ايمان أنه يقول: تربة أرضنا بريقة بعضنا، ولم يقل: تربة الأرض بريق بني آدم، فليس السر في تربة وريق ومرض، ولكن السر في أرضنا وبعضنا ومريضنا فهذه- والله ربنا- صخرة الأساس في بناء الوطنية والقومية لا ما يتبجح به المفتونون.
ويقول الروحانيون: إن هناك روحًا طاهرة تتصل بتربة الأرض التي خلق المريض منها وتغذي بنباتها ومائها، وتنفس كبده في جوّها وهوائها، من ريقة منفوثة نفث الخير من نفس مؤمنة قوية الروحانية طيبتها، فمكمل التكوين بين الريق والتربة مع اسم الله الذي قامت به السموات والأرض وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، فيحصل الشفاء بهذا العمل النفساني. وإذا تجلّت النفس بعجائبها لم يبق في الوجود عجيب.
ويقول غير هؤلاء ما يقول، وهذه المتون كاسمها متون، وهذه الأصول كاسمها أصول. وهكذا تأتي بعض المتون من كلام الله وكلام رسوله معجزة للعقول، فتتطاير من حولها الفهوم والآراء تطاير الشعراء، ويظن كل عقل أن حرفته آلة لتفسير تلك المتون، والعلوم حرف العقول، والزمان من وراء الكل يصيح أن انتظروا ...
ومن شرها حاسد إذا حسد: الحاسد الذي قامت به صفة الحسد، وهو الذي يحب أن تسلب النعم من غيره، وقد تلج به هذه الصفة الذميمة فتزين له سلب النعم حتى من نفسه إذا توقف على ذلك سلبها من غيره، فهو لا يحب الخير لأحد ويتمنى أن لا يبقى على وجه الأرض منعم عليه، وإنما ينشأ الحسد من العُجْب وحب الذات فتسول له نفسه أن غيره ليس أهلًا لنعم الله، وكفى بهذا محادة للمُنْعِم.
والحسد شر تلازمه شرور، العُجب والاحتقار والكِبْر، وقد جمع إبليس هذه الشرور كلها، حسد آدم عُجْبا بنفسه فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾، ورآه لا يستحق السجود احتقارًا له فقال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾، ثم تكبر ولم يسجد ورضي باللعنة والخزي. ولا أشنع من صفة يكون إبليس فيها إمامًا.
والحسد شر على صاحبه قبل غيره لأنه يأكل قلبه ويؤرق جفنه ويقضّ مضجعه، ولا يكون شرًا على غيره إلا إذا ظهرت آثاره بأن كان قادرًا على الإضرار أو ساعيًا فيه ولهذا قال تعالى: إذا حسد. والمتمني للشيء لا يمنعه من إتيانه إلا العجز.
وأعظم ما ينمي الحسد ويغذيه، امتداد العين إلى ما متع الله به عباده من متاع المال والبنين، ونعمة العافية والعلم والجاه والحكم، وقد نهى الله نبيه عن مد العين إلى ما عند الغير فقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.
стр. 352
وفي هذه الآية مع النهي إرشاد إلى علاج الحسد، فإن الحسد مرض نفساني معضل، ولكنه كغيره من الأمراض النفسية يعالج، وقد وصف الحكماء له أنواعًا من العلاج فصلتها كتب السنة وكتب الفقه النفسي ككتاب الإحياء للغزالي.
سورة الناس:
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾: قد علمنا أن الصفة الجامعة بين هذه السورة وبين التي قبلها (هي المعوذتان)، وعلمنا أنها تسمية نبوية وقد جرت هذه الصفة مجرى الاسم لهما، أما الاسم الخاص بهذه السورة فهو: الناس، كما أن الاسم الخاص بالسورة الأولى: الفَلَق، والمناسبة بين السورتين يرشد إليها اشتراكهما في الوصف وهو التعوذ بهما من الشرور المذكورة فيهما، وفي السورة الأولى الاستعاذة من الشر العام ومن ثلاثة أنلا منه ذكرنا الحكمة في تخصيصها بالذكر. وفي هذه السورة الاستعاذة من شر واحد لكنه سبب في شرور كثيرة.
والمناسبة القريبة بين السورتين هي أن النفوس الشريرة ثلاثة أقسام: قسم يصدر عنه الضرر ويعمله، وقسم لا يريد الخير فيسعى في سلبه وانتزاعه وهو شر من الأول، وقسم يعمل إلى إيصال الشر إلى سلطان الجوارح ومالك هديها وهو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله. فهو يحسن له الأشياء القبيحة، ويأتيه من جميع النواحي على وجه النصح وإرادة الخير، ويزين للإنسان كل ما يُرديه من القبائح، ويأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله قريبًا منه متصلًا بهواه، وهذا القسم الأخير هو الذي يوسوس بكلمة السوء مزينة الظاهر مغطاة القبح حتى تستنزل صاحبها إلى الهلاك، ولما كان هذا القسم الثالث أعظم خطرًا وأكثر شرًا وأخسر عاقبةً خصص التعوذ منه بسورة كاملة.
رب الناس: هو مربّيهم ومعطيهم في كل مرتبة من مراتب الوجود ما يحتاجون إليه لحفظها، وهاديهم لاستعمال ما منّ به عليهم فيما ينفعهم، ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، وأصله من رَبَّه يَرُبُّه ربًا إذا قام على إنشائه وتعاهده في جميع أطواره إلى التمام والكمال، ولفظه لفظ المصدر، ولكن معناه معنى اسم الفاعل كالعدل يراد به العادل.
ومالك الناس: هو الذي يملك أمر موتهم وحياتهم ويشرع لهم من الدين ومن الأحكام ما يوافق حياتهم الدنيوية والأخروية.
وإله الناس: هو الذي يدينون له بالعبادة والعبودية.
وبلاغة الترتيب إنما تظهر جلية عند استعراض أطوار الوجود الإنساني. فالأول: طور التربية والإعداد، وهما من مظاهر الربوبية، والثانى: طور القوّة والتدبير، وهما من مظاهر الملك، والثالث: طور الكمال والقيام بوظائف العبودية، وهو من مظاهر الألوهية.
стр. 353
والمستعاذ منه تارة يوسوس للإنسان بما يفسد عليه صلته بربه، وتارة بما يفسد عليه تدبيره وما شرع له لمنفعته وصلاحه، وتارة بما يفسد عليه عبوديته له وهي أشرف علائقه به وأقوى صلاته، وجماع ذلك أن يبعده عن الله بالوسوسة بواحدة من هذه أو بكلها أو بما يتفرع عنها مما تضمنته الآيات المبينة لأفعال أصل هذه القوّة الموسوسة مثل قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾. أو لذلك الشأن الجاري مجرى الحوار بين إبليس وخالقه كقوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وكقوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وكقوله تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. فهو جاهد في أن يبعد الناس عن الله بإفساد العقيدة الصحيحة فيه، أو بالصرف عن شرع الله، أو بالحمل على عبادة غيره، فلذلك كله جاء الترتيب على هذا النمط المذكور بتلك العلائق القوية التي يريد الشيطان أن يقطعها.
والرب رب الناس وغيرهم، بل رب العالمين، وإنما خص الناس بالذكر لأنهم هم هدفه ومرمى وسوسته. ولأنهم هم المأمورون بالاستعاذة منه، ولأن عالم التكليف أشرف، فإليهم يوجّه الخطاب وإليهم يساق التحذير، وهذه الوسوسة نتيجة للعداوة بين أصليهما، فأمر الله بالاستعاذة منها هو تسليح إلهي لبني آدم لتثبيت سنّة التعمير التي هي حكمة الله من وجودهم.
ونكتة أخرى في تخصيص الناس بالذكر دون بقية أفراد المربويين وهي أنهم هم الذين ينطبق عليهم ناموس الهداية والضلال. وقد ضلوا بالفعل في ربويية الله وفي ألوهيته. ضلوا في الربوبية باتخاذ المشرعين ليشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، ويصدّوهم عما شرع الله. وضلوا في الألوهية بعبادة غير الله بما لا يعبد به أحد غيره كالدعاء.
واختير لفظ الناس من بين الألفاظ المشاركة له في الدلالة كالبشر والبرية، لأنه يَنُوسُ ويضطرب وينساق، وهي صفات يلزمها التوجه ويسهل التوجيه فلا غنى لصاحبها عن توفيق الله للوجهة الصالحة والتسديد فيها ما دام لا يملك لنفسه ذلك، وما دام محاسبًا عليه، وما دامت هناك قوّة مسلطة تنزع به إلى الشر.
ففي تخصيص الناس بالذكر تنبيه إلى أنهم أحوج المربُويِينَ إلى تأييد الله وأحقهم بطلب ذلك منه، وقد أرشدهم إلى ذلك وله الحمد.
ولو تفقه الناس في معنى اسمهم واشتقاقه لعلموا بفطرتهم أنهم مخلوقات ضعيفة لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا، ولأيقنوا أنه لا بد لهم من رب يربيهم ويحميهم، ومالك يدبر أمورهم، وإله يعبدونه ويتخذون العبودية له جُنَّة من استعباد الأقوياء.
ويجوز- إذا راعينا الأدب وكمال التنزيه في حمل الألفاظ التي تضاف إلى كلمة رب على أشرف معانيها- أن تحمل كلمة (الناس) على معنى أخص مما يتناوله عموم الجنس،
стр. 354
وهو الأماثل والأخيار منهم، الجامعون لمعاني الإنسانية الفاضلة، وهذا المعنى تعرفه العرب فإنهم كثيرًا ما يطلقون اسم الجنس على الفرد أو الأفراد الكاملين في حقيقته. وإن كان هذا من المجاز في كلامهم وقد حملوا على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾.
ونكتة الإعادة والإظهار للفظ الناس، توضيح المعنى وإلفات النفس إليه وإيقاظ شعورها به، والتسجيل على الناس بأن لهم ربًا هو مالكهم وإلههم.
من شر الوسواس: الوسواس هنا صفة الموسوس وإن خالف المعهود في أبنية الصفات، أو هو اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال والزلزلة، وأصل هذه الكلمة دائر على معنى الخفاء، والعرب تسمي حركة الحلي وسواسًا، وهذا المعنى واضح في المراد هنا فإن الموسوس من الجن في نهاية الخفاء هو وعمله، والموسوس من الإنس يتحرى الإخفاء ما استطاع، وبحْكم الحيلة في ذلك ولا يرمي رميته إلّا في الخلوات. وإن الناس ليعرفون عرفانًا ضرورًّيا من الفرق بين المصلحين والمفسدين أن الأولين يصدعون بكلمة الحق مجلجلة، ويرسلون صيحته داوية ويعملون أعمالهم في وضح النهار ومحافل الخلق، وأن الآخرين يتهامسون إذا قالوا، ويستترون إذا فعلوا، ويعمدون إلى الغمز والإشارة والتعمية، ولو وجدوا السبيل لكانت لهم لغة غير اللغات، ولكان الزمن كله ظلمات، والأرض كلها مغارات.
والخناس: وصف مبالغة في الخانس من الخنوس وهو التأخر بعد التقدم، ومن ملابسات هذا المعنى ومكملاته في المحسوس أنه يذهب ويجيء ويظهر ويختفي، إغراقًا في الكيد وتقصيًا في التطور حتى يبلغ مراده. فالله تعالى يرشدنا بوصفه بهذه الصفة إلى أن له في عمله كرًا وفرًا، وهجومًا وانتهازًا، واستطرادًا على التصوير الذي صوره إبليس في ما حكى الله عنه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ). يرشدنا بذلك لنُعِدَّ لكل حالة من حالاته عدتها. ولنُضيِّق عليه المسالك التي يسلكها، كما أن وصفه بهذه الصفة يشعر بأنه ضعيف الكيد، لأن الخنوس ليس من صفات الشجاع المقدام، وإنما هو كالذباب تذبه بذكر الله من ناحية فيأتيك من ناحية ثم دواليك حتى تملّ أو يملّ. وأما التهويل في وصفه بما يأتي بعد فهو مبالغة في التحذير منه لأن وصفه بالضعف مظنة لاحتقاره والتساهل في أمره.
الذي يوسوس في صدور الناس: قال يوسوس بالمضارع إشعارًا بعد إشعار بتجدد الوسوسة منه وعدم انقطاعها، وقال في صدور الناس. والصدر ملتقى حنايا الأضلع ومستوح القوى التي كان الإنسان إنسانًا بها، ومجمع المضغ التي تحمل تلك القوى، والقلب واحد منها، فالقلب غير الصدر وإنما هو فيه، ولذلك قال: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. ومواقع استعمال القرآن لكلمة الصدر مفردًا وجمعًا والحكم عليها بالشرح
стр. 355
والحرج والضيق والشفاء والإخفاء والإكنان- ترشدنا إلى أنه ليس المراد منه الصورة المادية ولا أجزاءها المادية وإنما المراد القوى النفسية المستودعة فيه، وأن الوسواس الخناس يوجّه كيده ووسوسته دائمًا إلى هذه القلعة التي هي الصدر لأنها مجمع القوى.
