يا مصر ... *
نسمّيك بما سمّاك الله به في كتابه، فكفاك فخرًا أنه سمَّاك بهذا الاسم الخالد الذي تبدَّلت أوضاعُ الكون ولم يتبدّل، وتغيّرت ملامح الأرض ولم يتغيّر، وحسبك تيهًا على
أقطار الأرض أنه سمّاك ووصفها، فقال في فلسطين: ﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ و ﴿الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾، وقال في أرض سبأ: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ ولم يُسمّ إلا الطور وهو جبل، ومكة وهي مدينة، ويثرب وهي قرية، فتيهي وافخري بهذه الملاءة التي كساكيها الله، وخذي منها الفالَ على أنك منه بعين عناية لا تنام، وبذمّة رعاية لا تُخفر، وبجوار أمن لا يخزى جاره.
نأسى لك- يا مصر- أن أنزلتك الأقدار بهذه المنزلة التي جلبت لك البلاء وجرّت عليك الشقاء، وأن حبتك هذا الجمال الذي جذب إليك خُطّاب السوء من الأقوياء الطامحين؛ والقوّاد الفاتحين، وأن أجرى فيك هذا الوادي العذب الذي كان فتنة الخيال البشري، فلم يقنع لمائه إلا بأن ينبطه من الجنة، وكان وثن القدماء من روّاده فتقرّبوا إليه بالنذور والقرابين، وكان طغوى فرعون ذي الأوتاد، فحرّك فيه نزعة الألوهية، فتوهّم أن شاطئيه الأخضرين هما نهاية الكون، وأنهما كفاء لملك الله الطويل العريض، وأن وضعك من هذا الكوكب الأرضي في موضع الواسطة من القلادة، فتعلّقت بك الابصار حتى "كأنَّ عليك من حدق نطاقًا"؛ وأن جعلك برزخًا فاصلًا بين الشرق والغرب، فكنتِ- على الدهر- مجال احتراب بين الشرق والغرب، فصبرًا يا مصر فهذا الذي تعانيه هو مغارم الجمال والشرف والسّلطة.
...
سمّوك "عروس الشرق" فكأنما أغروا بك الخطّاب، وهجهجوا فيك الآساد الغلاب، ووسموك "بمنارة الشرق" فلفتوا إليك الأعين الخزر، ولووا نحوك الأعناق الغلب، ولو دعوك
стр. 1367
"لبؤة الشرق" لأثاروا- بهذا الاسم- في النفوس معاني رهيبة، منها دقُّ الأعناق، وقصم الظهور، وتقليل الأعضاء، وقديمًا سمّوا بغداد "دار السلام" فجنوا عليها، وكأنّما دلوا المُغيرين عليها، ولو سمّوها "دار الحرب"، لأوحى الاسم وحده ما تنخلع منه قلوب الطامعين وتخنس له عزائمهم، وتنكسر لتصوّره الجيوش اللجبة، فغفرًا- يا مصر- فما هذه الأسماء إلا من هُيام الشعراء.
...
وما زلت- منذ كنت- مهوى أفئدة العظماء الفاتحين، فأخذوك اقتسارًا وصلحًا، وحازوك طوعًا وكرهًا، وما منهم إلا من مَهرك المهر الغالي، وساق إليك الثمين المدَّخر، بما خلّد فيك من آثاره، وبما خلّف فيك من سمات قومه ومعانيهم: حازك الإسكندر فخلد فيك الإسكندرية، وملكك قمبيز فخلّف فيك شيات من فخار فارس وخيلائها، وحلّ فيك بطليموس فخلّف فيك أثارةً من حكمة يونان، وداعبَك قياصرة الرومان فخلّفوا فيك أثرًا من عظمة الرومان، وفتحك عمرو، فمهرك بيان العرب كلّه وهداية الإسلام كلها، ففخرًا- يا مصر- فهذه المخايلُ اللائحة على صفحاتك هي بقايا مهورك الغالية، وإن أثمنها قيمة- وحقّك- وأثبتها أثرًا، وابقاها بقاء، وأشبهها بشمائلك،- لمهر عمرو ... فما زلت منذ تفيّأت ظل الإسلام الظليل، تجدين منه في كل داجية نجمًا، ووراء كل داجية فجرًا، وما زلت كلّما شكوت ضرًّا في دينك، يخفّ إليك من يكشفه، وكلّما شكوت شرًّا في دنياك، يخف إليك من يدفعه.
خفّ إليك "جوهر" حين لحقتك علامةُ التأنيث، وتقلّب على فراشك العبيد، وخفّ إليك "صلاح الدين" حين امتُهِن فيك الدين، وخفّ إليك "سليم" حين لعبت بك أهواء المماليك، وخفّ إليكَ "علي" حين تحكّم فيك الصّعاليك، تأخّروا بركبك عن زمانك، فألحقك بزمانك، وبالقوافل السائرة من بني زمنك، وأراد لك أن يكون محلُّك من الغرب أمامًا، وأن تكوني من الشرق أمًّا وأمَّةً وإمامًا، فما عابوك، ولكنهم هابوك، فنصبوا لك في كل حفرة عاثورًا، ووضعوا لك في كل فجّ فخًّا، وأجمعوا على أن لا تكون لك جارية في بحر، ولا سارية في برّ، فمِن بعض ذلك كلّ ما تُعانين.
لئن كانت أزماتك في التاريخ كثيرة، فكلها إلى انفراج عاجل، ومن المؤلم أن تطول بك المحنة في هذه الدورة من أدوار الفلك، وأن تُبتلى بخصم لئيم الخصومة والكيد، يمدّهما زمنه بالقوّة والأيد، وأن يستحلّ حرماتك غاصب غريب لا تجمعك به نسبة لشرق، ولا يلتفّ منكما- إلى آدم- عرق بعرق، فيجعل منك أداة لكيده، وجارحةً لصيده، ومطية لصولته، وطريقًا لظلمه وظلامه ... فلو أن المسالك تشترك في الإجرام مع السالك لكان لك شركة في كل ما حمل الإنكليز من أوزار، ولحمَّلك العدل كفلًا من مأثمهم في الشرقين ...
стр. 1368
إذ لولا قناتك ما ثبتت له على أديم الشرق قدم، فليتك تعاسرت بالأمس في حفر هذه القناة، أو ليتك تصنعين بها اليوم ما صنع العرب بمناة، فتوسعين هذه ردمًا، كما أسعوا تلك هدمًا ... حتى إذا ملكت أمرك حفرت ما يرويك لا ما يُرديك، وما فضل ماء استنبطته يداك، لينتفع به عداك؟ وما ذاد الأباة عن الحياض إلا لتكون لهم وردًا.
لا توحشنّك غربة ... إن مئات الملايين من القلوب رفافة على جنباتك، حائمة على مواردك، هائمة بحبك، تقطع الأنّات في التفكير فيك، ولا تقطع الأنّات من الامتعاض لك، وإن مئات الملايين من الالسنة رطبة بذكرك، متحرّكة بمدحك، ناطقة بفضلك، متغنيّة بمحاسنك؛ وإن هذا لرأس مال عظيم، لم تظفر به قبلك يدان ...
أنت اليوم مثابة العروبة في ثراك حيِيَ بيانها، وبسقت أفنانها، وفي رياضك تفتّحت أزهارها وغرّدت بلابلها، ففي ذمة كل عربي حرّ الدم لك دين واجب الوفاء، وهذا أجل الوفاء.
وأنت اليوم قبلة المسلمين، يُوَلّون وجوههم إليك كلّما حزبهم أمر، أو حلّت بهم معضلة، وينفرون إلى معاهدك، يمتارون العلم منها، وإلى كتبك يصحّحون الفكر والرأي عنها، وإلى علمائك يتلقّون الفتيا الفاصلة في الدين والدنيا عنهم، فلك- بذلك- على كل مسلم حق، وهذا أوان الحاجة إليه.
وأنت اليوم مأرز الإسلام، فكلّما سيم الهوان في قطر، أو رماه زنديق بنقيصة، فزع إليك واستجار بك يلتمس الغوث ويستمد الدفاع، فلك على المسلمين في المشارق والمغارب فضلُ الحماية لدينهم، وعليهم أن يطيروا خفافًا وثقالًا لنصرتك، ثم لا منّة لهم عليك ولا جميل.
وكيف بك- مع هذا- لو كنت مظهرًا للإسلام الصحيح، ولمُثُله العليا في العقائد والأعمال والأحكام، إذن لكنت قدوةً في إحياء سننه التي أماتتها البدع، وفي إقامة أعلامه التي طمستها الجهالات، وفي بعث آدابه التي غطت عليها سخافات الغرب، وفي نشر هدايته التي طوتها الضلالات؛ وإذن لحييت وأحييت، ومن الغريب أنك قادرة على تغيير ما بك من هذه الأدران، ثم لم تغسلي، وإنك قادرة على إعادة الإسلام إلى رسومه الأولى، ثم لم تفعلي، ويمينًا برّة لو فعلت لما حلّ بك ما حلّ، ولو فعلت لقُدت المسلمين بزمام، ولكنت- بهم- للعالم كله إمامًا أيّ إمام.
وسبحان من قسّم الحظوظ بين الجماعات فأعطى كلّ جماعة حظًّا لا تعدوه، وفرّق الخصائص على البقاع فخصّ كل بقعة بسرّ لا يعدوها، فما زلنا نستجلي من صنع الله لك وللإسلام لطيفة سماوية، وهي أنه كلما رثت جدّة الإسلام، وخالطته المحدثات، سطع في أفق من آفاقه نجم يهدي السارين إلى سوائه، وارتفع صوتٌ بالدعوة إلى أصول هدايته، ثم
стр. 1369
لا يلبث ذلك النجم أن يخبو، وذلك الصوت أن يخفت، إلا نجمًا سطع في أفقك، وصوتًا ارتفع من أرجائك، وقد ارتفعت أصوات بالإصلاح الديني في أقطار الإسلام، وفي حقب معروفة من تاريخه، فضاعت بين ضجيج المبطلين، وعجيج الضالين، إلا صوت "محمد عبده" فإنه اخترق الحدود وكسر السدود.
...
عهدكِ التاريخ صخرةً من معدن الحق، تنكسر عليها أمواج الباطل، فكوني أصلب مما كنت، وأرسخ قواعد مما كنت، تنحسر الأمواج وأنتِ أنتِ.
