← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

بعض الإنصاف يا أصحاب هذه الضمائر المظلمة، فإنا لا نسألكم الإنصاف كله؛ أتعذِرون اليهود في إجلابهم على فلسطين، وجمعهم الأموال للاستيلاء على فلسطين، وتسليحهم لإخوانهم في فلسطين، ولا تعذرون العرب إذا هم فعلوا مع إخوانهم في فلسطين شيئًا من ذلك؟ أترخِّص حكوماتكم ليهود العالم في الهجرة إلى فلسطين، وتيسّر لهم سبلها، وتبيح لهم خرق القوانين الدولية المسطورة، فإذا حاول العربي شيئًا من ذلك رُدَّ وصُدَّ، وإذا دعا داعي العرب إلى شيء من ذلك عُدَّ مشوشًا ومتعصبًا وعنصريًّا؛ ولا والذي طواكم على هذه الضمائر، ما أرتْنا الحقيقة إلا أنكم أئمة العنصرية وأقطابُها، وما أرتْنا التجربة إلا أن كل شعب بنى حياته على العنصرية كانت هي علة موته. آمَنّا الآن- على بداوتنا- بأن العالم المتحضّر قد تهوّد، وآمنا بأن السحر الذي أبطله موسى قد أحياه أشياعه ولكن بغير أدواته، أبطله بعصا الخشب، وأحيَوه بحبال الذهب، وآمنّا بسفسفة القضايا العقلية التي تحيل اجتماع الضدّين حين رأينا التضاد يجمع طرفيه في دائرة مغنطيسية فإذا هو ممكن ... وإذا عقيدتا الصلب لعيسى والتأليه له تجتمعان في هالة من البريق المُعشي للأبصار والبصائر، فكأنَّه لا تأليه ولا صلب ... كلَّ ذلك لأنه لا ضمير ولا قلب. تعالوا يا أصحاب هذه الضمائر المنفصلة ... إلى كلمةٍ سواء بيننا وبين اليهود. تعالوا نقامركم مقامرة لا يقترحها إلا عربي، ولا يُقْدم عليها إلا حرّ أبيّ، ولكنها مقامرة تفضّ النزاع الذي أعياكم أمره، وراع العالم شرّه- في لحظة- دعونا من التقسيم فالرقعة ضيّقة بأهلها، ومن الوطن القومي فالكلمةُ ضائقة بمعناها، وهلمَّ بنا إلى الحل الناجز، والفصل الحاجز. احشدوا إلى فلسطين جيشًا من الصهيونيين من نبْت الشرق أو غرس الغرب ولا نشترط إلا أن يكونوا صهيونيين، ونَكِلُ إليكم عدده، ونحشد نحن بإزائه جيشًا من العرب ولكم علينا أن يكون أقل من جيش اليهود عددًا إلى الثلثين، على شريطة واحدة، وهي أن يكون سلاح الفريقين متكافئًا في أنواعه وأصنافه وألوانه وأوصافه؛ ثم اضمنوا لنا البحر أن لا يقذف بمدد، ونضمن لكم الصحراء أن لا يتسرب منها أحد؛ ولتَبْقوا أنتم، ويهود العالم، وعرب العالم، نظَّارةً متفرّجين لا إعانة ولا إمداد، ولا هجرة ولا جهاد، ثم نفوّض إلى الجيشين حلّ المشكلة بالموت في ميقات يوم معلوم، فإن غلب الصهيونيون سلَّمنا في فلسطين، وآمنَّا بالوطن القومي، وزدنا على ذلك تحية وسلامًا، وتهنئة وإكرامًا؛ وإن غلب العرب كان الجُعل متواضعًا يزيّنه الرجوع إلى الطبيعة وهو بقاء فلسطين عربية تُظِل اليهود الأصلاء بالرعاية والحماية. وتُجلي اليهود الدخلاء الذين نجموا مع قرن الصهيونية ودخلوا فلسطين باسمها وعلى صوتها ودعوتها. إنها- كما ترون- مقامرة تنطوي على مغامرة، وإن فيها لكثيرًا من المحاباة لليهود. ومع ذلك فقد رضينا ورَضي العرب ... أقولها وأنا مسلم، والمسلمون يسعى بذمّتهم أدناهم، وعربي والعرب هم الذي وضعوا "كلمة الشرف" للعالم وأفهموه معناها.

стр. 1332

فإن لم تفعلوا- ولن تفعلوا- فاعلموا أن أشنعَ ما يسخله التاريخ تألُّب أمم على أمة، وانتصار أقوياء لباطل، وإن أقبحَ ما تقع عليه العيون جانٍ يتجنّى وظالم يتظلّم. ... ونرجع إلى عرب الشمال الافريقي ... إن عليهم لفلسطين حقًّا لا تسقطه المعاذير، ولا تقف في طريقه القوانين مهما جارت، ومهما كانت فرنسية من ماركة (١) "خصوصي للمستعمرات" هذا الحق هو الإمداد بالمال، ومن أعان بالمال فقد قام من الواجب بأثقل شطريه. إن فلسطين ليست في حاجة إلى آرائنا، فلها من آراء مداره العرب ما هو كرؤية العين حسًّا، وكأخذ اليد لمسًا، وكفلق الصبح إشراقًا وكشفًا. وليست في حاجة إلى رجالنا، فلها من أشبالها وممن والاهم عديد الحصى، وما فيهم إلا مَن يعتقد أن موته حياة لوطنه، وأن نقصه من عديد قومه زيادة فيهم، ومهما استمدّ الصهيونيون الرجال من أوروبا فأمدَّتهم بالأخلاط والأنباط والعباديد والرعاديد، من ربائب النعيم، وعشّاق الحياة، أمشاج النسب وأمساخ الحضارة، استمدّوا الجزيرة فأمدَّتهم بكل مصداق لقول القائلة: ومخرَّق عنه القميص تخاله ... وسْط البيوت من الحياءِ سقيما حتى إذا رفع اللواء رأيتَه ... تحت اللواء على الخميس زعيما وبكل مصدق لقول الأول: "فأيَّ رجال بادية ترانا". ... إن مما يرهب عدوّك ويحمله على احترامك، أن تكون عاقلًا حازمًا، وأن تكون فغالًا لا قوّالًا، وإن أوجب واجب علينا نحن العرب الذين ابتُلينا بالاستعمار ووُضعنا منه في هذا الوضع الشاذ، أن نلوذَ في مثل قضية فلسطين بالعقل يحمينا من المزالق، وبالحزم يحمينا من التقصير، وأن لا نقول إلا ما نستطيع فعله. وقد ارتفعت بعض الأصوات هنا وفي تونس تدعو الأمة العربية إلى غايات لا تملك وسائلها، وبدرت كلمات عاثرة لم يملها التدبُّر، ولم تقوِّمها الحكمة، فكانت نتيجتها الطبيعية احتقار خصومنا لنا واستخفافهم بنا وكأنَّه لم يكفنا اتهامهم لنا بأننا أمّة أقوال، واسترسال مع الخيال، وأن كلامنا جعجعة بلا طحن، حتى جئنا نضع في أيديهم الشاهد المحسوس على ذلك، ومن لي بعرب كالعرب، لا يقولون إلا ما يفعلون؟

стр. 1333

لا نستطيع إمداد فلسطين بالرجال لأنه ليس لنا ما لليهود من تسهيلات، وليس عندنا ما عندهم من اتصالات ومؤسسات. وإنما نستطيع أن نمدَّ بالمال، فليعمل العاملون لذلك وليقفوا جهودهم على ذلك، فإنه أيسر علينا وأنفع لفلسطين، وليقُم أهلُ الرأي والثقة بتكوين لجان مركزية في العواصم تتفرّع منها لجان فرعية في الأقاليم، ولْيُعلنوا عملهم للأمة. ولتقم الأمة بواجبها، ولتعلم أن الغالي رخيص في سبيل عُروبة فلسطين، وأن صوم أسبوع في الشهر وادّخار نفقاته لفلسطين لمما يسهل على الفقير، وإن هجر الشهوات أسبوعًا من الشهر وإرصاد نفقاته لفلسطين لمما يسهل على الغني، وأن هجر الملاهي المبيدة للمال شهرًا كاملًا ووقف ما كان يُنفق فيها على فلسطين لأمر ميسور للغني والفقير معًا، وإن التعفّف عن كماليات الحياة عامًا كاملًا وشراء شرف الدهر بقيمها لأمر غيرُ بعيد من همّة العربي، وإن النور الذي أشرق في نفس عثمان بن عفّان فخرج من ماله وجهّز جيش العسرة لغير غريب عن نفس المسلم. ألا هل بلَّغت؟ اللهمّ اشهد! ... ... أما أنا، كاتب هذه السطور، فوالذي روحي بيده لو كنت أملك ما يملكه العموري (٢) من سَخْل، أو ما يملكه البسكريّ من نخل، أو ما يملكه الفلّاح من أرض، أو ما يملكه الحضري من دور ورباع، أو ما يملكه الكانز من ورِق وورَق، لخرجتُ من ذلك كله في سبيل عروبة فلسطين، ثم لا تجدُني مع ذلك منَّانًا ولا كنودًا، ولكنني أملك من هذه الدنيا مكتبة متواضعة هي كل ما يرثه الوارث عني، وإنني أضعُها خالصًا مخلصًا، بكتبها وخزائنها تحت تصرّف اللجنة التي تُشكَّل لإمداد فلسطين، ولا أستثني منها إلا نسخةً من المصحف للتلاوة، ونسخة من كل من الصحيحين للدراسة (٣).

стр. 1334

فلسطين (٨) قيمة عواطف المسلمين في نظر فرنسا * ــ عُرضت قضية فلسطين- يوم عرضت- على ما يسمّونه مجلس الأمم المتحدة (على الباطل)، وفرنسا أحد أعضائه، فوافقت على التقسيم، ولم تراع مصلحتها الحقيقية، ولم تحترم شعور المسلمين وعواطفهم، وكانت في تلك الموافقة مقلِّدةً لا مجتهدة، وتابعةً لا مستقلّة، ومؤتمةً بإمام لا يصحّ الائتمام به في شريعة العقل، لأنه سفيه باع ما لا يملك بالنسيئة لا بالنقد، وليتها إذ أخطأت العدل في تلك القضية أصابت الكياسة، ولو كانت كياسة صورية رخيصة، كتلك التي تستّرتْ بها إنكلترا قريعتُها في الاستعمار وكثرة العلائق بالمسلمين؛ فقد وقفتْ إنكلترا في ذلك اليوم موقفًا قال بعض الناس إنه مصانعة، وقلنا نحن إنه مخادعة؛ ولكنه لا يخلو من كياسة محدودة بحينها، وبه حفظت للعرب والمسلمين ما يحفظه التاجر للعملاء، أو المسافر للزملاء، أما فرنسا فقد تجلَّت في ذلك المجلس بكل ما في العرق اللاتيني من حقد وَقاح، وبُغض صُراح، وتحدٍّ لعواطف المسلمين، واستخفاف بشعورهم، ثم نكص الرئيس المفتون وبدا له في التقسيم بَداءٌ فشك وارتاب، وشكَّك وأراب، ولم يستقرّ له في المسألة رأيٌ. ولكن فرنسا لم تنكص ولم تشكّ، كأنّ لها عند العرب والمسلمين تِرَةٌ. ثم أعلنتْ دولة إسرائيل استعجالًا لتعبير رؤيا صهيون، وتحقيقًا لحكم المهوّسين من أتباعه، وبادر راهب البيت الأبيض بالاعتراف المتّفق عليه، فما كان من فرنسا إلا أن تحلّبت شفاهُها على الاعتراف، وهامت به وحامت حوله؛ ولكنها- لأمرٍ ما- توقّفت عن الاعتراف، وأرسلتْ بدَله التحيات الأخوية والتهنئات القلبية لدولة إسرائيل. نحن لا نجهل تغلغلَ الصهيونية في فرنسا، ولا نجهل تحكّمَ اليهودية في مرافقها الحيوية، وفي جهازها الحكومي، بل في كيانها الذي هي به أمة؛ بل نَعدّ فرنسا ومستعمراتها

