← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المساجد، والمطالب التي هي من هذا القبيل لا يختلف فيها جزائريان ولا يتسرب إليها الغلط بحال، وليس عندنا إلا مسألة واحدة يعدّ التساهل أو الغلط فيها جريمة بل كفرًا، وهي مسألة الحقوق الشخصية الإسلامية، ومسألة أخرى اختلفت فيها الأنظار ثم اتفق المؤتمر فيها على رأي حاسم وهي مسألة التمثيل البرلماني، وسيعلم القارئ تفصيل القول فيهما في هذا المقال. النقط التاريخية في المؤتمر: على الساعة التاسعة من صباح يوم السبت السابق ليوم المؤتمر اجتمع بنادي الترقي أفواج من شبان العمالات الثلاث، منتدبين من اللجان التحضيرية التي تشكلت في مختلف المدن ومفوضين في النيابة عنها والتكلّم باسمها. وفي هذه اللجان تجتمع كل القوى الجزائرية وتتمثل جميع عناصر الحياة منها. وشاركهم في هذا الاجتماع نواب تلمسان البلديون من بينهم السيد محمد بن سليمان نائب رئيس جمعية النواب بوهران، والسادة محمد القلعي المحامي، ومحمد بن مرزوق ومحمد حميدو وبنعوده بوعياد نواب بلديون بتلمسان، والدكتور الجيلاني بن التهامي نائب بلدي بمستغانم، والسيد محمد لالوت نائب بلدي بسيدي بلعباس، والسيد بن عمارة نائب بلدي بتيارت، والدكتور سعدان نائب عمالي ببسكرة. وجمهور من أعيان العمالات الثلاث. وتفاوض الجميع- في جو مشبع بالإخاء والتضامن والشعور باشتراك المصلحة- في كل النقط التي تهم المؤتمر، وحلّلوا كل ما كان مشكلًا من نقط الخلاف فتوصلوا فيها إلى حل قاطع. وحضر في المناقشات الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء وكاتب هذه الأسطر والشيخ محمد خير الدين على معنى المشاورة وإعطاء الرأي في كل ما يتعلق من المطالب بالدين واللغة العربية. وانفضّ هذا الاجتماع على الساعة الثانية عشرة، وفي عشية ذلك اليوم اجتمعت هيئات الشبان والأعيان بالنادي الرياضي لإتمام أعمالها التحضيرية، واجتمعت هيئات النوّاب بقاعة "قيون تيل" لذلك الغرض، وعلى الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم اجتمع النوّاب وممثلو جمعية العلماء والشبان والأعيان بقاعة "قيون تيل"، وفي هذا الاجتماع تمّ الاتفاق على صورة المطالب التي تعرض على المؤتمر للموافقة عليها وعلى الرأي النهائي لكيفية التمثيل البرلماني، وفيه اتفق الحاضرون على نظام المؤتمر وكيفيته، وأن يكون مركبا من النوّاب والعلماء والشبّان، وعلى إسناد رئاسة المؤتمر العام إلى الدكتور بن جلول. وانفضّ هذا الاجتماع على الساعة الثانية عشرة ليلًا، وتمادى النواب على أعمالهم الخصوصية إلى الساعة الثانية قبل الفجر.

стр. 247

يوم المؤتمر: كان يوم الأحد ١٧ ربيع الأنور عام ١٣٥٥، الموافق للسابع من شهر جوان سنة ١٩٣٦، هو يوم الجزائر المشهود الذي يحق لها أن تبدأ به تاريخها الجديد، ففيه تجلّى تضامن الجزائر الإسلامية وإخاؤها واتحادها، كما تجلّى فيه شعورها الصادق وإحساسها باشتراك المصلحة، وفيه زالت الفوارق الممقوتة والاعتبارات الزائفة، فإذا رأيت ثَمَّ رأيت إخاءً شاملًا وائتلافًا حقيقيًا، وإذا قرأت الوجوه والأسارير قرأت ما لا تفي به العبارة ولا يحيط به الوصف. وإذا تفرّست أوحت إليك الفراسة بما يملأ نفسك غبطة ويفعم جوانحك سرورًا. وإذا سمعت الألسنة تخطب والأيدي تصفّق والحناجر تهتف جزمت بأن هذا الجمهور تحرّكه إرادة واحدة، وتصرفه إرادة واحدة ويهزّه شعور واحد فاض على الألسنة فكان كلامًا وتردَّد في الحناجر فكان هتافًا، واحتبس في الأفئدة فخفّت الأيدي للتعبير عنه فكان تصفيقًا. خطب الدكتور تامزالي باللغة الفرنسية مرحّبًا بالمؤتمرين باسم مدينة الجزائر، ثم خطب بعده الدكتور بن جلول خطبة الافتتاح وشرح أغراض المؤتمر فأجاد، وبلغ من نفوس السامعين المراد. وتكلّم بعده الدكتور بن التهامي فالدكتور عبد الوهاب، فالصيدلي عبّاس فرحات، فكان كلامهم على وتيرة واحدة، ومعناه إعلان البشرى للأمة المستشرفة باجتماع النوّاب وأهل الرأي على كلمة واحدة في جميع نقط المطالب، ثم تعاقب الخطباء فكنت تسمع كلامًا مختلفًا وتفهم معنى واحدًا ترجمته بلغة النفس "نحن إخوة اجتمعنا أمس على الألم وحده ونحن اليوم مجتمعون على الألم والأمل وإن هذا الأمل لا يتحقق إلا باتحادنا فلنتحد". ومن أبهج ما ترى، وألطف ما تسمع، خطيب فرنسي هو المسيو سكوت مندوب الشعبة الاشتراكية. فقد خطب فضرب على النغمة التي كنت تسمعها من الخطباء المسلمين، ثم انتهت النوبة إلى العلماء، فقام الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس باللغة العربية الفصحى فخاطب الأرواح بلغتها وأتى بيوت الأفئدة من أبوابها وهزّ السامعين هزّات، ثم شرح المطالب الدينية والمطالب المتعلقة باللسان العربي، وبيّن أنها جزء جوهري في المطالب الجزائرية العامة، وتكلّم بعده كاتب هذه الأسطر فنوّه بهذا اليوم وقال أنه دليل حياة هذه الأمة كما أنه أساس مستقبلها، وكانت كلمة الختام للأستاذ الشيخ الطيب العقبي فأصاب مواقع التأثير من نفوس السامعين، وكانت في خطبته مواقف مثيرة لم يَعْدُ فيها كلمة الحق- وكلمة الحق مرة المذاق- فقد استدرك على الخطباء الذين ندّدوا قبله بالقرارات الاستثنائية الجائرة قرارًا لم يذكروه ولم يحوموا حوله، مع أنه أشنع القرارات وأحقّها بالتشنيع والتنديد لأنه ضرب الأمة في الصميم، وهو قرار ميشال أو منشور غلق المساجد في وجوه علماء الأمة ومنشوره بحل الجمعية الدينية بالجزائر، فشهر به وبيّن قبحه وفظاعته وضرره.

стр. 248

ثم عرضت المطالب العامة على المؤتمر فأقرّها بالإجماع، فأصبحت قرارات يجب على أولي الرأي والمسيرين للمؤتمر السعي بكلّ الوسائل لتنفيذها باسم الأمة، ويجب على الأمة أن تتساند وتتعاضد وتقف صفًا واحدًا من وراء قادتها المخلصين، وأن تحافظ على المؤتمر وقراراته كما تحافظ على أعزّ عزيز لديها. قائمة القرارات: ١ - ثقة المؤتمر بالحكومة الشعبية الجديدة وشكرها على عواطفها نحو الأمة الجزائرية. ٢ - إلغاء جميع القوانين والقرارات الاستثنائية الخاصّة بالمسلمين. ٣ - تخويل المسلمين الجزائريين جميع الحقوق التي يتمتعّ بها الفرنساويون مع المحافظة التامّة على المميزات الإسلامية التي يتمتعّ بها المسلم الجزائري في أحواله الذاتية الشخصية مع إدخال إصلاحات عليها. ٤ - تخويل المسلمين الجزائريين حق التمثيل في البرلمان الفرنسي على هذه الصورة:* انتخاب مشترك بين المسلمين والفرنسيين. * تعميم في المنتخبين المسلمين على الصورة الجارية الآن في انتخاباتهم المحلية. * تأكيد في المحافظة على الأحوال الشخصية الإسلامية. ٥ - تأسيس لجنة تنفيذية للمؤتمر على الوجه الآتي بعد. قائمة الاقتراحات الفردية: ١ - إلغاء الولاية العامة وما يتبعها من الأوضاع الإدارية كالدوائر المختلطة (٢) والقوّاد (٣)، وإلغاء مجلس النيابة المالية الذي يتحكم في الميزانية الجزائرية وإلغاء المجلس الأعلى المبني عليه. ٢ - إلغاء المحاكم العسكرية. ٣ - عقد المؤتمر بهذا الاسم وبهذه الروح وعلى هذه المبادئ عند كل مناسبة. ٤ - تكريم الرجال الذين عملوا لخير الجزائر بلا فرق بين أجناسهم، الأحياء بشكرهم باسم المؤتمر، والأموات بإحياء ذكراهم، وجرى في هذا الموقف ذكر فيوليت وموتي والأمير خالد والبان روزي.

стр. 249

٥ - طرح كلمة "أنديجان" وهجر استعمالها. ٦ - العفو عن المحكوم عليهم في حوادث ٥ أوت (٤). ليس من شأن هذه المجلة الشهرية أن تفيض في نقل الخطب وتفصيل الوقائع، وإنما هذا من شأن الصحف اليومية والأسبوعية، وقد قامت الصحف الفرنسية والعربية بهذا الواجب وأظهرت اهتمامًا عظيمًا بالمؤتمر فأرسلت محرّريها ومصوّريها لحضوره، ونشرت عنه صورًا صادقة، وأبى لها إنصافها للتاريخ وإخلاصها لمهنتها إلا أن تعترف بروعته ونظامه وشرف مبادئه، ومن شَذَّ شَذَّ في النار. وإذا لم يكن التفصيل من شأن هذه المجلة، فإننا كتبنا فيها من نقط المؤتمر ما فيه إثارة للعبرة وإرسال للمثل وحسب قرّائها منها هذا. أهم مقررات المؤتمر: أول برنامج عرف في عالم السياسة الفرنسية الجزائرية مختصًا بالمسلمين الجزائريين هو برنامج م. فيوليت، وصاحبه من أبرز المشتغلين بالسياسة الأهلية الجزائرية، وقد أدار برنامجه على اعتبارات سياسية دقيقة لا يفهمها إلا الراسخون في علم السياسة، وأفرغه في قالب لفظي مستهوٍ خلّاب، ينطوي على معانٍ غامضة ويحتمل وجوهًا كثيرة من الاحتمالات والتفسيرات، ومنها ما يعدّ في الاعتبار النفسي الجزائري من الشعريات، ومثل هذه المعاني قد تكون عند التطبيق مثارًا للإشكال والعسر. وقد يكون من الحكمة في وضع برنامج مثل هذا يُبنى عليه مصير أمة كاملة أن تكون معانيه بمقربة من افهام العامة، خصوصًا إذا كان تنفيذه يتوقّف على رأي تلك الأمة أو على تأييدها. ثم ظهر بعد برنامج فيوليت برنامج النائب "قيرنوت" وتصاول البرنامجان في مجلس الشيوخ فلم يظفر واحد منهما بقبول، وبين البرنامجين خلاف في النقط الجوهرية من الموضوع، وفي كليهما جهات صالحة، غير أن برنامج فيوليت كان أكثر استهواءً لخاصّتنا وشبابنا وأسير على ألسنتهم وبذلك بذ قرينه في الشهرة والحظوة، وظهر برنامج (كيطولي) نائب قسنطينة فلم يلقَ في الأوساط الجزائرية أدنى اعتبار. وظهر في آخر وقت برنامج دوروكس، نائب الجزائر، فكان حظّه قريبًا من حظ سابقه. فلما أعلنت الدعوة إلى المؤتمر كانت الأنظار مختلفة في أي البرامج يجب أن تكون المطالبة بالحقوق على أساسه، وكان أنصار برنامج فيوليت أكثر عددًا في الطبقات المتنوّرة

стр. 250

وأقوى نفوذًا، ومن العجيب الدالّ على تقدير هذه الأمة للجميل أن معظم تأثّر أنصار هذا البرنامج آتٍ من اسم صاحبه واشتهاره ببعض المواقف في صالح المسلمين أكثر مما هو آت من التحقّق بصلاحيته في العاجل أو في الآجل، فهل هناك دليل أكبر من هذا على ذهاب هذه الأمة في المكافأة على الإحسان إلى الأمد الأقصى. كان من رأينا في هذا النزاع والتحيّز إلى البرامج أن تلغى كلها، وأن لا يتّخذ واحد منها أساسًا للمطالب الجزائرية، وذلك لأنها كلها وضعت في ظروف خاصة وبُنيت على اعتبارات خاصّة، وقد ذهبت تلك الظروف وتلاشت تلك الاعتبارات وأصبحنا نسمع من شبه المسؤولين في الحكومة الشعبية أن حكومتهم مستعدّة لإعطاء أكثر ما يمكن من الحقوق للأمة الجزائرية، فلا يكون من السداد ولا من الحكمة أن نتقيّد في ظرف كهذا ببرنامج لو كلّف واضعه بوضعه في هذا اليوم لما رضي به لنا ولوضعه على نحو آخر، بل الواجب أن نضع لمطالبنا برنامجًا مستقلًّا منتزعًا من حالة الأمة الجزائرية منطبقًا على نفسيتها وميولها الخاصة، وقد صارحت بهذا الرأي إخواننا نوّاب عمالة وهران في اجتماعهم الأخير بتلمسان عندما رأيتهم مختلفين حول أسماء البرامج، فرجعوا إلى هذا الرأي واقتنعوا بسداده. ثم لما قدمنا الجزائر وجدنا إخواننا كلهم رجعوا إليه واقتنعوا بسداده، وكانت نتيجة هذا كله أن قرّر المؤتمر عدم تقييد المطالب ببرنامج معيّن وعدم بنائها على أساس برنامج مخصوص. ومعنى هذا كلّه أن المؤتمر بحكمه هذا وقراره هذا قد فضّ أعظم مشكلة وأزال أكبر خلاف كان يأتي- لو ترك- بأسوإ الآثار في المجتمع، فشكرًا للمؤتمر الإسلامي الجزائري على هذا القرار الخطير. اللجنة التنفيذية: المؤتمرات في الحقيقة قوّات تشريعية تستمدّ قوّتها من الجمهور الحاضر المقرّر والجمهور الغائب المؤيد، والقوة التشريعية تحتاج دائمًا إلى قوة تنفيذية، تتابع الأعمال حتى تنتهي بها إلى التنفيذ، لذلك كان من الأصول المتّبعة في المؤتمرات أن تؤسس لها لجنة تُسمّى اللجنة التنفيذية، وظيفتها تنفيذ كل ما يقرره المؤتمر وتطبيقه على النحو الذي قرّر عليه، فإذا قرّر المؤتمر مطلبًا أو اقتراحًا سعت اللجنة في تنفيذه بجميع الوسائل وتتحمّل مسؤولية كل ما يقع من تقصير أو إخلال. وعلى هذه السنة جرى المؤتمر الإسلامي الجزائري، فقرّر تأسيس لجنة وأقرّها المؤتمرون بالإجماع.

