← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أقوام، واستقل بتسيير سفينته فكان الربان الماهر وأقام على مبادئ أستاذه وفيًا لها وله، فتمادى على إصدار التفسير على منهاج الإمام من حيث وقف الإمام، وجمع تاريخ حياة الإمام فكان أضخم عمل استقل به فرد، وليس تاريخ الأستاذ الإمام بالأمر الهين الذي يقوم به فرد، لو لم يكن ذلك الفرد (رشيدًا). كان أكمل آثار الشيخ رشيد في حياة الإمام إنشاء مجلة المنار، وأنفس ذخر علمي اشتملت عليه هو دروس الإمام في التفسير التي هي النواة الأولى لتفسير المنار. وتلك الفتاوى الجليلة التي كان ينشرها في أمهات العقائد والأحكام على ذلك النحو العجيب من الاستقلال في الاستدلال. ولعمري، لو أن رشيدًا قصر كما قصر غيره ولم يجمع خلاصات دروس الإمام، لأضاع على العالم الإسلامي كنزًا علميًا لا يُقوّم بمال الدنيا. بارك الله في أوقات الأستاذ رشيد، فاستمر بعد موت الإمام على إصدار المنار واتسق أفق انتشاره في الأقطار الإسلامية وكثر قراؤه- أو تلامذته كما كان يقول ﵀ وأحدث، حتى في أصلبها عودًا وأشدها جمودًا، انقلابًا فكريًا في فهم الدين وصلته بالدنيا، وألف المؤلفات الكثيرة، ونشر من مؤلفات المصلحين من القدماء ما زاد به الإصلاح الحاضر تمكينًا ورسوخًا، فكانت تلك المؤلفات غذاء صالحًا للنهضة العلمية، وساهم في الإصلاح العلمي والإصلاح السياسي لقومه، وبني وطنه، وإن كانت بعض آرائه في هذا الأخير لا تخلو من الشذوذ. وكان طول حياته بلاء مسلطًا على طاثفتين: دعاة التدجيل من المسلمين ودعاة النصرانية من المسيحيين. فلم نعرف في التاريخ من فضح الطائفتين شر فضيحة غير الأستاذ السيد رشيد. وإن أزهر الصحائف في سجل حياته هي تلك المواقف العاتية التي كان يقفها في الدفاع عن الإسلام ونصره، ورد عوادي الكفر والضلال عنه. وعاش ما عاش مرهوب شباة اللسان مرهوب شباة القلم، إلى أن لحق بربه راضيًا مرضيًا في هذا العام. فشعر العالم الإسلامي بأن خسارته فيه لا تعوض. وان من واجب الوفاء والاعتراف بالفضل لأهله، أن نجري ذكره بما يتسع له المقام في هذه النشرة الإصلاحية التي تمت إلى أعماله ومبادئه بالنسب العريق، وتتصل إلى علومه ومعارفه الواسعة بالسبب الوثيق. وقد فعلنا. ولكن أين تقع هذه الجمل مما يوجبه الوفاء لرجل، هو في بناء الاصلاح الركن والدعامة، وفي هيكل الإصلاح الرأس والهامة؟ وعسى أن تساعد الأقدار فنوفيه بعض حقه.

стр. 177

لقيته- ﵀ ببلدة دمشق على أثر انتهاء الحرب العظمى وقد جاءها ليتصل بالهيئات العاملة لخير العرب، وليزور أهله في القلمون من لبنان الشمالية. ونزل ضيفًا على صديقنا العالم السلفي الشيخ بهجت البيطار. وبيت آل البيطار في دمشق هو مبعث الإصلاح ومطلعه. ولعميدهم الشيخ عبد الرزاق البيطار ورفيقه الشيخ جمال الدين القاسمي صداقة باذخة الذرى، وصلة وثيقة العرى بالأستاذ الإمام، تجمع الثلاثة وحدة الفكرة والرأي والسلفية الحقة والاستقلال في العلم. والبيطار والقاسمي عالمان جليلان لم أدركهما حين دخلت دمشق. ولكني قرأت من آثارهما في الكتب التي كتباها، ورأيت من آثارهما في النفوس التي ربياها، ما شهد لي أنهما ليسا من ذلك الطراز المتعمم الذي أدركناه بدمشق، ولثانيهما آثار مطبوعة هي دون قدره، وفوق قدر علماء مصره. كنا نذهب ليلًا إلى دار صديقنا البيطار للسمر مع الشيخ رشيد. ورفيقي إذ ذاك الأستاذ الشيخ الخضر بن الحسين، المدرس الآن في الأزهر. وأشهد أنها كانت ليالي ممتعة يغمرنا فيها الأستاذ رشيد بفيض من كلامه العذب في شؤون مختلفة. وإن أنس فلا أنس إحسانه في التنقل ولطف تحيله في الخروج بنا من معنى آية إلى شأن من شؤون المسلمين العامة. وكان في الليالي التي اجتمعنا به فيها يستولي على المجلس ويملك عنان القول، فلا يدع لغيره فرصة للكلام إلّا أن يكون سؤال سائل، مع اشتمال المجلس على طائفة عظيمة من أهل الأفكار المستقلة والألسنة المستدلة. وأخبرني عارفوه أن تلك عادته، فإن كان ما قالوه حقًا فهي غميزة في فضله وأدبه. وبمناسبة لقائي للشيخ رشيد، فأنا ذاكر قصة لها تعلق به، وهي تنطوي على ضروب من العبر وتكشف عما يضمره العلماء الجامدون للعلماء المصلحين من كيد وسوء نية، وما يصمونهم به من عظائم، مما لا يصدر من مسلم عامي فضلًا عن العالم. وإنني أذكر القصة، بدون تعليق. صادف قدوم الشيخ رشيد إلى الشام عزمي على الرجوع إلى الجزائر، وخرج الشيخ رشيد إلى القلمون فخرجت بعده إلى بيروت في وجهتي إلى المغرب. وكان من رفاقي في هذه الوجهة الأستاذ محمد المكي بن الحسين شقيق الشيخ الخضر المتقدم. فاجتمعنا ذات صباح بالشيخ يوسف النبهاني الخرافي المشهور في دكان أحد التجار، وكان النبهاني سمع بي فجاء مسلمًا قاضيًا لحق الجوار بالمدينة المنورة، إذ كنا قد تعارفنها فيها، فإنا لكذلك إذ مر بنا الشيخ رشيد ولم يرنا ولم نره. وما راعني إلّا النبهاني يلفت رفيقي ويسأله: أتعرف هذا؟ فأجابه: وكيف لا؟ هذا الشيخ رضا. فما كان من النبهاني إلّا أن قال: هذا أضر على الاسلام من ألف كافر، فكان امتعاض قطعت نتائجه سرعة الانفضاض.

стр. 178

نشوء الحركة الإصلاحية في الجزائر: لا يطلق- في هذا المقام- لفظ حركة في العرف العصري العام إلّا على كل مبدإ تعتنقه جماعة وتتساند لنصرته ونشره والدعاية والعمل له عن عقيدة، وتهيئ له نظامًا محددًا وخطة مرسومة وغاية مقصودة، وبهذا الاعتبار، فإن الحركة الإصلاحية لم تنشأ في الجزائر إلّا بعد الحرب العالمية. والتأثير الأكبر في تكوينها على هذه الصورة يرجع في الحقيقة إلى سنة الادالة الكونية التي اقتضاها تدبير الاجتماع، ويرجع في الظاهر- فيما نرى- إلى العوامل الآتية: الأول: نوازع جزئية محدودة أحدثتها في النفوس المستعدة الأحاديث المتناقلة في الأوساط العلمية عن الامام عبده، ولو من خصومه الممعنين في التشنيع عليه وسبه ولعنه- وما أكثرهم بهذا الوطن! فكانت تلك الأحاديث تفعل فعلها في النفوس المتبرمة من الحاضر والمستشرفة إلى تبدله بما هو خير، وتكيفها تكييفًا جديدًا وتغريها أولًا بالبحث عن منشإ هذه الخصومة العنيفة لهذا الرجل. فإذا علمت أن منشأ ذلك دعوته إلى القرآن، أو ادعاؤها الاجتهاد، كما كانوا يقولون قرب هذا الاسم منها، فأحبته ولجت في الانتصار له، وإن لم تتبين مشربه كل التبيّن. ويضاف إلى هذا العامل قراءة "المنار" على قلة قرائه في ذلك العهد، واطلاع بعض الناس على كتب المصلحين القيمة، ككتب ابن تيمية وابن القيم والشوكاني. فهذا عامل له أثره في التمهيد للدعوة الإصلاحية. الثاني: الثورة التعليمية التي أحدثها الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس بدروسه الحية والتربية الصحيحة التي كان يأخذ بها تلاميذه، والتعاليم الحقة التي كان يبثها في نفوسهم الطاهرة النقية، والإعداد البعيد المدى الذي كان يغذي به أرواحهم الوثابة الفتية. فما كادت تنقضي مدة حتى كان الفوج الأول من تلاميذ ابن باديس مستكمل الأدوات من فكر صحيحة وعقول نيرة ونفوس طامحة، وعزائم صادقة، وألسن صقيلة، وأقلام كاتبة. وتلك الكتائب الأولى من تلاميذ ابن باديس هي طلائع العهد الجديد الزاهر، وقد سمع الناس لأول مرة في الجزائر من بعض تلك البلابل شعرًا يؤدي معنى الشعر كاملًا، وقرأوا كتابة تؤدي معنى الكتابة. ثم زحفت من أولئك التلاميذ في ذلك العهد أيضًا كتيبة جرارة، سلاحها الفكرة الحية الصحيحة، إلى جامع الزيتونة لتكمل معلوماتها ولتبني على تلك الفكرة الحية وعلى ذلك الأساس العلمي الصحيح، بناء علميًا محكمًا. ورجعت تلك الطائفة إلى الجزائر، فكان من مجموعها وممن تخرج بعدها من تلاميذ الأستاذ، ومن تلاميذ جامع الزيتونة، جنود الإصلاح اليوم وقادته وألويته المرفرفة، وأسلحته النافذة.

стр. 179

الثالث: التطور الفكري الفجائي الذي خرج به الجمهور من ثمرات الحرب العظمى. ومن آثار ذلك التطور انحطاط قيمة المقدسات الوهمية في نظر كثير من الناس. ومما أعان على نمو هذا الأثر في النفوس تطور زعماء التخريف وأساطين التدجيل بالانكباب على المال، والتكالب في جمعه والانهماك في الملذات ومزاحمة العامة في الوظائف والنياشين (٣)، بعد أن كانوا وكان سلفهم القريب يتظاهرون بالبعد عن هذه المواقف، ويتنصلون من النياشين إذا عرضت لهم، ويكثرون في مجالسهم من مثل هذه الجملة (لا شيعة إلّا شيعة ربي) (٤) إغراقًا منهم في التلبيس على العامة، واستبقاء لطاعتها وتجنبًا لنفورها. ولكن الحرب العظى فضحتهم بآثارها وأطوارها. الرابع: عودة فئة من أبناء الجزائر البررة المخلصين من الحجاز مهد الإسلام الأول ومنبت الدعوة إلى الحق ومبعث الإصلاح الإنساني العام، بعد أن تلقوا العلم هناك بفكرة إصلاحية ناضجة مختمرة. وإن هذه الفئة التي رجعت من الحجاز بالهدي المحمدي الكامل قد تأثرت بالإصلاح تأثرًا خاصًا مستمدًا قوته وحرارته من كلام الله وسنة رسوله مباشرة، ولم تكن قط متأثرة بحال غالبة في الحجاز إذ لم يكن للإصلاح في ذلك الوقت شأن يذكر في الحجاز إلّا في مجالس محدودة وعند علماء محدودين. ولو شاء ربك لرمى الجزائر بقافلة من الحجاز مضللة تتخذ من حرمة الجوار شركًا جديدًا، وتجعل منه غلًا في الأعناق شديدًا، كما رماها بطائفة من الأزهريين الجامدين فزادوها قرحًا على قرح وكانوا ضغثًا على إبالة، ولكن ربك أرحم من أن يكثر عداد أولادها العاقين فيزيدها بذلك ويلًا على ويل وترابًا على سيل. بهذا العامل الرابع تلاحق المدد وتكامل العدد، وانفسح للإصلاح الأمد، واتضح منه الصدد، والنهج اللاحب الجدد. وهناك رجال ظهروا بفكرة إصلاحية محدودة، ولكنها على كل حال محمودة ... وذلك قبل أن يظهر الإصلاح (التعاوني) ويزخر عبابه وتتسق أسبابه، فقاوموا البدع في دوائر ضيقة وكان لهم في القضاء على بعضها مساع موفقة، ولهم في ذلك نيتهم وقصدهم، ولو كنا في مقام المؤرخ المتقصي، لقمنا بما يوجبه الإنصاف في حقهم، فخير ما طبع عليه امرؤ الانصاف، ولكنها نظرات عجلى نريد من ورائها ارتباط الكليات فحسب.

стр. 180

الخطوة الأولى: كان معقولًا جدًا أن الإصلاح الديني لا يطمئن به المضجع في هذه الديار ولا ترسخ جذوره إلّا إذا مهدت له الأرض ونقيت، ولا بد بعد وجود المقتضيات من إزالة الموانع، وموانع الإصلاح بهذه الديار وعوائقه هي طائفة أو طوائف تختلف اسمًا وصفة، وتتحد رسمًا وغاية، والمصلحون إذ ذاك يلتقون على فكرة ولا يلتقون على نظام ولا في جمعية، لأن جمعية العلماء لم تؤسس بعد. فكانت الأوساط الإصلاحية في ذلك العهد يتجاذبها رأيان يلتقيان في المقصد وبختلفان في المظهر العملي للإصلاح وكيف يكون؟ أحدهما، صرف القوّة كلها وتوجيه جهود متضافرة إلى التعليم المثمر، وتكوين طائفة جديدة منسجمة التعليم مطبوعة بالطابع الإصلاحي علمًا وعملًا، مسلحة بالأدلة، مدربة على أساليب الدعوة الإسلامية والخطابة العربية، حتى إذا كثر سواد هذه الطائفة وكان منها الخطيب ومنها الكاتب ومنها الشاعر ومنها الواعظ ومنها الداعي المتجول، استخدمت في الحملة على الباطل والبدع على ثقة بالفوز. وهذا رأي له قيمته وخطره، وكان كَاتِبُ هذه الأسطر من أصحاب هذه الفكرة في ذلك الوقت. و الرأي الثاني أخذ المبطلين مغافصة والهجوم عليهم وهم غارّون، واسماع العامة المغرورة صوت الحق فصيحًا غير مجمجم، ويرتكز هذا الرأي على أن هذه البدع والمنكرات التي يريد الإصلاح أن يكون حربًا عليها هي أمور قد طال عليها الأمد، وشاب عليها الوالد، وشبَّ عليها الولد وهي بعد شديدة الاتصال بمصالح ألفها الرؤساء حتى اعتبروها حقوقًا لهم، وأنس بها العامة حتى اعتقدوها فروضًا عليهم، فلا مطمع في زوالها إلّا بصيحة مخيفة، تزلزل أركانها، ورجة عنيفة تصدع بنيانها واعصار شديد يكشف الستر عن هذا الشيء الملفف، والسر الذي يأبى أن يتكشف، ليتبينه الناس على حقيقته، وأقل ما يكون من التأثير لهذا العمل أن تضعف هيبته في نفوسهم وتضؤل رهبته في صدورهم، وهنالك يسهل العمل في نقضه، وتخف المئونة في هدمه. وهذا رأي له خطره وقيمته كذلك؛ فإن هذه الأسماء (مرابط وشيخ طريق وما شاكلهما) التي أصبح الناس الآن يتقززونها وينددون بها جهارًا قد كانت محاطة في ذلك الوقت بسور من الإجلال والقدسية، وهذه الأباطيل التي صارت بغيضة إلى كل نفس ملعونة بكل لسان، قد كانت في ذلك العهد ترتكب بين قلوب من العامة واجفة، وألسنة راجفة، خوفًا من أن يخطر الانكار بالبال فيحل الوبال.