وقال في صدور الناس ولم يقل في قلوب الناس، لأن القلب مجلى العقل ومقر الإيمان، وقد يكون محصنًا بالإيمان فلا يستطيع الوسواس أن يَظْهَرُه ولا يستطيع له نقبًا.
من الجِنّة والناس: الجِنَّة جماعة الجن وهم خلاف الإنس، والمراد هنا أشرار ذلك الجنس لأن منهم المسلمين ومنهم القاسطين. واستعمل لفظ الجنة في القرآن بمعنى المصدر الذي هو الجنون في قوله تعالى: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾. ولما كان الموسوسون فريقين متعاونين على الشر ذكرهما الله تعالى في مقام الاستعاذة من شر الوسوسة ليلتئم طرفا الكلام ويحصل التقصي الوصفي في المستعاذ به والمستعاذ منه.
وقد قسم القرآن الشياطين وهم القائمون بوظيفة الوسوسة إلى قسمين: شياطين الإنس وشياطين الجن، وذكر أن بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول، وشيطان الجن ميسر للشر، فكل من يعمل عمله من الإنس فهو مثله، ومن شياطين الإنس بطانة السوء وقرين السوء.
وورد في الآثار أن لكل إنسان قرينًا من الجن، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. وقال: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾، وهو من باب توزيع الجمع على الجمع أي لكل واحد قرين، فهذا الإنسان الضعيف يلازمه قرين من الجن لم لا يخلو من قرين أو قرناء من الإنس، يزينون له ما بين يديه وما خلفه، ويصدّونه عن ذكر الله، فماذا يصنع؟ ما عليه إلّا أن يلتجئ إلى الله ويستعيذ به ويتذكر، فإنه لا يؤخذ وهو ذاكر مستيقظ، وإنما يؤخذ إذا كان غافلًا، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾.
ومن دقائق القرآن ولطائفه في البلاغة أنه يقدم أحد الاسمين المتلازمين في آية لسرّ من أسرار البلاغة يقتضيها ذلك المقام، ثم يؤخر ذلك المقدم في آية أخرى لسرّ آخر، فيقدم السماء على الأرض في مقام ويؤخرها عليها في مقام آخر، ومن هذا الباب تقديم الإنس على الجن في آية الأنعام لأن معرض الكلام في عداوتهم للأنبياء وهي من الإنس أظهر ودواعيها من التكذيب والإيذاء أوضح. وفي آية "الناس" قدم الجنة على الناس لأن الحديث عن الوسوسة وهي من شياطين الجنّ أخفى وأدقّ، وإن كانت من شياطين الإنس أعظم وأخطر وأدهى وأمرّ، فشيطان الجن يستخدم شيطان الإنس للشر والإفساد فيربى عليه ويكون شرًّا
стр. 356
منه لأنه بمثابة السلاح الذي يفتك به، ورب كلمة واحدة صغيرة يوحيها جِنِّيٌ لإنسي ويوسوس إليه بتنفيذها، فتتولّد منها فتن ويتمادى شرها من قرن إلى قرن ومن جيل إلى جيل، وهذا النوع الإنساني المهيأ لقابلية الخير وقابلية الشر، إذا انحط وتسفّل كان شرّا محضًا، وإذا ترقى وتعالى شارف أفق الملإ الأعلى وأوشك أن يكون خيرًا محضا لولا أن العصمة لم تكتب إلّا لطائفة منه وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فإلإنسإن إذا انحط يكون شرًا من الشيطان، وإذا ارتقى يكون أفضل من الملك- أعني جنس الإنسان- ومن هذا الجنس كان محمد ﷺ أكمل الخلق الذي ليس لمخلوق رتبة مثله في الكمال.
انتهى تلخيص الدرس وقد حرصنا على ما وعته الذاكرة من معانيه وقيده القلم من ألفاظه، ثم تصرفنا في المواضيع التي طرقها الأستاذ بما لا يخرج عن مراده ولا يخالف طريقته في تفسير كلام الله. والله ينفعنا بالقرآن ويوفقنا إلى خدمته.
стр. 357
------------------------------
٥ - خطبة الأستاذ الإبراهيمي التي ختم بها حفلة التكريم
للأستاذ ابن باديس في كليّة الشعب*
------------------------------
"ارتجل الأستاذ خطبته هذه فلم تصطد أقلام الكاتبين من ألفاظها إلا قليلًا مشوّشًا لم يحفظ ترابط المعاني بين أجزائها، فألحّ جماعة من السامعين المعجبين على الأستاذ أن يكتب ما علق بذاكرته من ألفاظها ويضيف إليها بقلمه ما يربط بين معانيها حرصًا على تخليدها في خطب الاحتفال، فحقّق رغبتهم بكتابة ما يراه القارئ منشورًا بعد هذا":
أيها الملأ الكرام:
ما أشرقت شمس في الجزائر الحديثة على مثل يومكم بالأمس، ولقد مضى بجلاله وروعته ولم ينطق في وصفه لسان بكلمة ولا اختلجت في نعته شفتان بحرف، لا زهدًا فيه ولا عدم عرفان لحقّه ولا غبنًا لحقيقته، كيوم شوقي الذي قال فيه:
غبنت حقيقته وفات جمالها ... باع الخيال العبقري الملهم
وإنما هو كلام الله وبيت الله عقدا الألسنة بجلالهما وحبسا النفوس على جمالهما، فجاء اليوم وجاءت كليّة الشعب يقضيان من ذلك حقًا غير مغفل.
إن يوم أمس من أيام الأُمَم، ولأيام الأمم غرر لوامع في تاريخها، ويد صناع في بناء مجدها، وصلة لا تنضب بتكوين أسباب بقائها وعظمتها، كما أنها شهود ناطقة بما في الأمة من معاني العزّ والعظمة.
لسنا نعني بأيام الأمم، هذه الأيام المتعاقبة التي يجمعها نسق الأسبوع وتُعرف بالاعلام وتمتاز بمراتبها العددية في الشهر، فقد تمرّ الآلاف منها على الأمم من غير أن تجمعهم جمعها على مأثرة تكسبهم عزًّا ومن غير أن توحّدهم آحادها على عمل يرفع لهم ذكرًا. ثم لا تكون زيادتها إلا نقصًا في أعمار الأفراد وإبلاء للجديد من حياة المجموع.
وإنما نعني هذه الأيام التي هي لمع في الدهور، وشيات في غرر العصور، هذه الأيام التي تعرف بما يقع فيها من الأعمال، لا بما يوضع لها من الاعلام، وتذكر بآثارها في الأمم، لا بمواقعها من الأسبوع أو الشهر، هذه الأيام التي تطول وتتسع حتى تستغرق القرون وتستوعب الأجيال على حين يبقى غيرها محدودًا بمطلع الشمس ومغربها.
стр. 358
إن أحدًا من المسلمين لا يجهل يوم بدر ولا يجهل- وإن كان عاميًّا- أثره في ظهور التوحيد على الشرك، ولكن قليلًا منهم من يعرف أن اسمه يوم كذا وأن نسبته من الشهر كذا، وقد غربت شمس يوم بدر منذ مئات الآلاف من الأيام وجرّ عليه الفلك أذيال عشرات الآلاف من شركائه في الاسم، فلم يعف له رسمًا ولم يطمس له أثرًا. ومات معناه الزمني المحدود ولكن معناه التاريخي النفسي لم يمت بل هو باق ما بقي الإسلام، طويل العمر ما طال، واسع المعنى ما اتسع.
ولقد علّمتنا لغة العرب فنًّا في مصاص الأشياء فقهنا منه أن من النساء عقائل، وأن في الأموال كرائم، وأن في الجواهر فرائد، وأن في النجوم دراري، وأن في الشعر عيونًا، وأن في الذخائر اعلاقًا إلى آخر ما يجري على هذا النسق، حتى إذا وصلنا إلى الأيام، وهذا أشد- من كل شيء- ارتباطًا بشؤوننا، لم نجد لمصاصها في اللغة إلا أوصافًا يتعاورها اشتراك الموصوفات، وبتجاذبها اختلاف الاعتبارات، ثم يذيلها شيوع الاتصاف وتبذل الاستعمال حتى تقصر عن التأدية، خصوصًا حين يفيض الوصف التاريخي على الوصف اللغوي، وإن من معجزات القرآن تسميته ليوم بدر بيوم الفرقان.
ولكن يسلينا أن ما قصرت فيه اللغة فلم تأت فيه بوصف يليق بجمالها وجلال هذه الأيام، قد وفى به التاريخ فلم نحفظ من أيام الأمم الكثيرة إلا أيامًا قليلة فكان ذلك منه تعبيرًا فصيحًا على أن هذه الأيام هي الخوالد من بين الأيام البائدة. وهي الغرر في الكثرة البهيمة، وهي المشهودات وغيرها غفل. وكان ذلك منه وضعًا تاريخيًا يخصص الأوضاع اللغوية. فإذا قلنا هذا يوم خالد ويوم أغرّ ويوم مشهود اطمأنت النفوس إلى تمام التأدية بمراعاة الوضعين التاريخي واللغوي.
أيها الإخوان:
إن يومكم الذي نتحدث عنه هو اليوم الأغرّ المحجل في تاريخ الجزائر الحديث ولا أبعد إذا قلت إنه اليوم الأغرّ في قرون من تاريخ الإسلام.
هذا هو اليوم الذي يجب أن نؤرّخ له في الطور الجديد من أطوار نهضتنا العلمية الدينية، ونؤرّخ به لمبدَإِ ازدهارها واثمارها، ونموّها وإِبدارها.
هذا هو اليوم الذي التفَّت فيه الأمّة حول دينها ولغتها فأثبتت أنها أمّة مسلمة عربية يأبى لها دينها أن تلين فيه للعاجم، وتأبى لها عربيتها أن تدين فيها للأعاجم.
هذا هو اليوم الذي تعلن فيه هذه الأمّة انابتها إلى ربها، وتكفيرها عن ذنبها ورجوعها إلى الله رجوع عبد أوبقته جرائره، وافتضحت سرائره، وانقطعت أواصره، وعزّ مغيثه وناصره، وظن أن لا ملجأ من الله إلا إليه، فرجع على الطريق التي منها هرب. فإن هروب هذه الأمة من الله هو تفلتها من كتابه وبعدها عن هدايته، والتماسها الوصول إليه على غير
стр. 359
طريقه، فضلّت وتاهت قرونًا وها هي ذي تفيء إلى الله على طريق كتابه وسنّة محمّد وأصحابه وعسى هادي الحائرين أن يعود عليها بعوائد برّه وإحسانه.
هذا هو اليوم الذي يختم فيه إمام سلفي تفسير كتاب الله تفسيرًا سلفيًا ليرجع المسلمون إلى فهمه فهمًا سلفيًا، في وقت طغت فيه المادة على الروح ولعب فيه الهوى بالفكر، وهفت فيه العاطفة بالعقل، ودخلت فيه على المسلم دخائل الزيغ في عقائده وأخلاقه وأفكاره، وفي أمّة تقطعت صلاتها بالسلف وضعف تقديرها للقرآن، فأصبح ملهاة آذان ومشغلة لسان، وأصبح حفاظها يقْرأُونَه للتبرّك أو يتجرون به في المقابر، وعوامها ينزلونه منزلة البصل والكرّاث فيستشفون بحروفه من أمراض سببتها الحرارة أو جلبتها البرودة، وعلماؤها يدرسونه بلغة المصطلحات العرفية، ويتناولونه بأذهان حشيت بالأفكار الطائفية، والتعصبات المذهبية، والمحامل الجدلية، والتوجيهات اللفظية، وبكتب مُلئت بالإسرائيليات المصنوعة والآثار الموضوعة والنظريات، والطلبة- وهم صرعى هذه الفتن- يتلقونه بألسنة جافت البيان العربي وصرفتها العجمة في منهاج غير منهاج العرب، ففسد الذوق واختلّ التصور- وبأفكار غطّى عليها الجمود وسدّ عليها منافذ التفكير- وبنفوس ركبها الملل والسأم، فرضيت بسماع ما لا يفهم وتلقّي ما لا يعقل، وهان الزمان في حسابها فأصبحت تنفق منه جزافًا، واختلّ تقدير الأشياء عندها فأصبح كل مقروء علمًا وكل قارئ عالمًا.
وأشهد، لقد كنت ضيفًا بتونس منذ سبع عشرة سنة، فقيل لي عن عالم من مشائخ جامع الزيتونة ومن أبعدهم صيتًا في عالم التدريس: إنه يقرئ التفسير. فشهدت يومً! درسه لِأُكوِّن فكرة عن دراسة التفسير في ذلك المعهد الجليل. وكنت معنيًّا بهذا البحث وجلست إليه أكثر من نصف ساعة، فوالذي نفسي بيده ما سمعت منه كلمة واحدة من الآية التي هي موضوع الدرس ولا لمحت إمارة ولا إشارة تدُلّ على أن الدرس في التفسير. وما كان كل الذي سمعت إلا حكاية لجدل عنيف وتمثيلًا لمعركة لفظية مستعرة بين السيد الجرجاني وعبد الحكيم حول عبارة لعلها لمفسّر من المفسّرين الاصطلاحيين، ثم انقضت الحصة وقام الطلبة المساكين يتعثرون، تبدو عليهم سيماء التعب والملل والخيبة، وقمت أنا مستيقنًا أن هذه الطريقة في التفسير هي أكبر الحجب التي حجبت المسلمين عن فهم كتاب الله ثم زهدتهم فيه وصدتهم عن موارده.