стр. 1335

كلّها مستعمرةً واحدة يهودية، بل نستغرب مطالبةَ اليهود بوطن قومي، مع أن فرنسا كلّها وطن قومي لهم، لم يفقدوا فيه إلا الاسم وما أهونه، بل نحن نعتقد أنهم يطالبون من فلسطين بوطن ثان بعد تحصيلهم على الوطن الأول، بحيث يكون لهم من فلسطين وطن، فيه المُنى والأحلام، وإرواء الظمإ التاريخي، وإشباع الهوس الديني، والنكاية في المسلمين بالتسلُّط على قبلتهم الأولى، ويكون ذلك الوطن في الأخير مفتاحَ الشرق، ثم يكون لهم من فرنسا وطن فيه المال والجاه ومُتع الحضارة، والأخذ بناصية التجارة، والسلطان الفعلي على الوزراء والوزارة، والنكاية في الكنيسة المسيحية بالاستيلاء على بنتها البكر. فعلت فرنسا كلّ ذلك خوفًا من اليهود، أو تأثّرًا بنفوذهم، أو انسياقًا بعصاهم، وهذا هو الصحيح، ولم تفعله مجاملةً لهم، إذ لو كان للمجاملة هنا مجال لكان العرب والمسلمون أحق من تُجامله فرنسا، وهي التي طالما رفعت صوتها- في معرض الافتخار- بأنها دولة إسلامية. في المغرب العربي الذي تتحكّم فيه فرنسا، وتستأثر بخيراته، وتستميت في سبيل الاحتفاظ به، خمسة وعشرون مليونًا من العرب المسلمين، وكلهم أعطوا فرنسا ولم يأخذوا منها، في حين أنّ اليهود أخذوا منها كل شيء، ولم يُعطوها شيئًا، ولكل هذه الملايين هوًى في فلسطين، واعتقادٌ لعروبة فلسطين، ووشائج قربى مع عرب فلسطين، فكان واجب السياسة والكياسة معًا يتقاضى فرنسا أن تراعي عواطفهم نحو فلسطين، وأن تتباعد عن كل ما يجرحها، وأن تتّخذ من ذلك كلّه ذريعة للحياة، ولو فعلتْ لربحت من إرضاء هذه الملايين من القلوب ما هو أعود عليها بالخير من دولارات أمريكا، ولكنها لم تفعل ولن تفعل لأن الأمر ليس بيدها. ... من الغريب أن الفرنسي الرسمي يسهل عليه أن يقول: إن فرنسا دولة إسلامية، مع أنه ليس للمسلمين أية يد في تسيير الدولة، ولا يسهُل عليه أن يقول: إنّ فرنسا دولة يهوديّة، مع أن اليهود فيها هم كلّ شيء، وهو يقول الأولى رياءً أو افتخارًا، ولا يقول الثانية أنفةً أو احتقارًا. فما أشبه الفرنسي في هذا الباب بالمتألِّه المغرور، يلعنُ الشيطان وهو متبع لخُطواته.

стр. 1336

فلسطين (٩) عيد الأضحى وفلسطين * ــ النفوس حزينة، واليوم يوم الزينة، فماذا نصنع؟ إخواننا مشرّدون، فهل نحن من الرحمة والعطف مجرَّدون؟ تتقاضانا العادة أن نفرح في العيد ونبتهج، وأن نتبادل التهاني، وأن نطرح الهموم، وأن نتهادى البشائر. وتتقاضانا فلسطين أن نحزن لمحنتها ونغتمّ، ونُعنَى بقضيتها ونهتمّ. ويتقاضانا إخواننا المشرّدون في الفيافي، أبدانهم للسوافي، وأشلاؤهم للعوافي، أن لا ننعم حتى ينعموا، وأن لا نطعم حتى يطعموا. ليت شعري! ... هل أتى عبَّادَ الفلس والطين، ما حلّ ببني أبيهم في فلسطين؟ أيها العرب، لا عيد، حتى تنفذوا في صهيون الوعيد، وتُنجزوا لفلسطين المواعيد، ولا نحر، حتى تقذفوا بصهيون في البحر. ولا أضحى، حتى يظمأ صهيون في أرض فلسطين ويضحى. أيها العرب: حرام أن تنعموا وإخوانكم بؤساء، وحرام أن تطعموا وإخوانكم جياع، وحرام أن تطمئنّ بكم المضاجع وإخوانكم يفترشون الغبراء. أيها المسلمون: افهموا ما في هذا العيد من رموز الفداء والتضحية والمعاناة، لا ما فيه من معاني الزينة والدعة والمطاعم. ذاك حق الله على الروح، وهذا حق الجسد عليكم.

стр. 1337

إن بين جنبيّ ألمًا يتنزَّى، وإن في جوانحي نارًا تتلظّى، وإن بين أناملي قلمًا سُمته أن يجري فجمح، وأن يسمح فما سمح، وإن في ذهني معاني أنحى عليها الهم فتهافتت، وإن على لساني كلمات حبسها الغم فتخافتت. فَلَوْ أَنَّ قَوْمِي أَنْطَقَتْنِي رِمَاحُهُمْ ... نَطَقْتُ وَلَكِنَّ الرِّمَاحَ أُجِرَّتِ

стр. 1338

جمعية العلماء والشرق والإسلام

стр. 1339

عيد بأية حال عدت ... عيد الأضحى * ــ يا عيد ... بأيّة حال عدت، وبأيّ نوال جُدت ... لهذه الأمم التي تتشوّف إلى هلالك، - وتتطلّع إلى إقبالك، وتنتظر منك ما ينتظره المدلج من تباشير الصبح؟! بأية حال عدت إلى هذه الأمم التي تألَّبت عليها الأيام، واصطلحت مع الليالي، فلا تأتيها هذه إلا سوداء حالكة بالظلمات، ولا تمُرّ عليها تلك إلا قاتمة متدجّية بالظلم. إن هذه الأمم التي تدين بتعظيمك، وتتيمّن بورودك، وتُقيم شعائر الله في يومك، تتلمّح فيك اليمن والرباح، وتجتلي في غرّتك اليسر والسماح، وتتنسّم في حلولك السعادة والهناء، وتتوسّم في هلالك الخير والبركة. إن هذه الأمم كادت تسأم من أسماء الأيام، وتتبرم بالجُمع والسبوت والآحاد، لفرط ما تعاقبت عليها بالضر والشر؛ وهي تترقّب يومًا يُعرف بوسمه، لا باسمه، ويُتعرَّف بآثاره، كما يتعرف الربيع باخضراره، وأنت ذلك اليوم، وأنها كانت تستطيل الليل، وتقطعه في الترقُّب للنهار الذي يتبلّج صبحه بالضياء والإشراق، وتسطع شمسه بالنور والحرارة، ويفيض ضحاه بالحركة والنشاط، فأصبحت تستطيل النهار لإقباله عليها بالهمّ والغمّ، وإدباره عنها بالعنَت والرهق، وتطمئن إلى الليل بما فيه من ظلمات، فرارًا من النهار لما فيه من ظلم، ومن لها بليل لا صباح له؟! ... فيك- أيها العيد- يستروح الأشقياء ريح السعادة، وفيك يتنفّس المختنقون في جو من السعة، وفيك يذوق المعدمون طيبات الرزق، ويتنعّم الواجدون بأطايبه، وفيك تُسلس

стр. 1340

النفوس الجامحة قيادها إلى الخير، وفيك تهشّ النفوس الكزّة إلى الإحسان؛ فلا تلُم البائسين- وقد عوّدتهم هذا- أن يسألوك المزيد، فيطلب الخائفون أن تُشرق عليهم شمسك بالأمان، ويرجو المظلومون أن يطلُع عليهم يومك بالانتصاف. ويتمنى المستعبدون أن يتجلّى لهم ليلك عن الحرية والسيادة. ... إن تفاخرت الأيام ذوات الشيات والمياسم، والمواكب والمواسم، فيومك الأغرّ المشهّر، وإن أتت الأيام بمن له فيها ذكر من الرجال، أو بمن شرفها بنسبة من الأبطال، جئت بإبراهيم، وإبراهيم آدم النبوّة، بعد آدم الأبوّة، وبإسماعيل، وإسماعيل سامك البنية القوراء، وعامر الحنيّة القفراء، ورمز التضحية والفداء، وناسل العديد الطيّب من النجيبات والنجباء؛ وبمحمد، ومحمد لبنة التمام، ومسك الختام، ورسول السلام، وكفى ... وإن جاءت الأيام بما أُثِر فيها من رموز، ونُثر باسمها من كنوز، جئت بالشعائر المأثورة، والنذر المنذورة؛ وجئت بالهدي يتهادى، والبُدن تتعادى، وجئتَ بالفدية والكفارة، والتجرّد والطهارة، وجئت بالأضحية والقربان، رموزٌ طواها الإسلام في الشعائر المضافة إليك ووكل لتصاريف الزمان شرحَها، وقد شرحتْ وأوضحت؛ وأين من يعقِل أو من يعي؟ ... يا عيد ... بأية حال عدت؟ ... وهذه فلسطين التي عظَّمت حُرُماتك ثلاثة عشر قرنًا ونصف قرن، وتأرج ثراها بالأثر العاطر من إسراء محمد، وتضمَّخ بدماء الشهداء من أصحابه. واطمأنَّت- من أول يوم- قلوب أبنائها بهدي القرآن، وجنوبهم بعدل عمر، تسام الدون، وتقاسي عذاب الهون؛ قد اجتمع على اهتضامها عُتو الأقوياء، وكيد الضعفاء؛ يريدون أن يمحوا معالمك منها، ويحسروا ظلال الإسلام عنها؛ طرقت حماها غارةٌ شعواء، من الشهوات والأهواء، يحميها الحديد، وينافح عنها الذهب، وغمرتها قطعان من ذؤبان البشر، وشراذم من عبّاد المال، يريدون أن يحقّقوا فيها حلمًا غلطوا في تفسيره؛ وأن ينصبوا فيها مسيحًا دجّالًا، بعد أن كذّبوا المسيح الصادق؛ وأن ينتقموا فيها من المسلمين بعد أن عجزوا عن الانتقام من بابل ويونان، وفارس والرومان، وروسيا والألمان، وإيطاليا والإسبان؛ وأن يرثوها بدون استحقاق، ويجعلوا من بني إسماعيل خَوَلًا لبني إسحاق. وهذه الجزيرة العربية مَجْلى البيان والوحي، ومسرح الخيال والشعر، ومنبت حماة الحقائق من قحطان وعدنان، تُنصب فيها أشراك الشركات ووراء كل شرك صائد؛ وتتناطح

стр. 1341

فيها رؤوس الأموال؛ ووراء كل رأس مال رؤوس حيوانية تفكّر في الكيد، وأيدٍ حريرية تحمل القيد؛ وأرجل تسعى للاحتلال والاستغلال؛ وقد فُجعت صحراؤها في الدليل الذي كان يستاف أخلاف الطرق (١)، بالدليل الذي جاء يستشفّ (٢) أطباق الأرض، ويشتَفُّ (٣) ما فيها من سوائل؛ وأصبح ما في بطن الأرض من الكنوز السائلة والجامدة بلاءً وشقاءً لمن على ظهرها من أهل وسكان. وهذه مصر كنانة السهام؛ أرض العبقرية وسماء الإلهام، وقبلة العرب ومحراب الإسلام؛ تدفع بقوّة إيمانها ألوهية فرعون جديد. وتدفع بيقظتها كيد شيطان مريد، بعد أن أنقذها الإسلام من تعبّد الفراعنة الأولين؛ وإن فرعون الجديد لعالٍ في الأرض- كأخيه- وإنه لمن المفسدين. وهذا الشمال (٤) قد أصبح أهله كأصحاب الشِّمال، في سموم من الاستعمار وحميم وظل من يحموم، لا بارد ولا كريم، أفسد الاستعمار أخلاقهم، ووهّن عزائمهم، وفرّق بين أجزائهم لئلّا يجتمعوا، وقطع الصلة بينهم وبين ماضيهم لئلّا يدّكِروا، وضرب بينهم وبين العلم بسور ليس له باب؛ ومكّن فيهم للضعف والانحلال، بما زيّن لهم من سوء الأعمال؛ وبما غزا به نفوسهم وعواطفهم من أفكار ومغريات. وهذه تركيا ذات السلف الصالح في رفع منارك، وإقامة شعارك، واقفةٌ على صراط أرقّ من السيف، واقعة بين دبّ عارم يترقّب الفرصة لازدرادها، وبين محتال بارع يمدّ الشباك لاصطيادها، ويطوي في العمل لتحريرها نية استعبادها، ويداويها من المرض الأحمر بالداء الأصفر. وهذا الهند الإسلامي لا يكاد يظفر بالأمنية التي سلخ في انتظارها القرون، وبذل في تحصيلها الجهود، ويستعيد تراث الإسلام الذي أثّله المهلب والثقفي (٥) حتى تعاجله الدسائس والفتن، وحتى ليوشك أن يرجع إلى العبودية طائعًا مختارًا، فيسجّل على نفسه عار الدهر وخزي الأبد. وهذه جزائر الهند الشرقية التي عرفتك مع الإسلام. والتقت بك في البيت الحرام، وكوّن منها عدل الدين واعتدال الزمان والمكان أمة كما تهوى الفطرة الكاملة، وتطلب

