن عائفًا ... لأمواه دنياه الثِّرار الزَّغارب (١)
يسدّده عقل رسا فوق رَبْوة ... من العمر، روَّاها مَعين التجارب
إذا ما اليراعُ الحُرّ صرَّ صريرُه ... نجا الباطل الهاري بمهجة هارب
ومن سيئات الدهر أحلافُ فتنة ... وجودُهُمو إحدى الرزايا الكوارب
ومن قلَمي انهلَّت سحائبُ نقمة ... عليهم بوَدْقٍ من سمام العقارب
...
فيا نفسُ لا يقعُد بكِ العجز، وانهَضي ... بنصرة إخوان، وغوْثِ أقارب
حرامٌ، قعودُ الحُر عن ذَوْد معتد ... رمى كل ذَوْد في البلاد بخارب
وبَسْل (٢)، سكوتُ الحر عن عسف ظالمٍ ... رمى كلّ جنب للعباد بضارب
يُسَمِّنُ ذئبَ السُّوء قومي سفاهةً ... بما جبَّ منهم من سنامٍ وغارب
وما كان جندُ الله أضعف ناصرًا ... ولا سيفُه الماضي كليلَ المضارب
стр. 1303
ومن جنده ما حطّ أسوارَ "مارد" (٣) ... وما صنعَ الفارُ المهين "بمارب" (٤)
ومن جُنده الأخلاقُ: تسمو بأمة ... إلى أفق سعد للسِّماك مقارب
وتنحطُّ في قوم فيهوُون مثلَ ما ... ترى العين من مهوى النجوم الغوارب
ينال العُلا شعبٌ يُقاد إلى العلى ... بنشوان، من نهر المجرّة شارب
...
رعى الله من عُرْب المشارق إخوةً ... تنادَوْا فدوّى صوتهم في المغارب
توافوْا على داعٍ من الحق مُسْمع ... ووفَّوْا بنذْر في ذِمام الأعارب
هُمُو رأسُ مالي، لا نضار وفضّة ... وهمْ ربحُ أعمالي ونُجْح مآربي
وهمْ مورِدي الأصفى المروّي لغُلتي ... إذا كدّرَتْ "أمُّ الخيار" (٥) مشاربي
стр. 1304
عروبة الشمال الافريقي *
عروبة الشمال الافريقي بجميع أجزائه طبيعية، كيفما كانت الأصول التي انحدَرت منها الدماء، والينابيع التي انفجرت منها الأخلاق والخصائص، والنواحي التي جاءت منها العادات والتقاليد؛ وهي أثبتُ أساسًا، وأقدم عهدًا، وأصفى عنصرًا، من إنكليزية الإنكليز، وألمانية الألمان.
قضت العروبة بقوّتها وروحانيتها وأدبها وسموّ خصائصها وامتداد عروقها- في الأكرمين الأُوَل من نبات الصحارى وبناة الحضارات فيها- على بربرية كانت منتشرةً بهذا الشمال، وبقايا آرّية كانت منتشرةً فيه، وفعل الزمن الطويل فعله حتى نسيَ الناس ونسي التاريخ الحديث أنّ هنا جنسًا غير عربي؛ وضرب الإسلام بيُسره ولطف مدخله، وملاءمة عقائده للفطر، وعباداته للأرواح، وآدابه للنفوس، وأحكامه للمصالح، على كل عرق ينبض بحنين إلى أصل، وعلى كل صوت يهتف بذكرى إلى مَاضٍ بعيد؛ وزاد العروبة تثبيتًا وتمكينًا في هذا الشمال هذه الأبجدية العربية الشائعة التي حفظت أصولَ الدين، وحافظت على متون اللغة، ودوّنت الآداب والشرائع، وكتبت التاريخ، وسجَّلت الأحكام والحقوق، وفتحت الباب إلى العلم، وكانت السبيلَ إلى الحضارة.
كل هذه العوامل صيّرت هذا الشمال عربيًّا قارَّ العروبة على الأُسس الثابتة من دين عربي، ولغة عربية، وكتابة عربية، وآداب عربية، ومنازع عربية، وتشريع عربي، وجاء التّاريخ- وهو الحَكَم في مثل هذا- فشهد وأدَّى، وجاءت الجغرافيا الطبيعية فوصلت هذا الشمال بمنابت العروبة من جزيرة العرب، وجاء الزمن بثلاثة عشر قرنًا، تشهد سِنوها وأيّامها بأنها فرغت من عملها، وتمّ التمام، ووقع الختم، وأن عروبة هذا الوطن جرَتْ في مجاريها
стр. 1305
طبيعيةً منسابة، دم يشُبها إكراه، ولم يشِنها عنف، ولم يؤثّر فيها عامل دخيل، ولم تقُم على تحيُّل أو استغفال، وإنما هي الروح عرفت الروح، والفطرة سايرت الفطرة، والعقلُ أعدى العقل، وكأنّ الأمم التي كانت تُغطِّي هذه الأرض قبل الاتصال بالعرب، كانت مهيأة للاتصال بالعرب، أو كأنّ وشائج من القربى كانت مخبوءة في الزَّمن، فظهرت لوقتها، وكانت نائمة في التاريخ فتنبَّهت لحينها؛ وإن الأمم لتتقارب بعد أن كانت متباعدة، مثل ما تتباعد بعد أن كانت متقاربة، ولا يتوقف التقارب إلّا على دعوة مصحوبة بحجّة، أو حادثة مقرونة برجَّة، وكلتاهما وُجدت في الإسلام.
إن كل ما يحتجّ به القادحون في عروبة هذا الشمال هو حجة عليهم، فالدُّوَل التي قامت فيه- كاللمتونية والرستمية والموحّدية والصنهاجية والمرينية والزيَّانية- ليس لها من البربرية إلا النسبة العرفية، وهي فيما عدا ذلك عربية صميمة: عربية في الضروريات المقوّمة للدولة، كوظائف القلم من إدارية ومالية، ووظائف القضاء من عقود وتسجيلات، وعربية في الكماليات التي تقتضيها الحضارة والترف، كالغناء والموسيقى والشعر، فما علمنا أن شعراء البلاطات في تلك الدول تقرّبوا إلى الملوك بالشعر البربري، إلا أن يكون في النادر القليل، وفي حال الاصطباغ بالبداوة الأولى.
...
هذه العروبة الأصيلة العريقة في هذا الوطن، هي التي صيّرته وطنًا واحدًا، لم تفرّقه إلا السياسة، سياسة الخلاف في عصوره الوسطى، وسياسة الاستعمار في عهده الأخير؛ وهذه العروبة هي مساكه على كثرة المفرّقات، وهي ملاكه على وفرة العوامل الهادمة، وهي رباطه الذي لا ينفصم، ببقية أجزاء العروبة في الشرق، وهي السبب في كل ما يأخذ من تلك الأجزاء وما يعطيها، فينصرُها في الملمَّات، ويتقاضاها النصر في المهمات؛ فالعالم العربي بهذه العروبة المكينة كالجسد الواحد إذا ألمّ بجزء من أجزائه حادث، أو نزلت به مصيبة، تداعت له سائر الأجزاء بالنصرة والغوث، أو بالتوجّع والامتعاض؛ وقد امتُحن المغرب الأقصى- وهو عضو رئيسي من هذا الجسد- هذه المحنة التي لم نزلْ في عقابيلها، فهبّت مواطن العروبة كلُّها صارخةً في وجه العادي، فقال كل عاقل في الدنيا: إن هذا التضامن طبيعيّ، لأنه حنين العرق إلى العرق، ومجاوبة الروح للروح، ونداء الدّم للدّم، وأنه فيض من شعاب الفطرة الإنسانية، لا تملك القوة المادية زمامه، ونعرة من ذوي رحم، لا يتوجّه إليهم فيها اللوم فضلًا عن المؤاخذة، وهل يُلام يهود أميركا على انتصارهم لإخوانهم يهود ألمانيا؛ وهل يُلام فرنسيّو كندا إن توجّعوا لكارثة حلّت بإخوانهم في فرنسا؛ إنها نعرة طبيعية لم يضعفها الإغراق في البداوة، ولم يخفّفها
стр. 1306
الإمعان في الحضارة، ولم يشذّ بها دين ولا علم، وما العرب إلا من الناس، وما هم بأقلّ حظًّا في الإنسانية من الناس.
...
هذا هو فجّ الحقائق الذي يسلكه العقلاء فلا يضلّ بهم سبيل، ولا يفسُد عليهم تعليل، فأما الاستعمار فإنه يسلك في ذلك كله فجاجًا طامسة الأرجاء، فيتناول الحقائق الثابتة بالتشويه والمغالطة، ثم بالمكابرة فيها، ويُجادل بالباطل ليُدحض به الحق، وكأنّ سُنن الله (مستعمرة) أيضًا. فهو ينقلها من رُقعة إلى رقعة كقطَع الشطرنج، إذا خالفت سنّته هو، وينقض قوله بفعله، وفعله بقوله، كلما أفحمه المنطق وأوهى حجّته.
ينكر الاستعمار عروبة الشمال الافريقي بالقول، ويعمل لمحوها بالفعل، وهو في جميع أعماله يرمي إلى توهين العربية بالبربرية، وقتل الموجود بالمعدوم، ليتمّ له ما يريد من محو واستئصال لهما معًا، وإنما يتعمد العربية بالحرب لأنها عماد العروبة، وممسكة الدين أن يزول، ولأن لها كتابة، ومع الكتابة العلم، وأدبا، ومع الأدب التاريخ، ومع كل ذلك، البقاء والخلود، وكل ذلك مما يُقضّ مضجعه، ويُطير منامه، ويصخّ مسمعه، ويُقصِّر مقاهه.
وما هذه البدَوات التي تبدو منه حينًا بعد حين، إلا وسائلُ لمَحْو العربية ونقص العروبة من أطرافها، فكلّما هاجتْ به النَّوْبة، وغاظه من العروبة هذا التحدّي، وهذا الصمود للعوادي، وهذا التصلُّب في المقاومة، ارتكب جريمة، وسنّ لها من القوانين ما يقوّلها ويُغطِّيها، ويُسمّيها مصلحة، وجنّد لها من الأشخاص كل حاكم، وكل طامع، وكل ذي دِخلة سيئة، ومن الأعمال: التطبيل والتزمير، والإعلان والتشهير، ومن المعاني الاستمالة والتيسير والاستهواء والتغرير، والإغواء والتبشير، وما الظهير البربري في ذلك الباب بأول ولا أخير.
كل ذلك الجهد، ومثلُه معه مصروف إلى غاية واحدة، وهي محو العربية وقتل العروبة، وكل ذلك الجهد مردف بجهد آخر في إحياء المعاني الميتة التي قتلها الإسلام من بِدع وضلالات ...