أيها الإخوان:
إن الأمّة الإسلامية التي يقرأ الناس أخبارها في التاريخ فيقرأون المدهش المعجب، ويرى الناس آثارها في العلم والتشريع والأدب والحكمة فيرون الطراز العالي البارع، فيستوي المحب والمبغض في الاعتراف بأن أمّة هذه أخبارها وهذه آثارها لهي الأمّة حق الأمة، إن تلك الأمّة ما كانت أمّة بذلك المعنى وتلك الأوصاف إلا بالقرآن.
стр. 360
فالقرآن هو الذي ربّاها وأدّبها وزكّى منها النفوس، وصفّى القرائح، وأذكى الفطن، وجلا المواهب، وأرهف العزائم، وهذّب الأفكار، وأعلى الهمم، واستفزّ الشواعر، واستثار القوى، وصقل الملكات، وقوّى الإرادات، ومكّن للخير في النفوس، وغرس الإيمان في الأفئدة، وملأ القلوب بالرحمة، وحفز الأيدي للعمل النافع والأرجل للسعي المثمر، ثم ساق هذه القوى على ما في الأرض من شر وباطل وفساد فطهّرها منه تطهيرًا وعمرها بالخير والحق والصلاح تعميرًا.
أيها الإخوان:
قارنوا بين هذه الأمّة الإسلامية المطوية في بطن الأرض وفي بطون الكتب، وبين هذه الأمّة الإسلامية التي تدب على وجه الأرض تجدوا الفرق بعيدًا جدًا، ووجوه الشبه مفقودة البتة مع وجود الاشتراك في الاسم والنسبة. ثم التمسوا السبب تجدوه قريبًا منكم، وما هو إلا هذا القرآن أقامه الأولون وجمعوا عليه قلوبهم وراضوا نفوسهم على أخلاقه، فعلمها الإيمان والأمان والإحسان، واتخذه الآخرون مهجورًا فحقت عليهم كلمة الله في أمثالهم. فمن لي بمن يرسلها في مسلمي الدعوى والعصبية صيحة داوية: يا أهل القرآن لستم على شيء حتى تقيموا القرآن؟
أيها الإخوان:
إن هذه البسيطة لم تشهد منذ دحاها الله صلاحًا عامًا وسعادة شاملة كالذي جاءها به القرآن يوم أنزله الله على قلب نبيّه محمد ﷺ فأنذر به العالمين ونشره ورثته الأمناء من بعده نقي الجوهر ناصع الحجة.
وإن هذا العالم الإنساني لم يشهد منذ برأه الله على ظهرها إفسادًا عامًا وشرًّا مستحكمًا وطاعونًا أخلاقيًا جارمًا إلا مرتين، على كثرة ما شهد من الطواعين الجسمانية.
أما إحداهما فكانت قبل الإسلام يوم كان العالم الإنساني كله فريسة للأثرة والاستعباد والاستبداد والفساد والإفساد، ويوم كان بحرًا متلاطم الأمواج بالرذائل، ويوم كان العقل عبدًا للهوى والفكر عبدًا للوهم، والحقيقة أمة للخرافة والفطرة رهينة الاعتلال والاختلال، ويوم كان هذا العالم كله خاضعًا لشهوات مضطرمة وحيوانية عارمة ووثنية متغلغلة.
ولكن الله- جلت قدرته- تداركه، وبه رمق، بالإسلام دين السلام وكتابه القرآن كتاب العدل والإحسان، وبرسوله الأمين يحمل منه للعالَم المثخن الدواء الشافي، ويمسح على مواقع الألم منه بالكف الكافي. فما هي إلا فترة حتى أصبح العالم يمرح في السعادة ويسبح في النعيم وينعم بالأخوّة والتسامح ويتقلب في أعطاف العدل.
стр. 361
وأما الثانية فهي في عهدكم هذا.
ولو أنكم تستشهدون التاريخ: أية المرّتين كانت أشرّ وأشرّ وأدهى وأمرّ، لقال لكم غير متَجَانِفٍ لإثم: إن شرّ المرّتين آخرتهما. ولساق لكم من الحجج ما لا تستطيعون له دفعًا. فإن الشرّ الأول كان من بعض دواعيه الجهل، أما هذا الشرّ فكل دواعيه العلم. وقد كان الشر يعرض على الناس باسمه وفي ثوبه الحقيقي فأصبح يعرض عليهم باسم الخير وفي ثوب الخير. وقد كان العالم متباعد الأجزاء متقطع الأوصال. وفي تباعد الأجزاء تقليل من بواعث الشر، فأصبح العالم مزدحمًا حتى ليكاد يلتحم. ومن ازدحامه والتحامه نشأت معضلته الاجتماعية الكبرى وهي مشكلة الأغنياء والفقراء التي لم يفلح في حلّها علم العلماء ولا حكمة الحكماء ولا قوّة الأقوياء ولا دهاء الدهاة، والتي تفاقم خطبها واضطرم لهيبها حتى أصبح بنو آدم المتآخون في نسبه فريقين مضطغنين يتربص كل فريق بأخيه دائرة السوء. ويا ويل هذه الأرض إذا انفجرت الأحقاد بين أبنائها.
وقد عرفنا التاريخ أن أصل البلاء بين البشر جاء من عصبياتهم المختلفة. وكان مما يهون تلك العصبيات أنها محدودة وأنها تعالج بعصبيات أخرى فيخف ضررها وتتلاشى قوّتها. ولكن مشكلة اليوم أن تلك العصبيات التي كانت تنفع حينًا وتضرّ أحيانًا ذابت كلها في عصبيتين جامحتين كلتاهما ضرر وكلتاهما شر.
إن رحمة الأرض آتية من السماء، وقد جاءت أديان السماء فعلّمت الفقير كيف يرضى ويصبر، وعلّمت الغني كيف يحسن ويرحم، فلماذا لا يرجع بنو الأرض إلى حكم السماء ورحمته؟ ولماذا لا يلتمسون مُثُل الإحسان الكاملة في القرآن؟
أيها الإخوان:
هذا داء العالم البشري فأين دواؤه؟ وهذا مرضه العضال فأين طبيبه؟ وهل يتداركه الله بلطفه فيهدي البشر إلى اتباع ما جاء به القرآن من تسامح وتعاون على الخير؟
فيا أيها المشفقون على العالم الإنساني أن يأكل بعضه بعضًا، انصحوه بالرجوع إلى الإسلام وكتابه يجد فيهما ظلال السلم وبرد الرحمة وعز القناعة وشرف التقوى ويتمتع من كل ذلك بنعمة السلام.
ويا أيها المسلمون، أنتم أطباء هذه المعضلات ولكنكم جاهلون، وأنتم الحكم المَرْضِيُّ في هذه المشكلات ولكنكم غائبون. ولو كنتم حاضرين حضور سلفكم لمشاهد العالم ومنازعاته العامة لوقفتم- كما وقفوا- بعقائدهم وسطًا بين التناهي والتقصير، وبزكاتهم المرضية حكمًا بين الغني والفقير، وبرحمة الإسلام سدًّا بين الآجر والأجير، وإذًا
стр. 362
لزرعتم في طول العالم وعرضه الخير والرحمة، وكشفتم عن أقويائه وضعفائه كل كرب وغمّة. وإذًا لرفعتم عن العالم هذه الأصار والأغلال وفزتم من بين حكمائه وعلمائه بتحقيق نقطة الإشكال.
إن العالم في عذاب، وعندكم كنز الرحمة؛ وإن العالم في احتراب، وعندكم منبع السلم، وإن العالم في غمة من الشك، وعندكم مشرق اليقين. فهل يجمل بكم أن تعطلوه فلا تنتفعوا به ولا تنفعوا؟
طبّقوا على أنفسكم جزئية واحدة من إصلاحاته كالزكاة، واظهروا بها للعالم على صورتها العملية الكاملة، وحقيقتها العلمية العليا. ثم قفوا بين الصفين، لا كموقف عمرو بمصاحفه يوم صفين. وأشربوا نفوسهم ما أشربت نفوسكم من معنى قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. ومن معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، وأنا الضمين لكم أنهما يتحاجزان ويتسامحان في طرفة عين. إن دينكم دين إصلاح وسبب إصلاح ومظهر إصلاح وكما أوجب عليكم الإصلاح بين المؤمنين مدح الإصلاح بين الناس.
أحيوا قرآنكم تحيوا به، حقّقوه يتحقق وجودكم به. أفيضوا من أسراره على سرائركم ومن آدابه على نفوسكم ومن حكمه على عقولكم تكونوا به أطباء ويكن بكم دواء.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
هذه الآية هي دستور الإسلام العام وهذه الآية هي التي نواجه بها كل من رمانا بالتعصب أو بالظلم أو بالأنانية أو بالقسوة. وصدى هذه الآية هو الذي سمعه الناس مردّدًا في الجامع الأخضر خمسًا وعشرين سنة آخرها أمس.
أيها الإخوان:
تكلم الخطباء والشعراء في المعنى الذي أقيمت لأجله الحفلة، وهو تكريم أخينا الأستاذ عبد الحميد بن باديس وتمجيد أعماله في خدمة الدين والعربية والعلم، وشغلتهم حقوق هذه الحفلة عن حقوق يوم أمس المشهود، وأوشكنا أن نضيع واجبه وأن يمر فلا يتغنى بأوصافه لسان، ولعل الأقلام تجفوه تبعًا لذلك فلا يجري في وصفه قلم.
وقد توزعتني الخواطر حين قمت: أأسلك ما سلكه الخطباء والشعراء من تمجيد أخينا بما هو أهله؟ ولو أني جريت في هذا المضمار وأسلس لي الكلام قياده، كان في ذلك الوفاء
стр. 363
لأخينا المبجل، والجفاء ليومنا الأغر المحجل. وإن أنا قمت بما يوجبه الوفاء ليوم القرآن قصرت في حق أخ اعتقد أن ما قاله الشعراء والخطباء في حقه قليل، وكيف تفي حفلة مثل هذه، محدودة الساعات، بتمجيد رجل طوّقت هذا الوطن مننه.
فإن قمت ببعض ما يجب للقرآن وليوم القرآن فحسبي في التنويه بأعمال أخي الأستاذ أن هذا اليوم بعض حسناته.
-------------------------
٦ - التعريف بالمشاركين في حفل ختم التفسير
-------------------------
١ - الأستاذ محمد بن العابد
الأستاذ محمد بن العابد من قدماء تلامذة الأستاذ بن باديس ومن بواكر النهضة الأدبية. أديب مشرف على الكمال، كاتب جزل الأسلوب، متين التراكيب، وفيّ للقواعد المقرّرة، مشرق الديباجة، سلس المعاني، وصّاف لخفايا النفوس ومساوي الاجتماع، شاعر رصين الشعر على إقلاله منه، باشر تعليم النشء الصغار من سنين، فحذق أساليبه وتمرّس به، فاكتسب الدؤب والصبر والجلد، وله في تربية الصغار وتحبيب العلم إلى نفوسهم طرائق نفسية هو فيها نسيج وحده، وهو الآن من الأعوان المعتمدين للشيخ ابن باديس على التعليم.
٢ - الأستاذ عبد الحفيظ الجنّان
الشيخ عبد الحفيظ الجنّان شاب كله شعور وقلب، فتح عينيه على بوارق النهضة الإصلاحية الأولى فخطا أول خطوة في الحياة على ضوئها، ثم واصل سيره على هداها، لم ينحرف به عن صراطها إقلال ولا رقّة حال، ولا أذى راصد ولا كيد مبيت، بل ظلّ يزداد ثباتًا كلما زادته الحوادث عركًا، تلقّى العلم على الأستاذ ابن باديس سنين، ثم عاجلته الظروف وغمسته في العمل فاشتغل بتلقين القرآن للصبيان، فقدّم للنهضة عملًا لا يقدّره حق قدره إلا القليل، وإن كان لا يُحسنه من العاملين للنهضة إلا القليل، وهو تقويم ألسنة الصبيان على النطق بالحروف العربية نطقًا صحيحًا متينًا مبرّأ من الزيغ عن المخارج الأصلية،
стр. 364
ومن الحيد عن الصفات المحققة، وقيمة هذا العمل في أنه تنشئة لِأَلْسِنَة الأطفال منذ تفتقها، ولِلَهَواتِهِم من يوم تشققها على سلامة النطق ومتانة التعبير، وهنا باب من أبواب الفصاحة يعرف قيمته مَن عرف أي بلاء صبّته العجمة على العربية من طريق مخارج الحروف وصفاتها.