أقدمت فصمّمي ... وبدأت فتمّمي ... وحذار من التراجع، فإن اسمه الصحيح "الهزيمة"، وحذار من التردّد فإنه سوس العزيمة.
إنك فائزة هذه المرة بأقصى المطلوب، لأنك أردتِ فصمّمت، وإنما يعين الله من مخلوقاته المصمِّمين، وإذا كان المطلوب حقًّا، وكان الطلب عدلًا فأكبرُ الأعوان على نيله التصميم، فصمّمي، ثم صمّمي.
إن قلبي يحدّثني حديثًا كأنما استقاه من عين اليقين، وهو أنك فائزة منتصرة ظافرة في هذه المعركة، لأنك استعملت فيها سلاحًا كنت تنشدينه فلا تجدينه، وهو الإرادة، يحدوها التصميم، يمدّهما الإيمان بالحق، يربط ثلاثتهما الإجماع على الحق.
إنك فائزة في هذا اليوم بالأمنية التي عملت لها قرونًا، وإن فوزك فوز للعرب وللإسلام والشرق؛ فيا ويح دعاة الوطنيّات الضيّقة المحدودة، إذا أقدم الأبطال نكصوا، وإذا زاد الناس نقصوا؛ ويحهم إنّ المستعمر سارق، وإن السارق الحاذق لا يسرق إلا في الظلمة أو في الغفلة، فإذا انحسر الظلام، أو انقشعت الغفلة ولّى مدبرًا بالخيبة والخسار، وإن مصر لفي فجر صادق، وإنها لفي يقظة صاحية، فأيّ موضع يسع السارق فيها؟
صمّمي، وأقدمي، ولا يخدعنك وعد، ولا يزعجنك وعيد، ولا تُلهينّك المفاوضات والمخابرات، فكلّها تضييع للوقت، وإطالة للذل، ولقد جرّبت ولُدِغت من جُحر واحد مرارًا! إن الخصوم- كما علمت- لئام، فاقطعي عنهم الماء والطعام، وإن اللؤم والجبن توأمان منذ طبع الله الطباع، فحرّكي في وجوههم تلك القوى الكامنة في بنيك يرتدعوا. صمّمي وقولي للمتعاقلين الذين يعذلونك على الإقدام: "إنّ أضيعَ شيء ما تقول العواذل".
***
стр. 1370
انثُري كنانتك- يا كنانة الله- فإن لم تجدي فيها سلاح الحديد والنار فلا تُراعي واحرصي على أن تجدي فيها السلاح الذي يفل الحديد، وهو العزائم، والمادة التي تطفئ النار، وهي اتحاد الصفوف، والمسنّ الذي يشحذ هذين، وهو العفة والصبر، فلعمرك- يا مصر- إنهم لم يقاتلوك بالحديد والنار إلا ساعةً من نهار، ولكنهم قاتلوك في الزمن كله بالأستاذ الذي يفسد الفكر، وبالكتاب الذي يزرع الشك، وبالعلم الذي يُمرض اليقين، وبالصحيفة التي تنشر الرذيلة، وبالفلم الذي يزّين الفاحشة، وبالبغيّ التي تخرب البيت، وبالحشيش الذي يهدم الصحة، وبالممثلة التي تمثّل الفجور؛ وبالراقصة التي تغري بالتخنث؛ وبالمهازل التي تقتل الجدّ والشهامة، وبالخمرة التي تذهب بالدين والبدن والعقل والمال، وبالشهوات التي تفسد الرجولة، وبالكماليات التي تثقل الحياة، وبالعادات التي تناقض فطرة الله، وبالمعاني الكافرة التي تطرد المعاني المؤمنة من القلوب، فإن شئت أن تذيبي هذه الأسلحة كلها في أيدي أصحابها فما أمرك إلا واحدة، وهي أن تقولي: إني مسلمة ... ثم تصومي عن هذه المطاعم كلها ... إن القوم تجّار سوء، فقاطعيهم تنتصري عليهم ... وقابلي أسلحتهم كلّها بسلاح واحد، وهو التعفّف عن هذه الأسلحة كلها ... فإذا أيقنوا أنك لا حاجة لك بهم، أيقنوا أنهم لا حاجة لهم فيك، وانصرفوا ... وماذا يصنع "المرابي" في بلدة لا يجد فيها من يتعامل معه بالربا؟
...
نعمة من الله عليك أن امتحنك بهذه المحنة، وأنت في مفترق الطرق، ولو تأخّرت المحنة قليلًا لخشينا أن تسلكي أضل السبل.
فرصة من فرص الدهر، هيأها لك القدر للرجوع إلى هدي محمد، ومحامد العرب، وروحانية الشرق، فإن انتهزتها محوت آية الغرب، وجعلت آية الشرق مبصرة.
...
ويا مصر، نحن وأنت سواء في طلب الحق ومطاردة غاصبه، ونحن وأنت مستبقون إلى غاية واحدة في ظلام دامس، ولكنك أصبحتِ، فيا بشراك ويا بشرانا بك، ولم نزل نحن في قطع من الليل، نرقب الفجر أن ينبلج نوره، وما الفجر منّا ببعيد.
стр. 1371
أثر الأزهر في النهضة المصرية *
... والنهضات أولها ثورة، وآخرها ثورة، فكان الأشبه أن أقول: أثر الأزهر في الثورات المصرية، لأن الأزهر حقيق عليه أن يعلّم الناس الثورات على الأباطيل في الدين والدنيا، ولأن الأزهر ساهم بالفعل في الثورات المتتابعة في مصر على الحاكمين من الأمراء المفسدين، وعلى المتحكّمين من المستعمرين الغاصبين؛ ولعمر الحق إذا لم يكن الأزهر معهدًا لتعليم الثورات على الشر، وميدانًا لتنظيم الثورات على أهل الشر، فماذا عسى أن يكون؟
ويزيد من حلاوة الحديث عن أثر الأزهر في الثورات المصرية، أن في مصر الآن ثورة على "جريمة هذا العصر"- وهي الاستعمار- نرجو أن تزيد اشتعالًا حتى تقطع دابره منها، فيكون ذلك إيذانًا من الله بقطع دابره من جميع الأقطار، فإن هذه الثورات لا تُحمد مباديها حتى تحمد خواتمُها: فإذا بدأت فائرة، ثم ختمت فاترة أعطت لخصومنا الحجة علينا، وجرّأتهم على الاستخفاف بنا، والإمعان في استعبادنا، والاطمئنان إلى أمن العواقب.
ولقد كان الأزهر في أدوار فساد الحكم في مصر، أو في فترات إغارة الفاتحين الأجانب عليها من "سان لويس" إلى "نابليون"- هو المئذنة التي يستشرف الناس إلى سماع كلمة الحق منها، فإذا قالها كانت الفاصلة؛ ولقد قالها جماعة من أئمته لا يحصون في أزمات أشد من هذه الأزمة الحاضرة وأحدّ، فكان لها الوقع الحاسم في النفوس، والتأثير البليغ في الأفكار- قالها سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام في قضية المماليك الأمراء حين طغوا وبغوا، فحكم عليهم ببيع رقابهم، لأنها مملوكة لبيت مال المسلمين، قالها فقوّم بها وضعًا
стр. 1372
مقلوبًا كان هو السبب في انقراض كثير من الدول الإسلامية، أو في اختلال أحوالها، وهو احتكار المماليك لمراتب الإمارة. ولو رزق الله بغداد عالمًا كابن عبد السلام في شجاعته وسمو نفسه، لأنقذ الخلافة العبّاسية من المماليك الأتراك ببيعهم في سوق الرقيق، وإقرار الأشياء في نصابها، ولو رزق الله الأندلس عالمًا مثله لأنقذ الدولة الأموية فيها من موالي المنصور بن أبي عامر، ولأفاء عليها من الخير والبركة ما لم يُفِئْه "خيران" و "مبارك" من أولئك الموالي.
وما كانت كلمة أولئك العلماء نافذةً ذلك النفوذ الخارق للعادة إلا لأنهم نسوا أنفسهم وذكروا الله، وآثروا ما عنده، من منازل الكرامة على ما عند الأمراء من الرتب والألقاب، وما عند الأغنياء من المال والمتاع، وتجرّدوا من الرغبة التي تُذِلّ الرقاب، ومن الرهبة التي تكُمّ الأفواه، فإذا قالوا قال الله، وإذا قال الله بطل كلّ قول وكلّ قائل.
وما أحوج مصر اليوم إلى علماء من ذلك الطراز، يقولون كلمة الله في السلم فتكون هادية إلى الصلاح، وفي الحرب فتكون قائدةً إلى النصر، لأن كلمة الله في لسان العالم الربّاني هي الميزان العادل، وهي الحبل الواصل، لأواخر الأشياء بأوائلها، وهي التي توجّه الناس إلى وجهة واحدة هي قبلة الحق، وهي التي تقودهم إلى ميدان التضحية والاستشهاد، وهي التي تمحو النزوات الطائشة، وتثبّت البصائر باليقين، وهي التي تحدّد علاقتهم بالله فلا يجاهدون في سبيله وهم منحرفون عن سبيله ... ولكن مصر لا تبلغ هذه الأمنيّة إلا إذا عاد في الأزهر سلطان العلماء إلى ما كان عليه في أيام "سلطان العلماء"! .. فقد أصبح علماء الدين تابعين لا متبوعين، وهانوا على أنفسهم فهانوا على الله وعلى الناس، وتركوا سياسة العامة بالدين، لمن يسوسها بالدنيا، فلا بدين تمسّكت ولا بدنيا ظفرت.
...
فإذا انتقلنا من أثر الأزهر في الثورات إلى أثره في فروع النهضة الأخرى، فإننا نجده ساهم في الكثير منها بالسهم الوافر، وشارك علماء الاختصاص الدنيوي فيها بالأعمال الجليلة، وفروع هذه النهضة متشابكة، تتقارب حتى تخفى الحدود الفاصلة بينها، وتتباعد حتى يصير كل فرع أصلًا برأسه، وأبرز فروع النهضة المصرية التي كان للأزهر فيها أثر بارز هي: الدين، والأدب، والسياسة، ولا أبعد إذا قلت: إن النهوض بهذه الفروع الثلاثة بدأ من الأزهر وتدرّج إلى الكمال فيه، ومن حسنات شوقي أنه يقرّر هذه الحقائق في شعره فيقول في الأزهر على عهد المماليك الأخير:
стр. 1373
ظلمات لا تَرى في جنحها ... غير هذا الأزهر السمح شهابا
قسمًا، لولاه لم يبقَ بها ... رجل يقرأُ أو يدري الكتابا
ويقول في النهضة السياسية ونشأة القضية المصرية وهو يتحدث عن الأزهر:
وُلدت قضيتُها على محرابه ... وحبَتْ به طفلًا وشبَّت مُعصِرا
...
