← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ذلك أنه ليس لصاحب هذه الورقات شيء فيها يستطيع أن يضع يده عليه ويقول: هذا لي، إلا جملة في مقدمة الكتاب نبز فيها المصلحين بالإنكار على الاولياء فلم يوفق فيها لأنها جاءت نبزة عامية تَنِمُّ عن تصور عامي بسيط في ذهن مستوخم ثقيل، وما عدا تلك الجملة الباردة التي تنبز صاحبها بالجهل قبل أن تنبز المصلحين بالإنكار على الأولياء، ما عدا ذلك، فبضع حكايات منقولة من البستان لابن مريم ومثلها من نفح الطيب، كأن صاحبها قصها بالمقص من الكتابين ووضعها بين أيدي عمال المطبعة لينقلوها بنصها، ويولّدوا منها كتابًا اسمه "السعادة الأبدية" كما يفعل أصحاب جريدة النجاح (مثلًا) بالأهرام والبلاغ وغيرهما ليولّدوا منها جريدة اسمها جريدة النجاح. فأين كتاب "السعادة الأبدية"، يا حضرة المدرّس، إذا قمنا بحق الوكالة العلمية ورددنا أمانة المقري للمقري وأمانة ابن مريم لابن مريم؟ أين كتاب "السعادة الأبدية" الذي لا نشك أنك أعلنت عنه قبل صدوره- وإن لم نتشرف بوصول الإعلان إلينا- ولا نشك أنك أذعت في قبيلك من المدرّسين وخلطائك من الأوروبيين ورؤسائك من المديرين (المتقاعدين) والواقفين، أنك مشغول بتأليف كتاب في مناقب الشيخ أبي مدين أو كراماته فتطلعوا، واستشرفوا، وترقّبوا، وانتظروا، فإذا بك لم تأتهم إلا بحكايات من كتابين هم أعرف بهما منك، فيا للخجل! أين أثرك الخاص في الكتاب؟ وأين نتاج ذهنك منه؟ وأين ميسمك فيه؟ وأين طابعك عليه؟ وأين (شخصيتك) كما يقول الأوروبيون الذين طالما تطاولتم علينا باقتفاء آثارهم في طرائق البحث؟ إن شيئًا واحدًا مما سألناك عنه لا يوجد في كتابك، فلتعلم الآن أننا لسنا ننقم عليك صغر حجم الكتاب، فرب كتاب "صغير الحجم كثير العلم"، ولسنا ننقم منك تلك النبزة التي نبزت بها المصلحين في شيء تجهل أصله وفرعه، فما أهونها عليهم، ولسنا ننقم عليك تخصيصك الكرامات بالذكر تأييدًا لتلك النبزة، وإنما ننقم منك ومن أمثالك هذه الشعوذة المزرية بشرف العلم وهذا التهافت المخجل على الكتابة في مباحثه. إنكم لا تزالون من انتسابكم للعلم وانتحالكم للتدريس تحت حماية "الديبلوم" في غفلة من الدهر وفي أوسع عافية منه، حتى إذا تقحمتم هذا التقحم وتهجمتم هذا التهجم على الكتابة والتأليف انتقم منكم العلم ففضحكم بأيديكم على رؤوس الاشهاد. ألا أدلك، لوجه الله، على شيء لو فعلته كنت تحسن لنفسك فترفع ذكرها، وتحسن إلى العلم بزيادة شيء نافع فيه، وتحسن إلى القرّاء بإفادتهم شيئًا يقولون عنه هذا فكر المدرّس لا نقله، وتحسن إلى العالم الفكري الذي تعيش فيه وهو عالم لا يعرف (قال) إلا

стр. 212

ناقدًا أو ممحّصًا وإنما يعرف (فكّرت) و (قلت)، وتحسن إلى الأمّة التي تنتسب إليها فتأتيها بشيء جديد، يوقظ فيها الذكرى الصالحة وينبّهها إلى القدوة الحسنة ويرفع رأسها فخرًا ويجلو عليها صفحة بيضاء من صحائف سلفها. أتدري ما هو هذا الشيء؟ هو هذا الذي وقعت عليه كما يقع الحيوان الأعجم [حاشاك] (٣) على الجواهر فيدوسها بأرجله، ولا يدري إلا أنها من جنس ما يداس إذ لم تكن من جنس ما يؤكل. ومع انطباق هذا التشبيه فإنني أدلّك فاسمع: إننا عرفنا حياة الشيخ أبي مدين حق المعرفة وعرفنا مكانته في علوم الشريعة، وعلمنا مبلغ تأثره بعصره وتأثيره في عصره، وعلمنا سيرته العملية تمام العلم، وقرأنا كلامه في المعارف الإلهية والمنازع الصوفية ووزناها بميزان الشريعة فميّزنا ما يقبل مما يرد، ونحن نعظّمه تعظيمًا شرعيًا راسخًا برسوخ أسبابه لا تعظيمًا تقليديًا زائفًا. فعلمنا من كل ذلك أن في تاريخ حياته جوانب عامرة، وأن على بعض كلامه إشراق الحكمة وروحانية الحكماء. فلماذا لم تعمد، يا حضرة المدرّس!، إلى البحث في عصره، وروح عصره وتأثيره في عصره، فترضي علماء الأوروبيين الذين تروقهم أمثال هذه المباحث؟ أو إلى جانب من تلك الجوانب العامرة من سيرته فتجلوها على قومك في معرض من الكلام ينبّه الغافل، ويعلم الجاهل، ويزّين لهم الاقتداء في الصالحات، وبهذا ترضي أمّتك الفقيرة إلى مثل هذا. إننا نبهناك إلى هذا مع علمنا أنك لا تملك وسائله، وما وسائله إلا الذهن النيّر والقريحة الصافية والنيّة الصالحة، قبل ذلك وبعده ... أما ما جئت به فإن أدنى عامي من سكان قرية "العُبّاد" التي فيها مدفن الشيخ يشاركك في معرفته ويزيد عليك بعشرات من مثله، وإذا ساواك العامي في هذه المادة أو فاقك فيها، فما معنى الديبلوم؟ إننا لا نزال نقول لك ولأمثالك من العوام إن الكرامات هي الجهة العقيمة في سير الصالحين، ونوضح لكم ذلك بأنها ليست من أعمالهم الكسبية التي يقتدى بهم فيها. أما الجهة العامرة المنتجة من سير الصالحين فهي أعمالهم الصالحة، وأخلاقهم الحميدة، التي يقتدي بهم الناس فيها ويكونون فيها للناس أسوة حسنة. فلماذا تتركون هذه الأعمال التي لا يكون الصالح صالحًا إلا بها، والتي ينتفع بها كل من يقتدي بهم فيها،

стр. 213

وتهربون إلى الكرامات التي ليست بشرط في الصلاح الشرعي، وليست مما يمكن الاقتداء فيه؟ ومعنى هذا- إن كنت لا تفهم- أن الصالح لا يكون صالحًا إلا بالأعمال الصالحة المشروعة ولو بغير كرامة، ولكنه لا يكون صالحًا بدون عمل ولو جرت على يديه جميع خوارق الدنيا. ومعناه أيضا- زيادة في التفهيم حتى يفهم البهيم (٤) - أنك تستطيع الاقتداء بالشيخ أبي مدين- ﵁ في صدق لهجته وفي وقوفه عند حدود الله، وفي برّه بالمساكين، وفي تواضعه ووفائه، وفي حسن عبادته لله، وفي معرفته بقدر نفسه أيضا ... ولكنك لا تستطيع أن تقتدي به فيما يحكى عنه من الكرامات والخوارق- ولو صحّ وقوعها منه- لأنها ليست من عمله الشرعي الذي كُلّف به، وليست من تقوى الله التي يتفاضل بها الصالحون، وليست مناطا شرعيًا للتعظيم. وهل إذا خضع الأسد للشيخ فلان مثلًا أستطيع أنا الاقتداء به في ذلك، أو يحسن بي أن أقتدي به في ذلك لو استطعته؟ وهل يكون خضوع الأسد للشيخ فلان هو الدليل على صلاحه وولايته واستحقاقه للتعظيم مني؟ وإن كان هذا هو دليل الولاية، فما أكثر أمثال الشيخ فلان في "سيرك عمار" ... فاعلموا يا هؤلاء، أننا لا ننكر الكرامات، بمعنى أننا نقول إنها لا تقع، ولم تقع، ولن تقع، لا فنحن أعقل من أن نقول هذا. وإنما ننكر افتتانكم بها، وغلوّكم فيها إلى هذا الحد الذي شغلكم عن الاقتداء بالصالحين في الصالحات. وننكر على من غشّكم بها فألهاكم بما لا ينفع عما ينفع. وننكر على الجاهلين الذين لا يفرّقون بين ما يمكن وقوعه وما لا يمكن وقوعه، فلو فهمتم (لنا) أن سنن الله الثابتة لا تخرق [لخاطر] فلان وفلان، وإنما تخرق العوائد، وان العوائد متغيرة، وإن المعتاد قد يصير غير معتاد، وإن غير المعتاد قد يرجع معتادًا. لو فهمتم معنى هذا وفهمتم معنى إكرام الله لعباده لأنكرتموها استهانة بها في جنب ما كرم الله به عباده الصالحين من التوفيق للصالحات.

стр. 214

- ٢ - * نرجع إلى المدرّس (١): إن هذا المدرّس لم يزد على أن فضح نفسه وأساء إلى العلم وسخر من قراء كتابه. أما فضيحته لنفسه فلا شأن لنا بها. والنفس نفسه وقد أنزلها المنزلة اللائقة بها. وأما إساءته إلى العلم فهي التي أنطقتنا. وقد فحصنا الكتاب كما يفحص الطبيب المريض المشرف على الموت، فإذا سكن النبض قال: قد مات. ونحن نقول إن هذا الكتاب ولد سقطا فلم يعمر به فراغ في الخزائن ولا فراغ في النفوس. وأما سخريته من القرّاء فإنهم لا يفهمون من الكتاب إلا أنه علم، والعلم كالسلع رخيص وغال، فإذا لم يجدوا لا هذا ولا ذاك فماذا عسى أن يقولوا؟ إنهم يقولون إن المؤلف أراد أن يتقرب إلى قلوب طائفة مخصوصة ليروّج كتابه بينها بحكم "الماركة " (٢) والاسم، لا بحكم الحقيقة والعلم ... ودليل ذلك أنه بدأ بنبز المصلحين ليدخل من هذا الباب إلى نفوس تلك الطائفة، ثم اقتصر من البحر على قطرة فقال: ومن كراماته، ومن كرامته، لأن هذه هي الجهة الحساسة في الموضوع. وهي كذلك الجهة الرائجة في هذه الأيام (جذبًا ودفعًا) ليكون النبز والكرامات- وهي كل ما في الكتاب- أدعى لرواج الكتاب ... ولو استشارنا حضرة المؤلف وباح لنا بذات صدره، لقلنا له: لا تطمع في رواج الكتاب بين هذه الطائفة إلا إذا كنت عازمًا على إهداء نسخه كلها. لأن هؤلاء القوم تعوّدوا (هات) ولم يتعوّدوا (هاك)، ولكل امرئ ما تعوّد.

стр. 215

وقد علمنا من تحرياتنا المستعجلة حين كتابة هذا [التقريظ]، ان أحق الناس بالترويج لهذا الكتاب وتقديم الإعانة المادية له- وهو مقدّم ضريح الشيخ (٣) وسادن قبره- رجل عفريت لا يستنزل عن فلوس النذور بمثل هذه الرقية، ولا يتنازل من كبشه، حتى عن أكارعه وكرشه ... وما حاجته إلى هذا الكتاب؟ ومعظم زوّار الضريح ريفيون، وهم من فضل الله على المقدم أميون، وغير الريفيين قد تأثروا بتعاليم ذلك (الأعرج) (٤) فلا مطمع في إرجاعهم إلى النية (٥) والزيارة بهذا الكتاب، ولا بمآت من مثل هذا الكتاب. وزيادة على ذلك فإن لهذا المقدم وزملائه منزعًا آخر في بغض الكتب على الإطلاق وتبغيضها للناس كيفما كانت ولو من ماركة السعادة ... ، وهو اعتقادهم أنها تذكّر بالقراءة. والناس- في نظرهم- نيام، فإذا قرأوا استيقظوا. أرأيت، أيها القارئ، كيف لعبت التصاريف بأخينا المؤلف حتى أوقفته تحت المثل (لَا مَاءَكِ أَبْقَيْتِ وَلَا حِرَكِ أَنْقَيْتِ)؟! على ان قصد المؤلف للتقرب من هذه الطائفة ليس هو كل ما في الباب. بل علمنا من تحرياتنا وإمعاننا في البحث وتشممنا للروائح وتفرّسنا في [البصمات]، ما هو أهم من هذا وأحق بالاعتبار. وهو بيت القصيد من هذا المقال الطويل. فقد علمنا- والعلم عند الله- أن للمؤلف صلة طبيعية بمدير متقاعد لمدرسة تلمسان. وقال قائل بعد أن قرأ الكتاب: "إني لأجد ريح فلان لولا أن تفنّدون". قلنا: ومن فلان؟ قال: "هو رجل له دعوى في الاستشراق، وتطفل على موائد المستشرقين، وله اشتغال بالمباحث الإسلامية، وبالأخص الدين والعادات. وهو يتناول هذه المباحث بعقل مريض، ونفس مملوءة حقدًا على الإسلام، وغايته من كل أعماله تصوير الإسلام للأوروبيين تصويرًا مشوّهًا قبيحًا، وحمل الجاهلين منهم بحقائقه على اعتقاد أن الإسلام هو هذه المظاهر السخيفة التي يقوم بها الطرقيون. وقد كان يلقي إلى عهد قريب بمدينة تلمسان محاضرات (اثنينية) على لفيف من عوام المعمرين في هذا الموضوع. ثم وجد من ضباع الطرقيين مطية ذلولًا لبلوغ غايته تلك. فقد أوحى إليهم- بعد أن اشترى ضمائرهم "بزردة" وضمائر الطرقيين في بطونهم- أن يجتمعوا لميقات يوم معلوم في صعيد واحد على اختلاف نحلهم، ويمثلوا بغاية الدقة أمام آلة التصوير السينمائي كل ما في الطرق من مهازل ومخاز على أنها شعائر إسلامية- كما يقول