والشيخ الجنّان، قبل ذلك وبعده، حركة دائمة ويد عاملة في كل الاجتماعات والجمعيات المتصلة بالنهضة.
٣ - الأستاذ مبارك جلواح
الأستاذ مبارك جلواح شاعر وجداني رقيق، له نبرات مشجية في التفنّن بمحاسن اللغة العربية ومفاخر السلف الأمجاد، تغمره روح جزائرية قومية مكن لها في نفسه نقاء النشأة والتربية، وزكاء العرق والقبيل.
قليل العناية بالصقل والتمحيص، ومن هنا جاء ما يرى في شعره من إسناد بعض الكلمات إلى ما لا يلائمها، ومن عدم الانسجام في بعض التراكيب، ومن نبو بعض المفردات في جملها، ولو أنه ملك زمام القواعد، وراض نفسه على إجادة السبك بممارسة كلام الفحول، لكان منه للجزائر شاعر أي شاعر.
٤ - الأستاذ عمر بن البسكري
الشيخ عمر بن البسكري داعية جهير الصوت بالإصلاح، كاتب متين القلم في الدينيات، سديد الرأي فيها، قوي الحجّة في مباحثها، كسبه ذلك قيامُه على كتب الفحول من فقهاء السنّة أمثال ابن تيمية وابن القيم والشوكاني، وهي كتب تربّي ملكة البيان كما تربّي ملكة البرهان.
والشيخ عمر يقرض الشعر في المناسبات المتصلة بفنه، فيرسله ملونًا بعاطفته متأثرًا بإحساسه، عامرًا بالمعاني، ويغفل عما وراء ذلك من أحكام الصنعة وسياسة التراكيب، لذلك تجد في شعره- على قفته- عيونًا من الأبيات بين أخوات لها متفاوتة الحظوظ في إجادة السبك، ويقرأ القارئ شعره وكتابته، فيحكم بأن الشيخ عمر الشاعر غير الشيخ عمر الكاتب.
والشيخ عمر أجلد دعاتنا وكتّابنا على المطالعة والقراءة، وما زلنا ننعى على علمائنا وأدبائنا هذا الكسل المزري عن القراءة، ونردّ إليه كل ما يظهر في إنتاجهم من ضعف ونقص.
ولو أن الشيخ عمر أعطى كتب الأدب ودواوين الشعر من العناية مثل ما أعطى كتب فقه السنة، لاسْتحكم سبكه وفَحُل شعره وجزلت تراكيبه.
стр. 365
وإن مطالعاته الدينية التي تفتح لذهنه آفاق الإصلاح، وتلهمه سداد الرأي والقول فيها، لمحتاجة إلى مدد من مطالعات أدبية، تمكّن لأسلوبه في الشعر، وتزيد طريقته في الكتابة متانة وقوّة، وأن عَسَى أن يتسع وقته لذلك.
٥ - الأستاذ السعيد الصالحي
الشيخ السعيد الصالحي أصيل النسب في العلم، سديد الخطا في التعليم، قريب المنهج في إرشاد العامة إلى الدين الصحيح، لطيف الاحتيال في الدخول إلى نفوسهم، خصوصي النزعة والتأثير، جاءه ذلك من بيئته التي نشأ فيها وأُفقه الذي اضطرب فيه، ثقيل الوطأة على دجاجلة العلم وسماسرة الدين، بارز الأثر في الإصلاح الديني: عمل له في وطنه فمكن أصوله وأحكم قواعده، وقطع البحر في سبيل إرشاد إخوانه المسلمين وجمع كلمتهم على الهدى والحق، فتجلّت أخلاقه الإسلامية المتينة في الصبر والثبات والعزيمة والإخلاص.
يتأثر- من ألوان الأدب القديم- باللون الأندلسي الشائع، ويقرض قليلًا من الشعر مصبوغًا بذلك اللون الذي اصطبغت به نفسه، ولكنه- كغالب إخوانه قالة الشعر بهذه الديار- ينقصه استعراض أساليب البلغاء وتحدّيها وتمرين القريحة على محاكاتها، وتيقظ الذهن إلى أسرار فقه اللغة ومواقع فصحها، ومجانبة الرخص النحوية، وتحكيم استعمالات الفصحاء في القواعد النظرية، وعسى أن تكون كلمتنا هذه حافزة لهممهم، فما أردنا بها إلا ذلك.
٦ - الحاج أحمد البوعوني
الحاج أحمد البوعوني، مع علو سنّه وأخذه عن طبقة بعيدة الصيت في عالم الشهرة كالشيخين عبد القادر المجاوي وحمدان الونيسي وغيرهما ممن كان الأخذ عنهم مدعاة للفخر والاستطالة وشموخ الأنف، فإنه مثال من علماء السلف في إنصافهم وإيثارهم الاستفادة على كل شيء، وإن من آثار هذا الخلق في نفسه أنه ما كان الأستاذ ابن باديس- وهو في درجة أحفاده وممن شاركه في الأخذ عن بعض أولئك المشائخ- يتنصّب للتدريس بقسنطينة حتى أخذ الشيخ البوعوني- مع جلالة قدره وسنّه- مكانه بين التلامذة، وكان أجلدهم على ملازمة الدروس الكثيرة، وأوسعهم عارضة في البحث والمناقشة، فإذا فرغ من الدروس المقررة قضى بقية أوقاته في تفقّد التلامذة وتحريضهم على المطالعة وتحضير الدروس وإعادتها لهم، مما لا يضطلع به حتى الشبان الأقوياء.
ومن لطائف الاتفاق في ربط الأحفاد بالأجداد أن الشيخ البوعوني- أبقاه الله- كان ينظم القصائد في تهنئة مشائخه في المناسبات وفي أختام دروسهم المهمة، وقد بارك الله في عمره
стр. 366
حتى شهد الاحتفال بختم التفسير من الشيخ ابن باديس، وقد حضره كله في ربع قرن فيما نعتقد، ففاضت نفسه المنصفة بهذه القصيدة، وكانت قصائده تاريخًا لثلاثة أجيال كاملة.
إن الشيخ البوعوني حجّة الله على علماء عصره الذين يذهب بهم الكبر والاستنكاف إلى حرمان أنفسهم من العلم، استطالةً واغترارًا بمكانتهم في السن أو الجاه، واحتقارًا لمن هو دونهم سنًّا وإن كان فوقهم علمًا.
٧ - الأستاذ محمد العيد
الأستاذ محمد العيد، شاعر الشباب وشاعر الجزائر الفتاة، بل شاعر الشمال الافريقي بلا منازع.
شاعر مستكمل الأدوات، خصيب الذهن، رحب الخيال، متسع جوانب الفكر، طائر اللمحة، مشرق الديباجة، متين التركيب، فحل الأسلوب، فخم الألفاظ، محكم النسج ملتحمه، مترقرق القوافي، لبق في تصريف الألفاظ وتنزيلها في مواضعها، بصير بدقائق استعمالات البلغاء، فقيه محفق في مفردات اللغة علمًا وعملًا، وقاف عند حدود القواعد العملية، محترم للأوضاع الصحيحة في علوم اللغة كلها، لا تقف في شعره- على كثرته- على شذوذ أو رخصة أو تسمح في قياس أو تعقيد في تركيب أو معاظلة في أسلوب، بارع الصنعة في الجناس والطباق وإرسال المثل، والترصيع بالنكت الأدبية والقصص التاريخية.
ومن يعرف محمد العيد، ويعرف إيمانه وتقواه وتديّنه وتخلّقه بالفضائل الإسلامية، يعرف أن روح الصدق المتفشية في شعره إنما هي من آثار صدق الإيمان وصحّة التخفق، ولعلم أنه من هذه الناحية بدع في الشعراء.
رافق شعره النهضة الجزائرية في جميع مراحلها، وله في كل ناحية من نواحيها وفي كل طور من أطوارها وفي كل أثر من آثارها القصائد الغرّ، والمقاطيع الخالدة، فشعره- لو جمع- سجل صادق لهذه النهضة، وعرض رائع لأطوارها.
وقد سَمَتْ نفسه في العهد الأخير إلى الشعر الفلسفي ونظم فيه عدّة مقطوعات لزومية رائعة نشر القليل منها.
وإذا كان في النهضة العلمية الأدبية بالجزائر نواحي نقص فمنها أن يبقى شعر محمد العيد غير مجموع ولا مطبوع (١).
стр. 367
تلمسان وابن خلدون*
رأت تلمسان قرى ومدنًا لا تساويها في القيمة العلمية والجلالة التاريخية تهتمّ وتفتخر برجال من أبنائها لا يساوون في النبوغ والعظمة ذلك الرجل الذي قلّب وجه التاريخ، بما وضع له من قواعد، وشرع له من سُنن، وابتدع له من جديد، وحمى له من حمى، وهو أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون، وأرادت تلمسان اليوم- وهي المدينة الكريمة- أن تُكرم هذا الرجل الذي أكرمها وكان أحد بناة مجدها، وأن تعرف له بعض حقّه، وأن تحيي ذكره بإحياء ذكراه، فأوحت إلى أحد أبنائها- كاتب هذه الأسطر- أن يقوم بهذا الواجب عنها في هذا اليوم الذي تتم به خمسة قرون وسبعون سنة على آخر وفادة وفدها هذا العبقري العظيم على هذه المدينة، تذكارًا لصلته بها وصلتها به، ولما أبقاه لها في تاريخه من فخر خالد، وما أبقاه على ثراها من أخ برّ، هو أبو زكريا يحيي الذي زان سلطنة بني زيان وحفظ أمجادها في كتابه "بغية الرواد" وعسى أن أقوم في هذه العجالة بما يقتضيه وحي هذه الأم من الوفاء لها ولابن خلدون، أبيّن سيرته وأحلّل حياته وأكشف عما بينه وبين تلمسان من وشائج القربى، وعما كان لها من تأثير في عقليته العظيمة ومداركه الواسعة بما لقّنه علماؤها من فنون وعلوم.
...
لم يكن ابن خلدون تلمسانيًا بمعنى أنه وُلد فيها ونشأ بين ربوعها أو كان له سلف من أهلها، وإنما هو حضرمي الجذم يتصل بأقيال (حضرموت) اتصالًا يرجع إليه ما في الرجل من سمة الملك والتسامي للملك، ثم يبتدئ في الإسلام بوائل ابن حجر الصحابي الجليل ابتداءً
стр. 368
يرجع إليه ما في الرجل من نزعات دينية قوية وخلال روحية مستحكمة، ويرجع إلى هذين ما في الرجل من ملكة عربية عريقة الأصل قوية الأسر ومن بيان قوي التأثير نافذ السحر، ثم تأتي الفتوحات الإسلامية فيُكتب لأحد أجداده الخروج من جزيرة العرب الأولى إلى جزيرتهم الثانية (الأندلس)، وإنّ لله فيمن ساقهم سائق الفتح من إحدى الجزيرتين إلى الأخرى لَحكمةً ظهرت آثارها فيما شيّد للغة العرب وآدابها من بنيان، وفيما تمكّن لهما من سلطان.
ويكفينا ابن خلدون نفسه مؤونة البحث عن أجداده في الإسلام فيقول: إن سلفه استوطنوا (إشبيلية)، وكانت لهم بها نباهة وذكر وامتياز بالوظائف العالية، وكل ذلك مما مهّد لهذه النفس الكبيرة التَّبَوُّؤُ في العالم الذي ظهرت فيه، وببيّن أن أحد أجداده الأدنين انتقل من الأندلس إلى (بونة) ومنها إلى (تونس)، وما كاد يطوي التاريخ منهم اثنين حتى ظهر فيهم من طوى التاريخ في ملاءته وهو أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون، إذن فليس بين هذا العظيم وبين تلمسان شابكة إلّا ما عسى أن يكون من اتصال في الروايات العلمية لأحد أجداده، والروايات العلمية هي الرابطة الكبرى في تلك العصور بين تلمسان والأندلس، فالرجل حضرمي أندلسي تونسي، ولكن قدّر له ولتلمسان أن يكون بينهما ما هو أقوى على الدهر من وشائج الأرحام، وهو ما لقّنه وهو بتونس من علماء تلمسان الذين كانوا في ركاب السلطان أي الحسن المريني، فكأن تلمسان أرادت، إذْ لم يصلها العظيم، أن تصله، وإذ لم يكن من أبنائها أن تتبنّاه.
ومن هنا تبتدئ العلائق بين تلمسان وابن خلدون، وهي في أوّلها علمية وسنعرف ما آخرها، وكان ابن خلدون وهو أعلم الناس بقيمة تلمسان العلمية في عصره، كان يزمع الرحلة إليها لاستكمال معلوماته وإرواء نفسه الظمأى من مناهلها، فتعجلت تلمسان له ذلك بما أوفدت مع السلطان أي الحسن إلى تونس من علمائها وهم (علماء الدنيا).