стр. 181

وعليه فالشدة أحزم. وقد رجح الرأي الثاني لمقتضيات لله من ورائها حكمة، فأنشئت جريدة "المنتقد" بقسنطينة لهذا الغرض، وكان اسمها نذيرًا بالشر لأهل الضلال فإنه مُتَحَدِّ لما نهوا عنه، وهاتك لحرمة ما شرعوه في كلمتهم التي حذروا بها العامة وهي قولهم: "اعتقد ولا تنتقد". وانبرت للكتابة في "المنتقد" أقلام كانت ترسل شواظًا من نار على الباطل والمبطلين، ثم عطل المنتقد فخلفه الشهاب (الجريدة) ثم أسست جريدة الإصلاح ببسكرة فكان اسمها أخف وقعًا وإن كانت مقالاتها أسد مرمى وأشد لذعًا، وأسماء الجرائد كأسماء الأناسي يظن الناس أنها وليدة الاختيار المقتضب والشعور الطافر، وغلطوا ... إنما هي وليدة شعور متمكن وتأثر نفساني عميق تزجيه مؤثرات قارة، وليس هذا محل التفصيل لهذا المبحث الطويل. ثم تطور الشهاب الأسبوعي فأصبح مجلة شهرية استلمت قيادة الحركة من أول يوم وورثت الأقلام التي كانت تكتب في الجرائد قبلها، ولم تهن لمجلة الشهاب في حرب الباطل وأهله عزيمة ولم تفل لها شباة. وكم لها من مواقف شريفة في خدمة الحركة الإصلاحية، وكم لها على النهضة العلمية والأدبية من أياد! وها هي ذي لم تزل ثابتة القدم واضحة النهج مرفوعة الرأس، ولو اتسع وقت الأستاذ مؤسسها لكتابة مباحث التفسير بصورة منظمة ومع توسع في طريقته البديعة، لكانت خير خلف للمنار. ولو أعطاها حملة الأقلام العالية ما يجب لها من حق لاتسع نطاقها، وكثرت أوراقها، ولو قام أغنياؤنا بما لها عليهم من واجب لشبت عن الطوق الذي هي فيه. ولكن داءنا هو التقصير في الواجب. قآه من التقصير في الواجب. وإلى جنب هذه الحركة القلمية كانت حركة أخرى تسايرها وتؤازرها وتغذيها وهي حركة التعليم التي انتشرت بالمراكز المهمة من عمالة قسنطينة. فدروس العلم كانت تجتذب أفواجًا من الشباب، ودروس الوعظ والإرشاد كانت تجتذب الجماهير إلى حظيرة الإصلاح وتحدث كل يوم ثغرة في صفوف الضلال، وقد تلاقت الحركتان على أمر قد قدر، فكان هذا الأمر هو تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. جمعية العلماء فكرة زارني الأخ الأستاذ عبد الحميد بن باديس- وأنا بمدينة سطيف أقوم بعمل علمي- زيارة مستعجلة في سنة أربع وعشرين ميلادية فيما أذكر. وأخبرني بموجب الزيارة في أول جلسة، وهو أنه عقد العزم على تأسيس جمعية باسم (الإِخاء العلمي) يكون مركزها العام

стр. 182

بمدينة قسنطينة العاصمة العلمية. وتكون خاصة بعمالتها، تجمع شمل العلماء والطلبة وتوحد جهودهم، وتقارب بين مناحيهم في التعليم والتفكير وتكون صلة تعارف بينهم، ومزيلة لأسباب التناكر والجفاء، وذهب يقص عليَّ من فوائدها ما لم أنكره ذوقًا وإحساسًا وإن كنت استبعدته عملًا وواقعًا لاعتبارات ذهبت بذهاب وقتها، ولم أكاشف الأخ الأستاذ بها خشية أن أثبطه- وما التثبيط من شيمي- ولم يزل كلامه يقنعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أخي، وتنازعنا الحديث في منافع هذه الجمعية، فتكشفت لنا عن فوائد لا تحصى، وأذكر أني عددت من فوائدها إيقاف الطلبة عند حدودهم ودرجات تحصيلهم حتى لا يَغُرّوا ولا يغتروا إلخ. وفي تلك الجلسة عهد إلي الأخ الأستاذ أن أضع قانونها الأساسي فوضعته في ليلة وقرأته عليه في صباحها، فاغتبط به أيما اغتباط وودعني راجعًا إلى قسنطينة بعد أن اتفقنا بديًّا على أعضاء الإدارة وأن يكونوا كلهم من مدينة قسنطينة، وعلى تذليل عقبات يتوقف على تذليلها نجاح المشروع وعلى ترجمة القانون الأساسي وتقديمه للحكومة ثم دعوة العلماء إلى الاجتماع. ولما وصل إلى قسنطينة وعرض الفكرة على الجماعة الذين يجب تكوين المجلس منهم أيدوا الفكرة وقرروا القانون بعد تعديل قليل، ثم حدثت حوادث عطلت المشروع، وأخبرني الأستاذ باديس بذلك فلم أستغرب لعلمي أن استعدادنا لمثل هذه الأعمال لم ينضج بعد، وأن عملًا عظيمًا كهذا لا يثبت على الفكرة الطائرة والخطرة العارضة، ولا يتم في الخارج إلّا بعد استقراره في الأذهان، ولا بد له من زمن واسع حتى يختمر وتأنس إليه نفوس ألفت التفرق حتى نكرت الاجتماع. فسكتنا وتركنا الزمان يفعل فعله، فماذا كان؟ جمعية العلماء عقيدة: من الأعمال ما يكون الفشل فيه أجدى من النجاح، وهذا هو ما شهدناه في تأسيس جمعية الإخاء العلمي. فقد فشلنا في تأسيسها ظاهرًا وفيما يبدو للناس، ولكن تلك المحاولات لم تذهب بلا أثر في المجتمعات العلمية الجزائرية حتى كان من نتائجها بعد أعوام جمعية العلماء المسلمين. إن ذلك الاسم اللطيف الذي وضعه الأستاذ باديس للجمعية وهو "الإخاء العلمي" طار على الأفواه وتطاير عن الأقلام، ورددته مجالس التعليم ومحافل الأدب، ثم تخطاها إلى نوادي السمر، وكان لطفه داعيًا لانجذاب القلوب واستهواء الأفئدة، فنبه الغافل وأيقظ النائم، وحث الخامل وقوى العزائم، وأشعر أهل العلم أن العلم رحم، وأنها مجفوة بينهم

стр. 183

فيجب أن توصل، وأشعر العامة أن قوتها من قوة علمائها، وأن قوّة العلماء لا تتحقق إلا بتآخيهم على العلم واجتماعهم على العمل. وإننا نعرف لأخينا الأستاذ باديس ذوقًا دقيقًا في وضع الأسماء وصوغ العناوين، وإنه يكاد يكون ملهمًا في هذا الباب، ونعرف أنه اكتسب ذلك من أسلوبه التدريسي المبني على التحديد والإحاطة والدقة. ولقد كان من المعقول- والحرب مشبوبة بين المصلحين والطرقيين- أن يكون اسم الجمعية (الإصلاح الديني) ولكن المصلحين- وهم أول من فكر في مشروع جمعية العلماء وزعيمهم هو أول من وضع ذلك الاسم- لم يكونوا يقصدون من هذه الجمعية، من يوم تصوروها فكرة إلى يوم أبرزوها حقيقة واقعة، إلّا غرضًا واحدًا وهو جمع القوى الموزعة من العلماء على اختلاف حظوظهم في العلم، لتتعاون على خدمة الدين الإسلامي واللغة العربية والنهوض بالأمة الجزائرية من طريقهما، ولو كان عند المصلحين شيء من سوء القصد الذي يرميهم به خصومهم لظهر أثره في تسمية الجمعية أولًا باسم الإخاء العلمي وثانيًا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والاسم هو العنوان المتضمن لكل ما وراءه من معان. طاف طائف هذا الاسم اللطيف "جمعية الإخاء العلمي" بالآذان واستقر بعدها في الأذهان، وكل كلمة من كلماته الثلاث محببة إلى النفوس جميلة الموقع منها، فالاجتماع أمنية كل عاقل، والتآخي طلبة كل مخلص، والعلم نشيدة كل حي، فكيف إذا اجتمع العلم والتآخي فيه والاجتماع على استثماره؟ ولكن أنّى للأمة الجزائرية باجتماع العلماء وتآخيهم في العلم، وإن الطائفة التي يطلق عليها هذا الاسم حقيقة أو ادعاء بهذا القطر هي طائفة متنافرة متنابذة، كأن من كمال العلم عند بعضها أن يبغض العالم العالم، وبجفو العالم العالم، شنشنة مُعْظَم الشر فيها آت من الزوايا الطرقية التي تعلم فيها أولئك العلماء أو علَّموا فيها، والكثرة الغالبة في علماء الجزائر قبل اليوم تعلمت بالزوايا أو علمت العلم في الزوايا، فمن الزوايا المبدأ وإليها المصير. وزوايا الطرق في باب العلم كمدارس الحكومات هذه معامل لتخريج الموظفين، وتلك معامل لتخريج المسبحين بحمد الزوايا والمقدسين. أما العلم وحقيقته وصراحته وحريته فلا رائحة لها في هذه ولا في تلك، وسنفصل القول في هذه المسألة- التعلم بالزوايا وآثاره في نفوس المتعلمين- في فصل آخر فإن لهذه المسألة بابًا واسعًا في تاريخ الجزائر العلمي، ونعود لموضوعنا. إن الرجاء كان ضعيفًا في تحقق أمنية اجتماع العلماء من تلقاء أنفسهم إذا لم يدفعهم دافع قوي من استعداد الأمة، وقد وجد هذا الاستعداد. فقد دب في الأمة الجزائرية دبيب الحياة وقوّى فيها الشعور بسوء الحال التي هي عليها، والشعور بالفساد هو أول مراحل الإصلاح، وتجلى هذا الشعور بالعمل في عدة نواح

стр. 184

من حياتها العامة: فتجلى في الناحية الاقتصادية بالدخول في ميادين الكسب التي كانت وقفًا على غير المسلم الجزائري، وتجلى في الناحية الأدبية بتأسيس النوادي والجمعيات المختلفة، وتجلّى في الناحية العلمية بالإقبال على القراءة والتعلم باللغتين العربية والفرنسية وبالبذل على العلم والتغرب في سبيله، وتجلّى في الناحية الدينية بتشييد المساجد في القرى والانفاق عليها من مال الأمة الخالص، وتجلّى في الناحية النفسية بالتفكير الجدّي المستقيم. ومن مظاهره الاعتماد على النفس في الأعمال التي ذكرنا والإيمان بجود شيء اسمه الأمة، بعد أن كانت هذه الأمة تعتمد في دنياها على الحكومة، وفي آخرتها على "المرابطين" (٥) وشيوخ الطرق وتشعر أنها ذائبة في هاتين القوتين. ومن الحق أن نقول إن شعور الأمة الجزائرية وإن ظهرت آثاره في جهات حياتها المختلفة ولكنه يبدأ فوّارًا حارًّا بصفة خصوصية في جهتي الدين واللسان العربي، وهما الجهتان اللتان عرفت الأمة الجزائرية بالتمسك بهما والغيرة عليهما. ومن الحق أيضًا أن نقول إن أكثر الفضل في تنبيه ذلك الشعور في الأمة يرجع إلى ما كان يبثه رجال الإصلاح الديني فرادى بين الأمة، فلم يمض إلّا قليل من الزمن حتى غمر الأمة شعور عام بلزوم إصلاح عام يشمل الدين والعلم والاجتماع، ورأت نهج الإصلاح في هذه المقومات الثلاثة واضحًا. فكانت دواعيه أسبق وأسبابه أوثق، وأصبحت فكرة تأسيس جمعية من علماء الأمة لتشرف على هذا الإصلاح، وتتولى تخطيط مناهجه عقيدة راسخة مستولية على عقول العوام والخواص، وأصبحت بواعث تأسيسها صادرة من الأمة لا من العلماء وحدهم، فانقاد الجميع أمة وعلماء إلى تأسيس هذا المشروع العظيم بما يشبه الاضطرار، وتَمَّ ذلك بكل سهولة وبدون كلفة. جمعية العلماء حقيقة واقعة: رأيت الآن أن السر في تأسيس جمعية العلماء بتلك السهولة وبتلك المحاولة الهينة هو استعداد الأمة لظهور هذا المشروع العظيم فيها. فانقادت إليه بشعرة، وانجرت إلى بناء صرحه بنملة، وعلمت مما أجملناه لك من مراحل هذا المشروع أن الشعور به كان من نصيب طبقات مخصوصة وهم المتأثرون بالإصلاح، وفي ناحية محدودة من القطر وهي إقليم قسنطينة، ثم تغلغل في الأقاليم الثلاثة في بضعة أعوام وتحوّل التفكير في مكان التأسيس من قسنطينة التي هي الجناح إلى الجزائر التي هي القلب، ومعنى هذا كله أن الأمة الجزائرية استيقنت سفه الأيدي التي كانت تقودها باسم الدين فصممت على التفلت منها وإلقاء المقادة إلى أيدي العلماء لتبتدئ السير في نهضتها على هدى وبصيرة، فقالت للعلماء اجتمعوا فاجتمعوا.