وأنا لا أكاد أسمِّي نهضة مصرية إلا ما كان منبثقًا من روح مصر الشرقية، ووضعيتها الإسلامية، وطبيعتها العربية، فهذا هو الذي أجلّه فيها وأكبره، لأنه انتشار لشيء كانت أصوله مطوية فيها، وامتدادٌ لمعان كانت ناقصة في الدلالة، مقصورة على الأوليات، كمينة في خبايا الأنفس، ولا يتمدد الزئبق ويستطيل في رأي العين إلا لأنه زئبق وتلك خاصيَّته ... ومحال أن تنهض أمة بغير خصائصها، أو تقوم بغير مقوّماتها، فإن نهضت بغير ذلك فتلك نهضة مزوّرة؛ وحقيقتها أنها انتقال إلى الأمة صاحبة تلك الخصائص، وارتحال بالعقول من موطن إلى موطن، أو هي "تجنُّس فكري" سُمِّي نهضة.
وعلى هذا الرأي فأنا لا أسمّي نهضة إلا ما كان آتيًا من الأزهر، أو متسبّبًا عنه ومتصلَّا بَه، مباشرة أو بواسطة أو بوسائط، وكل ما جاء على غير طريقه فهو ثانوي أو مكمّل، ومن المبهج أن هذا هو الواقع في نهضة مصر، فإن الدعائم التي قامت عليها دولة البيان نُحتت من معدن الأزهر، وإن معظم الأقطاب الذين اضطلعوا بالسياسة نشأوا نشأتهم الأولى في الأزهر، وإن أول صوت جهير ارتفع بالإصلاحين الديني والاجتماعي خرج من الأزهر، وإن الترويج للنهضة في الأرياف والدعاية للآراء، كان بألسنة أبناء الأزهر، ولولاهم لما راج في مصر رأيٌ، ولا ثبتت عقيدة، وإن زعموا لها المزاعم، وعقدوا عليها صلاح الدين والدنيا فهم أعصاب القرى، كما يصفهم شوقي في قوله:
هزّوا القرى من كهفها ورقيمها ... أنتم لعمر الله أعصاب القرى
أثر الأزهر في النهضة المصرية هو الجزء الطبيعي الأصيل فيها، وهو الخميرة التي تُحيل الدخيل أصيلًا، لأن ذلك الجزء منزّل على طباع الأمة، ومرتبط بدينها وآدابها وتاريخها، وكل ما لابس النهضة من غير طريقه فهو مستوحًى من روح العصر كما يقولون، وليست لنا يد في تكييف هذا العصر حتى تكون روحه ممازجةً لروحنا، وموافقة لتفكيرنا، وإنما هو مستعار من أمم ليست بيننا وبينها صلة من دين ولا أدب، وليست متفقة معنا في تقدير الموازين الخلقية، والقيم الإنسانية، والاعتبارات الزمنية، وحسبنا دليلًا على هذا أن النهضات- في حقيقة معناها- تجديد وإصلاح، ولا يكون التجديد إلا
стр. 1374
لشيء تقادم، ولا يكون الإصلاح إلا لشيء فسد، فالتجديد والإصلاح وصفان عارضان والشيء في ذاته هو هو.
ولا تعجب إذا كانت النهضة شملت الأزهر نفسه، فما هو إلا من الكوائن الفاعلة المنفعلة، ولوم يغربل التاريخ هذه النهضة، فيأخذ منها ويدع، ويثبت من جملها ويمحو، فإننا لا نجد فيها إلا الأزهر وآثاره، وروح مصر وطبيعتها، ولسان العرب وبيانهم، وفضيلة الشرق وتقاليده، وهداية الإسلام وآدابه، ومثله العليا المتجلية في حقائقه التي سار العالم على نورها أحقابًا فما ضلّ وما غوى، وستذوب الأجزاء الغريبة الصالحة في هذا الكل الطبيعي فتصبح جزءًا من ماهيته، وستنفى الأجزاء غير الصالحة كما ينفي الجسم الصحيح جراثيم المرض.
...
لست أنكر تلقيح أدبنا بالآداب الراقية، ولا تطعيم حكمتنا بالحكم الحية. فلا الإسلام السمح يأبى لنا ذلك، ولا الحياة الدائبة تستغني عن ذلك، وقديمًا فعلنا ذلك، وحديثًا تفعل الأمم ذلك، ولكن قبل الربح تجب المحافظة على رأس المال، ولست أنكر على الأزهر أن يجاري الأحياء في الحياة، وأن يزاحم عليها، بل أرى من الواجب عليه أن يزاوج بين علوم الدين وبين علوم الدنيا، وأن يهيّئ أبناءه ليكونوا عقبان جوّ، وسباع دوّ، وأن يكونوا أحلاف حرب وأحلاس محاريب، وأن يكونوا دعاةً أجرياء إلى دينهم الحق، وأدبهم الحي، وفضائلهم الروحية وأن يعرفوا أنفسهم، ثم يتعارفوا، ثم يتعرّفوا.
стр. 1375
لكاتب هذه المقالات المجموعة هنا ثلاثة كتب:
١ - الكلمات المظلومة.
٢ - الشاب الجزائري كا تمثله لي الخواطر.
٣ - سجع الكهان.
وهذا الأخر نقد لاذع للحكومات العربية والشعوب العربية وملوكهم، على مواقفهم الذليلة المهينة المترددة في فلسطين، وكنت كتبت كثيرًا في التنديد بهم، فلم يؤثر ذلك في هذه الصخور الجامدة، فاستخدمت هذا الأسلوب، ونزعت فيه منزع القدماء في السجع وعزوته إلى كاهن الحيّ.
وقد نشرت «البصائر» عدة كلمات من كل كتاب لدواعٍ خاصة فاستحقّت أن تنشر فى «عيون البصائر»، وعسى أن ييسر الله نشر الكتب الثلاثة، ففي غير المنشور منها هنا ما هو أبلغ في التصوير وألذع في النقد مما نشر.
стр. 1376
كلمات مظلومة *
١ - المقاديم
المقاديم عند العرب جمع مقدام، وهو الذي يقدم على العظائم، والشاهد قول شاعرهم:
مقاديم وصالون في الروع خطوهم ... بكل رقيق الشفرتين يَمانِ
أما عندنا فالمقاديم جمع مقدّم (١) على غير قياس في اللفظ والمعنى.
...
٢ - العدل
العدل عند العرب وصف بالمصدر، مبالغة في إثبات الصفة حتى كأن الشخص صار صفةً محضة، أو كأن الوصف تجسّم فصار شخصًا، والعدل هو الذي لا يجور في حكم ولا في شهادة ولا في قول. أما عندنا فمعناه ما تعرف وأعرف!
...
٣ - الكلية
الكليَّة عند جميع الأمم هي معهدٌ عال تُدرس فيه العلوم العالية، وتُبحث فيه حقائقها النهائية نظرًا وتطبيقًا، أما عندنا فالكلية مكتب ابتدائي تقرأ فيه أوّليات بعض العلوم.
стр. 1377
إن ظلم الكلمات بتغيير دلالتها كظلم الأحياء بتشويه خلقتهم، كلاهما منكر، وكلاهما قبيح، وإن هذا النوع من الظلم يزيد على القبح بأنه تزوير على الحقيقة، وتغليط للتاريخ، وتضليل للسامعين، ويا ويلنا حين نغتر بهذه الأسماء الخاطئة، ويا ويح تاريخنا إذا بُني على هذه المقدمات الكاذبة، ونغش أنفسنا إذا صدّقنا أن مدارسنا الابتدائية كليات، ويا خجلتنا بين الأمم الجادة، إذا صارفتْنا على السماع بالقناطير فلم تجد عند العيان إلا الدوانق.
يا قومنا! إن للواقع عليكم حقًّا، وإن للتاريخ حقًّا، وإن للأمة التي تعملون لها حقوقًا، فأنصفوا الثلاثة من نفوسكم!
...
٤ - الاستعمار
عجيب! ... وهل الاستعمار مظلوم؟ إنما يقول هذا (كولون الشمال) (٢) أصحاب الكيمياء التي أحالت السيد عبدًا، والدخيل أصيلًا، أما أنت فتوبتُك أن تحشر كلمة "مظلوم" هذه في الكلمات المظلومة.
هوّن عليك فإن المظلوم هنا هو هذه الكلمة العربية الجليلة التي ترجموا بها لمعنى خسيس.
مادة هذه الكلمة هي "العمارة" ومن مشتقاتها التعمير، والعمران، وفي القرآن: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، فأصل هذه الكلمة في لغتنا طيب، وفروعها طيبة، ومعناها القرآني أطيب وأطيب، ولا ننكر من استعمالاتها في ألسنة خاصتنا وعامّتنا إلا "العمارة" الدرقاوية (٣).
ولكن إخراجها من المعنى العربي الطيب إلى المعنى الغربي الخبيث، ظلم لها، فاستحقّت الدخول من هذا الباب، والإدراج تحت هذا العنوان.
فالذي صيّر هذه الكلمة بغيضة إلى النفوس، ثقيلة على الأسماع، مستوخمة في الأذواق، هو معناها الخارجي- كما يقول المنطق- وهو معنى مرادف للإثم، والبغي، والخراب، والظلم، والتعدّي، والفساد، والنهب، والسرقة، والشره، والقسوة، والانتهاك، والقتل، والحيوانية ... إلى عشرات من مئات من هذه الرذائل تفسّرها آثاره وتنجلي عنها وقائعه.
стр. 1378
وواعجبًا! تضيق الأوطان على رحبها بهذه المجموعة، وتحملها كلمة لا تمتّ إلى واحد منها بنسب، وإذا كنّا نسمّي من يجلب هذه المجموعة- من كبائر الإثم والفواحش إلى وطن- ظالمًا، فأظلم منه من يحشرها في كلمة شريفة من لغتنا: ليخدع بها ويغرّ، وليهوّن بها على الفرائس شراسة المفترس، وفظاعة الافتراس.
