← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وسنرى من نتائج ذلك صحة الأعمال التي تصدر عن تلك الإرادات وتلك العقائد، وسنرى من آثار طهارة النفوس قوّة في الأخلاق وسموًا في التفكير، ونزوعًا إلى الفضائل لأن هذه الأشياء متلازمة لا تنفك بحال. أصبح المنتسبون إلى الإصلاح ولو من العامة يخلصون لله في عباداتهم وإيمانهم ونذورهم وأدعيتهم، ونبذوا كل ما كانوا عليه من عقد فاسد أو قول مُفْتَرى أو عمل مبتدع في هذه الأبواب كلها، وأصبحوا يفرقون بين السنّة والبدعة والمشروع وغير المشروع ويعتقدون أن الإنسان مجزي بعمله رهين بكسبه، وليست هذه النتيجة بالأمر اليسير وما كنّا- لولا عون الله- لنبلغ هذا الحد من النجاح فيها، ولكن ماذا أنفقنا من الأعمال في هذا السبيل؟ وماذا زرعنا حتى جنينا كل هذا الريع الزاكي؟ الحق ان هذه الآثار الجليلة كلها راجعة إلى المقالات التي نشرتها صحف الإصلاح والدروس والمحاضرات التي ما زال يلقيها دعاة الإصلاح المنتشرون في القطر. ولما كان الحق بينًا في نفسه سهل على الداعين إليه بيانه والاستدلال عليه ونقض الشبهات القائمة حوله وإن اختلفت مراتب المدعوين في سرعة التلقّي بالقبول. وقد اتضحت الفكرة الإصلاحية في هذا الباب وحفظت مسائلها وعلمت دلائلها حتى أصبح في مقدور كل إنسان بيانها والدعوة إليها لإقامة الحجة عليها، وهذا شأن الحق في كل زمان. نجحت الجمعية أيضًا في إلفات الأمة إلى القرآن وفي جمعها عليه وحملها على التدبّر في معانيه، لتأخذ منه كل نفس على قدر استعدادها وتستنير من عبره وزواجره ما يسوقها إلى الخير ويزعها عن الشر حتى يكون المؤمن مسوقًا بالقرآن مدبرًا به. وسنرى من تأثير القرآن في النفوس ما يحقّق الأمنية التي تاق إليها حكماء الأمم وأعياهم الوصول إليها، وهي الكمال الروحي من طريق سمو الأخلاق وهي الغاية التي وصل إليها سلفنا وما وصلوا إليها إلا بالقرآن. وقد كانت هذه الأمة معرضة عن القرآن مشغولة عنه بما لا يفيد، معتقدة فيه العقائد السخيفة مستغنية عن فهمه بحفظه مع تقصيرها في أداء لفظه، مستعيضة عن تلاوته بتلاوة الأوراد والأذكار، وعن دراسته بدراسة كتب جافّة من وضع المخلوق لا تبعث في النفس نشاطًا ولا تنشر في القلوب حياة ولا تغرس في الأفئدة فضيلة، ولا تقتلع منها رذيلة، ولا تشرف على القلوب المظلمة بنور، ولكنها بدأت اليوم ترجع إلى القرآن وتستجلي أنوار الهداية وأسرار الكائنات من آياته، وتأخذ الحياة قوية من تعاليمه، وكأنها برجوعها إلى القرآن تجدد نفسها وتستأنف في الحياة تاريخها، وعسى أن تنتهي من هذه الوجهة الجديدة إلى غايتها، فتنتهي إلى السعادة والخير.

стр. 282

وأفلحت الجمعية في تبيين السنّة النبوية المحمدية معنى ومفهومًا، وحمل الأمة على الرجوع إليها علمًا وعملًا، والتمسّك بالصحيح الثابت منها فعلًا وتركا، والاهتداء بهدي السلف الذين هم نقلتها وتراجمتها والمؤتمنون على فهمها، والعاملون بها والواقفون عند حدودها، والناشرون لدقائقها والناصرون لحقائقها والمبلغوها سهلة سمحة إلى الأمم على أنها بيان لكتاب الله توالفه ولا تخالفه، وشرح عملي لدين الله يؤيده ولا يعانده، وطريق إلى سعادة الدارين لا يضلّ سالكه، ولا يفلح تاركه، وسلّم موصل إلى الحياة العزيزة الكاملة المبنية على العمل المغذي للهمم والإقدام المغذي للعزائم والقوة التي هي عماد الحياة. نجحت الجمعية كذلك في نشر سير عظماء الإسلام الحقيقيين الذين قاموا بحمله، والذين قاموا بنشره، والذين قاموا بتمثيل هديه وتطبيق قواعده وأصوله في النفوس بالتزكية والتهذيب، وفي العقول بالتنوير والتأديب، وفي الأمم بالتعليم والرفق والتسوية، وفي الأرض بالتعمير والأمان، وفي الحكم بالعدل والإحسان، وفي الملك بالعزة والقوة. وإنّ سيرة الواحد من هؤلاء لهي الإسلام كاملًا مجسمًا، وان مثال هؤلاء الرجال هم الذين يجب علينا أن نجلو سيرهم على الناس ونتلو أخبارهم ونتقصاها ونحمل أنفسنا على الاقتداء بهم وتأثر خطاهم في كل شيء، والنفوس تؤخذ بالاحتذاء والمحاكاة أكثر مما تؤخذ بالجِبِلَّة والطبع، وإن أمثال هؤلاء هم عماد التاريخ الإسلامي الذين تبذل الجمعية جهدًا غير قليل في احيائه بهذا الوطن وفي تحبيبه للمسلمين ليبنوا حاضرهم الخرب على ماضيهم العامر وليعلموا أنهم ليسوا عالة على التاريخ، ولا متطفلين على الزمن ولا واغلين على مائدة الحياة، وإن مكانهم من التاريخ- لو عرفوا- هو الصدر، وإن حظهم من الحياة غير منزور، لو أحسنوا كيف يحيون. ومن العجيب أن الأمم الإسلامية- وهي أغنى الأمم في باب الأسماء العظيمة- كانت وما تزال الكثرة منها تحتفي بأسماء نالت- في جنون من الدهر وعربدة من التاريخ واضطراب في العقل- حظًا من الشهرة بما لا يشرف قدرًا ولا يعلي منزلة ولا يثير ذكرى حية، وأفاضوا على هذه الأسماء صبغة من التقديس وجعلوها معاقد لِأَيْمَانهم واعلامًا لولدانهم، وإننا لنجد في الأسماء الرائجة بيننا ترديدًا فاحشًا لهذه الأسماء المنومة، وقل أن نجد بيننا اسما من الأسماء التي تعد تواريخ مستقلة وبدءًا في الخلق وتجديدًا في الحياة، والتي تثير عند سماعها معاني العزة وذكريات الشرف والرفعة. ونجحت الجمعية- أيها الإخوان- في إلفات الأنظار إلى شيء لم يكن بيننا منسيًا، وإن كان مجفوًا وهو هذا اللسان العربي الشريف الذي هو قطعة من كياننا

стр. 283

التاريخي وشرط أساسي لوجودنا القومي وشهادة قاطعة بصحة نسبنا الديني ونسبنا الجنسي، وإن من العار الفاضح أن يفخر الواحد منا بانتسابه إلى العرب وهو لا يعرف شيئًا عن لغة العرب ولا شيئًا من تاريخ العرب، وقد أشرفت هذه اللغة الشريفة على الاضمحلال بهذه الديار لولا أن تداركتها جمعية العلماء وأخذت بيدها وانتشلتها من الحضيض الذي وصلت إليه، فاستعادت على يدها شبابها، ووصلت بسبب الدين الحنيف أسبابها، وأصبحت الجزائر في مدة قليلة تفاخر أمصار العربية الكبرى ومنابتها الأصلية بأدبائها وكتّابها وشعرائها وخطبائها. أيها الإخوان: إن جمعيتكم تفخر بأنها نجحت في جمع طوائف عظيمة من الأمّة الجزائرية على الحق بعد أن كانت كلها متفرقة على الباطل، واستطاعت أن تعلمهم معنى الاجتماع على الحق والخير وكيفية الاجتماع على الحق والخير، وتحبّب إلى نفوسهم كلمة الاجتماع وحضور المجتمعات بعد أن كانت لا تجتمع إلا على شر أو مأثم. وبأنها نجحت في دعايتها إلى العلم النافع الصحيح وفي دعايتها إلى الأخوة الإسلامية الحقيقية- وبأنها انتصرت في حملتها على الخرافات والأوهام والدجل وانتصرت أو كادت في حربها للجمود والعوائد الضارة والتقاليد السخيفة- وبأنها أفلحت في تربية الأمة على عدم الخوف إلا من الله والرهبة إلا منه وأن تواصل فيه وتقاطع فيه وأن تبني حياتها على الأعمال والأسباب، وفي تربيتها على تقدير الكفايات وتقديم الأكفاء لشؤونها العامة، وفي إرشادها إلى وجوه البذل المشروعة المعقولة بعد أن كانت تبذر أموالها فيما يضر ولا ينفع، وفي تحبيب الدين وشعائر الدين إلى طوائف من الشباب المهمل وإشرابهم معنى العزة الإسلامية وكرامة النفس. وإذا رجعنا إلى الأخلاق، أيها الإخوان، وجدنا نجاح الجمعية ظاهرًا في جمهرة من الأخلاق الفاضلة غرستها في نفوس الأمة الجزائرية، فجمعية العلماء هي التي علمت الأمّة خلق التضحية في الصالح العام، وخلق الصبر عليه ومطاولته وخلق القصد في الاعتقاد والتفكير وخلق الاعتماد على النفس، وخلق الصراحة في القول والجرأة في الرأي والكلام إلى ما يتصل بهذه الأخلاق من فروع ولوازم. أيها الإخوان: إن أغرب ما يؤثر عن جمعيتكم بل هو أول ما نجحت فيه، هو إثبات وجودها في وقت كانت تتناثر فيه الجمعيات كحب الحصيد، وتتهاوى المشاريع كأوراق الخريف، والاحتفاظ بتوازنها في طريق غاصّ بالعواثير، وتسييرها لسفينة الحق في بحر مضطرب الأمواج، وثباتها في وجه الباطل في وقت تكالب فيه الأعداء وتخاذل الأولياء، فهنا العبرة البالغة للمعتبرين، وهنا الموضوع الخصيب للباحثين المستنتجين.

стр. 284

أيها الإخوان: هذه لمحات مقتضبة غير مرتبة ولا متناسقة من آثار جمعيتكم قصصناها عليكم لا إدلالًا بالعمل، فهو في ذاته قليل، ولا افتخارًا بالنتائج فوراءها ما هو أكمل منها وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرًا، ولكن تسلية على ما لم تصل إليه اليد من الكمال الذي ننشده وينشده أنصار الجمعية وهي بعد سائرة في طريقها، متكلة على الله معتمدة على ولائكم لها وإخلاصكم في خدمتها. وإن التفافكم حولها هو ذخرها الثمين الذي تعدّه لبلوغ الكمال والإقدام على عظائم الأعمال، ودرعها الحصين الذي به ترد عدوان العادين وكيد الكائدين. وقد فزعت بالأمس فهببتم هبة رجل واحد، كلكم يذود وكلكم يحمي، وإن لهبتكم تلك لَمعنًى عرفه أعداء الجمعية فأطرقوا، ثم انجلت الغمة فهببتم هبة أخرى كانت أروع وأوقع، فهل أنبئكم أن تلك الهبات هي الامداد التي تمد الجمعية بالحياة والبقاء والبركة والنماء.