стр. 251

إن الأعمال العظيمة أو الكبيرة إذا وكلت إلى فرد ضاعت أو اختلّت، وتوزيع الأعمال - مقرونة بالمسؤولية- على أفراد معينين أدعى للسرعة والإنجاز وعدم الضياع والاختلال، وإذا كانت مقررات المؤتمر الإسلامي الجزائري كلها مطالب واقتراحات، فإن مهمة اللجنة التنفيذية تنحصر في تنظيمها وترتيبها وطبعها في كرّاس يسمّى "كرّاس المؤتمر الإسلامي الجزائري" وتقديمها للمراجع الحكومية المختصّة بواسطة وفد من النوّاب توفده أو بما تراه من الوسائط. وقد تمّت على الوجه الآتي: ما تمّ بعد المؤتمر ولم تنشره الصحف: اجتمع بنادي الترقّي في مساء يوم المؤتمر رؤساء جمعيات النوّاب وكثير من أعضائها البارزين وممثلو جمعية العلماء ورؤساء لجان الشبّان المؤيدين من العمالات الثلاث، وتداولوا إبداء آرائهم في كيفية تنفيذ قرار المؤتمر النهائي القاضي بتشكيل لجنة تنفيذية للمؤتمر. فاتفقت الآراء على أن اللجنة التنفيذية يجب أن تمثّل فيها الأمة تمثيلًا واسعًا، وقبل النظر فيها يجب تأليف لجنة مؤقتة من تسعة أعضاء: ثلاثة من النوّاب، وثلاثة من العلماء، وثلاثة من الشبّان، على اعتبار واحد من كل طائفة عن كل عمالة لترتب مطالب المؤتمر وتنظّم مقرّراته وتهيئ العمل للجنة التنفيذية، ويوكل إلى هذه اللجنة المؤقتة النظر في تكوين اللجنة التنفيذية بما تراه بعد الدرس والتمحيص. فتألّفت اللجنة الموقتة فعلًا من ثلاثة نوّاب هم الدكتور بن جلول رئيس المؤتمر، والمحامي عبد السلام بن الطالب، والصيدلي عبد الرحمن بوكردنة وثلاثة من العلماء وهم المشايخ محمد خير الدين، الطيب العقبي، البشير الإبراهيمي، وثلاثة من لجان الشبّان، وهم الأستاذ بن الحاج والحاج والمهندس عبد الرحمن بوشامة، والسيد عبد الله العنابي. وقد وكل النوّاب أمرهم إلى أحدهم وهو الصيدلي عبد الرحمن بوكردنة، وفوّضوا إليه أن يتكلم باسمهم في هذه اللجنة ويبرم مع إخوانه ما يراه صالحًا، وشارك في أعمالها بصورة فعلية الأستاذ الأمين العمودي والشيخ محمد خير الدين ممثلين لجمعية العلماء، واضطر السيد عبد الله العنابي إلى الرجوع إلى بلده فوكّل الشاب أوزقان. لبثت اللجنة الموقتة أسبوعًا كاملًا- بعد ارفضاض المؤتمر- توالي اجتماعاتها بنادي الترفي، فرثبت المطالب والقرارات والاقتراحات ونظّمتها، ومهّدت طريق العمل للجنة التنفيذية وعبدتها، واستقرّ الرأي في كيفية تشكيل اللجنة التنفيذية أن يقوم الأعضاء العاملون في اللجنة الموقّتة بعد رجوعهم إلى دوائرهم بجولات منظمة في أقسام العمالات الثلاث،

стр. 252

ويقيمون فيها اجتماعات عامة يشرحون فيها أعمال المؤتمر وقراراته، ويبيّنون فوائده وثمراته الحاصلة والمرجوّة، ويدعون الأمة إلى حمايته وتأييده ويؤسّسون في كل قسم لجنة فرعية، تسمّى (لجنة المؤتمر) برئيسها وكاتبها وأمين مالها، وتنتظم كل لجنة جميع الملحقات التابعة لذلك القسم حتى القرى الصغيرة، على أن تقوم هذه اللجان بالدعاية للمؤتمر والدعوة إلى تأييده، ويراعى في تأسيسها المعنى الذي أسست عليه اللجنة الموقتة بالجزائر من جميع العناصر الثلاثة: النوّاب والعلماء والشبّان، فإذا تمّ تأسيس لجان المؤتمر على هذه الكيفية المنظّمة انتخبت كل لجنة منها عضوًا من أعضائها ليكون عضوًا في اللجنة التنفيذية التي سينعقد أول اجتماعاتها في الخامس من شهر جويلية الآتي بنادي الترقّي بالجزائر. وبهذه الكيفية تكون اللجنة التنفيذية للمؤتمر ممثّلة للأمة أكمل تمثيل. ثم أودعت اللجنة الموقّتة جمع أوراق المؤتمر وملفّاته بعد فحصها وإحصائها عند ثلاثة من أعضائها المقيمين بالعاصمة، وهم الأستاذ بن الحاج والحاج ممثلًا للشبّان والأستاذ الأمين العمودي ممثلًا للعلماء، والصيدلي عبد الرحمن بوكردنه ممثلًا للنوّاب، وعهدت إليهم بأن يكونوا نقطة اتصال بين المؤسسين للجان المؤتمر، حتى إذا تمّ تأسيس اللجان وانتخبت أعضاء اللجنة التنفيذية وانعقدت الجلسة الأولى في الخامس من جويلية بصفة رسمية، سلّموا لها كل ما تحت أيديهم من أوراق المؤتمر وقراراته، وبذلك تكون اللجنة الموقّتة قد أتمّت أعمالها وأدّت الأمانة إلى أهلها. وسيكون أول أعمال اللجنة التنفيذية طبع المطالب والقرارات باللغتين العربية والفرنسية في كراسة تسمّى "قرارات المؤتمر الإسلامي الجزائري"، وتشكيل وفد من النوّاب يسافر إلى فرنسا باسم المؤتمر لتقديم مطالبه. مطالب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين: للأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وصاحب جريدة "المنتقد" الشهيدة ومجلة "الشهاب" آراء ناضجة حكيمة في السياسة الجزائرية، وقد رفع صوته بها قبل أن يرتفع أي صوت آخر من أصوات اليوم، ونشرها في "المنتقد" و "الشهاب" وغيرهما في عدة مناسبات يوم كانت الألسنة خرساء والأقلام مقيّدة. ولما قدّم لمكتب المؤتمر مطالب جمعية العلماء المسلمين المتعلقة بالدين واللسان العربي صدر تقريره الموجز البليغ ببيان رأيه الخاص في المساواة والنيابة، ثم أردفه ببيان مطالب الجمعية. وهذا نصّ التقرير:

стр. 253

حقوق الأمّة الجزائرية التي تطلبها من الأمة الفرنسية -...-...-...-...-...-...-...-...-... مقدّمة إن الأمّة الجزائرية قد شاركت الأمة الفرنسية في مواقف الموت فمن الحق والعدل أن تساويها في مواقف الحياة. إن الحياة تُشترى بالأرواح والأبدان والأمّة الجزائرية قد بذلت أرواحها وأبدانها مع الأمة الفرنسية ومثلها، ومن دفع الثمن فمن الحق والعدل أن يأخذ المثمن. إن الأمة الجزائرية سمعت في أيام الشدّة ومواطن اليأس من الأمة الفرنسية أنهما يستون في السلم كما تساويا في الحرب. فأما الذين ماتوا في تلك الأيام فقد ماتوا وقلوبهم تنعم بذلك الأمل المعسول. وأما الذين بقوا فبقيت قلوبهم تتجرّع الخيبة بعد الخيبة وتنطوي على الألم بعد الألم. إن الأمة الفرنسية لا تستغني عن الأمّة الجزائرية كما لا تستغني الأمة الجزائرية عنها، فمن الخير لهما معًا أن لا تشعر واحدة منهما من ناحية الأخرى بنقص في الود أو ظلم في الحقوق. وعلى هذا بنينا ما نقدّم من الحقوق التالية طالبين من الأمة الفرنسية، وخصوصًا من الحكومة الشعبية الجديدة التي تمثّل الشعب الفرنسي والمبادئ الجمهورية أصدق تمثيل- باسم الحق والعدل- تنجيزه. الأوضاع والمعاملات الخاصة: لا تتحقق المساواة المطلوبة إلا برفع جميع الأوضاع الخاصة مثل المتصرفيات ومجالس "الكريمينال" (٥) والمعاملات الخاصة مثل الانديجينه وأعطيات الجندية وزيادة مدة الخدمة العسكرية، والبرنامج الخاص بالتعلّم في المكاتب الابتدائية وغيرها، وحرمان عمّال الجزائر من كثير مما يتمتع به العمّال الفرنسيون. النيابات: لا يمكن للأمة الجزائرية أن تنال حقّها من الحياة على الأرض الجزائرية ما دامت لا تمثّلها في جميع المجالس إلا أقلية، فأوّل مطلب في النيابة هو تسوية نواب الجزائريين

стр. 254

بالنّواب الفرنسيين في جميع المجالس، ثم مطلب توحيد النيابة البرلمانية بكلا المجلسين بحيث يشارك في انتخاب النوّاب البرلمانيين مشاركة فعلية جميع سكّان الجزائر على اختلاف أجناسهم وعقائدهم مع بقاء المسلمين على جميع ذاتياتهم الإسلامية. هذا التصدير قدّمه الأستاذ للمؤتمر باسمه الخصوصي، على أنه رأي من الآراء يضمّ إلى نظائره، وبعد هذا بيّن في إيجاز بليغ مطالب جمعية العلماء وقدّمها باسمها وهي: ـ["اللغة العربية"]ـ تعتبر اللغة العربية رسمية مثل اللغة الفرنسية، وتكتب بها مع الفرنسية جميع المناشير الرسمية، وتعامل صحافتها مثل الصحافة الفرنسية، وتعطى الحرية في تعليمها في المدارس الحرة مثل اللغة الفرنسية. ـ[" الدين"]ـ ١ - المساجد: تسلّم المساجد للمسلمين مع تعيين مقدار من ميزانية الجزائر لها يتناسب مع أوقافها. وتتولّى أمرها جمعيات دينية مؤسسة على منوال القوانين المتعلقة بفصل الدين عن الحكومة. ٢ - التعليم الديني: تؤسّس كلية لتعليم الدين ولسانه العربي لتخريج موظفي المساجد من أئمة وخطباء ومدرسين ومؤذنين وقيّمين وغيرهم. ٣ - القضاء: ينظّم القضاء بوضع مجلة أحكام شرعية على يد هيئة إسلامية، يكون انتخابها تحت إشراف الجمعيات الدينية المشار إليها في الفصل السابق، وإدخال إصلاحات على المدارس التي يتخرّج منها رجال القضاء، منها تدريس تلك المجلة والتحقق بالعلوم الشرعية الإسلامية، وطبع التعليم بطابعها لتكوين رجال يكونون من أصدق الممثلين لها. هذه هي النقط الأساسية التي تنبني عليها المطالب الدينية قدّمها رئيس جمعية العلماء بإسمها للمؤتمر لتكمل بها مطالب الأمة الجزائرية في نواحي حياتها الأخرى، وقد وافق المؤتمر على هذه المطالب بإجماع برفع الأيدي بهيئة رائعة موثرة، وجمعية العلماء على استعداد تام لشرح هذه النقط وبيان تفاصيلها وكيفية تطبيقها. أثر مشاركة جمعية العلماء في المؤتمر: كانت تلك الخطة العلنية التي ظهر بها ممثلو جمعية العلماء المسلمين في هذا المؤتمر من الدعوة إليه وحياطته وتأييده مثار ابتهاج عظيم عند المخلصين للوطن والعاملين على خيره، لأنهم يعلمون ما في مشاركة العلماء في المؤتمر من خير وفائدة للأمة وما فيها من

стр. 255

قوّة، وتمكين للمؤتمر، ومثار فرح واغتباط في الطبقات العامية لأنها ترى في حضور العلماء للمؤتمر ضمانًا وكفالة لأعزّ عزيز لديها- وهو الدين واللغة العربية- وكانت من جهة أخرى مثيرة لسخط أشخاص ومقامات عرفناها وبلوناها، فلم نعرف منها الرضى بما يسر المسلمين ولا الفرح بما يقرب بعضهم من بعضهم. ولم نبل منها إلا كل معاكسة لمصالحهم، ونحن لا يهمّنا من أمر هؤلاء الأشخاص ولا هذه المقامات شيء ما دمنا قد أدّينا واجبنا نحو ديننا ولغتنا وشاركنا في عمل صالح لأمّتنا. وإنك لتسمع بعض الألسنة التي تترجم عن قلوب جاهلة أو مريضة تردّد هذا السؤال: ما معنى مشاركة العلماء في مؤتمر سياسي؟ كأنهم يريدون تخويفنا بهذا الغول الموهوم غول السياسة، وتفويت الفرصة علينا بمثل هذه الترهات. وكم أضاعت هذه الترهات على الغافلين من فرص! وإننا لنعلم أن وراء الأكنّة، شخوصًا مجتنة، في كيد الأبالسة وخفاء الجنة، وإن هذه الشخوص جربت العلماء فوجدتهم لا يلينون لغامز، فيسوءها أن ينعقد المؤتمر، ويسوءها بنوع خاص أن يشارك العلماء فيه، فيكتسب قوة من قوّتهم وثباتًا من ثباتهم ولونًا راسخًا مما عرفوا به من الرسوخ، ثم يتحوّل غيظها عنه إلى قالة السوء يشيعونها عليه، وأحدوثة الاستهجان يرمونه بها في طوائف مخصوصة تردّد تلك الأصداء وتلبس علينا بأن المؤتمر يهمها أكثر مما يهمّنا بآية أنها لا تستهجن إلا جوانب النقص فيه، ومن جوانب النقص- في هذا المنطق الزائف- اشتراك العلماء في المؤتمر. فويحكم .. ان العلماء الذين تعنونهم، هم من الأمة في الواقع والحقيقة، في حال أنكم لا تعدون منها إلا على الزعم والدعوى، وان العلماء يمثّلون الوصف الذي ما كانت الأمة أمة إلا به وهو الإسلام ولسانه، وإن مطالب الأمة التي رفعت صوتها بها في المؤتمر ترجع إلى أصول أربعة، الدين والاجتماع والسياسة والاقتصاد، وإن لكل مطلب من هذه المطالب فروعًا متشابكة، وإن كل أصل من هذه الأصول يحتاج إلى بحوث ودراسات تفتقر إلى كفايات واختصاصات، وإذا كان في نوّاب الأمّة ومفكريها من فيه الكفاية والمؤهلات لدراسة المطالب السياسية ووصل مقدماتها بنتائجها وإعطاء رأي ناضج فيها، أو كان في فلّاحينا وتجّارنا من نعتمد عليه وعلى رأيه في المطالب الاقتصادية مثلًا، فمن للمطالب الدينية وما يتبعها من اللغة العربية غير العلماء؟ المؤتمر الجزائري الإسلامي العام: يجد القرّاء على وجه كل جزء من أجزاء "الشهاب" مبدأه في الإصلاح السياسي هكذا: "الحق والعدل والمؤاخاة في إعطاء جميع الحقوق للذين قاموا بجميع الواجبات"، ونحن