стр. 1342

الإنسانية الفاضلة، تحاول حلّ العقدة التي عقدها المكر بالسيف، وتعاني من تصامم الأقوياء وإخلاف وعودهم ما هو أشد من البلاء، وأشق من الموت؛ ولولا أن (الغربيّة) رحم يرعاها الغربي للغربي ما استعبدتِ السبعة سبعين (٦). وهذا العالم كله مسيّر إلى غاية مشؤومة، متوقّع لضربة قاضية، تنسي الماضية؛ وهو يستنزل الغيث من غير مصبّه، ويستروح ريح الرحمة من غير مهبّه، ويتعلّل بالعلالات الواهية، من جمعية (٧) لم تجمع متفرقًا من هوى، ولم تزجر عاديًا عن عدوان، إلى مجلس أمن لم يؤمِّن خائفًا، ولم ينصر مظلومًا، وإنما هو كرة بين لاعبين، أحدهما يستهوي بالفكرة، والآخر يستغوي بالمال. وويل للعالم إذا نفد النفاق، واصطدمت قوة الفكر بقوة الذهب. ... أما والله لو ملكتَ النطق يا عيد، لأقسمتَ بما عظّم الله من حرماتك، وبما كانت تقسم به العرب من الدماء المراقة في أيامك ومناسكك، ولقلتَ لهذه الجموع المهيضة الهضيمة من أتباع محمد، يا قوم: ما أخلف العيد، وما أخلفت من ربكم المواعيد. ولكنكم أخلفتم، وأسلفتم الشر فجُزيتم بما أسلفتم، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾. فلو أنكم آمنتم بالله حق الإيمان، وعملتم الصالحات التي جاء بها القرآن، ومنها جمع الكلمة، وإعداد القوّة، ومحو التنازع من بينكم، لأنجز الله لكم وعده، وجعلكم خلائف الأرض؛ ولكنكم تنازعتم ففشلتم وذهبتْ ريحكم، وما ظلمكم الله ولكن ظلمتم أنفسكم. أيها المسلمون: عيدكم مبارك إذا أردتم، سعيد إذا استعددتم. لا تظنوا أن الدعاء وحده يردّ الاعتداء، إن مادة دعا يدعو، لا تنسخ مادة عدا يعدو؛ وإنما ينسخها أعدّ يعدّ، واستعدّ يستعدّ، فأعدّوا واستعدّوا تزدهر أعيادكم، وتظهر أمجادكم.

стр. 1343

هجرة النبوّة من مكة إلى يثرب * لم تتّسع العربية- على رحب آفاقها- لذلك المعنى الجليل الذي بدأ تاريخًا، وأنهض أمّة واستأنف عالمًا، فسمّته بأقرب الكلمات إلى معناه، وبما يدلّ على ظاهره الذي هو انتقال جسماني- من بلد إلى بلد- كما لم تتّسع لمعنى حركة الشمس في أفلاكها فسمّته بأضعف مظاهره وبما تدرك العين منه وقالت: سبْح جرَيَان وجاء العلم فشرح ووضّح وفسّر وتوسّع، وهذا شأن اللغة كلما عجزت عباراتها الوضعية عن تأدية معنى عظيم، وضاقت عن تحديده، أطلقت عليه كلمة، تردّدها الألسنة، ويتعارفها الناس، وتشير ولا تحدّد، وتركت للعقول التوسع في تصوير الحقيقة، وإبعاد النجعة في طلبها؛ أما الإسم الذي جُعل عنوانًا على الحقيقة فلم يعدُ أن كان منبهة، كما جعلتْه اللغة، وهذا شأنها في الكلمات ذات المدلول الواسع مثل الخير والعلم والحق والجمال، ولغات العالم في هذا الباب واحدة، لأن عقول الناس فيه واحدة أو متقاربة. ... انتهى الحكم في ذلك المعنى الجليل إلى التاريخ بعد اللغة فسمّاه الهجرة النبوية المحمدية، وكشف بهذين الوصفين بعض السر، ونبّه العقول إلى أنها هجرة من نوع آخر، ومضى يربط سوابقها بلواحقها، ويصف، وفي كل وصف مثار للإحساس، ويقصّ، وفي كل قصّة موضع للعبرة، ويروي الوقائع، وفي كل واقعة جيش لجب من الحماس، ويحكي الأقوال، وفي كل قول مجال للحكمة، ويسلسل الحوادث، وفي كل حادثة مسرح للعقل، ويسمّي الأشخاص، وفي كل شخص وقفة للتوسم، ويستعرض الآراء، وتحت كل رأي

стр. 1344

نسق من التدبير، ثم يبني النتائج على المقدمات، ويصل الآثار بالمؤثّرات، وينتهي وقد كشف عن ذلك المعنى الجليل الذي ضاقت عنه كلمة (هجرة) أتمّ كشف، وفسّره أكمل تفسير. لا كاشف للحقائق الكونية كالبحث، ولا شارح للأسرار الدينية كالتدبّر، ولا محلِّل للأحداث الاجتماعية كالتاريخ، أما اللغة فوظيفتها وضع العنوان ورسم الخطوط، ومن طلب من اللغة ما هو فوق ذلك فهو لاغٍ. ... كانت الهجرة- بهذا المعنى الخاص- وما زالت، هروبًا من الباطل والمبطلين، ونجاءً بالنفس أو بالعقيدة أو بهما، فهي في خلاصتها انهزام يعتذر بالضعف إلى أن يجد القوّة، وفرار بعزيز يخاف عليه إلى حيث يؤمَن عليه، لم يخرج عن هذا المعنى حتى هجرة الأنبياء والصدّيقين كإبراهيم ولوط هاجرا من بابل إلى كنعان، ولم يرجعا إلى بابل من كنعان، أما هجرة محمد وأصحابه فكانت هجرة قوّة كاثرها الباطل المتهافت، والشِّرك المتخافت، وعاقها عن امتداد العروق، وبُسوق الأفنان في أرضها التي فيها نبتت. وجوّها الذي فيه تنفّست، وقد طاش ذلك الباطل الطيشة الكبرى، وبحث عن حتفه بظلفه، فأخرج تلك القوّة إلى حيث تزداد قوّةً ورسوخًا، وهذا من عجيب صنع الله لهذا الدين القويّ الراسخ. من اللطائف أن القرآن ذكر قصّة الهجرة المحمدية من مكة إلى يثرب بأسلوب ليس من نسق التاريخ فسمّاها إخراجًا من الذين كفروا ولم يسمّها هجرة بصريح اللفظ، وإن سمّى الصحابة المهاجرين، ونوّه بالهجرة، وحضّ عليها، وقرنها بالإيمان، وجعلها شرطًا في الولاية فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ وبعض الحكمة في ذلك أن التذكير بالإخراج من الديار يُذكي الحماس، ويُبقي الحنين إلى الديار متواصلًا، ويُنمّي غريزة الانتقام والأخذ بالثأر، وأن إيجاب الهجرة بتلك الأساليب المغرية البديعة، هو جمع لأنصار الحق في مأرز واحد، بعد تشتّتهم لينسجموا ويستعدّوا إلى الرجعة والكرّة. وانظر إلى بدر والحديبية وعمرة القضاء تجدها كلها تعبِّر عن اتجاه وتحويم، وعن حنين إلى مكّة تدل مظاهره على خفاياه، ثم انظر أية ثورة تثيرها في النفوس الحرّة آية: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وآية: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. إن للإخراج من الديار لشأنًا أيّ شأن في القرآن، فهو يُبدئ ويعيد في تقبيحه وإنكاره وتحريمه، وهو يقرنه بالقتل تشويهًا له وتشنيعًا عليه، وإن له في نفوس الأحرار لأثرًا يتعاصى

стр. 1345

عن الصفح والعفو، وإن له في نفس سيد المرسلين لوقعًا مؤلمًا من يوم قال له ورقة: "إذ يخرجك قومك"، فقال: "أوَ مخرجيَّ هم؟ " إلى يوم أخرجه قومه بغير حق، إلى يوم أخرجه ربّه إلى بدر بالحق، إلى يوم صدَقَه ربّه الرؤيا بالحق. ... ما زلت منذ درست السيرة بعقلي، أقف في بعض مقاماتها على ساحل بحر لجيٍّ من العبر والمثُلات، ومن بين تلك المقامات حادثة الهجرة. فلا يكاد عقلي يستثير بواعثها الطبيعية حتى أتلمَّح العوامل الإلهية فيها فأستجلي من بعض أسرارها التمهيد للجمع بين أصلي العرب اللذين كانا في الجاهلية يتنازعان ملاءة الفخر. ويُؤَرّث الرؤساءُ والشعراءُ بينهما نار العصبيّة، حتى أضعفتهما العصبية، وحتى أطمع الضعف فيهما جاريهما القويين: جار الجنوب الحبشي، وجار الجنب الفارسي، وكادا يستعبدان هذا الجنس الحرّ لولا أن فال رأي أبرَهَة في الفيل، ومالتْ رايات فارس في ذي قار. جاءت النبوّة من مكة إلى المدينة تعمل عملها في جمع القوّتين اللتين أحالهما التفرّق ضعفًا. فجمعت المهاجرين والأنصار، وكأنما جمعت عدنان وقحطان في دار، يتصافحان على العروبة، ويتآخيان على الإسلام، ويُحيِيان من الأواصر والشوابك ما أماتته عِبِّيَّةُ الجاهلية، ويُميتان من النعرات المفرّقة ما كانت تحييه المنافرات والمفاخرات، وفي عقد التآخي بين المهاجرين والأنصار عنوان ذلك ودليله، ولو دامت للقرآن هيبته في الأفئدة وسلطانه على القلوب لما نبض عرق اليمانية والقيسية في الدولتين الأمويتين بالشرق والأندلس، ولما نجمت تلك النواجم التي ذهبت بريح العرب، ولما وجَّهت الدعوة العباسية وجهتها إلى خراسان، ولما بقيت هذه العروق الدساسة التي ما برحت تنفث السم في قلب الجزيرة العربية إلى الآن. ... ليت شعري ... وليتٌ يقولها المحزون، هل تحمل ذكرى الهجرة المتكرّرة مع كل عام، أولئك اليمانيين الراكدين وهم جمهرة أنساب قحطان، وأولئك الحجازيين الراقدين، وهم منحدَر دماء عدنان، على أن يتداعَوا إلى ما تداعى إليه أجدادهم، وأن يتآخوا على ما تآخوا عليه؟ هل يرجعون بالذاكرة إلى بيعة العقبة وما جرت للعرب من أخوة وسيادة، وعزّة وسعادة، فيتبايعون على حماية الحوزة العربية والذب عن حياض العروبة؟

стр. 1346

هل آن لهم أن يعلموا أن هذه المذاهب التي صيّرتهم أوزاعًا في الدين والدنيا هي السبيل المفرّقة عن سبيل الله الواحد، وهي التي نهى الله عن اتّباعها؟ هل يعلمون أن طلّاب الغاز غزاة، وأن الشركات أشراك، وأن رؤوس الأموال الأجنبية ذات قرون ناطحة، وأن الوطن الذي يعمر بمال الأجنبي ويد الأجنبي وعلم الأجنبي! محكوم عليه بالخراب، وإن تعالت في الأفق قبابه، وكُسيت بوشي السماء هضابه، وسالت بذهب الأرض شعابه؟