стр. 216

الحافظي- ففعلوا، ولاعبت السفافيد البطون، ولعبت الأشداق بقطع الزجاج وأوراق [الهندي] (٦) الشائكة، وخرجت الحيات والأفاعى من اسفاطها لتزين هذا المشهد [الإسلامي]،. ولا تنس- فإن القوم لم ينسوا- الأعلام المرفرفة والبنادير المهفهفة، والشارات المختلفة، والكر والايجاف، والرقص والارتجاف، كل ذلك، والآلة المصورة لا تغادر كبيرة ولا صغيرة إلا سجلتها. وخرج من كل ذلك [فيلم سينمائي] محبوك ليعرض على العالم المتمدن مكتوبًا عليه [هذا هو الإسلام]. ولم ينقص من كماله إلا أن السينما لم تكن ناطقة إذ ذاك، ولولا ذلك لسجلت الأذكار، والآهات، والشخرات، والنخرات، ولتشرفت عواصم الحضارة بسماع [والشبليكو يا الهي!] (٧). ونحن لا نقول في هذا الفيلم إلا أنه فضيحة مسجلة، ولا نلوم هذا المدير المستشرق على عمله هذا لأنه عمله الذي خلق له ووقف نفسه عليه. وإنما نعدّ هذا العمل من أوزار الطرقية الآثمة، ومصائبها على الإسلام. وما هذا بأوّل أوزارها ولا بأوّل مصائبها. ولو لم يكن هؤلاء الطرقيون محسوبين علينا، ولم يكن إفكهم محسوبًا عند أمثال هذا المدير على ديننا، لما زاد اهتمامنا بهم على اهتمامنا بمستشرق جاهل نرد خطأه في العلم، ولا نقوم زيغه في العقيدة. ولكن القوم محسوبون علينا كرهًا بطبولهم، ومزاميرهم، وزجاجهم، ومساميرهم، وسبحهم، وأعلامهم، وأنصابهم، وأزلامهم. وهيهات أن نسكت عنهم حتى نصفي معهم الحساب، ونميز القشر من اللباب. علمنا كل هذا وعلمنا معه أن هذا المدير المتقاعد المستشرق لا يزال مغيظًا محنقًا على الإصلاح، ولا يزال يعظ الطرقيين بتلمسان ويذكرهم (خالصًا مخلصًا) بلزوم التمسّك بالعوائد الإسلامية، وبلزوم المحافظة على (البردة) وملحقاتها في الجنائز، كل ذلك لمحبّته في الإسلام والمسلمين ولمحافظته على الآثار ... فلم نَرْتَبْ في أن للرجل أثرًا في كتاب السعادة الأبدية، وأن (هذا الفسيل من تلك النخلة) وأن (هذا الفصيل من ذلك الذود)، وابتهجنا باكتشاف عنصر جديد من عناصر البحث، وعامل خفي من عوامل المقاومة للحركة الإصلاحية سنشتغل به ونشغله عن نفسه. وأيضًا أن المسألة ليست مسألة كتاب ومؤلف. ولكنها فكرة تقوم بكل

стр. 217

كتاب، وبكل مؤلف، وتقوم بكل عمل، فتعجلنا هذه الكلمة ننقد فيها كاتبًا وكتابًا، ونحن في الحقيقة إنما ننقد فكرة خاطئة. ولا نخرج من هذه الكلمة حتى نعد القرّاء بكلمة أخرى فيها قيمة هذا المدير العلمية ببيان أخطائه فيما ترجم ونشر، وشعوذته في سوق الاستشراق، أما آراؤه في الجهة التي تخصّص لها فسيكون لنا معه فيها شأن. ***

стр. 218

أشيخ الإسلام هو أم شيخ المسلمين ؟؟ * لسنا ممن يكبر (شيخ الإسلام) للقبه، ولا ممن يعرفه بمركزه ومنصبه، ولا ممن يزنه بِدَثْرِه ونشبه، ولا ممن يستهوي بديوانه وكتبه، وإنما نكبره لعلمه، ونكبره من نواحي هذا العلم بآثاره في العلم إن كانت، وبأعماله للعلم إن وجدت. ولكن ما الحيلة؟ وقد طلعت علينا فتواه الأخيرة تحمل هذه الطغرى: فلان شيخ الإسلام لا فلان العالم. فشغلتنا بالنظر في هذه الطغرى عن النظر في كون الفتوى علمًا أو ليست بعلم، وألهتنا بما ننكر عما نعرف. فلنبدأ بالنظر الأول ثم لنعد إلى النظر الثاني. ثم لا يكون اشتغالنا بالنظر الأول عبثًا. فإن هذه الفتوى بمكان هذه الطغرى منها، تقول للناس: إن قوّتي من قوة هذه الطغرى، وشهرتي من شهرتها، وإن موقع هذه الطغرى مني موقع شارة الجندي من الجندي، وسر هذه الشارة في الجندي كما تعلمون هو سر السبعية في السبع يرهب بالمنظر أضعاف ما يرهب بالمخبر. وقد شاع في محافل (الطرقية) بالجزائر وفي محافل (المروقية) (١) بتونس أن لسان حالها يقول: إنني فتوى شيخ الإسلام وكفى. فوجب أن نقول لها: لا يا هذه، إنك لم تهتكي الخدر على نيام، ولم تطرقي الحمى عن سواد مغفل، وإنك طفت منا بعقول لا تدين بهذه الألقاب، وإن تشرفت بالإضافة، ونفوس لا تنقاد إلا للدليل وإن كان صاحبه غفلًا من (اللقب) عاطلًا من الرتب، فلا يضيرك عندنا أن لو جئت من عند شيخ ... وبيدك الدليل، ولا ينفعك ان جئت من شيخ الإسلام بصريح التناقض وسخيف التأوبل، فانزعي هذا البرقع وهلم نحتكم على سفور وإن كنا لا نقول به في الغانيات.

стр. 219

أما اننا لا نكبر هذا اللقب فلأننا لم نكبره يوم كانت تعطيه المؤهلات الحقيقية، ولمنحه الرأي العام العلمي. فيقال شيخ الإسلام "ابن القيم" وشيخ الإسلام "ابن حجر" مثلًا فما أغنى هذا اللقب عندنا عن الأول معشار ما أغنى عنه (إعلام الموقعين) وغيره من كتبه، ولا أغنى عن الثاني معشار ما أغنى عنه "فتح الباري" وغيره من آثاره، فكيف نكبره الآن وحاله هي حاله؟ وإن هذا اللقب في أمثال "ابن القيم" ليؤدّي معنى الائتمان على حقائق الإسلام أن تقلب، وعلى عصابة نصره أن تغلب، ومعنى الاحتفاظ على أوضاعه أن تغير، وعلى دلائله الصريحة أن تزور، فيقال في السنّة إنها بدعة، وفي البدعة إنها سنّة، ويقال في دين الله: إن عمل الناس اليوم جرى ... فشيخ الإسلام من هؤلاء هو ناشر حقائق الإسلام في المسلمين إرضاء لله لا ناشر أهواء المسلمين في الإسلام إرضاء لهم ... وسبحان من رفع قدر الإسلام على الأديان حتى في المواضعات العرفية التي تقال على التوسع والتساهل لا على الدقة والتحديد. أتدرون ما معنى هذا؟ معناه أن الناس يقولون في إطلاقاتهم العرفية "حاخام اليهود" ولا يقولون حاخام اليهودية، ويقولون "بطريرك النصارى" ولا يقولون بطريرك النصرانية. فإذا جاءوا إلى الإسلام قالوا: "شيخ الإسلام" ولم يقولوا شيخ المسلمين، مع أنهم قالوا قديمًا أمير المؤمنين. إنني أؤمن بأن هذه الأوضاع اللفظية لم ترسل على ألسنة الناس عبثًا، وبأنها اندفعت من أفواههم بسائق وجداني من نفوسهم يؤيّده الواقع، وبشعور متمكّن فيها بأن كلًا من "الحاخام" والبطريرك يسوس أمّة بدين يكيفه على أهوائها ويؤثر رضاها على رضاه، وبأن شيخ الإسلام يسوس أمة بدين ثابت الأساس يحكمه في طباعها لتأتلف، ولا يحكمها في أوضاعه لئلا تختلف، ويروضها على أحكامه وأخلاقه وآدابه لتتأثر به، ولا يروضه على أهوائها لئلا توثّر فيه، وغايته إيثار رضى الدين الحق على رضاها، وبذلك تتم غاية الإسلام في المسلمين، ويتحقق كمال المسلمين بالإسلام، ولهذا أضيف كل واحد من الثلاثة إلى الجهة التي يجب عليه إرضاؤها، وكأن في تلقيب كل واحد بلقبه الخاص به اشعارًا له بالجهة التي يفرض عليه اللقب اعتبارها. وفي ظني أنه لو لم يكن المؤمنون في عهد عمر- ﵁ مظهرًا للإيمان الحقيقي، ولم تكن أقوالهم وأفعالهم تمثيلًا صحيحًا لحقائقه حتى كأنهما شيء واحد، لما قالوا "أمير المؤمنين" ولما قال لهم عمر: "أنتم المؤمنون وأنا أميركم"، وهل كان المؤمنون في زمن عمر كمؤمني اليوم؟ وإذا استقام هذا فما قولكم- يرحمكم الله- في شيخ الإسلام صاحب الفتوى في قراءة القرآن؟ قولوا ما شئتم، فإنني لا أدعوه بعد اليوم إلا شيخ المسلمين في غير ظلم ولا تحيّز،

стр. 220

بل أعتقد أنني- إذ أسمّيه بهذا- إنما أسمّيه بأحب الأسماء إليه لأنه آثر رضاهم على رضى الحق، وإرضاءهم على إرضاء الدين. ثم لا تسألوني عمن أعني بهؤلاء المسلمين، فهم، بالضرورة غير من أغرى بهم قوة الحاكمين. وما ظنكم؟ لو أن التاريخ الإسلامي العامر يؤلف من عظمائه هيئة (امتحان) ويكون من أصولها أن تعطي على درجات الامتحان ألقابًا معرفة لا غالية ولا مجحفة، ثم يتقدم إليها "ابن القيم" بكتاب "زاد المعاد" على أنه "أطروحته" العلمية، ألا يكون الإنصاف أن يعطى لقب شيخ الإسلام؟ ويتقدم إليها الشيخ الطاهر بن عاشور بفتواه هذه على أنها "تازه" (٢) العلمي (وعفوًا فإن لكل زمان تعبيرًا) ألا يكون من العدل أن يعطى لقب شيخ المسلمين؟ هذه هي حجتي فيما اعتزمت عليه، فإن غضب الشيخ، فأمري وأمر الإسلام إلى الله. والآن- وقد فرغنا من جهة اللقب وبينا قيمته عندنا وأسباب هوانه علينا وأنصفنا الحق- نتكلم على الجهة العلمية فنصف الشيخ كما هو وننصفه، ثم نتكلم عن الجهة العملية. (وله الله علينا اننا ننصفه). ولعل الشيخ إذا تنزل وقرأ كلامنا وسلّم أننا أنصفناه في واحدة، يتحقق أننا أنصفناه في الجميع. ولعله بعد ذلك ينصفنا من نفسه كما أنصفناه من نفوسنا. كنتُ من عشرين عامًا مضت- وأنا بدمشق الشام- أسمع ذكر الأستاذ "الطاهر بن عاشور" من إخواننا الذين رافقوه في مراحل التحصيل بجامع الزيتونة، فكانوا يتفقون على عدّه في مقدمة الأذكياء من طبقتهم. ثمّ يتفقون على عدّه بعد التخرّج في طليعة المتخرّجين على الطريقة الاستدلالية في العلم، مع اعترافهم بأن هذه الطريقة ليست نتيجة للتعليم الزيتوني وحده، ثم يرتقي به بعضهم فيعده في زمرة العلماء المستقلين في العالم الإسلامي، والمستقل في مذهبنا الكتابي اليوم هو الذي يحكم الدليل. وغلا بعضهم- في مجلس لا أزال أذكره- فعقد تنظيرًا بينه وبين رجل من أئمة العلم والإصلاح ولا أزال أخجل كلما ذكرت ذلك التنظير. وكانوا يعدون بجنبه أذكياء آخرين قطعتهم العوائق عن إتمام التحصيل، أو عاقتهم الوظائف عن إظهار المواهب. فكنا نتأسف جميعًا لفعل العوائق بالأذكياء ولحرمان الأمّة من ثمرات ذكائهم، ولم نكن ندري إذ ذاك أننا سنتأسف على ذكاء الشيخ الذي لم تعقه العوائق عن التحصيل بل ساعدته الأيام على العلم. وانفسحت أمامه سبله، وأمدّته خزانة جده العالم، وخزانة جده الوزير بأسباب البحث والتوسع وأمدّه نشبهما بوسائل الانقطاع للعلم والتفرغ له. كنت أسمع هذا كله عن الأستاذ فلا أصدّق ولا أكذّب، جريًا على طبعي في عدم الحكم على الأشياء قبل استبانة آثارها، ولم أكن قرأت له إلا تقريظًا، وتأبينًا لا يدلان على

