ثم جاءت حفلات التكريم للأستاذ المفسّر ولوفود القرآن، وما لقيته تلك الوفود من سكان الحاضرة القسنطينية من صدق الحفاوة وكرم اللقاء وبشاشة المظهر وتهلل الأسرة وإكرام المثوى وإغداق الضيافة، آية بالغة على أن القرآن فعل فعله في تلك النفوس فجمعها على التقوى وهداها لكريم الخلال وبسط شعاعه على جوانبها المظلمة، فتعارفت بعد التناكر وتآلفت بعد التخالف، ويوشك أن يأتي بعد هذا التعارف الخير الكثير.
ولما كانت مجلة "الشهاب" هي لسان الحركة الإصلاحية التي قرّبت ما بين الأمّة وبين قرآنها من بعد، وأزالت ما بينهما من جفاء، كانت تلك المجلة حقيقة بأن تؤرّخ لهذا الموسم القرآني العظيم وتدوّن وصفه وما قيل فيه ليبقى تذكرة خالدة للأجيال المقبلة، وصفحة لامعة في تاريخ النهضة الدينية العلمية بالجزائر، وعلمًا هاديا لمؤرخيها والباحثين عن أطوارها من أبناء الغد.
وهل يمنع من ذلك أن صاحب المجلة هو الأستاذ المفسّر، وأن معظم ما قيل في الاحتفال دائر على تقريظه والثناء عليه والتنويه بأعماله؟
قد كان بعض ذلك، وأبت للأستاذ همّته العلمية وإخلاصه العمل لله أن لا ينشر في "الشهاب" إلا ما هو من حقوق الدين والعلم والعربية دون ما هو من حظوظ النفس وتمجيد الشخص. ولكن إخوانه من رجال العلم والأدب الحريصين على تخليد هذا الاجتماع القرآني المنقطع النظير رغبوا منه أن يتنازل عن حقه من مجلة "الشهاب" هذه المرّة، وأقنعوه بأن كل كلمة قيلت في مدح شخصه والثناء عليه فهي مصروفة إلى أعماله، وإلى مبدإ الذي وقف حياته عليه وإلى النهضة التي كان- بحق- بانيها ومشيّد أركانها وإلى الأمّة التي أنفق عمره وقواه في سبيل نفعها وإحيائها. وبأن تسجيل هذه الصفحة الوضّاءة من صفحات الإصلاح، من الواجبات على "الشهاب" لتتصل خطواته في خدمة الإصلاح الديني وتسجيل أطواره، وتتناسق صحائفه المدونة لتاريخه وأخباره، فاقتنع- حفظه الله- وأذن في أن يكون هذا العدد من "الشهاب" خاصًا بالاحتفال وتوابعه. وطلب من رفيقه الوفي كاتب هذه السطور أن يكتب بقلمه كلمة في تصدير العدد، وكلمة في تصوير الاحتفال وتلخيصًا لما علق بذهنه من ألفاظ درس الختم ومعانيه ففعل بقدر ما وسعه وقته وحاله، وعسى أن نكون وُفّقنا لإرضاء المتعطّشين المترقبين الذين حبستهم الأعذار عن حضور الاحتفال.
تلمسان ....................................... الإبراهيمي.
стр. 317
-----------------
٢ - كلمة التصدير لهذا العدد*
-----------------
سُئل بعض العلماء: أية آية تصلح أن تكون عنوانًا على القرآن كله بحيث إذا كُتبت على ظهر المصحف كانت تعريفًا كاملًا به، شاملًا لجميع المعاني الكلية التي يجدها المتصفح فيه كما تعرف الكتب الكبيرة بجمل قصيرة، فكان جواب هذا العالم: الآية التي تصلح لذلك هي قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
ولعمري، لقد وُفّق هذا العالم القرآني إلى الصواب فيما أجاب به. فالقرآن كتاب يحمل في ثنييه دين الله الكامل، وكل ما سبقه من الكتب والصحف فهي إرهاصات له وبشارات به وإشارات إليه. ابتعث به نبيه الأمين محمدًا ﷺ لهذا العالم الإنساني كله حين بلغ رشده الاجتماعي واستعد للكمال واستشرف لسائق من وراء العقل يكون سندًا له إذا زلّ، وهاديًا له إذا ضل، ومصححًا لخطإه إذا أخطأ، ومخرجًا له من ظلمات الحيرة إذا التبست عليه مناهج الحياة، ومفسحًا له في آماله إذا ضيقت عليه هذه الحياة المحدودة حدود الآمال، ومحررًا له من أصناف العبودية الفكرية والبدنية التي تقلب فيها قرونًا، ومرشدًا إياه إلى وسائل الكمال التي كان يطلبها فلا يجدها.
والآية الكريمة التي جعلها جوابًا لسائله بيان إلهي معجز للحكم التي اقتضت نزول القرآن والحكم التي نزل لبيانها القرآن والمثل العليا للكمال الإنساني الذي دعا إليه القرآن متدرجة في وضعها البياني تدرجها الطبيعي من نفس سامعها، بلاغ فإنذار، فعلم، فتذكّر.
وأمثال هذا العالم من ربانيّ هذه الأمّة ممن درسوا القرآن وتدبروه ومارسوه وراضوا أنفسهم على بيانه، واستنبطوا منه الحكم التي أنزل لتحقيقها والعلوم التي جاء لتجليتها على الناس، يكون من خصائصهم هذه الملكة، ملكة استعراض القرآن في مثل ارتداد الطرف كلما تحرك لهم وجدان وأرادوا أن يزنوه، أو نجم في آفاق نفوسهم خاطر وأرادوا أن يصححوه، أو ألقي عليهم سؤال وأرادوا أن يجيبوا عليه.
وما ظن بصاحبنا هذا أنه راعى القانون الاصطلاحي الجدلي في انطباق الجواب على السؤال، وإنما هي هيمنة القرآن على نفوس أصحابه، وإلهامها الإصابة في الرأي والتسديد في الجواب والفيح في الخصومة.
стр. 318
فالسائل يطلب آية جامعة (لوظائف) القرآن، لا جرم أن أول ما يخطر ببال المجيب أمثال قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ .. ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ .. ﴾ الآية. وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ وغيرها من الآيات المبيّنة لأصول الدعوة القرآنية. ثم يلتمس راية تجمع هذه الأصول مع التنويه بهذا الكتاب الجامع لها، فيقع على تلك الآية أو ما شاكلها والآيات الجامعة (لوظائف) القرآن كثيرة، ومن السهل السريع الوقوع عليها عند هذه الطائفة التي أوتيت قوة الاستعراض.
وقد يسأل عالم آخر فيقع على قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أو قوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾. والكل مصيب رضي القانون الجدلي أم سخط. وإن كان هناك تفاوت بين الآيات في الإحاطة والبيان، فلكل جملة تزيد في آية موقع ودلالة، ولكل كلمة تزيد في جملة معنى وحالة.
أما أنا- ولا أعوذ بالله من كلمة أنا- فلو أُلقي علي هذا السؤال لتمردت على قوانين الجدال وأجبت على المغافصة والارتجال، ولم أرع إلا الاعتبار المناسب ومقتضى الحال. وجررت السائل (عن وظائف) القرآن إلى (وظائف) أهل القرآن مع القرآن، وقلت للسائل ضع على ظهر المصحف بالقلم العريض قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ واجعل جملتي ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ و ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ بين أقواس علّ هذه الأقواس المحنية تصيب من قارئه شاكلة انتباه فتزعجه إلى معرفة أن هاتين الآيتين هما جواز الداخل إلى أقطار القرآن، وعل هذه القلوب القاسية تستشعر حق القرآن عليها ووظيفتها التي يجب أن تقوم بها نحوه، وهي التدبر لمعانيه واتباعه.
إن حقوق القرآن علينا من التدبر والاتباع، هي التي يعروها ما يعروها من الإهمال والضياع والتفريط والغفلة. فهي التي يجب التنبيه لها والتذكير بها دائمًا والدلالة على مواقعها من آيات الكتاب العزيز، وهي التي يجب على العالم القرآني أن يختار للتذكير بها أصرح الآيات في معناها وأظهر الجمل في الدلالة عليها وأقرب الألفاظ لأذهان الناس. وإذا قارنا بين ﴿لِيُنْذَرُوا﴾ وبين ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ وجدنا بينهما فرقًا جليًّا لا يُستهان به في مقام التذكير والإبلاغ في التأثير. فإن الإنذار- وإن كان معناه الإعلام بالشيء مع التخويف من عواقبه- لا يستلزم التدبر الذي هو انفعال نفساني ذاتي يفضي إلى النظر في إدبار الشيء وغاياته على وجه من التكلف والتدرج يفيده بناء تفعُّل وأثر الإنذار تأثير خارجي، وأثر التدبر تأثر ذاتي، والإنذار لا يشعر النفس ما يشعرها التدبر من العهد المسؤول والأمانة الثقيلة.
стр. 319
أما الاتِّباع فهو ثمرة التدبر وهو الذي لا تتحقق الغايات التي يرمي إليها القرآن إلا به، وقد تكرر ذكره في القرآن في معارض شتّى تدلّ مُستعرضها على أنه هو سرّ التديّن والتألّه. وانه المحقق للكمال وانه العاصم من الضلال والهلاك فليتدبر التالي هذه الأمثلة من الآيات القرآنية: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾، ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾، ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ﴾، ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾، ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾.
ويا للعجب من بيان القرآن وبيّناته وإعجازه بفنون إيجازه. إن الاتباع ضرب من قَفْوِ أثر الغير وترسم خطاه والانقياد له وجعل الهوى تبعًا للهوى مع اطمئنان بالمشاركة في النتيجة خيرًا كانت أو شرًا. وفي معناه من الهجنة أنه ينافي الاستقلال الفكري في الفكريات والذاتي في الذاتيات، فتجد القرآن يدفع عنك أثر هذه الهجنة العارضة فيأمرك بالتدبر واستعمال الحواس الظاهرة والباطنة في وظائفها الفطرية قبل أن يأمرك بالاتباع، حتى تطمئن إلى أنك إنما تتبع فيما فيه حَقّ وخير ورحمة، ثم إذا أمرك بالاتباع فإنما ذاك فيما يتعالى على فكرك إدراكه أو يصعب عليك تمييزه أو يخاف فيه غلبة الأهواء عليك. وبعد الأمر ينهى عن اتباع الهوى المضلّ عن سبيل الحق، وعن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وعن اتباع خطوات الشيطان، وعن اتباع أولياء من دون الله، وعن اتباع السبل المتفرقة، توكيدًا للمعنى الإيجابي وإيضاحًا للحق الذي يجب أن يتبع.
إلا أن المتدبرين للقرآن لا يخرجون من هذا الاستعراض البديع إلا مؤمنين موقنين بأن الاتباع الذي يدعو إليه القرآن هو عين الاستقلال التام للفكر والإرادة والعقل والوجدان لأنه يحميها من شرور الأهواء ويؤويها إلى حمى الحق وحده والاحتماء بالحق الذي قامت به السموات والأرض واستقر عليه تدبير الكون ونظامه- استقلال ما وراءه استقلال. ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾.
هذا حق القرآن علينا يجب أن نتخذ الآيات المنبّهة عليه فواتح في المدارسة وأن تتجاوب أصداؤها في جوانب نفوسنا حتى لا ندخل حرمه إلا بعد أن نكون عرفنا حقه. إنه لم يمض على المسلمين في تاريخهم الطويل عصر هم فيه أبعد عن القرآن منهم في هذا العصر، ولم يمض على الدعاة إلى الحق وقت عظمت فيه العهدة واستغلظ الميثاق مثل هذا الوقت، وإنه لا مخرج لهم من هذه العهدة ولا تحلل من هذا الميثاق إلا بالدعوة إلى القرآن. فلا عجب- ونحن نشعر بثقل هذه الأمانة- من أن ترتفع أصواتنا بالدعوة إليه. وإنما العجب
стр. 320
الذي لا عجب بعده أن نسكت أو نقصر وإن من أحكم الوسائل لجذب الأمّة إلى القرآن، وصف القرآن، وتشويق الناس إلى الإقبال عليه وتدبّره وفهمه.
فمن التسديد في الرأي والمقاربة في العمل أن ترشد الأمّة الإسلامية إلى معرفة ما ضيّعت من خير وما خسرت من هداية، بتضييعها للقرآن وإنما تعرف ذلك ويبلغ مكامن الوجدان من نفوسها، من وصفه والإشادة بشأنه والتنويه بجلاله وخطره والتنبيه على ما يحتوي عليه من العلوم الكثيرة بألفاظ قليلة، وتقريب ما ينطوي عليه من المرامي المفيدة، بالكلمات القريبة، وشرح ما فيه من الحقائق المتفرقة بالجمل الجامعة، فإن ذلك يكون أدعى لرجوع النفوس الجامحة عنه إليه وأعون على فيأتها إلى حماه والاستظلال بظله والاستمساك بحبله.
وليت شعري، أي بيان يضطلع بهذا؟ إن وصف القرآن وأساليب التشويق إلى القرآن لا توجد على أكملها في غير القرآن، فلو أن البلغاء من كل أمة وفي كل جيل اجتمعوا على أن يصفوه ببعض ما وصف به نفسه. وكانت قلولهم على قلب رجل واحد وألسنتهم على لسان رجل واحد لعجزوا وقعد بهم القصور دون الغاية من ذلك.
ولقد وصفه جماعة من الباحثين في إعجازه وأسراره، والمتكلمين على قصصه وأخباره والمنقّبين على مثلاته وعبره، والغائصين على نكت التناسب بين آيهِ وسوره. فجاءوا بما يشبه قصورهم الإنساني لا بما يشبه كماله الإلهي! ووصفه قبلهم أعداؤه اللد من مضغة الشيح والقيصوم أوصافًا منصفة فما بلغ هؤلاء ببلاغتهم ولا أولئك بإيمانهم وعلومهم غاية مما يريدون. وصفه الوليد بن المغيرة فقال: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وأن أعلاه لمثمر. فعبّر بهذا الوصف عن وجدانه النفسي وعن أثر القرآن في ذلك الوجدان. ولاتصال الشعور بالوجدان جاء هذا الوصف شعريًا كما ترى. وكأنه انصاف منتزع من نفس جائرة، وإقرار مقتلع من سريرة حائرة.
ووصفه شرف الدين البوصيري وصفًا لا غاية بعده من كلام المخلوق في الروعة الشعرية وتمكن الاقتباس وصدق التمثيل فقال:
الله أكبر إن دين محمد ... وكتابه أقوى وأقوم قيلا
طلعت به شمس الهداية للورى ... وأبى لها وصف الكمال أفولا
والحق أبلج في شريعته التي ... جمعت فروعًا للهدى وأصولا
لا تذكروا الكتْب السوالف عنده ... طلع الصباح فأطفئوا القنديلا
ويا لله لهذا التمثيل المحكم في المصراع الأخير وما يحدثه في النفوس المفتونة بالمحسوسات.
стр. 321
إننا نعد من إعجاز القرآن في البلاغة ما هو شائع في جميع آياته من الدقة المتناهية في تحديد المعاني وتصوير الحقائق وتنزيل الألفاظ في مراتبها وتلوين الأساليب والتزاوج بين الصفتين أو الصفات حتى كأنهما صفة واحدة كالقوي الأمين والغني الحميد، والحفيظ العليم، والعليم الحكيم. فليقصر الواصفون وليدعوا القرآن يصف نفسه بتلك الدقة العجيبة وذلك التصوير الرائع. وليسلك الدعاة سبيلهم إلى نفوس الناس بهذه الأوصاف الرائعة من هذه الآيات الجامعة، فإن ذلك أدعى إلى التأثير والتأثر وأبلغ في باب التشويق من كل تبويب في الكلام وتحبير وتزويق. أين يقع كل ما وصفه به البشر من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وما في هذه الآية من جمع أصول الإصلاح التي جاء بها القرآن مرتبة في الذكر ترتيبها في الوجود.