стр. 1347

شهر رمضان ... أثر الصوم في النفوس* ــ الإسلام دين تربية للملكات والفضائل والكمالات، وهو يعتبر المسلم تلميذًا ملازمًا في مدرسة الحياة، دائمًا فيها، دائبًا عليها؛ يتلقّى فيها ما تقتضيه طبيعته من نقص وكمال، وما تقتضيه طبيعتها من خير وشر، ومن ثم فهو يأخذه أخذ المربّي في مزيج من الرفق والعنف، بامتحانات دورية متكرّرة، لا يخرج من امتحان منها إلا ليدخل في امتحان؛ وفي هذه الامتحانات من الفوائد للمسلم ما لا يوجد عشره ولا معشاره في الامتحانات المدرسية المعروفة. وامتحانات الإسلام متجلِّية في هذه الشعائر المفروضة على المسلم، وما فيها من تكاليف دقيقة، يراها الخليّ الفارغ أنواعًا من التعبّدات تتلقَّى بالتسليم، ويراها المستبصر المتدبّر ضروبًا من التربية شُرعت للتزكية والتعليم؛ وما يريد الله ليضيِّق بها على المسلم، ولا ليجعل عليه في الدين حرجًا؛ ولكن يريد ليطهِّره بها، وينمّي ملكات الخير والرحمة فيه، وليقوّي إرادته وعزيمته في الإقدام على الخير، والإقلاع عن الشر، ويروّضه على الفضائل الشاقة، كالصبر، والثبات، والحزم، والعزم، والنظام، وليحرِّره من تعبُّد الشهوات له وملكها لعنانه، وما زالت الشهوات الحيوانية موبقًا للآدمي، منذ أكل أبواه من الشجرة، حكمة من الله في تعليق سعادة الإنسان وشقائه بكسبه، ليحيا عن بيّنة، ويهلك عن بيّنة. في كل فريضة من فرائض الإسلام امتحان لإيمان المسلم، ولعقله، وإرادته، ودع عنك الأركان الخمسة، فالامتحان فيها واضح المعنى بيّنُ الأثر، وجاوِزْها إلى أمّهات الفضائل التي هي واجبات تكميلية، لا يكمل إيمان المؤمن إلا بها، كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في القول والعمل، والصبر في مواطنه، والشجاعة في ميدانها، والبذل في سبله، فكل

стр. 1348

واحدة، أو في كل واحدة منها امتحان تكميلي للإيمان، تعلو فيه قيم، وتهبط قيم، وفي التوحيد امتحان لليقين، واليقين أساس السعادة، وفي الصلاة امتحان للإرادة، والإرادة أصل النجاح، وفي الحجّ امتحان للهمم بالسير في الأرض، وهو منبع العلم، وفي الصوم امتحان للصبر، والصبر رائد النصر، ونحن نريد من الامتحان هنا معناه العصري الشائع. غير أن الصوم أعسرها امتحانًا، لأنه مقاومة عنيفة لسلطان الشهوات الجسمية ومقاومُ الشهوات في نفسه أو في غيره قلما ينتصر، فإن انتصر فقلما يقف به الانتصار عند حدّ الاعتدال، بل كثيرًا ما يجاوزه إلى أنواع من الشذوذ والتنطع تأباها الفطرة والعقل، وهذه الروح المقاومة في الصوم هي التي راعتها الأديان والنحل، فجعلت الصوم إحدى عباداتها، تروّض عليه النفوس المطمئنة، وتروّض به النفوس الجامحة؛ ولكن الصوم في الإسلام يزيد عليها جميعًا في صوره ومدّته، وفي تأثيره وشدّته، فمدّته شهر قمري متتابع الأيام، وصورتُه الكاملة فَطْم عن شهوات البطن والفرج واللسان والأذن، وكلّ ما نقص من أجزاء ذلك الفطام فهو نقص في حقيقة الصوم، كما جاءت بذلك الآثار الصحيحة عن صاحب الشريعة، وكما تقتضيه الحكمة الجامعة من معنى الصوم. فلا يتوهمنَّ المسلم أن الصوم هو ما عليه العامّة اليوم من إمساك تقليدي عن بعض الشهوات في النهار، يعقبه انهماك في جميع الشهوات بالليل، فإن الذي تشاهده من آثار هذا الصوم العرفي إجاعة البطن، وإظماء الكبد، وفتور الأعضاء، وانقباض الأسارير، وبذاءة اللسان، وسرعة الانفعال، واتخاذ الصوم شفيعًا فيما لا يحبّ الله من الجهر بالسوء من القول، وعذرًا فيما تبدر به البوادر من اللجاج والخصام والأيمان الفاجرة!! كلا ... إن الصوم لا يكمل، ولا تتم حقيقته، ولا تظهر حكمته ولا آثاره إلا بالفطام عن جميع الشهوات الموزّعة على الجوارح، وللأذن شهوات في الاستماع، وللعين شهوات في امتداد النظر وتسريحه، وللسان شهوات في الغيبة والنميمة، ولذّات في الكذب واللغو والتزويق: وإن شهوات اللسان لتربو على شهوات الجوارح كلها، وإن له لضراوة بتلك الشهوات لا يستطيع حبسه عنها إلا الموفَّقون من أصحاب العزائم القويّة، وأن تلك الضراوة هي التي هوّنت خطبه حتى على الخواص فلم يعتبروا صوم اللسان من شروط الصوم؛ وأعانهم على ذلك التهوين تقصير الفقهاء في تعريف الصوم، وقصرهم إياه على الإمساك عن الشهوتين، وافتتانهم بالتفريعات المفروضة، وغفلتهم عما جاء في السنَّة المطهرة من بيان لحقيقة الصوم وصفات الصائم. ... صوم رمضان محك للإرادات النفسية، وقمع للشهوات الجسمية، ورمز للتعبد في صورته العليا، ورياضة شاقّة على هجر اللذائذ والطيّبات، وتدريب منظّم على حمل المكروه من جوع وعطش وسكوت، ودرس مفيد في سياسة المرء لنفسه، وتحكّمه في أهوائها،

стр. 1349

وضبطه بالجِدّ لنوازع الهزل واللغو والعبث فيها، وتربية عملية لخلق الرحمة بالعاجز المعدم، فلولا الصوم لما ذاق الأغنياء الواجدون ألم الجوع، ولما تصوّروا ما يفعله الجوع بالجائعين، وفي الإدراكات النفسية جوانب لا يغني فيها السماع عن الوجدان، ومنها هذا، فلو أن جائعًا ظلّ وبات على الطوى خمسًا، ووقف خمسًا أخرى يصوّر للأغنياء البطان ما فعل الجوع بأمعائه وأعصابه، وكان حالُه أبلغ في التعبير من مقاله، لَما بلغ في التأثير فيهم ما تبلغه جوعة واحدة في نفس غني مترف. لذلك كان نبيّنا إمام الأنبياء، وسيّد الحكماء، أجود ما يكون في رمضان. ... ورمضان نفحة إلهية تهُبّ على العالم الأرضي في كل عام قمريّ مرّة، وصفحة سماوية تتجفى على أهل هذه الأرض فتجلو لهم من صفات الله عطفه وبرّه، ومن لطائف الإسلام حكمته وسرّه، فلينظر المسلمون أين حظهم من تلك النفحة، وأين مكانهم في تلك الصفحة. ورمضان "مستشفى" زماني يجد فيه كلّ مريض دواءَ دائه، يستشفي فيه مرضى البخل بالإحسان، ومرضى البِطنة والنعيم بالجوع والعطش، ومرضى الجوع والخصاصة بالشبع والكفاية. ورمضان جبّار الشهور، في الدهور، مرهوب الصولة والدولة، لا يقبل التساهل ولا التجاهل، ومن غرائب شؤونه أن معظم صائميه من الأغفال، وأن معظم جنده من الأطفال، يستعجلون صومه وهم صغار، ويستقصرون أيامه وهي طوال، فإذا انتهك حرمته منتهك بثّوا حوله الأرصاد، وكانوا له بالمرصاد، ورشقوه ونضحوه، و (بَهْدلوه) وفضحوه، لا ينجو منهم مختفٍ في خان، ولا مختبئ في حان، ولا ماكر يغِشّ، ولا آو إلى عشّ، ولا متستّر بحُشّ (١): ولا من يغيّر الشكل، لأجل الأكل، ولا من يتنكّر بحجاب الوجه، ولا بسفور الرأس، ولا برطانة اللسان، كأنما لكل شيء في خياشيمهم رائحة، حتى الهيئات والكلمات، وهم قوم جريحهم جُبار الجرح، وقتيلهم هدر الدم. سبحان من ضيّق إحصارَه ... وصيّر الأطفال أنصارَه وحرّك الريحيْن بُشرى به ... رُخاءَه الهيْنَ وإعصاره ...

стр. 1350

ورمضان- مع ذلك كله- مجلى أوصاف للوُصاف: حرم أهل المجون مما يرجون، وحبس لهم من مطايا اللهو ما يُزجون؛ وأحال- لغمّهم- أيام الدجون، كالليالي الجون؛ فترِحوا لتجلّيه وفرحوا بتولّيه، ونظموا ونثروا، وقالوا فيه فأكثروا، وأطلّ على الشعراء بالغارة الشعواء فهاموا وجنُّوا، وقالوا فافتنّوا، قال إمامهم الحكمي: إن أفضل يوم عنده أول شوال؛ وقال الغالون منهم والقالون ما هو أشبه بهم. ولو لم يكن لآخرهم "شوقي" إلا، "رمضان ولَّى" ... لكفته ضلّة، ودخنًا في اليقين وعلّة، والرجل جديد، وله في العروبة باع مديد، وفي الإسلام رأي سديد؛ وفي الدفاع عنه لسان حديد؛ ونحن نعرفه، فلا نَفْرقه. أما المعتدلون والمراءون فمنهم القائل: شهر الصيام مبارك ... ما لم يكن في شهر آب خفت العذاب فصمته ... فوقعت في عين العذاب ومنهم القائل: يا أخا الحارث بن عمرو بن بكر ... أشهورًا نصوم أم أعواما طال هذا الشهرُ المبارك حتى ... قد خشينا بأن يكون لِزاما أما الوصف العبقري، والوادي الذي طم على القَريّ، فهو قول الحديث الموحَى: «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»، وحديث الصادق: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»، وحديث الصحيح: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ». وقول الكتاب المكنون: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

стр. 1351

معنى العيد * العيد في معناه الديني كلمة شكر على تمام العبادة، لا يقولها المؤمن بلسانه، ولكنها تعتلج في سرائره رضًى واطمئنانًا، وتنبلج في علانيته فرحًا وابتهاجًا، وتسفر بين نفوس المؤمنين بالبشاشة والطلاقة والأنس. وتمسح ما بين الفقراء والأغنياء من جفوة. والعيد في معناه الإنساني يوم تلتقي فيه قوّة الغني وضعف الفقير على (اشتراكية) من وحي السماء عنوانها (الزكاة) و (الإحسان) و (التوسعة). فيطرح الفقير همومه، ويسمو إلى أفق كانت تصوّره له أحلامه، ويتنزّل الغنيّ عن ألوهية كاذبة خضوعًا لألوهية الحق. والعيد في معناه النفسي حدّ فاصل بين تقييد تخضع له النفس، وتسكن إليه الجوارح وبين انطلاق تنفتح له اللهوات، وتتنبّه له الشهوات. والعيد في معناه الزمني قطعة من الزمن خُصّصت لنسيان الهموم، واطّراح الكُلَف، واستجمام القوى الجاهدة في الحياة. والعيد في معناه الاجتماعي يوم الأطفال يفيض عليهم الفرح والمرح، ويوم الفقراء يلقاهم باليُسر والسعة، ويوم الأرحام يجمعُها على الصلة والبرّ، ويومُ المسلمين يجمعهم على التسامح والتزاور. أما العيد عندنا فهو في ألسنتنا كلمة أفرغت من مدلولها، فهي مهملة. وفي عاداتنا هنَةٌ قُطعت من أصولها، فهي مبتذلة، وفي فهومنا آية نُسخ حكمها فهي معطّلة.

стр. 1352

من وحي العيد * يا عيد: لو عدْتَ على قومي بالخفض والدّعة، أو جُدت عليهم باليُسر والسعة، لوَجدت مني اللسان الخافق بذكرك، والقلم الدافق بشكرك، ولكنك عُدت عليهم بنهار كاسف الشمس، ويوم شرّ من الأمس، فاذهب كما جئت، فلستُ منك، ظاعنًا ولا مقيمًا، وعُد كما شئت، فلست مني، حميدًا ولا ذميمًا. ... يا عيد: لستَ بالنحس ولا بالسعيد، وإنما الناس لأعمالهم؛ سعد العاملون وشقي الخاملون، ولو أنصفناك لقلنا: إنك يوم كالأيام، من عام كالأعوام، وُلدتَ كما وُلدتْ هي من أبوين- الشمس والأرض- لم ينزع بك دونها عرق مختلف عنها، ولم تتميّز- لولا الدين والعرف- بشيء منها، فأنت مثلها غاد على قَدر، رائحٌ على قدَر، ومنّا- لا منك- الصفو والكدر؛ أو لقلنا: إنك معرَّس مدلجين، يعدِّلون بك المراحل، ومستراح ملجِّجين، يقدّرون بك دنوّ الساحل، فلو عمرنا أيام العام بالصالحات لكنت لنا ضابط الحساب، وحافظ الجراب، ثم لم تلتْنا من أعمالنا شيئًا، ولم تبخسنا من أزوادنا فتيلًا؛ ولكنّنا قصرنا وتمنّينا عليك الأماني، وتبادلت ألسنتُنا فيك أدعية لم تؤمِّن عليها القلوب، ثم ودعناك وانتظرنا إيابك، وأطلنا الغيبة واستبطأنا غيابك.