стр. 221

طائل. ثم وردت من المشرق على تونس، وعرض لي من أول يوم ما زهدني في الشيخ، فقد حملني بعض أصدقائه من المشرق أمانة كلامية أبلغته إياها بواسطة لمكان العجلة. وفهمت من جوابه ما دلّني على مقدار الوفاء في الرجل ... وعلى شيء آخر لا أسمّيه. ثم عرفت الشيخ بخلصائه وخواص تلامذته أكثر مما عرفته بشخصه، ومن هؤلاء من أعتقد سداده وأحترم رأيه ولا أتهم ذوقه في تحديد القيم العلمية، فعرفت منهم ومن القليل الذي قرأته للشيخ من الآثار، أنه على جانب من استقلال الفكر، وحيوية التفكير وأنه واسع الاطلاع، ممتع المذاكرة، يقظ البديهة، ملمّ بأحوال زمانه، يرجع منه جليسه إلى ذهن كيس، وطبع مرتاض على الآداب المدوّنة، ويرجع منه مذاكره في أحوال المسلمين إلى ذاكرة واعية لشؤونهم وشعور بآلامهم وآمالهم وعلم دقيق بأمراضهم الاجتماعية والدينية. وهل أنبئكم بمقياس آخر غريب من مقاييسي الخاصة في وزن الرجل؟ كنت قرأت- وأنا بالمدينة المنوّرة- تفسير المرزوقي لديوان الحماسة، وهو تفسير أي تفسير! ولما دخلت الشام بحثت عن نسخة منه فلم أظفر بها، فذكرته في مجالس الأدباء، ونوّهت بمكانته وشوّقتهم إليه وتعاهدنا على أن ننسخه إذا ظفرنا به، ونروّجه حتى يقيّض الله له من يطبعه. ولما قدمت إلى تونس مصرًّا على ذلك العهد، سألت عن الكتاب فقيل لي إنه موجود، لإنه مستعار عند "الشيخ الطاهر بن عاشور"، وإنه يكاد يحتكره احتكارًا. فكان هذا الخبر (بمجرده) مزيدًا في قيمة الرجل الأدبية عندي لأن حسن اختيار الكتب أول عوامل الإصلاح في نفس العالم. هذه معرفتي بالرجل من جهته العلمية، ولولا هذه المعرفة لما أبهت لفتواه الأخيرة في قراءة القرآن على الأموات، ولعددتها كما هي في الواقع من ذلك النوع الرخيص الذي لا صلة فيه بين المسألة ودليلها. وقد امتلأت المجلّدات بالألوف من هذا النوع فماذا عسى أن تقلد فيه واحدة؟ أما جهة الرجل العملية، فإنني أصرّح على رؤوس الأشهاد، والأسى يحزّ الفؤاد، ان أمل الأمّة خاب فيه من أول خطوة خطاها في حياته العملية، فالرجل بموجب قيمته العلمية لم يخلق لنفسه، بل نقول إنه لم يخلق للأمّة التونسية وحدها وإنما هو للأمّة الإسلامية كلها، وإن الأمّة الإسلامية لا تتشابك- على كثرة المفرّقات- إلا بهؤلاء العلماء الذين يجتمعون على استقلال الفكر واتحاد الوجهة. ولا تتلاقى في الدين- على كثرة القواطع- إلا على هذه المعاني السامية في نفوس هؤلاء العلماء، وهي معان تستمد قوّتها من (قال الله وقال رسوله).

стр. 222

وإننا لا نجد لصاحبنا أثرًا يُذكر في هذا الميدان ولا صالحًا من الأعمال حصل على يده للأمة التونسية أو للأمّة الإسلامية. فقد ولي صاحبنا القضاء، أو قضاء الجماعة على اصطلاحنا. وهذا المنصب بتونس في حقيقة أمره شعبة من شعب الملك، بل معنى من معاني التمكين و (حرز) من خواصه المنع والتحصين، واكسير يحيل الخروج عن الحد إلى نتائج الضد، فلا تسمّى السيئة معه باسمها، ولا يترتب عليها ما يترتب على السيّئات من عذل أو عزل، بل تعدّ من أسباب الترقية، وقد دام هذا إلى وقت قريب. فهذا المنصب طريق واسعة إلى الإصلاح وميدان فسيح للأعمال، ووسيلة يفترصها الرجال العاملون لإظهار مواهبهم، ولا ينقص صاحبها إلا أن يكون عالمًا، وصاحبنا الشيخ عالم كما وصفناه، وأنصفناه، وأول ما يحتاج إلى الإصلاح- حين ولي هذا المنصب- القضاء الشرعي نفسه في نظمه وتراتيبه وتوضيح مناهج التداعي، وحسم أسباب الشر في المنازعات الوراثية المتسلسلة، وتربية العائلة القضائية من أعوان وشهود ووكلاء ومقاديم على العفة والنزاهة. والقضاء هو المظهر الأول للعزة، فلم يجر صاحبنا في الإصلاح قدمًا، ولم يجرّر فيه قلمًا وضاعت الفرصة على محبي الإصلاح والعاملين للإصلاح. ثم (ارتقى) إلى الإفتاء، وهو وسيلة لا تقلّ عن سابقتها شأنًا وقوة لو استُخدمت في الإصلاح لأتت بنتائج ذات خطر، ثم إلى رئاسة الإفتاء المالكي فيما أظن، (وهنا خانتني الذاكرة)، ثم تمخضت الأحداث الطافرة عن تبدّل في الأوضاع وتفنن لا خطر له في عالم الاختراع، فأصبح صاحبنا شيخًا للجامع المعمور وشيخ إسلام. وتهيأت له بهذه الوظائف التي لا وراءها كل أسباب العمل، وأصبح يظاهر بين درعين من الثقة به والرضى عنه، ويستند إلى ركنين من المشيختين. فماذا فعل؟ وماذا أجدت مشيخته للجامع على الجامع؟ وكنا ننتظر للجامع في أيامه إصلاحًا واسع النطاق، وسعدًا مشرق الآفاق، فلم تكن إلا تلك النكبة المشؤومة على الجامع وعلى المسلمين والتي مهّدت السبيل للداء الوبيل؟ وهذه جهته العملية جلوناها على القرّاء باختصار، وإذا محّصنا هذه الجهة التي هي مناط الإكبار للرجل فلم نجد فيها كبيرًا لم يبق لفتياه من شأن إلا أنها فتوى رجل فقيه ... ينقدها من يشاء نقدها ولو كانت ملفوفة في (شال) ويتركها من يشاء تركها، فما ثقل بها ميزان ولا شال. أما أنا فإنني أحتفظ بحقي في المسألة. وبعد، فهل يظن الشيخ أننا لا نعرف من أحوال تونس إلا كما يعرف هو من أحوال الجزائر مثلًا؟ أو أننا لا نعنى بها وبغيرها من بلدان الإسلام إلا بشبه من عنايته؟ أو يتوهم أن

стр. 223

مكانة تونس في نفوسنا ومكانة جامعها المعمور كمكانة شاطئ خير الدين من نفسه؟ أو يعد كلامنا إذا تكلمنا عن تونس فضولًا ولغوًا. ليعلم الشيخ أننا- والحمد لله- نعرف عن بلدان الإسلام ما يعرفه هو عن المرسى والديوان، وأن الدار ليست داره وحده، وأن أخوّة الإسلام توجب علينا أن نمد أعيننا إلى ما وراء الرسميات والجغرافيات، فنحاسب أمثاله إن وجب الحساب، ونعاتبهم إذا لزم العتاب، وإننا نفهم من "جامع الزيتونة" و "الأزهر" وغيرهما أنها أوطان جامعة للمسلمين تذوب فيها الاعتبارات الفارقة، وتموت بين جدرانها النزعات المارقة، فما ثم إلا الإسلام ولسانه. وإننا نحمل لهذه (الأوطان الجامعة) من الاحترام والتقدير ما لا نحمله لديارنا ومتَبَوَّإِ صغارنا، ونتمنى لها أن تتقدم فتخرج الودائع الكمينة، وتحقق المعاني الدفينة. وإن حال هذا الكاتب بالخصوص مع جامع الزيتونة كالحال التي يقول فيها شوقي للأزهر: مَا ضَرَّنِي أَنْ لَيْسَ أُفُقُكَ مَطْلَعِي ... وَعَلَى كَوَاكِبِهِ تَعَلَّمْتُ السُّرَى فأنا لم أتخرج في جامع الزيتونة، ولم أقرأ فيه حرفًا، ولكني تخرّجت، بالمدينة المنوّرة، على أضوإ كواكب الزيتونة في وقته ولا أحابي؛ الشيخ "محمد العزيز الوزير التونسي"﵀ فكانت لي بسببه صلة بالزيتونة مرعية المتات، آمنة الانبتات (وإلى اللقاء يا جناب الشيخ).

стр. 224

بين عالم وشاعر* دارت مكاتبة خاصة بين الأستاذ الإبراهيمي وشاعر الشباب وكانت في أمر يتصل بسير الحياة العام. كانت في بؤس طائف طافه بالشاعر، فحاول العالم تعويذه بآيات الأمل وتمائم الرجاء، فلما اجتمعنا بالصديقين انتزعنا منهما ما دار بينهما، ورأينا من حقوق قراء "الشهاب" الاطلاع عليه، لا سيّما وقد كان مثير هذا الحوار قصيدة (١) نُشرت في مجلتهم. ... ---------- كتاب العالم ---------- الحمد لله وحده تلمسان يوم ٣ صفر ١٣٥٥ إلى ولدي الروحي الأستاذ محمد العيد ولدي: طالما قرأت في وجهك الشاحب آيات الحزن، وتلمحت في قسماتك دلائل الهم والأسى، وكم حَرَّكْتُك بمعاريض من القول علني أستبين شيئاً من حقيقة هذا الهم الدفين

стр. 225

الذي تنطوي عليه أحناؤك وهذا الأسى المبرح الذي أعلم أنك تقاسيه. فكنت كمن يستجلي المعنى الدقيق من اللفظ المعقّد، وإن بين التعقيد ونفوس الشعراء "الأتقياء" نسباً وثيقاً. ويا لله للنفوس الشاعرة التقية وما تلاقيه من عناء ممض يتقاضاها الشعر إطلاقاً، فيتقاضاها التقى تقييداً ... لها الله فماذا تفعل! أتظن أننا جاهلون بهذه المنازع العجيبة التي تنزعها في شعرك وبمناشئها من نفسك، فاحمد الله على أن في قومك من يعرفها ويتذوقها ويطرب لها ... ما لهذه النفس الكبيرة في هذا الهيكل الصغير يهفو بها الشعر في مضطربه الواسع فلا يبلغ مداه حتى يقول: خلا القلب من حب العباد وبغضهم ... وأصبح بيتاً للذي حرم البيتا ويقول: وتبت يا رب تبت ويقول اليوم: ولولا رجاء الذي ... إليه أنا زالف إنها، وأبيك، لنزوة الشعر تعتلج في الفؤاد بنزعة التقى. طالما سمعت منك كلمة "اليأس"، وبودّي أن لا أسمعها منك مرة أخرى لأنني أعدها غميزة في شاعريتك. ولولا شذوذ نعرفه في نفوس الشعراء كأنه من معاني كمالهم لما صدّقنا باجتماع اليأس والشعر، وكيف ييأس الشاعر وهو ملك مملكة الآمال وسلطان جو الخيال. فإن كان تقياً رجع من "رجاء الله" إلى ما لا يحدّ له أمد. فكيف تيأس نفس الشاعر لولا ذلك الشذوذ؟ لقد قال أولكم: حرك مناك إذا اغتـ ... ـمت فإنهن مراوح وما قالها لغيره إلا بعد أن جرّبها في نفسه ... فلا تيأس يابني ولا تكذب إمامك الذي يقول: خلق الشاعر سمحاً طرباً. قرأت زفراتك هذه الساعة في الشهاب وأنا طريح الفراش، أعالج زكاماً مستعصياً ونزلة شعبية، وسعالاً مزمناً وأولاداً يطلبون القوت أربع مرات في اليوم وتلاميذ يطلبون الدرس سبع مرات في اليوم والليلة فقلت: وهذه أخرى. إن ولدنا هذا لذو حق. وكتبت لك هذه الكلمات كما يكتب الأب الشفيق إلى ولده الرفيق. وعسى أن يكون فيها ترويح لخاطرك. محمد البشير الإبراهيمي

стр. 226

جواب الشاعر (٢) أبي ((البشير)) سلام ... زاكٍ وشوق كبير لا زلت فينا منارًا ... بضوئه نستنير وافى كتابُك يهدي ... إليَّ المنى ويشير تذكو العبارة فيه ... ما ليس يذكو العبير إذا فؤاديَ سال ... به وطَرْفي قرير قَدِ ارتددت بصيرًا ... فكيف يغوى البصير؟ قميص يوسف ألقى ... به عليَّ (البشير)! يا آسي اليأس زدني ... كشفاً فأنت خبير اليأس داء عسيف ... والبرء منه عسير فرجت عن مستطار ... بلاؤه مستطير وكدت تجلو ضميري ... لو كان يجلى الضمير! فليس يجزيك عني ... إلّا الإله القدير غفرانه لم يشقى ... في الخلق جم غفير!؟ شقّ المرائر إربًا ... هذا الشقاء المرير! كم للمعافين جار ... من بوسه يستجير يرى كجذلان حر ... وهو الأسيف الأسير يا لاهج الذكر باسمي ... والجاحدون كثير! لا باد فينا لك اسم ... ولا انقضى لك خير عفوًا فإن يراعي ... عيٌّ وباعي قصير عفوًا فما لي جناح ... به إليك أطير لا قَفْوَ إثرَ سَريٍّ ... فوق الثريا ... يسير نفحتني بخطاب ... كالزهر وهو نضير فهل تعير بيانًا ... لرده هل تعير؟؟ يعيا الفرزدق عما ... تقوله وجرير يا واصف الخير زدني ... من وصف ما تستخير يدق بين ضلوعي ... قلب كسيف كسير أخشى عليه انتكاسًا ... والانتكاس خطير صِفْ وصفةً ليَ أخرى ... فيها الشِّفاء الأخير محمد العيد آل خليفة