стр. 256

نعني بذلك أن الأمة الجزائرية قد قامت لفرنسا بكل ما طلبته منها من نفس ونفيس، فمن الحق الواجب على فرنسا ومن العدل الذي لا يقوم أمر أمة إلا به، ومن مقتضى المؤاخاة الحقيقية التي لا تكون إلا عندما يشعر الإنسان بأنه غير مغموط الحق ولا مهضوم الجانب من صاحبه، أن تعطي فرنسا للجزائريين جميع حقوقهم دون أي تنقيص لهم عن غيرهم، ولا أدنى تمييز لهم عنهم، وليس لها أن تطالبهم بالانخلاع عن أقل شيء من مميزاتهم في قوميتهم ودينهم ولغتهم، فقد قاموا بما فرضته عليهم من الواجبات وهم على قوميتهم ودينهم ولغتهم، فلتعطهم جميع الحقوق وهم على قوميتهم ودينهم ولغتهم. وعلى هذا مبدإ كنا نقاوم (بروجي) (٦) الرجل العظيم الذي لا ننسى فضله م. فيوليت، لما فيه من عدم التسوية في الحقوق لا بين الجزائريين والفرنسيين ولا بين طبقات الجزائريين أنفسهم، ومما فيه من تهيئة الطبقة المثقفة للاندماج مع السكوت التام عن الدين واللغة. إن جمعية العلماء هي المؤتمنة عن الدين ولغته العربية. وإليها يرجع الفضل في احيائهما بهذا الوطن- برغم الأفاكين- وإليها يرجع الفضل أيضًا في المطالبة بحقوقهما بالصوت الجهير يوم كانت الأصوات خافتة، والقلوب من الرهبة واجفة. وإن من دلائل عناية الله بهذا المؤتمر وتيسيره لليسرى، أن اجتمعت فيه أقانيم الكمال كلها، حتى أصبح- على الحقيقة- مؤتمرًا إسلاميًا جزائريًا.

стр. 257

كلمة عن وفد المؤتمر الإسلامي* بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ "أيها الإخوان المسلمون الكرام: ليس هذا أول يوم دُعيت فيه إلى الحق فأجبت؛ ولكنه أول يوم دعيت لسماع الحق غير مجمجم، وليس هو أول اجتماع رائع شهدته، ولكنه أول اجتماع شهدته لسماع أداء الحساب من الرجال العاملين، ولقد كنتم لا تُدعَون ولا تُستشارون ولا يعتبر لكم شأن ولا يقرأ لكم حساب، تدبّر لكم المكائد منكم ومن غيركم وأنتم لا تعلمون فأصبحتم اليوم معتبرين تستشارون في كل شيء، وتؤخذ آراءكم السديدة وتطلعون على كل شيء، أصبح منكم رجال يعملون للخير العام مهما تفرقت الأهواء ومهما تلبّدت الأجواء. إن وفدكم الذي سافر إلى باريس ليعرب عن مطالبكم قد أدّى الأمانة على أكمل وجه، لا يعرف شخصًا ولا هيئة خاصة، إنما هو كل لا يتجزأ، هو وفد المؤتمر الجزائري الإسلامي، وفد الأمة الجزائرية إذا حملته الأمانة العظيمة فقد أدّاها، وإذا جمّلته بالوصفين الكريمين فقد ذهب متّصفًا بهما ورجع أقوى ما يكون اعتزازًا وتشبّعًا بهما: الإسلام والجزائر ... أيها الإخوان: إن دينكم الحنيف يأبى لكم إلا أن تكونوا مسلمين بكل ما في الإسلام من معنى، وإن تاريخكم الزاهر يأبى إلا أن تكونوا عربًا ولغتكم عربية، بكل ما في العرب والعربية من معنى، وأعيذكم بالله والدين والتاريخ أن تحيدوا عن هذين الوصفين".

стр. 258

مقتل الشيخ كحول* ليسجّل التاريخ ولتشهد الأجيال المقبلة تحقيقات وتفاصيل مهمة ــ الكيد لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، اعتقال الأستاذ الشيخ "الطيب العقبي" ستة أيام بلياليها السود في سجن بربروس بالجزائر، المكيدة مدبّرة فيما يظهر، الخصوم كبار ولكن الله أكبر، ماذا يريد الكائدون من وراء هذه المكيدة؟ تفتيش نادي الترقّي (بيت الأمة الجزائرية)، تفتيش إدارات جريدة "البصائر" وجمعية العلماء والجمعية الخيرية، حجز دفاتر وأوراق الإدارات المذكورة، إغلاق النادي وتلك الإدارات كلها، ضرب الحصار على النادي بقوّات البوليس والحرس المدني والجاندارمة والجيش الأسود، الخروج بالأستاذ العقبي من نادي الترقّي بين هذه المظاهر الرهيبة، الغاية من هذه الإرهابات، تلقي الأمة للصدمة بالصبر والهدوء التام، موقف جمعية العلماء من هذه المظاهر، الإجراءات العدلية وتطوراتها، الإفراج عن الأستاذ العقبي ورفيقه السيد عباس التركي، تجلي شعور الأمّة وعواطفها الصادقة، انهيال البرقيات ورسائل التهنئة من داخل القطر وخارجه، آثار اعتقال الأستاذ في الأمم الإسلامية، فتح نادي الترقّي وابتهاج الأمة بذلك. ... سكتنا حتى هدرت الشقاشق وقرّت، وظهرت الحقائق واستقرّت، ونثلت الجرائد كنائنها وأخرجت الصدور دفائنها، وهدأت العاصفة وافتضحت المكيدة، وانجلت الرغوة عن اللبن الصريح.

стр. 259

سكتنا طول هذه المدة، وما كان سكوتنا- علم الله- سكوت المشدوه عقدت الحيرة لسانه، ولا سكوت الجبان المنخوب سكن الهلع جنانه، ولا سكوت الغافل الغرير تفجؤه أحداث الدهر فيجم لها ويطرق، ولا سكوت المبطل يشهر الحق عليه دلائله فيعيا عن البيان، ولكننا سكتنا سكوت المعتد بيقينه، المستبصر في مآخذ شؤونه ومتاركها، الواثق بأن هذه الحوادث- وإن اعتكرت ظلماؤها- غمرات ثم ينجلين، وأن هذه المكائد مردودة في نحور الكائدين وأن العاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. ثارت العاصفة فعلمنا من زمانها ومكانها وجميع ملابساتها أنها موجّهة إلى هدف، وأن جمعية العلماء هي بعض ذلك الهدف، واندفعت الأقلام الخاطئة تكتب في شأنها وتخط، والألسنة الكاذبة تتحكّم في موقفها وتشتط، بل قد تطايرت كلمات الاتهام لجمعية العلماء صريحة من أفواه كان الثرى أولى بها من ذلك، وقذفتها ألسنة لا تترجم عن حق ولا تصدر عن يقين. أما وقد تبيّن للناس في آخرها ما اعتقدناه نحن في أولها، وهو أن الحادثة من أولها إلى آخرها رواية مخجلة فضح نور الحق ممثليها، فجاءت أخزى ما تكون تخاذلًا في الأجزاء وتشويشًا في الفصول، فقد وجب أن نقول كلمتنا فيها ولا يضيرنا إن كنّا أول الناس اعتقادًا للحقيقة وآخِرَهُم قولًا في بيانها. مضت على جمعية العلماء خمسة أعوام وهي تدعو إلى الحق والفضيلة، ثابتة الخطى في طريقها متمسّكة بمبدئها مجادلة عنه بالبرهان العلمي، راكبة متن التسامح مع خصومها، متحلية بالأدب القرآني الجليل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. وكم أقام خصومها حولها من ضجيج، وكم نصبوا في طريقها من عراقيل، وكم بثوا لها من مكائد. وما نقموا منها إلا أنها تدعو إلى الفضيلة، والفضيلة غريبة عند هؤلاء، وتدعو إلى الحق، والحق ثقيل عليهم، وتنهض بالإسلام ولسانه وهما لا يلائمان بعض الأمزجة، ولا نقموا من رجالها إلا أنهم لا يلينون لغامز، ولا يثنيهم الوعيد والتهديد، ولا تستهويهم الوظائف والرتب، ولا يستنزلون عن مبدئهم الحق بالرقى، ولا يتساهلون في واجب، ولو تجلّت عليهم الدنيا بألطافها، ولا يعنون لباغ ولو حشد لحربهم مَنْ بأقطارها. كبر على الخرافيين الضالين ما تدعو إليه هذه الجمعية من حق ديني واضح، ولو كان كعمود الصبح، ورأوا في هذه الدعوة زعزعة لأركان سلطانهم، وكبر على المستبدين الظالمين ما تدعو إليه من تنقيح للأخلاق التي هي قوام الحياة، ورأوا في هذه الدعوة عنادًا لما بيّتوه من قتل مشاعر هذه الأمة وسدّ منافذ الحياة في وجهها. فأجمع هؤلاء وأولئك أمرهم على حربها وتدبير المكائد لها. واتّبعوا ما تتلو الشياطين عليها، فشدد هؤلاء وضيّقوا، وأعنتوا وأرهقوا، بعد أن صاح أولئك وأعولوا، وبالغوا وهوّلوا.

стр. 260

ثم كانت حركة المؤتمر الإسلامي الجزائري في هذه السنة، فضربت الجمعية في الدعوة إليه بسهم على أنها دعوة إلى الحق والخير، وشاركت في تكوينه والحضور فيه، على أن ذلك جزء من عملها ونوع من إيصال الخير إلى الأمة، وأدمجت مطالبها الدينية في مطالبه على أنها جزء من مطالب الأمة الجزائرية مكمّل لها، بل هو الجزء الذي لا حياة لها بدونه جمعًا للجهود وحصرًا للعمل وتوحيدا للصفوف. ثم شاركت في اللجنة التنفيذية للمؤتمر على أنها إحدى عناصر القوة الثلاثة التي قام عليها المؤتمر، ثم شاركت في الوفد الإسلامي الذي أوفدته اللجنة التنفيذية إلى باريس، وتجلّت قوة الجمعية بمواقفها الثلاثة: من المؤتمر، واللجنة التنفيذية، والوفد، تمام التجلّي. هنا ضاق ذرع المبطلين بهذه الجمعية وبالمؤتمر الذي هي إحدى دعائمه، وبالمطالب التي يوشك أن تتحقّق وينتزعها الإنصاف من بين أشداق الأسد، وبالأمة التي أصبحت معلّقة الآمال بالجمعية وبالمؤتمر، وعلم أولئك المبطلون أن الأمر إذا تمادى على هذا الحال فإن سلطان الاستبداد إلى زوال، وإن هذه الحملة ستذهب في نظرهم بقيصر، فلا قيصر بعد اليوم فكانت المكيدة الشنعاء، وكان الاغتيال الشنيع وكان الاعتقال المزعج، وكانت الضجّة التي اتّسع مداها وطبّق الشرق والغرب صداها، وكانت الإثارة والاستفزاز اللذان وقى الله شرّهما وأحسن عاقبتهما، ووازر هذه الشناعات كلها صحف تتأوّل وألسنة تتقوّل، تقابلها من جهتنا عقيدة في الحق لا تتحوّل وثبات لا يتزلزل، وثقة بالله ثم بالقضاء العادل لا تتغير ولا تتبدل. وقفة على أطلال الحادثة: عهدنا من حواة العيساويين أنهم يعرضون ألعابهم الغريبة ليمتّعوا لا ليروعوا، وانهم يودعون أسفاطهم الحيات والثعابين من الأرقط وذي الطفيتين حتى إذا جاء وقت العرض أظهروا ذواتهم للناس، ليكون الأنس بمرآهم- وهم من جنس الآدميين- مخففًا من الوحشة لمنظر تلك الحيّات والتنكر منها. أما عيساويو حادثتنا فإنهم يقومون بألعابهم المفزعة من وراء حجاب كثيف، ويدبّرون المكائد في غسق الليل، ولكن أعمالهم تدل عليهم كما يدلّ أحد المتلازمين تلازمًا طبيعيا على الآخر حتى ليوشك أن يضع العارفون بأسرار المكائد أيديهم عليهم ويقولوا هذا فلان وهذا فلان. دبّر هذا الفريق المختفي المكيدة التي نتحدّث عنها وأحكموا التدبير، فجاءت وكأنها كتاب يشتمل على مقدمات وفصلين ولواحق، ولكن شاءت الأقدار أن تسقط المقدّمات من نسخة المؤلف فلم يقرأها الناس، ويبقى الفصلان فصل في الاغتيال وفصل في الاعتقال.