أما والله لو أن هذا الهيكل المسمّى بالاستعمار كان حيوانًا لكان من حيوانات الأساطير بألف فم للالتهام، وألف معدة للهضم، وألف يد للخنق، وألف ظلف للدوس، وألف مخلب للفرس، وألف ناب للتمزيق، وألف لسان للكذب وتزيين هذه الأعمال، ولكان مع ذلك هائجًا بادِيَ السوءات والمقابح على أسوإ ما نعرفه من الغرائز الحيوانية.
سمّوا الاستعمار تخريبًا- إذ لا تصحّ كلمة استخراب في الاستعمال- لأنه يخرّب الأوطان والأديان والعقول والأفكار؛ ويهدم القيم والمقامات والمقوّمات والقوميات.
وخذوا العهد على المجامع اللغوية أن تمنع استعمال هذه الكلمة في هذا المعنى الذي لا تقوم بحمله عربة مزابل.
...
٥ - الإصلاحات
وليهدأ بال قادة الإصلاح الديني الإسلامي، فإن إصلاحهم لا يدخل في هذا الجمع المؤنث إذ هو إصلاح حقيقي ينطبق لفظه على معناه انطباقًا عادلًا لا ظلم فيه ولا غبن. وإنما أعني هذه الإصلاحات (الفاسدة) التي يكثر الحديث عليها في هذه الأيام من الدول والحكومات، فكلّما تعالت الأصوات من الأمم المطالبة بحقّها في السياسة والحياة، كانت العُلالة التي تسكت بها الأصوات؛ كلمة الإصلاحات فتتطلّع الأعناق، وتتشوّف النفوس، ثم تفتح الأعين على مهازل لا تسدّ خلة ولا تدفع ألمًا.
والشاهد القريب (إصلاحات) الجزائر التي شكّلت لها إدارة كاملة، وحشر فيها من الموظفين جند، وخصّص لها في الميزانية مال، وقُدّر لها من العمر سنوات، ولم يكن لها من العمل إلا التقريرات والملفات وأسماء المشروعات، ويقال إنها أخذت بالحزم والحسم، فبذلت اللقب والاسم، وانتقلت من تنفيذ العهود والشرائط إلى وضع الخطط والخرائط، والبركة في الأوراق.
وقرأنا عن إصلاحات المغرب وإصلاحات تونس وإصلاحات أخرى تُصاغ من وراء البحر للجزائر، فقلنا: ما أشبه حجل الجبال بألوان صخورها.
стр. 1379
ليت شعري! هل عرف القوم أن هذا الاسم وحده مشعر بأن ما قبله إفساد، إذ لا يكون الإصلاح إلا لحالة فاسدة. فإذا تبجّحوا بأنهم بهذه الإصلاحات مصلحون فقد اعترفوا بأنهم كانوا مفسدين.
...
٦ - الديمقراطية
والديمقراطية رأي يوناني نظري جميل، منسوب إلى اسم صاحبه، وهو قائم على أن الشعب هو مصدر السلطة، ومن ثمّ فهو صاحب الحق في الحكم والتشريع، وعلى أن الأفراد متساوون في هذا الحق، ويناقضه رأي آخر يوناني النشأة أيضًا. اصطرع الرأيان في ميدان الجدل، ثم اصطرعا في ميدان العمل حتى أصبحا مذهبين في سياسة الحكم، وبابين في فلسفة الاجتماع، وكانت هذه الآراء الجميلة في الحياة مثل رأي ديموقراط تدور بين فلاسفة اليونان وقياصرة الرومان، أولئك يدرسونها جدلًا، وهؤلاء يدرسونها عملًا، إلى أن انتصف الله للحق بالإسلام، فجاء بالشورى والمساواة- حكمًا من الله- وأين حكم العقول من حكم خالق العقول؟ وجاء عمر فلقّن العالم درسًا عمليًّا في المثل الأعلى للحكم، ثم جاءت الحضارة الغربية المجتهدة في إثمار الحقول، المقلدةُ في أثمار العقول، وكان من آثار التعصب فيها للآريّة والمسيحية أنها آثرت الديمقراطية على العُمَرية، آثرتها في التسمية والنسبة، أما في التطبيق والعمل، فإن هذه الحضارة- وهي حاضنة المتناقضات- اتسعت لرأي ديمقراط ولرأي ميكيافيلّي صاحب كتاب "الأمير"، فإذا أرادت التلبيس ألبست الثاني ثوب الأول.
لم تُظلَم هذه الكلمة ما ظلمت في هذه العهود الأخيرة، فقد أصبحت أداة خداع في الحرب وفي السلم، جاءت الحرب فجندها الاستعمار في كتائبه، وجاء السلم فكانت سرابًا بقيعة، ولقد كثر أدعياؤها ومدّعوها والداعون إليها، والمدّعي لها مغرور، والداعي إليها مأجور، والدعيّ فيها لابسٌ ثوبَي زور.
أصبح استعمار الأقوياء للضعفاء ديمقراطية، وتقتيلهم للعزل الأبرياء ديمقراطية، ونقض المواثيق ديمقراطية.
لك الله أيتها الديمقراطية! ...
стр. 1380
الشاب الجزائري كما تمثّله لي الخواطر *
- ١ -
أتمثّله متساميًا إلى معالي الحياة، عربيدَ الشباب في طلبها، طاغيًا عن القيود العائقة دونها، جامحًا عن الأعنَّة الكابحة في ميدانها، متَّقد العزمات، تكاد تحتدم جوانبه من ذكاء القلب، وشهامة الفؤاد، ونشاط الجوارح.
أتمثَّله مقدامًا على العظائم في غير تهوّر، محجامًا عن الصغائر في غير جبن، مقدّرًا موقع الرجل قبل الخطو، جاعلًا أو الفكر آخر العمل.
أتمثّله واسع الوجود، لا تقف أمامه الحدود، يرى كل عربي أخًا له، أخوةَ الدم، وكلَّ مسلم أخًا له، أخوة الدين، وكل بشر أخًا له، أخوة الإنسانية، ثم يُعطي لكل أخوّة حقّها فضلًا أو عدلًا.
أتمثّله حِلْفَ عمل، لا حليف بطالة، وحلس معمل، لا حلس مقهى، وبطل أعمال، لا ماضغ أقوال، ومرتاد حقيقة، لا رائد خيال.
أتمثّله برًّا بالبداوة التي أخرجت من أجداده أبطالًا، مزورًّا عن الحضارة التي (رمته بقشورها)، فأرخت أعصابه، وأنّثت شمائله، وخنّثت طباعه، وقيّدته بخيوط الوهم، ومجّت في نبعه الطاهر السموم، وأذهبت منه ما يُذهب القفص من الأسد من بأس وصولة.
أتمثّله مقبلًا على العلم والمعرفة ليعمل الخير والنفع، إقبال النحل على الأزهار والثمار لتصنع الشهد والشمع، مقبلًا على الارتزاق، إقبال النمل تجدُّ لتجِدَ، وتدَّخر لتفتخر، ولا تبالي ما دامت دائبة، أن ترجع مرة منجحة ومرة خائبة.
أحبّ منه ما يُحبُّ القائل:
стр. 1381
أُحِبُّ الْفَتَى يَنْفِي الْفَوَاحِشَ سَمْعُهُ ... كَأَنَّ بِهِ عَنْ كُلِّ فَاحِشَةٍ وَقْرًا
وأهوى منه ما يهوى المتنبى:
وَأَهْوَى مِنَ الْفِتْيَانِ كُلَّ سَمِيذَعٍ ... أَرِيبٍ كَصَدْرِ السَّمَهْرِيِّ الْمُقَوَّمِ
خَطَّتْ تَحْتَهُ الْعِيسُ الْفُلَاةَ وَخَالَطَتْ ... بِهِ الْخَيْلُ كَبَاتَ الخَمِيسِ الْعَرْمَرِمِ
يا شباب الجزائر، هكذا كونوا! ... أو لا تكونوا! ...
стр. 1382
الشاب الجزائري كما تمثّله لي الخواطر *
- ٢ -
أتمثّله محمديّ الشمائل، غير صخّاب ولا عيّاب، ولا مغتاب ولا سبّاب، عفًّا عن محارم الخلق ومحارم الخالق، مقصور اللسان إلا عن دعوة إلى الحق، أو صرخة في وجه الباطل، متجاوزًا عما يكره من إخوانه، لا تنطوي أحناؤه على بغض ولا ضغينة.
أتمثّله متقلّبًا في الطاهرين والطاهرات، ارتضع أفاويق الإصلاح صبيًا، وزُرَّتْ غلائلُه عليه يافعًا، فنبتَت في حجره، ونبتت قوادِمُه في وكره، ورفرفت أجنحته في جوّه، لم يمسَسْه زيغ العقيدة، ولا غشيت عقله سُحُب الخرافات، بل وجد المنهج واضحًا فمشى على سوائه، والأعلام منصوبة فسار على هداها، واللواء معقودًا، فأوى إلى ظله، والطريق معبّدًا فخطا آمنًا من العثار، فما بلغ مبلغَ الرجال إلا وهو صحيحُ العقد في الدين، متينُ الاتصال بالله، مملوءُ القلب بالخوف منه، خاوي الجوامح من الخوف من المخلوق، قويّ الإيمان بالحياة، صحيح النظر في حقائقها، ثابت العزيمة في المزاحمة عليها، ذلق اللسان في المطالبة بها، ناهض الحجّة في الخصومة لأجلها، يأبى أن يكون حظُّه منها الأخسّ الأوكس، أمن بعقله وفكره أن يضلّل في الحياة كما أمن بهما أن يضلّل في الدين.
"وفي الحياة كما في الدين تضليل" (٢)
يا شباب الجزائر!
ما قيمة الشباب؟ وإن رقَّت أنداؤه، وتجاوبت أصداؤه، وقُضِيَتْ أوطارُه وغلا من بين أطوار العمر مقدارُه، وتناغت على أفنان الأيام والليالي أطيارُه، وتنفَّست عن مثل روح الربيع أزهاره، وطابت بين انتهاب اللذات واقتطاف المسرّات أصائله وأسحاره.