وأين يقع كل ذلك من قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾؟ اللهم لا ..
كانت الأمّة العربية قبل الإسلام- ومثلها جميع الأمم- في جاهلية جهلاء .. فهي من الوجهة الفكرية في أحط الدرجات، ومن الوجهة الاجتماعية في أخس الحالات. وكانت لا تملك من أسباب النهضة إلا لسانًا قويمًا وفطرة غير معقدة. ولكن ماذا يغني اللسان الخصيب إذا كان يصدر عن فكر جديب؟ فجاءها الله بالقرآن وفيه كل ما كان الفكر العربي يتطلبه من العقائد النقية والحقائق العلمية، وكل ما كان اللسان العربي يصبو إليه من آفاق وميادين. فنهض العرب به وبلسانهم الذي نزل به وأنهضوا الأمم معهم، تلك النهضة التي زلزلت العالم الروحي العقلي فأذهبت مخارقه وثبتت حقائقه، وزلزلت العالم المادي فذهبت بطغيانه وشروره ورذائله وأقرّته على التشريع العادل والمعاملة الرحيمة. ثم لاءمت بين الروح والمادة بمعاني التوسط والاعتدال البادية في عقائد الإسلام وآدابه وأحكامه. وجاءت بالمعجزة الكونية الكبرى في تحقيق الحلم الإنساني بتلك الملاءمة وهي أمنية عجزت عن تحقيقها كل تعاليم الأرض، ولم تف بها تعاليم السماء قبل الإسلام لحكمة وأمر قد قدر.
وانساح الإسلام في الأرض يزجي جيوش الأخلاق قبل جيوش الخلائق، وبسط ظله على الأقطار الممتازة بخصوبة الأرض، وعلى الأمم الممتازة بخصوبة الفكر وزرع تعاليمه في عقول مستعدة، وأفاض عليها من روحه: إن الغاية في هذا الوجود سيادة في الحق وسيادة بالحق وأن لا سبيل إليهما إلا بالعلم والعمل وأن عمران الأرض متوقف على عمران العقول والنفوس. وبنى بذلك تلك الحضارة التي لا ينكرها إلا مكابر يماري في الشمس وضحاها.
إن الآفة الكبرى التي قضت على الحضارات وجعلت عاليها سافلها، هي التفرق بين بناتها والمستحفظين عليها، وقد كان للمسلمين- من بين الأمم القديمة والحديثة- معتصم
стр. 322
باذخ لو اعتصموا به لوقاهم من التفرق فوقى حضارتهم من الانهيار. وهو القرآن ودينه الإسلام- نعمة خُصّوا بها دون الأمم-.
كانت تعصف بهم من عواطف التفرق وتثور فيهم من طبائع الملك وغرائز المنافسة فيه ما أقله كاف في تدمير الممالك وتتبير الحضارات، فيرجعون إلى القرآن ويعتصمون بالإسلام فيجدون فيهما الْوَزَر الواقي، إلى أن داخلتهم الأعراق المدسوسة، ومازجتهم الجراثيم الغريبة وابتلوا بلقاح سوء مما أفسد من قبلهم وكان من تأثير ذلك أنهم انتقلوا من التفرق الذي يعصم منه الدين إلى التفرق في الدين نفسه وفي القرآن نفسه. ثم زهدوا في الدين فلم تبق إلا الصور العملية بلا روح. وزهدوا في القرآن إلا الألفاظ المثلوة بلا نذير، حتى كانت عاقبة أمرها خسرًا، وذاقت السوء بما صدّت عن سبيل الله.
إن أسلافنا قاموا بما شرط عليهم القرآن في قوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. فتحقق معهم وعد الله في القرآن: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾. فكانوا خلفاء الأرض يقيمون فيها الحق والعدل وينشرون فيها الخير والرحمة ويطهرونها من الشرك والوثنية ويحققون حكمة الله بإقامة سننه الكونية والشرعية، لا يراهم الله إلا حيث يرضيه أن يراهم. لأن مما أفادهم القرآن استجلاء العبر من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾.
وكان هؤلاء السلف يعلمون لماذا أُنزل القرآن؟ ويعلمون أنه كتاب الدهر ودستور الحياة، وحجة الله الباقية إلى قيام الساعة وأنه واف كل الوفاء بإسعاد البشر في الحياتين، وأن عدم فهمه وعدم العمل به وعدم تحكيمه كل ذلك تعطيل له. ففهموه أولًا وحكموه في أهوائهم ونزعاتهم فاستأصل باطلها ولطف من نزواتها، ورجعوا إليه في فهم الحقائق الغامضة في الحياة والدقائق المشكلة في الكون والأخلاق التي يجب أن يتعايش بها الناس، فرجعوا إلى معصوم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وقد انضوت تحت لوائه أمم مختلفة الأهواء والمنازع والفهوم، فوحّد أهواءها وقارب بين منازعها وفهومها ووفّق بين مصالحها، وهذه النقطة التي عجزت عنها التربية التعليمية والقوانين الوضعية إلى يومنا هذا.
стр. 323
يعتقد المسلمون كلّهم أن سلفهم كانوا أكمل إيمانًا من خلفهم وهذا صحيح، ولكنهم لا يبحثون عن علة كمال الإيمان في السلف حتى لكأنهم يعتقدون أن ذلك بوضع إلهي وتخصيص رباني لا يد للكسب فيه، وهذا خطأ فاحش وجهل فاضح.
وما دام الكلام في الإيمان، فهاته وانظر كيف فهمه السلف ومن أي معين استقوا فهمه ومن أي أفق استجلوا حقائقه. ثم انظر كيف فهمه الخلف ومن أين سقطت عليهم هذه الفهوم السخيفة. ثم أرجع كل معلول إلى علته بلا إجهاد للذهن ولا إنضاء للقريحة.
إن السلف تذرّعوا لفهم القرآن ذريعتين: الذوق العربي الصحيح، والسنة النبوية الصحيحة.
وقد كانوا يؤمنون بأنه كل لا يتجزأ وأن بعضه يفسّر بعضه وقد استعرضوه بعد فهمه بتلك الذرائع، فوجدوه يُعرِّف الإيمان بالصفات اللازمة والتي يتكون من مجموعها، فيقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ الآية ويقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾. ويقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى آخرها. ويقول: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ إلى آخرها. ويقول: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) إلى آخرها. ويقول غيرها من الآيات الجامعة لشعب الإيمان وخصاله وصفاته الذاتية، ثم وجدوه لا يذكر الإيمان في المعارض المختلفة إلا مقرونًا بالعمل الصالح ففهموا من القرآن ما هو الإيمان وما هي الأعمال الصالحة، فآمنوا وعملوا الصالحات فكان إيمانهم أكمل إيمان بالعمل والكسب لا بشيء آخر من الخوارق والاختصاصات. وعلى هذا النحو فهموا العبادة وتوحيد الله وكمالاته المطلقة والرسل ووظائفهم والملائكة الخ.
أما الخلف فقد عدلوا عن هذا كله منذ صاروا يفهمون الإيمان من القواعد التعليمية وفقدوا الذوق والاسترشاد بالسنة.
إن هذه القواعد الجافة التي لا صلة بينها وبين النفس إنما تنفع في الصناعات الدنيوية، أما في الدين فإنها لا تغني غناء وقد أفسدته منذ أصارها الناس عمدة في فهمه حتى ضعف إيمانهم وضعفت تبعًا له إرادتهم وأخلاقهم، وكيف يفلح من يعدل في تفهم الإيمان عن الآيات المتقدمة إلى قولهم إن الإيمان هو التصديق وإن النطق شرط أو شطر فيه وإن النسبة بين الإيمان والإسلام كذا إلى آخر القائمة؟ وكيف يكون مؤمنًا (حقًا) من يبني إيمانه على هذا الجرف الهاري؟
إن هذا موضوع واسع الجنبات وهو يتصل بباب أمراض المسلمين وأسبابها ولا تتسع هذه الكلمة لبعض القول فيه فكيف باستيعابه.
стр. 324
تدبر القرآن واتباعه هما فرق ما بين أول الأمّة وآخرها وإنه لفرق هائل، فعدم التدبر أفقدنا العلم، وعدم الاتباع أفقدنا العمل. وإننا لا ننتعش من هذه الكبوة إلا بالرجوع إلى فهم القرآن واتباعه. ولا نفلح حتى نؤمن ونعمل الصالحات. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وإن هذه النهضة المباركة المنتشرة اليوم في الأقطار الإسلامية بشير خير بقرب رجوع المسلمين إلى هذه الهداية، لأن هذه النهضة بنيت أصولها على الدعوة إلى كتاب الله وتفهمه والعمل به. وقد كان من بواكير ثمار هذه النهضة في باب التأليف تفسير الإمام النقاد محمود الألوسي على ما فيه من تشدد في المذهبية. وتفسير الأمير صديق حسن خان، ثم جاء إمام النهضة بلا منازع وفارس الحلبة بلا مدافع الأستاذ الإمام محمد عبده فجلا بدروسه في تفسير كتاب الله عن حقائقه التي حام حولها من سبقه ولم يقع عليها. وكانت تلك الدروس آية على أن القرآن لا يفسر إلا بلسانين لسان العرب ولسان الزمان ... وبه وبشيخه جمال الدين، استحكمت هذه النهضة واستمر مريرها. ثم جاء الشيخ محمد رشيد رضا جارًيا على ذلك النهج الذي نهجه محمد عبده في تفسير القرآن. كما جاء شارحًا لاَرائه وحكمته وفلسفته في الدين والأخلاق والاجتماع. ثم جاء أخونا وصديقنا الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس قائد تلك النهضة بالجزائر بتفسيره لكلام الله على تلك الطريقة وهو ممن لا يقصر عمن ذكرناهم في استكمال وسائلها من ملكة بيانية راسخة وسعة اطلاع على السنة وتفقه فيها وغوص على أسرارها. وإحاطة وباع مديد في علم الاجتماع البشري وعوارضه. وإلمام بمنتجات العقول ومستحدثات الاختراع ومستجدات العمران يمد ذلك كله قوة خطابية قليلة النظير. وقلم كاتب لا تفل له شباة.
بارك الله في عمر الأستاذ فأتمّ تفسير كتاب الله ببيانه المشرق في خمس وعشرين سنةً من غير أن تختل أعماله العلمية الكثيرة ولا أعماله المستغرقة لدقائقه في سبيل هذه النهضة. وعرفت الأمّة الجزائرية قيمة ما أتمّ الله على يد الأستاذ فاحتفلت بهذا الختم كأعظم ما تحتفل أمّة ناهضة بأثر ناجح من آثار جهودها. وكان من الإحسان في هذا العمل العظيم ومن الإحسان للنهضة أن تسجل من هذا الاحتفال صورة منبهة على حقيقته، فصدر هذا العدد من "الشهاب" وهو لسان حال هذه النهضة، خاصًا بهذه المنقبة مخلدًا لهذا الأثر، مسجلًا لبعض أوصافه وما قيل فيه.
ونحن بما لنا من الصلة الوثيقة بهذه النهضة ومن العمل النزر فيها نغتبط بهذه الخطوة السديدة وهذه المرحلة الجديدة التي تمّت بختم التفسير، ونرجو أن تكون في المرحلة الثانية أوسع مدى في الهداية وأكثر حظًا من التوفيق. ونهنّئ أخانا الأستاذ بما خصّه الله به من التوفيق في خدمة دينه ولغته وأمته.
стр. 325
----------------------------
٣ - كلمة في الاحتفالات
وتصوير وصفي للاحتفال العظيم بختم القرآن العظيم*
----------------------------
الاحتفالات- بنظامها العصري- مجامع مفيدة من جميع جهاتها، لجميع روّادها. فهي بالنظر العام أدوات تعارف وتواصل وربط بين من لم تتهيأ لهم أسباب الاجتماع إلا في هذه الاحتفالات. وأسواق بضائعها الخطب والمراجعات القولية، وأرباحها الإيجابية آداب الاجتماع. وتلاقح الأفكار، واقتباس الكلمات واستيقاظ الهمم. واستعجال الآراء وانتشال التفكير من المستوى العامي الغث وصقل الأذهان، وتمكّن مجموعة من الملكات منها ملكة استعراض الآراء وملكة استجماع الخواطر، وأرباحها السلبية زوال الدهشة من لقاء الناس والاستيحاش منهم وغشية الاضطراب والارتباك. والبرء من آفة العي والحصر. وهي- لعمرك- نقائص حظ مجتمعنا- على الخصوص- منها عظيم.
وهي للدعاة ميادين دعاية يجدون فيها متسعًا رحبًا لنشر آرائهم بدون كلفة وبدون نفقة لأنها تحشد لهم طبقات من الناس ما كانوا ليستطيعوا جمعها.
وهي للمرشدين والمربّين الاجتماعيين فرص لبث الإرشاد بين الجمهور وتوجيهه للخير والمنفعة.
وهي للخطباء وأصحاب اللسن ذرائع تمرين وارتياض على الكلام وتوسّع في وجوه القول وتمرّس بمكافحة الجموع، وهذه كلها فوائد لا يُستهان بها في باب التربية.
إن هذه الاحتفالات بمثابة دروس تطبيقية معظم تلامذتها من الدهماء الذين حرموا المدارس والدروس النظامية. وإذا كان هذا الصنف كثيرًا في الأمم فمن الرحمة به وحسن الرعية له ومن الحكمة في استصلاحه وتربيته أن يوسّع له في هذه الاحتفالات ويكثر له منها وأن تبتكر له المناسبات لإقامتها.
وإن أكثر الناس استفادة من الاحتفالات وأبلغهم إفادة فيها وأثقلهم عهدًا في توجيهها إلى الصالح النافع أو إلى الفاسد الضار، هم الخطباء، فعليهم وحدهم يتوقف إصلاحها أو إفسادها، وليست خصوصية الأسباب ولا تحديد النظم بمانعة للخطباء من بلوغ غرضهم ما دام باب المناسبات والاستطرادات واسعًا رحب الجوانب، وما دام وجود الخطباء في الاحتفال جزءًا ضرورًيا بحيث لو خلا من عنصرهم- في هذا العصر-
стр. 326
احتفال لكان زردة متمدنة مظلومة في اسمها، فوجودهم هو الفارق الجوهري بين مسمّى (احتفال) ومسمّى (زردة).
...
تتفاوت الاحتفالات بتفاوتها في سمو المعاني التي تقام لأجلها، فبقدر سمو السبب وعموميته تكون قيمة الاحتفال، ثم تنزل تلك القيمة وترخص كلما تفه السبب أو خصّ حتى تصل إلى درجة الساقط الذي لا وزن له. ولا يدخل في هذا الباب إلا بضرب من التوسع والتساهل. فأسمى هذه الأسباب ما يذكر الجمهور بأمجاده التاريخية ومفاخره القومية وفيه نخوة أماتها الضيم، وفحولة قضى عليها التأنث، وذكرى أخنت عليها الغفلة والنسيان، وأصالة خَبَّثَتْها الأعراق الدسيسة، وعزيمة أطفأتها طباع الضعف والفسولة، وأريحية غطى عليها اللؤم المخزي والشح المطاع، وشواعر خدرتها تهدئة الدخيل وزمزمة الحاوي وهينمة الواغل ...