стр. 185

لم يكن تأسيس جمعية العلماء المسلمين خفيف الوقع على الجماعات التي ألفت استغلال جهل الأمة وسذاجتها وعاشت على موتها، ولكن التيار كان جارفًا لا يقوم له شيء، فما كان من تلك الجماعات إلّا أن سايرت الجمعية في الظاهر وأسرت لها الكيد في الباطن، وكان المجلس الإداري الذي تألف بالاختيار في السنة الأولى غير منقح ولا منسجم لمكان العجلة والتسامح، فكان من بين أعضائه أولو بقية يخضعون للزوايا وأصحابها رغبًا ورهبًا، وكان وجودهم في مجلس الإدارة مسليًا لشيوخ الطرق ومخففًا من تشاؤمهم بالجمعية لسهولة استخدامهم لهم عند الحاجة، فإما أن يتخذوهم أدوات لإفساد الجمعية وإسقاطها، وإما أن يتذرعوا بهم لتصريفها في مصالحهم وأهوائهم. أما المصلحون فقد صرحوا من أول يوم بأنهم سائرون بهذه الجمعية على مبدإ الذي كانوا سائرين عليه من قبلها، ومنه محاربة البدع والخرافات والأباطيل والضلالات ومقاومة الشر من أي ناحية جاء. وانقضت السنة الأولى في التنظيم والتنسيق وبدأت الأعمال تظهر مراتب الرجال، فاضطلع المصلحون وحدهم بالأعمال التمهيدية- وما هي بالحمل الخفيف- ولما جاء أجل الانتخاب للدورة الثانية هجم العليويون ومن شايعهم على ضلالهم تلك الهجمة الفاشلة بعد مكائد دبروها، وغايتهم استخلاص الجمعية من أيدي المصلحين، وجعلها طرقية عليوية واستخدامهم هذا الاسم الجليل في مقاصدهم الخاطئة كما هي عادتهم في إِلباس باطلهم لباس الحق، ووقف المصلحون لتلك الهجمة وقفة حازمة أنقذت الجمعية من السقوط ومحصتها من كل مذبذب الرأي مضطرب المبدإ، وتألف المجلس الإداري من زعماء الإصلاح وصفوة أنصاره، ورأى الناس عجيب صنع الله في نصر الحق على الباطل. لم يقف العليويون وأذنابهم عند حدّ ذلك الهجوم الذي كان أوله كيدًا وآخره فضيحة، بل أجمعوا أمرهم وشركاءهم وقرروا في اجتماع تولى كبره رئيسهم الأكبر أحمد بن عليوه محاربة جمعية العلماء بكل وسيلة وبكل قوّة. وتقاسموا على ارتكاب ما يحل وما يحرم في هذا السبيل، وانفتقت لهم الحيلة بإرشاد بعض أذناب الإدارة على تأسيس جمعية طرقية في معناها وحقيقتها، حلولية في باطن باطنها، علمية في ظاهرها وما يراه الناس منها ليوهموا العامة أنهم يحاربون العلم بالعلم، لا العلم بالجهل، فبثوا في الزوايا وعبيدها دعوة جامعة إلى تكوين هذه الجمعية التي وصفوها بأنها جبهة قوية تقف في وجه الإصلاح وتنازل جمعيته وجهًا لوجه ودارًا لدار بعد أن لم يبق أمل في إسقاطها بالحيلة، أو الاستيلاء عليها بالمكر. وكان من هذا كله أن تأسست جمعية علماء السنّة من علماء مأجورين، وطلبة مدحورين، من كل من في عنقه للزوايا مِنَّةُ الخبز، ولها عليه فضل التعليم الأشل، وله فيها

стр. 186

رجاء العبد في سيده، من تلك الطائفة التي لا ترعى للعلم حرمة، ولا تشعر له في نفوسها بعزة ولا كرامة، وقد اجتمعوا كلهم على النداء من كل صوب كضوال الإبل، وحشروا في غمرة من الذهول أوهمتهم أنهم سيصبحون بفضل سادتهم مشائخ الطرق، وبجاه موالاتهم للحكومة (٦) موظفين (مُنَيْشَنِين) (٧). دخل الجميع- لأول مرة في تاريخ حياتهم- جمعية لا يدرون بمن تدار ولا كيف تدار، وسمعوا لأول مرة كلمات: النظام، والاشتراك، والمواد، واللجان، وسمعوا خطبًا مأجورة لا فرق عندهم بينها وبين عزائم الجان، ثم تقاضتهم الجمعية ما لا عهد لهم به ولا ألفته نفوسهم وهو المال- الاشتراك- التبرع- الاعانة، فقالوا في أنفسهم إن هذا لشيء لم نخلق له، ان هذا لشيء يراد، ان آباءنا عودونا أن نأخذ ولا نعطي، ان زوايانا "قائمة" فما معنى هذه الزاوية "المنفرجة" التي اسمها جمعية علماء السنة، ان نكاية الإصلاح فينا لأهون علينا مما تدعوننا إليه. اصطدمت هذه الجمعية المفروضة على الدهر بأسباب التفرق الجوهرية في أول يوم، وأراد حاو تلميذ أن يلاعب أساتِذَتَه الحواة، فكان الضحية وحده. ثم خرج مجلس هذه الجمعية بمواكبه إلى الأمة يسألها المال والتأييد، فقابلته بما يستحق من طرد ومقت، ولم يمض إلّا قليل حتى حلّ الله ما عقدوا، وتَبَّرَ ما شيدوا، ورأى الناس عبرة العبر في انهيار الباطل وانخذال أهله، وعدوها من عجائب صنع الله لجمعية العلماء المسلمين، وقرأوا قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. موقف جمعية العلماء المسلمين من الطرق: مبدأ جمعية العلماء المسلمين هو الإصلاح الديني بأوسع معانيه، الذي كان يعمل له المصلحون فرادى، وإنما كانوا مسيرين بفكرة لا تستند على نظام فأصبحوا مسيرين بتلك الفكرة نفسها مستندة على نظام مقرر، وبرنامج محرر. وقد كان حال المصلحين مع الطرق ما علمه القارئ من الفصول السابقة، فلما تأسست جمعية العلماء لم يزيدوا على تلك الحال ولم ينقصوا منها، لأن هؤلاء المصلحين لا يعملون - مسالمين ومحاربين- إلّا عن إيمان وعقيدة، وعقيدتهم في الطرق هي أنها علة العلل في الافساد ومنبع الشرور، وأن كل ما هو متفش في الأمة من ابتداع في الدين، وضلال في

стр. 187

العقيدة، وجهل بكل شيء، وغفلة عن الحياة، والحاد في الناشئة، فمنشؤه من الطرق، ومرجعه إليها كما علمت بعض ذلك من فصل آثار الطرق السيئة وستعلم بعضه. فلا يجهلن جاهل، ولا يقولن قائل: ان المصلحين شغلوا أوقاتهم بالطرق واستنفدوا قوتهم في مقاومتها حتى ألهتهم عن كل شيء، وربما كان فيما شغلوا عنه ما هو أحق بالاهتمام مما شغلوا به، وهذه نقطة يجب إيضاحها دفعًا للأوهام. اننا علمنا حق العلم، بعد التروي والتثبت ودراسة أحوال الأمة ومناشئ أمراضها، ان هذه الطرق المبتدعة في الإسلام هي سبب تفرق المسلمين، لا يستطيع عاقل سلم منها ولم يبتل بأوهامها أن يكابر في هذا أو يدفعه، وعلمنا أنها هي السبب الأكبر في ضلالهم في الدين والدنيا، ونعلم أن آثارها تختلف في القوّة والضعف اختلافًا يسيرًا باختلاف الأقطار، ونعلم أنها أظهر آثارًا وأعراضًا وأشنع صورًا ومظاهر في هذا القطر الجزائري والأقطار المرتبطة به ارتباط الجوار القريب منها في غيره، لأنها في هذه الأقطار فروع بعضها من بعض، ونعلم أننا حين نقاومها نقاوم كل شر، وأننا حين نقضي عليها- ان شاء الله- نقضي على كل باطل ومنكر وضلال، ونعلم زيادة على ذلك أنه لا يتم في الأمة الجزائرية إصلاح في أي فرع من فروع الحياة مع وجود هذه الطرقية المشئومة، ومع ما لها من سلطان على الأرواح والأبدان، ومع ما فيها من افساد للعقول وقتل للمواهب. ان كاتب هذه الأسطر قدر له أن يقيم في الحجاز سنوات عديدة في العهد العثماني، والحجاز معرض الأمم الإسلامية، فرأى أن هذه الطرق لم تسلم منها بقعة من بقاع الإسلام، ورأى أنها تختلف في التعاليم والرسوم والمظاهر كثيرًا، ولا تختلف في الآثار النفسية إلّا قليلًا، وتجتمع كلها في نقطة واحدة وهي التخدير والإلهاء عن الدين والدنيا. ولقد- والله- كنت أرى المسلمين المختلفي الأقطار والأجناس واللغات يجتمعون في حرم رسول الله وفي مهبط الوحي الجامع، فلا أجد بينهم ذلك الأنس الذي كان يجده المسلم حين يلتقي بالمسلم، ولا أقرأ في وجوههم تلك البشاشة التي كانت تسابق الألسنة إلى التحية، فلا أعلِّل تلك الظاهرة الجافية بتباعد الديار، إذ لو كان الشعور بالأخوة صادقًا صحيحًا لكان بعد الدار أدعى إلى الشوق والحنين في الغيب، وإلى كرم اللقاء وبشاشة الوجه في المشهد، ولا أعلله باختلاف اللغات لأن النفوس والوجوه والأسارير لا تحتاج إلى ترجمان. ولكني كنت أعلل هذا اللقاء العابس بما أحدثته فينا المفرقات الروحية- وهي الطرق والمذاهب- من تنافر عَظُمَ على الزمان حتى جعل الإخوة أعداء. وكم كنت أمتعض حين أرى الحنفي لا يصلي خلف الشافعي، والشافعي لا يصلي خلف المالكي! بل كنت أمتعض لتعدد الأئمة من أصله، ولتعدد الحلق الطرقية التي لا

стр. 188

تجمع الناس لمدارسة علم، وإنما تجمعهم لتحكيم وهم، وأقول في نفسي إذا لم تجتمع قلوبنا في حرم رسول الله على دين الله، فهل ينفعنا اجتماع الأبدان؟ ونعود إلى موضوعنا فنقول: إن جمعية العلماء لم تنفق أوقاتها كلها ولم توجه قواتها بأجمعها إلى هذه الجهة فقط كما يتوهم بعض الواهمين، بل إن للجمعية برنامجًا إصلاحيًا عمليًا حكيمًا، وهي موزعة أعمالها على فصوله، معطية كل فصل ما يستحقه، واقفة في كل عمل عند ما يتهيأ لها من وسائله، ويتيسر من أسبابه، ولو لم يتجهم لها الزمن، ولم تصادمها العقبات المتنوعة، ولم تقف في وجهها العوائق المتكررة، لسارت في جميع فروع الإصلاح التي يشملها برنامجها سيرًا حثيثًا، ولكنها تحمد الله على تلك المكاره التي شددت من عزائمها، وسددت من خطاها، وكملت من حنكتها، وزادتها ثباتًا في الحق، أضعاف ما تحمده على المحابّ التي تسرّ وقد تغر. موقف الجمعية في التعليم: موقف الجمعية في التعليم العربي والديني هو أبرز مواقفها، فقد كان التعليم العربي الحر يدور في دائرة ضيقة من أمكنته وأساليبه وكتبه، فسعت الجمعية بما استطاعت من أسباب أن توسع دائرة الأمكنة بإحداث مكاتب حرة للتعليم المكتبي للصغار، وبتنظيم دروس في الوعظ والإرشاد الديني في المساجد، وبتنظيم محاضرات في التهذيب وشؤون الحياة العامة في النوادي، وصحبها توفيق الله تعالى فنجحت مساعيها في هذا الباب نجاحًا عظيمًا، وأثمرت أعمالها اثمارًا نافعًا، ولولا موانع من الأحكام الإدارية الجائرة في غلق بعض المكاتب، والتضييق في إعطاء الرخص، وإيصاد المساجد في وجوه الوعاظ لكانت النتيجة اليوم مما تغتبط به الجمعية العاملة المخلصة، وتغتبط به الأمة المتعطشة المقبلة، وتغتبط به الحكومة التي يجب أن تحكم على الأشياء بنتائجها، وإن كانت حكومتنا إلى الآن- مع الأسف- تتجاهل هذه النتائج أو ترتاب فيها أو تتصورها على خلاف ما هي عليه. كذلك سعت الجمعية إلى إصلاح أساليب التعليم، فقضت في تعليمها بقسميه المكتبي والمسجدي على تلك الأساليب العتيقة العقيمة التي كان يباشر بها التعليم، والتي ما زالت مثارًا للشكوى والتذمر في مكاتب التعليم ومعاهد العلم بغير الجزائر، ولم تستطع تلك المكاتب والمعاهد التخلص منها مع ظهور فسادها. أما في المساجد فطريقة الجمعية في الوعظ والتذكير هي طريقة السلف، تذكر بكتاب الله، تشرحه وتستجدي عبره، وبالصحيح من سنّة رسول الله، تبينها وتنشرها، وبسيرته

стр. 189

العملية، تجلوها وتدل الناس على مواضع التأسي منها، ثم سير الصحابة وهديهم، ثم سير حملة السنة النبوية، وحملة الهدي المحمدي في أقوالهم وأعمالهم كذلك. وأسلوب الجمعية في التعليم الديني في المساجد على إطلاقه العناية بالمعنى والنفوذ إلى صميمه من أقرب طريق يؤدي إليه، وتجليته للسامعين بالصور العملية التطبيقية، والإعراض عن اللفظيات والخلافات وكل ما يشوش أو يبعد عن تصور المعنى المقصود. وأما التعليم المكتبي فأسلوب الجمعية في تلقين العربية هو أحد مفاخرها، فهي تعهد إلى الأساتذة الذين هم لنظرها بتلقين التلامذة أبسط القواعد في أسهل التراكيب، ثم تمكينها من نفوسهم بالتمرينات التطبيقية، والحرص على اشرابهم معنى ما يقرأون والاجتهاد في تربية ملكة الذوق والاستنتاج في نفوسهم، وفي إصلاح اللهجات التي حرفتها العامية عن سبيلها العربي وتقويم اللسان على الحروف وهيأتها ومخارجها، والتشجيع على التكلم أمام الناس بما يمليه الخاطر من غير اعتماد على وحي معلم أو كتاب، واقتلاع تلك العادة السيئة التي كانت سائدة في المكاتب، عريقة في الأوضاع المنزلية، وهي عادة الهيبة والحصر. وللجمعية- بحَمْدِ الله- في هذا الباب أساتذة لا يقصرون عن كمال، ولا يدفعون عن أولية. وقد ظهرت نتائج هذا التعليم جلية في كل تلميذ قرأ في المكاتب التي لنظر الجمعية ولو مدة قليلة. فاستقامت الألسنة، وصحت اللهجات، وبدأت ملكة الخطابة تنطبع في بعض البلابل البشرية، ويرجى أن يكون لهذا مبدإ الحسن ختام أحسن منه. ويدخل في باب التعليم المكتبي قراءة القرآن، فالجمعية تعطيه جزءًا من اهتمامها، وكيف لا تهتم بالقرآن وهو سلاحها الذي به تناضل، وسيفها الذي به تصول، وعدتها في الشدة، وعلى الدعوة إليه بنت مبدأها الإصلاحي، وفي الدعوة إليه لقيت الأذى، ورميت بالعظائم؟ إن جمعية العلماء على ما خدمت به القرآن من تبيين حقائقه للناس، ونشر فضائله بينهم، وتحبيبه إلى نفوسهم، وشرح مزاياه فيهم، وجعله أساسًا في التذكير والوعظ- على كل ذلك تتمنى لو تتفسح أمامها السبل، ويخف عنها ما تلاقيه في طريقها من معاكسة الطرقيين وأذنابهم، وإعنات الحكومة وعمالها- لتقوم كل القيام بما يجب عليها للقرآن من حق، فتنشئ من أبناء الأمة جيلًا قرآنيًا يتقن حفظ القرآن وأداءه، ويحسن فهمه والعمل به ويتخلق بأخلاقه ويتربى على هديه، ثم ينشر بواسطته دين الله في أرض الله. ومن فروع التعليم المكتبي تعليم الأميين من الكبار مقدار ما يرفع الأمية عنهم، وهذا الفرع من أهم فروع التعليم في نظر الجمعية، ولها فيه الأمل الفسيح وإذا كانت أعمالها فيه