стр. 261

ويدلّ أسلوب الفصلين على أن المؤلف كان متوجهًا إلى توليد فصل ثالث من الفصلين وهو فصل في الهيجان. وعلى هذا الفصل تتفرّع اللواحق التي بها يتمّ الكتاب ... يا لله لهذه الأمة المسكينة! أكلّما طلبت رفدًا أو استنجزت وعدًا أو تعلّقت بسبب من أسباب الحياة وقف لها الكائدون بكل مرصد، وحالوا بينها وبين ما تريد، وركبوا الصعب والذلول في سبيل حرمانها من حقّها في الحياة، وقد كانوا قبل اليوم يركبون جميع الوسائل لمنع صوتها من الوصول إلى آذان العدل؟ فلما أعياهم هذا، واخترق الصوت الحجب على محافتها وأسمع داعيه وأوشك أن يستجاب، عدلوا إلى ما رأيت أثره، وسمعت خبره. بدت بوارق الأمل في الحكومة الشعبية وآنست الأمة الجزائرية تبدّلًا في الأوضاع، فاجتمعت وعقدت المؤتمر وقرّرت المطالب، وأرسلت الوفد وأعلنت ثقتها بالحكومة الشعبية، لأنها بدأت بالجميل ووضعت كلمة الشفاء في أذن "العليل"، وبدأت بوادر الإصلاح تظهر، هنالك كبر على هؤلاء الكائدين أن يروا هذا الشعب متمتعًا ببعض حقوقه الطبيعية، متحليًا- تحت راية فرنسا- بما يناسب سمعة فرنسا وشرف فرنسا، فاهتبلوا حادثًا بسيطًا عاديًا- إن لم يكونوا سببًا فيه- وبنوا عليه ما أحرج الأمة ليخرجوها عن صوابها فيقع منها ما يسمّى في اصطلاحهم ثورة، ويسمّى مرتكبه في نظرهم ثائرًا، فإذا تمّ لهم ذلك كله تقطعت الصلات بين الأمة الجزائرية وبين الحكومة الشعبية، ولم يبق لجانب ثقة بالجانب الآخر وكان الربح المعجّل لهؤلاء الكائدين هو حرمان هذه الأمة من حقوقها والإمعان في إرهاقها وإذلالها إلى أن لا يبقى فيها عرق ينبض بالمطالبة بحق، ولولا أن الله- وله المنة وحده- فضح الكائدين بظهور الحق في الحادثة، لتمّ لهم ما يريدون وفوق ما يريدون ولقضوا على هذه الأشباح التي تؤرق جفونهم وتقضّ مضاجعهم ولكن تدبير الله فوق كل تدبير. أول تحدِّ للمكيدة اغتيل الشيخ كحول في رابعة النهار وفي يوم احتشدت فيه عشرات الألوف من الأمة الإسلامية لتسمع أعمال الوفد من رجاله ولتعلن ابتهاجها بالمرحلة التي قطعتها من حياتها الجديدة وهي إسماع صوتها لفرنسا .. وكانت خطبة أخينا الأستاذ العقبي في هذا الاجتماع الرائع صريحة في تحديد الآراء، فصيحة في التبليغ والأداء، بليغة في النصح بلزوم السكون. وبلغنا خبر الاغتيال ونحن في غمرة من الفرح بنجاح الوفد في تبليغ أمانة الأمة للحكومة وفي تبليغ جواب الحكومة للأمة، فاستفظعنا الحادثة وقلنا: محال أن تسفك الدم يد صفقت طربا بيوم المؤتمر وبيوم سفر الوفد وبيوم رجوعه، ومحال أن يملي القتل قلب أفعم سرورًا بهذه المشاهد الثلاثة، ومحال أن تعيه أذن واعية للنصائح التي بثّت يوم المؤتمر ويوم الوفد،

стр. 262

وهما يومان لهما ما بينهما وما بعدهما، ومحال أن يرتكب هذا الجرم شخص يشعر بما تشعر به الأمة في هذه الأيام، إذًا فالقاتل ليس من الأمة إما حقيقة وإما حكمًا، وإذن فَهُوَ عدو للأمة يريد هو أو يريد من حرّكه للقتل أن يكدّر عليها صفوها وينغّص عليها سرورها، ولعلّ له من وراء ذلك مآرب أخرى أرادها وأدار الجريمة عليها، ولم يكن موضع الغرابة عندنا في ذلك اليوم قاتلًا ومقتولًا فهذا أمر اعتيادي يقع مثله في كثير من الأيام، ولكن موضع الغرابة أن يكون المقتول فلانًا وأن يكون قتله في ذلك اليوم وفي تلك الحصة التي هي منتصف الساعة العاشرة والاجتماع لم ينفضّ بعد. شممنا رائحة الكيد من تلك اللحظة، ثم قرأنا في بعض الخطب والمقالات جملًا فيها دس وفيها تحريش، وفيها إشارات مبهمة فوكلنا الأمر إلى الله الحق، وانتظرنا التحقيق العدلي وبدأت الألسنة تهرف، والأقلام ترجف، والتحقيق يدور في طريق طامس إلى أن صدر الأمر بتفتيش نادي الترقّي وإدارة جمعية العلماء وإدارة جريدة البصائر، وعقب ذلك اعتقال الأستاذ الشيخ الطيب العقبي. لم نندهش للتفتيش لعلمنا بنتائجه، ويقيننا أنه شيء اقتضته الاجراءات العدلية، وإنما أخذناه دليلًا مجسمًا على أن الحادثة رواية محبوكة الأطراف، وبعد التفتيش والختم وقع اعتقال الأستاذ العقبي فتجلّت المكيدة وتمّ تمثيل دورها الثاني في جو يدعو إلى الاستفزاز: الجمهور محتشد تتخلله قوات البوليس السري والعلني ومن ورائه الحرس المدني وقوات السينيقال (١) بمعداتها، وهذا المظهر كله يجمعه قولك: جذوة وريح. وكيف لا يؤثر هذا المنظر في نفوس ترى، مع احترامها للأجراءات العدلية، ان من الحكمة الوصول إلى غايتها بغير هذه الصورة وعلى غير هذا الوجه؟ كانت النفوس ثائرة، ولكن الله لطف فكانت القيادة للعقل لا للعاطفة، وكانت الجماهير المحتشدة عند حسن الظن بها، ومن خفي لطف الله أن كان الأستاذ الأكبر الشيخ (عبد الحميد بن باديس) رئيس جمعية العلماء حاضرًا ومعه الأستاذ (محمد خير الدين) وكاتب هذه الأسطر وجماعة من الأساتذة العاملين في الجمعية فتقدمنا إلى الجمهور الحاشد أن يتلقّى الصدمة بالصبر، وأن يقابل المكيدة بما يحبطها ففعل وانقاد، وبثثنا في الأحياء دعاة يدعون إلى الهدوء والسكينة فامتثل الناس، ومرّت أيام اعتقال الأستاذ المظلوم من دون أن يحدث فيها ما يكدّر الأمن أو يخلّ بالنظام، وكان هذا أول فشل للمكيدة ومدبّريها وردّهم الله بغيظهم لم يبلغوا أملًا والحمد لله.

стр. 263

مستند العدلية في اعقال الأستاذ العقبي: كان القاتل "عكاشة" في بدء التحقيق معه اعترف بالقتل، وانه إنما قتل بدافع وجداني لا أثر لإيعاز الغير فيه، وذكر السبب الذي أثار هذا الدافع في نفسه، وذكر أنه اشترى السلاح الذي قتل به من محل سماه، ونشرت البلاغات الرسمية تفاصيل هذا التحقيق. ثم بعد أيام، ولأسباب يعلمها علّام الغيوب، رجع عن هذا كله وأدلى للمحققين برواية جديدة ذات فصول وهي: ان الشيخ الطيب العقبي هو الذي أوعز إليه بارتكاب هذه الجريمة، وانه هو الذي أعطاه الموسى التي قتل بها، وانه وعده بثلاثين ألف فرنك أجرة على القتل، وكان ذلك كله بحضور رجلين لم يسمهما ولكنه وصفهما بصفات سطحية تنطبق على كثير من الناس- وان ذلك كله وقع في "نادي الترقي" في عشية يوم معين- فاستندت العدلية على هذا واعتقلت الأستاذ العقبي على الصورة التي ذكرناها بعد أن فتّشت خزائن الإدارات التي ذكرناها وحجزت الكثير من دفاترها وأوراقها. وهنا محل اندهاش الرأي العام في القطر الجزائري وجمهور عظيم من العقلاء والمفكّرين في غيره ممن يعرفون الأستاذ العقبي معرفة عيان أو معرفة سماع، ويعرفون مكانته في العلم والدين والإصلاح، وممن يعرفون جمعية العلماء ومبادئها وأصول دعوتها، وانها إذا عادت فإنّما تعادي المبادئ لا الأشخاص، وإذا خاصمت فإنما تخاصم في العموميات لا في الشخصيات، وإن الأصول التي بنت عليها دعوتها هي التعليم والتحابب والتسامح. ومنطق الرأي العام في اندهاشه واستغرابه ينبئ على اعتبارين يرجع أحدهما إلى الجاني عكاشة ويرجع الآخر إلى الشيخ العقبي. فالاعتبار الأول هو أن عكاشة رجل جان معترف بالجناية، مجرم عريق في الإجرام، وله سوابق مسجّلة. فينبغي أن تؤخذ أقواله بغاية التروّي والتعقّل وعدم الوقوف عند ظواهرها، وعرضها على ميزان المنطق وعلم النفس، وإلا فإن كل ذي مكانة كمكانة الشيخ العقبي سيتبوّأ مكانه في "بربروس" ما دام كل مجرم كعكاشة. نعم يجوز أن يكون عكاشة ارتكب الجناية بإيعاز، ويحتمل أن يكون مأجورًا، ولكن الرواية التي قصّها على العدلية ذات أجزاء لا يستقلّ جزء منها عن الآخر ولا يمكن أن ينظر في كل واحد على حدة وإنما ينظر إليها مجموعة، وعمل العقل هنا إنما هو فيما بين هذه الأجزاء من ترابط أو تفكك، فإذا انهار منها جزء انهارت بقية الأجزاء.

стр. 264

والرأي العام لا يهضم هذه الأجزاء التي تألفت منها رواية عكاشة لا مجتمعة ولا مفترقة، ويستحيل في نظره أن موعزًا بالقتل يعطي السلاح للقاتل ويتحكّم في قوّته واختصاصه، وان موعزًا بالقتل مهما كانت درجته في الذكاء والبلادة يتّصل بمجرم لا يعرفه ويفضي إليه بسرّ مثل هذا، وان مؤامرة مثل هذه تدبر في لحظة، وفي "نادي الترقّي" الذي لا ينقطع روّاده وفي يوم جمعة، وبعد درس في الوعظ الديني وتفسير لكلام الله يرقّق القلوب ويسيل المدامع من خشية الله، ومن الواعظ الذي لم يزل لسانه رطبًا بكلام الله. كما يستبعد أن قاتلًا يقتل للمال ثم لا يأخذ الأجرة بعد تمام العمل، فهل أخذ عكاشة الثلاثين ألفًا؟ .. وممن أخذها؟ وقد بقي طليقًا مدة يتيسّر له فيها أن يأخذ الأجرة أو بعضها ... وأما الاعتبار الثاني الراجع إلى الأستاذ العقبي وجمعية العلماء التي هو من أكبر الممثلين لهديها وسيرتها والقائمين بدعوتها، بل هو أبعد رجالها صيتًا في عالم الإصلاح الديني وأعلاهم صوتًا في الدعوة إليه، فإن الرأي العام في القطر الجزائري- من المسلمين وغير المسلمين- ولا نستثني من خصوم الإصلاح إلا القليل، يعرف حق المعرفة من هو الأستاذ العقبي في ورعه وتقواه وعلمه وهداه؟ ويعرف أن ما وصمه به عكاشة هو شيء مصنوع لا مطبوع، وان العقبي لم يخلق قتّالًا وإنما خلق قوالًا للحق أمّارًا بالمعروف، نهاءًا عن المنكر، وقّافًا عند حدود دينه، وان شدّته في الحق لا تعدو بيان الحق وعدم المداراة فيه وعدم المبالاة بمن يقف في سبيله وأنه رجل كفاح ولكن في غير هذه الميادين، وأن الغيلة والدسّ والتحريش كلها مياه لا ترشح من هذا الإناء، وأن رجلًا مثل العقبي أدّبته الأخلاق الإسلامية الصحيحة وطبعته الهداية القرآنية العالية على غرارها يستحيل أن تخالط هذه المقاصد السافلة قلبه أو تجمعه بأصحابها سبيل. ويعتقد الرأي العام أن الأستاذ العقبي لو لم يمنعه دينه وتقواه مما وصمه به عكاشة لمنعه شرفه وهمّته ومروءته، ولو لم تمنعه هذه الثلاثة لمنعه عقله وذكاؤه. فهل يعقل أن تهمة سخيفة كهذه من مجرم كعكاشة تعلق بمتحصّن بهذه الحصون المنيعة كالعقبي ويكون لها من القيمة ما يصيره متهمًا بالإجرام، ومن الأثر ما يدخله سجن "بربروس"، ومن النتيجة أن يقال له بعد ستة أيام قضاها في السجن: أنت حر ولكن تحت الطلب؟ ... هذا هو محل اندهاش الرأي العام الجزائري واستغرابه وتساؤله، مع الاحترام الكامل للعدالة الفرنسية، وان استغراب هذه الحادثة لم ينحصر في الجزائر وحدها بل جاوزها إلى حيث تبلغ سمعة الأستاذ العقبي ويصل ذكر جمعية العلماء، فقد قرأنا في مئات البرقيات

стр. 265

والرسائل الخاصة الواردة علينا من مختلف الأقطار، وقرأ الناس معنا في الصحف السيّارة، عربية وفرنسية، ان اعتقال الأستاذ العقبي قوبل في جميع الأقطار بامتعاض عام، وان ذلك الامتعاض هو الذي أنطق الألسنة وحرّك الأقلام. ومعلوم أنه لا يذكر اسم الأستاذ العقبي إلّا وتذكر بذكره جمعية العلماء، وأن الناس ليعرفون من رجال هذه الجمعية المسيّرين لها ما يعرفونه عن الأستاذ العقبي، ويعلمون من مكانتها العظيمة وسمعتها الشريفة وصيتها البعيد مثل ما يعلمون من مكانته وسمعته وصيته، ويعرفون مواقفها المشرّفة في خدمة الإسلام والعربية، وان دعوتها الإصلاحية التي رسخت في القطر الجزائري وتغلغلت في جميع أوساطه وطبقاته دعوة واضحة المعالم بيّنة الحدود مبنية على البرهان لا على السفسطة، وعلى الإقناع لا على المشادَّة، وعلى التحابب لا على التنافر، وعلى الجمع في الحق لا على التفريق في الباطل. وهي تعمل لغايات شريفة بوسائل شريفة، وفي النهار الضاحي لا في الليل المظلم، ومن مباديها أن لا تنتصر بالباطل ولا تنتصر للباطل، ولا تتكثّر بالمبطلين ولا تتزوّد بالكذب ولا تأمر بالشيء حتى تكون أول فاعل له، ولا تنهى عن الشيء حتى تكون أول تارك له. وإذا كان أساس عملها كله تطهير المجتمع الإسلامي من العقائد الباطلة والأخلاق السافلة ومحاربة الشرّ من أي طريق جاء، فمحال أن ترضى عن الأشرار أو تقبل بالشرّ. وقد لقيت في تاريخ حياتها خصومات عنيفة وواجهت خصومًا أقوياء. وكانت في جميع ذلك مظلومة واحتملت من الأذى والكيد والعدوان والتهم الباطلة ما تنوء به الجبال، فلم تلجأ في جميع مواقفها إلا إلى الحق والصبر. وإذا نسي الناس فإنهم لم ينسوا حادثة الاعتداء على الأستاذ "عبد الحميد بن باديس" الذي هو رئيس هذه الجمعية منذ تأسست إلى اليوم، فقد تآمر العليويون على اغتياله حيث ثقلت عليهم وطأة الحق الذي كان يقوله ولا زال يقوله فيهم وفي أمثالهم، وانتدب أشقاها لقتله في قسنطينة وضربه الضربة القاضية لولا وقاية الله ولطفه، ففي ذلك المشهد الذي تطيش فيه الألباب وتتفشى فيه روح الانتقام قوى الله الأستاذ- وهو أعزل- فأمسك خصمه الفاتك المسلّح ولبّبه بثيابه، ثم تجلّى على قلبه المطمئن بالرحمة فقال- وجرحه يثعب دمًا- للجمهور المتألّب المتعطّش لدم الجاني: "إياكم أن يمسّه أحد منكم بسوء" حتى تسلموه للمحافظة، ولولا هذه الكلمة لقطعوا الجاني إربًا إربًا، وقد خلد هذه الحادثة شاعر الجزائر الأستاذ محمد العيد في قصيدة يقول فيها: وكادت يد الجاني المُسَخَّرِ تعتلي ... يد الشيخ لولا الله أدركه لولا وان أنس لا أنس الذين تضافروا ... على الفتك بالجاني فقلت لهم مهلا