ومن أباطيل الاستعمار وتهافته، أنه يسمِّي السوداني المتجنِّس بالجنسية الفرنسية ليومه أو لساعته: فرنسيًّا، ويلحقه بنسَبه، ويُساويه به في حقوقه ومميزاته، ثم ينكر على البربري - مثلاً- أن يكون عربيًّا، بعد ما مرّت عليه في الاستعراب ثلاثة عشر قرنًا وزيادة، وبعد أن درج أكثرُ من ثلاثين جيلًا من أجداده على الاستعراب، لا يعرفون إلا العربية لغةً يتكلّمون بها ويتأدّبون ويتعبّدون، فليت شعري: أيهما أقرب إلى الواقع: آلْبَرْبَرِيّ المستعرب، أم السوداني المتفرنس؟ وأيهما أنفذ؟ أحكم الله، أم حكم الاستعمار؟
стр. 1307
ومن آيات بغض الاستعمار لكلمة العروبة ونفوره منها، أنه لا يريد أن يعترف بأثر من آثارها الطبيعية من تراحم وتعاطف، فهو في محنة المغرب الأقصى الأخيرة، وما أثارته من غضب العرب وسخطهم وإجماعهم على الاستنكار، لا يَرُد ذلك إلى مردّه الطبيعي، وهو التعاضد الجنسي، وإنما يردّه إلى شيء آخر تنكره روح هذا العصر المنافق، وهو التعصّب الديني، كلّ ذلك ليبعد عن خواطره- ولو بالتوهّم- خيالَ العروبة مجتمعة الشمل، متصلة الأسباب، موصولة الأرحام، معلنة لعروبة الشمال الافريقي، وتُعمي الأهواء عينيه على حقيقة مجردة، وهي أن حظّ العرب المسيحيين في مصر والشام من التألّم لمحنة المغرب الأقصى، لم يكن أقلّ من حظ إخوانهم المسلمين.
إن الاستعمار- على ذلك كله- ليعرف عروبة هذا الشمال ويعترف بها، ولكنه ممن يكتمون الحق وهم يعلمون، فقد احتلّ هذا الوطن فكانت أقواله في الحرب والسلم، وأحكامه في العدل والظلم، كلها جارية بأنه عربي، وعلى أنه عربي، وكلمة العرب Les Arabes التي يطلقها على أهله تمييزًا أو نبزًا أكبر حجة عليه، ولكنه في مبتدإ أمره ومنتهاه رجس من عمل الشيطان، وهل في عمل الشيطان خير أو حق؟ إنما هو عناد للحق، وتزيينٌ للباطل، ونقض للخير، وبناء للشر، وما شاء الشيطان من النقائص.
стр. 1308
جمعية العلماء
وفلسطين
стр. 1309
فلسطين (١)
تصوير الفجيعة *
ــ
يا فلسطين! إن في قلب كل مسلم جزائري من قضيتك جروحًا دامية، وفي جفن كل مسلم جزائري من محنتك عبراتٍ هامية، وعلى لسان كل مسلم جزائري في حقك كلمة مترددة هي: فلسطين قطعة من وطني الإسلامي الكبير قبل أن تكون قطعة من وطني العربي الصغير؛ وفي عُنق كل مسلم جزائري لك- يا فلسطين- حقٌ واجبُ الأداء، وذمام متأكِّد الرعاية، فإن فرّط في جنبك، أو أضاع بعضَ حقك، فما الذنب ذنبُه، وإنما هو ذنب الاستعمار الذي يحول بين المرء وأخيه، والمرء وداره، والمسلم وقبلته.
يا فلسطين! إذا كان حب الأوطان من أثر الهواء والتراب، والمآرب التي يقضيها الشباب، فإنّ هوى المسلم لك أن فيك أولى القبلتين، وأنّ فيك المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، وإنك كنت نهاية المرحلة الأرضية، وبداية المرحلة السماوية، من تلك الرحلة الواصلة بين السماء والأرض صعودًا، بعد رحلة آدم الواصلة بينهما هبوطًا؛ وإليك إليك ترامت همم الفاتحين، وترامت الأيْنُق الذلل بالفاتحين، تحمل الهدى والسلام، وشرائع الإسلام، وتنقل النبوَّة العامة إلى أرض النبوات الخاصة، وثمار الوحي الجديد إلى منابت الوحى القديم، وتكشف عن الحقيقة التي كانت وقفت عند تبوك بقيادة محمد بن عبد الله. ثم وقفت عند مؤتة بقيادة زيد بن حارثة، فكانت الغزوتان تحويمًا من الإسلام عليك، وكانت الثالثة وِرْدًا، وكانت النتيجة أن الإسلام طهرك من رجس الرومان، كما طهر أطراف الجزيرة قبلك من رجس الأوثان.
داست حماك سنابك الخيول البابليَّة، وجاست خلال الديار، وسُبي بنوك (أسلاف الصهيونيين)، فلم ينتصر لك ولا لهم أحد، لولا أن منّ عليهم الفاتحون المستعبدون، وإن
стр. 1310
المنّ لأنكى على الحر من الاسترقاق، ثم غزاك الرومان، وأذلُّوا بنيك واشتفَوْا منهم إثخانًا في القتل وانتقامًا- زعموا- من جريرة الصلب، وما ظلمت يا فلسطين، ولكنّ بَنيكِ جرّوا عليك الجرائر، وما كنتِ لتُفْلِتي من براثن الرومان لولا أن انتصف الله لك من عدوّك بالإسلام والعرب، فنصروك وطهّروك وبلُّوا الرحمَ الإبراهيميّة بِبُلالها، ووفَوْا لأبناء العمومة بحقّ القربَى والجوار، وأصبحت من ذلك الحين ملكًا ثابتًا للإسلام، وإرثًا مستحقًا من موسى لمحمد، ومن التوراة للقرآن، ومن إسحق لإسماعيل.
يا فلسطين! ملكك الإسلام بالسيف ولكنه ما ساسك ولا ساس بنيك بالحيف، فما بالُ هذه الطائفة الصهيونية اليوم تُنكر الحق، وتتجاهل الحقيقة، وتجحد الفضل، وتكفُر النعمة؛ فتُزاحم العربيّ الوارث باستحقاق عن موارد الرزق فيك، ثم تَغْلو فتزعم أنه لا شرب له من ذلك المورد.
ما بالُ هذه الطائفة تدَّعي ما ليس لها بحق، وتطوي عشرات القرون لتصلَ- بسفاهتها- وعدَ موسى بوعد "بلفور"، وإن بينهما لَمَدًّا وجزْرًا من الأحداث، وجذبًا ودفعًا من الفاتحين.
ما بالُها تدّعي إرثًا لم يَدفعْ عنه أسلافها غارةَ بابل، ولا غزو الرومان، ولا عادية الصليبيين، وإنما يستحق التراث من دافع عنه وحامى دونه، وما دافع بابل إلا انحسارُ الموجة البابلية بعد أن بلغَتْ مداها، وما دافع الرومان إلا عمر والعرب وأبطال اليرموك وأجنادين، وما دافع الصليب وحامليه إلا صلاح الدين وفوارس (حِطِّين).
إن العرب على الخصوص، والمسلمين على العموم، حرّروا فلسطين مرّتين في التاريخ، ودفعوا عنها الغارات المجتاحة مرّات، وانتظم ملكهم إياها ثلاثة عشر قرنًا. وعاش فيها بنو إسرائيل تحت راية الإسلام وفي ظل حمايته آمنين على أرواحهم، وأبدانهم، وأعراضهم، وأموالهم، وعلى دينهم، ومن المحال أن يحيف المسلم الذي يؤمن بموسى، على قوم موسى.
ما أشبه الصهيونيين بأوّلهم في الاحتياط للحياة، أولئك لم يقنعوا بوعد الله، فقالوا: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾، وهؤلاء لم يثقوا بوعد بلفور حتى ضمنت لهم بريطانيا أن يكونوا في ظل حرابها، وتحت حماية مدافعها وقوانينها؛ وبكل ذلك استطاعوا أن يدخلوا مهاجرين ثم يصبحوا سادة مالكين، ودعْ عنك حديث الإرهاب فما هو إلّا سراب.
ولو أنَّ السيوف الإنجليزية أُغمدت، والذهب الصهيوني رجع إلى مكانه، وعرضت القضية على مجلس عدل وعقل لا يَستهويه بريق الذهب، ولا يرهبه بريق السيوف، لقال القانون: إن ثلاثة عشر قرنًا كافية للتملّك بحق الحيازة، وقال الدين: إن أحق الناس بمدافن
стр. 1311
الأنبياء هم الذين يؤمنون بجميع الأنبياء، وقال التاريخ: إن العرب لم ينزعوا فلسطين من اليهود، ولم يهدموا لهم فيها دولةً قائمة، ولا ثلُّوا لهم عرشًا مرفوعًا، وإنما انتزعوها من الرومان، فهم أحق بها من كل إنسان.
...
إن الصهيونية فيما بلونا من ظاهر أمرها وباطنه نظام يقوم على الحاخام والصيرفي والتاجر، ويتسلّح بالتوراة والبنك والمصنع، وغايتها جمعُ طائفة قُدّر لها أن تعيش أوزاعًا بلا وازع، وقُدِّر لها أن تعيش بلا وطن- ولكن جميع الأوطان لها- فجاءت الصهيونية تحاول جمعها في وطن تُسمِّيه قولًا فلسطين، ثم تُفسِّره فعلًا بجزيرة العرب كلها، فهو في حقيقته استعمار من طراز جديد في أسلوبه ودواعيه وحُججه وغاياته، يجتمع مع الاستعمار المعروف في أشياء، وتفرّق بينهما فوارق، منها أن الصهيونية تعتمد قبل كل شيء على الذهب، تشتري به الضمائر والأرض والسلاح، وتشتري به السكوتَ والنطق، وتشتري به الحكومات والشعوب، تعتمد عليه وعلى الحيلة والمكر والتباكي والتصاغر في حينه، وعلى التنمّر والإرهاب في فرصته.
إن فلسطينَ أرض عربيّة لأنها قطعة من جزيرة العرب، وموطن عريق لسلائل من العرب، استقرّ فيها العرب أكثرَ مما استقرّ اليهود، وتمكَّن فيها الإسلام أكثر مما تمكنت اليهودية، وغلب عليها القرآن أكثر مما غلبت التوراة، وسادتْ فيها العربية أكثر مما سادت العبرية، وما الانتداب الإنجليزي إلا باطل، ليس من مصلحة العرب ولا من مصلحة اليهود، وما الوطن القومي إلا خيال جسَّمتْه الأحلام الدينية، والمطامع المادية، وما منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ولجنة التحقيق إلا تعلّات لا تُسكِت ولا تُسَكِّن، وما استمرار الهجرة إلا مدٌّ للحمأة وتأريث للنار، ومَن ضاقت به رحاب الدنيا لا تسعه فلسطين، ومن لفظته حواشي الأرض لا تستقرّ به فلسطين، أمَّا حديث التشريد والمشرّدين من اليهود فهو مشترك إلزام في القضية، وما أكثر المشرَّدين في الأمم الإسلامية، بل ما أكثر المشرَّدين من العرب، فإذا أخذْنا الرحمة بالمشرّدين قاعدةً كان أحق الناس بها مشرّدي العرب الذين لا يفصلهم عنها بحر ولا يقال في هجرتهم إليها إنها شرعية أو بدعية كما يقال في هجرة اليهود، وما ظُلِمت كلمة الشرع بأفحش من نسبة الحيل إليها عند بعض فقهائها، ومن نسبة الهجرة اليهودية إليها عند فقهاء الاستعمار.
***
стр. 1312
أيظنُّ الظانُّون أن الجزائر بعراقتها في الإسلام والعروبة تنسى فلسطين، أو تضعها فى غير منزلتها التي وضعها الإسلام من نفسها، لا والله، ويأبى لها ذلك شرف الإسلام ومجد العروبة ووشائج القربى، ولكن الاستعمار الذي عقد العقدة لمصلحته، وأبى حلها لمصلحته، وقايض بفلسطين لمصلحته، هو الذي يُباعد بين أجزاء الإسلام لئلا تلتئم، ويقطع أوصال العروبة كيلا تلتحم، وهيهات هيهات لما يروم.