стр. 1383
بل ما قيمة الكهولة؟ وإن استمسك بنيانها، واعتدل ميزانها، وفُرَّت عن التجربة والمراس أسنانها، ووُضعت على قواعد الحكمة والأناة أركانها.
بل ما قيمة المشيب؟ وإن جلّله الوقار بمُلاءته، وطوار الاختبار في عباءته، وامتلأتْ من حكمة الدهور وغرائب العصور حقائبه، ووُصلت بخيوط الشمس، لا بفتائل البُرْسِ جماته وذوائبه.
ما قيمة ذلك كله؟ إذا لم تنفق دقائقه في تحصيل علم، ونصر حقيقة، ونشر لغة، ونفع أمة، وخدمة وطن.
يا شباب الجزائر، هكذا كونوا ... أو لا تكونوا ...
стр. 1384
الشاب الجزائري كما تمثّله لي الخواطر *
- ٣ -
أتمثّله كالغصن المَرُوح، مطلولًا بأنداء العروبة، مخضوضر اللّحا والورق مما امتصّ منها، أخضر الجلدة والآثار مما رشح له من أنسابها وأحسابها، كأنّما أنبتته رمال الجزيرة، ولوّحته شمسها، وسقاه سلسالها العذب، وغذّاه نبتها الزكي، فيه مشابه من عدنان تقول إنه من سرّ هاشم أو سُرَّة مخزوم، ومخايلُ من قحطان تقول كأنه ذو سكَن، في السَّكن (١)، أو ذو رضاعة، في قضاعة (٢) متقلّبًا في المنجبين والمنجبات، كأنّما ولدته خِندِق (٣)، أو نهضت عنه أمّ الكملة (٤)، أو حضنته أختُ بني سهم (٥)، أو حنَّكته
стр. 1385
تُماضر (٦) الخنساء لعوبًا بأطراف الكلام المشقّق، كأنما وُلد في مكّة، واسترضع في إياد، وربا في مسلنطح البِطاح.
أتمثّله مجتمع الأشدّ على طراوة العود، بعيد المستمرّ على ميعة الشباب، يحمل ما حمّل من خير لأن يد الإسلام طبعته على الخير، ولا يحمل ما حمّل من شر لأنّ طبيعة الإسلام تأبى عليه الشر؛ فتح عينيْه على نور الدين، فإذا الدنيا كلها في عينيه نيّرة مشرقة، وفتح عقله على حقائق الدين، فإذا الدين والكون دالٌّ ومدلول عليه، وإذا هو يفتح بدلالة ذاك مغالق هذا، وفتح فكرَه على عظمة الكون فاهتدى بها إلى عظمة المكوّن، فإذا كلّ شيء في الكون جليل، لأنه من أثر يد الله، وإذا كل شيء فيه قليل، لأنه خاضع لجلال الله، ومن هذه النقطة يبدأ سموّ النفوس السامية وتعاليها، وتهيُّؤها للسعادة في الكون، والسيادة على الكون.
أتمثّله مجتلًى للخِلال العربية التي هي بواكير ثمار الفطرة في سلاستها وسلامتها، كأنّما هو منحدر لانصبابها وقرارة لانسكابها، وكأنما خيط على وفاء السموأل وحاجب (٧)، وأشرج على إيثار كعب وحاتم (٨)، وخُتم على حفاظ جسّاس والحارث (٩)، وأغلِق على عزة عوف وعروة (١٠).
أتمثّله مترقرق البشر إذا حدّث، متهلّل الأسِرَّة إذا حُدّث، مقصورَ اللسان عن اللغو، قصير الخُطى عن المحارم، حتى إذا امتدَّت الأيدي إلى وطنه بالتخوّن، واستطالت الألسنة على دينه بالزراية والتنقص، وتهافتت الأفهام على تاريخه بالقلب والتزوير، وتسابق الغرباء إلى كرائمه باللَّصّ والتدمير، ثار وفار، وجاء بالبرق والرعد، والعاصفة والصاعقة، وملأ الدنيا فعالًا، وكان منه ما يكون من الليث إذا دِيس عَرينه، أو وُسم بالهون عِرْنِينُه.
стр. 1386
أتمثّله شديدَ الغيرة، حديدَ الطيرة، يغار لبنت جنسه أن تبور، وهو يملك القدرة على إحصانها، ويغار لماء شبابها أن يغور وهو يستطيع جعله فيّاضًا بالقوة دافقًا بالحياة: ويغار على هواه وعواطفه أن تستأثر بها السِّلع الجليبة، والسحن السليبة، ويغار لعينيه أن تسترقهما الوجوه المطرّاة، والأجسام المعرّاة.
يا شباب الجزائر، هكذا كونوا! ... أو لا تكونوا! ...
стр. 1387
الشاب الجزائري كما تمثّله لي الخواطر *
- ٤ -
أتمثّله حنيفًا فيه بقايا جاهلية ... يدّخرها لميقاتها، ويوزّعها على أوقاتها، يردّ بها جهلَ الجاهلين، في زمن تفتّقت علومه عن جاهلية ثانية شرّ من الجاهلية الأولى - وتمخّضت عقولُ أبنائه بوحشية مقتبسة من الغرائز الدنيا للوحش اقتباسًا علميًّا ألبَس الإنسان غير لبوسه، ونقله من قيادة الحيوان إلى الانقياد للحيوانيّة، وأسفرت مدنيَّتُه عن جفاف في العقول، وانتكاس في الأذواق، وقوانينُه عن نصر للرذيلة وانتهاك للحُرُمات، وانتهت الحال ببنيه إلى وثنية جديدة في المال وعبادة غالبية للمال، واستعباد لئيم بالمال.
أتمثّله معتدلَ المزاج الخُلُقي بين الميوعة والجمود، وبين النسك والفتك تتّسع نفسه للعقيق، وعمر وابن أبي عتيق، فيصبو، ولا يكبُو، كما تتّسع للحرم وناسكيه فيصفو ولا يهفو، وتهزُّه مفاخرات الفرزدق في المربد، كما تهزّه مواعظ الحسن في المعبد.
أتمثّله كالدينار يروق منظرًا، وكالسيف يروع مخبرًا، وكالرمح أمدحُ ما يوصف به أن يقال ذابل، ولكن ذاك ذبول الاهتزاز وهذا ذبول الاعتزاز، وكالماء يمرؤ فيكون هناءً يُروي، ويزعق فيكون عناء يُردي، وكالرّاية بين الجيشين تتساقط حولها المُهَج وهي قائمة.
أتمثّله عفّ السرائر، عفّ الظواهر، لو عرضت له الرذيلة في الماء ما شربه، وآثر الموت ظمأ على أن يرد أكدارها، ولو عرضت له في الهواء ما استنشقه، وآثر الموت اختناقًا على أن يتنسَّم أقذارَها.
أتمثّله جديدًا على الدنيا، يرى من شرطها عليه أن يزيد فيها شيئًا جديدًا، مستفادًا فيها، يرى من الوفاء لها أن يكون ذلك الجديد مفيدًا.
стр. 1388
أتمثّله مقدّمًا لدينه قبل وطنه، ولوطنه قبل شخصه، يرى الدين جوهرًا، والوطن صدفًا، وهو غوّاص عليهما، يصطادهما معًا، ولكنه يعرف الفرق بين القيمتين، فإن أخطأ في التقدير خسر مرّتين.
أتمثّله واسعَ الآمال، إلى حد الخيال، ولكنه يُزجيها بالأعمال إلى حد الكمال، فإن شُغِفَ بحب وطنه شَغَفَ المشرك بحبّ وثنه، عذره الناس في التخيّل لإذكاء الحبّ، ولم يعذر فيه لتغطية الحقيقة.
أتمثّله مصاولًا لخصومه بالحجاج والإقناع، لا باللجاج والإقذاع، مُرْهبًا لأعدائه بالأعمال، لا بالأقوال.
أتمثله بانيًا للوطنية على خمس، كما بني الدين قبلها على خمس: السباب آفة الشباب، واليأس مفسد للبأس، والآمال لا تدرك بغير الأعمال، والخيال أوّله لذة وآخره خبال، والأوطان لا تخدم باتّباع خطوات الشيطان.
يا شباب الجزائر، ... هكذا كونوا ... أو لا تكونوا.
стр. 1389
سجع الكهّان *
- ١ -
هذه فصول، إن لا تكنْ فيها روح الكاهن ففيها من الكاهن سجْعُه، وإن لا يَجُلْ في جوانبها صَدَى الكهانة ففيها من ذلك الصدى رَجْعه؛ فيها الزمزمة المفصحة، والتعمية المبصرة، وفيها التقريع والتبكيت، وفيها السخرية والتنكيت، وفيها الإشارة اللّامحة، وفيها اللفظة الجامحة، وفيها العسل للأبرار، وما أقلَّهم، وفيها اللسع للفجار، وما أكثرهم، فلعلّها تهزُّ من أبناء العروبة جامدًا، أو تؤزّ منهم خامدًا، فنجني شيئًا من ثمرة النية، ونغيِّر أواخر هذه الأسماء المبنيّة.
وفي هذه الفصول من لبوس الألفاظ ما يَعُدُّه المتخلفون من كتّابنا غريبًا، وما غرابته في أذواقهم، إلا كغربة الأعلاق النفيسة في أسواقهم؛ ولو حفِظوه ووَعَوْا معانيه وأقروه في مواضعه من كلامهم، وأحسَنوا إجراءه في ألسنتهم وأقلامهم، لأحيَوْه فحيوا به، ولأصبح مأنوسًا لا غريبًا، وأصبحوا به من لغتهم قريبًا؛ ولكن أعياهم الإحسان، فعفّروا في وجوه الحسان، وعجزوا في جني الثمرة عن الهصر، فرضوا من اللغة بما يباع في "سوق العصر" (١).
منشئ الفصول
...
"نحن الكهّان، أفراس رهان. منّا السابق المصلي، ومنّا الآبق المولّي. كنّا إرهاصًا للنبوّة، ودليلًا للضعف إلى القوة، فلما جاء الحق، وحيص (٢) الشق، اندحرنا وانجحرنا،
стр. 1390
فلما عادت الكسرويّة إلى شرائعها، والقيصرّية إلى ذرائعها، آن أن نعود إلى الإنذار، ونصرخ في وجوههم: حذار حذار، إن بطش الله لشديد، وإن الحرير قد يفلّ الحديد".