стр. 266

إن معاملة الأستاذ الرئيس للجاني عليه بالرحمة والاستبقاء واطفاءه لنائرة تلك القلوب التي كانت تغلي حقدًا عليه- بتلك الجملة الرحيمة- لنفحة من نفحات الأخلاق النبوية التي يدعو الأستاذ ورفاقه إليها، وأساس من الأسس التي بنت عليها جمعية العلماء دعوتها، ومثل شرود في الرفق والرحمة والسلام، وحجة قاطعة لألسنة المتقوّلين على هذه الجمعية والرامين لها بالسوء. المستغربات في هذه الحادثة (٢) الرأي العام الجزائري- ونحن معه- يحترم القضاء الفرنسي إلى أقصى حدود الاحترام، ويعتقد نزاهته واستقلاله عن المؤثرات الخارجية اعتقادًا لا شائبة فيه للريب، ويحمل من الثقة الكاملة به ما لا يحمله لأية سلطة أخرى ولا لأية هيئة سواه، فإذا جاوزنا أفق القضاء، فإن الرأي العام يقف من بعض النقط في هذه الحادثة موقف المستغرب الحيران كما وقف من أصلها موقف المستفظع المستنكر. والرأي العام الجزائري- بفضل المعاملات الشاذة الجارية بهذا القطر- أصبح يقظًا حسّاسًا دقيق الملاحظة لا تفوته ظاهرة دون التعليق عليها، ونحن لا نزعم للرأي العام صدق الفراسة في كل شيء، وإنما نسوق بعض ما تدور عليه أحاديث الناس في هذه الحادثة للاعتبار وللتدليل على أن هناك رأيًا عامًا لا نستهين به وإن استهان به أقوام. يستغرب الرأي العام بقاء الجاني بعد اعترافه بارتكاب الجريمة أيامًا وليالي في إدارة الإخبار السري، ويؤيد الرأي العام في هذا الاستغراب بعض أوساط المحاماة. ويستغرب تفتيش خزانة جمعية العلماء ما دامت التهمة موجّهة نحو شخص معيّن أو أشخاص معينين، ويستغرب إقفال مكتب الخيرية ومسجدها مع أنها تؤدي عملًا دينيًا بمسجدها الذي يصلي فيه الناس، وعملًا إنسانيًا بما يقوم به مكتبها من إحسان للبائسين وإعانة للمنقطعين. ويستغرب الكلمات السفيهة التي واجه بها رئيس البوليس السرّي وبعض أعوانه الأستاذ العقبي أثناء الذهاب به إلى السجن. ويستغرب المعاملة الجافية التي عامل بها ذلك الرئيس وأعوانه كلًا من السيدين محمد بن مرابط ورشيد بطحوش، ويستغرب قول ذلك الرئيس للسيد عباس التركي حينما طلب منه التعجيل باستنطاقه "إن نازلتك طويلة فارجع في العشية"، فمن أين علم السيد الرئيس ان نازلة عباس طويلة إلا إذا كان عكاشة قد سمّاه باسمه، والمفروض أنه لم يسمّ واحدًا من الرجلين ...

стр. 267

ويستغرب موقف الجرائد الفرنسية اليومية، فقد كانت منذ اعتقل الأستاذ العقبي تكتب الفصول الطوال بالعناوين الضخمة وتنشر الصور المثيرة ولا تقتضب من البلاغات الرسمية حرفًا ولا كلمة وتصوّر الاحتمالات بصورة الحقائق المسلمة، وتصف حادثة الاغتيال بأنها نتيجة مؤامرة واسعة النطاق وترسل الكلمات الجارحة جزافًا حتى بلغ التهوّر بإحداهنّ أن كتبت في الموضوع بتاريخ يوم الأربعاء الثاني عشر من أوت مقالًا فيه عتاب لقاضي التحقيق المحترم على ما سمّته بزعمها تراخيًا في الإجراءات، وقالت في هذا الفصل بدون حياء ولا خجل: ان الشخص الثاني من شريكي العقبي في المؤامرة قد ركب البحر أمس. ولم يبق عليها إلا أن تقول هو فلال بن فلان. فمن أين لهذه الجريدة أن المسافر هو أحد المتآمرين؟ وما الذي حملها على ذلك لولا التحريش الذي هو جزء من "المكيدة" وما الذي أبقته للقضاء بعد هذا البيان؟ بل ما الذي أبقته لعكاشة؟ مع أن عكاشة الذي هو المحور في القضية لم يسمّ واحدًا من الشريكين الخياليين، وإنما وصفهما بصفات مبهمة. فكيف ساغ لهذه الجريدة التي لم تحترم القضاء ولم تحترم نفسها ولا قرّاءها أن تقول ما قالت وتعتدي على الأبرياءَ وتتدخل فيما هو من اختصاص عكاشة وحده؟ أم كيف لا نعذر في اعتقادنا أن هذه الحادثة من أولها إلى آخرها مكيدة مبيتة، وانها موجّهة إلى هدف مخصوص، ما دمنا نقرأ مثل هذا الكلام في جريدة لا يصدرها الجن ولا يقرأها الجن وإنما يصدرها أبناء آدم ليقرأها أبناء آدم؟ لسنا- والحمد لله- ممن يتهم الأبرياء ولا ممن يقف في طريق العدالة أو يثير في وجهها الغبار ليحجب الحقيقة عنها، ولا ممن يرسل الكلام جزافًا، وقد قلنا في طالعة هذه الكلمة ولا زلنا نقول ان الحادثة مكيدة، ونحن قوم ندين بالقرائن كجميع العقلاء، ونؤمن بالمثل- "لا دخان بلا نار"، وقد حصلنا نصف العلم بهذا يوم قال السيد ميشال في منشوره المعروف ما قال، وأوصى أعوانه تلك الوصايا الأكيدة بمراقبة ما سمّاه الحركة الوهّابية وتتبع خطواتها في الاجتماعات العمومية، وتوجيه التهم التي تقتضي الإحالة على "البركي" (٣). وحصلنا النصف الثاني يوم قالت هذه الجريدة ما قالت، وأوحي إليها بما لم يوحَ إلى عكاشة. وحسب العاقل من الأمور مبادئها وخواتمها. إننا لا نظن أنّ أمثال صاحب هذه الجريدة يحتكرون لأنفسهم ملكة الاستنتاج والقياس، ولا ان الحرية التي وسعتهم إلى حد مراغمة الحقائق ونبز الأبرياء تضيق بنا إلى أن لا نقول ان هذه النتائج من تلك المقدمات.

стр. 268

ثم كانت خاتمة الغرائب وأم العجائب ان هذه الجرائد التي كانت بالأمس تكتب فتطول، وتحكي فتهول سكتت بعد الإفراج عن الأستاذ العقبي دفعة واحدة وسكنت تلك الأعصاب الهائجة فسكنت بسكونها الأقلام، كأنه لا يعنيها في المسألة جريمة وقتيل، وإنما يعنيها أن ينحرف الحق وتزيغ العدالة فتساق التهمة إلى الأبرياء. فلما استقام الحق في نصابه وجرت العدالة على مِنهاجِها ساءها ذلك فسكتت، وان سكوتها لدليل عند العارفين على كلامها، وقد أصبح الناس كلهم عارفين ... مرامي الإشاعات الأولى: تناثرت لأول وقوع حادثة الاغتيال كلمات من مصادر مختلفة متفاوتة في الاعتبار ولم نحملها نحن على أنها تكهّنات من شأنها أن تصدر في مثل هذه الغيلة المحاطة بالغموض، بل حملناها بحسب المقامات التي صدرت عنها على أنها مقصودة وانها ترمي إلى أشياء سيكشفها الزمن. قال قوم إن القتل سياسي، وقال آخرون إن القتل ديني، وقال غيرهم ان القتل شخصي ... ومستند الرأي الأول: ان القتيل غمس يده في حركة المعارضة للوفد الإسلامي الجزائري ومطالبه، وكتب التلغراف المعروف يتبرأ فيه من الوفد بنوعيه السياسي والديني، فمغزى هذا الرأي سوق التهمة إلى الوفد. ومستند الرأي الثاني: ان القتيل عالم ديني أو على الأقل ذو منصب ديني، وقد عرف بالخصومة لحركة الإصلاح الديني، ومغزى هذا الرأي جر التهمة إلى جمعية العلماء أو إلى النادي الذي هو مركزها أو إلى العقبي الذي هو ممثلها الأكبر في العاصمة. ونحن لا نملك على الناس أهواءهم وألسنتهم، ولا نتحكّم في تخميناتهم واعتقاداتهم، كما اننا لا نذهب ظنون الناس بيقيننا في الطرف السلبي من المسألة وهو ان الاغتيال ليس نتيجة مؤامرة تتصل بالوفد أو بجمعية العلماء أو بالنادي، أما الطرف الآخر الإيجابي، وهو مصدر الاغتيال، فلا شأن لنا به ولا يقين لنا فيه بل نكل علمه إلى الله، ونكل الكشف عنه إلى القضاء العادل. لا يصحّ الاعتقاد بأن القتل له صلة بالمعارضة للوفد، فالمعارضون كثير والمعارضة معهودة، ولا بالمضادة لحركة الإصلاح الديني، فالمضادة قديمة والقدم مظنة النسيان والخمود، والرجل واحد من عشرات الألوف من هذه الفرقة التي تحقد على الإصلاح الديني وتحمل لأصحابه الحقد والضغينة، ونحن لا نعتبر هذه الفرقة عدوة لنا وإنما نعتبرها بقية من حملة الفكر القديم الخرافي، تعتمد على نظريات سيذهب بها انتشار الإصلاح،

стр. 269

وتستند على سناد من القوة التي لها هوى في بقاء ما كان على ما كان، ولا تلتئم مصلحتها مع الإصلاح الديني، وسينهار هذا السناد بظهور الحق، ونحن على يقين ان وجود هذه الفرقة طبيعي، ومن سنن الله التي لا تقاوم، وسيكتسحها الزمن وتقلباته لعدم صلاحية ما هي عليه لهذه التقلبات، فقصارى صنعنا مع هذه الطائفة أن نتربّص بها صنع الله. وقد تكالبت علينا هذه الفرقة في بعض الأحايين، وجاء بعض أفرادها في باب الكيد لنا بما لم يأت القتيل بعشره، ومع ذلك فلم تحدّثنا أنفسنا أن نلتجى في مقاومتها إلى الطرق السافلة التي تأباها تربيتنا الإسلامية، وتأباها أصول مبدئنا الإصلاحي المبني على التسامح قبل كل شيء. أما الشيخ كحول الذي يحاول المغرضون جعله ممتازًا في باب المضادة للإصلاح ليبنوا عليه ما تسوّله لهم أنفسهم، فإننا لا ندّعي- بهتانًا- أننا أصدقاء له، ولكننا لا نجيز لأحد أن يدّعي علينا أننا أعداء له بالمعنى العرفي الذي يفهمه الناس من كلمة العداوة وهو الذي يكون من آثاره إضمار الشر والسعي في الانتقام، وإنما نحن معه كشأننا مع بقية الناس، نرى رأيًا في الدين ويرى هو خلافه، والحكم بيننا هو الدليل فإذا لم يقنع فأمره إلى الله. ونحن لا نعتبر من هذا الرجل بخصوصه وصفه بالعلم وإنما نعتبر علاقته بالحكم، والرجل كما عهدناه ذكي نزاع بطبيعته إلى الاستقلال الفكري، فلو تركته الظروف لكان في عداد المصلحين، وعلى هذا فمعارضته للإصلاح الديني ليست ذاتية وإنما هي مصطنعة، وإذا كان في الرجل ميزة يمتاز بها عن خصوم الإصلاح فهي هذه. والرجل يجمع إلى وظيفه الديني وظيفًا آخر إداريًا، وكلتا الوظيفتين بطبيعتهما لا تخلو من ملابسات واحتكاكات تغرس لصاحبها البغضاء في نفوس أقوام والمحبة في نفوس آخرين، وصاحب الوظيف الديني في هذا الوطن الشاذ الأوضاع غير محدود العمل ولا مضبوط المسؤولية ولا واضح العلاقة مع رئيسه، وإنما هو كالقدح الفرد يستعمل حينًا آلة كيد وحينًا جارحة صيد، ولذلك كانت معارضة الرجل بالتلغراف المشهور قليلة التأثير في نفوس العقلاء لعلمهم أنه كتب باسمه لا بيده ... ونحن، للاعتبارات التي ذكرناها، وبطبيعة مبدئنا الإصلاحي الديني نقول بألسنة لم تتعوّد الكذب والمداجاة، ومن أفئدة لم يستقرّ فيها مع الخوف من الله الخوف من المخلوق: إننا لم نفرح لمصرع الشيخ كحول كما يظن الخراصون، ولم نتمن قط أن تكون خاتمته هذه الخاتمة، بل قابلنا الجريمة عند السماع بها بالأسف العظيم والاستنكار الشديد، واستعذنا بالله من كيد الكائدين ومكر الماكرين وغدر الغادرين، وسألناه توفيقًا يعصم من مصارع السوء ويقي من مزالق الفتن ويحفظ من عواقب المحن.