стр. 227

" لا يبني مستقبل الامّة إلا الأمّة "* - ١ - أي أبنائي! إني أنا الأم الولود المنجبة ... للطرف الغرّ الحسان المعجبة ...... فلم غدت محاسني محجبة؟ ...... ولدت الغرّ الميامين، من آبائكم الأولين، فأوسعوني برًّا وتكرمة، وكافأوني وفاءً وإحسانًا. وفد عليّ الإسلام فكنت له حصنًا، ووفدت معه اللغة العربية فقلت لها حسنًا. ثم اتخذتهما مفخرتي دهري، ووضعتهما بين سحري ونحري، وأقسمت أن أتلقب بهما طول عمري. ألا لستم لي حتى ترعوا عهدي برعاية عهدهما، وتحقّقوا وعدي بالاستماتة في سبيلهما. أنا الأم، ومن حق الأم أن تسمّي ولدها، وقد سمّيتكم العرب المسلمين وأشهدت التاريخ فسجّل. فلستم مني إن عققتموني بتبديل الاسم أو تفريق المسمّى. إني قريرة العين بيومكم هذا إذ وسمتموه بوسمي، وسميتموه باسمي، وشرّفتموه بالإسلام، وزنتموه بالعروبة. "لسان حال الجزائر" هبّت الأمّة الإسلامية الجزائرية بجميع طبقاتها على تلك الدعوة الجامعة التي أذاعها "الأستاذ عبد الحميد بن باديس" رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والدكتور "ابن جلول" رئيس جمعية النواب بعمالة قسنطينة إلى عقد مؤتمر إسلامي جزائري عام، تُعرض فيه

стр. 228

مطالب الأمة وحقوقها، وتتبادل فيه الآراء بين علماء الأمة ونوابها وذوي الرأي منها فيما يتفق من هذه المطالب والحقوق مع الأوضاع الحكومية الحاضرة. هبّت الأمّة كلّها على صوت الداعي فأعلنت يقظتها وشعورها واستعدادها، وتضامنها واتحادها، وساعدها (اعتدال الزمان) على إظهار قواها الكامنة، وعلى انطلاق ألسنتها بالتعبير الواضح عن آلامها، فتجلّت جزائريتها وإسلامها للعيان في يوم مشهود هو يوم ١٧ ربيع الأول سنة ١٣٥٥هـ الموافق ليوم ٧ جوان ١٩٣٦، وفي مدينة تاريخية هي مدينة الجزائر، وفي صالة "الماجستيك" الفسيحة. لم يمض على الجزائر الإسلامية، في تاريخ ارتباطها السياسي بفرنسا، يوم أغرّ محجل، تمثّلت فيه الأمّة روحًا وجسمًا، وتلاشت فيه الفوارق الاعتبارية كهذا اليوم. ففيه التقى، عن فكرة وعقيدة، الجزائري بأخويه القسنطيني والوهراني، وفيه اجتمع- على تلك الفكرة- المصلحون والطرقيون وعلماء الدين ورجال السياسة، والشيوخ والشبان والتجار والفلاحون والعمال، جمعت الكل صفتا الإسلام والجزائرية، ووحّدتهم قسوة الأيام، وألّفت بينهم المحن والهموم، فاندفعت ألسنتهم تعبّر عن رغائب الدين بلغة الدين، وعن رغائب الدنيا بلغة السياسة. والنقطة التي يلتقي عندها الكل، هي الإسلام والجزائرية، لذلك كان ضروريًا أن يكون مدار البحث على الإسلام ولسانه، والمسلم وحقوقه في الحياة. ... انعقد المؤتمر برئاسة الزعيم السياسي الدكتور ابن جلول، نائب قسنطينة المالي (١) ومستشارها العمالي (٢) ورئيس جمعية نوابها، ومثّل فيه نواب العمالات الثلاث جميع منتخبيهم، ومثّلت فيه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، المعنى العالي الذي هو سمة المؤتمر، وهو الإسلام، فحق أن يقال: إن الأمة الجزائرية كلها حُشرت في هذا المؤتمر، وإن قدرت الجرائد الفرنسية من ضمتهم قاعة المؤتمر بخمسة أو ستة آلاف شخص وحزرناهم نحن بسبعة آلاف أو يزيدون. سبق يوم المؤتمر يوم تمهيدي بنادي الترقّي اجتمع فيه أنصار المؤتمر من شبّان العمالات الثلاث، قدموا في شكل جمعيات مفوّضة من طبقات الشباب الراقي العامل ليمثّلوا عنصر

стр. 229

التجديد في الأمّة، ولينصروا المؤتمر ويؤيّدوا النواب ويعينوهم بالقول والعمل، وشاركهم في هذا الاجتماع كثير من نواب العمالات الثلاث أيضًا. وكم كان جميلًا من أولئك الشبان ومن أولئك النواب أن يلوذوا بجمعية العلماء المسلمين، ويسترشدوا بها ويمزجوا رأيها برأيهم، ويظهروا مجتمعين على معنى الوفاء لها والإخلاص لمبادئها والاعتراف بفضلها على هذه الأمّة فيما أيقظت من مشاعر، ونبّهت من إحساسات وجمعت على المصلحة العامة من قلوب! وكانت الليلة التي أسفر صباحها عن المؤتمر، تمهيدية أيضًا، تقاربت فيها وجوه النظر المختلفة حتى اتفقت، وكانت ليلة بهيجة اجتمعت فيها عناصر القوة الثلاثة: العلماء والنواب والشبان، وتمثلت فيها العمالات الثلاث أكمل تمثيل. وخلاصة ما استقر عليه الرأي في هذه الليلة، أن المطالب الجزائرية تنقسم إلى قسمين: قسم لا يختلف فيه نظر ولا يتشعب فيه رأي، لأنه عبارة عن مظالم صريحة وأوضاع شاذة كانت تعامل بها الجزائر بصورة استثنائية، كحرية القول والفكر والكتابة والاجتماع والتنقل والتعليم العربي والمساجد وكرفع القوانين الاستثنائية الشاذة الخ. وقسم يحتاج إلى تأمل ودقة نظر، وهي الحقوق السياسية، وأشد مسائل هذا القسم تعقيدًا مسألة النيابة في البرلمان. وقد كانت تغمر المحافل الجزائرية أسماء برامج عتيقة في وضعها أو في معناها، ولكل برنامج أشياع وأنصار، وكان من رأي كاتب هذه الأسطر وجماعة من المفكرين، إلغاء تلك البرامج كلها، لأنها وُضعت في ظروف ضيقة وبُنيت على اعتبارات فردية، وفي بعضها ما لا يتفق مع الرغائب الجزائرية الإسلامية، وفي بعضها ما يتصادم مع الذاتية الجزائرية الإسلامية ووضع برنامج إسلامي جزائري روحًا ومعنًى واسمًا، ينتزع من حالة المسلم الجزائري التي هو عليها الآن، وكان من حسن التوفيق أن رجعت الآراء إلى هذا الرأي، فاجتمع الحاضرون في تلك الليلة التمهيدية على تسمية المؤتمر باسم "المؤتمر الجزائري الإسلامي"، وعلى عدم اعتبار البرامج القديمة أساسًا له، وعلى المطالبة بحقوق المسلم الجزائري السياسية تامة غير منقوصة مع المحافظة التامة على أحواله الشخصية الإسلامية تامة غير منقوصة مع إصلاح الخلل الواقع فيها الآن، وعلى إعطائه حق النيابة في البرلمان على أساس الانتخاب المشترك المتحد بحيث ينتخب المسلمون مع الفرنسيين نائبًا واحدًا سواء كان مسلمًا أو فرنسيًا، وكل مسلم له حق الانتخاب اليوم في المجالس الجزائرية من بلدية وغيرها، له حق الانتخاب في النيابة البرلمانية. ثم المساواة في الحقوق التي تتبع هذا التساوي في الانتخاب النيابي البرلماني. وتفاوض الحاضرون في جميع المسائل التي يجب عرضها في المؤتمر وتقديمها باسمه، وفي نظام المؤتمر ومكتبه وخطبائه، فوقع الاتفاق الإجماعي على إسناد رئاسة المؤتمر للزعيم

стр. 230

السياسي الدكتور ابن جلول، وتأليف المكتب من النواب والعلماء والشبان، فمن النواب على الجزائر: الدكتور تامزالي النائب المالي، والدكتور البشير عبد الوهاب النائب العمالي، والسيد محمد الطاهر طيار، والصيدلي عبد الرحمن بوكردنّه، النائبان البلديان. وعن قسنطينة: السيد عبد الرحمن بن خلاف، والدكتور سعدان، والصيدلي عباس فرحات، النواب العماليون. وعن وهران: السيد محمد بن سليمان النائب البلدي بتلمسان، ونائب رئيس جمعية النواب بوهران، والدكتور الجيلاني بن التهامي، والسيد محمد لالوت، النائبان البلديان. وعن العلماء: الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والشيخ محمد البشير الإبراهيمي، والشيخ الطيب العقبي. وعن الشبان والهيئات الاجتماعية جماعة منهم. ووقع الاتفاق، على أن يتكلم باسم وهران الدكتور ابن التهامي، فيعلن للمؤتمر تضامن وهران مع العمالتين في جميع المطالب، ويتكلم باسم الجزائر الدكتور عبد الوهاب بمثل ذلك، ويتكلم باسم قسنطينة الصيدلي عباس فرحات، ثم يتعاقب الخطباء.

стр. 231

- ٢ - * يوم المؤتمر: ما كادت الساعة المقرّرة لافتتاح المؤتمر تدق، حتى كانت قاعة "الماجستيك" الفسيحة وإيوانها الفخم وشرفاتها كلها، مكتظة بالوافدين من الأقطار الثلاثة (١)، فكان منظرًا مؤثّرًا، وإن الناظر ليدرك لأول نظرة أن طبقات الأمّة كلها تمثّلت في المؤتمر، فترى العامل، والتلميذ والفلاح، والغني، والفقير، والوجيه، والخامل، والفتى، والشيخ، ممتزجين متلاصقين، فتحكم بالبداهة كيفما كان سنّك وحظك من شهود المجتمعات، أنه أول مشهد من نوعه شهدته في عمرك بهذا الوطن. انتظم المكتب بهيئته التي أسلفنا القول عنها واستقرّ رجال الصحافة في المقاعد التي خُصّصت لهم، وافتتح المؤتمر الدكتور عبد النور تامزالي النائب المالي والبلدي بكلمة رحّب فيها بالمؤتمرين وتمنّى لهم النجاح باسم مدينة الجزائر التي هو عضو في مجلسها البلدي، ونائب شيخها. ثم قام رئيس المؤتمر الدكتور صالح بن جلول فخطب خطبة طويلة وصف فيها حالة الأمة، وبيّن الأسباب الداعية لعقد المؤتمر والمقاصد التي ستعرض عليه. وأعلن في الأخير أن النواب كلهم مجمعون على المطالبة بالحقوق السياسية، ومنها التمثيل في البرلمان لا على أسس البرامج الشخصية الرائجة، بل على أسس المساواة التامة والتعميم التام، والمحافظة التامة على الأحوال الذاتية الإسلامية بحيث ينتخب الجزائريون على اختلاف أجناسهم، نائبًا واحدًا، ويكون حق الانتخاب البرلماني حقًّا لكل مسلم جزائري له حق الانتخاب المحلي، مع المحافظة والاعتراف للمسلم الجزائري بذاتيته الشخصية الإسلامية وأحكامه الإسلامية.

стр. 232

ثم قام بعده الدكتور الجيلاني بن التهامي النائب البلدي بمستغانم متكلمًا باسم اتحاد نواب عمالة وهران، فأعلن للمؤتمرين تضامن جمعيته مع جمعيات النواب على هذه المطالب. وقام بعده الدكتور البشير عبد الوهاب نائب البليدة العمالي، فأعلن باسم نواب عمالة الجزائر تضامنهم مع إخوانهم على تلك المطالب. وتكلم بعده الصيدلي عباس فرحات نائب سطيف العمالي، فأعلن ما أعلنه زميلاه من قبل، وعلم شاهدو المؤتمر أن كلمة النواب مجتمعة على المطالب ومتفقة في النقطة التي كانت محل نزاع وهي نقطة التمثيل البرلماني وكيفيته. ثم تكلم الدكتور سعدان نائب بسكرة العمالي عن سكان القسم العسكري الجنوبي (٢)، فاقترح على المؤتمر المطالبة بحذف المحاكم العسكرية الشاذة وتصيير الأقسام الجنويية مدنية، فوافق المؤتمر بالإجماع على هذا الاقتراح. ثم فتح الرئيس الباب للخطباء من النواب والعلماء والشبان على ترتيبهم المقرر، فخطب نحو العشرة منهم، وكانت خطب النواب والشباب كلها دائرة على أن الجزائر المخلصة المرتبطة بفرنسا ارتباطًا وثيقًا المقيمة على ولائها لها في أيام الشدة والرخاء أصدق البراهين، ليس من العدل ولا من الإنصاف أن لا تأخذ حقها في الحياة مستوفى. وليس من العدل ولا من الإنصاف أن ترزأ في ذاتيتها، وأن تدفعها ثمنًا لتلك الحقوق زيادة على ما دفعته من أثمان غالية. وأنها تحافظ على هذه الذاتية التي هي مناط فخرها بكل الوسائل، وأنها تساس في القرن العشرين بقوانين استثنائية لا تليق بمكانتها ولا بسمعة فرنسا. فمن الحق والعدل أن تُلغى هذه القوانين الجائرة وتُمحى من الوجود، وأنها محرومة في القرن العشرين من الحقوق التي يتمتع بها الفرنسيون. فمن الحق والعدل أن تشاركهم في التمتع بتلك الحقوق كما شاركتهم في القيام بالواجبات. ثم انتهى دور الخطابة إلى العلماء، فخطب الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين خطبة مؤثرة نوّه فيها بقيمة هذا المؤتمر في تاريخ الجزائر. فعلا الهتاف والتصفيق، ثم تخلص إلى ذكر المطالب الخاصة بالدين واللغة العربية فشرحها للناس شرحًا وافيًا، وأعلن أنه قدم بخلاصة تلك المطالب تقريرًا لمكتب المؤتمر لينظمه مع المطالب الجزائرية. وتقدم للحاضرين بأن يرفعوا أيديهم إن كانوا موافقين على هذه المطالب، فارتفعت في لحظة واحدة سبعة آلاف يد وعلا الهتاف. ...