إن بين دول الاستعمار علائقَ ماسّة، وإنهنّ يتباعدن ما دام خيال الشرق وبنيه والإسلام وأمَمه بعيدًا، فإذا لاح ذلك الخيال حنّت من الاستعمار الدماء، وتعاطفت الأرحام، وتُنُوسِيت الأحقاد، فهلّا فعلنا مثل ما فعلوا؟
أيها العرب! إن قضية فلسطين محنةٌ امتحن الله بها ضمائركم وهممكم وأموالكم ووحدتكم، وليست فلسطين لعرب فلسطين وحدهم، وإنما هي للعرب كلهم، وليست حقوق العرب فيها تُنال بأنها حق في نفسها، وليست تُنال بالهوينا والضعف، وليست تنال بالشعريات والخطابيّات، وإنما تنال بالتصميم والحزم والاتحاد والقوة.
إن الصهيونية وأنصارها مصمّمون، فقابلوا التصميم بتصميم أقوى منه وقابلوا الاتحاد باتحاد أمتن منه.
وكونوا حائطًا لا صدع فيه ... وصفًّا لا يُرقّع بالكُسالى
стр. 1313
فلسطين (٢)
وصف قرار تقسيمها *
ــ
تصدّع ليلُ فلسطين الداجي عن فجر كاذب العيان، وتمخّض مورد الطامعين فى إنصاف أوربا القديمة وأوربا الجديدة عن آل لماع يرفع الشخوص ويضعها في عين الرائي لا في لَمْسَ اللامس، وباء الظانُّون ظنَّ الخير بالضميرين الأوربي والأمريكي بما يستحقّونه من خيبة تعقُبها حسرة، تعقُبها ندامة؛ وتكشف ذلك اللبس الذي دام عشرات السنين عن الحقيقة البيضاء، وهي أن حق الشرق لا وليَّ له في الغرب ولا نصير، وجاء بها هذا المجلس الذي يُسمّونه- زوراً- مجلسَ الأمم المتحدة شنعاء لا تُوارَى من أحكام القاسطين، وأحلام الطامعين.
تراءى الحقُّ والباطل في ذلك المجلس، لا العربُ واليهود، وجاء أهل الحق يحملون المنطق، ويخطبون المعدلة، ويخاطبون الضمير والعقل، ويحتكمون إلى الشعور والإحساس وما منهم إلا من هو في الخصام مبين؛ وجاء أهل الباطل يحملون الإبهام المضلِّل، والكيد المبيت، والمكر الخفي، والدعاوى المقطوعة من أدلّتها، ومع كل أولئك- الرنين الساحر يستهوُون به الأفئدة الهواء والضمائر الخربة؛ وأنصَتَ التاريخ ليسجّل الشهادة، واستشرف الكون لينظر هل تُخرَق للأقوياء عادة، ونُشِر الأصل والدعوى. وتعارضت البيِّنة والشبهة، وأفصح الحق واتّضَح، ولجلج الباطل وافتضح، ولكنّ تلك الدول المتحدة على الباطل ألجمها الحق بحججه، وأجرَّتها الحقيقية بوضوحها، فحكموا الانتخاب ... وليت شعري أي موضع للانتخاب هنا؟ إن تحكيم الانتخاب هنا كتحكيم القُرعة بين أصحاب الحظوظ المتفاوتة، كصاحب العشر مع صاحب النصف، كلاهما باطل، لا يسيغه عقل ولا شرع ... وأي فرق بين ما نعيبه من تحكيم الجاهلية للأزلام الصمّاء وحصى التصافُن، وبين تحكيم أصوات من أموات وويلات، سمّوهم ممثِّلي دويلات؟
стр. 1314
أسفر الانتخاب عن تقسيم فلسطين تحدّيًا للعرب وحقّهم، وللمسلمين ودينهم، فكان حظ اليهود منها- بغير انتخاب ولا قرعة- الجهات الخصبة، المتصلة بالعالم، القريبة من الصريخ، الموطأة الأكناف، المأمونة الأمداد والمرافق؛ وكان حظُّ العرب منها الجهات الرملية القاحلة والجبلية الجرداء، وكان حظ البيت المقدَّس ميراث النبوّة عن النبوّة أن يصبح إرثًا لأحفاد الصليبيين، وذِيدَ عنه الخصمان المحقّ والمبطل: فلا اليهود به فازوا، ولا العرب إيَّاه حازوا، وإنا لنعلم الاعتبارات التي بُني عليها هذا التقسيم، والمكائد التي انطوى عليها، والمقاصد التي رَمى إليها، وإنا لنعلم الدواعي التي حملت الناطقين على النطق والساكتين على السكوت. وإننا لا نغترُّ بما حاكوا وما لاكوا، ولا نرتد على أعقابنا بما حذَّروا وما أنذروا، ولا نعتبر الحياد إلا كيادًا، وإنَّنا نعتقد أنهم جميعًا سيذوقون وبالَ أمرهم، وأن مكرهم سيحيق بهم، وأن تشتيتهم لشمل فلسطين فاتحة لتشتيت شملهم، وأن النار التي أشعلوها في فلسطين ستلتهمهم جميعًا.
إيه يا فلسطين!! لقد كنت مباركةً على العرب في حاليْكِ! في ماضيك وفي حاضرك! كنتِ في ماضيك مباركةً على العرب يوم فتحوك فكمّلوا بك أجزاءَ جزيرتهم الطبيعيّة، وجمَّلوا بك تاج ملكهم الطريف، وأكملوا بحرمك المقدس حرميْهم، ويوم اتّخذوك ركابًا لفتوحاتهم، وبابًا لانتشار دينهم ومكارمهم ومرابطَ لحُماة الثغور منهم ... أنت عتبتهم إلى مصر، ومعبرهم إلى أفريقيا، ومنظرتهم إلى بحر العرب، لم تطأكِ بعد أقدام النبيين أطهرُ من أقدامهم، ولم يحمِك بعد موسى أشجعُ من أبطالهم ... وكنت مباركةً عليهم في حاضرك المشهود فما اجتمعتْ كلمتهم في يوم مثل ما اجتمعتْ في يوم تقسيمك، ولقد فرّقهم الاستعمار الخبيث في عهدهم الأخير، فما تنادَوْا إلى الاتحاد مثل ما تنادَوْا إلى الاتحاد في سبيلك، ولقد تخوّف أوطانهم من أطرافها، فما تداعوا إلى الذود عن قطعة من أرضهم مثل ما تداعوا إلى الذود عنك.
أما والله يا فلسطين، لكأنَّ أعداء العرب أحسَنوا إليهم بتقسيمك من حيث أرادوا الإساءة، ولكأنّ المصيبة فيك نعمة، ولكأنّهم امتحنوا بتقسيمك رجولتنا وإباءَنا ومبلغ التضحية بالعزيز الغالي فينا، ولكأنَّهم جسّوا بتقسيمك مواقع الكرامة والشرف منّا، وكأنّ كل صوت من أصواتهم على التقسيم صوت جهير ينادي العرب: أين أنتم؟ فلا زلتِ مباركةً على العرب يا فلسطين!
...
أيها العرب! قُسمت فلسطين فقامت قيامتكم ... هدرت شقائقُ الخطباء، وسالت أقلام الكتّاب، وأرسلها الشعراء صيحات مثيرةً تحرّك رواكدَ النفوس، وانعقدت المؤتمرات،
стр. 1315
وأقيمت المظاهرات، فهل كنتم ترجون من الدول المتّحدة على الباطل غير ذلك؟ وهل كنتم تعتقدون أنه مجلس أمم كما يزعم؟ كأنَّ تلك الأمم وحَّد بينها الانتصار على الألمان النازي، واليابان الغازي. فجعلت من شكر الله على تلك النعمة أن تنظم أمم العالم في عقد من السلام والحرية تستوي فيه الكبيرة والصغيرة؛ ودوله في مجلس تستوي فيه القوية والضعيفة، ليقيم العدل، وينصف المظلوم، وكأنَّكم ما علمتم أن ذلك المجتمع يمشي على أربع، ثلاث موبوءة، والرابعة موثوءة.
يا قوم! ما ظُلمت فلسطين يوم قُسمت، ولكنَّها ظُلمت يوم بذل بلفور وعده للصهيونيين باسم حكومته، وما منَّا- أهلَ هذا الجيل- إلا من شهد يوم الوعد، وشهد يوم التقسيم، وشهد ما بينهما، ومَن عرف مصادر الأمور عرف مواردها، فانظروا- ويحكم- ماذا فعل الصهيونيون من يوم الوعد إلى يوم التقسيم، وانظروا ماذا فعلنا.
علم الصهيونيون أن الوعد لا يعدو كونه وعدًا، وأن نصّه الطريّ اللّين هو: "أن انكلترا تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي لليهود بفلسطين! " فأعدّوا لتحقيقه المال، وأعدُّوا الرجال، وأعدّوا الأعمال؛ واتخذوا من الوقت سلاحًا فلم يضيعوا منه دقيقة، واستعانوا بنا علينا ... فاكتسبوا من ضعفنا قوة، ومن جهلنا قوة، ومن تخاذلنا قوة، ومن غفلتنا قوة، ومن أقوالنا الجوفاء قوة، وأصبحت هذه القوّات كلها ظهيرًا لهم علينا.
وعلمنا نحن أن ذلك الوعد وعد إنكليزيّ وعد بلفور به اليهود عند حاجته إلى ذهبهم، كما وعد الشريف حسينًا بخلافة شاملة ووحدة كاملة عند حاجته إلى تخذيل الأتراك، وأن الوعود الإنكليزية شيء عرفناه- بزعمنا- بعضُه من بعض، يُخلف مع اليهود كما أخلف مع الشريف حسين. وتعامينا عن الفوارق العظيمة بيننا وبين اليهود، وبين وعود الإنكليز لنا ووعودهم علينا.
كان الواجب أن نعمل من يوم الوعد لما ينقُض الوعد، فنجمع الشمل المشتت، والهوى المتفرق، ونقضي على الصنائع التي اصطنعوها منا، ونحارب الواعد والموعود بالسلاح الذي يحاربوننا به، ونعلم أن اليهود لا يكاثروننا بالرجال فرجالنا أكثر، ولا يكاثروننا بالشجاعة فشجاعتنا أوفر، وإنما يكاثروننا بالمال والعلم والصناعة، فلو كنا ممن يفكر ويقدِّر ويأخذ بالأحوط الأحزم، لبدأنا من أول يوم بالإعداد والاستعداد، فأعددنا المال، وأعددنا العلم، واستعددنا بالصناعة. وإن في ثلاثين سنةً ما يكفي لأن نستعدّ كما استعدّوا، وأكثر مما استعدّوا. لا بالأقوال والاحتجاجات التي هي سلاح الضعفاء، ولكن بمصانع العقول وهي مدارس العلم، وبمعامل الأسلحة والعتاد، وبمصايد المال وهي الشركات التجارية، ولو فعلنا لانجحر صهيون في وجاره، وانكمش من يؤازره اليوم من أنصاره، ولو فعلنا لما كانت مماطلة الأمس ولا تقسيم اليوم.