стр. 285

من قصيدة للأستاد الإبراهيمي* فإن شئتموا أن تسمعوني محاضرا ... أحاضركم عن حضرة الغوث والقطب هنالك يدري الجاهلون حقيقتي ... ويهتز ناديكم ويعرف ما خطبي وان سكوتي مسحة مستعارة ... من (المدفع) الصخاب والصارم الشطب ... أنا المرء لا أعطي إلى القطب مقودي ... ولو دفعتني الحادثات إلى القطب

стр. 286

إما سنّة وإما بدعة* نشرت جريدة لسان الدين: (دين العليويين) في العدد ٢٢ مقالًا تحت عنوان "المصلحون يحاربون لا إله إلا الله" تعرضت فيه لجنازة مرّت في تلمسان وتهافتت فيه على الافتراء والبهتان أيما تهافت وزوّرت فيه ما شاءت أن تزور. ونحن ما كنا لنتعرّض لها كما هو دأبنا مع مثيلاتها من عيون الاستعمار وفضول الخرافات لولا ما يحتّمه علينا واجب أداء شهادة لله ولرسوله وللمؤمنين. وما كنا لنتعرض لهذه السفاسف والجزائر تجتاز ظرفًا من أحرج ما مرّ عليها منذ الاحتلال، ووقتًا عصيبًا عصفت فيه بنا وبمقدساتنا عواصف المستعمرين وذيولهم من المنتسبين للجزائريين. ولكن ما الحيلة وهؤلاء القوم من إخواننا- وإن أبوا- لا يريدونها إلا شحناء ولا يبتغونها إلا عوراء. والشحناء نستعيذ بالله من اسمها والعوراء نعوذ بالله منها وحتى من وصفها. المسألة بيننا لا تتجاوز أحد أمرين: إما سنّة نحن وهم سواء في امتثالها والإذعان لها. أو بدعة نحن وهم سواء في تجنبها وقتلها. هذا باعتبار الإسلام الجامع بيننا. أما إذا كان الطرف الآخر لا يدين بما ندين فما كان لنا أن نأخذ من على غير ملتنا بما وجب علينا أخذ أنفسنا به. الأمر- يا لله لهذا الدين- بيننا وبين إخوان لنا في الدين والجنس والوطن. إخواننا فيها وإن كانوا لا يراعونها ولا يراعون عهدها وميثاقها الذي واثقنا الله به. من باب ما هو معلوم من الدين بالضرورة إذا قلنا إِن تشييع الجنائز على عهد الرسول ﷺ كان بما يناسب جلال الموت ورهبته، والذي يتناسب وينسجم مع التشييع هو الخشوع

стр. 287

والتذكر والاعتبار بمن حملوا على الأعواد. والخشوع معروف هو غير الصراخ والعويل والضجيج والتهويل وقد شيّع الرسول ﷺ أصحابه وبناته، وشيّعه أصحابه من بعده وشيّع الصحابة- رضوان الله عليهم- بعضهم بعضًا كذلك على هيئة واجمة رهيبة تأثيرها في مشاهديها تأثير ما بعده من تأثير. إنهم يقولون ان ذكر الله في تشييع الجنائز يلهي باقي المشيّعين عن لهو الحديث، نحن معهم على هذا بشرط أن يكون الذكر تفكرًا واعتبارًا لا طبلًا ومزمارًا. أما ما هم عليه من رفع أصواتهم في التشييع بلا إله إلا الله وبما سوّلت لهم أنفسهم وزين لهم شياطينهم فهو منكر أنكره الله ورسوله وأصحابه والأيمة المرتضون. إن لا إله إلا الله لا توضع في غير مواضعها يا قوم! فما لكم إذا قيل لكم لا تضعوها في غير محلها، ومنه الجهر بها في التشييع قلتم متجرئين إننا نحارب لا إله إلا الله؟ كبرت كلمة تخرج من أفواهكم ... تقولون إننا نلهي بها الناس عن الفضول، فكان كلامكم هذا أصلًا من أصول الفضول، وقد شاهدنا الناس لا يكثر كلامهم والتعرض لشؤون دنياهم في الجنائز إلا عند ما يغمرون بضجيجكم وصخبكم؛ ثم هل لمخلوق- أيًّا كان- أن يزيد في دين الله ما ليس منه؟ كلا! وما لنا ولهذا الموضوع وقد فرغ منه الناس كتابة وبحثًا، وهدى الله بذلك خلقًا كثيرًا كتب الله لهم النجاة من هؤلاء الذين سيقول أتباعهم القليلون- والحمد لله-: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا). ولو كانوا ممن يبتغي إلى الله سبيلًا كما يزعمون لكفاهم أن ينظروا كتاب الجنائز من موطأ مالك ﵁ أو من البخاري أو مسلم أو غير هذه من كتب الحديث الصحيحة ولكنهم إشربوا حب البدعة حتى الثمالة. فما لنا نجادلهم بالحديث وبالكتاب المنير؛ وهم لم ينقادوا حتى للفقهاء الذين يدعون أنهم لهم مقلدون؟!. أما علمت أن القوم يحاجونك في مشروعية البردة بما لا يليق إلا بهم كأنهم بذلك- يكشفون عن منتهى عهدهم بالدين وبالسنّة وكأنهم بذلك يقولون إنما نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون. افتتحوا أضحوكتهم في موضوع ديني محض بقولهم "من عهد ملوك بنى زيان والأتراك إلى يومنا الحاضر وسكان (تلمسان) يشيعون جنائزهم كسائر البلاد الإسلامية بذكر [لا إله إلا الله محمد رسول الله] وبقراءة القرآن وتلاوة (البردة). انصتوا يا معشر أقطار السماوات والأرض! لقد قامت عليكم الحجة فلا تشيّعوا جنائزكم بعد اليوم إلا بالنهيق، والعواء

стр. 288

والنباح، وصياح الديكة، وثغاء الشاء. ولكن حذار زئير الأسد! وما زئير الأسد إلا سخط الله على من يغيّر ما بدين الله ويعبث بسنّة رسول الله وينحط بلا إله إلا الله محمد رسول الله إلى دركات لا تليق بجلالها وكمالها. أما وقد جارينا هذه الجريدة إلى هذا الحد في هذيانها المحموم فلا يسعنا إلا أن نقول لها: أما تعرضك لما سميته صاحب نادي (طنجة) ومحششة نهج (لا مورسيير) فإنه في غير محله من مقال تنافحين فيه عن "لا إله إلا الله" ... ! ولوكنت منصفة تضعين لكل مسمى ما يليق به من الأسماء لقلت غير مخطئة (صاحب نادي الشباب الوطني الإصلاحي) الذي أيقظه الله على عبث الطرق والطرقية، فأصبح باسم الله ثم بمن بعثهم الله من رجال الإصلاح جند هدى بعد أن كان بفضل غواية حزبك جند ضلال وأصبح شوك قتاد يسد على الطرقية مذاهبها ويشوك مواكبها. وادّعيتم أن بعض المصلحين ندموا على تشييع الجنازة بالسنّة وجاءوا إلى أغْواثِكُم وأقطابكم يعتذرون فطردوهم! ما هذا الكذب الأزرق، أمن ذاق حلاوة الإيمان يسلوها؟ أمن هو على هدى من ربه يرضى أن يقف على شفا جرف هارٍ ينهار به في جهنم؟ اعد نظرًا يا عبد قيس ........ إن كان لك إلمام بالأدب العربي. وقد هددتنا (لسان دينهم) باجتماع الطرقيين وعقد حلف بينهم ضد هجمات المصلحين وانتظرنا ما تقرّره دول الحلفاء! وطال انتظارنا، وإلى هذه الساعة ما اجتمع لهم شمل ولا تألف لهم ما شتته الله. ونحن نقول لهم لم تجتمعوا يوم كنتم ولا ثاني لكم في هذا الوطن تعيثون وتقتلون هذه الأمة وتأسرون! فكيف وقد غشيكم من المصلحين نور لا أنتم قادرون على طمسه ولا هو آئل إلى نقصان ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كرهتم. هداكم الله وأزال الغشاوة عن أبصاركم وبصائركم. وختامًا انه والله وألف والله قسمًا لا حانثون فيه ولا آثمون، ليحزننا أن نتعرض لمثل هذا الموضوع والجزائر- الوطن العزيز- تتقلب على جمرات، والعدو الكاشح يطعنها في كل ما تأتيه طعنات، ونحن من وراء ذلك، ومن أمامه ومن فوقه ومن تحته، سخرية الساخر، وهزء الهازئ، وأضحوكة الضاحك فلا حولَّا وَلا قوة إلا بالله.

стр. 289

المؤتمر الإسلامي الجزائري* مظهر اتحاد الأمة الجزائرية وقوتها. من أوكد الواجبات على الأمة الالتفاف حوله وإزالة كل ما يقف في طريقه. البشرى بقرب انعقاد المؤتمر الثاني. ــ من الحقائق المسلمة أن اسْمَ (المؤتمر الإسلامي الجزائري) أصبح عنوانًا لاتحاد الأمة الجزائرية وقوّتها، ورمزًا لأمانيها القومية ومطالبها الحيوية، وشغلًا للألسنة المتحدثة عنها قبولًا ورفضًا، ومعجمًا جامعًا لكل الحقوق التي تصبو إليها الأمة الجزائرية. انعقد المؤتمر الأول في اليوم السابع من شهر جوان من السنة الماضية بتلك الصورة الرائعة التي لم تبرح الأذهان، فكان أول خطوة خطتها الأمة الجزائرية في عهدها الجديد، وأول صفحة خطتها من تاريخها المجيد. تمثلت فيه الأمة بجميع عناصرها راجعة إلى عنصر واحد هو عنصر الإسلام والجزائرية، مدفوعة بدافع واحد هو دافع الشعور بالحرمان من الحياة والشعور بالحاجة إلى الحياة. كان ذلك الاجتماع مجلى لقوّة الاتحاد والأخوة والتضامن، وكان درسًا بليغًا في باب استحقاق هذه الأمة للحياة نوه به رجال البرلمان الفرنسي على منابر الشورى، ونبهوا على قيمته رجال الحكم المسؤولين، وكان إنذارًا لخصوم هذه الأمة والعاملين على تفرقتها والكيد لها، وكان حجة للمنصفين علا بها صوتهم وقوي بها جانبهم وشد بها أزرهم، وكان تكذيبًا مريرًا للمتخرصين الأفاكين المتقولين على هذه الأمة الأقاويل والظانين بها ظن السوء. ومعلوم أن هذه الأمة كانت بين عاملين: عامل على تجريدها من دنياها فهو يجهد في التجريد ويتمنى المزيد، وعامل على تجريدها من دينها فهو يدأب في ذلك ما وسعه الدأب ويكيد ما وسعه الكيد. ثم يلتقي العاملان في نقطة واحدة وهي القضاء على هذه الأمة، حتى إذا تم للعاملين ما أرادا وظن كل منهما أن الغاية تحققت، (جاء المؤتمر الإسلامي الجزائري) يقول للأول:

стр. 290

حسبك! لا قيصر بعد اليوم، إن ما تم في النوم لا يتم في اليقظة، وما أمكن مع الافتراق لا يمكن مع الاجتماع، فتعالَ نتقاسم الحظوظ في الحياة! ثم لا حرج إذا طالبتني بمقاسمة الحظوظ في الممات، فاعرض كلمتي على الحق تجده تفسيرها، وعلى العدل تجده مدلولها، وعلى قائمة الاخوة والمساواة والحرية تجدها شواهد لها! ويقول للثاني: كذبك الظن، إن الإسلام كامن في هذه النفوس كمون النار في الحجر، وقد قدح المؤتمر زنده فأورى، إن في نفس هذه الأمة قبسًا من الحياة يشع منه نورها، فإذا هي مهدية، وتنقدح منه نارها فإذا هي قوية، وإن هذا القبس لا يخبو ما دام الإسلام والعربية. ... ولد المؤتمر الإسلامي الجزائري كامل البنية لا نقص فيه- إلّا في العرضيات، وان زعم الجاهلون أنه ينطوي على نقائص فما ذلك إلّا لنقص في عقولهم أو مرض في نفوسهم، وبدت عليه مخايل القوّة من يوم تأسيسه فلهجت به الألسن وأصبح اسمه لازمة الحديث في المسألة الجزائرية، فأيده المؤيدون من غير الأمة على مقدار اعتقادهم في نفعه واعانته لهم على إقامة العدل، وقاومه المعارضون على مقدار اعتقادهم في مضادته لمصالحهم، أما الأمة- وهي صاحبة الكلمة فيه- فقد تعاهدته بما يجب من رعاية فحفظت ذكره وحاطته بما يضمن بقاءه من نظم وتأسيسات، وان لقيت في سبيل ذلك- حتى من أبنائها- ما لا يحصى من المشاكسات والمعاكسات، وواجبها في هذا المقام أن المؤتمر هو كنزها الثمين، فلتشد عليه يد الضنين. لا نفيض في تاريخ المؤتمر فإن ذلك ما ستتدفق به ألسنة الخطباء في المؤتمر الثاني القريب، وإنما نقص خلاصة ما قررته لجنة "٦٦" للمؤتمر في اجتماعها الخطير الذي عقدته بنادي الترقي يوم ٩ ماي الجاري. اجتمعت لجنة "٦٦" للمؤتمر الإسلامي الجزائري يوم الأحد تاسع شهر ماي الجاري على الساعة التاسعة صباحًا بنادي الترقي برئاسة الدكتور (البشير عبد الوهاب) وحضر الاجتماع أغلب الأعضاء من جهات القطر المختلفة، وبعد تلاوة برقيات المعتذرين بسط الرئيس الحالة الأدبية للجنة التنفيذية للمؤتمر وقفى على أثره الكاتب العام ببيانٍ وافٍ وشرح للحالة الأدبية ثم قفى عليهما أمين المال ببيان للحالة المالية. ثم طرحت مسألة الاستعداد للمؤتمر الثاني فقسمته اللجنة إلى نقط مترتبة لتتفاوض في كل نقطة على حدة، فكانت النقطة الأولى تاريخ انعقاده.