стр. 233

كان الدكتور ابن جلول رئيس المؤتمر قد تعرّض في الاجتماع التمهيدي للمؤتمر- للغة المؤتمر وهل تقع المفاوضات والمحادثات فيه بالعربية أو الفرنسية، فحكم الواقع في المسألة وهو أن تكون الخطب السياسية باللغة الفرنسية لتتأدى المعاني بألفاظها الاصطلاحية وليكون مراد المؤتمر منها واضحًا لا شبهة فيه، وليكون صدى المؤتمر مطابقًا لحقيقته، ولتسهل مهمة الصحافيين الأوروبيين، وأن تكون الخطب المتعلقة بالمطالب الدينية من علماء الدين ب اللغة العربية . لذلك كانت الخطب التي سبقت خطبة الأستاذ الشيخ ابن باديس- ما عدا خطبة الأستاذ العمودي- كلها بالفرنسية. وكانت أول خطبة ألقيت باللغة العربية الفصحى هي خطبة الأستاذ ابن باديس، فأرهفت الآذان وطفح البشر على وجوه الحاضرين. وخطب بعده كاتب هذه الأسطر. والأستاذ الشيخ الطيب العقبي، فتجارت اللغتان في المؤتمر إلى غاية واحدة وتمثّلت فيه تمثّلًا صحيحًا. كانت خطبة الأستاذ الشيخ الطيب العقبي طويلة، وكانت فيها مواقف فائرة، تعرض فيها لبعض المعاملات الشاذة والقرارات الجائرة، في مسألة المساجد والجمعية الدينية في الجزائر. فنقد تلك المعاملات، وتلك القرارات نقدًا حارًّا، ولم يكن فيه خارجًا عن الموضوع كما زعم بعض الناس، لأن الأستاذ العقبي لم يتعرض لقرار منع التدريس الحر في المساجد إلا استدراكًا على الخطباء الذين تعرّضوا لقرار شوطان وقرار ريني، وطلبوا إلغاءهما فذكرهم الأستاذ بأن هناك قرارًا ثالثًا (٣) نسوه مع أنه لا يقلّ عنهما شذوذًا ومنافاة للعدل والإنصاف. ... نص المطالب التي قدّمها لمكتب المؤتمر رئيس جمعية العلماء خاصة بالدين واللغة العربية. اللغة العربية تعتبر اللغة العربية رسمية مثل اللغة الفرنسية، وتُكتب بها مع الفرنسية جميع المناشير الرسمية، وتعامل صحافتها مثل الصحافة الفرنسية، وتعطى الحرية في تعليمها في المدارس الحرّة مثل اللغة الفرنسية.

стр. 234

الديانة ١ - المساجد: تسلم المساجد للمسلمين مع تعيين مقدار من ميزانية الجزائر لها يتناسب مع أوقافها، وتتولى أمرها جمعيات دينية مؤسسة على منوال القوانين المتعلقة بفصل الدين عن الحكومة. ٢ - التعليم الديني: تؤسس كلية لعلوم الدين ولسانه العربي لتخريج موظفي المساجد من أئمة وخطباء ومدرّسين ومؤذّنين وقيّمين وغيرهم. ٣ - القضاء: ينظّم القضاء، بوضع مجلة أحكام شرعية على يد هيئة إسلامية، يكون انتخابها تحت إشراف الجمعيات الدينية المشار إليها في الفصل السابق، وإدخال إصلاحات على المدارس التي يتخرج منها رجال المحاكم، منها تدريس تلك المجلة، والتحقق بالعلوم الشرعية الإسلامية، وطبع التعليم بطابعها لتكوين رجال يكونون من أصدق الممثلين لها. "عبد الحميد بن باديس" ختم المؤتمر بالموافقة الإجماعية على كل ما عُرض عليه من المطالب، وبالموافقة على أن يرفع باسم المؤتمر الشكر للحكومة الشعبية والثقة بها بتلغراف تُليت مسودته على المؤتمر فأقرّها. ثم عرضت اقتراحات خاصة قبلت كلها بالإجماع، منها التنويه بالرجال العاملين للقضية الجزائرية وذكرهم بالخير، فتقرر إرسال تشكرات المؤتمر للوزيرين فيوليت وموتي على مساعيهما المحمودة لخير الجزائريين. وتقرّرت إقامة تذكار للأمير خالد الجزائري، وهتف المؤتمرون باسم "م. ألبان روزي" باعتبار أنه أول من رفع صوته من السياسيين بحق الجزائر. واقترح الأستاذ العقبي عقد مثل هذا المؤتمر كلما جدّ في القضية الجزائرية شيء، فقبل هذا الاقتراح بالإجماع. ولما كان من الأصول المتّبعة في كل مؤتمر تأسيس لجنة تنفيذية باسمه تنظّم أعماله ومقرراته وتتعقبها وتواصل العمل على تنفيذها ورفعها إلى المراجع الخاصة، فقد كان آخر ما قرّره المؤتمر الإسلامي الجزائري لزوم تأسيس لجنة تنفيذية للمؤتمر تقوم بتلك الأعمال، وترك النظر في نظامها وأعضائها لمكتب المؤتمر على أن يؤسسها في مساء ذلك اليوم. وفي مساء يوم المؤتمر اجتمع زعماء النواب ورؤساء اللجان بنادي الترقّي وقرروا تأسيس لجنة وقتية تتركب من ثلاثة نواب وثلاثة من العلماء وثلاثة من الشبان، تتولى تنظيم المطالب وترتيبها وتسعى في تكوين اللجنة التنفيذية التي يجب أن تكون دائرتها أوسع والتمثيل فيها أعم. فتألفت اللجنة الوقتية من الدكتور ابن جلول، والمحامي طالب عبد السلام، والصيدلي

стр. 235

عبد الرحمن بوكردنه عن النواب، والشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ الطيب العقبي، والشيخ محمد خير الدين عن العلماء، والسيد ابن الحاج، والسيد بو شامة، والسيد عبد الله العنابي عن الشبان. وقد واصلت هذه اللجنة الوقتية أعمالها وعقدت جلسات متعددة، فرتّبت المطالب ونظّمت أوراق المؤتمر، وقرّرت- في سبيل تكوين اللجنة التنفيذية- أن تسعى في تأسيس لجان تسمّى لجان المؤتمر في المدن الكبرى من العمالات الثلاث، وكل مدينة تستتبع ملحقاتها لتكون هذه اللجان الفرعية قوة ومددًا للمؤتمر، وأن تنتدب كل لجنة عضوًا من أعضائها ليكون عضوًا في اللجنة التنفيذية. وقرّرت اللجنة الوقتية عقد اجتماع في الخامس جويلية الآتي بنادي الترقي بالجزائر، يحضره نواب اللجان المنتدبون عنها لتكوين اللجنة التنفيذية منهم، وفي هذا الاجتماع تسلّم اللجنة الوقتية أعمالها والمطالب والأوراق التي تحت يدها، للجنة التنفيذية. وبعد أن أتمّت اللجنة الوقتية أعمالها الأولية سلّمت جميع ملفات المطالب إلى هيئة متركّبة من الأستاذ ابن الحاج، والأستاذ الأمين العمودي، والسيد اوزقان، لأنهم مقيمون بمدينة الجزائر، وعهدت إليهم بحفظ الملفات حتى تسلّم إلى اللجنة التنفيذية وبمخابرة لجان المؤتمر وتلقي الأجوبة منهم بعنوان الأستاذ ابن الحاج. وتفرّق بقية الأعضاء ليسعوا في تأسيس تلك اللجان قبل الخامس جويلية. وفّق الله العاملين وأعانهم وسدّد خطاهم ووقاهم شر المفسدين. ... هذا وصف مجمل للمؤتمر وخلاصة موجزة عن أعماله، وقد وصفته الجرائد الفرنسية الصادقة في مهنتها أحسن وصف، وصوّرته الجرائد العربية الصادقة في دينها ووطنيتها أصدق تصوير. ولم يبق بعد هذا إلا عمل الأمّة، وعملها في هذا الباب محصور في تأييد المؤتمر بالقول والفعل وإزالة العراقيل من طريقه، وحمايته من كيد الكائدين، والمحافظة على روحه ومبادئه، ووصفيه الجميلين الإسلام والجزائرية، فالمؤتمر مؤتمر الأمّة الجزائرية الإسلامية. باسمها انعقد وباسمها تكلم ولمصلحتها سعى، وعن رغائبها عثر، وعن حقوقها دافع وناضل، فلتمدّه بالتأييد والمعونة، ولتحذر شرور المفسدين والخائنين والموسوسين والدساسين ولتقابلهم بما يستحقونه من النبذ والخذلان!!! إن هذا المؤتمر هو حجر الأساس في بناء مستقبل الأمّة، ولا يبني مستقبل الأمة إلا الأمّة.

стр. 236

- ٣ - * من آثار المؤتمر الإسلامي طاف بالأمة الجزائرية في سنينها الأخيرة طائف من يقظة وانتباه لا عهد لها به في سنيّها الغابرة. وتفشت تلك اليقظة في جميع طبقات الأمة كما يتفشّى الروح الحيواني في أجزاء البدن كلها. وانتظم ذلك الانتباه جميع مرافق الحياة المادية والمعنوية في الأمّة فظهرت آثاره جلية في التفكير. وظهرت آثاره في الإقبال على العلم. وظهرت آثاره في الاقتصاد والعمل وظهرت أخيرًا في السياسة. وكان من أول ما تنبّه له شعورها- وهي بين النوم واليقظة- أن تجلو ماضيها القريب معتبرة، وتبلو حاضرها المضطرب مختبرة، لتقدم على بناء مستقبلها مستبصرة، فإذا في ذلك الماضي ما تَزِرُّ العيون منه على مثل القذى، وتنقلب النفوس منه بما ينقلب به الحي من السوأة العريانة، أنقاض من الخرافات لابست الدين الحق حتى أصبحت تسمّى دينًا، وأشتات متناقضة من الاستسلام المطلق باسم الدين، مظهره الانقياد لتجار الدين، ومن الثوران الجامح باسم الحفاظ والغيرة. مَظْهَرُهُ عداء مستحر بين ذوي القربى في الوطن، ونزاع مستمر بين ذوي القربى في الرحم وقد أَمِرَ أَمْرُ هذه الرذائل حتى أصبحت تسمّى فضائل. وأخلاط من عواري الميول والمشارب تلوّنت بها النفوس الجوفاء حتى أصبحت تسمّى أخلاقًا، وسفاسف من لغو الحديث لا تثير ذكرى ولا تذكي حماسًا، ولا تهز عاطفة، وقد غمرت المجامع حتى أصبحت تسمّى أدبًا.

стр. 237

ومجموعة من الرطانات لا تجلي قصدًا ولا تبين مرادًا ولا تترجم عن مكنون، وقد استولت على الألسنة والأقلام فأصبحت تسمّى لغة. وأمشاج متنافرة من التقاليد الزائفة والعادات المرذولة داخلت المجتمع فأصبحت تسمّى اجتماعًا، هذا هو الباب الأخير من تاريخ الماضي الذي استجلته الأمة الجزائرية فلم يجل لها إلا المحزن المكرث. ثم انفتحت عينها من حاضرها على دين قد عبث به العابثون واتخذوه مكسبة، وأزهقوا روحه وجرّدوه من أسباب القوة والتأثير، وعطلوه من خصائصه ومزاياه، وكانوا عونًا لأعدائه على هدمه، وعلى دنيا ليست كدنيا الناس وكأنما اقتطعت من زمان غير هذا الزمان لتبقى أثرًا عاديًا في متحف الوجود ممثلة للعيان ما تمثّله الصورة الفوتوغرافية في كتاب تاريخ ... وعلى رقعة من الأرض زكية الاغلال طيبة الغلال، تناهبتها الأيدي العاتية وتقاسمتها الكتائب المغيرة حتى لم يبق لها منها إلا حظ الميت، قبر يمسح بالشبر ولكنها على رغم ذلك تسمّى وطنًا. وعلى أوشال من الرزق يبضّ بها الكد المرهق وينتضح بها العرق المتصبب، وينطف معها دم المهج، وتنتزع من أنياب الأفاعي انتزاعًا ولكنها مع ذلك كله تسمّى مالًا ... وعلى غثاء من الأناسي كغثاء السيل المتساوي الغيبة والمشهد في تقدير حياته، لا يحكم ما يريد ولا يفقه ما يراد به، قد محت الأحداث من مخيلته معنى الماضي فهو يعيش بلا ماض، ومعنى المستقبل فهو لا يفكر في مستقبل إلا بأضعاث من الآمال لم تسندها أعمال، كل اعتماده في المستقبل على ميت مقبور أو معدوم (منتظر)، ولكن هذا الغثاء برغم ذلك كله يسمّى أمّة ... وعلى قضايا ملفوظة ومسائل محفوظة، مقطوعة العلائق مع أدلّتها، مجفوة الأرحام من أصولها تسلخ عليها الأعمار، وتقطع عليها الأنفاس، لم يعمل فيها فكر ولم يرضها تمحيص، ولكنها مع ذلك تسمّى علمًا ... وعلى عوائد متوالدة بين أب (باهلي) وأم حنظلية، وقد فاض عليها جلال الدين وقدسية العبادات فأصبحت تسمّى شعائر دينية ... وعلى قيادة روحانية سفيهة شهوانية عارمة، تحكمت في أفكار الأمّة بالوهم، وتسلطت عليها بما يشبه التنويم المغناطيسي، ومكّنت فيها للذلة والفقر فهيأتها للفناء العاجل كل ذلك باسم الدين.