стр. 1316
أما وإننا لم نفعل فلنعتبر أن صدمة التقسيم القاسية العنيفة هي تأديب إلهي بُنقّي من هممنا الوهنَ والزغل، وينْفي من صفوفنا الكلّ والوَكل، وإن الأمم التي تصاب بمثل تأخّرنا وتخاذلنا وغفلتنا لمحتاجة إلى أحداث ترجّها رجًّا، وتزجُّها في المضايق زجًّا، لتنفض عنها أطمار الخمول والضعة، وتطهرها من أدران الخوَر والفسولة.
إن العروبة لفي حاجة إلى ذلك الطراز العالي من بطولة العرب.
وإن الإسلام لفي حاجة إلى ذلك النوع السامي من الموت فى سبيل الحق، ليحيا الحق.
стр. 1317
فلسطين (٣)
العرب واليهود في الميزان عند الأقوياء *
ــ
إنَّ الأقوياء الذين تولّوا أمر التقسيم، وحملوا أولئاك الضعفاء بالوعد والوعيد على التصويت عليه، ما ارتكبوا تلك الجريمة الشنعاء وغمطوا حق العرب، إلا بعد أن غمزوا مواقع الإحساس من العرب، فرأوهم جادّين كالهازلين، ورأوا منهم ناكثين كالغازلين، ورأوا في أمرائهم المقاومين على أعنف ما تكون المقاومة، والمساومين على أخس ما تكون المساومة، وفي شعوبهم الجاهل والذاهل، والمتشدّد والمتساهل، فبنوا مقدمات الحكم على هذا التفاوت في الكيان العربي، وغرّهم بالعرب الغرور، ولم يُتبعوا الأيام نظرَهم، بل وقعت عينهم على يوم العرب وأغفلوا غدهم، ثم فعلوا الفعلة النكراء فوازنوا بين ما نملك من قوى مادية نستطيع بها الممادَّة في الجهاد، وبين ما يملك الصهيونيون من ذلك، ودرسوا وقارنوا واستخدموا الجمع والطرح، فأنتجَتْ لهم المقدمات هذه الحقائق، وهي أننا لا نملك مصنعًا للسلاح، ولا معملًا للكيمياء ولا رجالًا فنّيين كالذي يملكه
اليهود من كل ذلك، وأن ثلاثين سنةً مرت- وكلها نُذر بهذه العاقبة- لم توقظنا من غفلتنا، ولم تدفعنا إلى الاستعداد لها، فقالوا: نقسمها، ونربح اليهود، لأنَّ لنا فيهم فائدة معجّلة، ولا نخشى العرب لأنه ليس فيهم مضرّة مؤجّلة.
ولكن فات أولئك البانين لكل شيئ على الماديّات أن هناك سلاحًا أمضى من جميع الأسلحة المادية، وأنه الشرط الأول في نفعها وغنائها، وهو سلاح الروحانيات، من إيمان بالحق، واعتداد بالنفس، وحفاظ على الكرامة وتقديس للشرف، وإباء للضيم، ومغالاة بالتضحية والفداء، واستخفاف بالظلم والظالمين، وفاتهم أن العرب وإن نزُر حظهم من القوى المادية التي لا يستهين بها الا جاهل، فإنّ حظهم موفور من القوى الروحية التي لا يستهين بها إلا مغرور. وستتقابل القوَّتان في فلسطين: قوة الروح ومعها الحق، وقوة المادة
стр. 1318
ومعها الظلم والباطل. وسيرى العالم أيّتهما تُحطّم. وأيتهما تتحطّم؟ وكأن الله جلت قدرته أراد أن تجري التجربة الثانية للسلاح الروحاني امتحانًا لقدرته على المقاومة في أرض فلسطين منبع الروحانيات على يد وارثيها بالفرض من إسماعيل وإبراهيم، وسيُصارف العرب اليهود مادة بمادة حتى إذا بطلت خاصية المادّة فضلوهم بتلك الذخائر الروحانية التي اختصّوا بها، وستكون العاقبة للروح وعجائبه، لا للمادّة وغرائبها.
ويح الأقوياء! ... أكانوا يتخيلون- يوم استهواهم البريق فرجحوا كفة صهيون- أن العرب يستسلمون للضعة، ويخضعون للهون والدون، وصفقة المغبون، أو يرضون بحكومة أصوات معروضة للإعارة والإجارة، هي عندهم من قبيل صوت الناعي ينعى من غير تأثّر، والنادبة تندُب من غير شجىً، فإن لم يكن أولئك الأقوياء بتلك المخيلة فهل بلغ بهم الاستخفاف بدماء البشر أن يُسبِّبوا لإراقتها الأسباب، ويفتحوا لهدرها الأبواب؟ ألم تكفهم المجازر الكبرى حتى يخلقوا لها بُنيات، ويفتحوا إلى أمثالها مطالع وثنيات؟ ...
كذبتكم المخيلة أيها الأقوياء! ... إن العرب إذا سيموا الحيف حكموا السيف، وإنهم سيأخذون حقّهم بالدم الأحمر في حين أراد اليهود استلابه منهم بالذهب الأصفر. وإن الزمان سيأخذكم بهذه الدماء المراقة، أخذ الأرض لفرس سُراقة (١)، وإن التاريخ سيعصِب بكم عارَها وشنارها، وسيئاتها وأوزارها.
وويح لليهود! ... أبلغتْ بهم الغباوة أن يشتروا الحياة الموهومة بالموت المحقق؟ أما وسِعهم ما كانوا فيه من أخوّة العرب لهم، وعدل العرب فيهم، وفضل العرب عليهم، وانتصار العرب لهم، حتى يكفروا بذلك كله، ويلتمسوا النصفة ممن شرّد آباؤه آباءَهم وطرد أجداده أجدادهم، ويستجدوه الرحمة فيُنجدهم بالعذاب؛ وليس برحيم مَن ألقاك في جحيم!
وويح الجميع! ... إن غرسَ صهيون في فلسطين لا ينبت، وإذا نبت فإنه لا يثبت، فانتظروا إنّا معكم من المنتظرين.
...
كان حظّ فلسطين في أدوار الزمن، وأطوار التاريخ، وعصور الفتوحات، حظ العقيلة الكريمة؛ تؤخذ في ميدان البطولة ممهورةً لا مقهورة، أخذها البابليون غلابًا، وأخذها الفرس اغتصابًا، وأخذها الرومان اقتسارًا، وأخذها العرب اقتدارًا، ولا يعدّ أخذ اليهود لها من
стр. 1319
كنعان في واحدة من هذه، وإنما هي كتابة الله بشرطها، ومعجزة موسى في حدودها. ولكنَّها في هذا العصر، عصر الحضارة، حضارة القرن العشرين، وعصر الديمقراطية، ديمقراطية العالم الجديد، وعصر الحرية، حرية الثورة الفرنسية، وعصر الشيوعية، شيوعية ماركس ولينين، تؤخذ في سوق الأغراض والمنافع الخسيسة بيعًا ومساومة ...
فات اليهود أن يأخذوها بالسيف من العرب فيكفِّروا بعد عشرات القرون عن سيّئة اجترحها أسلافهم يوم قالوا: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، فاتهم ذلك، وأعوزتهم الخصائص الدمويّة التي يكونون بها كذلك، فلجأوا إلى ما هو الأشبه بهم لا بها، وهو ... وهو الشراء. شراء القوي ليكون لهم معينًا، وبحمايتهم رهينًا، وشراء المعلنات اللافتة، والأصوات ولو كانت ... خافتة! ...
يا بخس فلسطين! ... أيبيعها من لا يملكها ويشتريها من لا يستحقّها؟ يا هوان فلسطين! ... أيكون من ذوي الحق في بيعها تلك الدويلات التي لم تُخلَق خلقًا طبيعيًّا وإنما خلقتها المنافسات، والتي لم يبلغ الكثير منها جزءًا مما بلغته فلسطين من مجد في التاريخ، وسابِقة في الحضارة، ويد في نفع البشرية. بل لم تبلغ مجتمعةً ما بلغته فلسطين من احتضان النبوّات واستنباط الشرائع والعلوم والحكم.
ويقولون إنّ فلسطين منسك للأديان السماوية الثلاثة وإنها قبلة لأهل تلك الأديان جميعًا، فإن كان ما يقولون حقًّا- وهو حق في ذاته- فإن أحق الناس بالائتمان عليها العرب، لأنهم مسلمون، والإسلام يُوجب احترام الكُتب والكتابيين، ويوجب الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين، ويضمن إقامة الشعائر لليهود والمسيحيين، لا اليهودُ الذين كذَّبوا الأنبياء وقتلوهم، وصلبوا- بزعمهم- المسيح الصادق، وشرّدوا حوارييه من فلسطين، وكفروا بمحمد بعد ما جاءهم بالبيّنات.
ومن غريب ما صنعته الحضارة المادية بأهلها، وما طبعت عليه نفوسهم من جفاف، وما ابتلتْ به ضمائرهم من زيغ وانحراف، أن الدولَ والدويلات التي صوّت ممثلوها على تقسيم فلسطين وغرس اليهودية في الجزء الأهم منها غرسًا رسميًا قانونيًا؛ كلها دول تدين أممها بالمسيحية، وباعتقاد أن اليهود صلبوا المسيح ... فهل يُلام العرب بعد هذا- والمسلمون من ورائهم- إذا اعتقدوا أنها حرب صليبية، بعض أسلحتها اليهود، وأنها ممالأة مكشوفة من الدينين الصالب والمصلوب على الإسلام؛ نعم وإن كلمة المارشال اللنبي التي قالها يوم انتزع القدس من يد الأتراك لا تزال مأثورة مشهورة، ولا يزال رنينها مجلجلًا في الآذان، وصداها متجاوبًا في الأذهان.
أيها العرب، أيها المسلمون!
إن فلسطين وديعة محمد عندنا، وأمانة عمر في ذمّتنا، وعهد الإسلام في أعناقنا، فلئن أخذها اليهود منّا ونحن عصبة إنا إذًا لخاسرون.
стр. 1320
فلسطين (٤)
ماذا نريد لها وماذا يريدون *
ــ
نحن العرب نريد لفلسطين أن تكون عربية، وأن تبقى عربية فتبقى لها بشاشة النبوة، وحلاوة الإيمان، وجاذبية الوحي وروحانية الشرف، ومخايل السامية، وصبغة السماء.
نريد أن تبقى عربية الأنساب، سامية الأحساب، سماويّة الأسباب، تتماسك أجزاؤها بروحانية الدين، وتُشرق أرجاؤها بلألأة القدسية، وتُطل جنباتها بأنداء الشرق، وتتراحب آفاقها للقلوب التي تختلف في العبادة ولكنها لا تختلف في المعبود، فتظلّ العرب أصحاب الفضل عليها في التاريخ، والسيادة عليها فى الواقع، والاضطلاع بحمايتها وحماية عُمارها، وإعلاء كلمة الله فيها، لا كلمة الدرهم والدينار، وتظل اليهود الذين لم يكتب التاريخ لهم مكرمة عليها ولا يدًا من يوم قال لهم موسى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فارتدُّوا على أدبارهم إلى يومنا هذا، وتحفظ عليهم ما هم أحرص الناس عليه من حياة ومال.
نريد أن تبقى أرضًا مقدّسة مكملة لقدسية مكة ويثرب، لا يراد فيها إلحاد بظلم، ولا تقوم على أرضها جبرية حكم ولا جبْرية مال.