ثم ما يجلو عليه حقيقة دينية أو علمية غشيتها الأوهام والخرافات. ثم ما يحقق له مصلحة في الحياة كانت مجهولة أو حقًا فيها كان ضائعًا. ثم ما يكشف له عن وجوه الإصلاح الاجتماعي ليعملوا له، وعن وجوه الفساد فيه ليتقوه.
ثم ... لا ثم ...
هذا من جهة الأسباب والبواعث. فأما من جهة الأشكال والصور فأعلى ما فيها أن ينساق إليها الجمهور بسائق وجداني، وأخسّ ما فيها أن يساق إليها سوقًا، أو أن يخدع فيها عن وجدانه بالمرغبات الخادعة.
...
لكل أمّة أسباب طارئة وبواعث تاريخية تدعوها إلى إقامة الاحتفالات. وقد تنبهت الأمم الحية إلى ما فيها من الفوائد فجعلت الاحتفال بها جزءًا من حياتها ومادة من قوانينها الاجتماعية. وإن الأمّة الإسلامية لأغنى الأمم من هذه البواعث التاريخية وكلها من ذلك الطراز العالي الذي أشرنا إليه. ومعظمها بواعث دورية يفضي الباعث منها إلى باعث فلا تفتأ الأمّة مستعرضة ماضيها كله ولا تزال في غمرة من المنبهات المنعشة.
عندنا معشر المسلمين ليلة الميلاد النبوي وعندنا يوم الهجرة ورأس السنة الهجرية ويوم بدر ويوم أحد ويوم فتح مكة وغير ذلك من الأحداث التي وقعت في عهد النبوّة، ولكل واحد من هذه الأحداث مغزى سام وأثر بالغ في تاريخنا، وهلم إلى ما بعد من الوقائع
стр. 327
الشهيرة الفاصلة حتى تنتهي إلى فتح صقلية ومواقع الحروب الصليبية وفتح القسطنطينية، وهلم ما يخصنا معشر الأفارقة كبناء القيروان واستواء طارق على الجبل، وهلم ما تقتضيه المناسبات في بعض الأوقات كفتح خيبر ودخول عمر لبيت المقدس. وتعال إلى القوّاد والفاتحين والأجواد والعلماء والحكماء والفلاسفة والشعراء- ولا تعد من الدر إلا كباره- تجد ما زخرفه التاريخ وفاضت به العصور. ومع هذه المفاخر فقلّ أن تجد قطرًا إسلاميًا سنّ أهله سنّة صالحة في إحياء هذه الذكريات وإحياء الأمّة بها، إلا في القليل المشوّه الذي لا ينقع غلة ولا يصيب مرمى.
إن غفلتنا عن إحياء ذكريات أمجادنا التاريخية هي التي أزهقت في الأمم الإسلامية روح التأسّي فأفقرتها من الرجال وجعلت تاريخها الحديث خلوًا من المثل العليا، حتى اندسّ هذا العرق الخبيث في آدابنا فترانا إذا التمسنا مثلًا في الجود، طوينا تاريخ الإسلام كله كأنه صفحة مغسولة، وجئنا من العصر الجاهلي بحاتم وقل مثل ذلك في عنترة والسموأل. فإذا قصرنا الخطو وقاربنا النجعة، وقفنا عند العصر الأول للإسلام. فهل خلت العصور التي بعدهم من مثل كاملة ومن مفاخر خالدة؟ لا. فقد تأسّى عصر بعصر وجيل بجيل، فجاءت عصور زاهرة وأجيال عامرة. فلما جهل التاريخ وانقطعت العلائق الواصلة بين عصوره، ضعفت روح التأسّي ثم تلاشت، وصرنا إلى هذا الفقر الشائن في المثل، وهذا الخواء المزري في التاريخ.
وقد زادتنا أضاليل الغاشين إمعانًا في الغفلة وإغراقًا في الركود. ففقهاء هذه العصور الجرداء يعدّون التاريخ علمًا لا ينفع وجهالة لا تضرّ، والأجانب يعيّروننا بأننا أمّة تعيش في الماضي ويغشّون سفهاءنا في معرض التنصح بأمثال هذه الكلمات ليًا بألسنتهم وتزهيدًا في هذا الماضي زيادة على زهدنا فيه. وهم يعلمون أننا نعيش بلا حاضر. ويوجسون خيفة من أن يلمّ بنا طيف من ذلك الماضي الزاهر فنبني عليه حاضرًا من جنسه أكمل منه.
أَلا إنهم- من إفكهم- ليقولون: دعوا ماضيكم، فهل تركوا هم ماضيهم؟ إننا نراهم أحرص الناس على الاعتداد به والاستمداد منه والامتداد معه إلى عصور الخرافات والأساطير.
وما لنا وللغاش والناصح! إن لنا لماضيًا عبقريًا حسدتنا عليه الأمم التوالي، بعد أن جرضت به الأمم الخوالي. فمن مصلحتنا وحدنا أن نحيي ذكرياته في نفوسنا وأن نستمد منه قوة لأرواحنا وأن نربّي ناشئتنا على احتذاء مثله وعبقرياته. وإن إقامة الاحتفالات لتلك البواعث لطريق قاصد إلى ما نريد من ذلك.
***
стр. 328
سنت مجلة "الرسالة" الغرّاء نوعًا من الاحتفاء ببعض هذه البواعث، فجرت على إصدار عدد ممتاز للسنة الهجرية، وجلا كتّابها الكرام علينا عبرًا كانت مخبوءة، وأثاروا في نفوسنا ذكريات كانت منسية. ورأينا من بركات هذه السنّة التي سنّها الأستاذ الزّيات- أمتع الله به- أن أقلامًا عربية متينة كانت متنكرة للإسلام وتاريخه تعفّر وجههما الصبوح بالغبار وتمجّ في مشرعهما الصافي السمام المنقع، وقد أصبحت تفتن في إبانة حقائقهما وإظهار معالمهما بما أوتيت من قوة بيان ونصاعة برهان، ثم كتب الأستاذ صاحب الرسالة مرة أو مرّتين- لا أذكر- في ذكرى يوم بدر، وكأنه- حفظه الله- يريد بهذا الصنيع أن يجعله منبهة للأمم الإسلامية إلى ما وراءه من خير، ولكن لم يكن على منهاجه إلا القليل.
ومنذ سنوات احتفلت عصابة من أحياء القلوب والشواعر بموقعة حطين، وهي من المواقع الفاصلة في الحروب الصليبية ومن الصفحات المشرقة في تاريخ صلاح الدين، وتكلم فيها جماعة من رجال الإسلام، ونشرت كلماتهم في كتيّب وقرأناه، فإذا هو احتفال يثير رواكد الهمم، ويكاد ينفخ الحياة في الرمم، ولقد- والله- أشجاني وأبكاني، وما زال يشجيني ويبكيني كلما ذكرته، قول صديقنا الأستاذ خير الدين الزركلي في أنشودة حطين:
لكل أمر حين ... خل البكا حينا
هاتي صلاح الدين ... ثانية فينا
الشامخ العرنين ... عزا وتمكينا
وجددي حطين ... أو شبه حطينا
لك الله أيها الشاعر. وهل يأتيك بصلاح الدين إلا أمّتك؟ وهل يجدّد لك حطين إلا قومك الذين بدأوها؟ ولكن، هل أمّتك مستعدة لأن تأتيك بصلاح الدين مرّة أخرى؟ وهل قومك أهل لأن يجدّدوا موقعة حطين وفيهم أمثال عبد الله ... ؟
قد خلت الآجام ... من رابض فيها
أحي في أمّتك وقومك خلق التأسّي بمن قلت فيه:
فصاح: لا عدوان ... لا بغي لا إرهاق
قد فرض الإيمان ... مكارم الأخلاق
وأنا الضمين بأنهما يأتيانك بجمع من صلاح الدين، ويجدّدان لك حطين، وأشباه حطين.
لا نريد للمسلمين أن يعكفوا على تلك الاحتفالات المولدية الشائعة التي يقتصر فيها على تلاوة القصص المشوّهة، فإن ذلك الطراز لا يتفق مع شرف الذكرى وجلالها. وإن القصص المولدية الحشوية، والخطب المنبرية الرائجة هما سبب تنويم هذه الأمة وأصل بلائها.
стр. 329
ولا أن نعكف على ذلك النوع الشائع في مصر كمولدي البدوي والرفاعي وغيرهما، فإن ذلك النوع- زيادة على إفساده للدين والأخلاق- لا يثير في النفوس ذكريات ماجدة ولا معاني شريفة وإنما يمكّن فيها للتخريف والدجل.
ولا ذلك النوع الشائع في الأوساط الشيعية من احتفالهم يوم عاشوراء بذكرى مقتل الحسين- ﵇ فإنه فضلًا عما يقع فيه من المنكرات المخجلة، لا يثير إلا الحفائظ والإِحن ولا يثمر إلا توسيع شقة الخلاف، ولقد حضرت احتفالهم مرّة واحدة بدمشق في تربة تُعرف بأرسلان، فعجبت كيف تصدر تلك الشناعات من مسلم، وعلمت لأول مرّة: إلى أي حدّ ينتهي التعصّب والغلوّ، ثم ذاكرت عالم الشيعة بدمشق الشيخ عبد المحسن العاملي وهو عالم فاضل أديب معتدل في ذلك، فأنكر ما أنكرت بالقول، واعتذر عن الإنكار بما فوق ذلك بما يعتذر به علماء الدين في كل مكان.
لا نرضى للمسلمين بهذا الطراز البالي من الاحتفالات التي ذكرنا بعض أنواعها، فقد عكفوا عليها قرونا، فما زادتهم إلا خبالًا وانحطاطًا، وإنما نريد منهم محوها واستبدالها بما هو خير.
وقد تتابع السواد الأعظم من إخواننا المصريين في هذا النوع السخيف مثل ما تتابع الفريق المثقف منهم في تقليد الغربيين في هذا الباب بلا تحفّظ ولا استمساك، فبينما سواد الأمّة وعديدها الأكثر، عاكف على الأضرحة، يقيم حولها احتفالات الموالد ويرجو منها الإمداد وعلماء الدين يمدّونهم في الغيّ بسكوتهم، ومشيخة الأزهر تزكي أعمالهم بتقبيل شيخها لمقود جمل المحمل. نرى الطرف الآخر يتهالك على تقليد الغربيين في ولائمهم واحتفالاتهم السخيفة بالتوافه والسفاسف ويستهتر في هذا التقليد حتى تطغى احتفالات الغرب الدينية والقومية حتى على المواسم الشرقية الدينية، وهذه جرائدهم ومجلاتهم تشهد- في ضجر وعتب أو في رضى وإعتاب- بأن هذه الطائفة، وهم عمار الحواضر يحيون ليلة الميلاد المسيحي وعيد رأس السنة المسيحية ولا يأبهون لعيد الفطر ولعيد الأضحى.
ولعمري إن هذا لهو الاستعمار الروحي الذي لا يُعدّ الاستعمار المادي معه شيئًا مذكورًا!
أولم يكن لهم آية أن شوقي- ﵀ يقول على لسان كليوباطرة ملكة مصر، تخاطب خدم قصرها:
لا تسيروا على ولائم روما ... سرفًا في الفسوق واستهتارا
مصر إن أولمت سمت بالأغاني ... درجات وأسمت الأشعارا
стр. 330
فهذه كليوباطرة وهي كما يقولون: أنثى أفنت العمر في الهوى. أنفت (أو أنف لها شوقي) أن تسير ولائمها على ولائم روما. فلئن كان هذا الكلام مما ألم معناه بخاطر كليوياطرة وجرى لفظه على لسانها فهي أصدق وطنية وأنبل نزعة من هؤلاء المقلّدين، وإن كان إنما تخيّلها شوقي كذلك فما أراد إلا عظة هؤلاء وما عنى إلا إياهم وما وجّه الخطاب إلا إليهم. وليس شيء من ذلك بمستنكر على شوقي.
ويا ليت إخواننا هؤلاء استبدلوا غربًا بغرب فقلّدونا نحن- ما دام التقليد مبلغ جهدهم- في كثير من هذه المعاني التي يقلّدون فيها الغربيين، ألسنا مغاربة؟ ألسنا أحق باسم الغرب بالنسبة إلى مصر؟ وإنما أوروبا شمالي مصر. وقد شرع لهم حافظ هذه التسمية في قوله:
وَدَعُونا نشم ريح الشمال
أم يقولون: إننا برابرة ومتوحشون: فنعم وكرامة عين. ولكننا مع ذلك شداد في الاستمساك بحبال الشرقية في كثير من مناحي الحياة. ولقد صاحبنا الاستعمار أكثر من قرن فما استطاع لنا هضمًا.
خالفنا الاتجاه قليلًا ولمسنا ببعض العتب علاقة عزيزة علينا، وعزيزًا علينا أن نراها مسرفة في التقليد، غالية في المتابعة على غير هدى على حين نأتم بها ونعدها لإمامة الشرق كله، فليهنأ إخواننا أننا تلامذتهم، ولكن في غير ما هم فيه تلامذة الغرب ...
...
لم تعرف الجزائر في ماضيها من الاحتفالات إلا تلك الصور العادية الساذجة في العيدين الدينيين، وإلا الزرد الموسمية في بعض الجهات، وإلا نوعًا آخر هو أقرب إلى الاحتفال المنظّم لو خلا من المحظورات الدينية. وحلا بالمشارب القومية والفوائد الاجتماعية. والعامة تُطلق على هذا النوع اسم "الأركاب" وهم يعنون جمع ركب بسكون الكاف كأركاب خالد ابن سنان بصحراء بسكرة، وركب عامر لقبر عطية قرب قلعة بني حماد، وركب قسنطينة لقبر ابن عبد الرحمن بالجزائر، وركب البليدة لقبر الشيخ أبي مدين بتلمسان، وكلها من شدّ الرحال غير المشروع، وكلها قريبة من النوع الذي نعيناه على المصريين وإن كانت أقلّ منه فسادًا أو إفسادًا.
وعرفت الحواضر الجزائرية شبه احتفال بالمولد النبوي، يقتصر فيه على التجمير والتقصير وتلاوة قصة من القصص الحشوية الشائعة. ولقد حضرت- منذ سنوات- حفلة مولدية من هذا النوع بحاضرة الجزائر، وسمعت عالمًا أزهريًا يقرأ على الناس قصّة مولدية- لعلها مولدية
стр. 331
المناوي- فسمعت من بعض ما كان يقول قوله: إن النبي ﷺ كان يرى من أمام كما يرى من خلف بعينين خلقهما الله في قفاه ... وكان بجنبي فقيه مقرئ، خفيف الروح، سلفي النزعة، فتغامزنا بالإنكار ولم نستطع جهرة إذ كان ذلك قبل انتشار الحركة الإصلاحية، ثم أسر إليّ على سبيل الدعابة قوله: أبى الله إلا أن نكون أسبق منكم لكل شيء فعندنا من هذه (الماركة) من العلماء من يقول ويكتب: إن النبي ﷺ لم يولد من السبيل المعتاد ...
ولبثت الجزائر محرومة من هذا النوع المفيد الذي يغرس المعاني السامية في النفوس بأسبابه وبواعثه، ويزرع المبادئ العالية والمعارف والآداب في العقول بما يقال فيه إلى أن كان عهدها الأخير وكانت نهضتها العلمية الدينية. فلأوائل هذه النهضة شعرت بما للاحتفالات من أثر صالح في النهضات، فالتفتت إليها وجعلتها إحدى ذرائعها لتعضيد الأعمال والمشاريع ونشر المبادئ الصالحة وبث الأفكار النافعة، وترقت بها مع الزمن حيث النظام واختيار المناسبات حتى أصبحت تنافس أرقى ما عُرف من نوعها عند الأمم الأخرى.