стр. 1353

يا عيد: كنا نلتقي فيك على مُلك اتّطدت أركانه، وعلى عزّة تمكّنتْ أسبابها، وعلى حياة تجمع الشرف والتّرف، وتأخذ من كل طريفة بطرف، وعلى جِدّ لا ينزل الهزل بساحته، واطمئنان لا يلمّ النصب براحته؛ فأصبحنا نلتقي فيك على الآلام والشجون، فإن أنساناهما التعوّد فعلى اللهو والمجون، أصبحنا نلتقي فيك على عبودية لغير الله، أقررناها في أنفسنا فأصبحت عقيدة كالعبودية لله. ... يا عيد: إن لقيناك اليوم بالاكتئاب، فتلك نتيجة الاكتساب؛ ولا والله ما كانت الأزمنة ولا الأمكنة يومًا ما جمالًا لأهلها، ولكن أهلها هم الذين يجمّلونها ويكمّلونها؛ وأنت- يا عيد- ما كنتَ في يوم جمالًا لحياتنا، ولا نضرة في عيشنا، ولا خضرة في حواشينا، حتى نتّهمك اليوم بالاستحالة والدمامة والتصوّح؛ وإنما نحن كنا جمالًا فيك، وحِلية لبكرك وأصائلك، فحال الصبغ وحلم الدبغ، واقشعرّ الجناب، وأقفرت الجنبات، وانقطعت الصلة بين النفوس وبين وحيك، فانظر ... أيُّنا زايل وصفه، وعكس طباعه؟ بلى ... إنك لم تزل كما كنتَ، وما تخوّنت ولا خُنت؛ توحي بالجمال، ولكنك لا تصنعه، وتُلهم الجلال، ولكنك لا تفرضه، ولكننا نكبنا عن صراط الفطرة وهدي الدين، فأصبحنا فيك كالضمير المعذّب في النفس النافرة، وأصبحت فينا كالنبي المكذّب في الأمة الكافرة ... ... ويْحي من العيد، وويحَ العيد مني ... ألي عنده ثأر؛ فلا ألقاه إلا كما يلقى الثائر المثؤور، عابس الوجه، مقطّب الأسرّة، غضبان السرائر؛ فما أذكر أني لقيته مرّة بالتسهل والترحيب، وما أذكر أني كتبت عليه كلمة متهلّلة ضاحكة لم يشبها شوب التصنّع؛ وما أذكر أنني سلكت في استقباله هذا الفج الذي يسلكه الكتّاب الخليّون في التهنئة به، وتصويره بغير صورته، وتملّقه ليعود عليهم بالمجد الذي أضاعوه، والتمنّي عليه أن يجود عليهم بما لا يملك، ثم الاسترقاء له بالأدعية التي لا تُفتَّح لها أبواب السماء، لأنها إزجاء للركائب بلا حاد، ودرءٌ في نحور البيد بلا هاد، فويحي من العيد، وويح العيد مني ... ألي عنده ثأر؟ ... ... والحقيقة هي أني ما زلت كلّما أظلّني عيد من أعيادنا الدينية أو القومية، أظلّتني معه سحابة من الحزن لحال قومي، وما هم عليه من التخاذل والانحلال والبعد عن الصالحات،

стр. 1354

والقرب من الموبقات، واحتدمت جوانبي من التفكير في ما هم فيه من سدر، لا يملكون معه الورد ولا الصدر، وذكرتُ كيف يعيشون على الخيال، المُفضي إلى الخبال، وكيف يحيون في الظلام، على الكلام، وكيف يسترون عوراتهم بالأكفان البالية، وكيف يحتقرون زمنهم في جنب الأزمنة الخالية، والزمن غيران، يضن بخيره على أبناء غيره (١)، وكيف استخفّهم علماؤهم وزعماؤهم وكبراؤهم وملوكهم فأطاعوهم في معصية الله، وقادوهم إلى النار فانقادوا بشعرة، وكيف يلقَون أعيادهم التي هي موقظات عزائمهم بهذه التقاليد الزائفة، والعادات السخيفة، والمهازل التي تطمس معالمها، وتُشوّه جمالها، فأجدني بذلك كله كأنني من قومي أعرابيٌّ بين أنباط، أفهم من لفظ العيد غير ما يفهمون، أو كأنني فيهم بقية جاهلية لا أفهم من معنى العيد إلا ما يفهمه شعراؤها الغاوون، من همٍّ يعتاد النفوس، وجوىً يلزم الحيازيم وذكرى خليط مزايل؛ يُثيرها غراب يثوّب، ويهيّجها طيف يؤوّب، وتؤجِّجها الأثافي السفح والأطلال الدوارس. ... وقومي هم العرب أولًا، والمسلمون ثانيًا، فهم شغل خواطري، وهم مجال سرائري وهم مالئو أرجاء نفسي، ومالكو أزمّة تفكيري. أفكِّر في قومي العرب فأجدهم يتخبّطون في داجية لا صباح لها، ويُفتنون في كل عام مرّة أو مرّتين، ثم لا يتوبون ولا هم يذكّرون، وأراهم لا ينقلون قدمًا إلى أمام، إلا تأخّروا خطوات إلى وراء، وقد أنزلوا أنفسهم من الأمم منزلة الأمَة الوكعاء من الحرائر، عجزت أن تتسامى لعلاهن، أو تتحلّى بحلاهن، فحصرت همّها في إثارة غيرة حرّة على حرّة، وتسخير نفسها لضرّة، نكايةً في ضرّة، وأفكّر في علّة هذا البلاء النازل بهم، وفي هذا التفرّق المبيد لهم، فأجدها آتيةً من كبرائهم وملوكهم، ومن المعوّقين منهم الذين أشربوا في قلوبهم الذلّ، فرئموا الضيم والمهانة، واستحبّوا الحياة الدنيا فرضوا بسفسافها، ونزل الشرف من نفوسهم بدار غريبة فلم يُقم، ونزل الهوان منها بدار إقامة فلم يَرِم، وأصبحوا يتوهّمون كل حركة من إسرائيل، أشباحًا من عزرائيل. وأفكّر في قومي المسلمين فأجدهم قد ورثوا من الدين قشورًا بلا لباب، وألفاظًا بلا معان؛ ثم عمدوا إلى روحه فأزهقوها بالتعطيل، وإلى زواجره فأرهقوها بالتأويل، وإلى هدايته الخالصة فموّهوها بالتضليل، وإلى وحدته الجامعة فمزّقوها بالمذاهب والطرق والنحل

стр. 1355

والشيع؛ قد نصبوا من الأموات هياكل يفتتنون بها ويقتتلون حولها، ويتعادون لأجلها؛ وقد نسوا حاضرهم افتتانًا بماضيهم، وذهلوا عن أنفسهم اعتمادًا على أوليهم، ولم يحفلوا بمستقبلهم لأنه- زعموا- غيبٌ، والغيب لله، وصدق الله وكذبوا، فما كانت أعمال محمد وأصحابه إلا للمستقبل، وما غرس محمد شجرة الإسلام ليأكل هو وأصحابه ثمارها، ولكن زرع الأولون ليجني الآخرون. وهم على ذلك إذ طوّقتهم أوربا بأطواق من حديد، وسامتهم العذاب الشديد، وأخرجتهم من زمرة الأحرار إلى حظيرة العبيد، وورثت بالقوّة والكيد والصولة والأيد، أرضهم وديارهم، واحتجنت أموالهم، وخيرات أوطانهم، وأصبحوا غرباء فيها؛ حظّهم منها الحظ الأوكس، وجزاؤهم فيها الجزاء الأبخس. إن من يفكّر في حال المسلمين، ويسترسل مع خواطره إلى الأعماق، يُفضي به التفكير إلى إحدى نتيجتين: إما أن ييأس فيكفر، وإما أن يُجنّ فيستريح. ... وجاء هذا العيد ... والهوى في مراكش يأمر وينهى، والطغيان في الجزائر بلغ المنتهى، والكيد في تونس يسلّط الأخ على أخيه، وينام ملءَ عينيه، والأيدي العابثة في ليبيا تمزّق الأوصال، وتداوي الجروح بالقروح، وفرعون في مصر يحاول المحال، ويطاول في الآجال، ومشكلة فلسطين أَكِلَةٌ خبيثة في وجه الجزيرة العربية، تسري وتستشري؛ والأردن قنطرة عبور للويل والثبور، وسوريا ولبنان يتبادلان القطيعة، والحجاز مطمح وُرّاث متعاكسين، ونُهْزة شركاء متشاكسين، وقد أصبحت حماية (بيته) معلّقة بحماية زيته، واليَمن السعيدة شقيّة بأمرائها، مقتولة بسيوفها؛ والعراق أعيا داؤه الرّاق، وتركيا لقمة في لهوات ضيغم. وهي تستدفع تيارًا بتيّار، وتستجير من الرمضاء بالنار، وفارس طريدة ليثين يتخاطران، وباكستان لم تُزمع التشمير، حتى رُهصت بكشمير؛ والأفغان تحاول الكمال، فيصدّها الخوف من الشمال؛ وجاوة لم تزل تحبو، تنهض وتكبو، وتومض وتخبو. ... هذه ممالك العروبة والإسلام، كثرت أسماؤها، وقلّ غناؤها، وهذه أحوال العرب والمسلمين، الذين يُقبل عليهم العيد فيُقبل بعضهم على بعض، يتقارضون التهاني، ويتعلّلون بالأماني، أفلا أُعذر إذا لقيت الأعياد بوجه عابس، ولسان بكيّ، وقلم جاف، وقلب حزين؟ ...

стр. 1356

الإسلام * أبيات من الرجز، كنت أنظم كل أربعة منها لتوضع في إطار بجانب اسم الجريدة، ثم ضممتها للملحمة الرجزية من نظمي، وهي تبلغ عشرات الألوف من الأبيات، منها نحو خمسة آلاف في تاريخ الإسلام وحقائقه. ــ بوركت يا دين الهدى ما أثبتَك ... حقُّك بتَّ المبطلين وبتك مَن ذا يجاريك؟ وأنت السيل ... والسيل فيه غرق وويل من ذا يساريك؟ وأنت النجم ... والنجم نور الهدى، ورَجْم شعارك الرحمة والسلام ... للعالمين، واسمك الإسلام الحق من سماتك الجليّه ... والعدل من صفاتك العليه والعقل- منذ كنت- من شهودك ... والفكرُ بعد العقل من جنودك ... كانا كتبر في التراب أرصدا ... فمسحت يُمناك عنهما الصّدا يا دين، إن الدّين ليس يُنسى ... بل يُقضى معجّلًا أو ينسى يا دين، إن الصبغ لن يحولا ... وإن عندك لهم ذُحولا وعندك التِّراثُ والطوائل ... أقرضها الأوائل- الأوائل تجمعوا عنك لأخذ الثار ... وأقبلوا في القسطل المثار عوّضتهم من الخسار الربحا ... فأبصروا- بعد الظلام- الصبحا علَّمتهم كرامة الإنسان ... وجئتهم بالعدل والإحسان ألْحفتهم مُلاءة الأمان ... وسستهم بالعهد والضمان وذمة جوارُها لا يُخْفَر ... ونعمة آثارها لا تكفَر أشركتهم معَ بنيك في حقوق ... حكمت أنّ سلبَها منهم عقوق