ونريد لها أن تبق- كما كانت- جزءاً طبيعيًّا من جزيرة العرب مكملًا لبقية الأجزاء، وما دامت القضية قضية أحلام، فإن لنا في جزيرة العرب لَحُلمًا ... ولكنه أقرب من حلم اليهود للتحقيق، وهو أن تصبح مملكةً واحدة، بدستور واحد، وثقافة واحدة، ونقد واحد، لاحدود تفرِّق، ولا إمارات تغرّب وتشرّق، ولا أمراء تمزّق أهواؤهم وتخرّق، ولم لا تكون دولةً واحدةً؟ وإن فيها لأمةً واحدة، لا تحتاج في تكثير سوادها إلى الطرّاق، وشذّاذ الآفاق، ولا تحتاج في تعمير بلادها إلى الواغل الذي يزحم، والوارش الذي لا يرحم
وما بيننا وبين
стр. 1321
ذلك اليوم إلا إفاقة رجل نائم وصحو جوّ غائم: وإن ذلك لقريب، إنه لقريب ... ومعاذ العروبة أن تقضي جريرة العرب، على جزيرة العرب.
ويريد اليهود أن يجعلوها وطنًا قوميًّا يحققون به الأحلام الدينية التي فتنت أحبارهم، والمطامع الدَّنية التي فتنت أغنياءَهم، وأن يجعلوها مهجرًا لهذه الفلول والأوزاع التي طردتها أوربا، ولفظتها أطراف الكرة من كل محتال، وكل دجال، وكل عابد للمال، تبرمًا بهم وضيق صدر منهم، وما في كل أولئك من يمت إلى السامية بعرق، فإننا نعلم أن هذه الحُميراء التي غمرت أرض فلسطين وتهافتت عليها مهاجرةً من أقاليم الشمال، البعيدة عن الاعتدال، ليست إسرائيلية النجار، وإنما هي أمشاج من أصول أوربية، متباينة الخصائص الجنسية والنزعات الوراثية، جمعت بينها المطامح المادية أولًا، والصهيونية ثانيًا، واليهودية الزائفة ثالثًا، فمنها السكسوني والجرماني، والسلافي واللاتيني، وقد تداعت على صوت الصهيونية إلى فلسطين تحمل معها تلك الخصائص الجنسية المتمرّقة، وتجمل مع تلك الخصائص العلم الأوربي، والفن الأوربي، والجشع الأوربي، والإلحاد الأوربي، والاستعمار الأوربي، والعتوّ الأوربي، وكل شيء عرفت به أوربا ... وفي أوربا كل شيء إلا الخير، فإذا مدّت هذه الحميراء مدها، وضربت بجرانها في فلسطين، فهل يبقى شيء من القدسية لفلسطين؟ وهل يبقى شيء من الشمائل السامية في فلسطين؟ وهل تكون فلسطين يومئذٍ إلا جحيمًا يضطرم بالمادة التي شهدنا آثارها في أوربا، وشاهدنا من عملها في تخريب العقول، أضغاف ما شاهدنا من آثار الحروب في تخريب المدن، وهل تكون فلسطين يومئذٍ إلا رقعة من الشرق الطاهر، مكَّن فيها الصهيونيون للإلحاد والإباحية اللذين قضيا على أخلاق أوربا، وابتلت العالم منها بالداء العضال؟ ثم ماذا يكون مصير العرب بعدئذٍ في جزيرتهم الآمنة المباركة؟
ما أشأم الصهيونية على فلسطين، وما أعقّ صهيون لفلسطين، وما أضلّ ضلالَ اليهود إذ يَجْرون وراء خيال الوطن القومي فيجرُّون البلاء لفلسطين، ويُزهقون روح (سام) بمادة الغرب المسمومة، وسبحان من فاوت بين العنصرين في رقّة الحس، ودقّة الحدس، والأصل واحد، وسبحان من خص العرب بالعامري، واليهود بالسامري (١).
وما أجهل العرب إذا لم يعاجلوا هذه الجرثومة الصهيونية الخبيثة بالاستئصال! إنهم- والله- إن لا يفعلو تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.
...
стр. 1322
ونحن نريد فلسطين كاملة بالاستحقاق الذاتي، لأننا آخِرُ ورثتها، ولأننا واضعو اليد عليها بالحوز والتصرّف كما يقول فقهاء القانون، والصهيونيون يريدونها كذلك كاملةً بالحُلم والطمع والتمنِّي والتباكي والاحتيال والاستعانة بالأعداء، وشراء الضمائر الرخيصة ولكن ما بالُنا وما بالُهم؟
ما بالُنا حين ضُربت الأزلام على تقسيمها بيننا وبينهم غضبنا غضبة الحر الذي لا يرضى إلا بحقّه كاملًا غير منقوص، وثُرنا ثورة المظلوم الذي آثر أن يموت كريمًا على أن يعيش لئيمًا.
وما بالهم هلّلوا للتقسيم وطاروا به فرحًا ودقّوا له البشائر في كل أرض فيها يهودي وعرفنا من معارف الوجوه ما تخفيه مجاهل النفوس من ابتهاج وسرور، حتى لقد أنساهم الفرح كل ما يسمّى ذوقًا وكياسة ولطفًا ومجاملة مع عشائرهم العرب المسلمين الذين وفوا لهم في كل محنة نالتهم إلى الأمس القريب من أصدقائهم اليوم ضاربي الأزلام على تقسيم فلسطين.
إنما غضبنا وثرنا لأننا أصحاب حق لم نرضَ أن يشركنا فيه من ليس له فيه حق، وإنما رضوا وفرحوا لأنهم مبطلون، والمبطل الذي يعتمد على الحيلة والمكر يطلب الشيء كاملًا وهو يعتقد أنه مبطل فيكون ضميره أقوى خواذله، إن لم يكن أقوى عواذله، فإذا ظفر بشيء منه بحكومة باطلة قنع بالنزر ورضي باليسير، كالسارق يقنع بكل ما حصل في يده، لأنه لم يبذل فيه إلا الحيلة والاستغفال، وأهون بهما! ولو أن مجلس اللصوص حكم لصهيون بتل أبيب وحدها وطنًا قوميًّا لرَضي صهيون بالحكم، وعدَّها غنيمة باردة، ولم ينقص فرحه عن فرحه اليوم بنصف فلسطين الأخصب الأطيب ... هذه واحدة، وأخرى يضمرها صهيون وقد عرفها الناس من امتداد أحلامه، ومأثورات المهوّسين من أسلافه، وهي أنه يحرص كل الحرص على وضع قدمه في أرض فلسطين باسم وطن قومي، ولو كان أفحوص قطاة، وباعتراف دولي ولو بشراء الأصوات، ويعتمد بعد ذلك على المطاولة والذهب واستجداء المعونة من (أهل الفضل والخير) كالإنجليز اليوم ولا أدري من ... غدًا، وإن أحلام صهيون قد عرفها الناس وعرفوا أنها تمتدّ إلى جزيرة العرب كلها وإلى جزيرة سيناء، وقطعة من أرض مصر، ومن عاش آلاف السنين في أضغاث، ولم تتحقق له واحدة منها في شبر، حقيق بأن يعيش آلافًا أخرى من السنين في حواشي الأضغاث بعد أن تحققت له في مئات الأميال.
стр. 1323
فلسطين (٥)
الإنكليز حلقة الشر المفرغة *
ــ
أيها العرب:
إن الإنكليز هم أول الشر ووسطه وآخره، وإنهم كالشيطان، منهم يبتدئ الشر وإليهم ينتهي، وإنهم ليزيدون على الشيطان بأن همزاتهم صُوَر مجسّمة تؤلم وتؤذي وتقتل، وجنادل مسمومة تهشّم وتحطّم وتخرّب، لا لمّة تُلِمّ ثم تنجلي، وطائف يمسّ ثم يخنس، ووسوسة تلابس ثم تفارق، ويزيدون عليه بأنهم لا يُطردون بالاستعاذة، وتذكُّر القلب، ويقظة الشواعر، وإنما يُطردون بما يُطرد به اللص الوقح من الصفع والدفع والأحجار والمدر، ويُدفعون بما يدفع به العدوّ المواثب، بالثبات المتين للصدمة، والعزم المصمّم على القطيعة وبت الحبال، والإرادة المصرّة على المقاطعة في الأعمال، والإجماع المعقود على كلمة واحدة ككلمة الإيمان: "إن الإنكليز لكم عدوٌّ فاتخذوهم عدوًّا". يردّدها كلّ عربي بلسانه، ويجعلها عقيدة جنانه، وربيطة وجدانه، وخير ما يقدمه من قربانه.
قد غرّكم أول الإنكلبز فأعيذكم أن تغترُّوا بآخره بعد أن صرح شرُّه، وافتضح سره، وانكشف لكم لينه، عن الأحساك والأشواك، وقد تمرَّس بكم فعرف الموالج والمخارج من نفوسكم، قبل أن يعرف أمثالها من بلادكم، وحلّل معادن النفوس منكم قبل أن يحلِّل معادن الأرض من وطنكم وعجم أمراءكم، فوجد أكثرهم من ذلك الصنف الذي تلين أنابيبه للعاجم، وتدين عروبته للأعاجم.
قد علمتم أنه هو الذي وعد صهيون فقوَّى أمله، ولولا وعده لكانت الصهيونية اليوم - كما كانت بالأمس- حُلمًا من الأحلام يستغلُّه (الشطار) وبتعلّل به الأغرار.
стр. 1324
وعلمتم أنه انتدب نفسه على فلسطين فكان الخصم والحكم في قضيتها، وأنه ما انتدب إلا ليحقّق وعده، وأنّ في ظل انتدابه، وبأسنَّة حرابه، حقّق صهيون مبادئ حلمه، فانتزع الأرض منكم بقوة الإنكليز- وقوانين الإنكليز- وفتن ضعفاءكم بالخوف، وفقراءكم بالمال، حتى أخرجهم من ديارهم، واتخذ الصنائع والسماسرة منكم، وبنى المدن بأيديكم، ومهَّد الأرض بأيديكم وشاد المصانع بأيديكم، وأقام المتاجر وبيوت الأموال لامتصاص دمائكم وابتزاز أرزاقكم.
وعلمتم أن الإنكليز هم الذين سنُّوا الهجرة بعد الفتح ليكاثروكم بالصهيونيين على هذه الرقعة من أرضكم، فلما انتبهتم للخطر غالطوكم بالمشروع منها وغير المشروع، ومتى كانت هجرة الوباء والطاعون مشروعةً إلا في دين الإنكليز؟
وعلمتم أنَّ بريطانيا هي التي جرَّت ضرَّتها البلهاء أمريكا إلى محادَّتكم وجرَّأتها على احتقاركم لتكيدها وتكيدكم، ولتحل بالسياسة ما عقده الاقتصاد بينكم وبين أمريكا من صلات، وأنها هي التي ألَّبت عليكم الأمم الصغيرة ودويلاتها حتى إذا جالت الأزلام وأيقنت بالفوز أمسكت إمساك المتعفّف، وتظاهرت بالروية والحكمة، وجبرت خواطركم بالحياد، وملأت الدنيا تنويهًا بهذا الحياد الفاضح، فكانت كالقاتل المُعَزّي ...
يا ضيعة الآداب الإسلامية بينكم، إن المؤمن لا يُلدغ من جُحر مرتين، وقد لُدِغتم من الجحر الإنكليزي مرات فلم تحتاطوا ولم تعتبروا، وخُدعتم من الجانب الإنكليزي كرّات فلم تتعظوا ولم تتبصروا. خُدع خلفكم كما خُدع سلفكم، واستهوى أمراءكم وكبراءكم، ودعاكم إلى موائده الفِقار فلبَّيتم، وما رأى منكم في كل الحالات إلا المجاملة، واستمرار المعاملة، وما آنس منكم إلا التهافت على أعتابه، والتعلّق بأسبابه.