стр. 270

الإفراج عن الأستاذ العقبي ورفيقه: لم يخالجنا الشك لحظة في أن مصير الأستاذ العقبي ورفيقه السيد عبّاس التركي هو الإفراج وبراءة الساحة، وان الحق في هذه التهمة الشنعاء سيتجلّى للعيان، ولكننا كنّا نذهب في تقدير المدة مذاهب لا تحكم فيها إلا نتائج التحقيق، وقد لبث الأستاذ في السجن ستة أيام بلياليها، ولبث رفيقه نصفها ولم نمتعض- علم الله- للسجن وان عظم خطبه، ولا للسجين وان جل عندنا قدره، ولكننا كنا نمتعض لحظ هذه الأمة العاثر وطالعها المنكود، فهي كلما أقدمت على خير وشارفت الوصول إليه وبسطت الراحتين لتناوله، رماها الشيطان بفتنة هوجاء، أقل آثارها إطالة المدة، ومضاعفة الشدة، ومع ذلك الامتعاض فإن رجاءنا في الله وحده لم ينقطع، وثقتنا بالعدالة ورجالها لم تتزعزع. كان اليوم السادس من اعتقال الأستاذ العقبي هو اليوم المعين للتحقيق معه ومقابلته بالجاني، وكنا ننتظر نتيجة هذه المقابلة بوثوق بالحق، واطمئنان إليه. واستدعى قاضي التحقيق الأستاذ من معتقله وجيء بالجاني، وكان محاميا الأستاذ حاضرين، فلما مثل الجاني أمام القاضي وألقى عليه الأسئلة في الموضوع رجع على تلك الوصمة التي رمى بها الأستاذ، واعترف اعترافًا صريحًا بأنه مبطل فيها ومفتر على الأستاذ، وانه يرجو منه في هذا المجلس أن يسامحه ويعفو عنه، وأعلن أنه رجع عن الباطل إلى الحق، وكانت مفاوضة بين القاضي والمحاميين في قانونية إطلاق الأستاذ ورفيقه أسفرت عن لزوم الإفراج عنهما في تلك العشية. أطلق سراح الأستاذ ورفيقه في لحظة واحدة في منتصف الساعة السادسة وذهب بهما المحاميان إلى بيتيهما من طريق قليلة السلوك تفاديًا من التشويش والهيجان، ولكن الخبر انتشر بسرعة واهطعت الخلائق إلى داري الأستاذ ورفيقه (وكانتا متصاقبتين)، وطفق الناس في الشوارع يهنئ بعضهم بعضًا والبشر يطفح على وجوههم والدموع تسيل فرحًا، وكان مشهد الجموع المتدفقة على الأستاذ للتهنئة والتحقق من سراحه مشهدًا رائعًا، تجلّت فيه عواطف المحبة والأخوة الإسلامية والتقدير للرجال العاملين. واضطربت أسلاك البرق والتلفون في ذلك المساء تحمل البشرى إلى أطراف القطر وإلى خارج القطر. ثم تضافرت الأخبار وحملت إلينا الوفود ان تلك الليلة كانت ليلة عيد ضاحك مبتهج في جميع البلدان، وان كثيرًا من الناس أحيوها إلى الصباح في مرح وسرور وابتهاج، وانهم نسخوا بها كل ما اعتراهم من حزن وألم لاعتقال الأستاذ. ثم انهالت علينا في الأيام الموالية رسائل التهنئة، برقية وبريدية من القطر الجزائري وغيره من الأقطار، وكانت ترد علينا في كل ساعة عشرات البرقيات من الصباح إلى الساعة

стр. 271

العاشرة ليلًا، ثم انثالت وفود التهنئة من الأماكن القريبة والبعيدة يحملهم الشوق ويستتفزّهم السرور، لم يثنهم بعد الشقة ولا مس المشقة ولا كثرة الأشغال عن ذلك، ورأينا العجب العجاب من وحدة في الشعور وصدق في الأخوة وقصد في التقدير وتفانٍ في الإخلاص للرجال العاملين ما كنّا نظنّه ولا نطمع فيه، وربّ نقمة في طيّها نعمة. أما آثار اعتقال الأستاذ في الأمة الجزائرية وغيرها من الأمم الإسلامية ومدى تأثيره في الحركة الإصلاحية على الخصوص، فسنفرد له مقالًا خاصًا. فتح نادي الترقّي وما يتّصل به: بقيت النفوس بعد الإفراج عن الأستاذ العقبي متطلعة إلى فتح نادي الترقي وإدارة "البصائر" والخيرية، وكنت ترى على وجوه القوم بقية استياء وتتفرس ان في الصدور همًا. فتقول متعجبًا: أبعد ظهور الحق وانتصاره والإفراج عن الأستاذ يبقى مجال للكدر والاستياء؟ ولكنك لا تلبث أن تعرف ان مبعث هذا الاستياء هو إغلاق نادي الترقّي معقل الأمة التي كانت تأوي إليه كلما نابت نائبة أو حزب كرب، فتؤويها منه الساحة الواسعة والفناء الرحب، وان نادي الترقي لحقيق بهذه المكانة من نفوس الأمة، فكم نبتت فيه من مشاريع نافعة، وكم رنت في أبهائه أصوات مصاقيع خطباء العربية، وكم شبّت في أحضانه جمعيات مفيدة، وكم كان قدوة في الصالحات، وكم نسج الناس على منواله في تأسيس النوادي في أنحاء القطر، وحسبه شرفًا أنه مركز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. وفيه تعقد اجتماعاتها السنوية العامّة، وحسبه فضلًا على الأمة ما له من الأيادي على مؤتمرها العام في هذه السنة، ففيه انعقدت الجلسات التمهيدية للمؤتمر، وفيه انعقدت اللجنة التنفيذية للمؤتمر في أيامه المشهودة، وفيه اقتبلت الأمة الجزائرية وفدها بعد رجوعه من باريس. لعمرك ان ناديًا هذه أياديه على الأمة وهذه مكانته في النفوس لحقيق بالحزن لإغلاقه والتطلع لفتحه، وقد تمت الإجراءات اللازمة لفتحه عشية يوم الاثنين الرابع والعشرين من أوت، ففتح في تلك العشية وتدفق الناس على رحابه مبتهجين بفتحه مجددين التهنئة لبعضهم بذلك، وأدّى الناس فريضة المغرب من تلك الليلة في مسجد الخيرية. وتمّت الأفراح بخروج الأستاذ العقبي في صبيحة تلك الليلة من داره إلى النادي بعد أن قضى أيامًا لا يخرج من داره التماسًا للراحة والاستجمام. فرح المؤمنون في هذه الليلة المباركة بنصر الله واعتبروا بلطيف صنعه، وأيقنوا ان العاقبة للصبر والتقوى، وصدق الله وعده وأعزّ جنده وهزم الأحزاب وحده.

стр. 272

آثار اعتقال الأستاذ العقبي في الأمة الجزائرية ونتيجته للدّعوة الاصلاحيّة* أما والله لو استقبل الكائدون لجمعية العلماء من أمرهم ما استدبروا لما فعلوا فعلتهم الأخيرة ولتابوا التوبة النصوح من هذه المحاولات الفاشلة التي ما جرت لهم إلا الخزي والخيبة. ولو كان لخصوم هذه الجمعية بقية من إدراك لكان في تجاربهم المتكررة ما يَزَعُهُم عن الكيد لها والمكر بها، ويلزمهم بالإقلاع عن حربها وتغيير الرأي فيها وتخلية الطريق لها، ولكنهم قوم أكل الحقد قلوبهم وغطّى الهوى على بصائرهم، فكلما خابوا في مكيدة جاوز بهم الهوى موطن الاتعاظ بها وحرّكهم إلى سعي ضائع في أختها أو في أكبر منها. هم يريدون بما يمكرون شيئًا واحدًا ويرمون بما يكيدون إلى هدف واحد، وهو القضاء على جمعية العلماء بهذه المكائد التي يستفرغون فيها الوسع ويحكمون لها التدبير ويجمعون عليها الرأي بعد أن بذلوا أضعاف ذلك في صدّ الناس عنها وتنفيرهم منها فلم يفلحوا. وقد كانوا في هذه المرة أقوى ما كانوا أملًا في النجاح، وتوهّموا أن الظروف خدمتهم بتمهيد أسباب المكيدة وتهيئة الجو الصالح لها، فجاءتهم الخيبة من مبعث الأمل، وكانت صدمة الفشل عنيفة ومرارته لا تطاق، وأراد ربّك الحق أن تبقى هذه الجمعية شجى في حلوقهم، وان يكون من أسباب بقائها وتثبيتها ما تريده هي من بناء وما يراد بها من هدم، وأن يكون من دلائل حيويتها أن يرجع المناضلون لها في ميدان العلم بالرأي المحجوج، وأن يرجع المنازلون لها في ميدان العمل بالرأس المشجوج، وهذا شأن الحق والباطل مهما اصطرعا فلا تكون قوة الباطل إلا مزيدًا في قوة الحق.

стр. 273

لسنا نجهل هذا من سنن الله فلم نشك لحظة منذ وضعنا قدمنا في طريق الإصلاح الديني ورفعنا الصوت بالدعوة إليه في أن الله سيديل للحق من الباطل، وأنه يبتلي أولياءه بالأذى والمحنة ليمحصهم ويكمل إعدادهم للعظائم. ولم نزل على يقين تتجدّد شواهده ان في المصائب التي تصيبنا في سبيل الإصلاح شحذًا لهممنا وإرهافًا لعزائمنا، وتثبيتًا لأقدامنا، وإلفاتًا للغافلين عنّا إلى موقعنا من الأمة وموقفنا من أعدائها، وقد ألفنا هذه المكائد التي تنصب لنا حتى ما نبالي بها وأصبح حظنا من "الكشف" أن نعلم من أوائلها أواخرها، ومن مقدّماتها نتائجها ... واننا لنبتهج بالمصيبة تصيبنا في سبيل الإصلاح أضعاف ما يبتهج غيرنا بالطيبات والمسار، ونعد كبيرها- مهما أعضل وآذى- صغيرًا هينًا، وخفيها- مهما أفظع وبغت- ظاهرًا جليًا، ونأسى لإغبابها عنا كما يأسى الممحل للجدب، ونرتقب إلمامها بساحتنا كما يرتقب غيرنا النعم والخيرات، لعلمنا ان المعاني التي تتركها في نفوسنا هي المعاني التي نصبو إليها، وأن تمرسنا بها باب من أبواب الرجولة وسبيل من سبلها. ولقد كانت كبرى المكائد التي دبّرت للجمعية في تاريخ حياتها- المكيدة التي اغتالت الشيخ كحولا واعتقلت الأستاذ العقبي ولوّحت إلى اثنين كان أحدهما- بعد أن طاش السهم واختلّ الحساب- عباس التركي محمد وعلي، فقد اختار القائمون عليها من شخوص الجن أصلح الأوقات لإثارة الفتن، وأمتن الأسباب لتحريك الاحن. وساندهم فيها الرامح والناشب من حملة الأقلام ليمدّوا الحمأة بالماء ويمدّوا النار بالوقود، ولكن هل كانت العاقبة بعد ذلك الحشد كله لنا أو لهم؟ وهل كانت النتيجة في مصلحتنا أو في مصلحتهم؟ ينقسم خصوم الإصلاح- بعد اجتماعهم في أصل الموضوع- إلى فريقين: أقوياء وضعفاء. فالأقوياء يقومون بالدسّ وتبييت السوء لرجال الجمعية، والضعفاء يقومون بالتشهير وإشاعة قالة السوء عنها والشماتة المؤلثة بها، وكثيرًا ما تستمدّ أعمال هؤلاء من أقوال هؤلاء، وتجد ألسنة الضعفاء مادة للغزل والحوك من أعمال الأقوياء فتتطاول وتجتري، وتكذب وتفتري، وإذا لم تغض العقول من أعنة الألسنة لم تقف في الاستهتار عند حد. وأصحابنا لا عقول لهم وإنما هم أتباع أهواء وأبواق فتنة. وفي هذه الحادثة الأخيرة أمعن فريق الضعفاء في الشماتة إلى حد أنهم أقاموا الزينات وتبادلوا التهنئات ورجعوا من شعيرة "التزربد" (١) إلى طبع أصيل، وذهبوا في تأويل الرأي المبهم لعكاشة في "الاثنين" مذاهب شتى، وود كل واحد منهم- بدخول الحبس- لو كان من عكاشة مكان الملقن ... حتى يرفع عنه الحيرة والإشكال في هذين الاثنين، ولو أعطوا ما

стр. 274

تمنوا لرأينا منهم لأول مرة في حياتهم اتفاقًا يغبطون عليه في تعيين الاثنين وتبيين الاسمين ... وإذا كان الأقوياء يقادون بالهوى فما الظن بالضعفاء؟ إن خصومنا الضعفاء جهال بمعاني الحياة وأسبابها، جبناء في مواقفها، أذلة مع كل من ينازعهم حبلها، وهم لذلك كله لا يدركون معنى من معاني الشرف والرجولة وهم- لمهانتهم- يفهمون من أسباب العلو أسباب المهانة ولا يفهمون من أسباب "الحبس" إلا ما هم أهله من التزوير والإفلاس، وكل أموال الناس، وإلّا ما يرتبط بنفوسهم الوضيعة من نتائجه كالاحتقار وازدراء العيون. أما الأسباب الشريفة والمعاني الشريفة، والنتائج الشريفة، فهيهات أن تخطر لهم ببال. أما خصومنا الأقوياء فهم أول من يعلم أن دخول السجن شرف ما بعده شرف إذا كان في سبيل الحفاظ للدين أو الخدمة للوطن أو الإسعاد للأئة أو غير ذلك من الشؤون العامة التي يكبرها الناس ويفيضون عليها الاحترام والتقديس، وان الحبس لهذه الأسباب بقدر ما يضيق على صاحبه أيامًا معدودات يوسع له في آفاق الشهرة والخلود. لذلك نراهم يضنون به علينا ويبتعدون بنا عن طريقه، مع أنهم يملكون أسبابه ووسائله ما داموا يملكون الظلم والاستبداد والكذب "ومن أوتي الكذب فقد أوتي الأسلحة كلها"، ولكنهم لم يتورّعوا- ولن يتورّعوا- عن إدخالنا للسجن باسم الإجرام. إذا لم يذكروا ان حبل الكذب قصير وان المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، وان غير المجرم بالطبع لا يكون مجرمًا بالصناعة، وان الحيلة تفلح في كل شيء إلا في تبديل طبائع الموجودات الحقيقية، وان الاعتماد على مجرم بالطبع- في تلويث بريء بالطبع- إجرام لا يغتفر، وان إكراه الأسباب على أن تؤتي غير نتائجها الطبيعية يوشك أن يفضح صاحبه فلا تجري الأسباب إلا على سننها ولا تؤتي إلا نتائجها. ومن العجيب أن خصومنا الأقوياء الأذكياء لم يذكروا كل هذا حينما أقدموا على فعلتهم وأتوا بها شنعاء على الأيام. فأنتجت لهم هذه الحادثة ضد ما أملوا وأتتهم بعكس ما أرادوا. وقد أملى عليهم الحقد أن ينتقموا من هذه الأمة، فانتقمت منهم الأمة، وظنّوها غريرة كما عهدوها تنقاد للكائد، وتنخدع للصائد، فكشف لهم الغيب ما لم يعهدوا ولم يتعوّدوا. أرادوا أن يثيروها على السلطة أو على نفسها فلم يفلحوا، وأرادوا أن يشوّهوا سمعة جمعية العلماء بينها فلم ينجحوا، وأرادوا أن يشتتوا شمل هذه الجمعية وشمل أنصارها، فما زادت على الشدة إلا التحامًا والتئامًا، وأرادوا أن يحطوا من قدر الأستاذ العقبي وينقصوا من سمعته فزادوه علوًا وسموًا.