стр. 291

أصر فريق من الأعضاء على لزوم انعقاده في سابع جوان إحياء لذكرى المؤتمر الأول، وإبقاء لمعناه التاريخي الرابع وهذا شيء لا يخالف فيه أحد، ولكن عرض رأي آخر له وجاهته وتقديره وهو أن سابع جوان بل شهر جوان كله وقت أنهماك طائفة عظيمة من الأمة في أشغال فلاحية أو تعليمية، فالمحافظة على اليوم المعين تؤدي قطعًا إلى حرمانهم من شهود المؤتمر وحرمان المؤتمر من تأييدهم. فوقع إجماع اللجنة على تعيين يوم الأحد الأول من شهر جويلية القابل تاريخًا للمؤتمر الثاني وعلى لزوم إحياء ذكرى سابع جوان بجعله عيدًا للأمة. ولتحقيق ذلك قررت اللجنة لزوم احتفال جميع لجان المؤتمر الفرعية والمركزية والعَمَالية في ذلك اليوم باجتماعات عامة تحضرها طبقات الأمة،- ولزوم إرسال برقيات للحكومة من جميع اللجان تتضمن المطالبة والالحاح في تنجيز المطالب، ويكون إرسال البرقيات كلها في ساعة واحدة وهي الساعة السادسة من مساء الإثنين سابع جوان. ثم تفاوضت اللجنة في الترتيبات اللازمة لانعقاد المؤتمر الثاني فأقرت ما يلزم من التحضيرات والوسائل، لأن إعداد المؤتمر من خصائص اللجنة التنفيذية، ووقفت عند حدود نص اللائحة الداخلية التي كانت وضعتها لجنة "٦٦" في أول سنة المؤتمر الماضية ونص المادة: "إن المؤتمر يتكون من الأعضاء المفوضين الذين ترسلهم اللجان الفرعية والمركزية بشهادات رسمية بشرط أن لا يمثل اللجنة الفرعية أكثر من ثلاثة أعضاء، ولا يمثل اللجنة المركزية أكثر من ستة أعضاء". وبناء على هذا فقد قررت اللجنة أن يجتمع الأعضاء المفوضون من اللجان يوم السبت السابق ليوم الأحد الأول من جويلية، فينتخبوا المقررين للمسائل المختلفة ويوزعوا الأعمال ويعينوا الخطباء المختصين للمواضيع الجوهرية للمؤتمر. ويوم الأحد يكون الاجتماع العام الذي تحضره طبقات الأمة كلها، ويوم الإثنين يجتمع الأعضاء المفوضون للأعمال اللازمة. فأيام المؤتمر المقررة هي ثلاثة أيام. أما تفاصيل هذه القرارات وتعيين مواقيت الساعات بالضبط وتعيين أماكن الاجتماع فإنها من خصائص مكتب اللجنة وستعلنها الكتابة العامة للأمة عن قريب. ... نحن إنما نريد بهذه الخلاصة الموجزة أن نزف البشرى للأمة الجزائرية بقرب انعقاد المؤتمر الإسلامي الجزائري، وأن نلفت نظرها إلى لزوم الالتفاف حوله وإزالة كل ما يقف في طريقه أو يصد عن سبيله.

стр. 292

إلى الطرقيين* بمناسبة رسالتهم الى جمعية العلماء ــ - ١ - في هذه الأيام التي تحركت فيها الأمة الجزائرية للمطالبة بحقوقها الدينية والسياسية وتقاربت آراؤها في تلك المطالب، وأوشكت أن تتّحد على المصلحة العامة. وفي هذا الوقت الذي رفعنا فيه الصوت بالدعوة إلى نبذ ما بقي في الأمة من الحزازات الحزبية والنزعات الطائفية، لتظهر في هذا الموقف الحرج بالمظهر الذي يرضي ربّها ويعزّ دينها ويحزن خصومها. وفي هذا الوقت الذي انتقلنا فيه من ميدان انتصر فيه الحق على الباطل، والعلم على الجهل، والسنّة على البدعة، والحقيقة على الخرافة، والدليل على الشبهة، إلى ميدان آخر من ميادين الحياة أعددنا له العدّة التي كانت مفقودة، ووجّهنا له الأمّة التي كانت بحبال الطرقية مشدودة، ورجونا أن ينتصر فيه العدل على الجور، والمساواة على الأنانية والأثرة، ويعتز فيه الشرف الإسلامي القومي بجميع مقوّماته. وفي هذا الوقت الذي فرغنا فيه من حرب الطرقية وأضاليلها، وأرحنا الألسنة والأقلام من بيان آثارها السيئة في المسلمين، وقتلها لمشاعرهم، وتفريقها لكلمتهم، وتفريغها لجيوبهم، وانتهاكها لأعراضهم، وقضائها على الأخلاق الصالحة في نفوسهم، وتمكينها فيهم للعبودية لغير الله والذلّ لغير الله والخوف من غير الله. وفي هذا الوقت الذي شعر فيه المسلمون بتقوّض الهيكل الطرقي وتداعي أركانه للسقوط، وشعرت فيه جمهرة المسلمين بلزوم الاعتصام بحبل الله المتين وهو القرآن،

стр. 293

والرجوع إلى هديه والتحاكم إليه وإلى سنّة مَن نزل على قلبه، وبلزوم إحياء الأخوة الإسلامية الواسعة الجامعة وطرح الأخوة الطرقية الضيقة المفرّقة. وفي هذا الوقت الممتاز بهذه الخصائص في تاريخ الجزائر الحديث، تظهر فيه هذه الطرقية الخاطئة بمظهر غريب يتنافى مع موقف الأمة الحاضر، وإن لم يكن غريبًا من طبع الطرقية وأخلاقها من يوم ابتلي بها العالم الإسلامي إلى الآن. وقد مهّدوا لهذا المظهر المريب بدعوى طويلة عريضة والانتصار للعلم والحرص على نشره وقد كانوا بالأمس أعدى عدوّ له، وبدعوى أطول منها وأعرض في السعي لتوحيد الأمة، وقد كانت طرقهم هي السبب في تفريقها وتمزيقها، وبدعوى أعرق منهما في باب البهت والزور وهي أن الحركة الإصلاحية الدينية هي التي فرّقت كلمة الأمة الجزائرية. تجلّى هذا المظهر الجديد بالأمس في اجتماع الطرقيين الذي سمّوه كذبا "المؤتمر الديني العام"، وما هو في الواقع إلّا زردة من زردهم المعتادة دفعهم إليه الحنين إلى الزرد، فإذا هو هي لم ينقصه إلّا الطبول والمزامير، ولم يزد فيه إلّا أنهم خطبوا فيه وكتبوا عنه وسمّوه بغير اسمه. ثمّ تجلىّ هذا المظهر في جمعيتهم التي سمّوها "جامعة اتحاد الطرق الصوفية" وغمروها بكثير من الدعايات الكاذبة على طرائقهم المعروفة. ... كل العقلاء يعلمون ويعتقدون أن هذه الألفاظ التي يكسون بها هذا المظهر الجديد ألفاظ لا حقيقة لها، لأن معانيها ليست طبيعية فيهم فمتى كانت الطرقية ناصرة للعلم وهي تعلم أن لا وجود لها مع وجوده؟ ومتى كانت الطرقية سببًا من أسباب الاجتماع على الخير العام؟ ومتى كانت من طبيعتها الأصلية أن توحّد الناس بالمعنى الاصطلاحي للاتحاد؟ نعم: إنها توحّد معتنقيها في شيء واحد، في غايتها التي هي شرّ شرورها وهو هذا الاستسلام المطلق الذي تبتليهم به، وهذا البله المستحكم الذي أنساهم خالقهم وحقائق دينهم وتاريخهم وأذهلهم عن أنفسهم، وانتزع منهم أخلاق الرجال وعزائم الرجال، وصيّرهم آلة مُسخَّرَة في يد الشيخ وأبناء الشيخ والمقرّبين من الشيخ، ثم صيّرهم آلةً في يد كل ظالم للأمة ومعتدٍ على صفوفها، ثم مطيةً لكل راكبة، ثم حجّة على انحطاط المسلمين، ثم حجّة على الإسلام نفسه. وكل العقلاء يعلمون أنه إذا كان هذا الاندفاع الجديد من الطرقيين ليس من طبيعة الطرقية، فهو واقع- لا محالة- بدوافع خارجية، بعضها من زعماء الطرق الذين نضبت

стр. 294

موارد رزقهم منها، فهم يحاولون استدرار الرزق، وبعضها من المتحكّمين في هذه الأمة الذين أحسّوا بتقلّص ظلّ استبدادهم فهم يحاولون لها استمرار الرزق، ويعلمون بذلك أن الغاية المرجوة لهؤلاء الدافعين والمدفوعين هي التشويش على العاملين لخير هذه الأمة، وإلقاء الأحجار في طريقهم، وإشغالهم بهذه المظاهر الباطلة عن الحق الذي يعملون له، وإبعاد من يقع في حبالة كيدهم من العامة عن حظيرة الاتحاد الحقيقي. ولو كان لهؤلاء المدفوعين بقية عقل يوجه إليها الخطاب، وبصيرة تنفذ إلى عواقب الأمور، وصلة بالأمة تحملهم على الشفقة عنها- لما أقدموا على الظهور بهذا المظهر الجديد، ولَتعلّموا أن اليد التي حركتْهم إنما حركتهم لتصفع بهم الأمة الإسلامية، وأنها إنما حركتهم لتسكن بهم الحركة المنبثة في الأمة الإسلامية، وأنها إنما أيقظتهم لتوقظ بهم فتنة في الأمة، ولتحدث بهم خللًا في صفوف الأمة وشللًا في الأعضاء العاملة للأمة- ولكن القوم لا يعقلون، وهيهات أن يعملوا لكرامة الأمة وإعزازها، وهم بشهادة التاريخ والواقع الساعون في إذلالها، أو يسعوا في إنقاذها من الظلم وهم كانوا ولا زالوا أظلم الناس لها، استعبدوا أرواحها ثم عبَّدوا أبدانها للغير وأَكَلَةِ مَالِهَا باسم الدين، ثم أسلموها للمعتدين. ولقد تفرسنا فيهم فصحَّت الفراسة، وبلَوْناهم فصدق الابتلاء، وجرَّبْناهم فكشفت التجربة على أنهم لا يعرفون الأمة إلا في مواقف الاستعباد وابتزاز الأموال، فإذا مَسَّها الضر وتنكَّر لها الدهر تنكَّروا لها وتجاهَلُوها، وإن علاقتهم بالأمة علاقة السيد بعبده والمالك لمملوكه لا علاقة المسلم بأخيه المسلم، يحب له ما يحب لنفسه، وأنهم مطايا الاستعمار الذُّلُل وأيديه الباطشة؛ بل القنطرة التي هوَّنت عليه العبور، وانهم كانوا ولا زالوا على خلاف ما وصف الله به عباده المؤمنين أعزة على الأمة أذلة على المستعمرين والحكام المستبدين، وأن ليس في صحائفهم السوداء موقف يعز الإسلام أو يرفع المسلمين. وهذا تاريخهم الماضي الملحود، وتاريخهم الحاضر المشهود يسجلان عليهم أنهم أعوان على هذه الأمة للدهر، وحلفاء عليها للفقر، وإِلْبٌ على دينها مع التبشير بالكفر، وانهم هم الذين أَمَاتُوا رهبة الإسلام ونخوة الإسلام بخضوعهم واستسْلامهم، كما أمَاتُوا حقائقه بأساطيرهم وأوهامهم، وأنهم مردوا على الملق والمداهنة المزرية بشرف الإسلام في المواقف التي تسمو عن المجاملة وتقتضي نهاية الصدق في المعاملة. ولئن شِئْنا لنفضحنهم فضيحة يَسِمُهُم عارها إلى يوم القيامة، ويَصِمُهم بأنهم ليسوا من الأمة ولا كرامة، وتكون خاتمة الحجج الناطقة باستسلامهم واحتقارهم لأنفسهم ولإسلامهم، فقد وقعت بأيدينا من زمن قريب نسخة مخطوطة من القانون الأساسي لجمعية الطرق الدينية بقسنطينة مطبوعة بختم الجمعية وممضاة بإمضاء كاتبها العام فعجبنا أولًا لعدم طبع القانون كما هو شأن الجمعيات، ثم تَلَمَّسْنا السر في مواده فإذا في بعضها ما نصه: إن