стр. 238

وعلى قيادة بدنية مستنزفة قد تعرقت القوى تعرّقًا وامتصتها امتصاصًا وعمدت إلى مواقع الشعور من الأمّة فضربت عليها بالخدر والترقيد، وإلى منابع الرجولة فيها، فغورت قلبها ولم تستبق فيها من أسباب التفكير إلا ما يهيئُهَا للتسخير. وقد اصطلحت تلك القيادة وهذه السيادة على كل ما يفسد الأمّة ويضعف روحها ويشلّ حيويتها من جهل وفقر وكل ما يلده الجهل والفقر من مفاسد وموبقات. هل رأيت جسمًا اصطلحت عليه الأدواء والعلل وتآخت على هيكله حتى كأن بينها- على تباين أسبابها- رحمًا مبرورة؟ ذئاب من القادة تتخطف، وصوالجة من السادة تتلقف، أفيبقى على هذين باقية من أمّة أو بقية من كائن؟ اللهم لا. وآخر ما فتحت عليه عينها سياسة مضطربة الجوانب، مقلقة الركائب، لا يقرّ لها قرار إلا على المنشور "والقرار"، ولا تبنى أبياتها إلا على الوتد المفروق، والقاعدة ذات الشذوذات والفروق، والأسباب الخفية المتقلبة مع الغروب والشروق. إن أمّة تفتح عينها على مثل هذا وتشعر بعواقبه ومصايره، ثم لا تموت من شدة الفزع والهول لأمّة ممدودة أسباب البقاء متراخية حبال العمر، جزيلة الحظ من الحياة وكذلك تكون الأمّة الجزائرية إن شاء الله. بلى، وإن سنن الله في الأمم غير سننه في الأفراد ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. دهش هؤلاء القادة الروحانيون لهذه الحالة المفاجئة التي ظهرت على الأمّة الجزائرية وعدّوها غريبة، واعتبروها نذير شؤم على سلطانهم الوهمي ومخيلة اضمحلال لقوّتهم الكاذبة. وأقبلوا على الأمّة يهدّئونها كما يهدّأ الصبي، يحاولون المحال من ردّها إلى النوم الذي نفضته جفونها والمهاد الذي جافته جنوبها. وأنّى يستطيب المهاد، أو يعاود النوم من لفحته الشمس المهجرة وفاتته الركبان المبكرة واستشعر التخلف فاعتزم اللحاق، هذا ما لا يكون. ولما استيأس القادة وكذّبهم الأمل، كرّوا على الأصوات التي أيقظت الأمّة والنذر التي أهابت بها إلى الانتباه يوسعونها لعنًا وسبًّا، ويصبّون الشتم والقذف عليها صبًّا، ويبذلون الوسع في إخماد نأمتها وإخفات أصواتها، ولكن صدق عليهم المثل "أوسعتُهم سبًّا وراحوا بالإبل". ووجم السادة لهذه الحالة وعدّوها مريبة، وامتدت ظنونهم السيئة بها إلى غير حدّ، ينتحلون الأسباب، ويخترعون العلل ويبتكرون من الوسائل ما يعيد النائم إلى نومه. ولكن هيهات للسيل إذا أتى أتيه أن يقف قبل أن يمدّ مدّه، ويبلغ حدّه.

стр. 239

ومن يسدّ طريق العارض الهطل؟ وقد كان بين دهشة الأولين، وبين وجوم الآخرين مجال لعمل العاملين. ومهّدت دهشة المفاجأة ووجوم البغت لهذه الحالة الطارئة فأصبحت حالة طبيعية قارة يحفها من جلال الحق ما يزيدها روعة، ويمدّها من أهل الحق وأنصاره في كل يوم ما يرفدها بالمعونة والأخذ باليد، ويوليها على الزمان رسوخًا واتساعًا. وليس بعد التثاؤب والتمطي إلا الانتعاش والانبعاث، ولكن ماذا يصنع خائر القوى من فعل السنين، مقصوم الظهر من ثقل الأحداث، واني الخطا من طول الخدر، متخاذل الأعصاب من كثرة السكون؟ .. أيتحامل على ضلع ويتكلف القوة ليغبر في وجوه السابقين، لم له عذره إن سقط في مقدمة الركب من الإعياء؟ أم يستجم ليعدّ العدّة وإن طالت المدة؟ إن الأمّة الجزائرية لم تعدم من لطف الله ما يبيّن لها السداد في أوجه الرأي المختلفة ويهديها إلى سلوك المنهج الواضح، إذا دقت الموالج والمخارج، فقد أفاقت من نومتها في عجيج من الأصوات اختلط فيها الناصح بالغاش، وعلى فتنة متماحلة التبس فيها الحق بالباطل والهدى بالضلال. ولكن الله اللطيف- جلت قدرته- خار لها وألهمها رشدها ووفّقها لبناء حياتها- على بصيرة- على قديم ديني مستقيم وجديد دنيوي واضح. ورأت على ضوء ذلك الإلهام أنه لا يستقيم لها عمل، ولا يواتيها نجاح فيما هي مقدمة عليه من تجديد في حياتها إلا مع التنقيح المعجّل لكل ما ورثته من أخلاق، لا تنهض بصاحبها في عصر النهوض، والعزل البات لأولئك الذين كانوا يتحكمون في إرادتها وضميرها ويصرفونها كما يشاؤون وتشاء أهواؤهم، لا على ما تقتضيه مصلحتها والقطع الحاسم لتلك الأيدي الآثمة وتلك الألسن الخاطئة التي كانت تسعى للتفريق وتدعو إلى التفريق. وقد بدأت الأمّة تنفّذ ما صمّمت عليه فأصبحت تربأ بمقادتها أن تضعها في يد من تلك الأيدي التي قادتها زمنًا طويلًا، فما قادتها إلا إلى الخزي والنكال، وتبعد عن صفوفها كل أفاك أثيم يزيّن لها الباطل ويشوّه لها الحق، ويغريها بالتفرق لتذل ويحقرها إلى نفسها لتمتهن، وهي ماضية في هذا التنقيح ممعنة فيه واصلة منه- إن شاء الله- في الزمن القريب إلى أشرف الغايات.

стр. 240

يوم الجزائر* من الوفود؟ تترامى بهم قطر الحديد، من كل فج سحيق، وتتهادى بهم السيارات، من مختلف النواحي والجهات، تهوي أفئدتهم إلى مدينة الجزائر، ولو كان وراء البحر مطلب لخاضوا البحر إليه، أو كان في أعماقه مأرب لغاصوا في لججه عليه. من الوفود؟ يعلو وجوههم البشر والابتهاج، وتلوح على قسماتهم أَمارات الفرح والسرور، وترتسم على أساريرهم سمات الطرب والارتياح. لم يزدادوا على النصب إلا نشاطًا، ولم يورثهم اللغوب إلا عزمًا ومضاءً، لم يعقهم شغل، ولم تثبطهم حاجة، ولم يثنهم بعد شقة. من الوفود؟ تواردت توارد القطا على منهل، وتزاحمت تزاحم الحجيج على منسك، تحدثك عنهم سيماهم انهم قوم تنازعتهم آمال دافعة، وأشغال قاطعة، فهجروا الأشغال وانقادوا للآمال، وتقرأ من حركاتهم واتجاهاتهم، وتطلعهم، وتحسبهم أنهم قدموا لغاية واحدة وأنهم كانوا فيها على ميعاد، وتستعرضهم تصعيدًا وتصويبًا، فلا ترى فيهم إلا المغوار وأبا المغوار فتقول إنهم جمعوا على تثويب متجاوب الأصداء وحشروا لميقات يوم معلوم، وأن الذي جمع هذه الأشتات على اتحاد الوجهة وائتلاف المنزع كما تجمع طاقة الزهر على الحسن والشذى لا على التئام الألوان، واتساق الأوراق والأغصان، لأمر خطير ونبأ عظيم. من العلماء؟ يزجرون المواكب ويقودون الكتائب، ويقدمون الصفوف ويمهدون لأنفسهم مكان العامل في الجملة والطليعة من الحملة. والبسملة من اللوح يشاركون في الرأي

стр. 241

ويساهمون في المشورة ويرتجلون الفتيا في المشاكل المستعصية فتأتي كفلق الصبح. وتعلو أصواتهم بالدعوة إلى الاجتماعات، والخطابة في المجتمعات، يُراع حمى الدين فإذا هم ذادة، وتُدعى الأمّة إلى العظائم فإذا هم قادة، ويمثّلون للأمّة علماء سلفها الذين كانوا معاقلها المنيعة عند حلول النوائب، وأعلامها الهادية عند اشتباه المسالك، ومراجعها إذا ناب خطب أو حزب كرب بعد أن كان الظن بهم أنهم قرّاء فواتح وكتاب "خواتم" وأحلاس معابد كبر شأنهم في الأمّة أن يقولوا هذا حرام وهذا حلال. من النواب؟ الموفون بالعهد على شيوع الختر، المنجزون للوعد على كثرة الإخلاف، الحاملون للأمانة على انتشار الخيانة والغدر، المضطلعون بما حملوا من أعباء على فشو القصور والتقصير، المسيّرون للسفينة في موج كالجبال وليل خافت الذبال، وعواصف هوجاء، وطريق محفوفة بالأخطار ملتوية عوجاء، السائرون بالقافلة في صحراء طامسة الاعلام دامسة الظلام على هداية الرأي الأصيل إذا أعوز الدليل، والبصيرة النافذة إذا غش المستشار، والحق البين إذا اشتجرت المطامع والأهواء، والصبر الجميل إذا تقولت السياسة، والعزيمة الصادقة إذا ساور اليأس. من الشبان؟ فتيان الحمى وجنود الحق ورعاة الماضي وبناة المستقبل ومعاقد الأمل الباسم، وطلائع العهد الجديد، ومستودع القوة في الأمّة، وسرّ التجدّد والاستمرار فيها، ومبعث النشاط والحياة منها. ما لهم يتدفقون تدفق السيل، ويندفعون اندفاع الأَتِيِّ المزبد؟ ما بالهم ينبعثون انبعاث السهام المسدّدة فلا يطيش منهم سهم ولا تخطى لهم رماية؟ ما بالهم متساوين كأسنان المشط، مستوسقين ككعوب الرمح متسقين كنجوم الجوزاء؟ كأن لم تكفهم قوة الشباب ولم يقنعهم سلطان الشباب فأرادوا أن يسندوهما بقوة الاتحاد وسلطان الاتحاد؟ ما بالهم يخرجون عن طبع الشباب ويتنصلون من غرارة الشباب فيتّسمون بوقار الشيخوخة وجلالها ويظهرون بمظهر الحنكة والتمرّس؟ مهلًا فلذات الأكباد، وثمرات الأفئدة، وتزوّدوها نصيحة خالصة محضتها التجربة ومحّصها الاختبار، قد مضى أمسكم بخيره وشرّه، وسينطوي يومكم هذا على غرّه، وإنما أنتم أبناء الغد والغد محجوب، فتدرعوا له بالأخلاق الفاضلة تملكوا أزمته وتتقوا مذمته، وإنما أنتم موكولون إلى العمل والعمل محسوب، فأعيذكم أن يقول التاريخ عنكم ما قال عنا، وإنما أنتم أبناء العروبة والإسلام فكونوا للعروبة والإسلام.