...
لعل أروع احتفال شهدته الجزائر في عهدها هذا هو الاحتفال بفتح مدرسة «دار الحديث» بتلمسان في أواخر شهر سبتمبر من السنة الخالية، فقد كان بدعًا من الاحتفالات في نظامه. وفي ضخامة العمل الباعث عليه، وفي جلال المناسبة والذكرى، وفي احتشاد الأمّة له، وفي علوّ الطبقة التي شهدته وتكلّمت فيه من العلماء والشعراء، وقد وصفته الجرائد في حينه، وإنما جلبته هنا مناسبة الحديث عن الاحتفالات.
ثم جاء الاحتفال بختم الأستاذ عبد الحميد بن باديس لدروس التفسير بالجامع الأخضر بقسنطينة- وهو الذي ألهمنا كتابة هذه الكلمة- فكان شاهدًا لما ذكرناه قريبًا من تطور هذه الأمّة في هذه الناحية، ودليلًا على أن نظام الاحتفالات بلغ في هذا القطر كماله، وعلى أن روح التأسّي في الصالحات حييت في هذه الأمّة وانتعشت، وانها أصبحت تهتبل الفرص المواتية فتحسن الاختيار.
أذكر أننا كنا في جماعة من الرفاق الأوفياء، تذاكرنا مرّة في إقامة حفلة تكريم لرفيقنا الأستاذ بن باديس تنويهًا ببعض حقه على العلم وشكرًا لأعماله الجليلة وآثاره الحميدة في التعليم بهذا الوطن، واعترافًا بكونه واضع أسس النهضة. وإنصافًا لكونه أسبقنا إلى التعليم وأشدّنا اضطلاعًا به وأكثرنا إنتاجًا وتخريجًا فيه ... وذهبنا في تقدير الفوائد التي تُجنى من هذا الاحتفال مذاهب لا غلوّ فيها ولا إسراف. ثم فاتحنا أخانا الأستاذ بهذه الفكرة، فكان الجواب قوله: دعوا هذا حتى تختم دروس التفسير- وبيننا يومئذ وبين الختم سنوات-
стр. 332
كأنه يرى أن عمله في التفسير هو أجلّ أعماله في التعليم، وأنه بإتمامه لهذا العمل يستكمل مزية الاستحقاق للتكريم والإجلال من أمّته إذ يكون قدّم لها عملًا تامًا ناضجًا وصورة كاملة من مجهوداته زيادة على ما خرج لها من رجال ... كأنه- حفظه الله- كان معلّق البال بهذا العمل ويخشى أن تقطعه قواطع الدهر.
وأراد الله، فحقّق للأستاذ أمنيته من ختم التفسير وللأمّة رجاءها في تسجيل هذه المفخرة للجزائر، ولأنصار السلفية غرضهم من تثبيت أركانها بمدارسة كتاب الله كاملًا. وبدت مَخَايِل الختم من أواخر السنة الخالية فكثر الحديث في الاسمار وفي المنتديات عن الاحتفال وصوّرت منه الخواطر احتفالًا ملء الأمل. وكذلك كان. والحمد لله.
تألّفت لجنة تنظيم بمركز الاحتفال "قسنطينة" وأعدّت للاحتفال برنامجًا محيطًا محكمًا وجعلت شعاره كله (القرآن) فالوفود وفود القرآن والضيوف ضيوف القرآن، وأذاعت توقيت الاحتفال باليومين الرابع والخامس من شهر ربيع الثاني، ثم عدلت عنهما إلى الثاني عشر والثالث عشر منه لعوارض قاهرة لا يملك معها الخيار. وأضرّ تأخير ذلك الأسبوع بطوائف من الأمّة كانت تسابق بالاحتفال أشغال الصيف وتكاليف الفلاحة، وهي تكاليف لا يملك معها الخيار أيضًا ..
انهالت الوفود القريبة الدار على قسنطينة يوم الجمعة وتلاحقت الأمداد يوم السبت، وشعر الناس شعورًا عامًا أن الجامع الأخضر لا يسع الوافدين إذا انهال سيلهم، وان محلًا ما من المحلات العامة لا يسعهم أيضًا. فألهموا من غير تواطؤ، العمل بقاعدة التمثيل فأرسلت كل بلدة وفدًا محدود العدد يمثّلها، فلم تبق بلدة من عمالة قسنطينة كبيرة أو صغيرة إلا ومثّلها وفد في مهرجان القرآن، فرأينا هناك وفود البلدان الساحلية من بجاية إلى الحدود التونسية ووفود مناطق التلول من سطيف إلى سوق أهراس ووفود المناطق الصحراوية من بسكرة إلى سوف. وتكاملت عقود هذه الوفود بوفد عاصمة الجزائر الضخم المؤلّف من مائة وثلاثين شخصًا، ثم وفد تلمسان وهو أقصى الوفود دارًا عن قسنطينة، فبينهما ما يزيد عن ألف ميل، ولكن جاذبية القرآن هوّنت عليه النصب واللغوب.
رأى الوفد التلمساني أن يقطع الطريق من الجزائر إلى قسنطينة في سيارة أوتوبيس ذات أربعين مقعدًا ليجمع بين الفائدة والنزهة وعمل بالاتفاق مع الوفد الجزائري على أن يخرج الوفدان من الجزائر معًا ويدخلا قسنطينة مساء السبت معًا.
وبلغ أهالي سطيف أن الوفدين يمران ببلدتهم فأبى عليهم كرمهم إلا أن يقيموا لهما حفلة شاي فاخرة. وأرسلوا للوفدين استدعاء مع رسول خاص، مبالغة منهم في البر والاحتفاء. وخرج الوفدان من العاصمة على الساعة السادسة من صباح السبت في قطار من
стр. 333
السيارات الضخمة يتكوّن منها منظر ساحر خلّاب ووصلوا سطيف على الثالثة بعد الزوال، فتلقّاهم إخوانهم السطيفيون على بضعة أميال من المدينة بباقات الزهر وطيب التحية، واجتمع الجميع على مائدة الشاي الحافلة.
ثم استقل قسم من وفد سطيف سيارة ذات خمسين مقعدًا، وخرج الجميع آمّين قسنطينة، وقد زاد الموكب كمالًا وجمالًا.
خرج أعضاء لجنة الاحتفال من قسنطينة في بضع سيارات للقاء موكب الوفود على خمسة وعشرين ميلًا إبلاغًا في المبرّة، فتهلّلت الأسارير عند اللقاء وطفحت الوجوه بالبشر وانطلقت الألسنة بالتحيات المباركات وتصافحت القلوب قبل أن تتصافح الأيدي وامتزج شماس الأصيل بشعاع الوجوه المستبشرة، فكان منظرًا سحر أخاذًا لا يستقل بوصفه إلا شاعر، ولست بشاعر. ثم انتظمت السيارات موكبًا بديعًا وزحفت إلى قسنطينة فدخلتها بعد المغرب وليس وصف مشهد دخول هذا الموكب إلى قسنطينة وانغماس الضيوف والمضيفين في غمرة من نشوة الفرح البالغ إلى حدّ الذهول بالذي يسعه بياني وإن وسعه إدراكي وعياني.
اجتمعت وفود الغرب بوفود الشرق في مدرسة التربية والتعليم التي أعدّت مكاتبها وطبقاتها وقاعاتها لهم أحسن إعداد. وبعد أداء فريضة العشاء انصرفوا إلى موائد المضيفين على تقسيم عجيب ومزج غريب يرجع الفضل والشكر فيه إلى لجنة الاحتفال.
وقد تبارى كرام القسنطينيين- أحسن الله إليهم- في إكرام الوافدين وهزتهم الأريحية هزّة بعد العهد بمثلها، وتجلّت الضيافة العربية الباذخة في أجلى صورها، يزينها نظام دقيق دفع هجنة الفوضى ووصمة الاختلال التي تصاحب الاحتشاد والكثرة. فلم يتخلف مضيف عن ميعاد، ولم تختل لضيف وجبة، ولم يفترق للمجتمعين في منزل شمل. وتضاعفت الوفود صباح الأحد، فتضاعفت الحفاوة والبشر وتجلّى الاستعداد الهائل واتسعت الصدور فاتسعت المنازل وتنوّعت صنوف البر حتى وسعت تلك الوفود الزاخرة سكنًا مرفهًا وكلًا مترفًا في أيام الاحتفال ولياليها. وارتفعت الكلف بين كل نزيل وأبي مثواه حتى لتحسبهم إِخوة رحم أو عشراء دهر.
ثم تلطفوا فخصّوا الوفود التي لم تسبق لها زيارة قسنطينة، بنوع من التكريم وهو الطواف بهم في أوقات الفراغ على معالمها وقناطرها العجيبة وواديها المدهش ومناظرها الساحرة وغمروهم بفيض من الرقة واللطف أسرت ألبابهم وأنطقتهم ببليغ الشكر فانقلبوا إلى أهلهم يحملون الإعجاب والإكبار ويضمرون المحبة الصادقة والولاء المحض.
هذه هي الاجتماعات التي كنا ننشدها فلا نجدها، هذه الاجتماعات التي تثمر التعرّف الحقيقي وتجمع أفراد الأمّة على الدين والخير والعلم. وقد زادها إخواننا القسنطينيون تمكينًا وشرعوا من آداب الضيافة مناهج سيحتذيها المترسمون ويذكرونها لهم بالجميل.
стр. 334
وما ظنّ الذين يفترون علينا الكذب ويتقوّلون علينا الأقاويل؟ أفي مثل هذا الاحتفال من أعمالنا شائبة نقد أو رائحة إضرار بأحد؟
...
كان من المتوقع- على بعد- أن تسمح الإدارة بوقوع الختم في الجامع الأعظم لاتساعه لأضعاف ما يتسع له الجامع الأخضر- وقد طلب منها ذلك واتخذت وسائله- فأبت، فما كان من لجنة الاحتفال وكرام القسنطينيين إلا أن قرّروا أن يفسحوا في المجالس للوافدين وأن لا يزاحموهم في مقاعد الجامع الأخضر ساعة الدرس، ونفّذوا هذه الخطة على أن تكون مكافأتهم من الأستاذ إعادة درس الختم في ليلة أخرى بعد انحسار الوفود عن قسنطينة.
وما كادت تشرق شمس يوم الأحد حتى اكتظّ الجامع الأخضر بالوفود، فلم يبق فيه متنفس وشمل الخشوع تلك الصفوف المتراصّة حتى لا حركة ولا ضوضاء. وتجلّى جلال كلام الله في بيت الله فكان مشهدًا يستنزل الرحمات، ويتكفّل باستجابة الدعوات. وصعد الأستاذ المفسّر منبر الدرس فشخصت العيون وخفتت الأنفاس واستهلّ بتلاوة المعوذتين. وشرع في تفسيرهما بما هو معهود منه، فلا يحتاج إلى نعت ولا إلى إطراء (وقد نشر ملخص الدرس في هذا العدد).
استغرق الدرس ما يقرب من ساعة ونصف أخذ الناس فيها على نفوسهم، وجلّلتهم سحابة من الخشية والسكينة. وكذلك المؤمنون الذين يخشون ربّهم بالغيب تقشعرّ جلودهم عند سماع كلامه، ثم تلين جلودهم وقلوبهم لذكر الله.
وختم الأستاذ المفسّر الدرس بأدعية قرآنية وابتهالات مأثورة، ثم طلب من الحاضرين أن يسألوا الله الرحمة والمغفرة لأخيهم حسين باي، مؤسّس الجامع الأخضر ومحبسه في سبيل العلم وإقام الصلاة وذكر الله كما هو منقوش على رخامة في المسجد. وذكر أن من علامات إخلاص هذا الرجل في عمله وحسن نيّته أن يسّر الله ختم تفسير كلامه من أوله إلى آخره في مدة خمسة وعشرين عامًا بهذا المسجد، فانطلقت الألسنة بالدعاء والترحّم وافترقوا على مثل ما اجتمعوا عليه بقلوب خاشعة ونفوس متراحمة وألسنة رطبة بحمد الله وشكره على ما وفّق إليه من الخير وأعان.
وكان هذا اليوم مقصورًا على درس التفسير، حرصًا على كلام الله أن يستقل تأثيره بالنفوس وأسره للأفئدة، وعلى عظاته أن تتصل بشغف القلوب. وخصّ سائر اليوم لاستراحة الوافدين ووقوفهم على معالم المدينة ومناظرها بعد أن أذنت لجنة الاحتفال فيهم باحتفالات الغد وأعماله.
***
стр. 335
كان يوم الإثنين الموالي ليوم الختم موعدًا لإقامة حفلة تكريم للأستاذ المفسّر، وهي الحفلة التي سبقت الإشارة إليها في كلامنا. وكان لها حظ من تصميمنا واعتزامنا، فسخر الله أسبابها في هذا اليوم. وقد تلطفت لجنة الاحتفال فأسندت رئاستها إلى كاتب هذه السطور. وكان موضع الاحتفال قاعة "كليّة الشعب" الفسيحة.
أهطعت الوفود إلى كليّة الشعب قبل الساعة المقرّرة بساعات ولم يثنهم طول الانتظار ولا اكتظاظ القاعة حرصًا على ضمان المقاعد. وصنع القسنطينيون في هذا اليوم صنيعهم بالأمس، ففسحوا في مجالس كلية الشعب كما فسحوا في الجامع الأخضر إكرامًا للوفود. وأبت الوفود إلا أن يكون لها شرك في معنى التكريم وأن يكون لأسمائها وبلدانها دخل في عداد المكرمين، فكان التكريم باسم العلماء زملاء الأستاذ وشركائه في العمل وباسم تلامذته وباسم هذه الوفود الحاشدة.
ودقت الساعة التاسعة، فتصدّرت هيئة جمعية العلماء سدّة القاعة واكتنفهم خطباء الحفلة وشعراؤها من تلامذة الأستاذ عن اليمين والشمال، وتقدّم رئيس الحفلة فقدم مقرئًا، أسمع الناس آيات من كلام الله، ثم فتح الرئيس باب الخطابة بارتجال كلمات. ثم قدم الخطباء على مراتبهم ثم الشعراء كذلك، وسيرى القارئ في آخر هذا العدد تلك الخطب والقصائد منشورة.
ولما كانت ساعات الاحتفال محدودة لا تتسع لجميع الخطباء ولا للقليل منهم، وكان التلامذة يمثّلون طبقات تمتد من أوائل النهضة إلى الآن، فقد رؤي حرصًا على الوقت والفائدة الاقتصار على من يمثّل تلك الطبقات، فتقدّم من يمثّل المتخرّجين في أوائل الحركة ثم من يمثّلون وسط الحركة واستفحالها، ثم من يمثلون الطبقة المباشرة للتعليم في السنوات الأخيرة ثم من يمثّلون الطبقة النازحة إلى جامع الزيتونة ثم من يمثّل الطبقة المستقلّة بالتعليم ثم من يمثّل تلاميذ التلاميذ. وبعد انتهاء الخطباء أعلن الرئيس استراحة ربع ساعة ثم الرجوع لسماع الشعراء.
ولما انتهى دور الخطباء والشعراء المقرّرين في منهاج الحفلة، وقف كاتب هذه السطور وارتجل خطابًا تغنّى فيه بجمال يوم القرآن وهو يوم الختم وبفوائد الخير التي سيعود بها على الأمة الجزائرية. وقد حاول كاتبان من كتّاب الحفلة أن يلتقطاه عند الإلقاء ففاتهما منه الكثير. وتقدّم إليّ الحريصون على تخليد الحفلة كاملة أن أكتب ما علق بالذاكرة من ألفاظها ومعانيها، فكتبت ما يقرؤه القارئ في آخر الخطب. وأنا أبرأ من ادعاء محاذاته كما ألقي ارتجالًا في ألفاظه ومعانيه.