стр. 295

ـ[مخطوطة]ـ

стр. 296

عامل العمالة (١) هو الرئيس الشرفي للجمعية، وإن كل متصرف إداري يكون هو الرئيس الشرفي للشعبة التي تتأسس- في دائرته، فحينئذ علمنا السر في عدم طبع القانون وانه خشية الافتضاح عند الأمة التي أصبحت تحس وتميز وتدرك، وعلمنا السر في هذا الاندفاع الأخير ... وفرضنا مع ذلك أنهم لو كتبوا هذا القانون قبل أعوام لافتخروا جهارًا بما فيه من خزي وألزموا الأمة بما فيه إلزامًا، وحمدنا للحوادث أن أوقفتهم هذا الموقف المزري حتى أصبحوا يتسترون بما كانوا به يفتخرون. وسنستدرك ما قصروا فيه من طبع القانون بنشره على الأمة. ويا ويحهم .. أفي الوقت الذي يعترف فيه أشد الحكام استبدادًا بأنه لا مدخل له في الدينيات، وفي الوقت الذي نجاهد فيه لانتزاع مساجدنا وجمعياتنا الدينية من أنياب السلطة، وفي الوقت الذي نسمع فيه من رجال فرنسا المسؤولين: إن تدخل الحاكم غير المسلم في أي شيء ديني إسلامي- وإن لم يمنعه القانون- هو عارٌ وأمر قبيح، لا يجمل بحاكم ذي همة أن يرضى به، في هذا الوقت يعمدون عن طوع واختيار إلى إسناد رئاسة الشرف عن جمعيتهم المنسوية إلى الدين إلى الحكام الإداريين .. لو لم يكن في الأمر ما فيه ... ... نكتب هذا والأسف يملأ جوانحنا على أَنْ عُدْنا للكتابة في موضوع فرغنا منه بحثًا وتحليلًا، وفارقناه على أن لا نعود إليه حصرًا للجهود وانتقالًا إلى ما هو أعم فائدة. ولكن القوم- بعد سكوت عميق، وبعد خيبة شاملة في مُنَاوأتهم للحق الذي ندعو إليه- عادوا للتحكك بنا بالباطل والتهجم علينا بالكذب وراجعوا شنشنتهم القديمة في التدجيل والتضليل، وادعاء العلم وهم ليسوا من أهله، والظهور بنصر الدين وهم أول القائمين بخذله، والهتاف باتحاد الشعب الجزائري وهم القاطعون لأصله المنقطعون عن فصله. قرأنا منذ أيام في الجرائد الافرنسية بمدينة الجزائر إعلانًا من جامعة اتحاد الزوايا عن اجتماع لهم عقدوه، وزعموا في التنويه به المزاعم- وهذا لا يهمنا- وأنهم دعوا جمعية العلماء للحضور فيه بقصد المناظرة في مسائل الخلاف بينهم وبينها فأحجمت عن الحضور - وهذا محل الشاهد-. نترك المناظرة ومسائل الخلاف للفصل الآتي، ونقول في أصل دعوتنا إلى الاجتماع معهم: إنها كذب وبهتان، وإنها لم تقع، ولم تبلغنا بوجه من وجوه التبليغ، لا مَعَ رسول ولا برسالة،

стр. 297

وقد نشرنا تكذيبًا لهذه الفرية في تلك الجرائد باسم مراقب جمعيتنا العام، ونحن نتحقق انه لا دعوة ولا مناظرة، بل ولا اجتماع بالمعنى المعروف للجمعيات، ولا ذلك العديد الأوفر الذي زعموه من الحاضرين، وإنما الغاية هي ما أسلفناه، ولكنها كانت مكيدة مفضوحة. ثم قرأنا في جريدة النجاح تفصيلًا أو تعريبًا لما أذاعوه في الجرائد الفرنسية، وفيه وصفنا بالجماعة الوهابية، فلم نزدد من العلم إلا أن هيفاء عادت إلى أديانها ولم نبال بهذا ولم نستغرب الكذب مِمَّن رأس ماله الكذب. هذا فصل أول، وأما الفصل الثاني فهو أننا تلقينا صبيحة يوم الاثنين الماضي رسالة مضمونة متتوجة باسم جامعة اتحاد الطرق الصوفية، ومنتعلة باسم كاتبها العام. وبين التاج والنعل سطور جميلة الخط (قريبة الأسلوب في أساليب التوثيق من المحاكم) ولكن تحتها من المعاني ما يضحك الثكل، ففيها بعد البَسْمَلة بالقلم العريض: تعالوا إلى المناظرة. وفيها بعد اسم رئيس جمعية العلماء والسلام عليه ورحمة الله ما نصه بالحرف: "أما بعد، فإنكم تعلمون علم اليقين أن ما فكك الأمة المسلمة الجزائرية ومزق وحدتها حتى صارت متنافرة متخالفة بعد أن كانت متقاربة متألفة هو ما أدخلتموه عليها من التشكيك في أمر دينها اعتقادًا وعملًا، وأفتيتموها في كل مسألة خلافية بما يعد خروجًا عن دائرة الحق والإنصاف وولُوجًا في ورطة الشذوذ والاعتساف، ولطالما انتظرنا رجوعكم إلى الجادة، ولكن ذهب انتظارنا سدى. وبناءً على هذا فإننا ندعوكم باسم الدين إلى "المناظر" في المسائل الآتي ذكرها، ونرجوكم أن لا تتخلفوا كما تخلفتم في المرة الأولى عن موعد المناظرة، ولكم الشكر". هذا نص الديباجة، وبعدها سرد المسائل، وهي إحدى عشرة مسألة وسنشرحها، وبعدها شروط المناظرة التي غفلوا عنها في الدعوة الأولى المكذوبة.

стр. 298

- ٢ - الدعوة إلى المناظرة: بقطع النظر عن هذه الدعوة التي هي من فروع المظهر الجديد، وبصرف النظر عن الداعي إليها والغاية منها وقد فهمها القارئ من عموم الكلام السابق، وبصرف النظر عن هذه الجرأة التي لم نعهدها في الطرقيين ومأجوريهم، وبصرف النظر عن المسائل التي سموها مسائل خلاف، (وسنجيب عنها ونفصل القول فيها للأمة لا لهم)؛ بصرف النظر عن هذا كله نقول: إن المناظرة في الشيء تستدعي نظيرين، أي مثيلين في المعنى الذي يتناظران فيه، والمناظرة المطلوبة هنا في مسائل علمية دينية لَابَسَها تاريخ المسلمين الطويل، وداخلتها عوائدهم واجتماعياتهم وأثر فيها هذا وذاك. وإذا كنا نحن الطرف الأول في هذه القضية، ونحن علماء نقول في الدين بِدَلِيلهِ المعتبر، ونتكلم في التاريخ بعلله وأسبابه، ونقول في العادات بمناشئها وآثارها، ونرجع كل شيء إلى أصله، ونرد كل حادثة إلى سببها، ونربط بين الدليل ومدلوله والعلة ومعلولها، فإن الطرقيين بالطبع هم الطرف الثاني، وهل بلغ الطرقيون أن يكونوا نظراءنا بالعلم والدين والتاريخ والاجتماع؟ نحن نعرفهم حق المعرفة، ونعرف أنهم جهلاء ويفخرون بالجهل، وأنصاف أميين ويتباهون بالأمية، إذ ليس العلم ولا القراءة شرطًا في طرقهم ولا في مشيختهم، ونعرف أنهم لا يملكون من أسلحة هذا الميدان إلا العناد والإصرار على الباطل. ولو كانوا علماء لما بلغ النزاع بيننا وبينهم إلى هذا الحد، ولرَجَوْنا- إن لم يزَعْهم الدين- أن يزَعَهم العلم.

стр. 299

ولقد نعلم أنهم لا يجهلون هذا من أنفسهم، ولا يبلغ بهم الغرور أن يناظروا علماء من الطراز الذي تحتوي عليه جمعية العلماء، وإنما يعتمدون في هذه المناظرة على موجودات آلية يسمونها علماء عوَّدوها أن تنطق باسمهم وتسبح بحمدهم وتحامي عنهم بالباطل. ونحن لا نعترف بالعلم لهذا الصنف المتهافت على أبواب الزوايا المتعيش من فضلاتها، ويأبى لنا شرف العلم أن يكون هؤلاء المسلوبو الإرادة الفاقدو الاستقلال في العلم نظراءنا في المناظرة، لأننا بلَوْنَاهم في العمل فوجَدناهم جبناء، وبلَوْنَاهُم في العلم فوجَدناهم يحكمون الهوى ولا يحكّمون الدليل، وبلَوْناهم في الكتابة فوجَدْنا أَمْثَلَهم يسمي البدع المنكرة عوائد دينية .. أَمَعَ هؤلاء تكون المناظرة؟ لا، وشرف العلم. فقد تحقق أن هذه المناظرة التي دعوا إليها ساقطة سقوط شرطها الأساسي مِن قِبَلهم وهو النظير. أَلا إنهم من إِفْكِهم ليتداهون ويختلون بهذه الدعوة إلى المناطرة، لنُجِيبَهم فنعترف لهم بالكفاءة، أو نسكت عنهم فيقولوا عنا: أَحْجَموا وخافوا، أو نُجيبَهم بالحقيقة (كما فعلنا) فيقولوا: إن جمعية العلماء تحتقر العلماء ويتباكون ويشنعون. ولا والله ما شيء من هذه اللوازم بصحيح وما كنا لنَزنَهم بغير الميزان الذي وضعوا أنفسهم فيه، وما كنا لنُصِمَّ آذاننا عن دعوة حق تُوجَّه إلينا، وإننا لننقاد إلى الحق بشعرة، وماكنا لِنَكِعَ عن النزال، لو كان في الميدان أبطال، وما كنا لنحتقر العلماء المشرفين للعلم المنقادين به إلى الحق، وأما العلماء الأذناب والعلماء الذيول والعلماء الذين يؤثرون الخَلْقَ على الحق فهيهات أن نقيم لهم وزنًا. ثم ما لهؤلاء القوم يؤكدون في رسالتهم إلينا الكذبة التي افتجروها وهي أنهم دعونا إلى المناظرة في المراض البلدي (١) فتأخرنا؛ ثم يجيئون في آخر رسالتهم بشروط للمناظرة منها أن تكون تحت إشراف لجنة من أساطين العلم والدين والفتيا، ومنها أن تكون تحت إشراف الحكومة لحفظ الأمن .. ! ومنها أن تكون في مكان بعيد عن الصخب والشغب ... تعالى الحق: أين كانت هذه الشروط يوم دعونا- بزعمهم- للمناظرة؟ وهل كانت متوفرة كلها؟ أم بدا لهم من فضيحة الكذبة ما لم يكونوا يحتسبون؟ أيتها الأمة: إننا مع هؤلاء القوم على النحو الذي قال فيه الشاعر: بنو دارمٍ أكفاؤهم آل مسمع ... وتنكح في أكفائها الحبطات