стр. 242

أفتمارونني على ما أرى؟ أما والله ما كذب العيان ولا أخطأ الحدس انها- وأبيكم- لَلأُمّة الجزائرية المسلمة العربية الفتية الناهضة، نفضت الغبار في غير تثاقل ولا تناعس، وستغبر في وجوه السابقين. إنها الأمّة الجزائرية وقد أسلمت مقادتها لمن يحسن القيادة في دينها ودنياها، بعد أن استفاقت على وقع الأحداث وإلحاح العوادي وحلول الغير ونعيق النعاة وتلاعب الأيدي السفيهة تعلن حياتها، وتثبت وجودها وتستأنف تاريخها وتبني مستقبلها بيدها، وتعيد المعجزات العيسوية كرة أخرى، نطق في المهد، أو قيام من اللحد. أمس واليوم كانت حالة الجزائر قبل اليوم حالة مريبة لا تدعو إلى الاطمئنان. تفرق شنيع في الأمّة لم يسلم معه دين ولا دنيا. والتباس حالك في المقاصد لا يظهر معه خطأ من صواب، ولا غي من رشد، ولا مفسدة من مصلحة، وسفه فظيع في الانتخابات لم يثمر إلا شَنآنًا وتمزيقًا. ولم يلد إلا نوابًا لا يغنون عند حلول الخطب بالأمّة غناء، وكانت السياسة الجزائرية تسير إلى غايات الاستعمار المتطرفة على أوضاع شاذة، هي شر ما خلفت عصور العسف والظلم. وكانت الأمّة محرومة حتى من رفع الصوت بالشكوى والتظلم، فلم يكن من المرجو لهذه الأمّة أن يدال ليسرها من العسر ولسعادتها من الشقاء، حتى قيّض الله لها من رفع صوته بالإصلاح وهيّأها للاجتماع على الصالحات فتدرجت في هذا السبيل واستبانت طريق الهدى فسارت عليه، وأول ما أونس منها من بواكير الرشد حسن اختيارها لنوابها ومحاسبتها لهم على أعمالهم واجتماعها على المطالبة بحقوقها بواسطتهم. رفعت الأمّة الجزائرية صوتها مطالبة بحقوقها عدة مرات بواسطة نوابها الأحرار فرادى ومجتمعين. وخاطبوا حكومة الجزائر مرارًا فلم يلقوا منها إلّا كل معاكسة لما كان يسودها من تأثير حزب الاستعمار، وسافر وفد النواب المعلوم إلى فرنسا في صيف سنة ٣٣ فلقي تلك الخيبة المريرة التي أذكت حماسة الشعب الجزائري فضاعفت نشاطه، وكانت عليه خيرًا عميمًا، وأنتجت للسياسة الاستعمارية عكس ما تريد. وكانت حكومة فرنسا كلما تعالى صوت المطالبة تعمد إلى المسكنات والمخدرات، فأرسلت مرة لجنة من مجلس الشيوخ يرأسها م. فيوليت الوالي العام الأسبق للجزائر لتدرس الحالة وتشير بالعلاج. وأرسلت أخيرًا وزير الداخلية لذلك العهد م. ريني. ولم تكن لتلك المسكنات من نتيجة ولا تأثير، والحالة بالجزائر لا تزداد إلا ارتباكًا. وحالة المسلم الجزائري تنتقل من سيّئ إلى أسوأ. والحكومة الجزائرية متصاممة عن سماع صوت المطالبة، ممعنة في

стр. 243

إخفائه، إلى أن جاءت نتيجة الانتخابات التشريعية الفرنسية الأخيرة بفوز أحزاب الجبهة الشعبية، فارتفع صوت الأمة الجزائرية بالمطالبة من جديد وحدثت فكرة المؤتمر. سرّ تعليق الآمال على الجبهة الشعبية يهرف الجاهلون بحقيقة المسلم الجزائري أو المريدون به شرًّا بكلمات لا قيمة لها في تأويل المظهر الذي ظهر به الجزائريون من تعليق آمالهم وإعلان ثقتهم في الجبهة الشعبية، ويفسّرون هذا المظهر بأنه اتجاه حقيقي نفساني نحو الاشتراكية المتطرفة أو الشيوعية، وهو تفسير خاطئ بعيد عن الحقيقة. فإن المسلم الجزائري قد أقام الأدلة التاريخية على تصلبه في جزائريته وإسلامه، وعلى أنه ليس من السهل على الأحداث أن تكيّفه بغير كيفيته التي طبعها عليه دينه ومقوّماته. وهو بعد شكور على الإحسان لأول ما يرى مخايله، وقد تعاقبت على فرنسا في عهدها الأخير حكومات تنتمي إلى أحزاب، فلم تر الجزائر من جميعها بارقة خير ولا مخيلة إحسان ولو بالقول، ولا شفقة عليها ولا رحمة بها ولا رثاء لحالها، بل كانت على العكس من ذلك ترى من تلك الحكومات المتعاقبة زيادة في الإرهاق وإمعانًا في العسف، وتسمع عبارات التهديد والوعيد صريحة فصيحة، وقد تسمع في بعض الأوقات الوعود المعسولة فتبادر بالشكر المضاعف ثم لا تكون النتيجة على طول الانتظار والصبر إلا الخيبة وتجرع مرارة الإخلاف. فلما فازت الأحزاب الشعبية، ومبادئها الإنسانية معروفة لجميع الناس، وبادرت بالإعلان بلسان صحفها والإفصاح عما تبيّته للشعب الجزائري من إصلاح سياسي واجتماعي، وما تضمره له من خير ورحمة هو أهل لهما، وَاحْتَفَّ بتلك التصريحات والوعود ما دلّ على أنها ليست من جنس الوعود السالفة التي لم ينجز منها ولا واحد. لمّا وقع كل ذلك، كان من المعقول جدًا أن يكون هوى المسلمين الجزائريين مع الجبهة الشعبية وميلهم إليها وأن يقابلوا الخير بمثله، خصوصًا وقد كانت تلك التصريحات والوعود من أحزاب اليسار مصوغة في قالب يقتضي العطف على الشعب الجزائري والاعتراف بجميله وأهليته لتلك الحقوق، ويا ما أشرف عرفان الجميل إذا كان متبادلًا بين الطرفين. إن من خصائص هذه الأمّة الجزائرية عرفان الجميل لأهله ومكافأة الإحسان بالإحسان، وهي خلال طبعها عليها دينها. وقد سمعت من أحزاب اليسار وعودًا جميلة عريضة، فقابلتها بشكر جميل عريض طويل، ثم هي تنتظر فإن خرجت تلك الوعود إلى حيّز الإنجاز جعلت الشكر عليها وقفًا والإخلاص كفاءً، وإن خابت الظنون في هؤلاء كما خابت فيمن مضى قبلهم لجأت إلى الصبر والثبات كعادتها في النائبات، ولا تيأس من روح الله ولا تسمّي الأشياء بغير أسمائها فتقول للمسيء أحسنت وللكاذب صدقت.

стр. 244

إن هذه الأمّة الجزائرية فقدت كل شيء، ولكنها لم تفقد دينها الذي علّمها كيف تميّز المحسن من المسيء، وعلّمها كيف تكافئ الإحسان وإن قلّ، بالإحسان الكثير، وكيف تكافئ الإساءة بالإساءة عدلًا وبالإحسان فضلًا، فليدع المتخرصون هذه الأمّة المظلومة، وليعذروها في مظهرها الجديد الذي ظهرت به ولا يحملوه على أنه نكاية في حزب وتحيّز إلى حزب. فمن الظلم الفاضح أن تلوم الجائع المغرور إذا هش لكلمة الإحسان، ونطقت جوارحه قبل لسانه بشكر المحسن، وقد كانت هذه الأمّة تقابل أقل من هذا بأكثر من هذا، وعند المسيو فيوليت الخبر اليقين، فسلوه يخبركم أنه لم يظفر سياسي بمثل ما ظفر به من حب الجزائريين وتقديرهم وامتلاك قلوبهم، كل ذلك لكلمة خير قالها فيهم وسعي صالح سعاه في مصلحتهم، على ما يتطرق ذلك السعي من شكوك واحتمالات وعلى أنه لم ينجز من سعيه قليل ولا كثير. فكرة المؤتمر يسجّل التاريخ المنصف فكرة عقد المؤتمر الإسلامي الجزائري للأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس، فقد كان نشر في جريدة (لاديفانس) في عددها الصادر في ٣ جانفي سنة ١٩٣٦ آراء له في السياسة الجزائرية كان لها وقع عظيم، ومن تلك الآراء التي ارتآها الأستاذ عقد مؤتمر إسلامي جزائري، فكان أول من فكّر في عقد هذا المؤتمر قبل فوز الجبهة الشعبية بأشهر، وللأستاذ- حفظه الله- آراء في شؤون الأمة الجزائرية ترجع في مردّها إلى هذا الأصل. وهو أن المرجع في مسائل الأمة هو الأمة، والواسطة لذلك هي المؤتمرات. ونحن مع تسليمنا لوجاهة فكرة الأستاذ، نعتقد مستيقنين أنه لو دعا داعٍ قبل اليوم إلى عقد هذا المؤتمر- كيفما كانت منزلة الداعي في الأمة- لما باء إلا بالخيبة والفشل لأسباب يعرفها كل أحد، أما وقد فازت الجبهة الشعبية في الانتخابات التشريعية وأصبحت أزمة الحكومة الفرنسية بيدها فقد أصبح عقد المؤتمر ميسورًا ومتأكّدًا في آن واحد، فماذا وقع؟ كانت الدعوة إلى عقد هذا المؤتمر العام من قسنطينة، وكانت قوية مؤثرة بقوة مصدرها ومكانته في الأمة، ومصدرها رئاسة جمعية العلماء التي هيأت الأمة للاستجابة لدعوة الحق، بعد أن علّمتها الحق، ورئاسة جمعية النوّاب التي لم تعرف الأمة معنى النيابة وحقيقة النيابة إلا منها، والتي ضربت المثل للإخلاص للمصلحة العامة والتفاني في خدمتها، وللأمة بهاتين الجمعيتين ثقة واسعة الحدود ثابتة الأسس. لذلك كان صوتهما مجتمعًا أشدّ تأثيرًا في النفوس وأدعى إلى الاستيثاق والقبول. فما كادت تسمع تلك الدعوة الجامعة وتقرأ في الصحف عن عقد المؤتمر، الصادرة عن رئيس جمعية العلماء ورئيس جمعية النوّاب بقسنطينة حتى تلقّته الأمة بآذان مرهفة ونفوس متطلعة مستشرفة.

стр. 245

لم يكن بين الدعوة إلى المؤتمر وبين عقده إلا أيام قليلة فلم تنظّم له دعايات واسعة كما هو الشأن في المؤتمرات الخطيرة، بل كان الاعتماد فيه على إحساس الأمة واتجاهها الصادق إلى المطالبة بحقوقها أكثر من الاعتماد على الدعاية والإعلان. وكل ما وقع من الأعمال التمهيدية انعقاد لجان تحضيرية من الشبّان والعمّال ورجال الصنائع والفلّاحين وقدماء المحاربين، في قسنطينة والجزائر وتلمسان وبعض مدن القطر، لتنظيم المطالب الخاصّة المتعلّقة بهذه الهيئات ولإعانة المؤتمر على أعماله العامة. ولو تراخى الزمن وانفسحت المدة بين الدعوة إلى المؤتمر وبين عقده لكان المظهر أروع، والعديد أكثر. ولعلّ بعض الناس يرى من الحكمة أن لو تأخّر انعقاد المؤتمر مدة عن الدعوة حتى تعدّ له العدد اللازمة، وحتى تدرس المطالب وتختمر الآراء، وتتقارب وجهات النظر، إذ ليست المطالب الجزائرية من الأمور الهيّنة التي لا يضرّ وقوع الغلط فيها، بل هي في حقيقتها بناء مستقبل الأمة بأسرها، وان غلطة واحدة في تلك المطالب لتؤدّي إلى تجرّع الأمة مرارتها أحقابًا. والجواب عن هذه الملاحظة التي سمعناها بآذاننا من بعض أولي الرأي، ان السبب الأكبر الداعي إلى التعجّل بالمؤتمر أقرب إلى الحكمة من هذه الملاحظة على سدادها، وهذا السبب هو مسابقة الحوادث العائقة، والمفاجآت الطارقة التي قد تعرقل المؤتمر وتبطئه، أو تفسده وتبطله، وأقلّ ما يترتب على هذا من المفاسد تفسخ العزائم وفشل الإرادات وانتكاث القوى، وما أكثر هذه الطوارئ في هذا الوطن، وما أكثر العاملين على هدم المشاريع، فما عسى أن يكون في التعجّل من أخطاء موهومة لا يوازن بما ينشأ عن التأخّر من أخطار محققة، على أن من مبررات التعجّل أيضًا انعقاد المؤتمرات على أثر تشكيل الوزارة الجديدة وهو مبرر له مغزاه. ولعلّ هذه الملاحظة لا تندفع إلا إذا حلّلنا المطالب الجزائرية بعض تحليل، ذلك أن هذه المطالب ترجع إلى أصلين: مفاسد تدرأ ومصالح تجلب. وقد تستقلّ إحداهما عن الأخرى وقد تتلازمان، فإذا طلبنا إلغاء (الانديجينه) (١) مثلًا فقد طلبنا درء مفسدة محققة لا يتنازع فيها اثنان من غير أن تترتّب على درئها مصلحة إيجابية. وإذا طلبنا إلغاء قرار شوطان القاضي بتعطيل الصحف العربية قبل بروزها، فهذه مفسدة يترتّب على درئها مصلحة إيجابية وهي حرية الصحف العربية، فنكون قد حصلنا على فائدتين: درء مفسدة وجلب مصلحة. وهكذا يقال في حرية الفكر والاجتماع والتنقّل وفتح

стр. 246

المساجد، والمطالب التي هي من هذا القبيل لا يختلف فيها جزائريان ولا يتسرب إليها الغلط بحال، وليس عندنا إلا مسألة واحدة يعدّ التساهل أو الغلط فيها جريمة بل كفرًا، وهي مسألة الحقوق الشخصية الإسلامية، ومسألة أخرى اختلفت فيها الأنظار ثم اتفق المؤتمر فيها على رأي حاسم وهي مسألة التمثيل البرلماني، وسيعلم القارئ تفصيل القول فيهما في هذا المقال. النقط التاريخية في المؤتمر: على الساعة التاسعة من صباح يوم السبت السابق ليوم المؤتمر اجتمع بنادي الترقي أفواج من شبان العمالات الثلاث، منتدبين من اللجان التحضيرية التي تشكلت في مختلف المدن ومفوضين في النيابة عنها والتكلّم باسمها. وفي هذه اللجان تجتمع كل القوى الجزائرية وتتمثل جميع عناصر الحياة منها. وشاركهم في هذا الاجتماع نواب تلمسان البلديون من بينهم السيد محمد بن سليمان نائب رئيس جمعية النواب بوهران، والسادة محمد القلعي المحامي، ومحمد بن مرزوق ومحمد حميدو وبنعوده بوعياد نواب بلديون بتلمسان، والدكتور الجيلاني بن التهامي نائب بلدي بمستغانم، والسيد محمد لالوت نائب بلدي بسيدي بلعباس، والسيد بن عمارة نائب بلدي بتيارت، والدكتور سعدان نائب عمالي ببسكرة. وجمهور من أعيان العمالات الثلاث. وتفاوض الجميع- في جو مشبع بالإخاء والتضامن والشعور باشتراك المصلحة- في كل النقط التي تهم المؤتمر، وحلّلوا كل ما كان مشكلًا من نقط الخلاف فتوصلوا فيها إلى حل قاطع. وحضر في المناقشات الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء وكاتب هذه الأسطر والشيخ محمد خير الدين على معنى المشاورة وإعطاء الرأي في كل ما يتعلق من المطالب بالدين واللغة العربية. وانفضّ هذا الاجتماع على الساعة الثانية عشرة، وفي عشية ذلك اليوم اجتمعت هيئات الشبان والأعيان بالنادي الرياضي لإتمام أعمالها التحضيرية، واجتمعت هيئات النوّاب بقاعة "قيون تيل" لذلك الغرض، وعلى الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم اجتمع النوّاب وممثلو جمعية العلماء والشبان والأعيان بقاعة "قيون تيل"، وفي هذا الاجتماع تمّ الاتفاق على صورة المطالب التي تعرض على المؤتمر للموافقة عليها وعلى الرأي النهائي لكيفية التمثيل البرلماني، وفيه اتفق الحاضرون على نظام المؤتمر وكيفيته، وأن يكون مركبا من النوّاب والعلماء والشبّان، وعلى إسناد رئاسة المؤتمر العام إلى الدكتور بن جلول. وانفضّ هذا الاجتماع على الساعة الثانية عشرة ليلًا، وتمادى النواب على أعمالهم الخصوصية إلى الساعة الثانية قبل الفجر.