كاهن قديم
...
"الكاهن، لا يُداري ولا يداهن؛ كلامه رمز، ليس فيه لمز. عاذ غيره بالتصريح فعاد بالتجريح، ولاذ هو بالكهانة، فأمِن المهانة. كان ... فكان الزاجر الرادع، للفاجر الخادع، وكان ... فكان نذير السارق والمارق، والخاتل والقاتل، والمحتال والمغتال، والقاذف والحاذف، والمبتهر والمبتئر (٣). تجف قلوبهم إذا نوفروا إليه، وتجفّ لهواتهم إذا وقفوا بين يديه، لاستتارهم بالعيب، واستهتارهم بالغيب، فلما جاء "محمد" بالحق فاء الناس إلى ضمائرهم، وحكموا هديَه في سرائرهم، وردُّوا الغيب إلى عالمه فاستراحوا، ولكنهم اليوم عادوا إلى الجاهليَّة، وتقلّبوا في أرحام حنظليّة وأصلاب باهليَّة، فماذا نصنع؟ أنتقدّم منذرين، أم نتأخّر معتذرين؟ بل نُحيي الاسم، ونُميت- كما أمات الإسلام- الرسم".
كاهن عصري
...
"كلام الكاهن ليس بالواهي ولا الواهن، كأنما وخزه الماء، أو لمستْه السماء، ففيه من الماء إيراق، وفيه من السماء إشراق. شارف مكامن الغيوب ولَمَّا ... وورد معين العربية فورد جمًّا. عمر صحائف من ديوان العرب، وكان من شعرهم كالكرب من القَرَب (٤)، بل كان هو الشعر في أول أدواره، وكان قارعَ باب البيان وفارعَ أسواره ... اصطنع الكهّان السجع ليروقوا السامع ويروعُوه، وليسهل على الناس فيحفظوه وَيعُوه. ولهم في حوْك الكلام مقامات حسان، أخذ منها ابنُ دريد والهمذاني تلك المقامات الحسان. سبقوا في السجع فما سبقتهم إلا الحمائم، وأخذوه طبعًا فما لحقهم فيه صنعًا إلا "بعض ذوي العمائم". وما عدا هذا من الأسجاع، فهي غُصص تتبَعُها أوجاع".
كاهن أديب
...
стр. 1391
لا أقسم بذات الحفيف، والجناح الخفيف، المشارفة في جوّها للكفيف (٥) وبالسر المودع في التجاويف والتلافيف، وبالمغيرات صبحًا عليها التجافيف، والمغيرين على الحق كالعاهر ابن العفيف (٦). وبالسابغات والسوابغ من الدروع والجلابيب، وبالآخذين أمس من تلّ أبيب بالتلابيب، وبالبحر والسفينة، والحبر و"الدفينة" (٧)، إن أبا الطيب المتنبي لمن موالينا، وممن تلقَّى الكهانة عن أوالينا، وإنه ما دُعي بالمتنبي (٨) إلا لأنه كان شاعرًا كاهنًا، ليناقض النبي الذي لم يكن كاهنًا ولا شاعرًا، وقد نُفِيا عن النبي مجتمعين، فثبتا في المتنبي مجتمعين، وإن كثيرًا من شعره كهانةٌ ملتفِّعة بالشعر، يُوطّيها في جُمل، ويغطِّيها بممدوح أو جمل؛ وستظهر أخباؤها، وتُعلم أنباؤها ... وإن قوله: وقعت على الأردن منه بليّة، هو من الكهانة الكاهنة (بالحالة الراهنة). قالوا أراد أسدًا قانصًا، وقلنا أراد رجلًا ناقصًا. قالوا: أراد كلبًا، روع قلبًا، ومزّق خلبًا، وأوسع المهج سلبًا، وقدم ضراغمة غُلبًا، أوطنها غابات غلبًا وذاد عنها أشاوس غلبا، قلنا: إنما أراد رجلًا ركب صعبًا، وباع شعبًا، وعقَّ لؤيًّا وكعبًا، وسلك بنو أبيه شِعبًا، وسلك وحده شعبًا، وخذلهم في الجلى فملأ القلوب رعبًا، واشتفّ صُبابة المال، فلم يدَعْ لبائس حلسًا ولا لبائسة قَعْبًا ... لم يُرد أسدًا خادرًا، وإنما أراد رجلًا سادرًا، يظهر في زمن نحس، ويبيع ضفَّتي الأردن بثمن بخس، وأيْن ليث عفَّره بدر بسوط، من شخص كفَّره صدْرٌ بنوط.
أيّتها البُحيرة (٩)، مالك في حيرة؟ لقد شهدت لبدر بن عمّار بالفتوة، فهل تشهدين لأبي الطيب بالنبوّة؟ ... وحدّثي الولي يا (ولية)، أيّهما كان عليك بلية؛ ذاك الذي وردك زائرًا، أم هذا الذي وردك خائرًا؟ إنهما لا يستويان؛ ذاك أسد غاب، رزقه في الناب، وهذا حلف وِجار، رزقه على الجار؛ ذاك يعيش على فرائسه، وهذا يعيش على فضلات سائسه، ذاك رمزُ إقدام، وهذا موطئ أقدام؛ ذاك ورد الفرات زئيرُه، وهذا جاوز الفرات تزويره؛ ذاك مشغول البال بتربية الأشبال، وهذا مشغول ... بعُرْس الغول.
أيها الصاعد في العقبة، المجاحش عن خيط الرقبة، البائع لجار السوء صقبه، لا يكن صوتُك الصيت، ولو أحييت المجر الميت.
стр. 1392
أيها الخاذل للغزَّى (١٠)، ما أنت لهاشم ... إنما أنت لعبد العزَّى، أغضبت سراة الحيّ، وأزعجت الميت منهم والحيّ، من لؤيّ إلى أبي نُمَيّ. فويحك، أما تخاف أن تهلك، يوم يقال: يا محمد إنه ليس من أهلك.
كاهن الحي
стр. 1393
سجع الكهّان *
- ٢ -
أليّة بتربة الكواهن، ما حازم في أمره كواهن.
ويلٌ للعرب، من حبل قد اضطرب، وشرٍّ قد حلّ ولا أقول قد اقترب. قُسم الويل، على العميم والخُويل. فويل للعرب من ملوكهم، وويل للعجم من سلوكهم، وويل للروم من صعلوكهم، جنت على الأصفر ناره، وعلى الأبيض ديناره، وعلى الأسود فدامته واغتراره، وعلى العربي ركْبُه البطيّ، ولسانه النبطي.
ما أكثر الملوك وأهون العنا، وما أكثر السيوف وأقلّ الغنا، سيوف، كالدراهم الزيوف، هذه لا تُقني، وتلك لا تغني، ونعيذ العروبة بالله من ملك لا يدفع، وسيف لا يقطع. أحاجيكم، ولا أناجيكم، مملكة في أفحوص، وعاصمة ليس لها (فحوص)، ودولة بلا صولة، وخزينة من أصفار وخزانة بلا أسفار، وكرسي بلا قوائم وعرش بلا دعائم ... عرش كعشّ الحمامة، عُود من غرَب (١) وعود من ثُمامة.
قد لصَّه (٢) قعيده في هيعه ... وناله بالبيع لا بالبيعه
وسيوف مجرَّبة، تخيّرن من يوم "تُرَبَة"، وجيش درّبه الغير، وجرّبه إلا في الخير، وبطانة مدّ بها الشيطان أشْطانَه، وحاشية كالماشية، وأسماء بلا مسمَّيات، ومجازات لا حقائق لها، و (مجازات) كلها حقائق، وملك يأتمر ولا يحجُّ ولا يعتمر، يَحسُن فيه التمثيل بملك (التمثيل). بكت الجلالة منه كما بكى الخز من روح (٣)، وضاق صدرها بسرّه وشرّه ومَن
стр. 1394
لها بالبوح؟ عشقها يافعًا، والتمس لوصلها شافعًا، فكان الشافعُ عدوّ وطنه وقومه، وظالم أمسه ويومه؛ فأين يقع هذا من أرض الله؟
فإن عرفتموه فسلوه من ملكه، بعد ما لاكه وعلكه، وفي خرت الإبرة سلكه؟ ومن صيَّره غراب بين، وجالب حَيْن؟ ومن أعجم تعريبَه، وأحكم على الشر تدريبَه؟
أنشد ابن خلكان في القرن السادس هذا البيت:
كَسِنَّوْرِ عَبْدِ الله بِيعَ بِدِرْهَمٍ ... صَغِيراً فَلَمَّا شَبَّ بِيعَ بِقِيرَاطِ
وقال: إنّ عبد الله هذا لم يعرف أحد من هو. فمن لقي ابن خلّكان فليخبره أنّ كاهن الحي عرف عبد الله صاحب السنور ...
أيها العربي: الحق سافر، والعدو كافر، والقوي ظافر، فعلام تنافر خصمك إلى خُنافر (٤)؟ ويلك إن المنافرة لا تكون إلا في المشكوك، وإن الحق تحميه السيوف لا الصكوك، وويحك إنّ منافرة الكهنة إلى الكهنة، بالخيبة مرتهنة، مجلس الأمن مخيف، والراضي بحكمه ووضعه ذو عقل سخيف، إنهم ليسوا من شكلِك، وإنهم متفقون على أكلك.
كاهن الحي
стр. 1395
سجع الكهّان *
- ٣ -
أيها الأعارب، هل فيكم بقايا من حرب أو من محارب؟ (١) دبّت بينكم العقارب، وأنتم أقارب، فتكدَّرت المشارب، وتقوَّضت المضارب (٢). وكهُمت المضارب (٣)، وغاب
المسدِّد في الرأي والمقارب، ولم وتُغنِ النذر والمثلات والتجارب، إن لدُهاة المغارب يدًا خفيّة المسارب، قرأوكم سطورًا لا رجالًا، وعرفوكم بطاءً عن الجُلَّى لا عِجالًا، وحفظوكم شعرًا بلا رويّ، وفكرًا بلا رويَّة فأخذوكم ارتجالًا، وخالوكم على البعد أعمالًا، فوجدوكم على القرب أقوالًا، وحسبوكم عُمَدًا في التركيب الأمميّ فألفوكم مفاعيلَ وأحوالا، فأعربوكم إعراب الفَضَلات، وعاملوكم معاملة المهملات، وراضوكم على المهانة حتى ذل جانبكم، ووطِّئت مناكبكم. فأصبحوا لا يُبالون برضاكم لأنه لا ينفع، ولا يأبهون لسخطكم لأنه لا يضرّ. إن الغضبة لا تعقبها وثبة، هي غضبة الذليل العاجز، ولو افترَّت كلُّ بارقة منكم عن صاعقة، لما حمد شائموها القطر، إن غضبة العاجز لا تُبكي ولا تُنكي. تشتعل في الحنايا ولا تهدم الحنايا، تحرق صاحبها ولا تحرق الناس، وتلك هي غضبتكم حين تغضبون.