стр. 300

وإن لنا في الدعوة الإصلاحية سلفًا صالحًا يبتدئ بأصحاب رسول الله ﷺ ولا ينتهي إلا بقيام الساعة، وإنَّ لهم في بدعهم وضلالاتهم سلفًا طالِحًا يبتدئ من الشيطان ولا ينتهي إلا بقيام الساعة، وإن بين سلفنا في الهداية وسلفهم في الضلال في القرون والأجيال نحوًا مما بيننا وبينهم اليوم؛ وإن العاقبة في كل قرن وكل جيل للحق، وإن في العلماء الذين بَجَّلُوهم تقليدًا وجهلًا، وينتسبون إليهم كذبًا ودجلًا مَنْ هو حجة عليهم بعمله لو كانوا يفقهون، ومن هو أنكى عليهم منّا في التشنيع والإنكار لو كانوا يقرأون، ولكنهم لا يفقهون ولا يقرأون. وإن علماء هذا العهد في الأقطار الإسلامية الأخرى فريقان، فريق يحمل على المبتدعة حملتنا وينتصر للحق انتصارنا، ويدعو المسلمين إلى الرجوع إلى كتاب الله وسنّة نبيّه وهدي السلف الصالح من أمته دعوتنا، وفريق ضعفت إرادته فاشترى المبتدعة ضميره ودينه ولسانه وقلمه، فأصبح ينصر أباطيلهم باسم العلم، ويزيّن أضاليلهم باسم الدين، ويدافع عنهم كما يدافع (المحامي) المأجور عن القاتل وهو يعلم يقينًا أنه قاتل. وإن من هذا الفريق الأخير من سمَتْ همّته إلى أسفل فانتحل الطريقة مع العلم، وجمع بين الزاوية والمدرسة، وزاوج بين الاتِّجار في السبح وبين التدريس، فأصبح بطريقة النحت اللغوي (طرعميًا) أو (طقعميًا). إن الخلاف بيننا وبين هؤلاء ليس في مسائل علمية محصورة يعدّونها في كل بلد بعدد ويكثرون حولها اللغط ليوهموا الأمة أن الخلاف علمي ... وما لهم وللعلم؟ إنهم ليسوا علماء حتى يغاروا للعلم أو يقولوا فيه أو يكونوا طرفًا من طرفي الخلاف في مسائله. وإنما الخلاف بيننا وبينهم في طرقهم وزواياهم وما يرتكبونه باسمها من المنكرات التي فرّقت كلمة المسلمين وجعلت الدين الواحد أديانا، فقلنا لهم ولا نزال نقول: (لا طرقية في الإسلام)، وأقمنا على ذلك الأدلة من الدين وتاريخه الأول والعقل ومقتضياته، فلماذا يرجعون بنا بعد هذا كله إلى العلم الذي هو بريء منهم وهم بُرآء منه؟ والكلمة الأخيرة التي يجب أن يسمعوها من هذا الفصل هي أنهم عوام، ووظيفة العامي الاستماع والاتّباع، فإن أرادوا التحلّي بفضيلة عرفان القدر والوقوف عند الحد فها هوذا الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد أظل زمانه وسيحضره علماء أفاضل من غير الجزائر؛ فليتفضّلوا بحضوره ليسمعوا كلمة الحق فصيحة داوية وليتبيّن حقيقتنا من كان يأخذنا منهم بالظنة ... ونؤكد لهم أن لنا من ديننا وقوة يقيننا ما يغنينا عن الالتجاء إلى الحكومة في حفظ الأمن ... فهل يستجيبون لهذا؟ وهلا يؤدبون كاتبهم الذي رمانا بما لا يشرّفنا ولا يشرّفهم من جعل المناظرة تحت إشراف الحكومة لحفظ الأمن؟

стр. 301

هذا في المناظرة وسنعود بعد قريب إلى مسائلهم. ... وبعد الدعوة إلى المناظرة يقول كاتب الرسالة: أما بعد، فإنكم تعلمون علم اليقين الخ ... ما سردناه سابقًا، (اسمحوا لي أن أوجّه الخطاب في هذه المرة فقط إلى حضرة الكاتب). نحن يا حضرة الكاتب نعلم علم اليقين ونتحقّق حق اليقين أن الذي فرّق الأمة ومزّق وحدتها حتى أصبحت متنافرة إلى آخر ما وصفتها به هي الطرق التي أنت أحد رعاياها أو الموظفين في مملكتها، لا بالآثار البعيدة غير المباشرة بل بأصولها التي بنيت عليها، وبشروطها الموثقة من شيوخها وبعهودها المأخوذة على أتباعها. أتتجاهل أن من العهود المؤكدة على المريد أن لا يدخل في طريقة أخرى ولو بعد موت شيخه (على المشهور)، وأن لا يدخل في زاوية أخرى ولا يصلّي فيها ولا يحضر مجالس ذكرها، وأن لا يعدّ أخًا له إلّا أهل طريقته، وأن يعتقد أن شيخه أكمل المشائخ وأن طريقته أفضل الطرق، وأن ما عدا شيخه مفضول أو مدع، وما عدا طريقته فباطل بحيث لو أردنا أن نحتجّ عليكم بكم لكانت النتيجة هكذا: كل طريقة في نظر الأخريات باطلة، فالكل باطل، وكل شيخ طريقة في نظر زملائه مدع أو محجوب أو كذاب فالكل كذلك بشهادة بعضهم على بعضهم، وهكذا ننتزع الدليل على بطلانكم من غير أن نخرج من العالم الطرقي. أتتجاهل أن من العهود في بعض طرقكم أن لا يصلي ذو الطريقة خلف ذي طريقة أخرى ولا يصهر إليه وأن لا يزور قبر مسلم إلا قبر شيخه وذوي طريقته إلى غير ذلك. أتتجاهل أن الأمة الجزائرية كانت متفرقة إلى فرق بعدد الطرق التي فيها على النحو الذي ذكرناه وكلها على الباطل، فجاءت جمعية العلماء فصيّرت الأمة فرقتين إحداهما على الحق؟ هذا ما تعلمه علم اليقين ويعلمه كل منصف لا ما ألزمتنا به من قولك إنكم تعلمون علم اليقين كذا .. ولعنة الله على من يعلم ما ذكرت ...

стр. 302

إفتتاح مدرسة دار الحديث بتلمسان - ١ - * الدعوة العامة إن أكبر دعامة تقوم عليها النهضة الجزائرية الحديثة، هي تأسيس المدارس الحرة بمال الأمة، وقد قامت (تلمسان) بقسطها من هذا الواجب فشيدت مدرسة (دار الحديث) على طراز ليس له نظير في القطر الجزائري كله. وستحتفل بفتحها في اليومين المذكورين (٢٧ و ٢٨ سبتمبر)، وسيكون الاحتفال عرسًا علميًّا تتجلّى فيه الأخوة الإسلامية والنخوة العربية. يحضر الاحتفال المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وكل من يستطيع الحضور من أعضاء جمعية العلماء بعد الانتهاء من اجتماعها العام، وقد وجّهت الدعوة إلى كل من عرفنا عنوانه من وجهاء وأعيان القطر، ونرجو ممن لم تصله الدعوة أو لم نعرف عنوانه أن يعتبر هذه الدعوة المنشورة في البصائر، دعوة خاصة. ونرجو من جميعهم بكل تأكيد أن لا يقصروا في الحضور. تلمسان (محمد البشير الإبراهيمي)

стр. 303

- ٢ - * دعوة المجلس الإداري لجمعية العلماء ... وبعده قام نائب الرئيس الأستاذ البشير الإبراهيمي وأخذ يحاضر الوافدين بحديثه الطريف الممتع وقد ابتدأ المحاضرة بقوله: أيها الإخوة الكرام، لقد حملني إخوانكم التلمسانيون أمانة يجب علي أن أبلغها إليكم وهي أنهم يسلّمون عليكم ويعاهدونكم على التفاني في خدمة الجمعية ونشر مبادئها، ويبشّرونكم بأنهم شيّدوا للإسلام والعربية معهدًا لم يكن له نظير في تاريخ الجزائر الحديث، كما أنهم يتشوّقون ويتشرّفون أن يكون فتح هذا المعهد لأوّل مرّة بيد علامة الجزائر وزعيم نهضتها الأستاذ عبد الحميد بن باديس، وهذا المعهد هو مدرسة «دار الحديث»، المسمّاة على دار الحديث الأشرفية التي أسّست منذ قرون في دمشق الشام، تلك المدرسة التاريخية التي تخرّج منها أئمة في العلم وفحول في الأدب، والتي كان من مدرّسيها الإمام الحافظ محي الدين النووي والإمام النظار تقي الدين السبكي. ثم ...

стр. 304

- ٣ - * كلمة في «دار الحديث» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أيها السادات الأفاضل، أيها الآباء المكرّمون، أنا من نتاج هذه المدرسة يوم أن كانت اسمًا بلا مسمّى، ومن زرع هذا الحقل من قبل أن تتناوله يَدُ الإصلاح، وتعمل في فلاحته وفلاحة همّة الفلّاح، ومن بواكر الثمار لهذه الحديقة من قبل أن تتّسع أرجاؤها ويشاد بناؤها. فكل المراحل التي قطعتُها- وإن كانت قصيرة- فهي على هذه المدرسة محسوبة، وكل الآمال التي لي في العلم فهي إلى فضل هذه المدرسة منسوبة. وكيف لا أمتلئ زهوًا وإعجابًا وأملًا في الحياة وطموحًا إلى غاياتها بعد أن رأينا المدرسة التي تذوّقنا حلاوة العلم الصحيح فيها، وسرنا على نور الهداية الإسلامية تحت اسمها وسمعتها، رأيناها تترقّى في الوجود الحسي من أماكن مستعارة إلى بيوت بالإجارة، إلى مكان بسيط لا يليق بشرف العلم، ولا يتناسب مع قدر "تلمسان" وعظمتها التاريخية ومجدها الخالد، ولا بقيمة أستاذنا محي "تلمسان". تترقّى في مثل هذه المدّة القليلة إلى هذه القمّة العليا، وتظهر في هذا الشكل العجيب المدهش جامعةً بين الفن العربي البديع والشكل العصري الأنيق، وتبدو آيةً في الضخامة والجمال، والسعة والكمال. أيها الآباء المحترمون: إننا إذا قال الناس: إن الوقت وقت علم وإن العصر عصر تقدم، نقول لهم: إن ديننا دين العلم ودين التقدّم، فلسنا في هذا السبيل بين عصر وعصر، ولكننا

стр. 305

بين خمول كنّا فيه وغفلة عن أوامر ديننا ونواهيه، وبين يقظة في ذلك الدين أذّن مؤذّنها، ووجد من يدعو إليها ويبيّنها، ولا غرابة في رجوع الشيء إلى أصله ولا في طلب صاحب الحق لحقّه، وإنما الغريب ما كنّا فيه من نوم عميق، وبُعدٍ عن العلم سحيق، وعماية تخبّطنا في ظلماتها أحقابًا، وخرافات ورثناها أعقابًا وأعقابًا. أيها الآباء المحترمون: إن هذه المدرسة هي الشاهد الذي لا يكذِب على صدق النهضة الإسلامية العلمية ونضوجها ووصولها إلى درجة الكمال التي يفرح لها العاملون، وييأس منها الظالمون. إن أثر ذلك يكون بلا شك نفعًا في تقديرنا لهذا الدين واعتبارنا لهذه اللغة، ونحن في هذا الطور لا نتأثّر إلّا بالمحسوسات، فلا نعرف مما تقولون لنا إلّا قولكم: هذا الإسلام وهذه مساجده، وهذا لسان العرب وهذه معاهده. فأمّا أن تقولوا لنا: هذا الإسلام ولا مسجد، وهذه علوم الإسلام ولا معهد، فاعذرونا إذا استهوتنا هذه المعاهد المشيّدة للألسنة الأجنبية، وتخطفتنا دعايات البشر من كل جانب. أيها الآباء: هذا هو السرّ في ضعف الدعاية الإسلامية في أبنائكم، وموت العاطفة العربية فيهم، ولو أن أجدادنا فعلوا مثل ما فعلتم لرأيتم منا غير ما رأيتم، ولعملنا نحن للأجيال القادمة أضعاف أضعاف ما عملتموه لنا، ولأعدنا نحن إلى الإسلام سيرته الأولى وإلى العربية شبابها الزاهر. أيها الآباء: قد تعوَّدْتُم أن تستهينوا في رغبات أبنائكم بكل عزيز، لأنهم أعزّ عليكم من كل عزيز، وتعوّدنا نحن أن نتقدّم إليكم بالرغبات التافهة، فاستهينوا في سبيل المدرسة بالمال العزيز في سبيل أبنائكم الأعزّة، واحمدوا الله على أن أصبحنا نتقدّم إليكم بالمطالب الجليلة والرغائب الكبيرة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 306