стр. 190

لحدّ الآن قليلة، ومساعيها ضئيلة، فإن مقاصدها في محاربة الأمية جليلة، ومتى تم استعدادها لهذه المسألة من تعميم الشُّعَب وتيسر المال فإنها ستشن على الأمية غارة شعواء، وستبلغ منها ما تريد ان شاء الله. وأما المحاضرات التهذيبية فأسلوب الجمعية فيها أسلوب الخطابيات المؤثرة في العقول، الحافزة للنفوس، المنبهة للمشاعر على طريقة الترغيب والترهيب. وللجمعية- من فضل الله- ألسنة سيالة، ومحاضرون قد بلغوا الغاية، فصاحة ورباطة جأش، ونصاعة لفظ، وتفننًا في المواضيع وملكًا لها، ومتانة إلقاء. هذا شأنها في إصلاح الأسلوب، وأما إصلاح الكتب فإن عمدة الجمعية في التذكير على كتاب الله، وحديث نبيه ﵊، ومدرسوها ما منهم إلّا من له في العلم مقام معلوم، وهم يلتزمون في تذكيرهم الأحاديث التي صحت أسانيدها ومتونها، ودواوين الحديث الصحيحة المعتمدة موجودة متوافرة، فلا عناء في هذا الباب ومن بركات جمعية العلماء على هذا القطر أن أمهات التفسير الموثوق بها وكتب الحديث الصحيحة راجت بين الناس، وعمرت الخزائن، واكتسحت تلك الكتب التي ضللت الناس وقتلت مشاعرهم، وان الأحاديث الصحيحة بدأت تتداول على الألسنة، وتتناول في المجالس، وترصع أحاديث الناس في مواطن الاستدلال، وان رواية الحديث بدأت تنتعش. أما الدروس الأخرى فإن الجمعية تختار لها من الكتب ما هو أقرب إلى الإفادة وأعون على تحصيل الملكة العلمية، وتجتنب الكتب الجامدة المعقدة التي لا تفتق ذهنًا ولا تبعث في نفس الدارس نشاطًا، وتختار للمطالعة في مختلف العلوم، الكتب الحية السهلة، وليس هذا محل تفصيل القول في الكتب وما لها من أثر في نفس الدارس والمطالع، وما لها من دخل في نتائج التعليم، وإن ميدان القول فيها وفي صالحها وفاسدها لفسيح وان في رجال الجمعية البارزين لمن هو من أهل الاختصاص في هذا الباب. إن جمعية العلماء تبث في أساتذتها وتلامذتها وجميع أعضائها والمتعلمين على طريقتها روح المطالعة النافعة، والبحث العلمي السديد، وترشدهم إلى كيفية المطالعة وطرائق البحث في التاريخ والاجتماع والأدب، والرجال والكتب، وإذا كان المتأهلون لهذه المباحث الآن تصدهم عنها شواغل الدروس وغيرها، فإن النهضة الجزائرية العلمية التي كونتها جمعية العلماء، والحركة الفكرية التي غذتها ستتمخضان بناشئة تساهم في الابحاث العلمية ان شاء الله مساهمة قيمة.

стр. 191

موقف جمعية العلماء من البدع والمنكرات العامة: وقفت جمعية العلماء المسلمين من البدع العامة والشعائر المستحدثة كبدع المساجد، وبدع الجنائز، وبدع المقابر، وبدع الحج، وبدع الاستسقاء، وبدع النذور، كما وقفت من بدع الطرق وضلالات الطرق وقفة المنكر المشتد الذي لا يخشى في الحق لومة لائم في وقت استحكمت فيه هذه البدع حتى أصبحت دينًا مستقرًا، وعقيدة راسخة، فغيرت بالقول، وأغارت بالفعل، وبينت بالدليل، وقارعت بالحجة، وطبقت بالعمل، وكان في أعمال أعضائها أسوة حسنة للناس. وشعارها في هذا الباب أن كل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة. وقد أقر الله عينها بإماتة بدع كثيرة، واحياء سنن كثيرة، وانها لترجو- بمعونة الله- أن تقضي على البقية الباقية من البدع برغم صراخ المبطلين، وعويل المستغلين، وفقها الله وسدد خطاها. موقف الجمعية من الالحاد: الالحاد ضيف ثقيل حل بهذا القطر منذ انتشرت بين أبنائه الثقافة الأوروبية من طريق التعليم اللاديني أو من طريق التقليد الأعمى، وغذته غفلة الآباء والأولياء عن هذه الناحية الضعيفة من أبنائهم. ذلك أن الناشئ الذي يتلقى التعليم في هذه المدارس اللايكية يحس من أول أيامه في التعليم بمنافرة ما يتعلمه في المدارس من حقائق الكون مثلًا لما تعوّد سماعه من أهليه، ثم يزداد ما يسمعه في المدارس رسوخًا في نفسه بما يقام عليه من الدلائل فيزداد على قدر ذلك نفورًا من كل ما يسمعه من أهليه، ثم ينقلب ذلك النفور منهم ومما يسمعه منهم احتقارًا لهم وله، ولكل ما يلابسهم من عوائد وأزياء حتى ينتهي به الأمر إلى الدين إذ يجد أبويه وأقاربه لا يعرفون منه إلّا قشورًا ممزوجة بالخرافات، ثم هم لم ينشئوه على احترام الدين ولم يشربوه حبه من الصغر ولم يروضوه على إقامة شعائره، فإذا تمادت به مراحل التعليم وهو على هذه الحالة، شب على الوحشة من قومه ولغته ودينه وملك الالحاد عليه أمره إلّا من رحم ربك، وهذه عاقبة طبيعية للإهمال المتفشي في مثل الأوساط الجزائرية، فإن كثيرًا من الآباء يطلقون لأبنائهم الحبل على الغارب ولا يحوطونهم بالرعاية اللازمة لحماية دينهم وأخلاقهم وقوميتهم، بل يكلونهم إلى عادات فاسدة ومؤثرات ضعيفة لا تقوى على مقاومة ما يجدّ على مشاعرهم ويغزو عقولهم كل يوم من مؤثرات قوية جذابة مسلحة بالدليل. على أن من فضل الله على الجزائر أن الالحاد لم يتسرب إلى عقول أبنائها المتعلمين إلّا بنسبة ضئيلة، والسر في ذلك يرجع من جهة إلى تصلب الجزائري في دينه وإن كان جاهلًا به، ومن جهة أخرى إلى سياسة الميز الخاطئة التي يشهد المتعلم آثارها حتى في التعليم وصفوت التعليم.

стр. 192

وقد كان لجمعية العلماء الآثار المحمودة في مقاومة الالحاد بما يبثه رجالها من حقائق الدين، وبما يشرحونه في دروسهم ومحاضراتهم من مطابقته للعقل واتفاقه مع قضايا العلم ومسايرته للحياة المدنية، وبما أرشدوا إليه الآباء من رعاية الأبناء والظهور أمامهم بمظهر القدوة الصالحه فى الدين والخير والفضيلة. وان من الأسباب التي مكنت للإلحاد في نفوس الشبان المتعلمين مجانية علماء الدين الجامدين لهم ونفورهم منهم، وهي عادة ما يزال يتسم بها هذا الصنف من العلماء إلى الآن، وبهذه العادة السيئة كادوا يضيعون على الأمة طائفة من أبنائها هم ذخرها للمستقبل وعدتها للشدة، ولكن رجال جمعية العلماء يعلمون أن هذه الطائفة المعرضة للالحاد هي زهرة الأمة وانها جديرة بكل عناية واهتمام، وأنها- وإن لم تسلم طائف الالحاد- سالمة من الجمود والتخريف، وأنها أقرب إلى الإصلاح والرجوع إلى الحق بما معها من إدراك صحيح وبما فيها من ملكات الاستدلال، لذلك مازجوا هذه الطائفه وخلطوها بأنفسهم وعرفوا كيف يجذبونها إلى المحاضرات والدروس الدينية، فكان لهذه الطريقة الرشيدة أثرها الصالح في تقويم زيغ الزائغين منها وإرجاعهم إلى حظيرة الدين بكل سهولة، ونتجت عن ذلك نتيجة أخرى وهي تحبيب هذه الطائفة في اللغة العربية حتى أصبح الكثير منها معنيًا بها، نادمًا على ما فرط في جنبها، متداركًا بقدر الإمكان ما فاته منها. إن هذا الجهد الذي تجهده جمعية العلماء في مقاومة الالحاد هو غاية الممكن في هذا الباب. أما الدواء الذي يجتث هذه العلة من أصلها فهو قيام الآباء بواجبهم من التربية الدينية الصحيحة، وما دام أبناؤنا يأوون إلى بيوت قواعدها الجهل والخرافات، وقعائدها الجاهلات الخرافيات، فنحن بين حالين لا ندري أيهما شر؟ الأمية ومعها التخريف، أو القراءة ومعها الإلحاد. وإنك لا تبعد إذا قلت إن لفشوّ الخرافات وأضاليل الطرق بين الأمة أثرًا كبيرًا في فشو الإلحاد بين أبنائها المتعلمين تعلمًا أوروبيًا، الجاهلين بحقائق دينهم؟ لأنهم يحملون من الصِّغر فكرة أن هذه الأضاليل الطرقية هي الدين، وأن أهلها هم حملة الدين، فإذا تقدم بهم العلم والعقل لم يستسغها منهم علم ولا عقل، فأنكروها حقًا وعدلًا، وأنكروا معها الدين ظلمًا وجهلًا؟ وهذه إحدى جنايات الطرقية على الدين. أرأيت أن القضاء على الطرقية قضاء على الإلحاد في بعض معانيه وحسم لبعض أسبابه؟ وقد قرأت في هذه الأيام لكتاب تونسي مقالًا يَنْعَى فيه على جمعية العلماء إهمالها لهذه الجهة من جهات الفساد وهي جهة الإلحاد، واعتذر عن علماء جامع الزيتونة بأنهم، وإن قعدوا في نواحي الاصلاح التي تخبّ فيها جمعية العلماء وتضع، قاموا في حرب الإلحاد بما شكرهم عليه، ولكنه حصر عملهم في هذا السبيل في خطب جمعية ينددون فيها بالإلحاد ويحذرونه.

стр. 193

وفات هذا الكاتب الفاضل أن جمعية العلماء لم تسكت عن الالحاد بل هاجمته في أمنع معاقله، ونازلته في أضيق ميادينه. كما فاته أن صرعى الالحاد لا يغشون المساجد، فما تأثير الخطب الجمعية التي تلقى على المصلين؟ وهل يداوى المريض بتحذير الأصحاء من المرض أو أسباب المرض؟ ألا إن العالم المرشد كالطبيب، لا ينجح في إنقاذ المريض من الموت إلا بغشيان مواقع الموت ومباشرة جراثيم الموت. موقف الجمعية من التبشير: التبشير بشكله الحاضر نتيجة من نتائج التعصب المسيحي المسلح، ومولود من مواليد القوّة الطاغية التي تسمي كل ما ترضى عنه من الأعمال المنكرة حرية دين أو حرية فكر، أو حرية تجارة، وأداة من أدوات السياسة في ثوب ديني وشكل كهنوتي، دفعته أولًا ليكون رائدها في الفتح وقائدها إلى الاستعمار، وأمدته بالمعونة والحماية، والصيانة والرعاية، فمد اشطانه، وأصبحت جميع الأوطان أوطانه، حتى إذا صاح صائح بالويل أو صرخ مستغيث بالليل، قالت السياسة: اسكت فعمل التبشير من عملي، هو حر وأنا حامية الحرية، وهو (انساني) وأنا منقذة الإنسانية. وهذا التبشير المسيحي (الإنساني) يرى أن أعدى عدو له المصلحون المسلمون لأنهم يدعون إلى الإسلام النقي، والإسلام النقي لا مطمع للتبشير في طرق حماه. وما عهدنا بالشيخ رشيد رضا- ﵁ ومنازلاته للمبشرين ومناظراته للمبشرين ببعيد. وضع أساس التبشير في الجزائر الكردينال لافيجري وأسس مراكزه المهمة، ثم أتمت الجمعيات التبشيرية ما بدأ به، وهي جمعيات قوية يمدها الأغنياء من المسيحيين (المتسامحين) بالملايين من المال، ويمدها رجال الكهنوت ونساؤه بالأعمال، وتمدها الحكومات (اللادينية) بالمعونة والتأييد. وقد راعت هذه الجمعيات في اختيار المراكز نفسية السكان وحالة المعيشة، ومن أهم المراكز مركز "ورقلة" في الجنوب الجزائري حيث يكثر طروق المجاعات، ومركز "بني اسماعيل" قرب بجاية ومركز "ايغيل علي" ومراكز زواوة. ولقد كان من المعقول أن يثمر التبشير في القطر الجزائري ويأتي بنتائج أكثر مما يأتي به في الأقطار الأخرى لعدة اعتبارات، أولًا: تقادم عهده، وثانيًا: صولة الاستعمار الذي يحميه، ثالثًا: فشوّ الجهل والأمية والفقر في الأمة التي هي فريسة التبشير، رابعًا: انتشار الطرقية التي هي ظئر التبشير وكافلته والممهدة له حسًا ومعنى، وإن جهل هذا قوم فعدوا