стр. 247

يوم المؤتمر: كان يوم الأحد ١٧ ربيع الأنور عام ١٣٥٥، الموافق للسابع من شهر جوان سنة ١٩٣٦، هو يوم الجزائر المشهود الذي يحق لها أن تبدأ به تاريخها الجديد، ففيه تجلّى تضامن الجزائر الإسلامية وإخاؤها واتحادها، كما تجلّى فيه شعورها الصادق وإحساسها باشتراك المصلحة، وفيه زالت الفوارق الممقوتة والاعتبارات الزائفة، فإذا رأيت ثَمَّ رأيت إخاءً شاملًا وائتلافًا حقيقيًا، وإذا قرأت الوجوه والأسارير قرأت ما لا تفي به العبارة ولا يحيط به الوصف. وإذا تفرّست أوحت إليك الفراسة بما يملأ نفسك غبطة ويفعم جوانحك سرورًا. وإذا سمعت الألسنة تخطب والأيدي تصفّق والحناجر تهتف جزمت بأن هذا الجمهور تحرّكه إرادة واحدة، وتصرفه إرادة واحدة ويهزّه شعور واحد فاض على الألسنة فكان كلامًا وتردَّد في الحناجر فكان هتافًا، واحتبس في الأفئدة فخفّت الأيدي للتعبير عنه فكان تصفيقًا. خطب الدكتور تامزالي باللغة الفرنسية مرحّبًا بالمؤتمرين باسم مدينة الجزائر، ثم خطب بعده الدكتور بن جلول خطبة الافتتاح وشرح أغراض المؤتمر فأجاد، وبلغ من نفوس السامعين المراد. وتكلّم بعده الدكتور بن التهامي فالدكتور عبد الوهاب، فالصيدلي عبّاس فرحات، فكان كلامهم على وتيرة واحدة، ومعناه إعلان البشرى للأمة المستشرفة باجتماع النوّاب وأهل الرأي على كلمة واحدة في جميع نقط المطالب، ثم تعاقب الخطباء فكنت تسمع كلامًا مختلفًا وتفهم معنى واحدًا ترجمته بلغة النفس "نحن إخوة اجتمعنا أمس على الألم وحده ونحن اليوم مجتمعون على الألم والأمل وإن هذا الأمل لا يتحقق إلا باتحادنا فلنتحد". ومن أبهج ما ترى، وألطف ما تسمع، خطيب فرنسي هو المسيو سكوت مندوب الشعبة الاشتراكية. فقد خطب فضرب على النغمة التي كنت تسمعها من الخطباء المسلمين، ثم انتهت النوبة إلى العلماء، فقام الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس باللغة العربية الفصحى فخاطب الأرواح بلغتها وأتى بيوت الأفئدة من أبوابها وهزّ السامعين هزّات، ثم شرح المطالب الدينية والمطالب المتعلقة باللسان العربي، وبيّن أنها جزء جوهري في المطالب الجزائرية العامة، وتكلّم بعده كاتب هذه الأسطر فنوّه بهذا اليوم وقال أنه دليل حياة هذه الأمة كما أنه أساس مستقبلها، وكانت كلمة الختام للأستاذ الشيخ الطيب العقبي فأصاب مواقع التأثير من نفوس السامعين، وكانت في خطبته مواقف مثيرة لم يَعْدُ فيها كلمة الحق- وكلمة الحق مرة المذاق- فقد استدرك على الخطباء الذين ندّدوا قبله بالقرارات الاستثنائية الجائرة قرارًا لم يذكروه ولم يحوموا حوله، مع أنه أشنع القرارات وأحقّها بالتشنيع والتنديد لأنه ضرب الأمة في الصميم، وهو قرار ميشال أو منشور غلق المساجد في وجوه علماء الأمة ومنشوره بحل الجمعية الدينية بالجزائر، فشهر به وبيّن قبحه وفظاعته وضرره.

стр. 248

ثم عرضت المطالب العامة على المؤتمر فأقرّها بالإجماع، فأصبحت قرارات يجب على أولي الرأي والمسيرين للمؤتمر السعي بكلّ الوسائل لتنفيذها باسم الأمة، ويجب على الأمة أن تتساند وتتعاضد وتقف صفًا واحدًا من وراء قادتها المخلصين، وأن تحافظ على المؤتمر وقراراته كما تحافظ على أعزّ عزيز لديها. قائمة القرارات: ١ - ثقة المؤتمر بالحكومة الشعبية الجديدة وشكرها على عواطفها نحو الأمة الجزائرية. ٢ - إلغاء جميع القوانين والقرارات الاستثنائية الخاصّة بالمسلمين. ٣ - تخويل المسلمين الجزائريين جميع الحقوق التي يتمتعّ بها الفرنساويون مع المحافظة التامّة على المميزات الإسلامية التي يتمتعّ بها المسلم الجزائري في أحواله الذاتية الشخصية مع إدخال إصلاحات عليها. ٤ - تخويل المسلمين الجزائريين حق التمثيل في البرلمان الفرنسي على هذه الصورة:* انتخاب مشترك بين المسلمين والفرنسيين. * تعميم في المنتخبين المسلمين على الصورة الجارية الآن في انتخاباتهم المحلية. * تأكيد في المحافظة على الأحوال الشخصية الإسلامية. ٥ - تأسيس لجنة تنفيذية للمؤتمر على الوجه الآتي بعد. قائمة الاقتراحات الفردية: ١ - إلغاء الولاية العامة وما يتبعها من الأوضاع الإدارية كالدوائر المختلطة (٢) والقوّاد (٣)، وإلغاء مجلس النيابة المالية الذي يتحكم في الميزانية الجزائرية وإلغاء المجلس الأعلى المبني عليه. ٢ - إلغاء المحاكم العسكرية. ٣ - عقد المؤتمر بهذا الاسم وبهذه الروح وعلى هذه المبادئ عند كل مناسبة. ٤ - تكريم الرجال الذين عملوا لخير الجزائر بلا فرق بين أجناسهم، الأحياء بشكرهم باسم المؤتمر، والأموات بإحياء ذكراهم، وجرى في هذا الموقف ذكر فيوليت وموتي والأمير خالد والبان روزي.

стр. 249

٥ - طرح كلمة "أنديجان" وهجر استعمالها. ٦ - العفو عن المحكوم عليهم في حوادث ٥ أوت (٤). ليس من شأن هذه المجلة الشهرية أن تفيض في نقل الخطب وتفصيل الوقائع، وإنما هذا من شأن الصحف اليومية والأسبوعية، وقد قامت الصحف الفرنسية والعربية بهذا الواجب وأظهرت اهتمامًا عظيمًا بالمؤتمر فأرسلت محرّريها ومصوّريها لحضوره، ونشرت عنه صورًا صادقة، وأبى لها إنصافها للتاريخ وإخلاصها لمهنتها إلا أن تعترف بروعته ونظامه وشرف مبادئه، ومن شَذَّ شَذَّ في النار. وإذا لم يكن التفصيل من شأن هذه المجلة، فإننا كتبنا فيها من نقط المؤتمر ما فيه إثارة للعبرة وإرسال للمثل وحسب قرّائها منها هذا. أهم مقررات المؤتمر: أول برنامج عرف في عالم السياسة الفرنسية الجزائرية مختصًا بالمسلمين الجزائريين هو برنامج م. فيوليت، وصاحبه من أبرز المشتغلين بالسياسة الأهلية الجزائرية، وقد أدار برنامجه على اعتبارات سياسية دقيقة لا يفهمها إلا الراسخون في علم السياسة، وأفرغه في قالب لفظي مستهوٍ خلّاب، ينطوي على معانٍ غامضة ويحتمل وجوهًا كثيرة من الاحتمالات والتفسيرات، ومنها ما يعدّ في الاعتبار النفسي الجزائري من الشعريات، ومثل هذه المعاني قد تكون عند التطبيق مثارًا للإشكال والعسر. وقد يكون من الحكمة في وضع برنامج مثل هذا يُبنى عليه مصير أمة كاملة أن تكون معانيه بمقربة من افهام العامة، خصوصًا إذا كان تنفيذه يتوقّف على رأي تلك الأمة أو على تأييدها. ثم ظهر بعد برنامج فيوليت برنامج النائب "قيرنوت" وتصاول البرنامجان في مجلس الشيوخ فلم يظفر واحد منهما بقبول، وبين البرنامجين خلاف في النقط الجوهرية من الموضوع، وفي كليهما جهات صالحة، غير أن برنامج فيوليت كان أكثر استهواءً لخاصّتنا وشبابنا وأسير على ألسنتهم وبذلك بذ قرينه في الشهرة والحظوة، وظهر برنامج (كيطولي) نائب قسنطينة فلم يلقَ في الأوساط الجزائرية أدنى اعتبار. وظهر في آخر وقت برنامج دوروكس، نائب الجزائر، فكان حظّه قريبًا من حظ سابقه. فلما أعلنت الدعوة إلى المؤتمر كانت الأنظار مختلفة في أي البرامج يجب أن تكون المطالبة بالحقوق على أساسه، وكان أنصار برنامج فيوليت أكثر عددًا في الطبقات المتنوّرة

стр. 250

وأقوى نفوذًا، ومن العجيب الدالّ على تقدير هذه الأمة للجميل أن معظم تأثّر أنصار هذا البرنامج آتٍ من اسم صاحبه واشتهاره ببعض المواقف في صالح المسلمين أكثر مما هو آت من التحقّق بصلاحيته في العاجل أو في الآجل، فهل هناك دليل أكبر من هذا على ذهاب هذه الأمة في المكافأة على الإحسان إلى الأمد الأقصى. كان من رأينا في هذا النزاع والتحيّز إلى البرامج أن تلغى كلها، وأن لا يتّخذ واحد منها أساسًا للمطالب الجزائرية، وذلك لأنها كلها وضعت في ظروف خاصة وبُنيت على اعتبارات خاصّة، وقد ذهبت تلك الظروف وتلاشت تلك الاعتبارات وأصبحنا نسمع من شبه المسؤولين في الحكومة الشعبية أن حكومتهم مستعدّة لإعطاء أكثر ما يمكن من الحقوق للأمة الجزائرية، فلا يكون من السداد ولا من الحكمة أن نتقيّد في ظرف كهذا ببرنامج لو كلّف واضعه بوضعه في هذا اليوم لما رضي به لنا ولوضعه على نحو آخر، بل الواجب أن نضع لمطالبنا برنامجًا مستقلًّا منتزعًا من حالة الأمة الجزائرية منطبقًا على نفسيتها وميولها الخاصة، وقد صارحت بهذا الرأي إخواننا نوّاب عمالة وهران في اجتماعهم الأخير بتلمسان عندما رأيتهم مختلفين حول أسماء البرامج، فرجعوا إلى هذا الرأي واقتنعوا بسداده. ثم لما قدمنا الجزائر وجدنا إخواننا كلهم رجعوا إليه واقتنعوا بسداده، وكانت نتيجة هذا كله أن قرّر المؤتمر عدم تقييد المطالب ببرنامج معيّن وعدم بنائها على أساس برنامج مخصوص. ومعنى هذا كلّه أن المؤتمر بحكمه هذا وقراره هذا قد فضّ أعظم مشكلة وأزال أكبر خلاف كان يأتي- لو ترك- بأسوإ الآثار في المجتمع، فشكرًا للمؤتمر الإسلامي الجزائري على هذا القرار الخطير. اللجنة التنفيذية: المؤتمرات في الحقيقة قوّات تشريعية تستمدّ قوّتها من الجمهور الحاضر المقرّر والجمهور الغائب المؤيد، والقوة التشريعية تحتاج دائمًا إلى قوة تنفيذية، تتابع الأعمال حتى تنتهي بها إلى التنفيذ، لذلك كان من الأصول المتّبعة في المؤتمرات أن تؤسس لها لجنة تُسمّى اللجنة التنفيذية، وظيفتها تنفيذ كل ما يقرره المؤتمر وتطبيقه على النحو الذي قرّر عليه، فإذا قرّر المؤتمر مطلبًا أو اقتراحًا سعت اللجنة في تنفيذه بجميع الوسائل وتتحمّل مسؤولية كل ما يقع من تقصير أو إخلال. وعلى هذه السنة جرى المؤتمر الإسلامي الجزائري، فقرّر تأسيس لجنة وأقرّها المؤتمرون بالإجماع.
следующие страницы →