- ٤ - * تحيّة «دار الحديث» للشاعر محمد العيد أُحيّي بالرِّضى حَرَمًا يُزَارُ ... ودارًا تُستظلُّ بها الدِّيارُ وروضًا مستجدَّ الغرس نضْرًا ... أريضًا زَهْرُهُ الأدب النُّضار وميدانًا سترتبعُ المَهاري ... بساحتِه وتستبق المِهار (١) وعينًا ما لمنْبعها مَغاضٌ ... وأُفقًا ما لأَنْجُمِهِ مغار أُحيّي خيرَ مدرسةٍ بناها ... خِيارٌ في معونتهم خيار "تلمسانُ" احْتَفَتْ بالعلم جارًا ... وما كالعلم للبُلدان جار لقد لَبِسَتْ من الإصلاح تاجًا ... يَحِقُّ به لأهليها الفَخار فكان له بها نَصْرٌ وفَتْحٌ ... وكان له ذُيوعٌ واشْتهار لقد بُعِث (البشيرُ) لها بشيرًا (٢) ... بمجدٍ كالرِّكاز بها يُثار وفي (دارِ الحديث) له صوانٌ ... بديعُ الصّنْع مصقولٌ مُنار به عَرَضَ (البشير) فنونَ علم ... وآدابٍ ليَجْلُوها الصغار فَيَا (دارَ الحديثِ) عِمِي نهارًا ... وعُمْرُكِ كلُّه أبدًا نهار ويا (دارَ الحديثِ) عليكِ تُلْقَى ... مُهمَّاتٌ لنا ومُنًى كبار وفي (بَلَدِ الجِدار) (٣) كنوزُ دين ... وعلم لا يليق بها ادِّخار (تلمسانُ) ابْتغي أبدًا مَدارًا ... فأُختُكِ في السماء لها مدار

стр. 307

ضَعِي عن قرنكِ الضَّافي خِمارًا ... فقرنُ الشمس ليس له خِمار (تلمسانُ) اكشِفي عن رائعاتٍ ... من الآثار جَلَّلَها الغُبار وبُقْيا عبقرياتٍ غِزارٍ ... نمتها عبقرَّياتٌ غِزار إلى (إدريس) (٤) أو (زيان) (٥) يومي ... وُيومِضُ تحتها نورٌ ونارُ (تلمسان) احْفَظي ذكرَ ازدهارٍ ... لمُلْكٍ فيكِ كان له ازْدِهار ففي هذا الثَّرَى الزَّاكي قديمًا ... لنا ازدهرتْ حَضاراتٌ كِبار وفي هذا الثَّرَى الزَّاكي قديمًا ... تَفَشَّى العدلُ وانْتَشَرَ اليَسار وفي هذا الثَّرَى الزَّاكي قديمًا ... سما (مازيغُ) (٦) واستعلى (نِزار) عليك تآخَيَا أدَبًا ودينًا ... وحولَكَ ضَمَّ شَمْلَهما الجِوار هما حَمَيَا ذِمارَك بِالعوالي ... قُرونًا فاحْتَمَى بهما الذِّمار وحاصَرَ تُرْكَكِ الإسبانَ حينًا ... فعادَ عليكِ بالأمن الحِصار مضوا لم يتركُوا غير ادِّكارٍ ... لَنَا في القلب لو يُجْدِي ادِّكار فقل لِبَنيهمُ ابْنُوا من جديدٍ ... بناءً لا يُهدِّدُهُ انهِيار وصغْ لبني (تلمسانَ) التَّحايا ... كطاقات يرِف بها العمار ووفِّ بني (تلمسان) اعتبارًا ... وأدنَى ما جَزيت به اعتِبار لقد حَنَّت جوانحُنا إليهمْ ... وسارت قَبْلَما سار القطار أتَيْناهُمْ ضُحًى ولهم حُبُورٌ ... وإشرافٌ وشوقٌ وانتظار وسرنا بينهم جَنْبًا لجَنْبٍ ... كمِثْل الزَّند يكْنُفُه السوار يُكَبِّر حولنا منهم جهارًا ... رجالٌ كل دعْوتهم جهار ألم تَرَ صورةَ الأجْداد فيهمْ ... عليها من ملامحهمْ إطار فَقِفْ تَرَ غَرْسَهُمْ يَنْمو بِدارًا ... بدارٍ نحوَها اشتدَّ البِدار بها (دارُ الحديث) لها يُنَادي ... وفيها (ابن الصَّلاح) له يُشار وليس ابن الصَّلاح سوى (بشير) ... لنا انتشرتْ معارفُه الكثار حَمَى أكنافَها لله جُنْدٌ ... وجُندُ الله ليس له انكسار وجاءتْها المواكبُ خاشعاتٍ ... عليها الطُّهر يَبْدو والوقارُ

стр. 308

ومن وحي السماء لها دليلٌ ... ومن وحي السماء لها مَنارُ ونحن بنو السّماء لها انسبُونا ... فليس سِوى السماء لنا نِجار تَخذْنا الدينَ في الدنيا شعارًا ... وما كالدِّين في الدنيا شِعار لنا للعلم تَثْويبٌ وحفْزٌ ... وتنقيبٌ وكشف وابْتكار وفي (دارِ الحديثِ) رياضُ علْم ... عليها نَضْرةٌ ولها اخْضرار بدت منها ثمارٌ طيِّباتٌ ... شهيَّاتٌ فأَرْضَتْنا الثِّمار على طُلّابِها ومُعَلِّميها ... من البَركاتِ دِيماتٌ ثِرار وطاب جنَابُها الحاني قرارًا ... لهم ما طابَ في الخُلد القرار

стр. 309

تعطيل مدرسة «دار الحديث» * تعوّدنا أن نكظم الغيظ إذا كربتنا الحوادث، وتعوّدنا أن نطوي النفوس على مكروهها إذا رمتنا الأيام بما لا صبر عليه، شنشنة من الصبر طبَعنا عليها دينُنا، وخُلُق من الرزانة هَدَتْنا إليه التجارب المتكررة، خصوصًا بعد أن أصبحنا نساوَم على الصبر، وأصبحنا نُرمى بالأحداث عن عمد، استفزازًا لعواطفنا، وتحريكًا لشواعرنا، واستدراجًا لنا إلى المعاطب إن غلبنا على الصبر فبدرت منا بادرة. وتعطيل مدرسة «دار الحديث» مسألة لا تهمّ جمعية العلماء وحدها بل تهمّ الأمة الجزائرية كلها، وتثير شعورها كلها إلّا فلولًا من المنهزمين في معارك الحقّ لا يقام لهم وزن ولا تعتبر لهم قيمة، فكان اللائق أن يذل في الصحف خبر التعطيل، وأن تدوي حوله صرخات الغضب، وقد بلونا هذه الأمة الوفية في هذه السنوات الأخيرة، فرأينا من آيات شعورها بوجودها أنها أصبحت تتأثر فرحًا بالأعمال التي تحقّق ذلك الوجود فتندفع في الطرب والابتهاج إلى الحدّ الذي يشبع ذلك الشعور، وتتأثر حزنًا لحدوث المعاكسات لتلك الأعمال فتندفع في الغضب والاحتجاج على مقدار ذلك الشعور. ومن المصائب "الاستثنائية" على هذه الأمة أن القوانين تفرض عليها أن تفرح بمقدار وأن تحزن بمقدار. وإنّ شرّ ما تبتلى به الأمم التحكّم في العقائد والتحكّم في الضمائر، وقد ابْتُلِيَت هذه الأمة بهذا الشر من جهة الجامدين الذين تحكّموا في عقائدها، ومن جهة المستبدّين الذين تحكّموا في ضمائرها، وهي الآن في دور اجتلاء بين شعورها بحقّها في الوجود، وبين هذه الحواجز والسدود، التي يُقيمها لها أهل الاستبْداد وأهل الجمود، والعاقبة للمتقين.

стр. 310

وقد اجتمع الموجبان- موجب الفرح وموجب الحزن- حول «دار الحديث»، فتحناها في ٢٧ سبتمبر الأخير، فاحتشدت في تلمسان عشرون ألفًا من أبناء هذه الأمة في حفلة ضاحكة مستبشرة يعلوها جلال العلم ووقار الدين وسكينة التقوى وروعة النظام، وتجمعها جامعة الابتهاج بأعظم معهد علمي ديني شُيّد بأموال الأمة في الجزائر الحديثة، وينطق ذلك كله بأنّ الأمة المتمثّلة في تلك الألوف قد شعرت بوجودها، وأنها مندفعة اندفاعًا نفسانيًا إلى إقامة البرهان على ذلك الوجود، بشهودها لذلك المشهد وظهورها بذلك المظهر كانها تقول لِمَن يتمارى حتى في القمر إذا اتسق: ها أناذه أفكّر بفكري، وأقدّر برأيي، وأعمل بيدي، وأنفق من مالي. ولكن القانون الذي يفرض عليها أن تفرح هونًا ما، رأى أنها جاوزت الحدّ وأسرفت في الفرح فسَكَتَ ثلاثة أشهر يحاول هضم هذا التعدّي منها فلم يستطع، ويحاول محاكمة كل مَن حضر فلم يستطع، وبعد لَأْيٍ ظهر له أن يحاكم المتسبّب في تلك الأفراح وهو منشئ «دار الحديث» الإبراهيمي، بدعوى أنّه كان سببًا في جمهرة أو تجمهر الناس بدون رخصة ... ودع حديث المحاكمة فله شأن آخر، وهات الحديث عن التعطيل. ... في أوّل جانفي وهو يوم التهادي والتواصل واجتماع القلوب على السرور عند الغربيين خرج قرار تعطيل «دار الحديث»، فجاء بدعة التحف في هدايا الموسم، وكان القرار مبهمًا غير مفسَّر الأسباب ولا مميَّز المقاصد، فسألنا رسميًا فقيل لنا إنّ التعطيل خاصّ بالتعليم الابتدائي وإن دروس الإبراهيمي لا تدخل في القرار ولا يشملها التعطيل، وتناقلت الأفواه الخبر وبدأت بوادر الغضب والاحتجاج الصارخ تبدو، ولو زاد الغضب والهيجان لكان بردًا على أفئدة لها في ذلك هوى ولها من ورائه مأرب، ولكننا سكتنا حتى تتجلّى الأسباب وتنجلي العماية، واقتصرنا على احتجاج جمعية العلماء بلسان مؤتمراتها العمالية. ولو تعجّلنا فأذعنا في الأمة خبر التعطيل، وأعطيناه ما يستحقّ من التحليل، وصبغناه بما يقتضيه الحادث من التهويل، لانفجر الغضب وتوالت الصرخات، وتدفّق سيل الاحتجاجات والمظاهرات، وإذًا لوقف القانون الذي يفرض على الأمة أن تغضب بمقدار في الطريق، وإذًا لَسِيقَ إلى المحاكمة والتحقيق، لا رجل واحد بل فريق، ولو قال قائل للحكومة: أخبريني، لقالت له: سلْ قرار "ريني"، ولو قال لها: اعذريني، لقالت: يأبى ذلك قرار "ريني". هذا بعض العذر في عدم استعجالنا بنشر الحادث وذيوله، وإنْ كنا نعلم أن الأمة متعطشة لذلك متلهّفة عليه، وأن الرأي العام ساخط على ذلك القرار متظلّم منه، وقد أوعزنا إلى بعض الصحف الفرنسية اللسان أن لا تتعجّل بنشر تفاصيل الحادث إلى حين، فعدّ ذلك

стр. 311

بعض قاصري النظر منا تقصيرًا، وعدّه بعضهم تهوينًا لحادث يستحقّ التهويل، وأشاع بعضهم أننا الْتجأنا إلى الاستجارة ببعض ذوي النفوذ عند الحكومة، وإن شيئا من ذلك كله لم يقع، فما عهدوا منا التقصير في حادث كهذا، ولا التهوين لما حقُّه التهويل، ولا الاستخذاء عند الصدمات، ولا الالتجاء إلى الشفاعات، وإنما يستخذي الجبان الوكل، وإنما يستجير المجرم المعتدي ... ونحن فقد تمرّسنا بالأحداث الفعلية والتهويلات القولية حتى لا نبالي أيها طار وأيها وقع. وإذا ضاع حقّ النفوس المتعطشة لمعرفة أسباب الحادث فما ضاع حقّ التاريخ الذي يقصّ الخبر، لاستجلاء العِبَر، ودَيْن التاريخ أحقّ أن يُقْضَى.