وبعد خطبة الرئيس، قام الأستاذ المحتفل به وارتجل خطبة ضافية نستعيض عن وصفها ها هنا بتلخيص معانيها ونشرها مع الخطب.
стр. 336
وانفضّ الاحتفال على الساعة الثانية إلا ربع بعد الزوال.
ومن لطائف الاتفاق أنه خطر لبعض الهيئات تقديم هدية تذكارية للأستاذ، ولم تعلم هيئة بما اعتزمت عليه الأخرى من نوع الهدية. فلما قدّمت الهدايا أمام الجمهور بعد انتهاء الخطابة كان تناسقها مفاجأة مدهشة، وهي محفظة كتب عربية ثمينة قدّمها وفد تلمسان، وقلم تحبير ثمين معه قلم رصاص قدّمتها هيئة جمعية التربية والتعليم، ونسخة من تفسير المنار قدّمتها هيئة جمعية العلماء، ونسخة من كتاب فتح الباري قدّمتها لجنة الاحتفال.
وكما كانت هذه الهدايا لطيفة في معناها التذكاري وفي رمزها العلمي وفي تناسقها، فقد كان سرور الأستاذ بها عظيمًا ووقعها في نفسه لطيفًا. ثم تمّ التناسق ولطف الذوق في حفلة المساء حين قدّم له تلامذة كشافة الرجاء مصباحًا كهربائيًا ظريفًا وقدّم له تلامذة الشباب الفني (زربية) سجادة صلاة.
...
وفي مساء الثلاثاء اشتركت ثلاث جمعيات علمية وفنية ورياضية في إقامة احتفال زاهر فخم في كليّة الشعب ابتهاجًا بضيوف القرآن.
أما الجمعيات: فهي جمعية التربية والتعليم وجمعية الشباب الفني الفنية وجمعية كشافة الرجاء الرياضية.
وأما الاحتفال فكان ناجحًا إلى أقصى حدود النجاح، مؤثّرًا إلى أبعد غايات التأثير، ظهرت فيه جمعية "الشباب الفني"- على حداثة عهدها- بمظهر الكفاءة والتجديد وسلامة الذوق والانسجام بين العازفين في المظهر وبين القطع في المخبر. وقد عزفوا قطعًا مشجية وترنم عليها التلامذة بأناشيد أشجى، حتى لقد رأيت كثيرًا من عمار الصفوف الأمامية يبكون تأثّرًا، وان أنس فلا أنس التلميذين اللذين أنشدا نشيد الترحيب على عزف (البيانو)، انهما لطراز عال في رخامة الصوت وسلامة الأداء وجمال المنطق حفظهما الله وأقر بهما أعين الأمّة التي تعلّق رجاءها على أمثالهما.
إن التطويل في وصف هذه الحفلة يفضي إلى التقصير. وخلاصة القول فيها إنها كانت زادًا روحيًا قدّمته قسنطينة لوفودها بعد أن جاوزت الغاية فيما قلّصته لهم من أطايب الغذاء البدني. وإن سرّها وسحرها ليسا آتيين من الاطراب في العزف والإطراف في الأناشيد والإجادة في التمثيل والاتزان في الحركات، وإنما هما آتيان من شيء آخر وراء هذا كله، هو أمل الأمّة في أبنائها، كان صورة في الأذهان ومخيلة في الأدمغة، فرأت منه في هذه الليلة
стр. 337
نموذجًا عمليًا يبشّر بتحققه كله، إن الزمان بأحداثه يستطيع أن يمحو من نفوس الوافدين كل ما رأوا وما سمعوا ولكنه لن يستطيع محو شيئين: درس القرآن وهذه الحفلة، وإن الوافدين ليستطيعون أن يقابلوا كل إكرام لقوه من إخوانهم القسنطينيين بمثله أو بأحسن منه إلا إكرامهم بمثل هذه الحفلة.
وانفض هذا الاحتفال في نهاية الساعة الواحدة بعد نصف الليل بعد أن ختمه الأستاذ بن باديس بكلمة توديع.
...
من المظاهر التي شاهدها الناس كلهم في هذا الاحتفال بسوابقه ولواحقه، الهدوء الشامل، فلم تحدث أية حادثة ولو بسيطة على كثرة الاحتشاد وشدة الازدحام واختناق التعاريج في المدينة. وليس مرجع ذلك إلى التنظيم الآلي، ففي أدون من هذا الاحتفال نرى الفوضى تطغى على النظام، وطباع السوء لا تنهنه بالزجر وإنما مرجع ذلك إلى التنظيم النفسي وإلى أدب القرآن وقد ملك أزمة النفوس.
وإن هذا النوع من التربية الدينية هو الذي نريده للأمّة، وهي تربية كثيرة الفوائد قليلة التكاليف، وقد جرّبت فصحت. فهل من معين لنا على تثبيتها وتعميمها؟ وكأن إدارة الأمن العام بقسنطينة أدركت ذلك فلم نر منها مظاهر الاستعدادات الاستثنائية التي كنا نراها في مثل هذه المشاهد، وحسنًا فعلت.
стр. 338
------------------------------
٤ - خلاصة تفسير المعوذتين من درس الأستاذ
الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي ختم به تفسير القرآن*
------------------------------
كلمة ببن يدي التلخيص:
أكمل طرائق المتقدمين من علماء هذه الملة في تلقين العلوم- طريقة الإملاء. والإملاء نتيجة لاستِحْكام الملكة في العلم واستقلال الفكر فيه، أوسعة المحفوظ ورحابة آفاق الحافظة. واستحكام الملكة واستقلال الفكر وقوّة الحافظة مزايا تكاد تكون خالصة لعلماء سلف هذه الأمة لم يبلغ علماء الأمم الأخرى مُدَّ أحدهم فيها ولا نصيفه.
وكانت وظيفة السامعين كتابة ما يُملى عليهم كله أو خلاصته، وكانت المحابر والأقلام والأوراق هي الأدوات اللازمة لروّاد مجالس العلم، إلّا في مقامات مقابلة الأصول وضبطها. فهنا لا بدّ من إحضار النسخ الكاملة من الكتب.
ومن ثمرات تلك الطريقة المثلى في التلقين والتلقي كتب الأمالي في الحديث واللغة والأدب، وفي تراجم المحدثين والأدباء الشيء الكثير من ذلك، وإن لم يُبق لنا الدهر منها إلّا الأقل من القليل.
ولما انتهى عصر الرواية بجمع روايات السلف في التفسير ورواياتهم للأحاديث والسنن، ودُوّنت أصول اللغة والأدب والعلوم المتفرعة عنها وجاء دور الاستغلال لها، نشأت عوامل الانحطاط في العلوم الإسلامية، وكان من أظهر مظاهرها جفاف القرائح وجدب الأفكار وضعف القوى الحافظة، وانحطت طرائق التلقين تبعًا لذلك وانحصرت في الطريق الشائعة إلى اليوم، وهي التزام كتاب تتعدّد نسخه بتعدّد المتلقين له، يحلّل الشيخ عباراته ويشرح معانيه، وانحطت وظيفة السامعين من الكتابة والتقييد إلى الاستماع المجرد.
ولسنا نعيب طريقة التزام الكتب وشرح معانيها بالكلام، فذلك في حقيقته نوع قاصر من الإملاء، وإنما نَنْعَى على السامعين إهمالهم لكتابة ما يسمعون فتضيع عليهم الفوائد التي يلقيها الأستاذ وقد تكون قيّمة، كما تضيع في عصرنا هذه الخطب والمحاضرات المرتجلة التي لا يكتبها ملقيها ولا متلقيها.
стр. 339
ولسنا بصدد التأريخ لهذه الطرائق والمقارنة بينها، وبيان وجوه النقص والكمال فيها، وإنما ننبّه في هذا المقام إلى أن أسوأ أثر لهذه الطريقة الشائعة اليوم هو القضاء على الملكة العلمية، لأنها شغلت المعلم والمتعلم معًا بالكتاب عن العلم، إذ أصبح همّهما كله مصروفًا إلى تحليل الكتاب وفكّ عباراته والقيام على اصطلاحاته الخاصة، وفي بعض هذا ما يستغرق الوقت ولا يُبقي سعة لإدراك قواعد العلم وتطبيق جزئياته على كلّياته، وبعيد جدًا على من يدرس علمًا على هذه الطريقة أن تستحكم ملكته فيه، وكيف تستحكم ملكة الفقه مثلًا لمن يقرأه من مثل مختصر خليل على هذه الطريقة فيمضي وقته في تحليل عباراته وتراكيبه المعقدة التي ذهب الاختصار بكثير من أجزائها، وفي بيان التقديم والتأخير في الألفاظ، وربط المعمولات بالعوامل البعيدة، وإرجاع الضمائر المختلفة إلى مراجعها، والطفرة بالذهن من مذكور إلى مقدر، وهذا هو كل ما يشغل وقت المعلم والمتعلم، وهم في الحقيقة لا يدرسون علم الفقه وإنما يدرسون كتابًا في الفقه، ودراسة الكتب لذاتها أصبحت اليوم فنًّا كماليًّا من التاريخ لا أصلًا في تعلّم العلوم.
والدارس لتاريخ العلوم الإسلامية يتجلّى له هذا في تراجم علماء تلك العلوم، إذ يجد فيها دائمًا أشباه هذه العبارة: كان أقوم الناس على كتاب الجمل للخونجي، أو على كتاب التهذيب للبرادعي، أو على كتاب الشامل لابن الصباغ. كان نافذًا في إقراء المحصّل للرازي. كان سديد البحث في مختصر ابن الحاجب الأصلي، كثير المناقشة لعباراته. وأين سداد البحث وكثرة المناقشة في عبارة كتاب من تحصيل الملكة في علم؟ إن الأصولي الحقيقي هو الذي يُنفق ممّا عنده أو يُقرئه من أي كتاب كان، ولا يفتتن بكتاب معين هذا الافتتان، وإن الفقيه الحقيقي هو الذي يفهم الفقه لا الذي يفهم كتابًا في الفقه، وفي وقتنا هذا نسمع علماء المعاهد المشهورة يتمدّحون بمثل هذا ويصفون من يحسن إقراء التنقيح للقرافي على هذه الطريقة بالأصولي المحقق ...
ولقد حاول جماعة من العلماء الحفّاظ في القرون الأخيرة إصلاح هذه الحالة وإحياء طريقة الأمالي فلم ينجحوا، لافتتان جمهور المتعلمين بالكتب وانصرافهم عن العلم إلى كتب في العلم. حاول ذلك الحافظ ابن حجر وهو أهل لذلك، ولكن أهل زمانه لم يكونوا أهلًا له، ونعى معاصره ابن خلدون المؤرخ طرق التلقين في زمنه وكثرة المؤلفات والمختصرات في العلم وعدّها عائقة عن التحصيل، وحاول ذلك بعد ابن حجر تلميذه الحافظ السيوطي وهو أهل لذلك على ما فيه من تبجّج واستطالة، وقد شكا في بعض رسائله إخفاقه في هذه المحاولة بعبارة مرّة، ووصف انصراف الجمهور عنها بأنه من غلبة الجهل وكلال الهمم وضعف العزائم.
نجمت في هذه العهود الأخيرة ناجمة اضطراب وتبرّم من طرائق التعليم المتبعة وكتبه الملتزمة، وارتفعت الأصوات بالشكوى من أضرارها وسوء عواقبها، وكان الأستاذ الإمام
стр. 340
الشيخ محمد عبده أعلى الحكماء صوتًا بلزوم إصلاحها وأبلغهم بيانًا لأضرارها وسوءاتها ومعايبها، وأسدّهم رَأْيًا في تغييرها بما هو أجدى منها وأنفع، وأكثرهم عملًا جديًّا في ذلك.
وكان من إصلاحاته العملية في هذا الباب درسه لكتاب الله بأسلوب حكيم لم يسبقه إليه سابق، وكان- ﵀ وهو مَن هو في استقلال الفكر واستنكار الطرائق الجامدة يجاري الطريقة الأزهرية بعض المجاراة لاعتبارات خاصة، ومن هذه المجاراة السطحية أنه كان يلتزم في تلك الدروس العامرة بالحكم العليا تفسير الجلالين ويستهلها بقراءة عبارته.
ولكن السامعين لتلك الدروس- على كثرتهم وجلالة أقدارهم في العلم والمعرفة، وتساويهم في الاعتقاد بأن تلك الدروس فيض من إلهام الله أجراه على قلب ذلك الإمام وعلى لسانه، وأنها ممّا لم تنطوِ عليه حنايا عالم ولا صحائف كتاب- لم تتسابق أقلامهم لتقييد تلك الدروس إلّا قليلا، ولو أنهم فعلوا لما ضاع من كلام ذلك الإمام حرف واحد، ولو لم يقيّض الله محمد رشيد رضا لهذا العمل الجليل لضاع كله، ولكن الله وفقه لحفظ معاني تلك الدروس وسدّد قلمه في أدائها، ثم نهج نهجه بعد موته وسار على شعاع هديه في تفسير كلام الله فأبقى لهذه الأمة الأسفار القيمة المعروفة بتفسير المنار.
...
مدّت حركة الاصلاح العلمي مدّها بعد موت الإمام وانتشرت في الأقطار الإسلامية وأسفرت عن إصلاح حقيقي لأساليب التعليم في المعاهد الحرّة، وعن إصلاح صوري في المعاهد الرسمية، ولا تزال الحرب قائمة في هذه المعاهد بين طلاب الإصلاح وبين أنصار الجمود، وستكون العاقبة للمصلحين بإذن الله. ولقد كان من حسن حظ الجزائر أن باعث النهضة العلمية فيها الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس قد وضع أساس هذه النهضة على قواعد صحيحة من أول يوم، فسلك في درس كلام الله أسلوبًا سلفي النزعة والمادة، عصري الأسلوب والمرمى مستمدًا من آيات القرآن وأسرارها أكثر ممّا هو مستمد من التفاسير وأسفارها. وقد قرأنا له في بعض افتتاحيات مجلة "الشهاب" أنه يعتمد في هذه الدروس على تفاسير مخصوصة في مواضيع مخصوصة، كالطبري في المأثور والكشاف للزمخشري في أسرار الإعجاز. وذلك صحيح ومفيد لمن يجعل فهوم الرجال مقاييس لفهمه، ولا يعطيها أكثر من أنها فهوم تصيب وتخطى، أما المعنى الصحيح لكتاب الله فيستجليه من البيان العربي والشرح النبوي ومن مقاصد الدين وأسرار التشريع، ومن عجائب الكون وسنن الله فيه ومن أحكام الاجتماع الإنساني، ومن تصاريف الزمن ونتائج العقول وثمرات العلوم التجريبية.
وإذا كان من دواعي الغبطة ختم تفسير القرآن على هذه الطريقة في القطر الجزائري، فإن من دواعي الأسف أنه لم ينتدب من مستمعي هذه الدروس من يقيّدها بالكتابة، ولو
стр. 341
وجد من يفعل ذلك لربحت هذه الأمة ذخزا لا يُقوَّم بمال، ولاَضْطلع هذا الجيل بعمل يباهي به جميع الأجيال، ولتمخض لنا ربع قرن عن تفسير يكون حجة هذا القرن على القرون الآتية. ومن قرأ تلك النماذج القليلة المنشورة في الشهاب باسم مجالس التذكير علم أي علم ضاع وأي كنز غطى عليه الإهمال.