стр. 1357

أفرطتَ في الرحمة والإكرام ... فأفرطوا في البغي والإجرام وفي العباد من إذا لِنت اجْترى ... ومَن إذا صدقته القول افترى ومن إذا سقيته المحض المري ... سقاكَ شوْبًا من قذىً وكدَر عروقُ لؤم في الغرائز التي ... مهما تسامتْ للعلا تدلَّت إن الضلال والهوى والأثَره ... وكلّ شرّ قد محوتَ أثَرَه اتصلت من بعد ما فصلتا ... ونَبَتَتْ من بعد ما استأصلتا تجسمت فأصبحت جبالا ... واستوثقت حتى غدت حبالا ثم تداعت في حمى الصلبان ... ورِعْية القسوس والرهبان إن طلبوا عندَك ثارَ الغلب ... فهل تراهم أجملوا في الطلب؟ لا والذي بك العقولَ حرّرا ... وثبت الحقّ بها وقررا وجعل القرآن حجة الأبد ... هو المعين العدّ، والكتْب الزَبد مفصّلًا أنزله نجوما ... وللهدى سيّره زحوما قد أمِنوا- إلا بحق- سيفَك ... وأمِنوا على الزمان حيفَك ولمعة من صارم يسل ...كومضة من عارض ينهل والأرض أحوجُ لدَرء العيْث ... منها إلى جلب الحيا والغيث ما سلّ سيفٌ فيك إلا لمدى ... لو لم يجُزْه الناس ظلّ مغمدا ... لغة العرب: نغار عن أحسابنا أن تُمتهن ... والحر عن مجد الجدود مؤتمن ولغة العرب لسان ممتحن ... إن لم يذُد أبناؤه عنه، فمن؟ ... المنابر: إن المنابر في الإسلام ما نصبت ... إلا لترفَع صوت الحق في الناس فاخترْ لأعوادها لا من يلين له ... في الحق عود ولا يُصغي لخنّاس ومن إذا رِيع سربُ الدين خفّ له ... ولم يكن لعهود الله بالناسي

стр. 1358

من نفحات الشرق * داوِ الكلوم يا شرق، فما زلنا كلَّما استشفينا بك نجد الراحة والعافية، ونظفر بالأدوية الشافية؛ وما زلنا كلما استنشقنا ريحًا استنشيْنا رَندك وعرارك، وكلّما استورينا زندًا استمجدنا مَرْخَك وعَفَارك، وما زالت أفئدتنا تهوي إليك فتصافحها حرارة الإيمان، وبرد اليقين، ورَوْح الأمان، وما زلت تُتحفنا مع كل بازغة منك بالنور اللائح، والشعاع الهادي، وما زال يتبلج علينا من سناك في كل داجية فجر، وتسري إلينا من صباك في كل غماء نفحات منعشة. ... وافنا يا شرق مع كل نسمة منك تهبّ، ومع كل بريد من قِبلك يخبّ، بأثارة مما أبقت الأيام فيك من آثار السماء، فقد انقطعت الصلة- في غيرك- بينها وبين الأرض، منذ طمعت أوربا في استعمار كواكبها، وتعفيرها بأوضار مادّيتها، وهل تنقل أوربا إلى السماء يوم تستعمرها إلا مخامرها ومواخيرها وآثامها وفواحشها؟ وكَذَبَتْهم الكذوب، فإن الصعود إلى السماء خيال يسري في ظلّ حقيقة، وباطل يجري في عنان حق، وحلم من أحلام العلم، أخطأت تعبيره علماء المادّة، وحقّقه محمد مرّة واحدة، في تاريخ البشرية، ووضّح التفكير الإسلامي تفسيره في تلك المرحلة الأولى بالعروج الروحي إلى الملإ الأعلى، والجوَلان الفكري في ملكوت السماوات، فلولا هداية الإسلام إلى اجتلاء أسرار السماء، وتوجيه العقول إلى فتح مغاليقه، وربطه بالأرض بواسطة الروح، لما لاح هذا الخيال في ذهن مفكر، ولا طاف طائفه بعقل عاقل، وكذب الطرفان، وصدقت الواسطة، الأوّلون قادهم

стр. 1359

الإعجاب بالكواكب إلى عبادتها، والآخرون قادهم إلى استعمارها، والإسلام كذب الأولين، وسيسفِّه الآخرين ... ... ما زالت فيك- يا شرق- ملامح من الخير، ومخايل من الفضيلة، ومشابه من عبقرية العقول التي حلّت مشكلات العلم، ووسّعت آفاق المعرفة، وخطّت خطوط الفن الأولى، ومن الأرواح التي اتّسمت بالطهر، واضطلعت بالأمانة، وعبرت البرزخ الإنساني إلى أفق الملائكة، فساوق نغمها بكلام الله زجلهم بتسبيحه، فاتسق منهما إيقاع حدَتْ به ركب الإنسانية إلى منابع الخير، ومشارع الحق، ومراتع الجمال، ثم ... إلى الجنّة. يا شرق، فيك من كل مكرمة عرق، فاجْر على أعراقك الكريمة، ففي تربتك نبت الإيثار والتضحية، ومن أرضك انبجست الرحمة والرفق، ومن آفاقك هبّت النجدة والغوث، وعلى أديمك دبّت النبوّة والحكمة، ومن سمائك تنزّلت البيّنات الفارقة بين الهدى والضلال، وعنك أخذ الناس المكارم والمراشد، ومنك امتاروا أغذية الأرواح، واستبضعوا طرائف العلم ... آسِ جراحنا، وإن كنت مثخنًا من ملوكك المغرورين، وكبرائك المفسدين وعلمائك الضالين، بألف جرح؛ فلا يحزنك أنهم عقّوك وشقّوك؛ ولا يقعد بك عن أداء رسالتك أنهم أضاعوك وباعوك، وأنهم أكلوا خيرك، وعبدوا غيرك، ولا يرعك أن على كل فَنن من دوحتك ديكًا منهم يدلّ الثعلب بصياحه، وغرابًا يجلب الشؤم بنعيبه، فامض على نهجك، ودعهم للزمان الذي يقيم الأمت، ويقوّم السمت؛ ولا تبال أيةً سلكوا، ولا بأي واد هلكوا؛ فما هم من النسبة إليك في الصميم المهذّب، وإنما هم دخلاءُ تغرّبوا، ونبيط تعرّبوا، وفي كنائنك من الشباب من يتجافى عن دَدِه، لتعمير غدك بغده، ومن الكهول من فُرّ عن تجربة، وخلص تبرًا من أتربة، ومن الشيوخ من سلخ عمره لحماك حارسًا، ووقف دهره لسرّك دارسًا؛ فاستعدِ هؤلاء على أولئك، وكاثر الضالين بالمهتدين، وارْم البطان الفجرة، بالعجاف البررة، ترْم الخبيث بالطيب، وتغسل الدرن بالصيب، وإذًا لا يلبثون فيك إلا قليلًا. ***

стр. 1360

نأسى عليك يا شرق أن تتقاذفك الأقدار، فتنقلب من عبادة الأصنام الحجرية، إلى عبادة الأصنام البشرية، فمتى تنهض بمن يكسر هذه في الآخرين، كما كسر محمد أخواتها في الأولين؟ ... أناديك: داوِ الكلوم، وقد فعلتَ، فأنعشت نفسًا ظامئة إلى ريِّك وريَّاك، متطلعةً إلى سهيلك وثريّاك، وإياي أعني، فقد كنت في هذا العيد الأخير على الحالة التي وصفتها صادقًا في كلمة العدد الماضي، من ضيق النفْس، وحرج الصدر، والامتعاض لحالة المسلمين، وظهوري بين الناس بوجه ضاحك ووراءه قلب حزين، فجاءني الشرق أو جادني بما كانت مواقعه مني (مواقع الماء من ذي الغلة الصادي). أثقل ما يعرض لنفس الحرّ شيئان: أن يحزن والناس كلهم في فرح، وأن ينقبض وهم جميعًا في مرح؛ وكذلك كنت في أيام العيد الماضي، لولا نفحات من الشرق، آمنت معها بكل ما كان يزعمه الشعراء لنسيم الصبا من آثار ... خلصتْ إليّ من إخوان الصدق في الشرقين، رسائل تحمل التهنئة بالعيد، بأسلوب جديد، غير ذلك الأسلوب الرثّ المبتذل الميت الذي عرفناه وألفناه، ولكنه يُفشي اليقظة ويصف الداء والدواء، ويجمع الأمل والعمل، ويسمو بالفكر والروح، ويربط الكاتب والقارئ بشعور واحد، ويعدي نفسًا من نفس، فكأنما مسّتها منها كهرباء، ويفيض كل لفظ منه بمعاني الاتصال الروحاني، فتحسّ النفس المكروبة أن لها من أختها مؤنسًا في الوحدة، ومعينًا على الشدّة، ومثبّتًا عند زيغ الأبصار وزلزلة الأقدام، وكذلك كنت بعد وصول رسائل التهنئة إليّ من جدة والمدينة والموصل وبغداد وباكستان ودمشق وبيروت والقاهرة والهند وجاوة، فكنت أقرأها تهنئة، فأجدها تسلية. سلم جناحاك يا طائرة البريد، وبلغ قائدك ما يريد، ووُقيت شرّ العواصف الهوج، والفُجاءات الموبقة، وسلكت من السماء سبلًا، معبّدة ذللًا، فلولاك ما وصلت النجدة في حين الحاجة إليها، وقد سمعنا بنقلك الشفاءَ إلى مريض البدن، في ساعة من الزمن. أأنتِ كذلك مع مرضى الأرواح؟ ... وحيّا الله أولئك الإخوان على بعد الدار، لكأنهم علموا أن على الجانب الغربيّ رجلًا يهتم بهم أبدًا، فاهتمّوا به يومًا، ولكنّه يوم كألف سنة، فأزاحوا عن نفسه، همًّا ناصبًا، وجاءوه بفن من الترويح تواطأوا فيه على نهج، فكأنهم استملوه من لسان واحد، وكأنهم علموا البلوى، فجاءوا بالدواء ومعه السلوى، وخصّ الله بتحياته المباركة أولئك الذين زادوا

стр. 1361

على التهنئة بالعيد تهنئة العربية "بالبصائر"، وتهنئة «البصائر» بجهادها وبالمكانة التي تبوّأتها في القلوب، ووددت- والله- لو تجرّدت رسائلهم من إطراء هذا العاجز، وتنزيله منزلة هو أعلم الناس بأنه لا يستحقها، وإذن لنشرت منها ما ينبّه القرّاء إلى ما تفعله الأخوّة الإسلامية التي ننشدها، ونعمل على تثبيت قواعدها، وإلى المدى الذي بلغته «البصائر» في ربط القلوب، وتوحيد الاتّجاه، وتضييق دائرة الخلف في الدين والدنيا، وتوسيع ميدان التعارف، ثم في نقل الجزائر من (باب النكرة) إلى (باب المعرفة) ... ... إن أنسَ شيئًا من تلك المعاني العلوية فلن أنسى تلك الرسالة التي كتبها الأستاذ محمد هارون المجدّدي، سكرتير السفارة الأفغانية بالقاهرة، نيابة عن والده المسلم الصادق السفير محمد صادق المجدّدي، ولن أنسى، ما حييت ما لمس إحساسي الديني من تلك الرسالة، وهو اعتذاره عن والده بعذر غريب عند المفتونين منا من ربائب الحضارة الغربية، وهو: "أنه ذهب إلى المسجد الأقصى ليُقيم سنة "الاعتكاف " في العَشر الأواخر من رمضان، كدأبه في كل عام" ... سفير دولة إسلامية يفارق مركزه الرسمي، ويترك أشغاله الرسمية، ويخالف سنّة زملائه، ويشدّ الرحال إلى ثالث المساجد الثلاثة، ليقيم فيه سنّة إسلامية، هي أفضل السنن في تزكية النفس، وتطهيرها من المكدّرات، وفي تصفية الأرواح، وتلطيف كثافتها، شرعت في شهر رمضان لتكون نفس المؤمن بمقربة من الله في الدائبين، على حين يختار بعض ملوك المسلمين، وكثيرٌ من كبرائهم هذا الشهر للسفر إلى أوربا لينتهكوا حرماته، ويتقرّبوا بنفوسهم الخاطئة إلى آثامها وشهواتها، وعلى حين يقيم غيره من سفراء الدول الإسلامية حفلات (الكوكتيل) بأموال المسلمين، يبيعون فيها دينهم وفضائلهم الشرقية بالثمن البخس، ويتقرّبون بها إلى أسيادهم الأوربيين الذين ما سادوهم باطّراح الدين، وإنما سادوهم بالخلق المتين، والمحافظة على الخصائص الموروثة، والأخذ من كل شيء بلبابه لا بقشوره. لعمر الحق ... إن اعتكاف سفير مسلم للعبادة في أحد المساجد الثلاثة، لحجة من حجج الله، على الملوك والوزراء والكبراء الذين فرّطوا في دينهم فخسروه وما ربحوا الدنيا، ثم كانوا وبالًا على أممهم، وسبة لدينهم.