стр. 194

من حسناتها مقاومة التبشير، خامسًا: قعود علماء الدين عن المقاومة وسكوتهم عن المعارضة قبل جمعية العلماء. ولكن الواقع أن التبشير مع طول المدة واستكمال العدة لم يلق النجاح الذي يتناسب مع الجهود المبذولة فيه، والسبب الأكبر في ذلك يرجع إلى شيء واحد هو تصلب الجزائري في دينه مهما بلغت به العامية والأمية والفقر. هذا كله قبل وجود جمعية العلماء، فأما بعد وجودها- وما وجودها ببعيد العهد- فإن من برنامجها مقاومة التبشير بقدر المستطاع، وإلى الآن لم تتوفر لديها الوسائل الكافية لتنظيم مقاومة منتجة، وأهم عنصر في هذا الباب هو المال، ورغمًا على ذلك فقد ارتفعت أصوات حارة بمقاومة التبشير من جوّ جمعية العلماء في المحاضرات العامة والصحف السيارة. ولكنا نعتقد، كما هو الواقع، أن الأقوال ليست هي السلاح الذي يحارب به التبشير مهما كانت حارة بليغة متينة الحجة، وقصاراها التحذير من الوقوع في اشراك المبشرين. وإنما السلاح الماضي الفتاك في هذا الميدان هو المال. ولعمري كيف تستطيع أن تقاوم جمعيات منظمة من ورائها أمم غنية تغدق عليها المال، مجهزة بالجيوش الوفيرة من الرهبان والراهبات والأطباء والممرضات، يوحد الجميع أخلاق ممتازة من الصبر والثبات والإيمان الجازم بحسن عاقبة ما وقفوا أنفسهم له. ولو أن عند أغنياء المسلمين بعض ما عند هؤلاء من سماحة اليد في سبيل الدين، لطووا هذا التبشير الزائغ ولنشروا الإسلام في أقطار الأرض كلها، وإن دينهم ليأمرهم بهذا، ولكن أين هم من دينهم؟ موقف الجمعية من بقية الرذائل: لا نبالغ إذا قلنا إن من بواكر النجاح الأولى التي جنتها جمعية العلماء، إرجاع الغاوين من المسلمين إلى حظيرة الدين، ولا يحصى عدد الذين تأثروا بمواعظها فأصبحوا يحافظون على الصلوات بشروطها الحسية والمعنوية، ولا عدد الذين هجروا أم الخبائث "الخمر". بل لقد كانت نتائج الإعراض عن الخمر ملموسة بارزة ضج لها تجار الخمر وتنادى بائعوها بالويل والثبور وتعالت أصواتهم بالتذمر، كما تعالت أصوات مشائخ الزوايا وسدنة القبور. وبالجملة، فقد وقفت الجمعية من جميع الرذائل المتفشية في الأمة الجزائرية- من خمر وفجور، ومسارعة في الأيمان الفاجرة، وترك صلاة، وشهادة زور- موقف الخصم الجبار، وحملت عليها- وما زالت تحمل- حملات صادقة شكرها لها المنصفون وإن قلل من شأنها المتعسفون.

стр. 195

جمعية العلماء المسلمين الجزائرين كما هي: نسمع نغمات مختلفة ونقرؤها في بعض الأوقات كلمات مجسمة- صادرة من بعض الجهات الإدارية أو الجهات الطرقية- تحمل عليها الوسوسة وعدم التبصر في الحقائق من جهة، والتشفي والتشهير من جهة أخرى، هذه النغمات هي رمي جمعية العلماء تارة بأنها شيوعية، وتارة بأنها محركة بيد خفية أجنبية، وتارة بأنها تعمل للجامعة الإسلامية أو العربية (٨) أو تعمل لنشر الوهابية، والطرقيون لا تهمهم إلّا هذه الكلمة الأخيرة، فهي التي تقض مضاجعهم وتحرمهم لذيذ المنام، وحالهم معها على الوجه الذي يقول فيه القائل: فَإِذَا تَنَبَّهَ رُعْتَهُ وَإِذَا غَفَا ... سَلَّتْ عَلَيْهِ سُيُوفَكَ الْأَحْلَامُ وكيف لا يحقدون عن هادمة أنصابهم، وهازمة أحزابهم؟ فتراهم لاضطغانهم عليها يريدون أن يسبوها فيسبوننا بها من غير أن يتبينوا حقيقتها أو حقيقتنا. والقوم جهال ملتخّون من الجهل، وحسبهم هذا. أما الجهات الإدارية فيهمها كل شئ ويعنيها كل شيء. وكل شيء في المنطق الإداري محتمل الوقوع، ولو كان من القضايا التي لا تلازم بين طرفيها، ولو لم تظهر الإدارة في كثير من المواقف بتأييد الطرقية والتحيز لها، لقلنا فيما ترمينا به هو حزم السياسة والسلام، وقد اطلعنا على كثير من تقاريرها السرية المتعلقة بنا، فرأينا العجب العجاب، ولسنا نلوم الإدارة على تحريها واحتياطها، وتشددها واشتراطها، بقدر ما نلومها على جهل وَزَعَتِهَا واشراطها. فعجيب- والله- ومؤلم- والله- أن تعتمد في التحري علينا وعلى دروسنا ومحاضراتنا رجالًا لا يفقهون فقه اللغة العامية ومغازيها، فضلًا عن العربية الفصحى، ونحن قوم لساننا عربي فصيح نصرفه قي وجوه القول المختلفة، ونديره على حقائق اللغة ومجازاتها ومترادفاتها ومشتركاتها، ونسيمه في حكمها وأمثالها، وسائر تصاريفها وأحوالها، أفيجوز في حكم الانصاف أن تؤخذ التقارير عنا من قوم هذا شأنهم؟ نقول "الجهد" فيفهمون "الجهاد" ونقول "الأساس" فيفهمون "السياسة"! فإن قالت الادارة إنهم محلفون (كما قال لي كبير إداري فاوضته في هذا الأمر) فهي أول من يعلم أن التحليف- قد- يمنع من الكذب، ولكنه لا يمنع أبدًا من الجهل باللغة. سمعنا تلك الكلمات وقرأناها وعلمنا أنها نتائج تقارير سرية تبذل فيها جهود وأموال، وعلمنا المغازي التي ترمي إليها، والدوافع التي حملت عليها، وفهمنا أنها استنباطات واختلافات لا قيمة لها لأنه لا وجود لها، وإنما يراد بها التهويل والتضليل ومآرب أخرى، كما يهول على الأطفال بالغول وما لا حقيقة له. ونحن قد شببنا عن طوق الطفولة فلم نعر

стр. 196

هذه الكلمات التفاتًا، ولا شغلتنا بجواب، ولا أصغت منا صاغية، ولا صدتنا عن عمل، ولا أوهنت لنا عزيمة ولا فلت لنا حدًا، ولا بالينا بقائليها بالة. أما الطرقيون فلعلمنا أنهم رمونا بالكفر فكيف بما دونه؟ وأما الجهات الأخرى فلعلمنا أن سبيلها الحجة والدليل، فلندعها حتى تقيم الدَّليل، ولكن مع هذا كله يجب أن نقول هنا كلمة في حقيقة هذه الجمعية طالما قلناها وهي عملها مترجمًا في سطر، ومداها محصورًا في شبر، كما يقال للشمس هي الشمس، فيكون ظهورها هو علة تعيينها، ونورها هو سبب تبيينها. جمعية العلماء جمعية علمية دينية تهذيبية، فهي بالصفة الأولى تعلم وتدعو إلى العلم، وترغب فيه وتعمل على تمكينه في النفوس بوسائل علنية واضحة لا تتستر، وهي بالصفة الثانية تعلم الدين والعربية لأنهما شيئان متلازمان وتدعو إليهما وترغب فيهما وتنحو في الدين منحاها الخصوصي، وهو الرجوع به إلى نقاوته الأولى وسماحته في عقائده وعياداته، لأن هذا هو معنى الإصلاح الذي أسست لأجله ووقفت نفسها عليه، وهي تعمل في هذه الجهة أيضًا بوسائل علنية ظاهرة. وبمقتضى الصفة الثالثة تدعو إلى مكارم الأخلاق التي حض الدين والعقل عليها لأنها من كمالهما، وتحارب الرذائل الاجتماعية التي قبح الدين اقترافها وذم مقترفيها، وسلكت في هذه الطريق أيضًا الجادة الواضحة. وبهذه الصفة تعمل لترقية فكر المسلم بما استطاعت، وترشده إلى الأخذ بأسباب الحياة الزمنية، وتريه ما يتعارض منها مع الدين وما لا يتعارض. فالجمعية- بهذا الوصف الحقيقي لها- أداة من أدوات الخير والصلاح، وعامل لا يستهان به من عوامل التربية الصالحة والتهذيب النافع، وعون صالح لأولي الأمر على ما يعملون له من هناء وراحة، تشكر أعماله ولا تنكر. ولئن قالوا: ان هذه الجمعية فرقت الأمة ... لنقولن ومتى كانت هذه الأمة مجتمعة حتى يقال إن الجمعية فرقتها؟ ان الأمة كانت فرقًا شتى كلها على الباطل والضلال، فجاءت جمعية العلماء فردت تلك الفرق إلى فرقتين، إحداهما على الحق والهدى، هذه هي الحقيقة لا ما يهذي بها قصار النظر صغار العقول. والجمعية فيما وراء هذا مرتبطة بالعالم الإسلامي أفرادًا وشعوبًا بما يترابط به المسلمون من حقائق دينهم ومظاهره، وهذه ناحية ارتباط طبيعية ذاتية، وصلة اشتباك روحية فطرية

стр. 197

يلتقي عليها المسلمون كلهم في مشارق الأرض ومغاربها، كما يلتقي العقلاء كلهم على معقول واحد من غير أن تتلاقى الأجسام، أو تتناقل الأقدام أو تتراسل الأقلام. وفيما عدا هذا فالجمعية جزائرية محدودة بحدود الجزائر، مربوطة بقانون الجزائر، لأن أعضاءها كلهم من أبناء الجزائر. فهل فهم الخراصون؟ لا يسرنا أن يفهموا، ولا يسوءنا أن يجهلوا أو يتجاهلوا. خاتمة اقتصرنا في هذه العجالة على هذا العرض الموجز لأصول الاصلاح الديني وحركته الأخيرة التي هي طور من أطوراه، وعلى لمع من تاريخ هذه الحركة بالقطر الجزائري، وأشرنا إلى بعض الحوادث العظيمة بكلمات قليلة، لأن القراء في الجزائر يعرفونها وإليهم سقنا الحديث، وأما إخواننا خارج الجزائر فعذرنا إليهم أننا لم نذهب في هذه العجالة مذهب الاستقصاء التاريخي، وإنما سلكنا مسلك من يستخرج العبر من الحوادث، ولعلنا شارفنا الغاية في هذا الباب. كان المنتظر أن نكتب هذه العجالة بأسلوب علمي في مواضيع علمية، أو في موضوع له تعلق بجوهر الإصلاح كمناهجه وطرقه، أو مكانته من بين فروع الإصلاح الدنيوي وصلته بها، أو ببيان الارتباط بينه وبين نفسية الأمة. ولكننا آثرنا هذا الموضوع لأنه في نظرنا أهم من جهة كشفه على كثير من المغالط التي هي حديث الناس اليوم. وآثرنا هذا الأسلوب الشعري لخفته على أذواق القراء، وقربه من نفوس الأدباء، ولأن الطريقة الأدبية في الكتابة هي أملك الطرائق لنفوس القراء بالجزائر، وعسى أن نكون وفقنا إلى إصابة مواقع التأثير من نفوسهم.

стр. 198

الأمّيّة* بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أيها الإخوة الكرام: إن الكمال والنقص وصفان يتعاقبان على الفرد كما يتعاقبان على المجموع، وهذا الإنسان العاقل خُلق مستعدًّا للكمال، وقد هيّأ له خالقه الحكيم أسبابه ومكّن له وسائله، ونصب له في داخل نفسه وخارجها أمثالًا يحتذيها لبلوغ الكمال، ووضع بين عينيه صور الموجودات وعوارض الكمال والنقص فيها لينتزع من قوانين الكمال فيها قانون كماله، وليجتنب من علمه بأسباب نقصها أسباب نقصه، وإن كانت أصول الكمال والنقص في العالم الإنساني تختلف عن أصولها في غيره من العوالم، لأن لاختيار الإنسان مدخلًا كبيرًا وأثرًا قولًا في كماله ونقصه، والاختيار من خصائص هذا الإنسان. ومما علمناه من شؤون الاجتماع البشري أن الكمال فيه نسبي إضافي، فما من كمال إلا وفوقه كمال، وأن الكمال في المجموع متوقف على الكمال في الأفراد، وأن النقص في المجموع مترتب على النقص في الأفراد؟ فمتى أخذ الأفراد بأسباب الكمال وسلكوا له وسائله كمل المجموع. ومتى قعد الأفراد عن تعاطي أسباب الكمال فشت النقائص في المجموع. وإنما تتفاوت حظوظ الأمم في الكمالات المكتسبة كالغنى والعلم والتضامن والتعاون والاتحاد والترقي في أسباب المعيشة.