فيا ويحكم ... أكلّ ذلك لأن الإنكليز أغنياء وأنتم فقراء؟ أو لأنهم أقوياء وأنتم ضعفاء؟ كلا ... إنهم لأغنياء بكم وبأمثالكم من الأمم المستخذية، وليسوا أغنياء عنكم، وإنهم لأقوياء بما يستمدُّونه من أرضكم وجيوبكم، فاقطعوا عنهم المددين يضووا ويهزلوا، واخذُلوهم في مواطن الرأي والبأس ينخذلوا، وعمِّروا جزيرتكم تخرب جزيرتهم؛ إن لبدة الأسد هي بعضُ أسبابه إلى زرع الهيبة في القلوب، ولكنّ لبدة الأسد البريطاني لبدة مستعارة، فلو أن كلَّ أمة استرجعت شعراتها من تلك اللبدة التي تكمُن وراءها الرهبة، لأمسى الأسد هرًّا مجرود العنق، معروق الصدر، بادي الهزال والسلال.
إن الغنى عمل وتدبير، فلو عملتم لكنتم أغنياء؛ وإن بدء الغنى من غنى النفس بالتعفف عن الكماليات، وفطمها عن الشهوات، وإن القوة مشيئة لا جبر، فلو شئتم أن تكونوا أقوياء لكنتم، وإن بدء القوة من قوة الأخلاق، وقوة الاتحاد.
стр. 1325
هذا أول الإنكليز عرفتموه، فهل عرفتم آخرهم؟ إنهم كانوا أداة تفريقكم في الماضي، وكانوا عونًا للزمان عليكم، فلمّا رأوا شملكم إلى اجتماع، وجامعتكم إلى تحقّق، جمعوا لكم كل ما عندهم من مكائد ومصائد ...
إنهم ينطوون لكم على العظائم، وإنّ في جعبتهم ما في جعبة الحاوي من حيّات. وإن في أيديهم عروق الجسم العربي يضغطون على أيّها شاءوا متى شاءوا، في أيديهم قضية مصر يساومون بها ويماكسون، وفي أيديهم قضية السودان يلوّحون بها ويعاكسون، وفي أيديهم قضية ليبيا يشاغبون بها ويشاكسون، وفي قبضتهم شرق الأردن بما فيه، وما شرق الأردن إلا خيط الخنق، وشريط الشنق، قتله الإنكليز بأيديهم، وأمَرُّوا على الأيام قتله لأمرٍ هُم بالغوه إن لم تهُبُّوا وتذبُّوا، وفي أيديهم العراق ومنابعه، واليمن وتوابعه، ولهم على سوريا ولبنان يد ممنونة، في طيّها مُدْية مسنونة، وفي أيديهم مفاتيح الجزيرة، وأمراء الجزيرة، وقد أعدّوا لكل قفل من أقفالها مفتاحًا، ولكل أمير من أمرائها مِقودًا من رغبة أو من رهبة، ولهم مع ذلك من بينكم العيون الراصدة، والألسنة الحاصدة، وفيكم مع ذلك الآذانُ السامعة، والهمم الطامعة، وفي سجلّاتهم ذممكم وهممكم وقيمتكم، قدّروها تقديرًا، وأوسعوها تحليلًا وتدبيرًا.
إنهم ما حرّكوا مشروع سوريا الكبرى في ميقات معلوم إلا ليفتنوا بعضكم ببعض، ويغروا بيتًا ببيت، وقريشًا بتميم، فينخرق الإجماع وتفترق الجامعة، وإن هذه النقطة هي أعلى ما يصل إليه الدهاء الإنكليزي، كما أنها أعسر امتحان للضمير العربي الذي يتمنّى أن يتكتل العرب ولكن بدافع من أنفسهم لا على يد عدوّهم؛ وإن الإنكليز لقادرون على تحريك غيرها من الفتن المفرقة، وإنكم- أيها العرب- لا تردُّون كيدهم إلا بإجماعكم على تحديهم، واجتماعكم على إيقاف تعدّيهم، وإقامة جامعتكم على اعتبار مصلحة العرب، ووطن العرب، فوق الأغراض والأشخاص.
إنكم لا تردّون كيدهم بقوة جامعة الدول العربية، حتى تُسندوها بجامعة الشعوب العربية؛ فحرِّكوا في وجوههم تلك الكتلة متراصةً يرهبوا ثم يذهبوا.
...
لمسنا في هذه الكلمة حقائق مريرة وأومأنا إلى قضايا يسوءُنا أن نزيد حمأتها مدًّا. ولكن ما عذرنا إذا أمسكنا عن الشرح، ولو كان فيه جرح؛ وقد تأدَّى إلينا من تراث أجدادنا العرب هذه الحكمة الغالية: "من كتم داءه قتله".
أما ما يجب علينا لفلسطين فموضعه مقال آخر.
стр. 1326
فلسطين (٦)
واجباتها على العرب *
ــ
كاتب هذه السطور عربي، يعتز بعروبته إلى حد الغلوّ، ويعتدُّ بها إلى حد التعصّب، ويفخر بأبوّة العرب له إلى حد الانتِخاء؛ ما يودُّ أنّ له بذلك كله جميعَ ما يفخَر به الفاخرون من أحساب؛ فإذا أدار الضمائر في هذه المقالات على منهج التكلّم وقال: أنا، ونحن، وقلنا، وفعلنا، ولا نرضى ولن نرضى فهو حقيق بذلك، وإذا حشر نفسه في العصبة الذائدة عن فلسطين، وأشركها في العصبية الغالية لفلسطين، فليس بمدفوع عن ذلك، لأنه عربي أولًا، ومسلم ثانيًا، وفلسطيني بحكم العروبة والإسلام ثالثًا؛ فله بعروبته شرك في فلسطين من يوم طلعت هوادي خيول أجداده على البلقاء والمشارف، وتصاهلتْ جيادهم باليرموك، تحمل الموت الزُّؤام للأروام؛ وله بإسلامه عهد لفلسطين من يوم اختارها الباري للعروج، إلى السماء ذات البروج، وله إلى فلسطين نسبة من يوم قال الناس: مسجد عُمر، بل من يوم قالوا: غزة هاشم؛ فإذا لم يقم بالحق، ولم يَفِ بالعهد، وُسِم بالعقوق لوطنه الأكبر، ووُصم بالخيانة لدينه الجامع، وزنَّ بدعوى البنُوَّة في تلك الأبوَّة، وقديمًا انتخى جرير - وهو في الصميم من تميم - بخيله التي وردت نجران معلمة بالدارعين؛ وما وردت نجران إلا لإنقاذ تَيم، حين مسّها الضيم (١)؛ فكيف لا ينتخي بخيله التي وردت المشارف مَن هو في السر من فهر، وفي الذوائب من قريش. وما وردت إلا لإنقاذ تراث الخليل، من يد الدخيل.
وهذه الصحيفة عربيّة، تلوح من خلال سطورها ومضات من إشراق البيان العربي، وتَسري في جوانبها نفحات من سر العروبة، وتُسجَّل على صفحاتها صُوَر من أمجاد العرب،
стр. 1327
وتُستروح من أعطافها سمات من شمائل العرب وترفضّ فِقَرها- أحيانًا- عن مثل فتيت العنبر من مفاخرهم، وعن مثل شتيت الجوهر من آدابهم، وهي- بعد- لسان من ألسنة الإسلام، تنافح عن تراثه، وتناضل بين يَدَيْ وُرَّاثه، وتجاوز في ذلك مواطن العرب إلى حيث تتشابك الوشائج الروحية، وتتعانق الفروع الإسلامية؛ إلى حيث تجتمع القلوب على القرآن، وتتظاهر على تلاوته الألسنة والأسماع، إلى حيث تتفيأ على النفوس ظلاله، ويرتسم فيها جلاله، فإذا تقلَّدت هذه الصحيفة القلم الجائل، وروَّتْ ظمأها بالمداد السائل، في سبيل فلسطين فهي حقيقة بذلك، وإن ذلك لبعض حق فلسطين عليها.
وهذا الوطن الذي نبتنا في ثراه، وغُذِّينا بثمراته، وسُقينا عذبه ونميره، وتقلّبنا بين جباله وسهوله في النضرة والنعيم، وأودعنا فيه الذخائر الغالية من رُفات الأجداد، وطنٌ عربيُّ المنتسب، يشهد بذلك القلم واللسان، والأسماء والأفعال، وتشهد بذلك التواريخ المكتوبة، والأخبار غير المكذوبة، فإذا تظلَّم وتألَّم لفلسطين، وامتعض وارتمض للعدوان عليها، وإذا نهض يُواسي ويُعين، ويُسعف ويسعد، فهو حقيق بذلك، وإن ذلك لبعض حق فلسطين عليه.
ولكن ... هل من الصحيح أن التفجّع والتوجّع والتظلم والتألم والأقوال تتعالى، والاحتجاجات تتوالى، هي كل ما لفلسطين علينا من حقّ؟ وهل من المعقول أن التفجّع وما عطف عليه- مجتمعات في زمن، مقترنات في قرن- تدفع حيفًا، أو تفلّ لظالم سيفًا، أو تردّ عادية عاد، أو تسفّه حلم صهيون في أرض الميعاد؟ لا ... والذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
...
قُسمت فلسطين (بالتصويت) وهو أضعف صدى، وعلى (الأوراق) وهي أنزر جَدًا، وبالأغلبية السائرة على غير هُدى، تحدّيًا للعرب الذين كانوا في ذلك المجلس أضعف ناصرًا وأقلّ عددًا. فقامت قيامة العرب الأُباة حيثما أقلَّتهم أرض، وكان المظهر الأول للإباء العربي إجماع مندوبيهم في جامعة الدول على استنكار التقسيم، وتسميته باسمه الحقيقي وهو الاعتداء والإجرام، وإرسالهم في وجوه الظالمين صيحةً صاخّة بأنهم لا يذعنون لهذا الحكم ولا يخضعون له، وأنهم سيتحدّون هذا القضاء وقضاته بالاحتكام إلى السيف، يمحون به بغي الخُلطاء، وبقية اللُّقطاء، فسجل أولئك المندوبون للعروبة موقفًا من مواقف الشرف، ما هو بأول المواقف ولا بآخرها؛ وكان المظهر الثاني في الصحف والألسنة والأقلام، فأجمعتْ صحف العرب على اختلاف مواطنها من بغداد إلى مراكش على التنديد والاستنكار، وأجمع خطباء العرب على التحريض والاستنفار؛ وكان المظهر الثالث مظهر الأمم العربية فتداعت إلى المؤتمرات. وتنادتْ إلى الاجتماعات والمظاهرات.
стр. 1328
ولكن ... هل من الجدّ أن هذه المظاهر الثلاثة مجتمعةً هي كل ما لفلسطين على العرب من حقوق؟ وهل هذه المظاهر الثلاثة مجتمعة تمحو قرار التقسيم، وتُثبت حق العرب؟ اللهم لا ...