يقصّ ابن خلدون في بيان رائع أثناء خاتمة تاريخه وفي معرض اكتساح السلطان أبي الحسن لافريقية- حكاية ملاقاته بهؤلاء الأعلام من علماء الأندلس وتلمسان، وبذكر ذلك البيان في نخوة كيف كان يتردد عليهم لتغذية نفسه، فيفهم القارئ المتنعّم أن اجتماعه بهم لم يكن عن داع بسيط كما يندفع طالب العلم إلى الأخذ عمن هو أعلم منه، وان هناك لطيفة روحانية جذبته إلى هؤلاء الأعلام ومؤثرًا نفسانيًا وهو سمعة تلمسان في أذنه ومكانتها في قلبه وشهرتها العلمية في ذاكرته، واننا نراه يذكر اسم الإمام الآبلي التلمساني في مقدمته مرارًا في صورة استفتاء في دقائق اجتماعية فلسفية، فيصدر عن رأيه ويشهد له بالتمكن وقوة العارضة، فنفهم السرّ فيما كان متأثرًا به من تلمسان وشهرتها الفنية في ذلك العصر، ثم قدّر الله أن ينغمس في السياسة وخدمة الدول، واستشرفت نفسه إلى تحقيق ما هي مستعدة له من ذلك، ولم يجد في الدولة الحفصية التي نشأ في ظلّها بتونس ما يشبع نهمته لأنها فرع دولة هرِمت وماتت، ففيها من آثار الهرم والموت ما سيلحقها بأمّها.
стр. 369
وكانت الدولة المرينية التي قامت على أنقاض الدولة الموحدية بالمغرب متوثبة إلى الفتح، مندفعة إلى القوة بالقوة، جاذبة إليها عظماء الرجال وأساطين الفكر، فتوسّم ابن خلدون أن بضائعه النادرة الغالية لا تنفق إلّا في سوقها، فاتصل بها واتصلت به، وكان طبيعيًا أن تلمسان هي جسر مرورها إليها، فدخلها في طريقه إلى حاضرة بني مرين وتلاقى الحبيبان بعد طول الفراق وإلحاح الأشواق، وانتهت تلك الإرهاصات بالمعجزة ...
ثم كانت الأحداث في الدولة المرينية المتقلبة تدفع هذا الرجل الفذ تارةً إلى الصدر وتدفعه تارةً عن الصدر، وكان النزاع محتدًا بين بني مرين وبني زيان على تلمسان، كل يريد أن تكون درّة في تاجه، فكانت تلك الأحداث وذلك النهل مما يثمر اتصال الحبيبين "تلمسان وابن خلدون"، فدخلها مرارًا وأحلته المكان الرحب بين صدورها وأمرائها وعلمائها حتى خطبته لأن يكون مدبّر دولتها والمصرف للأمر والنهي فيها واللسان الناطق عن ملوكها، فأبى لا استقلالًا لقيمتها في نفسه ولكن رأى بنظره الثاقب أنه لا يستقرّ فيها له قرار، وبين بني مرين وبني زيان ما بينهم من مصاولة عليها ومنازعات فيها، فتخلّص بحيلة إن لم تبلغ منه تلمسان ومن علومه وآرائه كل مُناها فقد أبلغتها بعضًا، وهو إبقاء أخيه الكاتب المؤرخ أي زكريا يحيى ابن خلدون كاتبًا بالأعتاب الزيانية، ثم تقلبت به صروف الدهر، فأقام سنوات بمدينة بسكرة واغتبط بها وأفاء عليه أمراؤها الأكارم بنو مزني من نعمهم وإكرامهم ما أنساه حواضر الملك العظيمة وعطايا الملوك الجسيمة، وكانت تربطه صلة الصهر بمدينة قسنطينة، فلا شك بأنه كان ينتابها في بعض الأحايين لتلك العلاقة، ينفّس فيها بعض هموم نفسه الكبيرة، ولا بأس بوزارة حينًا ببجاية وهي مدينة العلم إذّاك وبها من فرسان المعقول والمنقول العدد الوفير، وكثير منهم يتصل بمؤرخنا بلحمة الأساتذة والمشائخ، ورحم العلم موصولة بين بجاية والأندلس وتلمسان وقسنطينة، وكانت بجاية إذّاك تمث لكل مدينة من هذه المدن بالصلة الوثيقة، فمؤرّخنا قد كان يتقفب من مراكش إلى تونس بين عواصم علمية متشابهة الأعلام، متشابكة الأرحام، وإنْ فرقت فيها بواعث السياسة والتنافس في الملك، ونشهد في تضاعيف كلامه وكلام مَن أرّخ له من معاصريه فمَن بعدهم حنينًا من المؤرّخ العظيم إلى تلمسان وأعلامها الذين هم مشائخه وأقرانه، وإلى معالمها التي هى مرابعه وأوطانه، ورسائل ترد عليه من أخيه ومن ملوك تلمسان بواسطته، فلم تنقطع صلته بتلمسان يومًا، ولو ساعده الدهر فيما نرى لَسقط به هواه على هذه المدينة المحبوبة سقوط الحائم على الماء، وفي اختياره لقلعة بني سلامة وانقطاعه بها تلك السنوات التي كتب فيها مقدمة التاريخ البديعة دليلٌ على هذا الميل، لأن تلمسان أقرب مدن افريقيا إلى قلعة بني سلامة.
هذه الجمل موجزة لبيان صلة خاصة من صلات المؤرّخ العظيم بمدينة من مدن قطره يغفلها مَن كتب عنه من كتّاب الشرق، وعذرهم في ذلك عدم عرفانهم بعظمة هذه المدينة في ذلك الوقت، وعسى أن ترشح القريحة ببعض أسباب هذه العظمة على صفحات "الشهاب" الأغرّ.
стр. 370
العربية: فضلها على
العلم والمدنية وأثرها في الأمم غير العربية*
الخطاب الذي ألقاه الأستاذ البشير الإبراهيمي، نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في أحد أيام اجتماعها العام الماضي تفضّل الأستاذ بتقديمه لهذه المجلة).
أيها الاخوة الكرام:
كلّفني الأستاذ الرئيس أن أحاضر هذا الجمع العربي الحاشد بكلمات في ناحية زاخرة من نواحي لغته الجليلة، وجانب عامر من جوانبها الفسيحة- وهو فضلها على العلم والمدنية وأثرها في الأمم غير العربية- إشادة بفضل هذه اللغة الشريفة، في هذا الاحتفال العلمي، ووفاء ببعض حقّها علينا وحفزًا لهممكم- وأنتم أبناؤها البررة- أن تهن في خدمتها أو تقصر في حقّها، وإعلانًا للمعنى الذي قامت جمعية العلماء بتحقيقه، وهو إحياء هذه اللغة وإحياء الدين الذي ترجمت محاسنه واضطلعت بحمل أسراره.
ثم عهد إليّ الأستاذ أن أكتب ما ألقيه عليكم ليعمّ نفعه السامعين والقارئين. وإن هذا الموضوع الذي سامني الأستاذ الكتابة فيه موضوع علمي تاريخي لا تعلق الحافظة بأسبابه كلها ولا تقوى على جمع أطرافه، وإنما عماده البحث والتنقيب وإقامة الشواهد وحشد النصوص، وهذا ما لا يسعه وقت التكليف وهو يومان تتخللهما فروض المجلس الإداري وواجبات جمعية العلماء. لذلك كله سلكت في الكتابة مسلكا أدبيًا يستمدّ من الخيال أكثر مما يستمدّ من الحقيقة ويعتمد على الخطابة أكثر مما يعتمد على البرهان، ويرمي إلى إلهاب الحماس في نفوسكم أكثر مما يرمي إلى تقرير الحقائق فيها.
стр. 371
فإن بلغت رضاكم بما تسمعون فذلك، وإن قصرت عن الغاية كان ضيق الوقت وسعة الموضوع شفيعي في التقصير.
أيها الاخوة، انشقّت اللغة العربية من أصلها السامي في عصور متوغلة في القدم، وجرت في ألسنة هذه الأمة التي اجتمعت معها في مناسب المجد وأرومات الفخر، وشاء الله أن يكون ظهورها في تلك الجزيرة الجامعة بين صحو الجو وصفو الدو والمحبوة بجمال الطبيعة ومحاسن الفطرة لتتفتّق أذهان عمار تلك الجزيرة عن روائع الحكمة مجلوة في معرض البيان بهذا اللسان، وقد كانت هذه اللغة ترجمانًا صادقًا لكثير من الحضارات المتعاقبة التي شادها العرب بجزيرتهم. وفي أوضاع هذه اللغة إلى الآن من آثار تلك الحضارات بقايا وعليها من رونقها سمات. وفي هذه اللغة من المزايا التي يعز نظيرها في لغات البشر الاتّساع في التعبير عن الوجدانيات، والوجدان أساس الحضارات والعلوم كلها.
وهذه المدنية التي تردّد لفظها الألسن ويصطلح المؤرّخون على نسبتها إلى أمم مختلفة ويميّزون بينها بطوابع خاصة ويشتدّ المتعصّبون في احتكارها لأمة دون أمة كأنها خلقت معها أو كأنها ذاتية لها، هي في الحقيقة تراث إنساني تسلّمه أمة إلى أمة وتأخذه أمّة عن أمّة فتزيد فيه أو تنقص منه بحسب ما يتهيأ لها من وسائل وما يؤثر فيها من عوامل. وخير الأمم وأوفاها للمدنية هي الأمّة التي تقوي الجهات الصالحة في المدنية وتكمل النقائص الظاهرة فيها، وتسعى في نشرها وإشراك الناس كلهم في خيراتها ومنافعها، وخير اللغات ما كانت لسانًا مبينًا للمدنية تسهّل على الناس سبيلها وتمهّد لهم مقيلها.
...
وقد أصبح احتكار المدنية لأمم خاصة تقليدًا شائعًا متعاصيًا عن التمحيص والنقد، ومن هذا الباب احتكار الغربيين للمدنية القائمة اليوم، وما هي في الحقيقة إلا عصارة الحضارات القديمة ورثها الغربيون عمن تقدمهم، وقاموا عليها بالتقلين والتحسين والتلوين وطبعوها بالطوابع التي اقتضاها الوقت وانتحلوها لأنفسهم أصلًا وفرعًا، ولا تزال التنقيبات عن مخلّفات الحضارات القديمة تكشف كل يوم عن جديد يفضح هؤلاء المحتكرين ويقلّل من غرورهم.
ومن العجائب أن هذه الحضارة القائمة الآن تساندت في تكوينها وفي تلوينها عدة لغات مختلفة الأصول، ولم تستطع أن تقوم بها لغة واحدة على حين أن العربية قامت وحدها ببناء حضارة شامخة البنيان ولم تستعر من اللغات الأخرى إلا قليلًا من المفردات.
стр. 372
أيها الإخوان:
ازدهرت حضارات الأمم القديمة من العرب وفارس والهند والصين ومصر واليونان والرومان وزخرت علومها، وكانت كلها مبنية على أصول عامة متشابهة، وكانت لكل حضارة لغتها المعبّرة عن محاسنها والكاشفة عن حقائقها، وكان لتلك اللغات أثر بيّن في بقاء الحضارة وانتشارها، وكل من بقاء الحضارة وانتشارها يتوقف على ما في اللغة من قوة وحياة واتّساع، فاللغة من الحضارة جزء لا كالأجزاء، كاللسان من البدن عضو لا كالأعضاء. ثم اندثرت تلك المدنيات والعلوم إلا ما بقي من آثار الأولى منقوشًا على الأحجار، وما بقي من آثار الثانية مكتوبًا في الأسفار. ولولا اللغات لم نتبين من الحضارات ما تبيّناه.
أيها الإخوان: كانت الحضارات القديمة تقوم على تعبد يسدّ شعور النفس البشرية بالخضوع إلى قوة أعلى منها، فإن لم يكن هذا التعبّد حقًا طغت عليه الخرافة وأصبحت الخرافة جزءًا من المدنية. وتقوم على تشريع يوزّع العدل بين الناس ويحفظ مصالحهم الدنيوية، فإن لم يستند هذا التشريع على وحي سماوي أو نظام شوري طغى عليه التحكّم والاستبداد وأصبح الاستبداد جزءًا من تلك المدنية. وتقوم على نتاج القرائح البشرية من علوم، فإن لم تكفل هذه القرائح حرية شاملة لابسها التزوير والكذب وأصبح التزوير والكذب جزءًا من تلك المدنية. وتقوم على لغة تسع تلك المدنية بيانًا وإفصاحًا، فإن ضاقت اللغة خسرت المدنية، وإن حضارة اليوم لم تسلم من بعض هذه النقائص والعيوب.
كانت هذه حال الحضارات إلى أن جاء الإسلام بالحضارة التي لا تبيد والمدنية المبنية على حكم الله وآداب النبوّة، فكان التوحيد أساسها والفضائل أركانها والتشريع الإلهي العادل سياجها واللغة العربية الناصعة البيان الواسعة الأفق لسانها. وبذلك كله أصبحت مهيمنة على المدنيات كلها ووضع الإسلام هذه الحضارة الخالدة على القواعد الثابتة مما ذكرناه.