стр. 199

ويتضح من هذا كله أن كل ما يسمى من أحوال الأمم تطورًا هو في الحقيقة عبارة عن مداورتها بين النقص والكمال صعودًا وهبوطًا. أيها الإخوة: نحن نريد من الكمال هنا الكمال المكتسب الذي في مكنة الانسان الوصول إليه بالتعمل والتهمم والمزاولة، ولسنا نعي الكمال الخلقي التكويني الذي لا يد للمخلوق فيه، ذلك الكمال الذي يتفاوت فيه العاملون حتى يكونوا كما قال الشاعر: وَلَمْ أَرَ أَمْثَالَ الرِّجَالِ تَفَاوُتًا ... إِلَى الْمَجْدِ حَتَّى عُدَّ أَلْفٌ بِوَاحِدِ وإن سنة الله في الأمم أنها تتقاعس عن الفضائل وتتناعس عن الكسب وتنغمس في النقائص فتتدهور إلى الحد الذي تقتضيه قوة تلك النقائص وأسبابها. فإذا أراد الله بها خيرًا بصّرها بتلك النقائص وأشعرها بمعنى الكمال، وأيقظ في نفوسها دواعيه فيأخذ أفرادها بأسباب الكمال متعاونين أو متنافسين حتى يصلوا إلى أقصى مراتبه. فإذا شعروا ولم يعملوا لبلوغ الكمال مع القدرة على العمل فقد باءوا بالعيب الفاضح وكانوا هم المعنيين بقول المتنبي: وَلَم أرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ شَيْئًا ... كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ والكمالات- أيها الإخوة- كلما زادت في الأفراد كانت مقلدًا في قوة حيوية الأمم، كذلك النقائص هي نقص في حيوية الأمم، وقد تنتهي بالأمة إلى الفناء والعدم. ومن الأمثلة الصريحة التي لا تحتاج إلى ترتيب الأقيسة في الاستدلال عليها، نقيصة الأميّة. فإنها لا تفشو في أمة وتشيع بين أفرادها إلا فتكت بها وألحقتها بأخس أنواع الحيوانات، ومكنت فيها للجهل والسقوط والذلة والمهانة والاستعباد. الأميّة- بمعناها اللغوي العرفي- وهو الجهل بالقراءة والكتابة، مرض فتّاك، ونقيصة مجتاحة، ورذيلة فاضحة، وشلل وزمانة في جسم الأمّة التي تُبتلى بها. فإذا كنا نعرف من شؤون الأفراد أن من يصاب منهم بشلل تتعطل منه وظيفة العضو المصاب، كذلك يجب أن نعرف من شؤون الأمم هذه الآثار السيئة التي تنشأ عن الأمّية، وهي تعطيل المواهب والقوى مع الفرق العظيم بين تعطيل وظائف أجزاء الجسم وبين تعطيل أجزاء الأمّة. لا تفشو الأميّة في أمّة إلا أفقدتها معظم خصائص الحياة. وأكبر جناية تجنيها الأميّة على الأمم هي القضاء على التفكير. والتفكير هو المعيار الذي توزن به القيم العقلية في الأمّة سموًّا وإسفافًا. ومحال أن يسمو تفكير الأمي لأن فكره في

стр. 200

قفص من أمّيته، وهو كالطائر قصّ جناحاه فلا يغنيه مع ذلك أن يكون اسمه (طائر). وما دامت المدركات الإنسانية قاصرة على البسائط لا تتناول المدركات العليا، فإن التفكير يكون بسيطًا. فإن ارتفع قليلًا فذلك إما آت من فطرة سليمة أو من تجاريب صحيحة. أما آفاق التفكير الفسيحة التي تسبح فيها أفكار المفكرين، فإنها لا تفتح إلا بالقراءة والدراسة. وأنّى للأمّي بهما. وان فيما نراه سائدًا في أوساطنا الجزائرية من بساطة التفكير وتدلّيه خصوصًا في الشؤون العامة، إن في ذلك الذي نراه ونشاهده ونتأسف له لدليلًا على أن هذه الأميّة هي أخت الوثنية في الفتك بالعقول وتعطيل مواهبها. فلا كانت الأميّة ولا كانت الوثنية، من رضيعتي لبان واحد، وربيبتي حجر واحد. والأميّة، أيها الإخوان، تتفاوت شناعتها وقبحها في الأمم بتفاوت عهود البداوة والخضرمة والحضارة، فيهون أمرها نوعًا في الأمم البدوية القريبة من مناحي الفطرة في مظاهر حياتها. ومن هذا القبيل شأن العرب. فإن الأميّة لم تقعد بهم عن مجاراة أمم الحكمة وإن قعدت بهم عن مجاراة أمم العلم والصناعة. وما ذلك إلا لأن حياتهم كانت بسيطة غير معقدة. ومع ذلك فإن أهل الكتاب كانوا يعدّونها في العرب وصمة وحطة وسبب احتقار. فقد حكى الله عنهم أنهم كانوا يقولون: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. والعرب أنفسهم كانوا يشعرون بغضاضة الأميّة كما يشعر الجاهل بغضاضة الجهل. وقد حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾. ونستثني من هذا كله حال نبيّنا ﷺ ونعته بالأمّي، فإن ذلك كان لحكمة ظاهرة السر معقولة المعنى، وكان معجزة، والمعجزة من أفق آخر فوق العادات والقواعد والسنن. ويتجلّى قبحها وشناعتها وغضاضتها في عهود الحضارة كحالنا اليوم، فإن الحياة في عهدنا تتطلب ممن يريدونها ويحرصون عليها تفكيرًا منظمًا ينبني عليه عمل منظم، وتتطلب منهم اضطرابًا في سكون وسلمًا في حرب وحربًا في سلم وأنواعًا شتّى من المصارعات بين الهوى والعقل في الحي الواحد وبين الحي والحي في الميدان الواحد وعلى المطلب الواحد. فهذا بعض ما تفرضه الحياة على الأحياء وتعدّه من شروطها. وأما الأميّة فإنها تطبع المصابين بها بطابع حيواني ساذج، فنراه حيًا كميت ومتحركًا كساكن، يضطرب من نفسه في المضطرب الضيّق ويقف عند حدود تفكيره وقفة الجبان الهيوب المتردّد، وتمرّ عليه مواكب الحياة المجدّة في السير والتنقّل، الممعنة في الحركة والتحوّل، وحظه من ذلك كله التفرج والاستغراب. أيها السادة: إن الأمم الحية في وقتنا هذا ما حييت إلا بالعلم الاختباري التطبيقي، وأساس هذا العلم- وإن علا- القراءة والكتابة. ولما انتهى العلماء منهم إلى أبعد غاية في العلم وتسنموا منه أعلى ذروة، التفتوا يتبيّنون الطريق التي وصلوا منها إلى هذه الغايات

стр. 201

البعيدة، فرأوا أن مفتاح الباب الذي منه دخلوا ومبدأ الطريق الذي منه وصلوا هو "ألفبا"، وأن أول منعم عليهم بهذه النعم الجليلة هو أول من علّمهم هذه الحروف الضئيلة. لذلك نرى من آثارهم ونسمع هن أخبارهم في نشر العلم ومحاربة الجهل ما يفوق الوصف، ونرى من أعمالهم ونسمع من أقوالهم في ذم الأميّة ومحاربة الأميّة ما نقضي معه بالعجب. فهناك جهود تُبذل وأموال تُصرف وطرائق تُخترع للقضاء على الأميّة واقتلاع جرثومتها الخبيثة. لأن القوم يعتبرونها- كما هي في الواقع- آفة اجتماعية مهلكة، فهم يحاربونها كما يحاربون الجراد والدود، ويقاومونها كما يقاومون الأوبئة والطواعين. ونحن نرى ظلّها كل يوم يتقلص من بين هذه الأمم، وطوفانها ينحسر حتى ليوشك أن لا يبقى في بعضها أمّي واحد. وإن الإحصاءات الرسمية المدققة تدلّ دلالة قاطعة على أن القوم جادّون في هذه الحرب وأن عدد الأميّين كل يوم في تناقص، وأن نسبتهم كل عام في هبوط بحيث يقولون إن الأمّة الفلانية لم يبق فيها من الأميّين إلا عشرة في المائة والباقون كلهم قرّاء، وقد أصبحت هذه النسب محفوظة في تاريخ الأمم الحديثة ومعدودة من أحاديث فخرها ومجدها، إذ لا معنى لقلة الأميّين إلا كثرة المتعلمين وسعة انتشار العلم. فأين نسبتنا من هؤلاء؟ وأين مساعينا من مساعيهم؟ وأين خطباؤنا؟ لم لا يحملون على الأميّة حملة شعواء؟ ولم لا يعطونها من الاهتمام ما أعطوه لقرن الثور وفضائل الشهور؟ وأين شعراؤنا؟ لم لا يشاركون في حملة منظمة ويدعون إليها بقصائدهم المثيرة المحركة؟ وأين علماؤنا الذين برّأهم الله من داء الأميّة؟ لماذا لا يسعون في تطبيب غيرهم منها؟ أم هم يريدون أن تبقى الأمّة أميّة ليبقوا سادات ومشائخ؟ فإن كان هذا مرادهم فأنبئوهم عني أنه ليس من الشرف السيادة على طغام، والرعاية على أغنام. وأين أغنياؤنا؟ يخرجون الأموال ويشيّدون المدارس ويقفون في مكافحة هذا الداء الفتّاك موقف الأبطال؟ إخواني، هذا حديث عن أضرار الأميّة وويلاتها. فهل حديث عن إزالتها ومقاومتها؟ وأي سلاح تحارب به هذه الأمّة الصمّاء؟ إني أظن أن أول هيئة اجتماعية فكرت في محاربة الأميّة بصورة منظمة في هذا الوطن هي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأن أول رجل أعرفه فكّر في مقاومة الأميّة بصورة

стр. 202

جدّية هو رئيسها المحترم. وأذكر أنني تحادثت معه في هذا المعنى، وقلّبنا وجوه الرأي فيه منذ سنوات، وربما كان ذلك قبل تأسيس الجمعية. فبما أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هى أول هيئة علمية منظمة بهذا القطر، وعليها، لا على غيرها، يكون التعويل والاعتماد في هذه المسائل الكبيرة. وبما أن هذا التقرير يلقى باسمها وفي مؤتمرها، فإن كل ما أعرضه عليكم يجب أن ينفّذ باسمها وأن تتوصل إلى تنفيذه بجاهها ونفوذها عند الأمّة من حيث إنها الجمعية الوحيدة التي أخذت على عاتقها خدمة الأمّة. وأول ما يجب عليها أن تبدأ به هو توجيه نصائح عامة ونداءات صارخة تستفز بها شعور الأمّة، وتثير نخوتها وحماسها لتحمل على الأميّة بقضها وقضيضها حملة صادقة. وأقل ما يكون لهذه النصائح من التأثير أنها تهئ الأذهان وتشرع الطرق وتجعل لنا من الخامل الكسلان عونًا على نفسه. وحيث إننا جرّبنا التعليم الموجود بقسميه فلم يفدنا في التخفيف من مصائب الأميّة، فقد قام الدليل على أنه غير كاف في المقصد الذي نتحدّث عنه وأن وسائله ناقصة، ووجب أن تضاعف الجهود وأن تنظم الخطط على قاعدة طبيعية بالنسبة إلينا، وهي أننا نريد تبديل الأميّة بتهذيب ولا نريد تبديلها بصناعة، لأننا نعتقد أن تبديل الأميّة بصناعة بالنسبة إلينا هو نوع من الأميّة وارد في غير اسمها. والأميّة بالنسبة إلينا صارت مرضًا نفسانيًا، والأمراض النفسانية لا تداوى إلا بما يوافق المزاج الخاص. هنا يتشعب العمل أمام جمعية العلماء لأنه كما يجب عليها أن تعالج الكبار من داء الأميّة، يجب عليها أن تحمي الصغار المعرّضين لغوائلها وفتكها. أما الصغار، فإن المصل الواقي لهم من هذه العلة هي تلقينهم مبادئ القراءة والكتابة من الصغر. وأقل ما يجب على الجمعية في هذا السبيل الوصايا والتحذيرات المؤكدة لآباء الناشئين لئلا يتراخوا أو يفرطوا في هذا الواجب. ثم عناية خاصة مضاعفة بالتعليم الذي تقوم به الجمعية، يكون أساسه والقصد منه رفع الأميّة وحماية الناشئة منها. وكلنا يعلم أن تعميم التعليم بقدر المستطاع قطع لانتشار الأميّة وتضييق لدائرتها.

стр. 203

ولقد كانت لجمعية العلماء جولات صادقة في هذا المضمار وهو تعليم الصغار رغم العراقيل والصعوبات. ولكنها الآن- وقد أرادت أن تحمل على الأميّة- أمام واجب أعظم يستدعي عملًا أوسع ومجهودًا أثقل. وإذا نحن بذلنا كل ما يستطاع أن يبذل في سبيل تعليم الناشئة من أقوال وأفعال، رجعنا البصر إلى الكبار الذين فاتهم سن التعليم بحكم أعمارهم وشلّت الأميّة مواهبهم، فنجد الواحد منهم إنسانًا في صورته ونطقه، ولكنه ليس بإنسان إذا لزمه وضع خطه في وثيقة أو كتابة حرفين لأهله الغائبين أو قراءة ورقة استدعاء من حاكم أو قراءة تاريخ تتوقف على أجله المسمى مصلحة من مصالحه وتترتّب على فواته مفسدة ومضرّة. وهذا القسم أحق بالشفقة والرحمة من سابقه، وأهم ما تعمله الجمعية في حق هؤلاء هو الجهود الفردية، فيجب أولًا أن تتقدم لكل أعضائها العامدين وتأخذ عليهم عهد الله وميثاقه على أن يعلم كل واحد منهم أميّا أو كثر من أقاربه مبادئ الكتابة والقراءة والعمليات الأربع في الحساب، ويحفظه سورًا من القرآن على صحتها. وتتوسل الجمعية لهذا بطبع حروف الهجاء مركّبة ومفردة على صحائف من المقوى وبطبع الأرقام الحسابية كذلك، وبطبع سور من القرآن بالحرف الغليظ، وبطبع جمل تتضمن معاني مستقلة في العبادات والعقائد والفرائض. ثانيًا: تعمد الجمعية إلى الجمعيات القانونية، وإن كانت قليلة عندنا، وإلى المجموعات التي يجتمع أفرادها في حرفة أو عمل كسائقي السيارات في بلدة أو صانعي الأحذية في سوق أو حومة (١)، فتتقدم إليهم بالنصيحة والإرشاد أولًا ثم بالعمل ثانيًا، لأن مثل هذه المجموعات أقرب إلى النظام والضبط لأنهم يجتمعون في الغالب في ساعة معيّنة وأكثر ما تكون في الليل. وكيفية العمل مع هؤلاء أن تلزمهم بدفع مبلغ معيّن من المال في كل شهر ثم تلزم طالبًا من الطلبة أن يعلّمهم مبادئ القراءة والكتابة وأرقام الحساب وبسائط عملياته في ساعتين من كل ليلة، في مقابلة ذلك المبلغ الشهري الذي يجمعونه. مثلًا: ناد فيه مائة عضو منهم سبعون أميًّا يدفع كل واحد منهم ثلاثة فرنكات شهريًا فتلك ٢١٠ تعطى لطالب، ويعلّمهم الكتابة والقراءة، ويقال مثل ذلك في أصحاب الحرف المشتركين في الصنعة.

стр. 204

فإذا استطعنا أن نعمم هذا الترتيب على عشرة نواد وعشرين مجموعة من أصحاب الحرف، فإننا نتوصل في مدة قريبة إلى تعليم نحو من ألفي رجل وإخراجهم من سجن الأميّة، وإلى إيجاد سبيل لمعيشة ثلاثين طالبًا أو إعانتهم على المعيشة. وهما فائدتان مزدوجتان وغرضان شريفان يشرّف الجمعية جدًّا أن تقوم بهما. فهاتان الطريقتان اللتان بسطناهما لتعليم الكبار هما أقرب الطرق تحققًا. وإذا كان في تنفيذ الثانية صعوبة، فإن في كل عمل صعوبة، ولكن همم الرجال تدك الجبال. وقد جرّبنا هذه الصعوبات فوجدناها دروسًا نافعة لنا وشاحذة لعزائمنا فلا ترمينا الليالي بحادثة إلا إذا أخذت من نفوسنا مأخذها ثم تركت فينا عزمًا وصلابة وتمرّسًا بمكاره الحياة. هذا عرض مجمل للأميّة ومضارها وطرق مقاومتها، أعجلني الوقت عن استيعابه وإرسال القول فيه، وتحليله وتكثير طرائقه. وإذا ظهرت ثمراته، فسيكون ذلك داعيًا إلى إعادة القول وتفصيله. والله يأخذ بأيدينا وأيديكم.