стр. 1362

محنة مصر محنتنا * تعاني مصر العزيزة هذه الأيام، ما يعانيه الحرّ الأبيّ، أُكره على الضيم، وأريد على ما لا يريد، وجُرّع السمّ مدُوفًا في الحنظل، وقطعت أوصاله وهو يشعر، واستبيحت محارمه وهو يسمع ويبصر، حتى إذا استيأس من الإنصاف ونفد صبره، خطا الخطوة الفاصلة، وأقدم على تحطيم القيد بنفسه، وعلى تمزيق الصحيفة التي أملتها القوّة على الضعف، فقبلها مكرهًا كمختار، وكانت أهون الشرّين، فأصبحت- بحكم الزمان- أثقل الخطبين. ... صمّمت مصر على حلّ العقدة التي عقدها السيف يوم التلّ الكبير، وأحكم المكر عقدها بعد ذلك في سلسلة من الأعوام بلغت السبعين، صاحبتها سلاسل من الأحداث والأسباب المصطنعة، زادت العُقَد تأرّبًا واستحكامًا، وسلاسل من الوعود المنوّمة تكرّرت فتُأُلفت ففقدت التأثير، وفتحت مصر عينيها على أفظع ما تُفتح عليه العيون: تغرم ليغنم الإنكليز، وتجوع ليشبع الإنكليز، وتموت ليحيا الإنكليز، وينهدم مجدها ليبنى بأنقاضه مجد الإمبراطورية الإنكليزية، ويفرض عليها أن تعيش غريبة في وطنها، وأن تعاون على طمس حضارتها ومسخ عقليتها، والانسلاخ من شرقيتها، والنسيان لماضيها، وأن تنتبذ من أهلها مكانًا غربيًّا ... وأن تجفّف ماء النيل لتفهق به مشارع (التاميز) ... ...

стр. 1363

صمّمت مصر على إحدى الخطتين، فكانت التي فيها الشرف والكرامة، بعد أن استنفدت التجارب، واستفرغت الجهود، وبعد أن استعرضت الماضي بعبره وشواهده، فرأت أن ساعة من العمل خير من ألف شهر في الكلام، وأنها تمارس خصمًا إن استنجزته الوعد طاول، وإن تقاصرت أمامه تطاول، فخطت هذه الخطوة واثقة مستبصرة، وتركت للأقدار ما وراءها، كما يفعل المظلوم المستيئس من إنصاف ظالمه، ومن نصر النظارة، يركب الحدّ الخشن، ويعتمد على نفسه، وينادي ربّه: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾. رأت مصر- كما رأينا وكما رأت الشعوب المستضعفة- أنّ السنّة قد انعكست، فأصبحت أيام الحرب أكثر عددًا من أيام السلم، وأن لصوص الاستعمار شغلتهم الحرب عن السلم، ولم تشغلهم السلم عن الحرب، فأصبحوا في حرب متصلة الحلقات. وعلمت مصر- كما علم غيرها- أن الشعار الكاذب لحرب ١٤ - ١٨ هو وعود المتحاربين للأمم الضعيفة بأن نهاية الحرب هي بداية تحريرهم فليسكتوا إلى حين، لأن السلاح خطيب جمعة يجب الإنصات له، ويَحرُم الكلام معه، فلما انتهت تلك الحرب أمعن اللصوص المنتصرون في استعباد المستضعفين، وصمّت آذانهم عن سماع أصواتهم، وجاءت حرب ٣٩ فتجدّدت تلك الوعود بألفاظها، وزيدت عليها نون التوكيد المشدّدة، وسيقت تلك الشعوب الموعودة على نغماتها إلى جهنم بأوزار غيرها، ولمنافع غيرها، فلما خفّت المعامع، وسكتت المدافع، عادت طبيعة الكذب والإخلاف إلى مستقرّها من نفوس اللصوص، وعادت الحالة إلى أشنع مما كانت عليه من تحكّم واستعباد، وما انتهت تلك الحرب حتى ظهرت على العالم أعراض الحمل بحرب أخرى ثالثة، وأصبح العالم كله استعدادًا لها، وأوجد الطغاة العالون في الأرض بذلك مرخّصًا لطغيانهم، ولإسكات الأصوات المطالبة بالتحرير، وعادت نوبة المماطلة والتسويف والوعود الكاذبة، والتعلّل بأن الحرب على الأبواب، فلنحتفظ بهذه الأبواب، وبأن الديمقراطية في خطر، فلنتعاون على إنقاذها مجتمعين قبل كل شيء ثم نتناصف، وهم لا يريدون من الديمقراطية إلا سيادتهم واستعلاءهم وتحكّمهم في الشعوب والأوطان واستئثارهم بقوّاتها وخيراتها، فقالت مصر: إذا كانت الحرب لم تنصفني، مع احتراقي بنارها، وكانت السلم لا تنصفني، مع اضطلاعي بوسائلها، وتمهيدي لأسبابها، فلأنتصف لنفسي، ولآخذ حقي بيدي ... فأقدمت وجاءت بها غراءَ مشهّرة الأعلام، وسنتها سنة حسنة لها أجرها وأجر من عمل بها، ممن ضاقت به الحيل، واشتبهت عليه السّبل؛ ولعمري لئن سبقها إلى هذه المنقبة رجال من فارس، ليلحقنّها فيها رجال من العرب الأشاوس ... ***

стр. 1364

الآن يا مصر ... الآن وقعت على مفتاح القضية، وقد أقدمت فصمّمي واحذري النكول والتراجع فإنهما مضيعان للفرصة؛ اجعلي من أرضك صعيدًا واحدًا، واجمعي أبناءك كلهم فيه صفًّا واحدًا، بقلب رجل واحد، على الحفاظ والنجدة والاستماتة في حقك والموت في سبيله، واجعلي من وجهيك وجهًا واحدًا مستبين القسمات، واضح السنن، يراه عدوّك فلا يرى إلا الحق مشرقًا، والغضبة بارزة العنوان. إن بين السبق والتخلّف خطًّا دقيقًا، يتجاوزه الحرّ الأصيل، فإذا هو مستول على القصب، وإن بين النصر والهزيمة خطوة ضيّقة، يخطوها الشهم الشَّمَّريُّ فإذا هو حائز الغلب؛ وإن المعالي شدّ حيزوم، وشحذ عزيمة، وتلقيح رأي سديد برأي أسدّ، وتطعيم عقل رشيد بعقد أرشد، ثم استجماع للقوّة الداخلية كما يستجمع الأسد للوثبة. ليت شعري! ... لو لم تصنع مصر ما صنعت، فماذا كانت تصنع؛ أكانت تستخذي للغاصب، فتبقى مقيّدة به، يعادي فتعادي بلا سبب، ويحارب فتحارب بلا أجر ولا غنيمة، ويرضى فترضى بلا موجب، ويواصل فتواصل على مضض؟ وكنا نظن أن الإنكليز راجعوا بصائرهم، وأخذوا من تأديب الزمان بنصيب ومحوا سيّئة الاستعمار بحسنة التحرير، وسنّوا للمستعمرين الجائعين سنّة التعفّف- يوم حرّروا الهند وباكستان- على ما في ذلك التحرير من شوائب، ويوم أعانوا سوريا ولبنان على التخلّص من البلاء المبين، كنا نعتقد أن تلك البوادر من انجلترا- لو تمادت عليها- أصلح لها وأبقى على شرفها، لأن من ثمراتها أن يصير خصومها أصدقاءَ وأعوانًا، ولكن معاملتها لمصر هذه المعاملة القاسية التي انتهت بالأزمة الحالية، كذّبت ظنوننا، وسفهت اعتقادنا، وأقرّت أعين المستعمرين أعداء التحرير. ... إن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، المعبّرة عن إحساس الشعب الجزائري كله، تعلن تأييدها للشعب المصري وتضامنها معه في موقفه الحازم، ولا تصدّها عن أداء واجبات الأخوّة هذه الحدود الوهمية التي خطّها الاستعمار بين أجزاء الوطن الواحد، ولا هذه السدود الواهية التي أقامها بين أبناء الوطن الواحد، لأن العواطف الجيّاشة كعثانين السيل لا تردّها حدود ولا سدود. وجمعية العلماء تحيّي جهود الشعب المصري، المجاهد في سبيل حرّيته واستقلاله، وتدعو له بالثبات في هذا المعترك الضنك، وبالانتصار في هذه المعركة الحاسمة، وأن يكون انتصاره آيةً من الله يثبّت بها عزائم المستضعفين، ويحلّ بها ما عقد الأقوياء، وإن الشعب

стр. 1365

الجزائري حين يظهر بهذا الإحساس الشريف الطاهر نحو أخيه الشعب المصري، إنما يقدّم جهد المقلّ، من قلوب ملؤها الحب لمصر، والاعتزاز بأخوّة مصر، والإعجاب بما صنعت مصر، وإنه يعتقد أن كلّ مصري يخرج عن إجماع مصر فهو مدخول العقيدة، مغموز النسب، وأن كل عربي لا يؤيّد مصر، فهو عاقٌّ للعروبة، ناكث لعهدها، وأن كلّ مسلم لا يعين مصر بما يملك فهو مارق من الأخوّة الإسلامية الشاملة. ولقد قام مكتب جمعية العلماء في القاهرة بالواجب على أكمل وجه، فقام- لأول نشوب الأزمة- بتبليغ معاني التأييد والتضامن للحكومة المصرية باسم جمعية العلماء والشعب الجزائري، وتلقّى من رفعة رئيس الوزارة المصرية الشكر والتقدير، وأذاع راديو القاهرة ذلك كله على العالم، وإنّا لمغتبطون بأداء هذا الواجب، شاكرون لمكتبنا في القاهرة قيامه به عنا.

стр. 1366

يا مصر ... * نسمّيك بما سمّاك الله به في كتابه، فكفاك فخرًا أنه سمَّاك بهذا الاسم الخالد الذي تبدَّلت أوضاعُ الكون ولم يتبدّل، وتغيّرت ملامح الأرض ولم يتغيّر، وحسبك تيهًا على أقطار الأرض أنه سمّاك ووصفها، فقال في فلسطين: ﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ و ﴿الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾، وقال في أرض سبأ: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ ولم يُسمّ إلا الطور وهو جبل، ومكة وهي مدينة، ويثرب وهي قرية، فتيهي وافخري بهذه الملاءة التي كساكيها الله، وخذي منها الفالَ على أنك منه بعين عناية لا تنام، وبذمّة رعاية لا تُخفر، وبجوار أمن لا يخزى جاره. نأسى لك- يا مصر- أن أنزلتك الأقدار بهذه المنزلة التي جلبت لك البلاء وجرّت عليك الشقاء، وأن حبتك هذا الجمال الذي جذب إليك خُطّاب السوء من الأقوياء الطامحين؛ والقوّاد الفاتحين، وأن أجرى فيك هذا الوادي العذب الذي كان فتنة الخيال البشري، فلم يقنع لمائه إلا بأن ينبطه من الجنة، وكان وثن القدماء من روّاده فتقرّبوا إليه بالنذور والقرابين، وكان طغوى فرعون ذي الأوتاد، فحرّك فيه نزعة الألوهية، فتوهّم أن شاطئيه الأخضرين هما نهاية الكون، وأنهما كفاء لملك الله الطويل العريض، وأن وضعك من هذا الكوكب الأرضي في موضع الواسطة من القلادة، فتعلّقت بك الابصار حتى "كأنَّ عليك من حدق نطاقًا"؛ وأن جعلك برزخًا فاصلًا بين الشرق والغرب، فكنتِ- على الدهر- مجال احتراب بين الشرق والغرب، فصبرًا يا مصر فهذا الذي تعانيه هو مغارم الجمال والشرف والسّلطة. ... سمّوك "عروس الشرق" فكأنما أغروا بك الخطّاب، وهجهجوا فيك الآساد الغلاب، ووسموك "بمنارة الشرق" فلفتوا إليك الأعين الخزر، ولووا نحوك الأعناق الغلب، ولو دعوك