ولما كان اليوم المشهود بختم هذه الدروس جمع أحد الحاضرين ما وعته ذاكرته وأمكنه تقييده من معنى درس الختم في تفسير المعوذتين وتصرف في ألفاظه بما لا يخرج عن معانيه، إذ لم يكن من الميسور أن يلتقط الألفاظ كلها. فجاء بهذه الخلاصة التي ننشرها على الناس في هذا العدد الخاص بالاحتفال لافتين أنظارهم إلى أن هذه الخلاصة محيطة بمعاني الدرس مع تصرف ضروري اقتضته مساوقة ما كتب لما قيل.
...
استهل الأستاذ الدرس بعد الاستعاذة والتسمية بالتحميد المأثور: الحمد لله إن الحمد لله. نحمده ونشكره ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يضلل الله فلا هادي له ومن يهد فما له من مضل، ونشهد أن لا إله إلّا الله ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
ثم عقّب بما ثبت أن رسول الله ﷺ كان يبدأ به خطبه. وجرت عادة المُحدِّثين والمُفَسِّرين أن يفتتحوا به مجالس التحديث والتفسير، وإن اختلفت الروايات في ألفاظه وهو قوله ﷺ : أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثه بدعة، وكل بدعة ضلالة.
ثم قال توطئة للدخول في تفسير المعوذتين ما معناه مع تصرف وتوضيح:
بني هذا الكون الدنيوي على أن يقترن فيه الخير بالشر، وأن يتصلا وأن يشتبها وأن يحيطا بالإنسان من جميع جهاته، فتكون أعماله الكسبية في الحياة مكتنفة بهما دائرة بينهما موصوفة بأحدهما ولا بدّ. ذلك من قدر الله ومن سننه العامة في هذا العالم الإنساني.
وحكمته المبيَّنة في وحيه هي ابتلاء خلقه ليجازوا على ما يكون من كسبهم وسلوكهم بعد أن وهبهم العقل والتمييز، وأكمل عليهم نعمته بهداية الدين عدلًا منه تعالى ورحمة، وحكمة أخرى وهي تمرين هذا الإنسان في حياتيه العلمية والعملية، وتدريب فكره على اختيار
стр. 342
الأنفع على النافع، والنافع على الضار، ثم سوق الجوارح إلى العمل على ذلك الترتيب وترويضها عليه.
والإنسان يكتسب القوّة والدربة بتمرّسه على ما يلقاه من الخير والشر بعمله وبفكره، وللفكر الإنساني عمل سابق لأعمال الجوارح المجترحة، وسائق لها ومُهَيِّئٌ لما يظهر أنه من بدواتها.
وهذا العمل الفكري تظهر قوّته في نواح منها- وهو أهمها- التمييز بين الخير والشر، وأدق منه التمييز بين خير الخيرين وشر الشرين. فإن الخير درجات وأنواع، والشر كذلك دركات وأنواع.
والإنسان في هذا الخضم الذي تلاطمت أمواجه. وفي هذا الفضاء الذي تشابهت أفواجه، محتاج إلى معونة إلهية في تمييز الخير من الشر. وقد أمدّه الله بهذه المعونة من دينه الحق، ومحتاج إلى تأييد إلهي يعصمه من الشر ويقيه من الوقوع فيه عن جهالة أو عمد، وقد هداه الله إلى أسبابه ووسائله بما شرع له من المنبهات عند طروق الغفلة، والمبصرات عند عروض الشبهة، والمعوذات المحصنات عند إلمام لمة الشيطان وطواف طائفه. ومن هذه المعوذات عقائد تدفع عن صاحبها الشكوك وهي شر، وحقائق تقي صاحبها الوهم وهو شر.
وعبادات تربي مقيمها على الخير وتنهاه عن الفحشاء والمنكر. وأعمال تثبِّتُ فاعلها على الحق. وأقوال يمليها القلب العامر بتقوى الله والخوف من مقامه على الألسنة لتكون شهادة لها وعنوانًا عليها، والألسنة تراجمة القلوب، فكان ممّا شرع الله لنا في كتابه وعلى لسان نبيه التعوذ باللسان من الشر والباطل، وأنزل الله عليه هاتين السورتين وفيهما الاستعاذة بالله من أنواع من الشرور هن أمهات لما عداهن، وكان نبينا ﵇ يكثر التعوذ باسم الله وكلماته من أنواع أخرى من الشرور مفصلة في صحاح السنة.
أما السورتان فيكفي في فضلهما ما أخرجه مسلم في صحيحه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ خَيْرٌ مِنْهُنَّ قَطُّ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ». وفي رواية أخرى في مسلم عنه تسميتهما بالمعوذتين، وفي رواية أبي أسامة في مسلم أيضًا وصف عقبة بن عامر بأنه كان من رفعاء أصحاب محمد ﷺ . فتسمية هاتين السورتين بالمعوذتين تسمية نبوية مأثورة كأسماء جميع سور القرآن، وقد يقال المعوذات ويراد بها ما يشمل سورة الإخلاص. وكفى بما فيها من أصول العقائد معاذًا من الشرك وهو أصل الشرور كلها.
وحديث مسلم هو أصح ما ورد في نزولهما، وأما ما يذكر في نزولهما في قصة سحر النبي ﷺ فإن ذلك لم يصح سببًا لنزولهما، وإن كان لقصة السحر وصاحبها لبيد بن
стр. 343
الأعصم أصل ثابت في الصحيح، وقد تساهل كثير من المفسرين في حشر هذا السبب في تفسيرهما، وفي حشر كثير مما لم يصح في فضائلهما، ولنا فيما صح غنية عما لم يصح.
وهذه الخيرية التي أثبتها لهما حديث عقبة عند مسلم هي خيرية نسبية في ناحية مخصوصة، وهي ناحية التعوّذ بهما من الشرور العامة والخاصة المذكورة فيهما، ودليل هذه النسبية ما أخرجه النسائي في سننه عن ابن عابس الجهني أن رسول الله ﷺ قال له: «يا ابن عابس ألا أدلّك، أو ألا أخبرك بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون»، قال: بلى يا رسول الله، قال: «قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، هاتين السورتين».
فبيّن ﷺ أن خيريتهما وأفضليتهما من جهة ما تشتملان عليه من معنى التعوذ، وهو من المعاني الداخلة في دائرة ما كلفنا الله به.
ولهاتين السورتين خصوصية غير المناسبات التي يذكرونها في ارتباط بعض السور بالبعض، ويستخرجون منها بالتدبر ما لا يحصى من الأنواع، وهذه الخصوصية هي ختم القرآن بهما وهما كالسورة الواحدة. فما هي الحكمة في ختم القرآن بهما؟ وترتيب السور توقيفي ليس من صنيع جامعي المصحف كما ذكره السيوطي في الإتقان وجماعة.
يستطيع ممارس القرآن ومتدبره ومتلقيه بالذهن المشرق والقريحة الصافية أن يستخرج من الحكم في هذا الختم بهما أنواعًا، ولكن أجلاها وأوضحها أنهما ختم على كنوز القرآن في نفس المؤمن. وتحصين لهذه النعم المنثالة من القرآن عليه أن يكدرها عليه كيد كائد أو حسد حاسد. فإن من أوتي الشيء الكريم ورزق النعمة الهنية هو الذي تمتد إليه أيدي الأشرار وألسنتهم بالسوء، وتقذفه عيونهم بالشرر وتتطلع إليه نفوسهم بالحسد والبغضاء، ويشتد عليه تكالبهم سعيًا في سلبه منه أو تكديره عليه، وبقدر النعمة يكون الحسد، وعلى مقدار نفاسة ما تملك تكون هدفًا لمكائد الكائدين، وتأتيك البلايا من حيث تدري ولا تدري، ومن أوتي القرآن فقد طوي الوحي بين جنبيه وأوتي الخير الكثير، فهو لذلك مرمى أعين الحاسدين ومهوى أفئدة الكائدين، فكان حقيقًا، وقد ختم القرآن حفظًا أو مدارسة أو تلاوة، أن يلتجئ إلى الله طالبًا منه الحفظ والتحصين من شر كل كيد وحسد يصيبه على هذا الخير العظيم الذي كمل له، وهذه النعمة الشاملة التي تمت عليه.
هذه حكمة، وأخرى: وهي أن من أوتي القرآن وتفقّه فيه فقد أوتي الحكمة وفصل الخطاب، وأحاط بالعلم من أطرافه وملك كنزه الذي لا ينفذ. وان من آفات العلم اغترار صاحبه به، وقد يتمادى به الغرور حتى يسوّل له أن ما أوتيه من العلم كافٍ في وقايته من الأضرار ونجاته من الأشرار، فكان من رحمة الله بصاحب القرآن ولطف تأديبه له، وحسن عنايته به، أن ختم بهاتين السورتين كتابه لتكونا آخر ما يستوقف القارئ المُتَفَقِّه، وينبهه إلى
стр. 344
أن في العلم والحكمة مسألة لم يتعلمها إلّا الآن، وهي أنه مهما امتدّ في العلم باعه واشتد بالحكمة اضطلاعه، فإنه لا يستغني عن الله ولا بد له من الالتجاء إليه والاعتصام به، يستدفع به شر الأشرار وحسد الحاسدين، وكفى بهذه التربية قامعًا للغرور، وإنه لشر الشرور.
هذه هي المناسبة العامة بين جميع القرآن مرتبًا ترتيبه التوقيفي وبين هاتين السورتين في اتحاد موضوعهما.
وأما المناسبة الخاصة بين السورتين وبين سورة الإخلاص، فهي أن سورة الإخلاص قد عرَّفت الخلق بخالقهم بما فيها من التوحيد والتنزيه والتمجيد. فإذا قرأتَ القرآن وتدبّرتَه على ترتيبه، ووجدتَ توحيد الله منبثًا في آياته وسوره، متجليًّا ذلك التجلي الباهر بمعارضه وصوره، سادًّا ببراهينه على النفوس كل ثنية وكل مطلع، كانت آخر مرحلة يقطعها فكرك من مراحل التوحيد في القرآن، هذه السورة المعجزة على قصرها، فكأنها توكيد لما امتلأت به نفسك من معاني التوحيد، وكأنها وصية مودعّ مشفق بمهمّ يخشى عليك نسيانه فيعمد فيها من الكلام إلى ما قلّ ودلّ ولم يملّ.
ومِن صِدقِك في توحيدك لله في ربوبيته وإلهيته، أن تنقطع عن هذا الكون وتكون منه وكأنك لست منه، بصدق معاملتك لله وإخلاص توحيدك إياه. فأنت وقد آمنت وصدّقت وخرجت من سورة الإخلاص متشبعًا بمعانيها، ومنها معنى الصمد، تستشعر أن العالم كله عجز وقصور، وأن خيراته مكدّرة بالشرور، وأن لا ملجأ إلّا ذلك الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤًا أحد، فَتَجِيءُ المعوذتان بعد الإخلاص مبينتين لذلك الالتجاء الذي هو من تمام التوحيد.
ولأجل هذه المناسبة والارتباط بين السور الثلاث جمع بينهن في التَسْمِيَةِ، ففي الصحيح عن عائشة- ﵂ أن النبي ﷺ كان ينفث عن نفسه بالمعوذات، وسياق النسائي لحديث عقبة بن عامر المتقدم أن رسول الله قرأ وقرأت معه الإخلاص ثم قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، فلما ختمهن قال: «ما تعوّذ بمثلهن أحد». وكما جمع ﷺ بينهن في التسمية والتعوذ جمع بينهن عمليًّا في قراءة الوتر.
هذا إجمال المناسبة الخاصة بين السور الثلاث.
стр. 345
سورة الفلق:
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ الأمر المفرد للنبي- ﵇، ومن حسن الأدب في مقدرات القرآن أن تقدر في مثل هذا الأمر أيها الرسول أو أيها النبي، لأنهما الوصفان اللذان نطق بهما القرآن في نداء النبي- ﵇، وأن لا تقدر يا محمد كما هو جار على الألسنة وفي التصانيف، فإن القرآن لم يخاطبه باسمه.
والأمر لنبيّنا أمر لنا لأننا المقصودون بالتكليف، ولا دليل على الخصوصية، فهو في قوّة قل أنت وقل لأمتك يقولون.
وأعوذ: أستجير وألتجى، ويتعدى هو وجميع تصاريفه بالباء كأستجير، والعوذ والعياذ مصدران منه كالصوم والصيام، وفي القرآن مما جاء على المعنى اللغوي ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ ومن كلام العرب: قد استعذت بمعاذ.
والرب: الخالق المكوّن المربي، ومواقع استعمال هذه الكلمة في القرآن هي التي تكشف كل الكشف عن معناها الكامل.
والفلق: الفجر المفلوق المفري، ومن لطائف هذه اللغة الشريفة أن: الفتح والفلح والفجر والفلق والفرق والفتق والفري والفأ والفقأ والفقه، كلها ذات دلالات واحدة، وتخصيصها بمتعلقاتها باب من فقه اللغة عظيم.
ومما وصف به ربنا نفسه في القرآن: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾، و ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾، فهما من أسمائه تعالى.
ومواقع هذه الألفاظ التي تضاف إلى كلمة رب في القرآن، كمواقع أسماء المخلوقات التي أقسم بها الله، كلاهما عجيب معجز، فكل لفظة تستعمل في المقام الذي يناسبها وتناسبه، وكل لفظة تبعث في الأسلوب الذي وقعت فيه متانة وقوّة وفي معناه وضوحا وجلاء، وسر إضافة الفلق إلى "ربّ" هنا، أن الفجر بمعناه العرفي هو تشقق الظلمة عن النور، فإن الليل يكون مجتمع الظلمات مسدول الأرواق، فإذا جاء الصبح حصل الانفراق. والذي يبقى بعد ذلك الانفلاق هو النور الذي نفى الظلمة، ولا ينفي ظلمات الشر والضلال والباطل إلّا أنوار الخير والهدى والحق من خالقها وفالق أنوارها، وكما أضيف الفلق بمعنى الفجر إلى كلمة رب هنا، أقسم به في آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ﴾.
﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾: من كل مخلوق فيه شر، فلا يدخل في عمومه إلّا كل شرير من أي العوالم كان، كما يدخل في عموم الناطق كل ذي نطق، أو من شر كل مخلوق، ومن مخلوقات الله ما هو خير محض كالأنبياء والملائكة، ومعلوم أن المخلوقات كلها خلقت
стр. 346
بحق ولحكمة فهي في نفسها خير. فإن كان لا ينشأ من أعمالها أو آثارها إلا الخير فهي الخير المحض، وإن كان ينشأ عنها الشر أحيانًا أو دائمًا فعملها هو الشر وهو المستعاذ منه. وتصحّ نسبة هذا القسم إلى الله من حيث الخلق والحكمة، ونسبة أعماله إليه من حيث التقدير والتكوين لا من حيث الرضى والتكليف، فالله لا يرضى بالشرّ ولا يكلف به، وقصارى إبليس وهو مادة الشر في هذا الوجود أن يزيّن الشر ويلبسه بالخير، فالشر بيد الله خلقة وحكمة لا رِضًا وتكليفًا، والخير بيد الله خلقة وحكمة ونعمة وأمرًا.
وقد يكون الشرّ ذاتيًّا لا ينفك، وقد يكون نسبيًّا باعتبار حالة تعرض واتجاه يقصد، ونعم الله على عباده قد تنقلب عليهم شرًا وبلاء بسبب سوء تصرفهم فيها، كالمال الذي سماه الله خيرًا في القرآن، يكسبه صاحبه من الوجوه المشروعة وينفقه في الوجوه المشروعة، ويتحرى رضا الله في جمعه وتفريقه فيكون خيرًا بذاته وبعمل صاحبه، ويتصرف فيه بعكس ذلك فيكون شرًا لا من ذاته بل من عمل صاحبه.