стр. 205

إلى كتّاب "البصائر "* إلى حملة الأقلام من أنصار الجريدة والذادة عنها والحريصين على أن تكون مكانتها في النفوس مكافئة لمكانة الجمعية، نسوق هذه الكلمات الآتية تذكيرًا لحضراتهم وتنبيهًا على ما يجب أن يراعوه فيما يوافون به الجريدة من ثمرات أقلامهم. إن جريدة البصائر هي لسان حال جمعية العلماء المسلمين. ومعنى هذا أن مبدأ الجريدة هو مبدأ الجمعية، ومبدأ الجمعية وإن تعدّدت مناحيه يرجع إلى كلمتين ذواتي مدلول واسع وهما (العلم والدين). فالجمعية لم تخرج منذ تأسست عن مبدئها الواضح الجليّ وهو خدمة العلم والدين والدعوة إليهما. ولسنا نقيم وزنًا لما رماها به المتخرصون الذين لا يفرّقون بين من يعمل لشخصه وبين من يعمل لفكرة عامة، جهلًا منهم، أو لا يريدون أن يفرّقوا مكرًا ومكايدة. لا نقيم لهؤلاء وأمثالهم وزنًا ما دمنا نعمل عن عقيدة في الحق وإخلاص له، وقد جرّبنا أقوالهم وبلونا آثارها فما كانت إلا وبالًا عليهم وما كانت إلا قوّة للجمعية وتمكينًا لها. وقد كشف الزمان عن الحقائق، وحقّت كلمة الله فكانت العاقبة للحق والصبر والتقوى ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، اللهم قد صبرنا فآتنا عقبى الصابرين، اللهم وقد غفرنا فاشهد.

стр. 206

إن الجمعية قد جرت على سنة الله في تطور الكائنات وقد كان من أطوارها طور للتمهيد، وطور لإزالة الأنقاض، وهي الآن في طورها الثالث وهو طور البناء والتشييد. ولكل طور من هذه الأطوار حكمه وحكمته وظروفه وملابساته وأسبابه ومقتضياته، كما كان لجرائدها السابقة: السنّة فالشريعة والصراط حظ من هذا التطور، وكان لكل ما نشر في تلك الجرائد ظرف خاص أوجبه، وسبب خاص اقتضاه، وما أكثر المفاجآت في أطوار التمهيد والتأسيس، وما أكثر ما تلد تلك المفاجآت من أشياء تسمّى خروجًا عن الموضوع وما هي إلا من باب ما لا يتم الواجب إلا به، أو من باب الوسائل التي لا تصوّر المقاصد إلا بعد تصويرها، أو من باب الضرورات القاهرة. إن لله في هذه الجمعية وجرائدها حكمة هو مجليها لوقتها. فقد كانت أسماء جرائدها رموزًا إلى أطوارها، ونحمد الله الذي ألهمنا تسمية هذه الجريدة بالبصائر. فقد تجلّت على الناس في وقت انقشعت فيه سحب الرين والشكوك عن البصائر، وأيقن الناس إلا قليلًا منهم، أن ما تدعو إليه الجمعية من علم ودين حق لا ريب فيه، وستكون "البصائر" البرهان القائم على استبصار الجمعية فيما تدعو إليه من الإصلاح الديني والعلمي، وعلى استبصار الأمّة فيما تدعى إليه منهما. لذلك كله يجب علينا وعليكم- أيها الإخوان الكرام- أن نسير بالجريدة فيما يكتب فيها على خطة تتفق مع الطور الحاضر للجمعية، وهو طور البناء والتشييد، معتقدين أن حركة الإصلاح هي حركة فرغ من وسائلها وإعداد أذهان العامة والخاصة لقبولها، ولم يبق إلا الاشتغال بالمقاصد العملية، وأهمها توجيه الجهود كلها إلى بيان الحقائق العلمية والدينية بالدروس والمحاضرات والكتابة، وأن كلمة الإصلاح قد أصبحت علمًا غالبًا محدّد المعنى والحقيقة على هذا المبدإ السامي الذي ندعو إليه. ونعتقد أن من حق الله علينا الدعوة إليه، وقد كنا بالأمس قليلًا مستضعفين فأصبحنا- بحمد الله- كثيرًا ظاهرين، وسيعمّ الإصلاح الديني هذه الأمة لا بقوتنا بل بقوة الله، وسيتفق الناس عليه حتى كأن لم يكن بينهم فيه خلاف، وسيهتدي الضال ويرشد الغوي، وثقوا أنه ما اختلف اثنان في الحق إلا وأرغمهما الحق على الاتفاق فيه. أما هذه الخطة التي يقتضيها التطور فنجملها لكم في الأصول الآتية: الأول: علاقتنا بالإدارة الجزائرية علاقة صفو ومسالمة بالتي هي أحسن في خصوص دائرتنا التي نعمل لها وهي العلم والدين، والنظر في هذه العلاقة وتحديدها في الجملة من خصائص المجلس الإداري لجمعيتكم، وهو كما تعهدونه وفوق ما تعهدونه لا ينام عن حق ديني أو علمي لهذه الأمّة تخوّلها إياه القوانين والمبادئ الجمهورية، ولا يسكت حيث يجب

стр. 207

النطق ولا يركب لمطالبه إلا المشروع المعقول من الوسائل، ولا ييأس من إنصاف الحكومة وعدلها، فدعوا الكتابة في هذا الأصل- إن لزمت الكتابة فيه- لإخوانكم أعضاء مجلس الإدارة المطّلعين المسيرين لسفينة الجمعية المطلعين على دقائق الأحوال وجلائلها. الثاني: الشخصيات- وما أدراكم ما الشخصيات- التي ما دخلت في أمر إلا أفسدته، فلا تتنزّلوا لدركاتها ولا تغمسوا أقلامكم في حمأتها. الثالث: تحامل المتحاملين على الجمعية والجريدة بقصد الشغب وإثارة الكوامن الدفينة، فلا تتشاغلوا بهم ولا تضيّعوا أوقاتكم في الردّ عليهم، إلا أن يكون في الردّ عليهم درء لضرر محقق. الرابع: أصل النزاع بيننا وبين خصوم الإصلاح، وهذا الأصل هو أدق المواضيع التي كتبت فيها الأقلام وجالت في ميادينها، وكانت تضطر أحيانًا بحكم البيان للحقيقة إلى تسمية الأشياء بأسمائها، فتجرح أقوامًا لم يتعودوا مرارة الحقيقة ولم يوطّنوا أنفسهم على مواجهتها كفاحًا، وهذا أمر قد كفيناه فلا نعود إليه وأصبح من حظ المحاورات الكلامية التي تقع في مجالس الدعوة والتذكير، ونشأت في المصلحين طبقات تقوم بالوسائل وتقوم بالكماليات فأراحوا الكتاب ومهّدوا لهم سبيل التفرغ إلى ما هو أهم وأولى. أما أقلام كتاب "البصائر" فيجب أن تشرح الحقائق الكلية من دينية وعلمية، وتبيّن الحق بدلائله وشواهده، وتسمّيه باسمه، وتشرح الباطل وتفضحه بشبهاته وأوهامه بما نعهده فيها من نصرة الحق والغضب له، ولكن يجب أن تسمو عن النبذ والتلويح، وفرق بين أسلوب في الكتابة وأسلوب، ومعرض للكلام ومعرض. وليعلم من لم يكن على بصيرة من أمرنا أننا لا ندعو إلا إلى الله ودينه ونبيّه وسنّة نبيّه وهدي السلف الصالح من أمّته. وإننا لا ننكر على أحد لذاته أو اسمه أو شهرته، وإنما ننكر على المبطل باطله أو وقوفه في طريق الحق. ولو أنصف خصومنا لعلموا أن إنكارنا عليهم هو دليل أخوّتنا لهم، بل دليل صدقنا في هذه الأخوّة، فلو لم يكونوا إخواننا في الدين لما أنكرنا عليهم ما أنكره الدين، وأن الدين الذي أوجب علينا أن ننكر المنكر يوجب عليهم الفيئة إلى الحق، ويوجب علينا جميعًا التحاكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه والرضا بحكمهما والتسليم لهما والرجوع إلى سبيلهما الجامعة، وقد دعوناهم إلى هذا ولا نزال ندعوهم، ونسأل الله لنا التوفيق والإخلاص في الدعوة ولهم الهداية والتوفيق للأنصاف، ولا نيأس من روح الله ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.

стр. 208

إننا لا نريد التضييق عليكم- أيها الكتّاب الكرام- وإنما نريد إلفاتكم إلى الميادين الفسيحة والمراعي الخصيبة وتوجيهكم إلى ناحية التفكير العميق والبحث المنتج، فأمامكم من المواضيع ما تنفد الأعمار ولا ينفد. أمامكم حقائق الدين وفضائله، وآداب الإسلام وحكمه فاشرحوها وبيّنوها. وأمامكم السنن الميتة فأحيوها نشرًا ونصرًا كما أحييتموها علمًا وعملًا، وارفعوا أصواتكم بلزوم إحيائها. وأمامكم مباحث التاريخ الإسلامي وعبره وعظاته وسير أمجاده فأحيوها تحيوا بها وتحيوا ... ! أمامكم أمراضنا الاجتماعية وجوائحنا النفسية والخلقية التي حجبت عنا وجه الحياة، وأخفت علينا مسالكه فشرحوا الداء وبيّنوا الدواء، ومزّقوا الجلابيب التي أضفاها الجهل على عقولنا فلم تفقه معنى الحياة. أمامكم العلم بآفاقه المتّسعة فبيّنوا ورغبوا وأهيبوا بالغافلين عنه والمتخلفين عن ركبه أن يشمروا ويسارعوا وأن يتمسكوا بأسبابه ويأخذوه عن أقطابه. أمامكم اللغة وعلومها وآدابها فابحثوا ونقبوا واحدوا ركابها وطربوا، واسعوا لبيان فضلها سعيكم لتعليمها، وأشربوا قلوب أولاد هذه الأمة: انه ما غرّد بلبل بغير حنجرته. أمامكم العلم والدين وإذا قلنا لكم العلم والدين فقد قلنا لكم قليلًا ودللناكم على كثير! ... والإحسان الإحسان- أيها الكتّاب الكرام- فلا تكتبوا إلا فيما تحسنون موضوعه.

стр. 209

كتاب "السعادة الأبدية "* - ١ - لسنا في هذا المقال ننقد كتابًا ولا كاتبا وإنما ننقد فكرة خبيثة تمدها عقول وتغذّيها أسباب، ثم تبرز على الألسنة والأقلام بصور مختلفة، فلا يقولن قائل قرأ الكتاب: ما أهون الصيد وما أعظم الصائد؟! وليقرأ المقال إلى آخره فسيتبيّن ما نعني. "الكاتب" وقع في يدي، على سبيل المصادفة، كتاب صغير الحجم، فقرأت على غلافه ما يقرأه الناس عادة من اسم الكتاب واسم المؤلف ومحل الطبع الخ. فإذا هو من النوع الذي يواجه قارئه بجهل مؤلفه من أول سطر. فقد كتب جامعه على الغلاف "السعادة الأبدية" لأبي مدين الخ، فأوهمني كما يوهم كل قارئ أن الكتاب من تأليف "الشيخ أبي مدين" مع أنك لا تكاد تنحدر ببصرك إلى الكتلة الثانية من الكلمات حتى تقرأ لمؤلفه "محمّد حميدو" المدّرس بالمدارس الدولية (١)، فتقول في نفسك: لمن هذا الكتاب يا ترى؟ أهو للشيخ أبي مدين شعيب بن الحسين؟ أم هو للشيخ المدرّس بالمدارس الدولية؟ قرأت تلك الكتل الكلمية المكتوية على الغلاف واستدللت مستعينًا بما أعلمه عن الشيخ أبي مدين من أنه لم يكتب كتابًا ولم يدوّن تأليفًا، على أن الكتاب للثاني لا للأول. ثم تجاذبتني الخواطر: ماذا عسى أن تكون قيمة المؤلف بعد تلك الجهلة الفاضحة في تركيب عربي بسيط لا يخفى على تلميذ فضلًا عن مدرّس في المدارس الدولية؟ وماذا عسى أن

стр. 210

يكون موضوع الكتاب بعد أن لم يدل اسمه على موضوعه؟ وماذا عسى أن تكون الصلة بين الشيخ أبي مدين الصوفي المربي في القرن السادس وبين مدرّس في المدارس الدولية في القرن الرابع عشر، ألا تكون هذه الصلة هي التاريخ؟ ثم ألا يكون موضوع هذا الكتاب الصغير بحثًا تاريخيًا في ناحية من سيرة هذا الصوفي الكبير الذي شغل الناس قرونًا بالحديث عنه بلسان العلم، ثم شغلهم قرونًا أخرى بالحديث عنه بلسان الجهل والتخريف؟ ألا يكون هذا الكتاب الصغير، أسلوبًا ممتعًا من أساليب الدراسة التاريخية الفنية التي يتبجح أمثال هذا المدرّس بإحسانها ويدينون باحتكارها لسادتهم الأوروبيين؟ وما عهدنا ببعيد من ذلك المدرّس الذي كتب يقول ما معناه ان خرّيجي "المدارس" (٢) أقدر على تعليم علوم الدنيا والدين! .. تنازعتني هذه الخواطر قبل أن أفتح الكتاب، وكاد سوء الظن يغلب فأرميه وأحكم عليه بالسخافة حكمًا معجلًا. ولكنني ذكرت المثل "إن الجواد عينه فراره" ففتحت الكتاب فبدأت الجهالات تتوالى، فاعتصمت بالصبر وألزمت نفسي بقراءته كله من شفقه الغارب، إلى فجره الكاذب. فبماذا خرجت من هذه الليلة الداجية؟ لا أكتم القارئ أني خرجت كما تقول العامة بيد فارغة وأخرى لا شيء فيها، فعاهدت نفسي أن لا أجمع عليها خيبة الأمل في الكتاب ومؤلفه، وحرمان القراء من حديث عنهما، يفيدهم عبرة ومثلًا ويفيد المؤلف شيئًا اسمه "عرفان القدر"، فقد دلّنا بكتابه على أنه لا يعرف قدر نفسه، وما أحوج المؤلف قبل كل الناس إلى مثل هذا الدرس، بل ما أحوجه إلى مثل هذا التأديب، لعله يذكر أو ينيب! ... أنت، يا حضرة القارئ، صادق إذا سمّيت قرعة الطيور كتابًا لأنك تجد فيه وحدة متناسقة وتأصيلًا وتفريعًا وخروجًا من بلدة إلى مملكة، وكل هذا تنقل إن لم يكن في الصدق ففي النظام. وأنت صادق حين تسمى مجربات الديربي والزناتي في الرمل ورجوع الشيخ إلى صباه، كتبًا لأنها سخافات منظمة، ولأن لأصحابها ذوقًا في الترتيب وشخصية في الموضوع. ولكنك لا تصدق أبدًا إذ سميت هذا السواد كتابًا وإن كان صاحبه مدرّسا، وإن سمّاه السعادة الأبدية.