وقامت اللغة العربية ببيانها على أكمل وجه، وكانت الأمة المدخرة لتشييد هذه الحضارة التي نسمّيها بحق الحضارة الإسلامية هي الأمة العربية.
فهم العرب لأول عهدهم بالإسلام وبإرشاد القرآن أن هناك أممًا قد خلت عمرت الأرض ومكّن لها الله فيها، وكانت أكثر أموالًا وأعزّ نفرًا وأثبت آثارًا، وامتثلوا أمر القرآن بالسير في الأرض والنظر في آثار تلك الأمم والاعتبار بمصائرها وعواقبها، ونبّههم القرآن إلى أن مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا، فكان هذا الإرشاد القرآني المتكرر حفزًا إلى التنقيب عن آثار المدنيات القديمة ودراستها والاطّلاع على الصالح النافع منها والأخذ به. وكان من آثار هذا التنبيه القرآني أن تفتّحت أذهان المسلمين- ولا أعنيكم- إلى دراسة
стр. 373
هذه المدنيات واقتباس النافع منها، وكان من فضل القرآن على العالم أنه أبقى بهذا الإرشاد على علوم كادت تندرس وعلى آثار مدنيات كادت تنطمس.
إن الفائدة الكبرى التي يعلّقها القرآن على السير في الأرض والوقوف على آثار الأمم البائدة هي الاعتبار بحال الظالمين وعقبى الظالمين ليعلم المعتبر أن الظلم هو سوس المدنيات فيقيم العدل، وإذا جاء العدل جاء العمران، وإذا جاء العمران قامت المدنية، وكان العدل سياجها والعلم سراجها، وهذه هي مدنية الإسلام.
إن إرشاد الإسلام للمسلمين بأخذ الصالح النافع أينما وجد هو الذي دفعهم بعد تمكّن سلطانهم وتمهد ملكهم إلى البحث عن الآثار العقلية للأمم التي سبقتهم، فاطلعوا على ما أنتجت قرائح يونان وفارس والهند في العلم والآداب فنقلوها إلى لغة القرآن ووجدوا فيها خير معين على ذلك.
أيها الإخوان: هنا الجانب العامر من لغتكم، وهنا النقطة التي سقنا هذا الحديث كله من أجلها، وهنا الموضوع وهو فضل اللغة العربية على العلم والمدنية.
أيها الإخوان:
لو لم تكن اللغة العربية لغة مدنية وعمران، ولو لم تكن لغة متّسعة الآفاق غنية بالمفردات والتراكيب، لما استطاع أسلافكم أن ينقلوا إليها علوم اليونان وآداب فارس والهند، وَلَأَلْزَمَتْهُم الحاجة إلى تلك العلوم تعليم تلك اللغات، ولو فعلوا لأصبحوا عربًا بعقول فارسية وأدمغة يونانية، ولو وقع ذلك لتغير مجرى التاريخ الإسلامي برمّته.
لو لم تكن اللغة العربية لغة عالمية لما وسعت علوم العالم، وما العالم إذ ذاك إلا هذه الأمم التي نقل عنها المسلمون.
قامت اللغة العربية في أقلّ من نصف قرن بترجمة علوم هذه الأمم ونُظمها الاجتماعية وآدابها فوعت الفلسفة بجميع فروعها، والرياضيات بجميع أصنافها، والطب والهندسة والآداب والاجتماع، وهذه هي العلوم التي تقوم عليها الحضارة العقلية في الأمم الغابرة والحاضرة، وهذا هو التراث العقلي المشاع الذي لا يزال يأخذه الأخير عن الأول، وهذا هو الجزء الضروري في الحياة الذي إما أن تنقله إليك فيكون قوّة فيك، وإمّا أنْ تنتقل إليه في لغة غيرك فتكون قوة لغيرك. وقد تفطن أسلافنا لهذه الدقيقة فنقلوا العلم ولم ينتقلوا إليه. وقد قامت لغتهم بحفظ هذا الجزء الضروري من الضياع بانتشاله من أيدي الغوائل وبنقله إلى الأواخر عن الأوائل، وبذلك طوّقت العالم منة لا يقوم بها الشكر، ولولا العربية لضاع على العالم خير كثير.
стр. 374
أيها الإخوان:
إن كثيرًا من العلوم التي بنيت عليها الحضارة الغربية لم تصلها إلا على طريق اللغة العربية بإجماع الباحثين منا ومنهم، وان المنصفين منهم ليعترفون للغة العربية بهذا الفضل على العلم والمدنية ويوفونها حقّها من التمجيد والاحترام، ويعترفون لعلماء الإسلام بأنهم أساتذتهم في هذه العلوم، عنهم أخذوها وعن لغتهم ترجموها وانهم يحمدون للدهر أن هيّأ لهم مجاورة المسلمين بالأندلس وصقلية وشمال أفرلقيا وثغور الشام حتى أخذوا عنهم ما أخذوا واقتبسوا عنهم ما اقتبسوا، ولا يزال هؤلاء المنصفون يذكرون فضل معاهد الأندلس العربية ومعاهد شمال افريقيا ومعاهد الشام على الحضارة القائمة، ولا يزالون ينتهجون بعض المناهج الدراسية الأندلسية في معاهدهم إلى الآن، ولا يزالون يردون كل شيء إلى أصله ويعترفون لكل فاضل بفضله.
...
وها هنا، أيها الإخوان، مسألة يجب الكشف عن حقيقتها، فقد كثرت فيها المغالطات وجنى عليها تعصّب المتعصبين من ذوي الدخائل السيّئة من الغربيين ومقلّدتهم حتى أصبح باطلها حقًا وكذبها صدقًا ووهمها حقيقة، وحتى أصبح هذا الوهم من المسلّمات التي لا تقبل الجدل عند أبنائنا الذين تلقّوا العلم على أيدي أولئك المتعصبين، وهي ان العرب ليس لهم فيما ترجموا إلا النقل المجرد، وانهم لم يزيدوا شيئًا في التراث الفكري الذي نقلوه، وأن وظيفتهم في هذه الوساطة وظيفة الناقل الأمين الذي ينقل الشيء كما هو ملفوفًا من يد إلى يد.
أغلوطة ملأت كتب الكثير منهم وترددت على ألسنتهم يمهّدون بها إلى وصم العربي بأنه بليد الفكر جامد القريحة سطحي التفكير مسدود الشهية العلمية، ويتوسّلون بذلك إلى تزهيد العربي في مزايا إسلامه واحتقاره لها ولهم.
والحقيقة التي يؤيّدها الواقع ويشهد بها المنصفون منهم أن العرب حينما نقلوا علوم الأوائل كما كانوا يسمّونها نقلوا بدافع وجداني إلى العلم ورغبة ملحّة فيه، وانهم نقلوا ليستقلّوا وليستغلّوا ولينتفعوا بثمرة ما نقلوا ولا يتم لهم هذا الاستقلال في العلم إلا بالتمحيص والتصحيح.
ومن الثابت عندنا أن عهد الترجمة كان عهد اضطراب في هذه العلوم المترجمة ردّت فيه التبعة على المترجمين، ثم انجلت الرغوة وعمل الفكر العربي الوقّاد عمله فصحّح أغلاط الفلاسفة وصحّح نظريات الرياضة، وجاء دور الاجتهاد في هذه العلوم فاستقلّ الفكر العربي
стр. 375
بالفلسفة وكيّفها على ذوقه الخاص. واستنبط في هذه العلوم طرائق وأنواعًا لم تكن معروفة من قبل للأوائل، وصحّح العلل وكشف عن الأوهام وانتقد انتقاد المستقلّ. وما كان الفارابي وابن سينا وأبو سليمان المنطقي في المشارقة ولا ابن باجة وابن طفيل وابن برجان وابن رشد وابن الهذيل، في الأندلسيين، بالمقلدين في علوم الأوائل.
أيها الإخوان: إن العربية لم تخدم مدنية خاصة بأمّة، وإنما خدمت المدنية الإنسانية العامة، مدنية الخير العام والنفع العام، ولم تخدم علمًا خاصًا بأمّة وإنما خدمت العلم المشاع بين البشر بجميع فروعه النافعة. ومن يستقرئ خاصة هذه اللغة لعلم الطب وحده يتبين مقدار ما أفاءت هذه اللغة على البشرية من خير ونفع.
وقد كانت هذه اللغة في القرون الوسطى يوم كان العالم كله يتخبّط في ظلمات الجهل هي اللغة الوحيدة التي احتضنت العلم وآوته ونصرته.
أيها الإخوان: هذا فضل لغتكم على المدنية الإنسانية وفضلها على الأمم غير العربية، وأما فضلها على الأمم العربية فإنه يزيد قدرًا وقيمة على فضلها على الأمم الاأخرى، وإذا قلنا الأمم العربية، فإننا نعني الأمم الإسلامية كلها، لأنها أصبحت عربية بحكم الإسلام ولغة الإسلام.
فاللغة العربية منذ دخلت في ركاب الإسلام على الأمم التي أظلّها ظلّه كانت سببًا في تقارب تفكيرهم وتشابه عقلياتهم وتمازج أذواقهم وتوحيد مشاربهم. وإن هذا لمن المناهج السديدة في توحيد الأمم المختلفة الأجناس. ولولا العربية لاختلفت الأمم الإسلامية في فهم حقائق الدين باختلاف العقليات الجنسية، وقد وقع بعض هذا ولكنه من القلة بحيث لا يظهر أثره في الحركة العامة للأمة.
إن الأمم التي دخلت في الإسلام متفاوتة الدرجات في الانفعالات النفسية وأنماط التفكير، متفاوتة في الإدراك والذكاء، متفاوتة في القابلية والاستعداد، متفاوتة في التصوير والتخيّل، ولكن اللغة العربية فتحت عليها آفاقًا جديدة في كل ذلك ما كانت تعرفها لولا العربية، ودفعتها بما فيها من قوة وبما لها من سلطان إلى التفكير والتعقّل على منهج متقارب، وحفزت الأفكار الخامدة إلى التحرّك وزادت الأفكار المتحرّكة قوة على قوة.
أيها الإخوان: إن اللغة العربية هي التي قاربت بين الفكر الفارسي المنفعل القلق وبين الفكر البربري الرصين الهادئ ثم هيأت لكل فكر قابليته.
واللغة العربية هي التي سهّلت لهذه الأمم المختلفة أسباب العلم والمدنية ومهّدت لها الطرائق المؤدية إليهما حتى أخذت كل أمة حظها منهما.
стр. 376
واللغة العربية هي التي أفضلت على علماء الإسلام بكنوزها ودقائقها وأسرارها، وأمدّتهم بتلك الثروة الهائلة من المصطلحات العلمية والفنية التي تعجز أية لغة من لغات العالم عن إحضارها بدون استعانة واستعارة. فبحثوا في كل علم وبحثوا في كل فن وملأوا الدنيا مؤلفات ودواوين، ومن عرف كتاب أبي حنيفة الدينوري في النبات وكتاب أبي عبيدة في الخيل وكتاب الهمداني في تخطيط جزيرة العرب وكتاب الجاحظ في الحيوان وكتب الأَئِمَّة في الطب والنجوم والإبل، رأى العجب العجاب من اتّساع هذه اللغة وغزارة مادتها، وعلم مقدار أفضالها على الأمة العربية. كما ان من يقرأ شعر الشعراء النفسيين من الفرس بهذه اللغة وشعر الشعراء الوصافين من الأندلس يتجلى له أي إِفضال أفضلته العربية على تلك القرائح الوقّادة التي وجدت في العربية فيضًا لا ينقطع مدده، وأضافته إلى فيض الاستعداد. وما أمتن الإنتاج الأدبي إذا كان يصدر عن اتساع في اللغة واتساع في الخيال.
أيها الإخوان:
إن النهضة العربية الحاضرة في الشرق مفتقرة إلى كثير من المصطلحات العلمية والصناعية. وما زلنا نقرأ من سنوات عن اهتمام قادة النهضة بهذه المشكلة ونقرأ اختلافًا في الوجهة، وهل الأصلح البحث عن مصطلحات عربية أصيلة، أو استعارة هذه المصطلحات من لغات العلم الأجنبية، وان غاية ما استنجد به أصحاب الرأي الأول المعاجم اللغوية، وأعتقد أنه لو كانت الكتب العلمية والفنية التي كتبها أسلافنا موجودة بين أيدينا ولم تغلها غواثل الدهر لوجدنا فيها من هذه المصطلحات ما يفي بحاجتنا أو يقارب، ولكنها- ولا للأسف- ضاعت، وضاعت علينا بضياعها ثروة لا تقوم بمال.
هذا كتاب الحيوان لأبي حنيفة شدّت في طلبه الرحال من عشرات السنين وأنفقت على تحصيله بدر المال، وتبارى هواة الكتب في طلبه في جميع أقطار الأرض، فلم يعثر له على أثر. وان من يقرأ ما ينقله عنه ابن سيده في كتاب المخصّص يسترخص في سبيله كل غال ويستسهل كل صعب.