وهذا العالم الإنساني المكلف هو الذي يتجلّى الخير والشرّ في أعماله، ويتصلان بحياته اتصالًا وثيقًا. وإنما عيب عليه الشر وقبح منه لأنه قادر على تمييزه واجتنابه ومكلف بذلك، وقد وضع له الدين قوانين ثابتة للخير والشر وَوَضَّح له أن الخير ما نفع وأن الشر ما أضر، ولكنه وإنْ أوتي قوّة التمييز لم يؤت قوّة الاستعصام ابتلاء من الله، فأما المخذول فيأتي الشر عامدًا متعمدًا وهو يعلم أنه شر، وأما الموفق فيواقع الشر في مواقف يشتبه عليه فيها الخير بالشر ويعسر التمييز، والخير والشر لا يوزنان بميزان حسّي يستوي الناس كلهم في إدراكه، وقد تَدِقُّ الفوارق بينهما حتى تخفى، وفي هذه المواقف يجب الالتجاء إلى الله ليرينا الخير خيرًا ويكشف لبصائرنا عن حقائق الشر، فلا يلتبس علينا شيء بشيء، وبعد أن يوجه الاضطرار نفوسنا هذا التوجيه الصحيح، تندفع ألسنتنا وتقول: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾.
وبهذا تظهر المناسبة الدقيقة بين رب والفلق، فإن رب الناس ومربيهم وسائقهم إلى ما يكمل وجودهم هو الذي تنكشف لعلمه سرائرهم، والفلق نور يكشف للعيان كل المبصرات فتُرَى على حقائقها ومقاديرها، لا يزيغ البصر في شي منها ولا يطغى، والإنسان مهما يكن عالمًا فقد تخفى عليه حقائق المعقولات فيزيغ فكره ويطغى.
ومناسبة أخرى وهي أن الشر ظلام، وقد أجرى الله في فطر البشر تصور الشر كالظلام، وأجرى على ألسنتهم تشبيه الشر بالظلام، ذلك أن ما يلابس إحساسهم من الأُنس بالنور والبشاشة له هو عين ما يلابسه من الأُنس والبشاشة للخير، وأن ما يضايقهم من وحشة الظلام وتوقع الهلاك فيه هو عين ما يضايقهم من ذلك في الشر.
стр. 347
هذا كله في الشر على عمومه ثم خصص تعالى من هذا العموم ثلاثة أنواع من الشر لشدة تعلقها بحياة الإنسان وكثرة عروضها له، ويجيئ أكثرها من أخيه الإنسان، ورتبها ترتيبًا بديعًا لا يستغرب في جنب بلاغة القرآن، ودقته في رعاية المراتب وتنسيقها في العرض على الأذهان.
هذه الثلاثة هي: الغاسق إذا وقب، والنفاثات في العقد، والحاسد إذا حسد.
والغاسق: الليل المظلم والمراد هنا المصيبة تطرق ليلًا وعلى غرّة.
ووقب: دخل في الوقب وهو النقرة في الشيء.
والنفاثات: السواحر ينفثن الريق، واللفظ جمع نفاثة كثيرة النفث.
والعقد: جمع عقدة بيان لعادة السواحر المعروفة من عقد الخيوط ونفث الريق عليها. والجامع بين الثلاثة هو اشتراكها في الخفاء، فإن الغاسق ظلام تخفى فيه الشرور، والنفاثات مبني أمرهن على الإخفاء تخييلًا وإيهامًا، والحسد داء دفين.
فالثلاثة كما ترون شرها خفي، وكل شر يخفي عمله أو يخفى أثره يجلّ خطبه ولعظم خطره، فيعسر التوقّي منه والاحتياط له، لأنك تتقي ما يظهر ويستعلن، لا ما يخفى ويستتر، لا جرم كانت الثلاثة جديرة بالتخصيص.
أما نكتة الترتيب فإن الليل ليس شرًا في نفسه ولا الشر من عمله، وإنما هو ظرف للشرور، والعلاقة بين الشيء وظرفه مكينة في النفوس، قوية في الاعتبار، مسبّبة للحكم على أحدهما بحكم الآخر.
بخلاف النفاثات والحساد فإن الشر من عملهما ومن وصفهما، ولانطباعهما عليه صار ذاتيًّا لهما، ولا شك أن الشر الذاتي أمكن من العرضي، كما أن بين الإثنين تفاوتا في ذاتية الشر وقوّته وعسر التوقِّي منه. فالنفاثات وإن كن يتحرين إخفاء عملهن ولكنه مما يمكن ظهوره وافتضاحه، بخلاف الحاسد فإنه يخفي شره ويبالغ فيظهر بمظهر الخير، فشره أشد والتوقي منه أعسر، ففي الترتيب بين الثلاثة ترقٍّ من الأخف إلى الأشد.
ومن جهة أخرى نجد التناسب ظاهرًا بين الثلاثة: الغاسق والنفاثات والحاسد فإن الجميع ظلام، ظلام الزمن وظلام السحر وظلام الحسد.
وفي تقييد الغاسق بالوقوب احتمالان كلاهما صحيح مفيد للمراد: الأول أن وقوب الغاسق عبارة عن اعتكار الظّلم وتكاثفها، فكأن بعض أجزائها يدخل بعضًا، والظلام يبدأ خفيفًا مشوبًا بإسفار من الشفق أو من طبيعة الأرض، ثم يشتد ويحلولك حتى يغطّي على كل شيء، فتلك التغطية هي الوقوب. والوقوب على هذا الاحتمال منظور فيه إلى ظرفه الزماني،
стр. 348
وفائدة القيد حينئذٍ أن تلك الحالة المصورة بهذه الجملة هي التي تقع فيها الشرور من الآدميين وغيرهم. فالطارق يطرق والسارق يسرق والحيات تنتهس، والضواري تفترس. وظلام الليل يستر ذلك كله ويعين عليه ويعوق عن الاستصراخ والاستنجاد، والعرب تقول في ما يشير إلى هذا: الليل أخفى للويل.
فالمستعاذ منه على هذا الاحتمال شر يقع في زمان، والاحتمال الثاني أن الوقوب في حقيقته هو دخول شيء في شيء دخولًا حسّيًّا فيقتضي ظرفًا مكانيًّا، وما هذا الظرف إلّا الأبنية والمساكن، والظلام حين يهجم يدخل المساكن فيملأها، ويكون دخوله فيها أبين من دخوله في الفضاء، وملؤه إياها أشد، فالوقوب على هذا منظور فيه إلى ظرفه المكاني، لأن الشرور التي ترتكب في البيوت حين يغمرها الظلام أكثر مما يرتكب منها في الفضاء خصوصًا من الآدميين، والمستعاذ منه شر يقع في مكان، أعلى الاحتمالين لما كان الليل معوانًا لذوي الشر على شرهم، أضيف الشر إليه واستعيذ بالله منه.
والنفاثات: صفة إما للنفوس فتشمل الرجال والنساء، وتكون الاستعاذة من شر كل من يتعاطى هذا الفعل رجلًا كان أو امرأة، وإما للنساء وخُصِّصن بذلك لأن وقوع هذا الفعل منهن أكثر، وهُنَّ به أشهر.
والنفث: إخراج الهواء من الفم مدفوعًا بالنفس بدون بصاق، أو مع قليل منه تتطاير ذراته وهو دون التفل. والنفث وإن كان عامًا لكنه اشتهر فيما يفعله السحرة، يعقدون خيطًا ويتمتمون عليه برقى معروفة عندهم، وينفثون على كل عقدة منه بقصد إيصال الشر من نفوسهم الخبيثة إلى نفس المسحور، ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وما أمرنا الله بالاستعاذة من شره إلّا لأنه يؤثّر في بعض النفوس القابلة للتأثر به، حاش النفوس المعصومة كنفوس الأنبياء، فإن شرور الدنيا وأسواءها لا تعدو أبدانهم إلى أرواحهم، ولا يتعاصى على هذه القاعدة ما ورد في سحر لبيد بن الأعصم اليهودي لرسول الله ﷺ وما يوهمه لفظ الرواية فإن ذلك كله لا يخرج عن التأثر البدني.
ونحن نعتقد دينًا أن تأثير المؤثرات هو من وضع الله وحده، ونقطع علمًا وتجربة أن للقوى النفسية تأثيرًا أعظم من تأثير القوى الجسمانية، وأن من مظاهر هذا التأثير النفساني تأثير العين في المعيون، وتأثير التنويم في المنوّم، وأن التأثير والتأثر النفسانيين يختلفان باختلاف النفوس الفاعلة والمنفعلة قوّة وضعفًا، وأن تأثير العين ليس من ذاتها وإنما هو من النفس التي من وراء العين، ولو كان التأثير من ذات العين لكانت كل عين ناظرة تُحدث ذلك الأثر، وإن هذا التأثير لون من ألوان النفس، فإن كانت خيرة كان تأثيرها خيرًا، وإن كانت شريرة كان شرًا.
стр. 349
فالنفث المذكور في الآية إن أثَّر فإنما يؤثر بالقوّة النفسية التي من ورائه، والساحر لا ينفث من نفسه الخبيثة إلّا نفث الشر، لأن الشر هو صفته الطبيعية، كالحية لا تنفث الترياق وإنما تنفث السم، وكالعدو يلقاك بطعن الأَسَل، لا بطعم العسل إذ كان ذلك من طبيعة العداوة.
هذا نفث الشر من النفوس الشريرة كنفوس السحرة. وأما النفوس الخيرة الطيبة كنفوس المؤمنين فإنها تنفث الخير للخير. وفي الصحيح عن عائشة- ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه جمع بين كفيه ثم نفث فيهما وهو يقرأ المعوذتين ثم مسح بهما ما استطاع من بدنه، يبدأ برأسه ووجهه يفعل ذلك ثلاث مرات، فهذا نفث الخير من خير نفس خلقها الله، ثم قالت في تمامه: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك، وفي رواية: كان يقرأ بالمعوذات فلما ثقل كنت أنفث عليه بهذا وأمسح بيد نفسه رجاء بركتها، وفي رواية مسلم عنها أنه كان يفعل ذلك إذا مرض أحد أهله.
فهذه الأحاديث- وهي ثابتة صحيحة- تثبت أن رسول الله ﷺ كان يقرأ المعوذات وينفث حين القراءة نفث الخير قطعًا. وتبين لنا أن كل نفس تنفث ما وقر فيها، وأن النفث إيصال للقوّة الروحانية إلى ما يراد وصول الأثر إليه، وهي دليلنا على ما أسلفنا من أن في النفث خيرًا وشرًا، ولولاهما لما كان النفث إلّا من فعل السحرة.
والنفوس إذا استفزها شيء من ملابستها تتفشى فيها الروحانية وتضطرب، فكأنها بذلك النفث تنفض جزءًا من روحانيتها على نفس أخرى أو على بدن، وكأن تحرلك اللسان بقراءة أو غيرها إثارة لتلك الروحانية واستدعاء لها، حتى تتصل بالريق الذي ينفث كما يتصل السيال الكهربائي بشيء مادي. وقد علمنا أن السحرة لا ينفثون نفثًا مجردًا بل يغمغمون برقى شيطانية وأسماء أرواح خبيثة.
ومن الشواهد لنفث الريق ما أخرجه مسلم من حديث عائشة- ﵂ أن رسول الله ﷺ ، كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه أو كانت به قرحة أو جرح قال النبي بأصبعه هكذا (تعني وضعها على الأرض كما فسرها سفيان بالعمل) ثم رفعها وقال: بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ليشفى بها سقيمنا بإذن ربنا.
(بعد رواية الأستاذ لهذا الحديث سكت لحظة كمن يستجمع خواطره ثم اندفع فقال ما معناه بتوسع):
إن القرآن كتاب الدهر ومعجزته الخالدة، فلا يستقل بتفسيره إلّا الزمن، وكذلك كلام نبينا ﷺ المبيّن له، فكثير من متون الكتاب والسنة الواردة في معضلات الكون ومشكلات الاجتماع، لم تفهم أسرارها ومغازيها إلّا بتعاقب الأزمنة وظهور ما يصدقها من سنن الله في
стр. 350
الكون، وكم فسرت لنا حوادث الزمن واكتشافات العلم من غرائب آيات القرآن ومتون الحديث، وأظهرت منها للمتأخرين ما لم يظهر للمتقدمين، وأرتنا مصداق قوله ﷺ في وصف القرآن: "لا تنقضي عجائبه".
والعلماء القوامون على كتاب الله وسنة رسوله لا يتلقونهما بالفكر الخامد والفهم الجامد، وإنما يترقبون من سنن الله في الكون وتدبيره في الاجتماع ما يكشف لهم عن حقائقهما، ويكلون إلى الزمن وأطواره تفسير ما عجزت عنه أفهامهم، وقد أثر عن جماعة من فقهاء الصحابة بالقرآن قولهم في بعض هذه الآيات: لم يأت مصداقها أو تأويلها بعد. يعنون أنه آتٍ وأن الآتي به حوادث الزمان ووقائع الأكوان وكل عالم بعدهم فإنما يعطي صورة زمنه بعد أن يكيف بها نفسه.
ولو أننا عرضنا حديث التربة والريقة على طائفة من الناس مختلفة الأذواق متقسمة الحظوظ في العلم وسألناهم: أية علاقة بين الشفاء وبين ما تعاطاه النبي ﷺ من أسبابه في هذا الحديث؟ فماذا تراهم يقولون؟
يقول المتخلف القاصر: تربة المدينة بِرِيق النبي ﷺ شفاء ما بعده من شفاء.
ويقول الطبيب المستغرب: هذا محال، في التراب (مكروب)، وفي الريق (مكروب)، فأنَّى يَشْفيان مريضًا أو ينفسان عن مكروب.
ويقول الكيمياوي: ها هنا تفاعل بين عنصرين، ودعوا التعليل، فالقول ما يقول التحليل.
ويقول ذوو المنازع القومية والوطنية، ولو كانوا يدينون بالوثنية: آمنا بأن محمدًا رسول الله. فقد علّم الناس من قبل أربعة عشر قرنًا أن تربة الوطن معجونة بريق أبنائه تَشْفي من القروح والجروح، ليربط بين تربته وبين قلوبهم عقدًا من المحبة والإخلاص له، وليؤكد فيها معنى الحفاظ له والاحتفاظ به، وليقرر لهم من منن الوطن منّة كانوا عنها غافلين، فقد كانوا يعلمون من علم الفطرة أن تربة الوطن تغذي وتُروي، فجاءهم من علم النبوة أنها تَشْفي، فليس هذا الحديث إرشادًا لمعنى طبي، ولكنه درس في الوطنية عظيم، ولو أنصف المحدثون لما وضعوه في باب الرقى والطب، فإنه بباب حب الوطن أشبه. وما نرى رافع العقيرة بقوله:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادٍ وحولي إذْخر وجليل
وهل أرِدَنَّ يومًا مياه مجنة ... وهل يبدوَنَّ لي شامة وطفيل
إلّا سائرًا على شعاعه. وما نرى ذلك الغريب المريض الذي سئل فيم شفاؤك؟ فقال: شمة من تربة اصطخر، وشربة من ماء نهاوند إلّا من تلامذة هذا الدرس، ولقد زادنا إيمانًا به بعد
стр. 351
ايمان أنه يقول: تربة أرضنا بريقة بعضنا، ولم يقل: تربة الأرض بريق بني آدم، فليس السر في تربة وريق ومرض، ولكن السر في أرضنا وبعضنا ومريضنا فهذه- والله ربنا- صخرة الأساس في بناء الوطنية والقومية لا ما يتبجح به المفتونون.