стр. 275

كل ذلك أرادوا، وفيه فكّروا وقدروا، وعليه أداروا المكيدة من أولها، ولكن الله اللطيف أراد غير ما يريدون فحلّ ما عقدوا وأطفأ ما أوقدوا، وكانت النتيجة ما تقرأه بيانًا لعنوان المقال. كان من آثار الحادثة برمّتها في الأمة الجزائرية أن علّمتها كيف تصبر في الشدائد، وكيف تقضي على كيد الكائدين بالصمت والسكينة، وعلّمتها أن أعداءها لا يقفون في مضارتها عند حد، وعلّمتها أن لا تعتمد في النهوض على من لا يرضى لها أن تنهض وأن لا تستند في حياتها إلى من لا يقنع منها إلّا بالموت وأن لا تسأل البقاء ممن يسعى في افنائها، وأوقفتها على نوع من الأسلحة التي يحاربها بها أعداؤها وأرتها كيف يستعمل هذا السلاح فلم تعد تأبه له ولا للمتسلّح به، وكشف لها هذا الدرس البليغ عن جانب خفي طالما تعب الناصحون في بيانه، وهو ان هذه الأمة تشارك في مضاربة بلا ربح، وتقاد في ليل بلا صبح، وتضطرب بين أهواء متعاصية عن الكبح، وانها تحيا في القرن العشرين بمؤثرات القرون الوسطى، وتُساس في عصر العلم والنور بصور من سياسة عصور الجاهلية المظلمة، وانها تقات بالتضليل والتخذيل والتجهيل والتعليل، فإذا استبانت منهجًا أو حنت إلى ألفة أو صبت إلى علم أو طلبت حقيقة، ردّت إلى عتمة الليل بعنف ولكنه قانوني، وظلم ولكنه عدلي، واستبداد ولكنه شوروي، وكيد ولكنه نظامي ... كل هذا فهمته الأمة وفهمت معه أن لا ثقة إلا بالله ثم بالحق الذي جعله نظامًا للوجود، وأن لا اعتماد إلا على الله ثم على نفسها، وأن لا خوف إلا من الله ثم مما اجترحت الأيدي. وهذا ما أملاه هذا الدرس البليغ على الأمة، فكان لها عبرة وذكرى وكل ذلك ببركة هذه الحادثة فما أبرك هذه الحادثة على الأمة ... وكان من آثار اعتقال الأستاذ العقبي، بموضعه من جمعية العلماء ومكانته فيها، أن جمع عليها القلوب ولفت إليها الأنظار وأسمى مكانتها في النفوس أضعافًا مضاعفة، وزاد نفوذها انتشارًا ومبادئها رسوخًا في جميع الأوساط، وتحقق لجميع الطبقات في الأمة أن هذه الجمعية قامت على أساس من الحق، وعملت للحق، وأوذيت في سبيل الله والحق، وأن قيامها بالحق هو الذي ألّب عليها الأعداء، وجلب لها الأذى والبلاء، وان هذه الحادثة المدهشة نتيجة حقد متأصّل عليها ويأس مرير من القضاء عليها بغير هذا النوع من الكيد، وان سمو مبدئها ونبل غايتها هما السبب الأكبر في نصب العراقيل لها، وبث الأشراك من حولها، وانها لو لم تكن على الحق لصافاها المبطلون ومادوها حبل الولاء، وانها- وقد ظلمت في هذه الحادثة ظلمًا بيّنًا مكشوفا عرفه حتى البله- مظلومة في كل ما مرّ من أدوار تاريخها، وان رجالها لا يعملون

стр. 276

لذواتهم وإنما يعملون للغتهم ودينهم ومصلحة أمّتهم، وان من يحتسب في سبيل الإسلام والعربية حتى دخول السجن لحقيق بأن تمتلئ القلوب المتعلقة بالإسلام والعربية بلجلاله وتعظيمه وتهبُّ النفوس المتشبّعة بالإسلام والعربية لنصرته وتأييده وكذلك كان. وقد كان الناس في القطر الجزائري قبل هذه الحادثة في جنب جمعية العلماء فرقًا منهم المنتصر الغالي ومنهم المحب المقتصد، ومنهم القُعْدي المذبذب ومنهم المبغض المسرف، وكل ذلك مبني على تفاوتهم في إدراك حقيقتها وتفهّم مقاصدها، فجاءت هذه الحادثة فكانت سببًا في تلاقي أطراف هذه الفرق وإجماعهم على محبّتها والاقتناع بحقيقة مبادئها. وان كثيرًا من الغالين في بغضها والتشنيع عليها ليقولون: نشهد إنها لمظلومة، وتراهم أكثر ميلًا إليها وعطفًا عليها وإكبارًا لرجالها مما كانوا عليه من قبل. ولقد قال لي قائل ذكي ما معناه: ان محاكاة القدر لا تكون قدرًا من جميع جهاتها، فلأمرٍ ما كان القتيل كحولا ولم يكن رجلًا سياسيًا، ولأمرٍ ما كان المتهم العقبي ولم يكن رجلًا آخر، انهم يقولون انهما رجلا دين، ولكن الدين لا يقتل الدين (ونطق بهما بلفظ الاسم) وما قالوا ذلك إلا ليبنوا عليه أن رجال الإسلام يصطرعون ونحن لا نؤمن بالمقارنة ولا نؤمن بهذه المقدمات، وأحرى أن لا نؤمن بما يبنون عليها من النتائج ... فقلت له: افهم كما شئت فما أنا على افهام الناس بمسيطر. وقال لي ظريف آخر: ان الجماعة كانوا يرموننا بأننا نتّخذ الدين آلة لأغراضنا ويعدّون ذلك بابًا من أبواب سفاهتنا، وها هم اليوم يقلّدوننا في اتخاذ الدين آلة للأغراض ... ولعمري إن أسخف أنواع التقليد ما كان في أمر وهمي. فكان جوابي له عين جوابي للأول. هذه الآثار هي إحدى بركات هذه الحادثة على جمعية العلماء، فما أبرك هذه الحادثة إذًا على جمعية العلماء ... ومن آثار هذه الحادثة على الأستاذ العقبي أنها طارت باسمه كل مطار، ووسعت له دائرة الشهرة حتى فيما وراء البحار، وكان يوم اعتقاله يومًا اجتمعت فيه القلوب على الألم والامتعاض، وكان يوم خروجه يومًا اجتمعت فيه النفوس على الابتهاج والسرور، وأقوى ما في هذا الإجماع المنقطع النظير انه كان بسائق وجداني جمع بين من يعرف الأستاذ معرفة عيان وبين من يعرفه معرفة سماع وبين من لم يعرفه إلا من هذه الحادثة. كما جمع بين المسلم والنصراني واليهودي، وان أمرًا تجمع عليه هذه الطوائف المتباينة من الناس لأمر عظيم، وان من يقرأ مئات البرقيات ورسائل التهنئة ويتأمّل إطباقها على معنى واحد- وهى من مصادر متباينة- يعدم أنها من وضع إلهي فوق قوى البشر.

стр. 277

أما آثار هذه الحادثة في فرنسا فقد قرأها القراء في الجرائد الباريسية وغيرها. وأما آثارها في الأقطار الإسلامية، فقد كانت دعاية عميقة الأثر للأستاذ العقبي ولجمعية العلماء ولحركة الإصلاح الديني لا تقوم بالمال ولا يبلغ مرضى الدعايات عشرها ولو بذلوا فيها الملايين الكثيرة ... إننا لنشكر بهذه المناسبة لإخواننا في الأقطار الإسلامية مشاركتهم الصادقة لنا في السرّاء والضرّاء والتفاتهم الجميل نحونا، ونعتبر هذه المشاركة ظاهرة التحام جديدة في المجتمع الإسلامي، وسمة بر برحم الدين المجفوة بيننا، ولمحة عرفان لما تناكرناه من أخلاقه بل مصداقًا لما وصف به النبي ﷺ مؤمني أمّته، ونبتهج بتحقق هذا الوصف في الوقت الذي نبذل فيه وسعنا لإحياء الآداب الإسلامية بيننا. وليهنأ جمعية العلماء ما لقيته من إجلال وإكبار وتقدير واعتبار، وذيوع لاسمها ومبادئها وانتشار، وليهنأ المصلحين ما ربحوه من مؤيدين وأنصار، وما أفادتهم حادثات الدهر من اتعاظ واستبصار، وليهنأ أخانا العقبي- نعمة الله عليه- بحسن الذكر في الأولين ولسان الصدق في الآخرين، وبالنصر على أعدائه حينما أرادوا به كيدًا فجعلهم الأخسرين ...

стр. 278

الإصلاح الدّيني لا يتمّ إلا بالإصلاح الإجتماعي (خطبة الأستاذ الإبراهيمي التي ألقاها صبيحة اليوم الأول من أيام الاجتماع) * ــ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أيها الاخوان: أما وقد جاوزت جمعيتكم خمس مراحل من وجهتها الموفّقة، وسلخت سنوات من عمرها العامر بالصالحات، وقطعت خمسة أشواط في مبدئها الذي عاهدت الله على أن تبلغ غايته أو تموت في الدفاع عنه والنضال من دونه، ولقيت من العوارض والعوائق ما ذللته العزائم ومهّدته الهمم. وكانت نتائج ذلك كله عكس ما ظنّه المتشائمون، ورأت من عجائب صنع الله لها وبره بها وخِيَرَتِهِ لها ما لم تكن تحلم به، إلى أن كانت الحادثة الأخيرة التي ظن مدبّروها أنها القاضية على الجمعية والخانقة لأنفاسها والمقوّضة لها من أساسها، فكانت عليها كنار الخليل بردًا وسلامًا، وانها لأول حادثة في تاريخ الجمعية جمعت بين الضدين: سوء الوقع وحسن الأثر، فقد امتحن فيها إحساس الجمعية ومسّ فيها مكمن الغيرة من الأمة الإسلامية، ولو هفت منا الحلوم أو خفيت على الأمة موارد الحادثة ومصادرها، لرأيتم معنى عاليًا من معاني الحفاظ الكمينة في هذه الأمة الفقيرة إلا من الشرف والعزلاء إلا من العزائم، ولقرأتم صفحة من صفحات البطولة ظنّ الناس أن مكانها من تاريخ الجزائر الحديث خال، ولأرينا العابثين بمقدّرات الأمم كيف تكون عواقب العبث، ولكن الله سلّم وألهم الرشد فأريناهم كيف يكون الصبر في الشدائد وكيف يكون التنبّه للمكائد، وأذقناهم مرارة الخيبة وغصص اليأس وكنا نحن الفائزين. أما وقد تمَّ كل ذلك، فقد وجب أن نقف على رأس هذه الأعوام الخمسة ونستعرض الأعمال التي تمّت فيها على يد الجمعية استعراض المعتبر بماضيه وحاله، الموازن بين

стр. 279

أعماله وآماله، المستبصر في مبادئه ومصائره المغتبط بما قدم من صالح، وإن قلّ، المستشرف للعظائم وإن هالت وجلت. نقف لا لنعدّ الأيام والشهور، ولكن لنعد الأعمال ونزن الأعمال بآثارها ونرى إلى أي حدّ في النجاح وصلنا، وعلى أية درجة في الإصلاح حصلنا. إننا- أيها الإخوان- لا نزن الأعمال بما هي عليه في أنفسها ضخامة وضؤولة، وإنما نزنها بآثارها المنبعثة منها المترتبة عليها. وإن كثيرًا من الناس حتى من أنصار الجمعية ليستقلّون هذه الأعمال في أنفسها ويحتقرونها في حدّ ذاتها فيغمطون الجمعية حقّها ويقولون انها لم تعمل شيئًا له خطر. وما أوتوا- عافاهم الله- إلا من غفلتهم عن آثار الأعمال ونسيانهم ان من الأعمال ما هو كعود الكبريت جسمه ضئيل وأثره جليل، أو كخيط الكهرباء جوهره دقيق وعمله عظيم، وان الأعمال التي يريدها هؤلاء من الجمعية ويصحّ إطلاق اسم الأعمال عليها في عرفهم، مدارس عديدة تشاد، ودروس مختلفة تُلقى، وأموال طائلة تجمع، ومرتبات ضخمة تفاض وبعثات علمية تنظّم، ومشاريع عملية تؤسّس، وصحف منوّعة تنشر، ودراسات منظّمة تذاع في الأمّة، ومواقف فاصلة تنجلي عن قوة القوي وضعف الضعيف. إن هذا الذي يريدونه لعظيم، وان النفوس المتعلّقة به لكبيرة وانه لمن آمال جمعية العلماء، يشغل تفكيرها وتجمع له أسبابه وترصد لبلوغه كل شارقة، فاما أن تطالب به وهي لم تستكمل وسائله فلا ... وأما أن تقاس أعمالها بهذا المقياس فلا ... إن أقصر الناس نظرًا من يسقط في حكمه على الأشياء اعتبار الزمان والمكان والفاعل والقابل والأوضاع الخصوصية. ولو ذكر هؤلاء الأمة الجزائرية في طورها الحاضر ووضعها الحاضر، وذكروا كيف تُساس والقوانين التي بها تُساس، وذكروا الجمعية وأنها تكوّنت في ليل من السياسة غاسق وجوّ من مكائدها قاتم، وقاسوا يومهم بأمسهم، ونظروا من الأعمال إلى آثارها ومن الآثار إلى اتّساعها ومن الاتّساع إلى الحدود والآفاق، لكانوا في حكمهم أقرب إلى النصفة والمعدلة. إنني- أيها الإخوان- أحاول في موقفي هذا أن أقصّ عليكم طائفة من الآثار المشهودة والغايات المحمودة التي وصلت إليها جمعيتكم في بضع سنين، وأحاول أن أشرح لكم النواحي التي لقيت فيها النجاح، والميادين التي صادفت فيها الفوز. أيها الإخوان: من الغلط أن يقال إن جمعية العلماء جمعية دينية يجب أن ينحصر عملها في الإصلاح الديني بمعناه الذي عرفه الناس، ومن فروع هذا الغلط ما رماها به بعض مرضى