ثم كان المظهر الرابع اجتماعات وزراء الدول العربية باسم جامعتها، وزعماء العرب السياسيين وقادتهم العسكريين، لتنسيق الآراء وترتيب الخطط وتدبير المقاومة المشتركة، وقد بلغوا من ذلك ما أقرَّ عيون العرب وهدّأ خواطرهم، وإن قال قائلون: إنهم تباطأوا في أمر يجب فيه الاستعجال، وأطالوا الروية فيما يلزم فيه الارتجال، وقال آخرون: إنهم ما زالوا يؤثرون الديبلوماسية ومجاملاتها مع دهاة الديبلوماسية، وُيخشى أن يكون من آثار ذلك فتٌّ في الأعضاء وتوهين للعزائم وتنفيس على العدوّ في الوقت.
أمّا الحقّ الذي مكانه من هذه المظاهر مكان البسملة من اللّوح، فهو ما قام به عرب فلسطين الأبطال الذين كشفوا عن صواب الرأي القِناع، وحذفوا من الجملة حرف الامتناع، ونبذوا التردد، وأخذوا بالمغافصة، ومحوا بالسيف ما قال ابن دارة (٢)، وفتحوا باب الموت على مصراعيْه، و "تآسوا فسنّوا للكرام التآسيا" (٣)، وهذا هو العنوان كتبه عرب فلسطين بالصفاح لا بالأقلام، وهذا هو الواجب شرعه عرب فلسطين لجميع العرب.
...
أعمال عرب فلسطين مقدّمة فأين الكتاب؟ وطليعة فأين الكتائب؟ وواجب فأين ما لا يتمّ الواجب إلا به؟
ما على عرب فلسطين- بعد ذلك- من سبيل، إنما السبيل على العرب في مشارق الأرض ومغاربها، حكومات وقادةً وشعوبًا رجالًا ونساءً، وليست القضية قضية جماعة أو حكومة أو قطر؛ وإنما هي مسألة العرب جميعًا؛ لا يستبرئون لعهد العروبة وأمانتها إلا بالقيام بها جميعًا. ثم هي- بعد- قضية استعمار أحول، رجلُه في فلسطين وعينه على العراق والخليج وأعالي اليمن، وعينه الأخرى على مصر؛ فإذا لم يبادر العرب بالاصطلام، بادرهم بالالتهام:
هما خطتا: إمّا إسارٌ ومنّة ... وإما دمٌ، والموت بالحر أجدر
إن الواجب على العرب لفلسطين يتألف من جزءين: المال والرجال، وإن حظوظهم من هذا الواجب متفاوتة بتفاوتهم في القرب والبعد، ودرجات الإمكان وحدود الاستطاعة ووجود
стр. 1329
المقتضيات وانتفاء الموانع، وإن الذي يستطيعه الشرق العربي هو الواجب كاملًا بجزءيه لقرب الصريخ، وتيسُّر الإمداد، فبين فلسطين ومصر غلوة رام، وبينها وبين أجزاء الجزيرة خطوط وهمية خطَّتها يد الاستعمار، وإذا لم تمحُها الجامعة فليس للجامعة معنى. وإذا لم تهتبلْ لمحوها هذا اليوم فيوشك أن لا يجود الزمان عليها بيوم مثله.
...
واجب الدول العربيّة التصميم الذي لا يعرف الهوادة، والاعتزام الذي لا يلتقي بالهوينا، والحسم الذي يقضي على التردّد، والنظام الذي ينفي الفوضى والخلل، والرأي الذي يردّ ليلَ الحوادث صبحًا، والإجماع الذي لا ينخرق بحياة "عبد الله " (٤) ولا بموت "يحيى" (٥) ... وواجب زعماء العرب أن يتفقوا في الرأي ولا يختلفوا، وأن يتوقّوا عيوب الزعامة ونقائصها من تطلعّ لرياسة عاجلة، أو تشوّف لرئاسة آجلة، وأن يوجِّهوا بنفوذهم جميع قُوَى العرب الروحية والمادية إلى جهة واحدة وهي فلسطين، وأن لا يفتتنوا بما يفتحه عليهم العدو من ثغَر في اليمن أو في شرق الأردن، ليشغلهم بالجزئيات عن الكليات وليجعلَ بأسهم بينهم، وأن يكونوا على اتصال وتعاون مع الحكومات العربية.
وواجب كتّاب العرب وشعرائهم وخطبائهم أن يلمسوا مواقع الإحساس ومكامن الشعور من نفوس العرب، وأن يؤجّجوا نار النخوة والحمية والحفاظ فيها، وأن يغمزوا عروق الشرف والكرامة والإباء منها، وأن يثيروا الهمم الراكدة، والمشاعر الراقدة منها، وأن ينفُخوا فيها روحًا جديدة، فيها كل ما في السيّال الكهربائي من نار ونور.
وواجب شعوب الشرق العربي أن تندفع كالسيل، وتُصبِّح صهيون وأنصاره بالويل، وأن تبذل لفلسطين كل ما تملك من أموال وأقوات، وما قيمة الأموال المدَّخرة لنوائب الزمن إذا لم تُبذَل في نائبة النوائب؟ وما قيمة الأقوات المحتكرة لمصائب القحط إذا لم تدفع بها مصيبة المصائب؟
ووالله يمينًا برَّةً لو أن هذه القوى- روحيَّها ومادّيها- انطلقت من عُقلها، تظاهرت وتضافرت، وتوافت على فلسطين وتوافرت، لدفنت صهيون ومطامعه وأحلامه إلى الأبد، ولأزعجت أنصاره المصوّتين إزعاجًا يطير صوابهم، ويحبط ثوابهم، ويطيل صماتهم ويكبت أصواتهم، ولأحدثت في العالم الغربي تفسيرًا جديدًا لكلمة "عربي".
أما عرب الشمال الافريقي ...
стр. 1330
فلسطين (٧)
أما عرب الشمال الافريقي ... *
ــ
أمّا عرب الشمال الافريقي فهم عرب ولا فخر، وواجبهم في إنقاذ فلسطين هو واجب جميع العرب مع اعتبار العذر. ولكن ... الله لعرب الشمال الافريقي وما يلقون من ظلم الجار، وبعد الدار، وَعَنت الاستعمار، يتجاورون مع اليهود في وطن، ولكل منهما في فلسطين هوًى ملحّ يصهر الجوانح، ولكنّ أحد الفريقين يعلن هواه إلى حد العربدة فيُعذر ولا يُعذَل، والآخر يُخفي هواه ويخشى أن تنمّ عليه نأمة فيناقشُ الحساب.
يقيم اليهود معسكرات التدريب، ويُجَهزون سفن التهريب، كل ذلك تحت سمع الاستعمار الفرنسي وبصره، فلا يجدون منه إلا الأمن والعافية، والأعين الغافية، ولو همّ العرب بشيء من ذلك أو بأقلّ القليل منه، لقامت قيامة الاستعمار الفرنسي، واستخرج لكل حركة اسمًا مما اشتمل عليه قاموس المحرَّمات، وربط بكل اسم منها عقوبة تنصّ عليها القوانين المدَّخرة لوقت الحاجة.
ويسافر اليهود إلى فلسطين أو إلى حيث يشاءون لأنهم فرنسيّون بالاستلحاق على مذهب الأستاذ "كريميو"، ولا يستطيع العرب أن يجاوزوا الحدود لأنهم "مدجّنون"، والتدجين من لوازمه تشديد المراقبة، وتغليظ المعاقبة.
ويجمع اليهود عشرات الملايين باسم فلسطين لتكون في السلم أدوات تعمير، وفي الحرب آلات تقتيل وتدمير، فلا يحول بينهم وبين ذلك قانون ولا كانون، ولو أراد العرب شيئًا من ذلك لوجدوا أمامهم القوانين العائقة، والإجراءات الخانقة.
ويرى الرأي العام الفرنسي المسيطر على هذا الشمال، ومن ورائه الضمير الأوربي الذي يؤمن به بعضُ الأغرار منّا، هذا التفاوت في العمل والمعاملة، فلا يغُضّ من عنان الحرية لليهود حتى يرجعهم إلى الحد المعقول، ولا يسلسُ للعرب حتى يقفوا مع اليهود في درجة واحدة.
стр. 1331
بعض الإنصاف يا أصحاب هذه الضمائر المظلمة، فإنا لا نسألكم الإنصاف كله؛ أتعذِرون اليهود في إجلابهم على فلسطين، وجمعهم الأموال للاستيلاء على فلسطين، وتسليحهم لإخوانهم في فلسطين، ولا تعذرون العرب إذا هم فعلوا مع إخوانهم في فلسطين شيئًا من ذلك؟ أترخِّص حكوماتكم ليهود العالم في الهجرة إلى فلسطين، وتيسّر لهم سبلها، وتبيح لهم خرق القوانين الدولية المسطورة، فإذا حاول العربي شيئًا من ذلك رُدَّ وصُدَّ، وإذا دعا داعي العرب إلى شيء من ذلك عُدَّ مشوشًا ومتعصبًا وعنصريًّا؛ ولا والذي طواكم على هذه الضمائر، ما أرتْنا الحقيقة إلا أنكم أئمة العنصرية وأقطابُها، وما أرتْنا التجربة إلا أن كل شعب بنى حياته على العنصرية كانت هي علة موته.
آمَنّا الآن- على بداوتنا- بأن العالم المتحضّر قد تهوّد، وآمنا بأن السحر الذي أبطله موسى قد أحياه أشياعه ولكن بغير أدواته، أبطله بعصا الخشب، وأحيَوه بحبال الذهب، وآمنّا بسفسفة القضايا العقلية التي تحيل اجتماع الضدّين حين رأينا التضاد يجمع طرفيه في دائرة مغنطيسية فإذا هو ممكن ... وإذا عقيدتا الصلب لعيسى والتأليه له تجتمعان في هالة من البريق المُعشي للأبصار والبصائر، فكأنَّه لا تأليه ولا صلب ... كلَّ ذلك لأنه لا ضمير ولا قلب.
تعالوا يا أصحاب هذه الضمائر المنفصلة ... إلى كلمةٍ سواء بيننا وبين اليهود. تعالوا نقامركم مقامرة لا يقترحها إلا عربي، ولا يُقْدم عليها إلا حرّ أبيّ، ولكنها مقامرة تفضّ النزاع الذي أعياكم أمره، وراع العالم شرّه- في لحظة- دعونا من التقسيم فالرقعة ضيّقة بأهلها، ومن الوطن القومي فالكلمةُ ضائقة بمعناها، وهلمَّ بنا إلى الحل الناجز، والفصل الحاجز.
احشدوا إلى فلسطين جيشًا من الصهيونيين من نبْت الشرق أو غرس الغرب ولا نشترط إلا أن يكونوا صهيونيين، ونَكِلُ إليكم عدده، ونحشد نحن بإزائه جيشًا من العرب ولكم علينا أن يكون أقل من جيش اليهود عددًا إلى الثلثين، على شريطة واحدة، وهي أن يكون سلاح الفريقين متكافئًا في أنواعه وأصنافه وألوانه وأوصافه؛ ثم اضمنوا لنا البحر أن لا يقذف بمدد، ونضمن لكم الصحراء أن لا يتسرب منها أحد؛ ولتَبْقوا أنتم، ويهود العالم، وعرب العالم، نظَّارةً متفرّجين لا إعانة ولا إمداد، ولا هجرة ولا جهاد، ثم نفوّض إلى الجيشين حلّ المشكلة بالموت في ميقات يوم معلوم، فإن غلب الصهيونيون سلَّمنا في فلسطين، وآمنَّا بالوطن القومي، وزدنا على ذلك تحية وسلامًا، وتهنئة وإكرامًا؛ وإن غلب العرب كان الجُعل متواضعًا يزيّنه الرجوع إلى الطبيعة وهو بقاء فلسطين عربية تُظِل اليهود الأصلاء بالرعاية والحماية. وتُجلي اليهود الدخلاء الذين نجموا مع قرن الصهيونية ودخلوا فلسطين باسمها وعلى صوتها ودعوتها.