стр. 211

ذلك أنه ليس لصاحب هذه الورقات شيء فيها يستطيع أن يضع يده عليه ويقول: هذا لي، إلا جملة في مقدمة الكتاب نبز فيها المصلحين بالإنكار على الاولياء فلم يوفق فيها لأنها جاءت نبزة عامية تَنِمُّ عن تصور عامي بسيط في ذهن مستوخم ثقيل، وما عدا تلك الجملة الباردة التي تنبز صاحبها بالجهل قبل أن تنبز المصلحين بالإنكار على الأولياء، ما عدا ذلك، فبضع حكايات منقولة من البستان لابن مريم ومثلها من نفح الطيب، كأن صاحبها قصها بالمقص من الكتابين ووضعها بين أيدي عمال المطبعة لينقلوها بنصها، ويولّدوا منها كتابًا اسمه "السعادة الأبدية" كما يفعل أصحاب جريدة النجاح (مثلًا) بالأهرام والبلاغ وغيرهما ليولّدوا منها جريدة اسمها جريدة النجاح. فأين كتاب "السعادة الأبدية"، يا حضرة المدرّس، إذا قمنا بحق الوكالة العلمية ورددنا أمانة المقري للمقري وأمانة ابن مريم لابن مريم؟ أين كتاب "السعادة الأبدية" الذي لا نشك أنك أعلنت عنه قبل صدوره- وإن لم نتشرف بوصول الإعلان إلينا- ولا نشك أنك أذعت في قبيلك من المدرّسين وخلطائك من الأوروبيين ورؤسائك من المديرين (المتقاعدين) والواقفين، أنك مشغول بتأليف كتاب في مناقب الشيخ أبي مدين أو كراماته فتطلعوا، واستشرفوا، وترقّبوا، وانتظروا، فإذا بك لم تأتهم إلا بحكايات من كتابين هم أعرف بهما منك، فيا للخجل! أين أثرك الخاص في الكتاب؟ وأين نتاج ذهنك منه؟ وأين ميسمك فيه؟ وأين طابعك عليه؟ وأين (شخصيتك) كما يقول الأوروبيون الذين طالما تطاولتم علينا باقتفاء آثارهم في طرائق البحث؟ إن شيئًا واحدًا مما سألناك عنه لا يوجد في كتابك، فلتعلم الآن أننا لسنا ننقم عليك صغر حجم الكتاب، فرب كتاب "صغير الحجم كثير العلم"، ولسنا ننقم منك تلك النبزة التي نبزت بها المصلحين في شيء تجهل أصله وفرعه، فما أهونها عليهم، ولسنا ننقم عليك تخصيصك الكرامات بالذكر تأييدًا لتلك النبزة، وإنما ننقم منك ومن أمثالك هذه الشعوذة المزرية بشرف العلم وهذا التهافت المخجل على الكتابة في مباحثه. إنكم لا تزالون من انتسابكم للعلم وانتحالكم للتدريس تحت حماية "الديبلوم" في غفلة من الدهر وفي أوسع عافية منه، حتى إذا تقحمتم هذا التقحم وتهجمتم هذا التهجم على الكتابة والتأليف انتقم منكم العلم ففضحكم بأيديكم على رؤوس الاشهاد. ألا أدلك، لوجه الله، على شيء لو فعلته كنت تحسن لنفسك فترفع ذكرها، وتحسن إلى العلم بزيادة شيء نافع فيه، وتحسن إلى القرّاء بإفادتهم شيئًا يقولون عنه هذا فكر المدرّس لا نقله، وتحسن إلى العالم الفكري الذي تعيش فيه وهو عالم لا يعرف (قال) إلا

стр. 212

ناقدًا أو ممحّصًا وإنما يعرف (فكّرت) و (قلت)، وتحسن إلى الأمّة التي تنتسب إليها فتأتيها بشيء جديد، يوقظ فيها الذكرى الصالحة وينبّهها إلى القدوة الحسنة ويرفع رأسها فخرًا ويجلو عليها صفحة بيضاء من صحائف سلفها. أتدري ما هو هذا الشيء؟ هو هذا الذي وقعت عليه كما يقع الحيوان الأعجم [حاشاك] (٣) على الجواهر فيدوسها بأرجله، ولا يدري إلا أنها من جنس ما يداس إذ لم تكن من جنس ما يؤكل. ومع انطباق هذا التشبيه فإنني أدلّك فاسمع: إننا عرفنا حياة الشيخ أبي مدين حق المعرفة وعرفنا مكانته في علوم الشريعة، وعلمنا مبلغ تأثره بعصره وتأثيره في عصره، وعلمنا سيرته العملية تمام العلم، وقرأنا كلامه في المعارف الإلهية والمنازع الصوفية ووزناها بميزان الشريعة فميّزنا ما يقبل مما يرد، ونحن نعظّمه تعظيمًا شرعيًا راسخًا برسوخ أسبابه لا تعظيمًا تقليديًا زائفًا. فعلمنا من كل ذلك أن في تاريخ حياته جوانب عامرة، وأن على بعض كلامه إشراق الحكمة وروحانية الحكماء. فلماذا لم تعمد، يا حضرة المدرّس!، إلى البحث في عصره، وروح عصره وتأثيره في عصره، فترضي علماء الأوروبيين الذين تروقهم أمثال هذه المباحث؟ أو إلى جانب من تلك الجوانب العامرة من سيرته فتجلوها على قومك في معرض من الكلام ينبّه الغافل، ويعلم الجاهل، ويزّين لهم الاقتداء في الصالحات، وبهذا ترضي أمّتك الفقيرة إلى مثل هذا. إننا نبهناك إلى هذا مع علمنا أنك لا تملك وسائله، وما وسائله إلا الذهن النيّر والقريحة الصافية والنيّة الصالحة، قبل ذلك وبعده ... أما ما جئت به فإن أدنى عامي من سكان قرية "العُبّاد" التي فيها مدفن الشيخ يشاركك في معرفته ويزيد عليك بعشرات من مثله، وإذا ساواك العامي في هذه المادة أو فاقك فيها، فما معنى الديبلوم؟ إننا لا نزال نقول لك ولأمثالك من العوام إن الكرامات هي الجهة العقيمة في سير الصالحين، ونوضح لكم ذلك بأنها ليست من أعمالهم الكسبية التي يقتدى بهم فيها. أما الجهة العامرة المنتجة من سير الصالحين فهي أعمالهم الصالحة، وأخلاقهم الحميدة، التي يقتدي بهم الناس فيها ويكونون فيها للناس أسوة حسنة. فلماذا تتركون هذه الأعمال التي لا يكون الصالح صالحًا إلا بها، والتي ينتفع بها كل من يقتدي بهم فيها،

стр. 213

وتهربون إلى الكرامات التي ليست بشرط في الصلاح الشرعي، وليست مما يمكن الاقتداء فيه؟ ومعنى هذا- إن كنت لا تفهم- أن الصالح لا يكون صالحًا إلا بالأعمال الصالحة المشروعة ولو بغير كرامة، ولكنه لا يكون صالحًا بدون عمل ولو جرت على يديه جميع خوارق الدنيا. ومعناه أيضا- زيادة في التفهيم حتى يفهم البهيم (٤) - أنك تستطيع الاقتداء بالشيخ أبي مدين- ﵁ في صدق لهجته وفي وقوفه عند حدود الله، وفي برّه بالمساكين، وفي تواضعه ووفائه، وفي حسن عبادته لله، وفي معرفته بقدر نفسه أيضا ... ولكنك لا تستطيع أن تقتدي به فيما يحكى عنه من الكرامات والخوارق- ولو صحّ وقوعها منه- لأنها ليست من عمله الشرعي الذي كُلّف به، وليست من تقوى الله التي يتفاضل بها الصالحون، وليست مناطا شرعيًا للتعظيم. وهل إذا خضع الأسد للشيخ فلان مثلًا أستطيع أنا الاقتداء به في ذلك، أو يحسن بي أن أقتدي به في ذلك لو استطعته؟ وهل يكون خضوع الأسد للشيخ فلان هو الدليل على صلاحه وولايته واستحقاقه للتعظيم مني؟ وإن كان هذا هو دليل الولاية، فما أكثر أمثال الشيخ فلان في "سيرك عمار" ... فاعلموا يا هؤلاء، أننا لا ننكر الكرامات، بمعنى أننا نقول إنها لا تقع، ولم تقع، ولن تقع، لا فنحن أعقل من أن نقول هذا. وإنما ننكر افتتانكم بها، وغلوّكم فيها إلى هذا الحد الذي شغلكم عن الاقتداء بالصالحين في الصالحات. وننكر على من غشّكم بها فألهاكم بما لا ينفع عما ينفع. وننكر على الجاهلين الذين لا يفرّقون بين ما يمكن وقوعه وما لا يمكن وقوعه، فلو فهمتم (لنا) أن سنن الله الثابتة لا تخرق [لخاطر] فلان وفلان، وإنما تخرق العوائد، وان العوائد متغيرة، وإن المعتاد قد يصير غير معتاد، وإن غير المعتاد قد يرجع معتادًا. لو فهمتم معنى هذا وفهمتم معنى إكرام الله لعباده لأنكرتموها استهانة بها في جنب ما كرم الله به عباده الصالحين من التوفيق للصالحات.

стр. 214

- ٢ - * نرجع إلى المدرّس (١): إن هذا المدرّس لم يزد على أن فضح نفسه وأساء إلى العلم وسخر من قراء كتابه. أما فضيحته لنفسه فلا شأن لنا بها. والنفس نفسه وقد أنزلها المنزلة اللائقة بها. وأما إساءته إلى العلم فهي التي أنطقتنا. وقد فحصنا الكتاب كما يفحص الطبيب المريض المشرف على الموت، فإذا سكن النبض قال: قد مات. ونحن نقول إن هذا الكتاب ولد سقطا فلم يعمر به فراغ في الخزائن ولا فراغ في النفوس. وأما سخريته من القرّاء فإنهم لا يفهمون من الكتاب إلا أنه علم، والعلم كالسلع رخيص وغال، فإذا لم يجدوا لا هذا ولا ذاك فماذا عسى أن يقولوا؟ إنهم يقولون إن المؤلف أراد أن يتقرب إلى قلوب طائفة مخصوصة ليروّج كتابه بينها بحكم "الماركة " (٢) والاسم، لا بحكم الحقيقة والعلم ... ودليل ذلك أنه بدأ بنبز المصلحين ليدخل من هذا الباب إلى نفوس تلك الطائفة، ثم اقتصر من البحر على قطرة فقال: ومن كراماته، ومن كرامته، لأن هذه هي الجهة الحساسة في الموضوع. وهي كذلك الجهة الرائجة في هذه الأيام (جذبًا ودفعًا) ليكون النبز والكرامات- وهي كل ما في الكتاب- أدعى لرواج الكتاب ... ولو استشارنا حضرة المؤلف وباح لنا بذات صدره، لقلنا له: لا تطمع في رواج الكتاب بين هذه الطائفة إلا إذا كنت عازمًا على إهداء نسخه كلها. لأن هؤلاء القوم تعوّدوا (هات) ولم يتعوّدوا (هاك)، ولكل امرئ ما تعوّد.

стр. 215

وقد علمنا من تحرياتنا المستعجلة حين كتابة هذا [التقريظ]، ان أحق الناس بالترويج لهذا الكتاب وتقديم الإعانة المادية له- وهو مقدّم ضريح الشيخ (٣) وسادن قبره- رجل عفريت لا يستنزل عن فلوس النذور بمثل هذه الرقية، ولا يتنازل من كبشه، حتى عن أكارعه وكرشه ... وما حاجته إلى هذا الكتاب؟ ومعظم زوّار الضريح ريفيون، وهم من فضل الله على المقدم أميون، وغير الريفيين قد تأثروا بتعاليم ذلك (الأعرج) (٤) فلا مطمع في إرجاعهم إلى النية (٥) والزيارة بهذا الكتاب، ولا بمآت من مثل هذا الكتاب. وزيادة على ذلك فإن لهذا المقدم وزملائه منزعًا آخر في بغض الكتب على الإطلاق وتبغيضها للناس كيفما كانت ولو من ماركة السعادة ... ، وهو اعتقادهم أنها تذكّر بالقراءة. والناس- في نظرهم- نيام، فإذا قرأوا استيقظوا. أرأيت، أيها القارئ، كيف لعبت التصاريف بأخينا المؤلف حتى أوقفته تحت المثل (لَا مَاءَكِ أَبْقَيْتِ وَلَا حِرَكِ أَنْقَيْتِ)؟! على ان قصد المؤلف للتقرب من هذه الطائفة ليس هو كل ما في الباب. بل علمنا من تحرياتنا وإمعاننا في البحث وتشممنا للروائح وتفرّسنا في [البصمات]، ما هو أهم من هذا وأحق بالاعتبار. وهو بيت القصيد من هذا المقال الطويل. فقد علمنا- والعلم عند الله- أن للمؤلف صلة طبيعية بمدير متقاعد لمدرسة تلمسان. وقال قائل بعد أن قرأ الكتاب: "إني لأجد ريح فلان لولا أن تفنّدون". قلنا: ومن فلان؟ قال: "هو رجل له دعوى في الاستشراق، وتطفل على موائد المستشرقين، وله اشتغال بالمباحث الإسلامية، وبالأخص الدين والعادات. وهو يتناول هذه المباحث بعقل مريض، ونفس مملوءة حقدًا على الإسلام، وغايته من كل أعماله تصوير الإسلام للأوروبيين تصويرًا مشوّهًا قبيحًا، وحمل الجاهلين منهم بحقائقه على اعتقاد أن الإسلام هو هذه المظاهر السخيفة التي يقوم بها الطرقيون. وقد كان يلقي إلى عهد قريب بمدينة تلمسان محاضرات (اثنينية) على لفيف من عوام المعمرين في هذا الموضوع. ثم وجد من ضباع الطرقيين مطية ذلولًا لبلوغ غايته تلك. فقد أوحى إليهم- بعد أن اشترى ضمائرهم "بزردة" وضمائر الطرقيين في بطونهم- أن يجتمعوا لميقات يوم معلوم في صعيد واحد على اختلاف نحلهم، ويمثلوا بغاية الدقة أمام آلة التصوير السينمائي كل ما في الطرق من مهازل ومخاز على أنها شعائر إسلامية- كما يقول
следующие страницы →