стр. 312

المولد النبوي* بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أيها السادة، قرأت كثيرًا ممّا فاضت به قرائح الشعراء من القصائد المولدية التي يذكّرون بها المسلمين في نشأة دينهم، ويجدِّدون عهدهم فيها بميلاد نبيّهم، فوجدت كل أولائك الشعراء لا يخرجون عن دائرة تقليدية اتّبع فيها آخرهم أولّهم، وهي ذكر الخوارق التي صحبت مولده ﷺ ، ثم يتخلّصون إلى مدحه والتوسّل به وذكر شمائله وأوصافه الذاتية وقليلًا من أخلاقه النفسية، ممّا لا يثير في النفس حركة ولا يحملها على قدوة ولا يستفزّها إلى عمل، ثم يصفون ليلة الميلاد أوصافًا خيالية شعرية يزيّنونها بالمبالغة والإغراق كانهم- عفا الله عنهم- لا يدرون أنهم يُحيُون ذكريات عملية تنبني عليها أجيال مجهزة لمستقبل، وأن تلك الأجيال رهينة بما يصوّرون لها من تاريخ، ويخططون لها من أمثلة، ويضربون لها من أمثال، وإنما هم شعراء يقولون ما يلذّ في الأسماع لذّة منقطعة ويؤثّر في العواطف تأثيرًا محدودًا. وكنتُ قليل التأثّر بتلك المولديات لسلوكها مسلكًا واحدًا من الوصف والمدح والإكثار من الخوارق وحشر الغرائب- ما يُعقل منها وما لا يعقل- مع أن إثبات تلك الغرائب من طريق الإسناد والرواية ممّا لا مطمع فيه. وما زلتُ أستثقل تلك المبالغات من المرحلة الأولى من مراحل سني وإدراكي، ومما زلتُ أحسّ بأن في نفسي تشوفًا إلى شيء وراء تلك المبالغات، هو بيان سرّ عظمة هذه الليلة من بين الليالي، إذْ تملأ هذه العظمة نفسي ولا أتبيّن أسبابها وبواعثها حتى قرأتُ قول شوقي في مطلع قصيدته الهمزية:

стр. 313

وُلِدَ الْهُدَى فَالْكَائِنَاتُ ضِيَاءُ ... وَفَمُ الزَّمَانِ تَبَسُّمٌ وَثَنَاءُ قرأتُ هذا البيت ووقفت عنده أتأمّله وأستجلي معانيه، فمَحا كل ما في نفسي من آثار تلك المبالغات، بل محا كل ما في ذاكرتي من جميع ما قرأته من القصائد المولدية، وكشف لي هذا البيت الواحد عن سرّ عظمة هذه الليلة وفضلها على الليالي. وإن من يحب أن يستجلي حقيقة هذه الليلة يجب عليه أن يستعرض تاريخًا كاملًا هو تاريخ البشرية قبل الإسلام بجميع أجناسها ولغاتها وعاداتها وأديانها وأنظمها في الحياة ومذاهبها في التفكير وموازين العقل عندها، فإذا هو فعل ذلك ووازن بين ذلك الطور الكامل وبين الطور الذي انتقلت إليه البشرية بعد الإسلام بسبب الإسلام، حينما زحف أبناء الجزيرة على الشرق والغرب يحملون هَدْيَ الإسلام وعدله وميزانه وأخلاقه وعقائده وفرقانه، ويعملون على نشرها بين الأمم وتثبيتها في النفوس، إذا هو فعل ذلك عرف- مثلما عرفتُ- سرّ عظمة هذه الليلة، وذكر - مثلما ذكرتُ- من الفروق بين ماضي البشرية قبل الإسلام وبين مستقبلها بعد الإسلام، وعرف أن القافلة الإنسانية ما زالت منذ آدم تتخبّط في ظلمات من الجهل والشرّ والفوضى، تسير فلا تسير إلّا إلى الهلاك، وتقيم فلا تقيم إلّا على الضيم، وطالما ارتفعت أصوات الحق في أطرافها من المرسلين والحكماء، فضاعت تلك الأصوات بين غوغاء الباطل، أعظلت أمراضها، وعجز أطبّاؤها، واستفحل الشرّ بين أفرادها، وتخاذل العقل أمام الوهْم، وتهافتت الحقائق أمام الشبَه، وطغت الحيوانية بما فيها من تكالب ونَهَم وغرائز سافلة، فجاء العدوان والظلم والتناحر والقتال والمطامع. فكانت على كل ذلك في أشدّ الحاجة إلى هادٍ يهديها إلى سبيل الحق وإلى حام يحميها من عدوان الباطل، وكان من قدر الله أن يكون ذلك الهادي محمدًا ﷺ ودينه الإسلام، وكانت ليلة الميلاد بذلك غرّة في الليالي الدُّهم. أيها السادة، إن بيت شوقي يصوّر الحالة السائدة في العالم قبل الإسلام وأنها ضلال في ضلال وظلام في ظلام، وكذلك كانت هي، ويصوّر ولادته ﷺ ولادة للهدى الماحي لذلك الضلال، فهي ليلة لم يولد فيها رجل، ولو كانت كذلك لما كان لها فضل على بقية الليالي، ولكنها ليلة وُلدَ فيها الهدى بأكمله والرحمة بأجمعها، وإن الإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله لهو الهدى الكامل لبني آدم كلهم، والرحمة الشاملة لجميعهم، وإن العالم كله في ذلك الوقت كان متعطشًا ومتشوفًا إلى رحمة الله لما أعوزته الرحمة من أفراده، ولقد أصاب مطلوبه ونال مرغوبه في آية واحدة من القرآن الكريم وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾، وهي آية جامعة للجناحين اللذين يطير بهما الإنسان وهما الأمر والنهي، وما زالت سعادة الإنسان وشقاؤه معلّقين على ما يفعله وما يتركه،- فيسعد إذا فعل الخير، ويشقى إذا عكس القضية.

стр. 314

أيها السادة، حقيقةٌ ما يصوّره شوقي من ولادة الهدى ليلة ولد رسول الله ﷺ ، وما يصوره من استنارة الكائنات، كأن الفجر طلع على الدنيا بنوره وإشراقه فمحا الظلم وأحيى الأمم وملأ الكون بهجة وبشاشة ورونقًا، وصحيحٌ ما تخيله شوقي من أن للزمان فمًا كان مطبقًا على مضض، ولسانًا كان مفحمًا بالشر ملجمًا بالباطل، فكانت ليلة ميلاده ﷺ مصحوبة بالهدى والحق والنور، سببًا في تبسّم فم الزمان وافتراره وفي إطلاق لسانه بالثناء وانتشاره، ولقد كان الزمان عابسًا لما يقع من شرور بني آدم وضلالهم، فلا عجب أن يتهلّل ويستبشر حينما تمخضت إحدى لياليه عن ميلاد سيّد البشر الذي جاء بالهدى ودين الحق. ليس السرّ- أيها السادة- في أن مولودًا وُلِدَ، ولو في بيت رفيع العماد كبيت عبد المطلب، وهو مَن هو في بني هاشم، وهاشم هو مَن هو في قريش، وقريش سنام العرب وعمّار البطحاء وسدنة بيت إبراهيم. وكم من مولود وُلِد في تلك الليلة وفي أمثالها من الليالي، فما زانوها ولا زانتهم، ولا زادوا الوجود الذي أتوه شيئًا، ولا نقصوا العدم الذي فارقوه نقطة، ولا زادوا في سجل التاريخ حرفًا. إنما السرّ الذي يجب أن يتبيّنه السامعون الواعون هو أن هذه الليلة وُلد فيها الهدى الذي محق الضلال، ووُلد فيها الحق الذي محا الباطل، ووُلد فيها النور الذي نسخ الظلام، ووُلد فيها التوحيد الذي أمات الوثنية، ووُلدت فيها الحرية التي انتقمت من العبودية ووُلد فيها التساوي الذي قضى على الأثرة والأنانية، ووُلد فيها التآخي الذي أبطل البغي والعدوان، ووُلدت فيها الرحمة التي قضت على القسوة والجبروت وعلى البخل وآثاره، ووُلدت فيها الشجاعة التي تنصُر الحقيقة وتمهّد الطريقة، وبالإجمال وُلد فيها الإسلام وما أدراكم ما الإسلام. أيها السادة، هذه بعض الذكريات التي توحيها إلينا ليلة المولد النبوي، فتثير الهمم الرواكد، وتستفز العزائم الفاترة، وتصحّح ما اندثر من الحقائق والعقائد، أحْيُوا هذه الذكريات في نفوسكم ونفوس أبنائكم وبناتكم، تحيوا ويحيوا مسلمين صالحين مصلحين هادين إلى الحق مهديّين به. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 315

ختم ابن باديس لتفسير القرآن* بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ------ ١ - تمهيد ------ أتم الله نعمته على القطر الجزائري بختم الأستاذ عبد الحميد بن باديس لتفسير الكتاب الكريم درسًا على الطريقة السلفية. وكان إكماله إياه على هذه الطريقة في خمس وعشرين سنة متواليات مفخرة مدخرة لهذا القطر. وبشرى عامة لدعاة الإصلاح الديني في العالم الإسلامي كله، تمسح عن نفوسهم الأسى والحزن لما عاق إمام المصلحين محمد عبده عن إتمامه درسًا، ولما عاق حواريه الإمام رشيد رضا عن إِتمامه كتابة. إن إكمال تفسير القرآن على تلك الطريقة في مدة تساوي- بعد حذف الفترات- المدة التي كمل الله نزوله فيها، يعد في نظر المتوسمين إيذانًا من الله برجوع دولة القرآن إلى الوجود، وتمكين سلطانه في الأرض، وطلوع شمسه من جديد، وظهور المعجزة المحمدية كرة أخرى في هذا الكون. ثم كان الاحتفال بختمه بمدينة قسنطينة في الثالث عشر من ربيع الثاني عام ١٣٥٧ دليلًا على انسياق الأمّة الجزائرية المسلمة إلى القرآن واستجابتها لداعي القرآن واجتماع قلوبها على القرآن وشعورها بلزوم الرجوع إلى هداية القرآن، ولا معنى لذلك كله إلا أن إحياء القرآن على الطريقة السلفية إحياء للأمّة التي تدين به.

стр. 316

ثم جاءت حفلات التكريم للأستاذ المفسّر ولوفود القرآن، وما لقيته تلك الوفود من سكان الحاضرة القسنطينية من صدق الحفاوة وكرم اللقاء وبشاشة المظهر وتهلل الأسرة وإكرام المثوى وإغداق الضيافة، آية بالغة على أن القرآن فعل فعله في تلك النفوس فجمعها على التقوى وهداها لكريم الخلال وبسط شعاعه على جوانبها المظلمة، فتعارفت بعد التناكر وتآلفت بعد التخالف، ويوشك أن يأتي بعد هذا التعارف الخير الكثير. ولما كانت مجلة "الشهاب" هي لسان الحركة الإصلاحية التي قرّبت ما بين الأمّة وبين قرآنها من بعد، وأزالت ما بينهما من جفاء، كانت تلك المجلة حقيقة بأن تؤرّخ لهذا الموسم القرآني العظيم وتدوّن وصفه وما قيل فيه ليبقى تذكرة خالدة للأجيال المقبلة، وصفحة لامعة في تاريخ النهضة الدينية العلمية بالجزائر، وعلمًا هاديا لمؤرخيها والباحثين عن أطوارها من أبناء الغد. وهل يمنع من ذلك أن صاحب المجلة هو الأستاذ المفسّر، وأن معظم ما قيل في الاحتفال دائر على تقريظه والثناء عليه والتنويه بأعماله؟ قد كان بعض ذلك، وأبت للأستاذ همّته العلمية وإخلاصه العمل لله أن لا ينشر في "الشهاب" إلا ما هو من حقوق الدين والعلم والعربية دون ما هو من حظوظ النفس وتمجيد الشخص. ولكن إخوانه من رجال العلم والأدب الحريصين على تخليد هذا الاجتماع القرآني المنقطع النظير رغبوا منه أن يتنازل عن حقه من مجلة "الشهاب" هذه المرّة، وأقنعوه بأن كل كلمة قيلت في مدح شخصه والثناء عليه فهي مصروفة إلى أعماله، وإلى مبدإ الذي وقف حياته عليه وإلى النهضة التي كان- بحق- بانيها ومشيّد أركانها وإلى الأمّة التي أنفق عمره وقواه في سبيل نفعها وإحيائها. وبأن تسجيل هذه الصفحة الوضّاءة من صفحات الإصلاح، من الواجبات على "الشهاب" لتتصل خطواته في خدمة الإصلاح الديني وتسجيل أطواره، وتتناسق صحائفه المدونة لتاريخه وأخباره، فاقتنع- حفظه الله- وأذن في أن يكون هذا العدد من "الشهاب" خاصًا بالاحتفال وتوابعه. وطلب من رفيقه الوفي كاتب هذه السطور أن يكتب بقلمه كلمة في تصدير العدد، وكلمة في تصوير الاحتفال وتلخيصًا لما علق بذهنه من ألفاظ درس الختم ومعانيه ففعل بقدر ما وسعه وقته وحاله، وعسى أن نكون وُفّقنا لإرضاء المتعطّشين المترقبين الذين حبستهم الأعذار عن حضور الاحتفال. تلمسان ....................................... الإبراهيمي.