إن للغرب فيكم مطايا ذللًا، ولرائده منكم أدلَّة أذلة. هم أصل البلاء والعلّة، قادكم بسلوك من الأمراء والملوك، فقادوكم إلى الهاوية، فانزعوا المقادة من هؤلاء القادة تُفلحوا، ولن تُفلحوا ولن تصلحوا ما دام يلقاكم بوسيط واحد، فتلقَوْنه بسبعة سفراء، ويلقاكم برأي جميع، فتلقونه بسبعة آراء، ويلقاكم بكتيبة ملمومة، فتلقونه بشراذم شتّى ... ويتحداكم نذيرُه بإنجيل واحد، فتعارضونه بيوحنّا ولوقا ومتّى ...
стр. 1396
لن تفلحوا ولن تصلحوا إلا إذا رجع أمركم إلى الشعب، وأجمع الشعب على رأي واحد، واتفق الرأي على نظام واحد، وتمخّض النظام بدستور واحد، وملك واحد؛ فإن قلتم: إن هذا عسير، فعيشوا عيشة الأسير أو موتوا ميتة الحسير، شبر في الحياة وقبر في الممات.
جاءتكم النذُرُ تترى، والمعجزات شفعًا ووترًا، وقامت عليكم الحجّة من ثلاثين حجة، فتغافلتم أوّلًا، وتخاذلتم أخيرًا، وضاعت العروبة بين التغافل والتخاذل.
إن الفارق بين لفظَي العرب والغرب نقطة، وفيها كل السر، وفيها كل الشر.
وقف الغرب بالباب فلم تتحرّكوا، ثم أنشب الظفر والناب فلم تستدركوا، ثم دسّ أنفه في التراب فوجد رائحة الزيت، ثم طلب الوقوف بالأعتاب فوطّأتم له أكناف البيت.
إن الزيت إدام، ازدحمت عليه الأقدام، فحرمه الجبان وحازه المقدام، وكان حظكم منه حظ الطبّاخ الصائم: زَهَمًا في اليد ورائحة في الأنف، فيا أرض ابلعي زيتَك، وَأَحْيِ ميتك، وإلا خرّب (أبرهةُ) الغرب بيت الله وبيتك.
ألا إن الغرب جاهد في أن يلحق بلفظ السبع منكم حرفين فإذا هو (سبعون)، وأن يزيد في عدد السبع من ملوككم فإذا هو سبعون.
أيها العرب: ما أضيَعَ حكمة الأسلاف عندكم. لقد أبقوا لكم من وحي السماء وحكمة الحكماء، ما لا يُبليه التراب، ولا تُنسيه الأحقاب، وما لو عملتم به لسدتم الكون أئمة، وقُدْتُم الكائنات بالأزِمَّة، ولفللتم السيوف بالآراء، ودحضتم الآراء بالسيوف؛ ولكنكم أضعتم التراث بتشاكس الورّاث، وإذا كان الوارث غير همّام ولا حارث، غارت العين الفوّارة، وقحلت الأرض الغوّارة:
وَرِثْنَا الْمَجْدَ عَنْ آبَاءِ صِدْقٍ ... أَسَأْنَا فِي دِيَارِهِمْ الصَّنِيعَا
إِذَا الْبَيْتُ الرَّفِيعَ تَعَاوَرَتْهُ ... بُناةُ السُّوءِ أَوْشَكَ أَنْ يَضِيعَا
أيها العرب: أطعتم الكبراء فأضلُّوكم، وخضعتم للأمراء فأذلّوكم، حتى لِنتم للعاجم، ودِنْتم للأعاجم، وحتى ألقيتم بالمقاود، لمن سمّاهم أجدادُكم رقاب المزاود، فويحكم: أغنيٌّ ويقترض، ومحجوج ويعترض؟ عزّ الداء وغاب الآسي ... لم يأسُ جراحَكم ألف "دكتور"، فهل يأسوها "ديكتاتور"؟ ...
***
стр. 1397
وضع الأجداد العقال للرجل فنقلته الأحفاد إلى الرأس، وعدلوا به من الأباعر إلى الناس، وما بين النقل والنقل، ضاع العقل ... والتصريف للألفاظ كالتصرّف في الأموال فيه القصدُ والسرَف.
كاهن الحي
стр. 1398
سجع الكهّان *
- ٤ -
أخنى الزمن على اليمن ... أبدلها صابًا بمن (١)
جيش الشقا لها كمن ... مهزولة على السِّمن
مغصوبة بلا ثمن ... دستورها: لا تفهمن
لا تقرأن لا تعلمن ... سلْ سِيفها (٢) أنت لمن؟
سلْ سَيْفها بيد من؟ ... أغْرِبَة على دمن
لا ناصر لا مؤتمن ... عُد للحمى يا ابن اليمن
جُدْ بالدماء من غير مَن ... إن لم تذد عنها فمن؟
...
يا ذا جدَن (٣) أيْنَت (٤) عدن؟ ... روح جنتْ على البدن
فهو الحوا (٥) وهي الفدن ... شر الملا لها سدَن
قرن البلا فيها شَدَن ... يا نائيًا لا تبعدن
يا وانيًا لا تقعدن ... يا ساهيًا لا ترقدن
يا خاملًا لا تزهدن ... ولا تغب بل اشهدن
стр. 1399
ولا تُدِن ما لم تُدَن ... لا تعتصر في غير دن
تبغي الهُدى على الهدن (٦) ... تخشى الردى فلتخلدن
...
يا بلاد الأذواء (٧)، لا أقول: وُقيت الأسواء، ولا أقول: سُقيت الأنواء، ولكن أقول: ثكلت الأبناء، يا مطارح الأبناء (٨)، فكل أدوائك من أبنائك، وإذا كان الولد سخنة عين ومجلبة عرّ وشين، فالثكل فيه نعمة لا رزية، والعقم به فضل ومزية.
سموك السعيدة فشقيت بمن ولدت، وما سعدوا ولا سعدت؛ فأين أنت اليوم ممن كنت سعيدة بهم وكانوا سعداء بك؟ أين أنت من سعد العشيرة وحماة الأهل والجيرة؟ أين أنت من حمير وأشياعهم وتبع وأتباعهم؟ أين؟ لا أين ...
أما ظفار، فقد حالف عهدها الإخفار، وخالف ظلامها الإسفار. وأما حضرموت، فقد ساورها الموت، وجاورها الخسران والفوت، وحاورها النجيُّ فما سمع لها صوت، وأما صنعا، فما أحسن بنوها صنعًا، قد أصبحت خرقاء، وعطلت من طوق الورقاء، وعقمت أن تتمخض عن ألمعيّة (زرقاء)، ما حاكت في عبقريّ الأزمنة ولا وشتْ، وطار الناس فما حبتْ ولا مشت.
انعكست الخصائص وغلبت النقائص، وأعوز الجوَّ الطائر حين أعوز البحر الغائص.
...
أيها العامد إلى غامد (٩)، والدافع إلى يافع (١٠)، هلّا وقفت بالأطلال، من عبد كلال (١١)، وهبطت التلاع، من ذي كلاع (١٢)، فهتفت بالرفات، من الأموات، علَّهم يسمعون فيهطعون، قل- وخلاك ذمّ- قد دُخلت الدار من جميع الأقطار، فهل من
стр. 1400
المقاول الصيد، حارس بالوصيد، إن الصائد قد صيد، وإن الشاعر قد أخلى (١٣)، فلا بديع في البيت ولا بيت في القصيد.
كذب الرعد، وأخلف الوعد، وأورد الإبلَ سعد، فضاع (قبل) ولم يُحفظ (بعد). فكأنّ امرؤ القيس أورى زنده، واستعرض مستقبل بني أبيه من كندة، فقال: ودع عنك نهبًا صيحَ في حجراته؛ وها هي ذي مواطن قومه نهب مقسَّم، وقد كذبت المخايل من توسّم.
سل سبأ، هل جاءها النبأ، وقل صدق المثل (١٤) فيك مرتين، وأعاد التاريخ نفسه كرتين، لقد سار أعقابكم في الزمن الحثيث سيرة وانية، فبادوا في الجيل الحديث بيدَةً ثانية.
نادِ- مسمِعًا- في الجمع الراشد، من بكيل وحاشد (١٥)، فإن أصاخوا إصاخة الناشد، فقل: دهمكم السيل فلكم الويل، هذه آثار أسلافكم مجفوّة وهذه قدورهم الراسيات مكفوّة، وهذه الرقاع من البقاع غير مُلْتامة ولا مرفُوَّة، طمست السوافي، ما خلَّدت القوافي، وهفت الهوافي بالقوادم والخوافي، وفرست العوافى (١٦) ما نامت عنه العيون الغوافي (١٧)، ماتت الأذواء وعاشت الأذواد، وذهبت الأقيال (١٨) وبقيت الأقياد.
إن الزمان الذي جرَّ إلى جُرْهُم، وخثا على خثعم، قبل أن يأتيهم بنذير، أو يبلوهم بتحذير، قد جاءهم من الغرّة بعذير: أما اليمانون فلهم من الإسلام محجّة، وعليهم من زمانهم ألف حجّة، فهم كثمود، حين لاح لهم من البرهان عمود، فضلّوا؛ أو كقوم هود، حين أخذت عليهم العهود، فزلّوا.
كاهن الحي
стр. 1401
سجع الكهّان *
- ٥ -
والعتاق الضمر، والعقبان والحمَّر (١)، والهامة ودُمَّر (٢)، والزامر إذا زمّر، والخادع وما دمّر، والعامر إذا عمّر، والشمّري إذا شمّر، ومن حبس الجيوش جمَّر، ومن
دخل ظفار فحمَّر (٣)، إن للظماء مآرب في ماء مارب (٤)، إنها تلوب على مطلوب، كوَّنه الحيا فكوّن به الحياة، فلا تجد إلا السراب والخراب والغراب.