إنها- كما ترون- مقامرة تنطوي على مغامرة، وإن فيها لكثيرًا من المحاباة لليهود.
ومع ذلك فقد رضينا ورَضي العرب ... أقولها وأنا مسلم، والمسلمون يسعى بذمّتهم أدناهم، وعربي والعرب هم الذي وضعوا "كلمة الشرف" للعالم وأفهموه معناها.
стр. 1332
فإن لم تفعلوا- ولن تفعلوا- فاعلموا أن أشنعَ ما يسخله التاريخ تألُّب أمم على أمة، وانتصار أقوياء لباطل، وإن أقبحَ ما تقع عليه العيون جانٍ يتجنّى وظالم يتظلّم.
...
ونرجع إلى عرب الشمال الافريقي ... إن عليهم لفلسطين حقًّا لا تسقطه المعاذير، ولا تقف في طريقه القوانين مهما جارت، ومهما كانت فرنسية من ماركة (١) "خصوصي للمستعمرات" هذا الحق هو الإمداد بالمال، ومن أعان بالمال فقد قام من الواجب بأثقل شطريه.
إن فلسطين ليست في حاجة إلى آرائنا، فلها من آراء مداره العرب ما هو كرؤية العين حسًّا، وكأخذ اليد لمسًا، وكفلق الصبح إشراقًا وكشفًا.
وليست في حاجة إلى رجالنا، فلها من أشبالها وممن والاهم عديد الحصى، وما فيهم إلا مَن يعتقد أن موته حياة لوطنه، وأن نقصه من عديد قومه زيادة فيهم، ومهما استمدّ الصهيونيون الرجال من أوروبا فأمدَّتهم بالأخلاط والأنباط والعباديد والرعاديد، من ربائب النعيم، وعشّاق الحياة، أمشاج النسب وأمساخ الحضارة، استمدّوا الجزيرة فأمدَّتهم بكل مصداق لقول القائلة:
ومخرَّق عنه القميص تخاله ... وسْط البيوت من الحياءِ سقيما
حتى إذا رفع اللواء رأيتَه ... تحت اللواء على الخميس زعيما
وبكل مصدق لقول الأول: "فأيَّ رجال بادية ترانا".
...
إن مما يرهب عدوّك ويحمله على احترامك، أن تكون عاقلًا حازمًا، وأن تكون فغالًا لا قوّالًا، وإن أوجب واجب علينا نحن العرب الذين ابتُلينا بالاستعمار ووُضعنا منه في هذا الوضع الشاذ، أن نلوذَ في مثل قضية فلسطين بالعقل يحمينا من المزالق، وبالحزم يحمينا من التقصير، وأن لا نقول إلا ما نستطيع فعله. وقد ارتفعت بعض الأصوات هنا وفي تونس تدعو الأمة العربية إلى غايات لا تملك وسائلها، وبدرت كلمات عاثرة لم يملها التدبُّر، ولم تقوِّمها الحكمة، فكانت نتيجتها الطبيعية احتقار خصومنا لنا واستخفافهم بنا وكأنَّه لم يكفنا اتهامهم لنا بأننا أمّة أقوال، واسترسال مع الخيال، وأن كلامنا جعجعة بلا طحن، حتى جئنا نضع في أيديهم الشاهد المحسوس على ذلك، ومن لي بعرب كالعرب، لا يقولون إلا ما يفعلون؟
стр. 1333
لا نستطيع إمداد فلسطين بالرجال لأنه ليس لنا ما لليهود من تسهيلات، وليس عندنا ما عندهم من اتصالات ومؤسسات. وإنما نستطيع أن نمدَّ بالمال، فليعمل العاملون لذلك وليقفوا جهودهم على ذلك، فإنه أيسر علينا وأنفع لفلسطين، وليقُم أهلُ الرأي والثقة بتكوين لجان مركزية في العواصم تتفرّع منها لجان فرعية في الأقاليم، ولْيُعلنوا عملهم للأمة. ولتقم الأمة بواجبها، ولتعلم أن الغالي رخيص في سبيل عُروبة فلسطين، وأن صوم أسبوع في الشهر وادّخار نفقاته لفلسطين لمما يسهل على الفقير، وإن هجر الشهوات أسبوعًا من الشهر وإرصاد نفقاته لفلسطين لمما يسهل على الغني، وأن هجر الملاهي المبيدة للمال شهرًا كاملًا ووقف ما كان يُنفق فيها على فلسطين لأمر ميسور للغني والفقير معًا، وإن التعفّف عن كماليات الحياة عامًا كاملًا وشراء شرف الدهر بقيمها لأمر غيرُ بعيد من همّة العربي، وإن النور الذي أشرق في نفس عثمان بن عفّان فخرج من ماله وجهّز جيش العسرة لغير غريب عن نفس المسلم.
ألا هل بلَّغت؟ اللهمّ اشهد! ...
...
أما أنا، كاتب هذه السطور، فوالذي روحي بيده لو كنت أملك ما يملكه العموري (٢) من سَخْل، أو ما يملكه البسكريّ من نخل، أو ما يملكه الفلّاح من أرض، أو ما يملكه الحضري من دور ورباع، أو ما يملكه الكانز من ورِق وورَق، لخرجتُ من ذلك كله في سبيل عروبة فلسطين، ثم لا تجدُني مع ذلك منَّانًا ولا كنودًا، ولكنني أملك من هذه الدنيا مكتبة متواضعة هي كل ما يرثه الوارث عني، وإنني أضعُها خالصًا مخلصًا، بكتبها وخزائنها تحت تصرّف اللجنة التي تُشكَّل لإمداد فلسطين، ولا أستثني منها إلا نسخةً من المصحف للتلاوة، ونسخة من كل من الصحيحين للدراسة (٣).
стр. 1334
فلسطين (٨)
قيمة عواطف المسلمين في نظر فرنسا *
ــ
عُرضت قضية فلسطين- يوم عرضت- على ما يسمّونه مجلس الأمم المتحدة (على الباطل)، وفرنسا أحد أعضائه، فوافقت على التقسيم، ولم تراع مصلحتها الحقيقية، ولم تحترم شعور المسلمين وعواطفهم، وكانت في تلك الموافقة مقلِّدةً لا مجتهدة، وتابعةً لا مستقلّة، ومؤتمةً بإمام لا يصحّ الائتمام به في شريعة العقل، لأنه سفيه باع ما لا يملك بالنسيئة لا بالنقد، وليتها إذ أخطأت العدل في تلك القضية أصابت الكياسة، ولو كانت كياسة صورية رخيصة، كتلك التي تستّرتْ بها إنكلترا قريعتُها في الاستعمار وكثرة العلائق بالمسلمين؛ فقد وقفتْ إنكلترا في ذلك اليوم موقفًا قال بعض الناس إنه مصانعة، وقلنا نحن إنه مخادعة؛ ولكنه لا يخلو من كياسة محدودة بحينها، وبه حفظت للعرب والمسلمين ما يحفظه التاجر للعملاء، أو المسافر للزملاء، أما فرنسا فقد تجلَّت في ذلك المجلس بكل ما في العرق اللاتيني من حقد وَقاح، وبُغض صُراح، وتحدٍّ لعواطف المسلمين، واستخفاف بشعورهم، ثم نكص الرئيس المفتون وبدا له في التقسيم بَداءٌ فشك وارتاب، وشكَّك وأراب، ولم يستقرّ له في المسألة رأيٌ. ولكن فرنسا لم تنكص ولم تشكّ، كأنّ لها عند العرب والمسلمين تِرَةٌ. ثم أعلنتْ دولة إسرائيل استعجالًا لتعبير رؤيا صهيون، وتحقيقًا لحكم المهوّسين من أتباعه، وبادر راهب البيت الأبيض بالاعتراف المتّفق عليه، فما كان من فرنسا إلا أن تحلّبت شفاهُها على الاعتراف، وهامت به وحامت حوله؛ ولكنها- لأمرٍ ما- توقّفت عن الاعتراف، وأرسلتْ بدَله التحيات الأخوية والتهنئات القلبية لدولة إسرائيل.
نحن لا نجهل تغلغلَ الصهيونية في فرنسا، ولا نجهل تحكّمَ اليهودية في مرافقها الحيوية، وفي جهازها الحكومي، بل في كيانها الذي هي به أمة؛ بل نَعدّ فرنسا ومستعمراتها
стр. 1335
كلّها مستعمرةً واحدة يهودية، بل نستغرب مطالبةَ اليهود بوطن قومي، مع أن فرنسا كلّها وطن قومي لهم، لم يفقدوا فيه إلا الاسم وما أهونه، بل نحن نعتقد أنهم يطالبون من فلسطين بوطن ثان بعد تحصيلهم على الوطن الأول، بحيث يكون لهم من فلسطين وطن، فيه المُنى والأحلام، وإرواء الظمإ التاريخي، وإشباع الهوس الديني، والنكاية في المسلمين بالتسلُّط على قبلتهم الأولى، ويكون ذلك الوطن في الأخير مفتاحَ الشرق، ثم يكون لهم من فرنسا وطن فيه المال والجاه ومُتع الحضارة، والأخذ بناصية التجارة، والسلطان الفعلي على الوزراء والوزارة، والنكاية في الكنيسة المسيحية بالاستيلاء على بنتها البكر.
فعلت فرنسا كلّ ذلك خوفًا من اليهود، أو تأثّرًا بنفوذهم، أو انسياقًا بعصاهم، وهذا هو الصحيح، ولم تفعله مجاملةً لهم، إذ لو كان للمجاملة هنا مجال لكان العرب والمسلمون أحق من تُجامله فرنسا، وهي التي طالما رفعت صوتها- في معرض الافتخار- بأنها دولة إسلامية.
في المغرب العربي الذي تتحكّم فيه فرنسا، وتستأثر بخيراته، وتستميت في سبيل الاحتفاظ به، خمسة وعشرون مليونًا من العرب المسلمين، وكلهم أعطوا فرنسا ولم يأخذوا منها، في حين أنّ اليهود أخذوا منها كل شيء، ولم يُعطوها شيئًا، ولكل هذه الملايين هوًى في فلسطين، واعتقادٌ لعروبة فلسطين، ووشائج قربى مع عرب فلسطين، فكان واجب السياسة والكياسة معًا يتقاضى فرنسا أن تراعي عواطفهم نحو فلسطين، وأن تتباعد عن كل ما يجرحها، وأن تتّخذ من ذلك كلّه ذريعة للحياة، ولو فعلتْ لربحت من إرضاء هذه الملايين من القلوب ما هو أعود عليها بالخير من دولارات أمريكا، ولكنها لم تفعل ولن تفعل لأن الأمر ليس بيدها.
...
من الغريب أن الفرنسي الرسمي يسهل عليه أن يقول: إن فرنسا دولة إسلامية، مع أنه ليس للمسلمين أية يد في تسيير الدولة، ولا يسهُل عليه أن يقول: إنّ فرنسا دولة يهوديّة، مع أن اليهود فيها هم كلّ شيء، وهو يقول الأولى رياءً أو افتخارًا، ولا يقول الثانية أنفةً أو احتقارًا. فما أشبه الفرنسي في هذا الباب بالمتألِّه المغرور، يلعنُ الشيطان وهو متبع لخُطواته.