стр. 317

----------------- ٢ - كلمة التصدير لهذا العدد* ----------------- سُئل بعض العلماء: أية آية تصلح أن تكون عنوانًا على القرآن كله بحيث إذا كُتبت على ظهر المصحف كانت تعريفًا كاملًا به، شاملًا لجميع المعاني الكلية التي يجدها المتصفح فيه كما تعرف الكتب الكبيرة بجمل قصيرة، فكان جواب هذا العالم: الآية التي تصلح لذلك هي قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. ولعمري، لقد وُفّق هذا العالم القرآني إلى الصواب فيما أجاب به. فالقرآن كتاب يحمل في ثنييه دين الله الكامل، وكل ما سبقه من الكتب والصحف فهي إرهاصات له وبشارات به وإشارات إليه. ابتعث به نبيه الأمين محمدًا ﷺ لهذا العالم الإنساني كله حين بلغ رشده الاجتماعي واستعد للكمال واستشرف لسائق من وراء العقل يكون سندًا له إذا زلّ، وهاديًا له إذا ضل، ومصححًا لخطإه إذا أخطأ، ومخرجًا له من ظلمات الحيرة إذا التبست عليه مناهج الحياة، ومفسحًا له في آماله إذا ضيقت عليه هذه الحياة المحدودة حدود الآمال، ومحررًا له من أصناف العبودية الفكرية والبدنية التي تقلب فيها قرونًا، ومرشدًا إياه إلى وسائل الكمال التي كان يطلبها فلا يجدها. والآية الكريمة التي جعلها جوابًا لسائله بيان إلهي معجز للحكم التي اقتضت نزول القرآن والحكم التي نزل لبيانها القرآن والمثل العليا للكمال الإنساني الذي دعا إليه القرآن متدرجة في وضعها البياني تدرجها الطبيعي من نفس سامعها، بلاغ فإنذار، فعلم، فتذكّر. وأمثال هذا العالم من ربانيّ هذه الأمّة ممن درسوا القرآن وتدبروه ومارسوه وراضوا أنفسهم على بيانه، واستنبطوا منه الحكم التي أنزل لتحقيقها والعلوم التي جاء لتجليتها على الناس، يكون من خصائصهم هذه الملكة، ملكة استعراض القرآن في مثل ارتداد الطرف كلما تحرك لهم وجدان وأرادوا أن يزنوه، أو نجم في آفاق نفوسهم خاطر وأرادوا أن يصححوه، أو ألقي عليهم سؤال وأرادوا أن يجيبوا عليه. وما ظن بصاحبنا هذا أنه راعى القانون الاصطلاحي الجدلي في انطباق الجواب على السؤال، وإنما هي هيمنة القرآن على نفوس أصحابه، وإلهامها الإصابة في الرأي والتسديد في الجواب والفيح في الخصومة.

стр. 318

فالسائل يطلب آية جامعة (لوظائف) القرآن، لا جرم أن أول ما يخطر ببال المجيب أمثال قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ .. ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ .. ﴾ الآية. وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ وغيرها من الآيات المبيّنة لأصول الدعوة القرآنية. ثم يلتمس راية تجمع هذه الأصول مع التنويه بهذا الكتاب الجامع لها، فيقع على تلك الآية أو ما شاكلها والآيات الجامعة (لوظائف) القرآن كثيرة، ومن السهل السريع الوقوع عليها عند هذه الطائفة التي أوتيت قوة الاستعراض. وقد يسأل عالم آخر فيقع على قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أو قوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾. والكل مصيب رضي القانون الجدلي أم سخط. وإن كان هناك تفاوت بين الآيات في الإحاطة والبيان، فلكل جملة تزيد في آية موقع ودلالة، ولكل كلمة تزيد في جملة معنى وحالة. أما أنا- ولا أعوذ بالله من كلمة أنا- فلو أُلقي علي هذا السؤال لتمردت على قوانين الجدال وأجبت على المغافصة والارتجال، ولم أرع إلا الاعتبار المناسب ومقتضى الحال. وجررت السائل (عن وظائف) القرآن إلى (وظائف) أهل القرآن مع القرآن، وقلت للسائل ضع على ظهر المصحف بالقلم العريض قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ واجعل جملتي ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ و ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ بين أقواس علّ هذه الأقواس المحنية تصيب من قارئه شاكلة انتباه فتزعجه إلى معرفة أن هاتين الآيتين هما جواز الداخل إلى أقطار القرآن، وعل هذه القلوب القاسية تستشعر حق القرآن عليها ووظيفتها التي يجب أن تقوم بها نحوه، وهي التدبر لمعانيه واتباعه. إن حقوق القرآن علينا من التدبر والاتباع، هي التي يعروها ما يعروها من الإهمال والضياع والتفريط والغفلة. فهي التي يجب التنبيه لها والتذكير بها دائمًا والدلالة على مواقعها من آيات الكتاب العزيز، وهي التي يجب على العالم القرآني أن يختار للتذكير بها أصرح الآيات في معناها وأظهر الجمل في الدلالة عليها وأقرب الألفاظ لأذهان الناس. وإذا قارنا بين ﴿لِيُنْذَرُوا﴾ وبين ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ وجدنا بينهما فرقًا جليًّا لا يُستهان به في مقام التذكير والإبلاغ في التأثير. فإن الإنذار- وإن كان معناه الإعلام بالشيء مع التخويف من عواقبه- لا يستلزم التدبر الذي هو انفعال نفساني ذاتي يفضي إلى النظر في إدبار الشيء وغاياته على وجه من التكلف والتدرج يفيده بناء تفعُّل وأثر الإنذار تأثير خارجي، وأثر التدبر تأثر ذاتي، والإنذار لا يشعر النفس ما يشعرها التدبر من العهد المسؤول والأمانة الثقيلة.

стр. 319

أما الاتِّباع فهو ثمرة التدبر وهو الذي لا تتحقق الغايات التي يرمي إليها القرآن إلا به، وقد تكرر ذكره في القرآن في معارض شتّى تدلّ مُستعرضها على أنه هو سرّ التديّن والتألّه. وانه المحقق للكمال وانه العاصم من الضلال والهلاك فليتدبر التالي هذه الأمثلة من الآيات القرآنية: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾، ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾، ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ﴾، ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾، ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾. ويا للعجب من بيان القرآن وبيّناته وإعجازه بفنون إيجازه. إن الاتباع ضرب من قَفْوِ أثر الغير وترسم خطاه والانقياد له وجعل الهوى تبعًا للهوى مع اطمئنان بالمشاركة في النتيجة خيرًا كانت أو شرًا. وفي معناه من الهجنة أنه ينافي الاستقلال الفكري في الفكريات والذاتي في الذاتيات، فتجد القرآن يدفع عنك أثر هذه الهجنة العارضة فيأمرك بالتدبر واستعمال الحواس الظاهرة والباطنة في وظائفها الفطرية قبل أن يأمرك بالاتباع، حتى تطمئن إلى أنك إنما تتبع فيما فيه حَقّ وخير ورحمة، ثم إذا أمرك بالاتباع فإنما ذاك فيما يتعالى على فكرك إدراكه أو يصعب عليك تمييزه أو يخاف فيه غلبة الأهواء عليك. وبعد الأمر ينهى عن اتباع الهوى المضلّ عن سبيل الحق، وعن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وعن اتباع خطوات الشيطان، وعن اتباع أولياء من دون الله، وعن اتباع السبل المتفرقة، توكيدًا للمعنى الإيجابي وإيضاحًا للحق الذي يجب أن يتبع. إلا أن المتدبرين للقرآن لا يخرجون من هذا الاستعراض البديع إلا مؤمنين موقنين بأن الاتباع الذي يدعو إليه القرآن هو عين الاستقلال التام للفكر والإرادة والعقل والوجدان لأنه يحميها من شرور الأهواء ويؤويها إلى حمى الحق وحده والاحتماء بالحق الذي قامت به السموات والأرض واستقر عليه تدبير الكون ونظامه- استقلال ما وراءه استقلال. ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾. هذا حق القرآن علينا يجب أن نتخذ الآيات المنبّهة عليه فواتح في المدارسة وأن تتجاوب أصداؤها في جوانب نفوسنا حتى لا ندخل حرمه إلا بعد أن نكون عرفنا حقه. إنه لم يمض على المسلمين في تاريخهم الطويل عصر هم فيه أبعد عن القرآن منهم في هذا العصر، ولم يمض على الدعاة إلى الحق وقت عظمت فيه العهدة واستغلظ الميثاق مثل هذا الوقت، وإنه لا مخرج لهم من هذه العهدة ولا تحلل من هذا الميثاق إلا بالدعوة إلى القرآن. فلا عجب- ونحن نشعر بثقل هذه الأمانة- من أن ترتفع أصواتنا بالدعوة إليه. وإنما العجب

стр. 320

الذي لا عجب بعده أن نسكت أو نقصر وإن من أحكم الوسائل لجذب الأمّة إلى القرآن، وصف القرآن، وتشويق الناس إلى الإقبال عليه وتدبّره وفهمه. فمن التسديد في الرأي والمقاربة في العمل أن ترشد الأمّة الإسلامية إلى معرفة ما ضيّعت من خير وما خسرت من هداية، بتضييعها للقرآن وإنما تعرف ذلك ويبلغ مكامن الوجدان من نفوسها، من وصفه والإشادة بشأنه والتنويه بجلاله وخطره والتنبيه على ما يحتوي عليه من العلوم الكثيرة بألفاظ قليلة، وتقريب ما ينطوي عليه من المرامي المفيدة، بالكلمات القريبة، وشرح ما فيه من الحقائق المتفرقة بالجمل الجامعة، فإن ذلك يكون أدعى لرجوع النفوس الجامحة عنه إليه وأعون على فيأتها إلى حماه والاستظلال بظله والاستمساك بحبله. وليت شعري، أي بيان يضطلع بهذا؟ إن وصف القرآن وأساليب التشويق إلى القرآن لا توجد على أكملها في غير القرآن، فلو أن البلغاء من كل أمة وفي كل جيل اجتمعوا على أن يصفوه ببعض ما وصف به نفسه. وكانت قلولهم على قلب رجل واحد وألسنتهم على لسان رجل واحد لعجزوا وقعد بهم القصور دون الغاية من ذلك. ولقد وصفه جماعة من الباحثين في إعجازه وأسراره، والمتكلمين على قصصه وأخباره والمنقّبين على مثلاته وعبره، والغائصين على نكت التناسب بين آيهِ وسوره. فجاءوا بما يشبه قصورهم الإنساني لا بما يشبه كماله الإلهي! ووصفه قبلهم أعداؤه اللد من مضغة الشيح والقيصوم أوصافًا منصفة فما بلغ هؤلاء ببلاغتهم ولا أولئك بإيمانهم وعلومهم غاية مما يريدون. وصفه الوليد بن المغيرة فقال: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وأن أعلاه لمثمر. فعبّر بهذا الوصف عن وجدانه النفسي وعن أثر القرآن في ذلك الوجدان. ولاتصال الشعور بالوجدان جاء هذا الوصف شعريًا كما ترى. وكأنه انصاف منتزع من نفس جائرة، وإقرار مقتلع من سريرة حائرة. ووصفه شرف الدين البوصيري وصفًا لا غاية بعده من كلام المخلوق في الروعة الشعرية وتمكن الاقتباس وصدق التمثيل فقال: الله أكبر إن دين محمد ... وكتابه أقوى وأقوم قيلا طلعت به شمس الهداية للورى ... وأبى لها وصف الكمال أفولا والحق أبلج في شريعته التي ... جمعت فروعًا للهدى وأصولا لا تذكروا الكتْب السوالف عنده ... طلع الصباح فأطفئوا القنديلا ويا لله لهذا التمثيل المحكم في المصراع الأخير وما يحدثه في النفوس المفتونة بالمحسوسات.
следующие страницы →