أيها الإخوان: هذا عرض بسيط لبعض ما للغتنا من فضل على العلم والمدنية. وان هذا المبحث في حد ذاته موضوع طريف يحتاج إلى بحث عميق ودراسة مستفيضة، ويتطلب جهدًا قويًا ووقتًا متّسعًا. ولو أن باحثًا عربيًا يساعده وقته وحاله على استقراء هذا الموضوع لكتب فيه المجلدات، ولبثّ في ناشئتنا روحًا جديدة من الحماس للغتهم والتعلّق بها والكدّ في تحصيلها والتعاظم بجمالها، ولكان ذلك مقاومًا لروح التزهيد الخبيثة التي لابست عقولهم.
أيها الإخوان: إن المستعربين من علماء المشرقيات فريقان متّفقان في الاعتقاد بجمال هذه اللغة والاعتراف بمزاياها على العلم والمدنية، مختلفا الدواعي والبواعث في معاملتها.
стр. 377
فريق ينظر إليها نظر الهون والمصلحة فينادي بموتها ويعمل على موتها ويزهد فيها الناس ويتجنى عليها وينحلها العيوب.
وفريق ينظر إليها نظر العلم المجرد فيتعلّمها بإخلاص ويحضّ على تعلّمها ويشيد بذكرها في المحافل والكتب.
وإن لهذا الفريق في خدمة هذه اللغة أيادي بيضاء يستحقّون عليها الشكر العظيم من أبناء هذه اللغة. فكم كتبوا عنها مؤلفات وكم عقدوا للبحث عن دقائقها مؤتمرات، وكم طبعوا من أسفارها القيّمة في اللغة والأدب والتاريخ والعلوم، ولو لم يكن من فضلهم عليها إلا إحياء أمهات علمية عجزنا نحن عن إحيائها لكان ذلك موجبًا لعرفان جميلهم، وإذا كان فضل العربية عليهم في القديم عظيمًا، فقد قابلوا الفضل بفضل ولهم الشكر على كل حال. إن في هذه النقطة موضع اعتبار، وهي انه إذا كان الأجنبي عن هذه اللغة يعرف لها فضلها فيحى من آثارها ما استطاع، ويحث قومه على تعلّمها والاستفادة من ذخائرها، وحكومته من ورائه تجمع له مئات الآلاف من أسفارها القيّمة، فماذا صنعنا نحن ونحن أبناؤها حقيقة؟
الحق ان ما صنعناه نحن لهذه الأم ضئيل، وان ما أنفقناه في سبيلها قليل، ولكن النية في خدمتها صحيحة والرغبة في تعلّمها ملحّة.
وعلى الله قصد السبيل.
стр. 378
منشور إلى الأمتين الإسلامية والفرنسية*
إن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، جمعية إسلامية في سيرها وأعمالها، جزائرية في مدارها وأوضاعها، علمية في مَبْدَئِها وغايتها. أُسّست لغرض شريف تستدعيه ضرورة هذا الوطن وطبيعة أهله، ويستلزمه تاريخهم الممتدّ في القدم إلى قرون وأجيال. وهذا الغرض هو تعليم الدين ولغة العرب التي هي لسانه المعبّر عن حقائقه للكبار في المساجد التي هي بيوت الله، وللصغار في المدارس على وفق أنظمة لا تصادم قانونًا جاريًا، ولا تزاحم نظامًا رسميّا، ولا تضر مصلحة أحد ولا تسيء إلى سمعة أحد، فجميع أعمالها دائرة على الدين، والدين عقيدة اتفقت جميع أمم الحضارة على حمايتها، وعلى التعليم، والتعليم مهنة اتفقت جميع قوانين الحضارة على احترامها وإكبار أهلها.
وان هذه الجمعية مستندة في نظام تأسيسها على القوانين الفرنسية التي تتّسع لحرية الاجتماع وحرية الجمعيات.
وانها لم تحد منذ تأسيسها إلى الآن عن المقاصد والأعمال التي أُسّست لأجلها. وان كل أعمالها ظاهرة مشهودة، وان جميع أعضائها جزائريون تجري عليهم القوانين الفرنسية، وان كل ما يقومون به فهو مما تبيحه القوانين الفرنسية.
ولم تكتفِ الجمعية بهذه الأعمال الشاهدة على نفسها، بل ظلّت في جميع المناسبات ترفع صوتها بإيضاح خطتها وبيان غايتها.
والأمّة الجزائرية الإسلامية العربية المقصودة بالتعليم، وصاحبة الحق الطبيعي فيه، تعلم هذا من جمعية العلماء وتتحققه. وتتطلبه بطبيعتها وتعده ضروريًا لحياتها. ولذلك
стр. 379
التفّت حول جمعية العلماء وأقبلت على ما خطته لها من مناهج في تعليم الدين والعربية على بصيرة ويقين.
...
ومع هذا كله فالحكومة الجزائرية لم تزل تعامل هذه الجمعية معاملة قاسية، وتمعن في التشريعات الجائرة لقتل حركتها التي هي حركة الإسلام والعربية بهذا الوطن، وتطارد رجالها القائمين على التعليم كما يُطارد المجرمون، وتغلق مدارسها التهذيبية كما تغلق المحلات الضارة، وتنتزع رخص التعليم من أيديهم بلا سبب قانوني، وتمتنع من إعطاء الرخص لطالبيها منهم بلا مانع قانوني، ثم التصامم في الأخير عن سماع كل شكوى وكل مراجعة.
إن للحكومة الجزائرية خطة مرسومة نحو جمعية العلماء هي ماضية في تنفيذها بكل قساوة وبكل فظاعة. ولم يبق لنا شك في تلك الخطة ولا في الوسائل المحضّرة لها، ولا فيما تنتحله الحكومة من المبررات لسلوكها ولا في مراميها القريبة والبعيدة. ولم يبق لنا شك في أن مقصد الحكومة هو قتل الإسلام والعربية بهذا الوطن بمحو تعليمهما الصحيح وإسكات رجالهما الأكفاء.
...
وقد كانت حكومة الجزائر ترمي الجمعية بألسنتها الرسمية وغير الرسمية بأنها وهابية، وهي تعلم أن الوهابية مذهب ديني لا شأن للحكومات به، ثم افتضحت هذه التهمة.
فانتقلت إلى رميها بموالاة الشيوعية. فلما حلا مشرب الشيوعية للحكومة رمت الجمعية بموالاتها للفاشيستية، وباتصالها بالأجانب، وهي تعلم أن الفاشيستية جزء من معنى الحكومة، وأننا بلونا كلا الجزأين وذقنا منهما الأمرّين.
ولا ندري ماذا تدخره الحكومة للجمعية من هذه الأنواع التي لا تستند على منطق ولا واقع.
كل هذه الاتهامات جرت على ألسنة رجال الإدارة ومن أقلام كتّابها، وسُمعت من منابر الخطابة الرسمية. وكلها اتهامات لا وجود لها إلا في خيال المتخيلين لها المريدين بجمعية العلماء شرًا.
وجمعية العلماء تحدّت في الماضي وتتحدّى في المستقبل كل من يرميها بمثل هذه الأباطيل أن يأتيها على ذلك ولو بشبهة أضعف من خيط العنكبوت، وهي تعتقد اعتقادًا جازمًا أنه لن يأتي بها.
стр. 380
وجمعية العلماء تعد نفسها- بحق- أشرف من أن تكون ذنبًا لهيئة أخرى مهما كانت قيمتها، أو أداة لأجنبي مهما كان جنسه. وانها مقيدة في عملها بدائرة الدين الإسلامي ولغته، وبدائرة الوطن الجزائري، وبدائرة القوانين الفرنسية التي بنيت عليها الجمهورية الديمقراطية.
وجمعية العلماء تسخر من هذه الاتهامات التي لا قيمة لها والتي لا يصدقها حتى المجانين، معتدة بصدقها في خدمة مَبْدَإِهَا الإنساني الديني العلمي. أما ما تتظاهر به الحكومة الجزائرية من تسامح في التعليم الديني العربي مع هيئات غير جمعية العلماء، وما تستر به قسوتها وغضبها على رجال الجمعية من لين ورضى عن غيرهم، فجمعية العلماء تعلم حق العلم أن الهيئات الملحوظة بالرضا من الحكومة الجزائرية هي الهيئات الطرقية. وتعلم حق العلم أن الطرقية بشكلها الحاضر هي من صنع يد الحكومة، وان الحكومة تعلم كما نعلم أن الطرقية ليست وسيلة تعليم وتهذيب، وإنما هي أداة تجهيل وتخريب. وان آثارها في عقول الأمم التي ابتُليت بها هي التخريف والجمود. ووا أسفاه! إن من العار على حكومة علمية ديمقراطية أن تنصر الجمود والتخريف على العلم والتثقيف.
فالهيئة الطرقية التي تنصرها حكومة الجزائر وتخصّها بالرضا والإمداد وتظهرها بمظهر الدين والعلم والتعليم، لتستر بمسايرتها لها محاربتها جمعية العلماء وتقيم من منحها رخص التعليم الحجة على عدم حربها للدين والعلم، هذه الهيئة الموصومة بما ذكرنا هي- في حقيقتها- تشكيل حكومي مؤقت أريد به شل الإسلام والعربية، وهي- في حقيقتها- (ديكري) (١) مؤلف من أشخاص لا من كلمات يضاف إلى ديكري النوادي (٢) وديكري ٨ مارس (٣)، وانه، وإن كان أعمق منها أثرًا، أقصر منها عمرًا ...
فأعضاء شُعَب جمعية العلماء المجتمعون بنادي الترقي يوم الاثنين ٢٧ مارس سنة ١٩٣٩ مجمعون على كل ما تقدم فهمًا واعتقادًا ومجمعون على استنكار هذه المعاملات الجائرة للتعليم الديني العربي.
ومجمعون على اعتبارها طعنات موجّهة إلى صميم الإسلام والعربية ومصمّمون على الثبات في حقّهم، ومتضامنون على الوقوف في وجه الباطل والاحتجاج الصارخ على قانون ٨ مارس وما سبقه من قوانين جائرة وما نشأ عنه وعنها من تطبيقات جائرة.
стр. 381
الأستاذ محمد بن مرزوق*
فجعت مدينة تلمسان عمومًا وطائفة الإصلاح خصوصًا بموت الأستاذ الخير محمد بن مرزوق سليل البيت المرزوقي الشامخ البنيان، ورئيس شعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأحد دعاتها الثابتين.
لقي ربّه ليلة الأربعاء ٢٢ جمادى الثانية بعد مرض لازمه زهاء عام، ولم يفد فيه علاج ولا حيلة، فكان موته صدمة لاقاها المصلحون بالصبر، وكان أثرها فيهم بقدر ما فقدوه بفقد الراحل الكريم من خلال صالحة وعزيمة ثابتة، ويقين لا تشويه الشائبة.
كان كل حظ الفقيد من العلم مبادئ عربية تلقّاها عمن أدرك من مشائخ ذلك العصر في تلمسان، وتعاليم مدرسية رسمية تلقّها بمدرسة تلمسان الحكومية.
ثم بعد حصوله على شهادتها الأخيرة سمتْ به همته إلى تحصيل الشهادة العليا من مدرسة الجزائر فحصَّلها، وبدأ حياته العملية مدرّسًا حكوميًا بالسودان، ثم مدرّسًا بمدرسة الألسن الشرقية بباريس، ولم يرض ذلك كله شيئًا من همته ولا اتّفق مع ما هو مستعدّ له، وكأنه كان يروّض نفسه الأبية على شيء لم يخلق له، ثم انخرط في السلك القضائي من أول مراتبه فلم يلبث فيه إلا قليلًا، ثم دخل في التدريس الرسمي ببلدة "بلعبّاس"، فكانت آخر رتبة لتلك الرياضة التي راض بها نفسه على الوظائف، فلم تتفق واحدة منها مع تلك النفس الحرّة.
ولو أن نفسه كانت من طراز تلك النفوس التي تعشق الوظيفة بما فيها من قيود، لبلغت به اليوم أقصى تلك الدرجات وحلته بحلاها. ولكنها رجعت به، مع رقة الحال، إلى أقرب
стр. 382
عمل من الحرية وهو "الوكالة الشرعية"، وما زال يتبلغ بما يحصله منها محتفظا بإيمانه وحريته وشرف نفسه إلى أن لقي ربّه.