ويقول الروحانيون: إن هناك روحًا طاهرة تتصل بتربة الأرض التي خلق المريض منها وتغذي بنباتها ومائها، وتنفس كبده في جوّها وهوائها، من ريقة منفوثة نفث الخير من نفس مؤمنة قوية الروحانية طيبتها، فمكمل التكوين بين الريق والتربة مع اسم الله الذي قامت به السموات والأرض وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، فيحصل الشفاء بهذا العمل النفساني. وإذا تجلّت النفس بعجائبها لم يبق في الوجود عجيب.
ويقول غير هؤلاء ما يقول، وهذه المتون كاسمها متون، وهذه الأصول كاسمها أصول. وهكذا تأتي بعض المتون من كلام الله وكلام رسوله معجزة للعقول، فتتطاير من حولها الفهوم والآراء تطاير الشعراء، ويظن كل عقل أن حرفته آلة لتفسير تلك المتون، والعلوم حرف العقول، والزمان من وراء الكل يصيح أن انتظروا ...
ومن شرها حاسد إذا حسد: الحاسد الذي قامت به صفة الحسد، وهو الذي يحب أن تسلب النعم من غيره، وقد تلج به هذه الصفة الذميمة فتزين له سلب النعم حتى من نفسه إذا توقف على ذلك سلبها من غيره، فهو لا يحب الخير لأحد ويتمنى أن لا يبقى على وجه الأرض منعم عليه، وإنما ينشأ الحسد من العُجْب وحب الذات فتسول له نفسه أن غيره ليس أهلًا لنعم الله، وكفى بهذا محادة للمُنْعِم.
والحسد شر تلازمه شرور، العُجب والاحتقار والكِبْر، وقد جمع إبليس هذه الشرور كلها، حسد آدم عُجْبا بنفسه فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾، ورآه لا يستحق السجود احتقارًا له فقال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾، ثم تكبر ولم يسجد ورضي باللعنة والخزي. ولا أشنع من صفة يكون إبليس فيها إمامًا.
والحسد شر على صاحبه قبل غيره لأنه يأكل قلبه ويؤرق جفنه ويقضّ مضجعه، ولا يكون شرًا على غيره إلا إذا ظهرت آثاره بأن كان قادرًا على الإضرار أو ساعيًا فيه ولهذا قال تعالى: إذا حسد. والمتمني للشيء لا يمنعه من إتيانه إلا العجز.
وأعظم ما ينمي الحسد ويغذيه، امتداد العين إلى ما متع الله به عباده من متاع المال والبنين، ونعمة العافية والعلم والجاه والحكم، وقد نهى الله نبيه عن مد العين إلى ما عند الغير فقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.
стр. 352
وفي هذه الآية مع النهي إرشاد إلى علاج الحسد، فإن الحسد مرض نفساني معضل، ولكنه كغيره من الأمراض النفسية يعالج، وقد وصف الحكماء له أنواعًا من العلاج فصلتها كتب السنة وكتب الفقه النفسي ككتاب الإحياء للغزالي.
سورة الناس:
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾: قد علمنا أن الصفة الجامعة بين هذه السورة وبين التي قبلها (هي المعوذتان)، وعلمنا أنها تسمية نبوية وقد جرت هذه الصفة مجرى الاسم لهما، أما الاسم الخاص بهذه السورة فهو: الناس، كما أن الاسم الخاص بالسورة الأولى: الفَلَق، والمناسبة بين السورتين يرشد إليها اشتراكهما في الوصف وهو التعوذ بهما من الشرور المذكورة فيهما، وفي السورة الأولى الاستعاذة من الشر العام ومن ثلاثة أنلا منه ذكرنا الحكمة في تخصيصها بالذكر. وفي هذه السورة الاستعاذة من شر واحد لكنه سبب في شرور كثيرة.
والمناسبة القريبة بين السورتين هي أن النفوس الشريرة ثلاثة أقسام: قسم يصدر عنه الضرر ويعمله، وقسم لا يريد الخير فيسعى في سلبه وانتزاعه وهو شر من الأول، وقسم يعمل إلى إيصال الشر إلى سلطان الجوارح ومالك هديها وهو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله. فهو يحسن له الأشياء القبيحة، ويأتيه من جميع النواحي على وجه النصح وإرادة الخير، ويزين للإنسان كل ما يُرديه من القبائح، ويأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله قريبًا منه متصلًا بهواه، وهذا القسم الأخير هو الذي يوسوس بكلمة السوء مزينة الظاهر مغطاة القبح حتى تستنزل صاحبها إلى الهلاك، ولما كان هذا القسم الثالث أعظم خطرًا وأكثر شرًا وأخسر عاقبةً خصص التعوذ منه بسورة كاملة.
رب الناس: هو مربّيهم ومعطيهم في كل مرتبة من مراتب الوجود ما يحتاجون إليه لحفظها، وهاديهم لاستعمال ما منّ به عليهم فيما ينفعهم، ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، وأصله من رَبَّه يَرُبُّه ربًا إذا قام على إنشائه وتعاهده في جميع أطواره إلى التمام والكمال، ولفظه لفظ المصدر، ولكن معناه معنى اسم الفاعل كالعدل يراد به العادل.
ومالك الناس: هو الذي يملك أمر موتهم وحياتهم ويشرع لهم من الدين ومن الأحكام ما يوافق حياتهم الدنيوية والأخروية.
وإله الناس: هو الذي يدينون له بالعبادة والعبودية.
وبلاغة الترتيب إنما تظهر جلية عند استعراض أطوار الوجود الإنساني. فالأول: طور التربية والإعداد، وهما من مظاهر الربوبية، والثانى: طور القوّة والتدبير، وهما من مظاهر الملك، والثالث: طور الكمال والقيام بوظائف العبودية، وهو من مظاهر الألوهية.
стр. 353
والمستعاذ منه تارة يوسوس للإنسان بما يفسد عليه صلته بربه، وتارة بما يفسد عليه تدبيره وما شرع له لمنفعته وصلاحه، وتارة بما يفسد عليه عبوديته له وهي أشرف علائقه به وأقوى صلاته، وجماع ذلك أن يبعده عن الله بالوسوسة بواحدة من هذه أو بكلها أو بما يتفرع عنها مما تضمنته الآيات المبينة لأفعال أصل هذه القوّة الموسوسة مثل قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾. أو لذلك الشأن الجاري مجرى الحوار بين إبليس وخالقه كقوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وكقوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وكقوله تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. فهو جاهد في أن يبعد الناس عن الله بإفساد العقيدة الصحيحة فيه، أو بالصرف عن شرع الله، أو بالحمل على عبادة غيره، فلذلك كله جاء الترتيب على هذا النمط المذكور بتلك العلائق القوية التي يريد الشيطان أن يقطعها.
والرب رب الناس وغيرهم، بل رب العالمين، وإنما خص الناس بالذكر لأنهم هم هدفه ومرمى وسوسته. ولأنهم هم المأمورون بالاستعاذة منه، ولأن عالم التكليف أشرف، فإليهم يوجّه الخطاب وإليهم يساق التحذير، وهذه الوسوسة نتيجة للعداوة بين أصليهما، فأمر الله بالاستعاذة منها هو تسليح إلهي لبني آدم لتثبيت سنّة التعمير التي هي حكمة الله من وجودهم.
ونكتة أخرى في تخصيص الناس بالذكر دون بقية أفراد المربويين وهي أنهم هم الذين ينطبق عليهم ناموس الهداية والضلال. وقد ضلوا بالفعل في ربويية الله وفي ألوهيته. ضلوا في الربوبية باتخاذ المشرعين ليشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، ويصدّوهم عما شرع الله. وضلوا في الألوهية بعبادة غير الله بما لا يعبد به أحد غيره كالدعاء.
واختير لفظ الناس من بين الألفاظ المشاركة له في الدلالة كالبشر والبرية، لأنه يَنُوسُ ويضطرب وينساق، وهي صفات يلزمها التوجه ويسهل التوجيه فلا غنى لصاحبها عن توفيق الله للوجهة الصالحة والتسديد فيها ما دام لا يملك لنفسه ذلك، وما دام محاسبًا عليه، وما دامت هناك قوّة مسلطة تنزع به إلى الشر.
ففي تخصيص الناس بالذكر تنبيه إلى أنهم أحوج المربُويِينَ إلى تأييد الله وأحقهم بطلب ذلك منه، وقد أرشدهم إلى ذلك وله الحمد.
ولو تفقه الناس في معنى اسمهم واشتقاقه لعلموا بفطرتهم أنهم مخلوقات ضعيفة لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا، ولأيقنوا أنه لا بد لهم من رب يربيهم ويحميهم، ومالك يدبر أمورهم، وإله يعبدونه ويتخذون العبودية له جُنَّة من استعباد الأقوياء.
ويجوز- إذا راعينا الأدب وكمال التنزيه في حمل الألفاظ التي تضاف إلى كلمة رب على أشرف معانيها- أن تحمل كلمة (الناس) على معنى أخص مما يتناوله عموم الجنس،
стр. 354
وهو الأماثل والأخيار منهم، الجامعون لمعاني الإنسانية الفاضلة، وهذا المعنى تعرفه العرب فإنهم كثيرًا ما يطلقون اسم الجنس على الفرد أو الأفراد الكاملين في حقيقته. وإن كان هذا من المجاز في كلامهم وقد حملوا على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾.
ونكتة الإعادة والإظهار للفظ الناس، توضيح المعنى وإلفات النفس إليه وإيقاظ شعورها به، والتسجيل على الناس بأن لهم ربًا هو مالكهم وإلههم.
من شر الوسواس: الوسواس هنا صفة الموسوس وإن خالف المعهود في أبنية الصفات، أو هو اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال والزلزلة، وأصل هذه الكلمة دائر على معنى الخفاء، والعرب تسمي حركة الحلي وسواسًا، وهذا المعنى واضح في المراد هنا فإن الموسوس من الجن في نهاية الخفاء هو وعمله، والموسوس من الإنس يتحرى الإخفاء ما استطاع، وبحْكم الحيلة في ذلك ولا يرمي رميته إلّا في الخلوات. وإن الناس ليعرفون عرفانًا ضرورًّيا من الفرق بين المصلحين والمفسدين أن الأولين يصدعون بكلمة الحق مجلجلة، ويرسلون صيحته داوية ويعملون أعمالهم في وضح النهار ومحافل الخلق، وأن الآخرين يتهامسون إذا قالوا، ويستترون إذا فعلوا، ويعمدون إلى الغمز والإشارة والتعمية، ولو وجدوا السبيل لكانت لهم لغة غير اللغات، ولكان الزمن كله ظلمات، والأرض كلها مغارات.
والخناس: وصف مبالغة في الخانس من الخنوس وهو التأخر بعد التقدم، ومن ملابسات هذا المعنى ومكملاته في المحسوس أنه يذهب ويجيء ويظهر ويختفي، إغراقًا في الكيد وتقصيًا في التطور حتى يبلغ مراده. فالله تعالى يرشدنا بوصفه بهذه الصفة إلى أن له في عمله كرًا وفرًا، وهجومًا وانتهازًا، واستطرادًا على التصوير الذي صوره إبليس في ما حكى الله عنه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ). يرشدنا بذلك لنُعِدَّ لكل حالة من حالاته عدتها. ولنُضيِّق عليه المسالك التي يسلكها، كما أن وصفه بهذه الصفة يشعر بأنه ضعيف الكيد، لأن الخنوس ليس من صفات الشجاع المقدام، وإنما هو كالذباب تذبه بذكر الله من ناحية فيأتيك من ناحية ثم دواليك حتى تملّ أو يملّ. وأما التهويل في وصفه بما يأتي بعد فهو مبالغة في التحذير منه لأن وصفه بالضعف مظنة لاحتقاره والتساهل في أمره.
الذي يوسوس في صدور الناس: قال يوسوس بالمضارع إشعارًا بعد إشعار بتجدد الوسوسة منه وعدم انقطاعها، وقال في صدور الناس. والصدر ملتقى حنايا الأضلع ومستوح القوى التي كان الإنسان إنسانًا بها، ومجمع المضغ التي تحمل تلك القوى، والقلب واحد منها، فالقلب غير الصدر وإنما هو فيه، ولذلك قال: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. ومواقع استعمال القرآن لكلمة الصدر مفردًا وجمعًا والحكم عليها بالشرح
стр. 355
والحرج والضيق والشفاء والإخفاء والإكنان- ترشدنا إلى أنه ليس المراد منه الصورة المادية ولا أجزاءها المادية وإنما المراد القوى النفسية المستودعة فيه، وأن الوسواس الخناس يوجّه كيده ووسوسته دائمًا إلى هذه القلعة التي هي الصدر لأنها مجمع القوى.
وقال في صدور الناس ولم يقل في قلوب الناس، لأن القلب مجلى العقل ومقر الإيمان، وقد يكون محصنًا بالإيمان فلا يستطيع الوسواس أن يَظْهَرُه ولا يستطيع له نقبًا.
من الجِنّة والناس: الجِنَّة جماعة الجن وهم خلاف الإنس، والمراد هنا أشرار ذلك الجنس لأن منهم المسلمين ومنهم القاسطين. واستعمل لفظ الجنة في القرآن بمعنى المصدر الذي هو الجنون في قوله تعالى: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾. ولما كان الموسوسون فريقين متعاونين على الشر ذكرهما الله تعالى في مقام الاستعاذة من شر الوسوسة ليلتئم طرفا الكلام ويحصل التقصي الوصفي في المستعاذ به والمستعاذ منه.
وقد قسم القرآن الشياطين وهم القائمون بوظيفة الوسوسة إلى قسمين: شياطين الإنس وشياطين الجن، وذكر أن بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول، وشيطان الجن ميسر للشر، فكل من يعمل عمله من الإنس فهو مثله، ومن شياطين الإنس بطانة السوء وقرين السوء.
وورد في الآثار أن لكل إنسان قرينًا من الجن، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. وقال: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾، وهو من باب توزيع الجمع على الجمع أي لكل واحد قرين، فهذا الإنسان الضعيف يلازمه قرين من الجن لم لا يخلو من قرين أو قرناء من الإنس، يزينون له ما بين يديه وما خلفه، ويصدّونه عن ذكر الله، فماذا يصنع؟ ما عليه إلّا أن يلتجئ إلى الله ويستعيذ به ويتذكر، فإنه لا يؤخذ وهو ذاكر مستيقظ، وإنما يؤخذ إذا كان غافلًا، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾.
ومن دقائق القرآن ولطائفه في البلاغة أنه يقدم أحد الاسمين المتلازمين في آية لسرّ من أسرار البلاغة يقتضيها ذلك المقام، ثم يؤخر ذلك المقدم في آية أخرى لسرّ آخر، فيقدم السماء على الأرض في مقام ويؤخرها عليها في مقام آخر، ومن هذا الباب تقديم الإنس على الجن في آية الأنعام لأن معرض الكلام في عداوتهم للأنبياء وهي من الإنس أظهر ودواعيها من التكذيب والإيذاء أوضح. وفي آية "الناس" قدم الجنة على الناس لأن الحديث عن الوسوسة وهي من شياطين الجنّ أخفى وأدقّ، وإن كانت من شياطين الإنس أعظم وأخطر وأدهى وأمرّ، فشيطان الجن يستخدم شيطان الإنس للشر والإفساد فيربى عليه ويكون شرًّا