يا عاد، أودى درم (٥)، فما عاد، ويا سبأ، هل كنت من سيل العرِم على ميعاد؟ أغنى أسلافك عن ماء مأرب، ماءُ يثرب، وبرَّد أحشاءهم ماءُ بردى، واتخذ أبناء قَيْلَة في ظلال النخل مقيلًا، واتخذت غسّان منه (٦) إلى جنان الشام سبيلًا، فماذا أغنى أخلافك اليوم؟ إنهم عُراة، بالسَّراة، وظماء بلا ماء، ورعية لراعٍ غير ترعية (٧)، حطّمهم رعاة البر، فأصبحوا خولًا لرعاة البحر، حفَّ مارب وروافده، فخرب اليمن ومحافده.
يا أخلاف لم يسبق مخلاف، بنيتم السد وأحكمتم للثغور السد، وأحسنتم لأواخي الأخوّة الشدّ، وجددتم للأبناء ما بناه الجدّ. هلّا وجهتم العناية إلى هذه الآية. ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾. إنها- وأبيكم- عبرة العبر، في وصْل المبتدإ بالخبر، أين الجنتان عن يمين وشمال؟ وأين البلدة الطيبة؟ إنها اليوم رمال، وأين القرى الظاهرة والعمارة
стр. 1402
المتكاثرة؟ إنها اليوم قفار، وأين تقدير السير بالأميال، لتيسير الاتصال؟ إنها اليوم مجاهل، يضلّ فيها القطا، ويقطع فيها من المطايا المطا (٨). أجدبت الخمط والأثل، فضلًا عن الكرم والنخل.
أعرض أسلافكم عن هدى الله فباعد بين أسفارهم، وجعلهم أحاديث، ومزقهم كل ممزق. وأعرضتم عن سنن الله فباعد بين قلوبكم، وكنتم أهون عليه من أن يُسَيَّر فيكم حديث، أو يسطّر في شأنكم قصص، أولئك أخذوا على قوّة، فالأحاديث عنها تملأ المسامع، وتهزّ المجامع؛ وأنتم أخذتم على ضعف وانحلال، فالحديث عنكم لا يُثير عزّة، ولا ينير السبيل إلى قدوة.
لو بذل الكُهّان، ما عزَّ وما هان، في أن يأتوا بمثل قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ لما حصّلوا، ولو رقوا إلى سماء البلاغة بسلّم وكان فيهم العض (٩) والملهم والمكلم، لما وصلوا؛ جلّ كلام الله، وقلّ كلام الكاهن.
...
يا أسلاف، ورّثتم الحكمة وسيّرتم الأمثال والفِقَر، وعمرتم من التاريخ صحائف بالمحامد، وشغلتم القرون بالحديث عنكم، وشدتم الباقيات للحضارة، وزيّنتم الحياة بالقوة والبأس الشديد، وسبقتم العالم إلى موارد العزة في الدنيا، ووقفتم في نصف هذه الكرة تحكمون وتتحكّمون، وتصلون شرقها بغربها وتقسمون، فبدتم وما بادت آثاركم ولا أخباركم.
ويا أخلاف، ماذا صنعتم؟ وبماذا اقتنعتم؟ هذه آثار سلفكم، عرف الغريب مواقعها، وجهلتم مواضعها، فهل النسب مدخول؟ أو الانتساب غير منخول؟ ويلكم! إن الألوان، على الدلالة أعوان، سوّد بنو العباس لسؤددهم، وبيَّض العلويون لطهارتهم، وخضَّر العبيديون لدعواهم ودعايتهم، وزرّقتم (١٠) ... لماذا؟ ...
كاهن الحي
стр. 1403
سجع الكهّان *
- ٦ -
أقسم بالذيب الأطلس، والثعبان الأملس، إن المتجر بالأحرار لمُفلس، وإن العاقل بين الأشرار لمُبلس، وإن العربيّ لزنيم إذا بقي في المجلس (١)، ذهب العز الأقعس، وحلّ الجد الأتعس، ونزل من غِيَر الزمان ما أنسى النسيب في الكثيب الأوعس، والتشبيب بالثغر الألعس.
أيها الهائمون في البيد، النائمون على الذل المبيد، الراضون بعيشة العبيد، على البرير والهبيد (٢) لن تزالوا كذلك أبد الأبيد، لا عمر لُبَدِ أو لبيد، حتى تعملوا بقول الشاعر: ومَن ومَن، فهو دين كل زمن (٣).
كتب الله أن الصداقة مطوّية على العداوة، وأن الحضارة متصلة الطرفين بالبداوة، وأن في الإنسان جبلة من الحيوان، ما زال في النزوع إلى أصلها غير وان، وأن الضعيف طعام للقوي، وأن الرشيد في أبناء آدم مجرور بالغوي، وأن من لم تبسُط يدك لتقتله بسط يده لقَتْلك، وأن من قصرت في ختله جدّ في ختلك.
...
ثارٌ للغرب في فلسطين، لم تنبُت عليه شجرةٌ من يقطين، وشياطين تنزو للإغراء إثر شياطين؛ ويوم في أعناقكم بيوم حطّين، تنسيه غريزة الماء والطين، فتذكره نُعرة الجنس
стр. 1404
والدين، أنَسيتم يوم تنادوا مُصْبِحين، وتعادوا مسلّحين، وتداعوا مصطلحين، وتعاووا من كل حدب، وتهاووا من كل صبب، ذؤبان تقدمها رهبان، وغربان تظلّلها صلبان، بنفوس من الحقد ثائرة، وقلوب بالبغضاء فائرة، تنازعكم إرث الإسلام، ومعراج نبي السلام؟ أنسيتم ما فعله صلاح الدين بالمعتدين؟ إن نسيتم أمسكم فهم له ذاكرون، وإن كفرتم بيومكم فهم له شاكرون. أين كنتم يوم أعطوا العهود لليهود؟ أم أين كنتم يوم جاءوكم بالفهود في المهود؟ أم أين كنتم يوم آمنوا بإسحاق وكفروا بهود؟ كلّ ذلك وقع وأنتم شهود، ولكنهم كانوا أيقاظًا وأنتم رقود، أمعنوا في الاستعداد وأمعنتم في الرُّقاد، اعتمدوا على العلم و (الريال) واعتمدتم على الجهل والخيال، جاءُوكُم بصف واحد كملمومة الصخر، وجئتموهم بصفوف متخاذلة، جاءُوكُم على قلب رجل واحد، وجئتموهم بقلوب متنافرة، قادهم إلى الظفر قائد واحد ورأيٌ جميع، وقادكم إلى العار قوّاد متشاكسون ورأيٌ شتيت، ما أضاع السيادة إلا توزيع القيادة، اجتمعوا وافترقتم، فسَلِموا واحترقتم.
تالله ما ضاعت فلسطين اليوم، ولكنها ضاعت يوم وُعدوا بها، فركنوا إلى العمل، وركنتم إلى الكلام، بل ضاعت قبل ذلك بقرون، منذ نبت قرن صهيون، فتماريتم بالنذر، ولم تأخذُوا الحذر.
لا تقولوا إن شرّ دين، ما جرّ التشريد للمتشرّدين، فإن شرًّا منه عقلكم الذي جرّ العار للعرب أجمعين، وكرّ بالخزي على جميع المسلمين.
...
جاء النصر من مصر، فلماذا تخلَّفت البصرة عن النصرة؟ قلب وجف بالنجَف، بعد ما رقأ الدمُ وجفّ، وآخر خفق بالمنتفق، بعد مغيب الشفق وافتراق الرّفق، ما أغنى الخفوق من قلب الشّقوق، وما أجدى الوجيف بعد ما سدَّ الباب وأجيف (٤).
أيها العرب: بعضكم أبرار، وجلكم أشرار، وكلكم أغرار ...
كاهن الحي
стр. 1405
سجع الكهّان *
- ٧ -
بارقٌ في برقة، شمنا من بعيد برقه، فإذا أصوات رجعُها في الآذان خلاف وفرقة، ووقعُها في النفوس أسى وحُرقة، وإذا فرق من رفاق الجهاد تُعادي فرقة فرقة، وإذا إنتاج ذلك كله وليد في خرقة، وقابلةٌ تجهد في الأهباط وتقول: ارقهْ. وإذا الغرب من ذلك الهيكل الملموم يُزايل شرقَه، وإذا الوتد مفروق، والقاعدة فروق، والحمى بالشعواء الصامتة مطروق، وصُواع بني الأب بأيدي بني الأم مسروق، وإذا القيصرية- المحروبة في كل وطن- تبدو في هذا الوطن المحروب قرونها، ويأبى إلا التقحم في المهاوي حرونها، وإذا صفحة من تاريخ ملوك الطوائف تُعاد، فتلقى ممن يعيشون على التفريق الإسعاد.
أي جيران الشمال، ومعاقد الآمال، أعيذكم بالعروبة وهي الأمّ، وبالوطن وهو الهمّ والأمّ، وبعمر، حادي الزّمر، عمر الشهيد، وما عهده بالعهيد، وبما أرقتم من دموع ودماء، لم يبق منها إلا الذماء، وبالإسلام- وهو الذِّمام- أن تختلفوا في الحق، فترضوا بالشقّ، أو توسعوا الشقّ، فتقعوا جميعًا في الرقّ، وأعيذكم أن تغتروا بالوعود الخالبة من الدول الغالبة، فإنما ذلك إبساس من الأيدي الحالبة، وأعيذكم أن تُنْكروا التقسيم وأنتم منقسمون، وأعيذكم أن يكون غرب النيل كشرق الأردن ... وأعيذكم أن ترضوا بالخفض، ولا تقبلوا (الضم)، إن الضم علامة (البناء)، وآية (استقرار) البناء، فاجهدوا في إثبات الضم وخلاكم ذم.
إن هؤلاء الأقوياء كلما عجزوا عن قيادة الجمع قادوهم بواحد ... فاحذروا ذلك الواحد، وإن الجانب الغربي لكم عدوٌّ، فاتّخذوه عدوًّا، واحذروه رواحًا وغُدوًّا، واحذروه قلقًا وهدوًّا.