стр. 280

العقول وصرعى الجهل من أنها خرجت عن مدارها حين زجّت نفسها في بعض شؤون الحياة غير الدين. والحقيقة أن هذه الجمعية تعمل من أول يوم من تكوينها للإصلاح الديني وللإصلاح الاجتماعي، وكل ذلك يسع الإسلام، وكل ذلك يسعه مدلولها وموضوعها وقافونها. فالإسلام دين واجتماع. وإذا كانت دائرة الأول محدودة فإن دائرة الثاني واسعة الأطراف، وان الإصلاح الديني لا يتمّ إلا بالإصلاح الاجتماعي، ولهذا الارتباط بين القسمين، فإن جمعية العلماء- وهي الجمعية الرشيدة العالمة بحقائق الإسلام- عملت منذ تكوينها في الإصلاحين المتلازمين، وهي تعلم أن المسلم لا يكون مسلمًا حقيقيًا مستقيمًا في دينه على الطريقة حتى تستقيم اجتماعيته فيحسن إدراكه للأشياء وفهمه لمعنى الحياة وتقديره لوظيفته فيها وعلمه بحظه منها وينضج عقله وتفكيره ويلم بزمانه وأهل زمانه ويتقاضى من أفراد المجموعة البشرية ما يتقاضونه منه من حقوق وواجبات، ويرى لنفسه من العزّة والقوّة ما يرونه لأنفسهم وتربط بينه وبينهم رابطة الأخوة والمساواة والمصلحة لا رابطة السيادة عليه والاستحسار دونه. وقد نجحت الجمعية إلى حدّ بعيد في إفهام الأمة هذه المعاني الاجتماعية وتوجيهها إلى مجاراة السابقين وتهيئتها لأن تكون أمّة عزيزة الجناب مرعية الحقوق ثابتة الكيان محفوظة الكرامة صالحة للحياة مساوية للاحياء، وفي اعلامها أن بغي القوي على الضعيف قد طمس معالم الحق بينهما وردّهما إلى نوع من الحيوانية كالذي بين الذئب والخروف، حتى أصبحت الاممتطالة في الأقوياء طبيعة والاستكانة في الضعفاء طبيعة، وان طبيعة الأولين لا تتبدل إلا بعد تبدّل طبيعة الآخرين وان الحقوق التي أخذت اغتصابًا لا تسترجع إلا غلابًا. ويا ويح الجاهلين، أيريدون من كلمة الإصلاح أن نقول للمسلم قل: لا إله إلا الله مذعنًا طائعًا وصلّ لربّك أواهًا خاشعًا، وصم له مبتهلًا ضارعًا، وحج بيت الله أوّابًا راجعًا، ثم كن ما شئت نهبة للناهب، وغنيمة للغاصب، ومطية ذلولًا للراكب، ان كان هذا ما يريدون فلا ولا قرة عين، وإنما نقول للمسلم إذا فصلنا: كن رجلًا عزيزًا قويًا عالمًا هاديًا محسنًا كسوبًا معطيًا من نفسك آخذًا لها عارفًا بالحياة سبّاقًا في ميادينها، صادقًا صابرًا هيّنًا إذا أريد منك الخير، صلبًا إذا أردت على الشر. ونقول له إذا أجملنا: كن مسلمًا كما يريد منك القرآن وكفى ... ونجحت الجمعية- كذلك- نجاحًا جليًا مشهودًا ظهرت آثاره للعيان وَلَمَسَهُ الموافق والمخالف والمعتدل والمتجانف، في تصحيح عقائد الأمّة الجزائرية وتطهيرها من شوائب الشرك القولي والعملي التي شابتها، فصحّت العقائد وصحّت لصحّتها الإرادات والعزائم،

стр. 281

وسنرى من نتائج ذلك صحة الأعمال التي تصدر عن تلك الإرادات وتلك العقائد، وسنرى من آثار طهارة النفوس قوّة في الأخلاق وسموًا في التفكير، ونزوعًا إلى الفضائل لأن هذه الأشياء متلازمة لا تنفك بحال. أصبح المنتسبون إلى الإصلاح ولو من العامة يخلصون لله في عباداتهم وإيمانهم ونذورهم وأدعيتهم، ونبذوا كل ما كانوا عليه من عقد فاسد أو قول مُفْتَرى أو عمل مبتدع في هذه الأبواب كلها، وأصبحوا يفرقون بين السنّة والبدعة والمشروع وغير المشروع ويعتقدون أن الإنسان مجزي بعمله رهين بكسبه، وليست هذه النتيجة بالأمر اليسير وما كنّا- لولا عون الله- لنبلغ هذا الحد من النجاح فيها، ولكن ماذا أنفقنا من الأعمال في هذا السبيل؟ وماذا زرعنا حتى جنينا كل هذا الريع الزاكي؟ الحق ان هذه الآثار الجليلة كلها راجعة إلى المقالات التي نشرتها صحف الإصلاح والدروس والمحاضرات التي ما زال يلقيها دعاة الإصلاح المنتشرون في القطر. ولما كان الحق بينًا في نفسه سهل على الداعين إليه بيانه والاستدلال عليه ونقض الشبهات القائمة حوله وإن اختلفت مراتب المدعوين في سرعة التلقّي بالقبول. وقد اتضحت الفكرة الإصلاحية في هذا الباب وحفظت مسائلها وعلمت دلائلها حتى أصبح في مقدور كل إنسان بيانها والدعوة إليها لإقامة الحجة عليها، وهذا شأن الحق في كل زمان. نجحت الجمعية أيضًا في إلفات الأمة إلى القرآن وفي جمعها عليه وحملها على التدبّر في معانيه، لتأخذ منه كل نفس على قدر استعدادها وتستنير من عبره وزواجره ما يسوقها إلى الخير ويزعها عن الشر حتى يكون المؤمن مسوقًا بالقرآن مدبرًا به. وسنرى من تأثير القرآن في النفوس ما يحقّق الأمنية التي تاق إليها حكماء الأمم وأعياهم الوصول إليها، وهي الكمال الروحي من طريق سمو الأخلاق وهي الغاية التي وصل إليها سلفنا وما وصلوا إليها إلا بالقرآن. وقد كانت هذه الأمة معرضة عن القرآن مشغولة عنه بما لا يفيد، معتقدة فيه العقائد السخيفة مستغنية عن فهمه بحفظه مع تقصيرها في أداء لفظه، مستعيضة عن تلاوته بتلاوة الأوراد والأذكار، وعن دراسته بدراسة كتب جافّة من وضع المخلوق لا تبعث في النفس نشاطًا ولا تنشر في القلوب حياة ولا تغرس في الأفئدة فضيلة، ولا تقتلع منها رذيلة، ولا تشرف على القلوب المظلمة بنور، ولكنها بدأت اليوم ترجع إلى القرآن وتستجلي أنوار الهداية وأسرار الكائنات من آياته، وتأخذ الحياة قوية من تعاليمه، وكأنها برجوعها إلى القرآن تجدد نفسها وتستأنف في الحياة تاريخها، وعسى أن تنتهي من هذه الوجهة الجديدة إلى غايتها، فتنتهي إلى السعادة والخير.

стр. 282

وأفلحت الجمعية في تبيين السنّة النبوية المحمدية معنى ومفهومًا، وحمل الأمة على الرجوع إليها علمًا وعملًا، والتمسّك بالصحيح الثابت منها فعلًا وتركا، والاهتداء بهدي السلف الذين هم نقلتها وتراجمتها والمؤتمنون على فهمها، والعاملون بها والواقفون عند حدودها، والناشرون لدقائقها والناصرون لحقائقها والمبلغوها سهلة سمحة إلى الأمم على أنها بيان لكتاب الله توالفه ولا تخالفه، وشرح عملي لدين الله يؤيده ولا يعانده، وطريق إلى سعادة الدارين لا يضلّ سالكه، ولا يفلح تاركه، وسلّم موصل إلى الحياة العزيزة الكاملة المبنية على العمل المغذي للهمم والإقدام المغذي للعزائم والقوة التي هي عماد الحياة. نجحت الجمعية كذلك في نشر سير عظماء الإسلام الحقيقيين الذين قاموا بحمله، والذين قاموا بنشره، والذين قاموا بتمثيل هديه وتطبيق قواعده وأصوله في النفوس بالتزكية والتهذيب، وفي العقول بالتنوير والتأديب، وفي الأمم بالتعليم والرفق والتسوية، وفي الأرض بالتعمير والأمان، وفي الحكم بالعدل والإحسان، وفي الملك بالعزة والقوة. وإنّ سيرة الواحد من هؤلاء لهي الإسلام كاملًا مجسمًا، وان مثال هؤلاء الرجال هم الذين يجب علينا أن نجلو سيرهم على الناس ونتلو أخبارهم ونتقصاها ونحمل أنفسنا على الاقتداء بهم وتأثر خطاهم في كل شيء، والنفوس تؤخذ بالاحتذاء والمحاكاة أكثر مما تؤخذ بالجِبِلَّة والطبع، وإن أمثال هؤلاء هم عماد التاريخ الإسلامي الذين تبذل الجمعية جهدًا غير قليل في احيائه بهذا الوطن وفي تحبيبه للمسلمين ليبنوا حاضرهم الخرب على ماضيهم العامر وليعلموا أنهم ليسوا عالة على التاريخ، ولا متطفلين على الزمن ولا واغلين على مائدة الحياة، وإن مكانهم من التاريخ- لو عرفوا- هو الصدر، وإن حظهم من الحياة غير منزور، لو أحسنوا كيف يحيون. ومن العجيب أن الأمم الإسلامية- وهي أغنى الأمم في باب الأسماء العظيمة- كانت وما تزال الكثرة منها تحتفي بأسماء نالت- في جنون من الدهر وعربدة من التاريخ واضطراب في العقل- حظًا من الشهرة بما لا يشرف قدرًا ولا يعلي منزلة ولا يثير ذكرى حية، وأفاضوا على هذه الأسماء صبغة من التقديس وجعلوها معاقد لِأَيْمَانهم واعلامًا لولدانهم، وإننا لنجد في الأسماء الرائجة بيننا ترديدًا فاحشًا لهذه الأسماء المنومة، وقل أن نجد بيننا اسما من الأسماء التي تعد تواريخ مستقلة وبدءًا في الخلق وتجديدًا في الحياة، والتي تثير عند سماعها معاني العزة وذكريات الشرف والرفعة. ونجحت الجمعية- أيها الإخوان- في إلفات الأنظار إلى شيء لم يكن بيننا منسيًا، وإن كان مجفوًا وهو هذا اللسان العربي الشريف الذي هو قطعة من كياننا

стр. 283

التاريخي وشرط أساسي لوجودنا القومي وشهادة قاطعة بصحة نسبنا الديني ونسبنا الجنسي، وإن من العار الفاضح أن يفخر الواحد منا بانتسابه إلى العرب وهو لا يعرف شيئًا عن لغة العرب ولا شيئًا من تاريخ العرب، وقد أشرفت هذه اللغة الشريفة على الاضمحلال بهذه الديار لولا أن تداركتها جمعية العلماء وأخذت بيدها وانتشلتها من الحضيض الذي وصلت إليه، فاستعادت على يدها شبابها، ووصلت بسبب الدين الحنيف أسبابها، وأصبحت الجزائر في مدة قليلة تفاخر أمصار العربية الكبرى ومنابتها الأصلية بأدبائها وكتّابها وشعرائها وخطبائها. أيها الإخوان: إن جمعيتكم تفخر بأنها نجحت في جمع طوائف عظيمة من الأمّة الجزائرية على الحق بعد أن كانت كلها متفرقة على الباطل، واستطاعت أن تعلمهم معنى الاجتماع على الحق والخير وكيفية الاجتماع على الحق والخير، وتحبّب إلى نفوسهم كلمة الاجتماع وحضور المجتمعات بعد أن كانت لا تجتمع إلا على شر أو مأثم. وبأنها نجحت في دعايتها إلى العلم النافع الصحيح وفي دعايتها إلى الأخوة الإسلامية الحقيقية- وبأنها انتصرت في حملتها على الخرافات والأوهام والدجل وانتصرت أو كادت في حربها للجمود والعوائد الضارة والتقاليد السخيفة- وبأنها أفلحت في تربية الأمة على عدم الخوف إلا من الله والرهبة إلا منه وأن تواصل فيه وتقاطع فيه وأن تبني حياتها على الأعمال والأسباب، وفي تربيتها على تقدير الكفايات وتقديم الأكفاء لشؤونها العامة، وفي إرشادها إلى وجوه البذل المشروعة المعقولة بعد أن كانت تبذر أموالها فيما يضر ولا ينفع، وفي تحبيب الدين وشعائر الدين إلى طوائف من الشباب المهمل وإشرابهم معنى العزة الإسلامية وكرامة النفس. وإذا رجعنا إلى الأخلاق، أيها الإخوان، وجدنا نجاح الجمعية ظاهرًا في جمهرة من الأخلاق الفاضلة غرستها في نفوس الأمة الجزائرية، فجمعية العلماء هي التي علمت الأمّة خلق التضحية في الصالح العام، وخلق الصبر عليه ومطاولته وخلق القصد في الاعتقاد والتفكير وخلق الاعتماد على النفس، وخلق الصراحة في القول والجرأة في الرأي والكلام إلى ما يتصل بهذه الأخلاق من فروع ولوازم. أيها الإخوان: إن أغرب ما يؤثر عن جمعيتكم بل هو أول ما نجحت فيه، هو إثبات وجودها في وقت كانت تتناثر فيه الجمعيات كحب الحصيد، وتتهاوى المشاريع كأوراق الخريف، والاحتفاظ بتوازنها في طريق غاصّ بالعواثير، وتسييرها لسفينة الحق في بحر مضطرب الأمواج، وثباتها في وجه الباطل في وقت تكالب فيه الأعداء وتخاذل الأولياء، فهنا العبرة البالغة للمعتبرين، وهنا الموضوع الخصيب للباحثين المستنتجين.

стр. 284

أيها الإخوان: هذه لمحات مقتضبة غير مرتبة ولا متناسقة من آثار جمعيتكم قصصناها عليكم لا إدلالًا بالعمل، فهو في ذاته قليل، ولا افتخارًا بالنتائج فوراءها ما هو أكمل منها وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرًا، ولكن تسلية على ما لم تصل إليه اليد من الكمال الذي ننشده وينشده أنصار الجمعية وهي بعد سائرة في طريقها، متكلة على الله معتمدة على ولائكم لها وإخلاصكم في خدمتها. وإن التفافكم حولها هو ذخرها الثمين الذي تعدّه لبلوغ الكمال والإقدام على عظائم الأعمال، ودرعها الحصين الذي به ترد عدوان العادين وكيد الكائدين. وقد فزعت بالأمس فهببتم هبة رجل واحد، كلكم يذود وكلكم يحمي، وإن لهبتكم تلك لَمعنًى عرفه أعداء الجمعية فأطرقوا، ثم انجلت الغمة فهببتم هبة أخرى كانت أروع وأوقع، فهل أنبئكم أن تلك الهبات هي الامداد التي تمد الجمعية بالحياة والبقاء والبركة والنماء.

стр. 285

من قصيدة للأستاد الإبراهيمي* فإن شئتموا أن تسمعوني محاضرا ... أحاضركم عن حضرة الغوث والقطب هنالك يدري الجاهلون حقيقتي ... ويهتز ناديكم ويعرف ما خطبي وان سكوتي مسحة مستعارة ... من (المدفع) الصخاب والصارم الشطب ... أنا المرء لا أعطي إلى القطب مقودي ... ولو دفعتني الحادثات إلى القطب
следующие страницы →