стр. 1367

"لبؤة الشرق" لأثاروا- بهذا الاسم- في النفوس معاني رهيبة، منها دقُّ الأعناق، وقصم الظهور، وتقليل الأعضاء، وقديمًا سمّوا بغداد "دار السلام" فجنوا عليها، وكأنّما دلوا المُغيرين عليها، ولو سمّوها "دار الحرب"، لأوحى الاسم وحده ما تنخلع منه قلوب الطامعين وتخنس له عزائمهم، وتنكسر لتصوّره الجيوش اللجبة، فغفرًا- يا مصر- فما هذه الأسماء إلا من هُيام الشعراء. ... وما زلت- منذ كنت- مهوى أفئدة العظماء الفاتحين، فأخذوك اقتسارًا وصلحًا، وحازوك طوعًا وكرهًا، وما منهم إلا من مَهرك المهر الغالي، وساق إليك الثمين المدَّخر، بما خلّد فيك من آثاره، وبما خلّف فيك من سمات قومه ومعانيهم: حازك الإسكندر فخلد فيك الإسكندرية، وملكك قمبيز فخلّف فيك شيات من فخار فارس وخيلائها، وحلّ فيك بطليموس فخلّف فيك أثارةً من حكمة يونان، وداعبَك قياصرة الرومان فخلّفوا فيك أثرًا من عظمة الرومان، وفتحك عمرو، فمهرك بيان العرب كلّه وهداية الإسلام كلها، ففخرًا- يا مصر- فهذه المخايلُ اللائحة على صفحاتك هي بقايا مهورك الغالية، وإن أثمنها قيمة- وحقّك- وأثبتها أثرًا، وابقاها بقاء، وأشبهها بشمائلك،- لمهر عمرو ... فما زلت منذ تفيّأت ظل الإسلام الظليل، تجدين منه في كل داجية نجمًا، ووراء كل داجية فجرًا، وما زلت كلّما شكوت ضرًّا في دينك، يخفّ إليك من يكشفه، وكلّما شكوت شرًّا في دنياك، يخف إليك من يدفعه. خفّ إليك "جوهر" حين لحقتك علامةُ التأنيث، وتقلّب على فراشك العبيد، وخفّ إليك "صلاح الدين" حين امتُهِن فيك الدين، وخفّ إليك "سليم" حين لعبت بك أهواء المماليك، وخفّ إليكَ "علي" حين تحكّم فيك الصّعاليك، تأخّروا بركبك عن زمانك، فألحقك بزمانك، وبالقوافل السائرة من بني زمنك، وأراد لك أن يكون محلُّك من الغرب أمامًا، وأن تكوني من الشرق أمًّا وأمَّةً وإمامًا، فما عابوك، ولكنهم هابوك، فنصبوا لك في كل حفرة عاثورًا، ووضعوا لك في كل فجّ فخًّا، وأجمعوا على أن لا تكون لك جارية في بحر، ولا سارية في برّ، فمِن بعض ذلك كلّ ما تُعانين. لئن كانت أزماتك في التاريخ كثيرة، فكلها إلى انفراج عاجل، ومن المؤلم أن تطول بك المحنة في هذه الدورة من أدوار الفلك، وأن تُبتلى بخصم لئيم الخصومة والكيد، يمدّهما زمنه بالقوّة والأيد، وأن يستحلّ حرماتك غاصب غريب لا تجمعك به نسبة لشرق، ولا يلتفّ منكما- إلى آدم- عرق بعرق، فيجعل منك أداة لكيده، وجارحةً لصيده، ومطية لصولته، وطريقًا لظلمه وظلامه ... فلو أن المسالك تشترك في الإجرام مع السالك لكان لك شركة في كل ما حمل الإنكليز من أوزار، ولحمَّلك العدل كفلًا من مأثمهم في الشرقين ...

стр. 1368

إذ لولا قناتك ما ثبتت له على أديم الشرق قدم، فليتك تعاسرت بالأمس في حفر هذه القناة، أو ليتك تصنعين بها اليوم ما صنع العرب بمناة، فتوسعين هذه ردمًا، كما أسعوا تلك هدمًا ... حتى إذا ملكت أمرك حفرت ما يرويك لا ما يُرديك، وما فضل ماء استنبطته يداك، لينتفع به عداك؟ وما ذاد الأباة عن الحياض إلا لتكون لهم وردًا. لا توحشنّك غربة ... إن مئات الملايين من القلوب رفافة على جنباتك، حائمة على مواردك، هائمة بحبك، تقطع الأنّات في التفكير فيك، ولا تقطع الأنّات من الامتعاض لك، وإن مئات الملايين من الالسنة رطبة بذكرك، متحرّكة بمدحك، ناطقة بفضلك، متغنيّة بمحاسنك؛ وإن هذا لرأس مال عظيم، لم تظفر به قبلك يدان ... أنت اليوم مثابة العروبة في ثراك حيِيَ بيانها، وبسقت أفنانها، وفي رياضك تفتّحت أزهارها وغرّدت بلابلها، ففي ذمة كل عربي حرّ الدم لك دين واجب الوفاء، وهذا أجل الوفاء. وأنت اليوم قبلة المسلمين، يُوَلّون وجوههم إليك كلّما حزبهم أمر، أو حلّت بهم معضلة، وينفرون إلى معاهدك، يمتارون العلم منها، وإلى كتبك يصحّحون الفكر والرأي عنها، وإلى علمائك يتلقّون الفتيا الفاصلة في الدين والدنيا عنهم، فلك- بذلك- على كل مسلم حق، وهذا أوان الحاجة إليه. وأنت اليوم مأرز الإسلام، فكلّما سيم الهوان في قطر، أو رماه زنديق بنقيصة، فزع إليك واستجار بك يلتمس الغوث ويستمد الدفاع، فلك على المسلمين في المشارق والمغارب فضلُ الحماية لدينهم، وعليهم أن يطيروا خفافًا وثقالًا لنصرتك، ثم لا منّة لهم عليك ولا جميل. وكيف بك- مع هذا- لو كنت مظهرًا للإسلام الصحيح، ولمُثُله العليا في العقائد والأعمال والأحكام، إذن لكنت قدوةً في إحياء سننه التي أماتتها البدع، وفي إقامة أعلامه التي طمستها الجهالات، وفي بعث آدابه التي غطت عليها سخافات الغرب، وفي نشر هدايته التي طوتها الضلالات؛ وإذن لحييت وأحييت، ومن الغريب أنك قادرة على تغيير ما بك من هذه الأدران، ثم لم تغسلي، وإنك قادرة على إعادة الإسلام إلى رسومه الأولى، ثم لم تفعلي، ويمينًا برّة لو فعلت لما حلّ بك ما حلّ، ولو فعلت لقُدت المسلمين بزمام، ولكنت- بهم- للعالم كله إمامًا أيّ إمام. وسبحان من قسّم الحظوظ بين الجماعات فأعطى كلّ جماعة حظًّا لا تعدوه، وفرّق الخصائص على البقاع فخصّ كل بقعة بسرّ لا يعدوها، فما زلنا نستجلي من صنع الله لك وللإسلام لطيفة سماوية، وهي أنه كلما رثت جدّة الإسلام، وخالطته المحدثات، سطع في أفق من آفاقه نجم يهدي السارين إلى سوائه، وارتفع صوتٌ بالدعوة إلى أصول هدايته، ثم

стр. 1369

لا يلبث ذلك النجم أن يخبو، وذلك الصوت أن يخفت، إلا نجمًا سطع في أفقك، وصوتًا ارتفع من أرجائك، وقد ارتفعت أصوات بالإصلاح الديني في أقطار الإسلام، وفي حقب معروفة من تاريخه، فضاعت بين ضجيج المبطلين، وعجيج الضالين، إلا صوت "محمد عبده" فإنه اخترق الحدود وكسر السدود. ... عهدكِ التاريخ صخرةً من معدن الحق، تنكسر عليها أمواج الباطل، فكوني أصلب مما كنت، وأرسخ قواعد مما كنت، تنحسر الأمواج وأنتِ أنتِ. أقدمت فصمّمي ... وبدأت فتمّمي ... وحذار من التراجع، فإن اسمه الصحيح "الهزيمة"، وحذار من التردّد فإنه سوس العزيمة. إنك فائزة هذه المرة بأقصى المطلوب، لأنك أردتِ فصمّمت، وإنما يعين الله من مخلوقاته المصمِّمين، وإذا كان المطلوب حقًّا، وكان الطلب عدلًا فأكبرُ الأعوان على نيله التصميم، فصمّمي، ثم صمّمي. إن قلبي يحدّثني حديثًا كأنما استقاه من عين اليقين، وهو أنك فائزة منتصرة ظافرة في هذه المعركة، لأنك استعملت فيها سلاحًا كنت تنشدينه فلا تجدينه، وهو الإرادة، يحدوها التصميم، يمدّهما الإيمان بالحق، يربط ثلاثتهما الإجماع على الحق. إنك فائزة في هذا اليوم بالأمنية التي عملت لها قرونًا، وإن فوزك فوز للعرب وللإسلام والشرق؛ فيا ويح دعاة الوطنيّات الضيّقة المحدودة، إذا أقدم الأبطال نكصوا، وإذا زاد الناس نقصوا؛ ويحهم إنّ المستعمر سارق، وإن السارق الحاذق لا يسرق إلا في الظلمة أو في الغفلة، فإذا انحسر الظلام، أو انقشعت الغفلة ولّى مدبرًا بالخيبة والخسار، وإن مصر لفي فجر صادق، وإنها لفي يقظة صاحية، فأيّ موضع يسع السارق فيها؟ صمّمي، وأقدمي، ولا يخدعنك وعد، ولا يزعجنك وعيد، ولا تُلهينّك المفاوضات والمخابرات، فكلّها تضييع للوقت، وإطالة للذل، ولقد جرّبت ولُدِغت من جُحر واحد مرارًا! إن الخصوم- كما علمت- لئام، فاقطعي عنهم الماء والطعام، وإن اللؤم والجبن توأمان منذ طبع الله الطباع، فحرّكي في وجوههم تلك القوى الكامنة في بنيك يرتدعوا. صمّمي وقولي للمتعاقلين الذين يعذلونك على الإقدام: "إنّ أضيعَ شيء ما تقول العواذل". ***

стр. 1370

انثُري كنانتك- يا كنانة الله- فإن لم تجدي فيها سلاح الحديد والنار فلا تُراعي واحرصي على أن تجدي فيها السلاح الذي يفل الحديد، وهو العزائم، والمادة التي تطفئ النار، وهي اتحاد الصفوف، والمسنّ الذي يشحذ هذين، وهو العفة والصبر، فلعمرك- يا مصر- إنهم لم يقاتلوك بالحديد والنار إلا ساعةً من نهار، ولكنهم قاتلوك في الزمن كله بالأستاذ الذي يفسد الفكر، وبالكتاب الذي يزرع الشك، وبالعلم الذي يُمرض اليقين، وبالصحيفة التي تنشر الرذيلة، وبالفلم الذي يزّين الفاحشة، وبالبغيّ التي تخرب البيت، وبالحشيش الذي يهدم الصحة، وبالممثلة التي تمثّل الفجور؛ وبالراقصة التي تغري بالتخنث؛ وبالمهازل التي تقتل الجدّ والشهامة، وبالخمرة التي تذهب بالدين والبدن والعقل والمال، وبالشهوات التي تفسد الرجولة، وبالكماليات التي تثقل الحياة، وبالعادات التي تناقض فطرة الله، وبالمعاني الكافرة التي تطرد المعاني المؤمنة من القلوب، فإن شئت أن تذيبي هذه الأسلحة كلها في أيدي أصحابها فما أمرك إلا واحدة، وهي أن تقولي: إني مسلمة ... ثم تصومي عن هذه المطاعم كلها ... إن القوم تجّار سوء، فقاطعيهم تنتصري عليهم ... وقابلي أسلحتهم كلّها بسلاح واحد، وهو التعفّف عن هذه الأسلحة كلها ... فإذا أيقنوا أنك لا حاجة لك بهم، أيقنوا أنهم لا حاجة لهم فيك، وانصرفوا ... وماذا يصنع "المرابي" في بلدة لا يجد فيها من يتعامل معه بالربا؟ ... نعمة من الله عليك أن امتحنك بهذه المحنة، وأنت في مفترق الطرق، ولو تأخّرت المحنة قليلًا لخشينا أن تسلكي أضل السبل. فرصة من فرص الدهر، هيأها لك القدر للرجوع إلى هدي محمد، ومحامد العرب، وروحانية الشرق، فإن انتهزتها محوت آية الغرب، وجعلت آية الشرق مبصرة. ... ويا مصر، نحن وأنت سواء في طلب الحق ومطاردة غاصبه، ونحن وأنت مستبقون إلى غاية واحدة في ظلام دامس، ولكنك أصبحتِ، فيا بشراك ويا بشرانا بك، ولم نزل نحن في قطع من الليل، نرقب الفجر أن ينبلج نوره، وما الفجر منّا ببعيد.
следующие страницы →