انتُخب عضوًا بالمجلس البلدي مرات متواليات، فكانت ثقة الأمة به في محلّها وكان في حياته النيابية- التي استغرقت بضع عشرة سنة من عمره- مثال الصدق والإخلاص وأداء الواجب، لم يدنس شرفه بمطمع ولم يغمس يده في دنيئة، مع رقة حاله وكثرة عياله، وكان طاهر العقيدة متينها في دينه، صائب الرأي سديد التفكير في الشؤون الدينية العامة. سمعتُ من فيه- ﵀ أن التعاليم المدرسية الحكومية أثّرت في نفسه تأثيرًا سيئًا كانت نتيجته الإلحاد، ولكن هذه الغمرة انجلت عنه سريعًا، وتلتها غمرة تألم مطبقة، ولما لم يجد أمامه مظهرًا إلا النحلة الدرقاوية انتحلها وغرق فيها إلى الأذنين، ولكنه أدرك بفكرته السليمة فسادها ومُنافاتها لدين الحق، فانتشل نفسه من تلك الوهدة، وبقي يرقب فجر الهدى حتى انبلج فجر نوره بظهور الحركة الإصلاحية على يد جمعية العلماء، فكان الرجوع إلى مبادئها خاتمة المطاف لنفسه التواقة إلى الحق.
...
كان يوم دفنه يومًا مشهودًا، فقد مشى في جنازته زملاؤه النواب من مسلمين وأوروبيين ونائبا شيخ المدينة ونائب عامل عمالة وهران بتلمسان وكثيرون من موظفي المجلس البلدي، وغمر هؤلاء الرسميين بحر لجي من طبقات الأمة يتقدمهم أعضاء الجمعية الدينية التي كان عضوًا فيها، وشعبة جمعية العلماء التي كان رئيسًا لها، والجميع واجمون مطرقون كأن على رؤوسهم الطير، تأدّبًا بآداب السنّة المطهرة.
فبهذه المناسبة نُعلن البشرى لإخواننا المصلحين بأن إقامة الجنائز على منهاج السنّة الشريفة توطدت بتلمسان، وغلبت على بِدَع الطرقية، وانتصرت انتصارًا حاسما بعد صراع عنيف وثبات من المصلحين مجيد.
ولما وصلت تلك الجموع إلى مصلّى المقبرة اصطفت الصفوف وتقدم للصلاة عليه محمد البشير الإبراهيمي، وبعد الصلاة تحلقت أفواج الخلائق وهو قائم على الجثمان لم يبرح مكانه، فتقدم الأستاذ عبد السلام طالب النائب المالي والعمالي وتلا خطبة مختصرة بالعربية، وتقدم بعده نائب شيخ المدينة فارتجل خطابًا مؤثّرًا بالفرنسية باسم مدينة تلمسان.
ولم يسبق للإبراهيمي أن خطب على جنازة منذ دخل تلمسان لعدم تأتّي المناسبة، وكان في هذا المشهد بادي التأثر، دامع العين، خاشع الطرف، حزين الملامح، فدفعه ذلك التأثر بالمشهد المحزن، بعد أن رمقته العيون من كل جانب، إلى ارتجال خطبة أسالت المدامع
стр. 383
وأثارت كوامن الأسى، وحرّكت في أنفس الشيوخ عروق الخشية والخوف من الله، وحفزت نفوس الكهول إلى التسابق في الصالحات وحسن التأسّي بالعاملين وعرّفهم معنى كرامة النفس وشرفها في سيرة الراحل الكريم، وجلّت لنفوس الشبان عِبَر الحياة وطرائقها في سِيَر من سبقهم.
ولقد- والله- وجلت نفوس وخفقت أفئدة واهتزت من ذلك الخطاب حتى من الذين كانت تعوقهم عوائق الشرّ وتصدّهم رؤوس الضلال عن سماع كلام الإبراهيمي في دروسه ومحاضراته.
رحم الله الراحل المودعّ وعزّى فيه جميع إخوانه المصلحين الأحرار.
стр. 384
ختم الدروس السنوية «بدار الحديث» *
- ١ -
الدعوة إلى الكتاب الكريم والسنة المطهرة من الأعمال التي تسجّل بماء الذهب لجمعية العلماء على الوطن الجزائري بعد أن قضت عليهما خرافة الطرقية وضعف المنتسبين للعلم عن إدراك حقائقهما.
ولقد سنّ هؤلاء للقرآن سننًا ابتدعوها للانتفاع به وكل أموال الناس باسمه، ولولا ذلك لما بقي يحفظ حتى اليوم.
وأما السنة فلم يبق لها أثر إلا في المجلدات- على قلّتها- عند من يقرأها على سبيل التبرك، ولقد أدركنا من هؤلاء مَن إذا دخل "الطبّالون" داره لمناسبة: كانت "النوبة" الأولى على صحيح البخاري بعد وضعه على كرسي وقيام "المعلمين" وقوفًا إجلالًا لما بين أيديهم، وكأنهم وضعوا لهذا الغرض "نوبة" يتفننون في تأديتها بغير المعتاد.
كما أدركنا مَن إذا ألمّ به ملمّ فزع إلى ضريح الشيخ أبي مدين طالبًا اللطف من الله (قطعًا) على يده بعد أن يقدّم بين يديه سلكة من القرآن (١).
وإنك لَتعجب كل العجب إذا حدّثتك عن صاحبنا: إنه ممن يدرس علم التوحيد، ويقرأ صحيح البخاري بالجامع الأعظم.
أما اليوم وقد عمّت الدعوة القطر كله، وكان حظ تلمسان منها كبيرًا بسبب مَن اختاره الله لها، فقد كثرت دروس التفسير وكتب السنّة حتى من إخواننا الطرقيين الذين كانوا في
стр. 385
غفلة عنهما، مشتغلين بخلواتهم وجلواتهم، وكأنهم شعروا بضعف ما في أيديهم فاغتنموها فرصة أضافوها إلى مذهبهم.
ونحن نتفاءل بهذه الإضافة كيفما كانت، معتقدين قرب اليوم الذي يظهر الله كتابه على سائر الكتب ولو كره المشعوذون.
...
كان يوم الجمعة ١٧ جمادى الثانية موعدًا لختم سورة إبراهيم- ﵇ الذي صادف إتمامها العطلة الصيفية بهذا العام، وقد شاركت العمالة الوهرانية في حضوره، وما غربت شمس ذلك اليوم حتى كانت تلمسان تتماوج بزرافات المصلحين الذين ساقهم حادي القرآن إلى الاقتباس من نور هذا الختم الميمون، وما أفل سراج السماء حتى بزغ وجه العلّامة الأستاذ الشيخ عبدالحميد ابن باديس الذي وفد على تلمسان ممثلًا لعمالتي قسنطينة والجزائر في هذا الختم المبارك.
وما دقّت الساعة التاسعة حتى كان باطن «دار الحديث» كظاهرها يتلألآن بنوري الإصلاح والمصباح، وعلى المنصّة من قاعة المحاضرات جلس الشيخان كفرسي رهان في حلبة البيان، محاطين بكواكب العرفان، وبعد أن شخصت الأبصار وخشعت الأصوات دوّى صوت الإبراهيمي مفتتخا لدرسه بقوله: الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
وقبل أن نتعرض لما التقطناه من جواهر هذا الدرس، أذكر بكل إعجاب ما للهجة الأستاذ في تلاوة الآيات المراد تفسيرها من التأثير على السامعين، لقد تعوّدنا أن نفهم الآيات من تلاوته قبل تفسيره وبيانه الشافي.
ولنقتصر على ما استطعت تقييده من توطئة الدرس معتذرًا بسرعة الأستاذ في التقرير، قال لا فُضَّ فوه: المقارنة بين فاتحة السورة وبين خاتمتها وبين قصّة إبراهيم- ﵇ تشعرنا بالصلة الوثيقة بين إبراهيم ومحمد- ﵉، إذْ كل منهما قد ابتلي لمحاربة الأوثان وبثّ التوحيد الخالص في البشر.
واستعرض الكثير مما قصه الله علينا من شأن إبراهيم في القرآن، وانه أكثر الأنبياء ذكرًا، وما كثر ذكر شيء في القرآن إلا للاعتبار.
стр. 386
وقد ناضل إبراهيم- ﵇ في محاربة الأوثان، واستدل بالمكونات على المكوّن إلى أن أعياه أمرها، فهاجر إلى ربّه وترك قومه وما يعبدون، والعبرة الكبرى في نقل إسماعيل- ﵇ إلى أرض الحجاز، وسكنى إسحاق بأرض كنعان، إذ أخرج الله من صلبيهما فرقتين عظيمتين العرب وبني إسرائيل، وقد جدّد الله لهما دين أبيهما على يد الرسل- ﵈، فأما بنو إسرائيل فقد كانوا يقابلون رسلهم بما قصّه الله علينا في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، زيادة على قتلهم الأنبياء بغير الحق، فكانت العاقبة عليهم وضربت عليهم الذلّة والمسكنة، وأما بنو إسماعيل من العرب فقد آووا ونصروا وأوذوا في نشر الدعوة إلى الله بما هو معلوم، وما دخلت عليهم الدخائل إلا بعد موت محمد ﷺ على يد علماء السوء من أمته، وبهذه النظرة الملقاة على تاريخ الأمتين يتبين نجاح دعوة محمد- ﵇ ومحاربته للأوثان، فإنه ما مات حتى هدّمها بيده الشريفة، وطهّر وطنه منها بيد أن إبراهيم- ﵇ هاجر من أرضها.
ولم يكتف نبيّنا من هدم الأصنام حتى هدّم محبّتها من القلوب، وشيّد بدلها إيمانًا صحيحًا مكانها، ثم عرج الأستاذ على ما وصلت إليه أمة محمد- ﵇ من انحطاط الأخلاق، وإن السبب الوحيد في هذه الوثنية التي لا تزال القلوب تحنّ إليها هو البعد عن القرآن وما جرّ على المسلمين هذا البلاء الذي ملك عليهم أمر دينهم ودنياهم إلا سكوت علمائهم وضعفهم عن مقاومة الحجّة بالحجّة والدليل بالدليل إلى آخر ما قال، وبعد أن أتمّ الدرس قدّم الأستاذ الشيخ عبد الحميد ابن باديس ليلقي كلمة على الحاضرين، فكانت تلك الكلمة درسًا عظيمًا يجدر بنا أن ننبّه عن نقط هامة من هذا الدرس الجليل. قال - حفظه الله- بعد الحمدلة والتصلية:
هذه كلمة ليست درسًا مستقلًا بنفسه، وإنما هي تتميم لدرس الأخ الأستاذ الإبراهيمي، اقتضاها حديث مجلس دار فيه كلام بيني وبين الإخوان على أن الاسم دليل على المسمّى، واننا كثيرًا ما وجدنا مطابقات بين الاسم والمسمّى، وذلك مطرد حتى في تسمية الأولاد.
وقد عرف العرب هذا، واستشهد بتسمية عبد المطلب لنبيّنا- ﵇، وبما قيل له في ذلك وبما أجاب. والقصد من هذا الاستدلال أن المسمىّ للشيء يلاحظ معنى ذلك الاسم.
وإننا نجد في القرآن أسماء الله تعالى من هذا القبيل، كما نجد ذلك في أسماء النبي ﷺ التي في القرآن والتي في حديث: لي خمسة أسماء الخ الحديث.
ومن تفقّه في أسماء القرآن كان له الحظ العلمي والعملي، ذكّرني هذا قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ ... ﴾، فقد سماه الله كتابًا، وقرآنًا، وفرقانًا، وذكرًا، وبلاغًا، ونورًا.
стр. 387
فتسميته له بالكتاب تنبيه لنا بما في الكتابة والخط من الفوائد لنكون أمّة كاتبة، فإن أول ميزان توزن به الأمة هو ما فيها من النسبة المائوية بين الذين يكتبون والذين لا يكتبون. هذا هو الحظ العلمي، أما العملي فقد نفّذ النبي ﷺ ذلك في قصّة أسرى بدر.
وتسميته بالقرآن تنبيه لنا بما في القراءة من فوائد بعد معرفة الكتابة، لأنهما الأساسان اللذان تنبني عليهما أمور الدنيا والآخرة.
وتسميته بالفرقان لينبهنا بالعلوم الكونية والعلوية لنفرّق بين الأسباب الشرعية والكونية، أما الذي يكتب ويقرأ ولكنه لا يفقه أسرار الكون فإن كتابته وقراءته حجّتان عليه. وتسميته بالذكر لأنه كتاب غير خارج عن سنّة الوجود، ولأنه يكشف لنا الحجب عما حجب عنا، فمن رام أن يذكر الناس فالقرآن هو الذكر.
وتسميته بالنور لأنه يكشف لنا عن الحقائق المعنوية كما أن النور يكشف عن الحسّيات.
هذه جملة مختصرة على أسماء القرآن وشينا بها هذا الدرس، وهي حظّنا من العلم.
أما حظّنا من العمل فهو فتح هذه المدرسة لأن الدعوة إلى العلم لا يردّها عقل.
إن تلمسان ظُلمت ظلمين: ظُلمتْ بإغلاق مدرستها، وظُلمتْ بعدم إعطاء الرخصة، لقد سلك التلمسانيون السبل المشروعة، أشهد أنهم قد أدّوا واجبهم في دائرة القانون.
ثم إني لا أخاطب المصلحين دون الطرقيين، لأن المدرسة لتلمسان لا للمصلحين. الطرقية التلمسانية لم تكن بأقلّ ظلمًا من المصلحين، أقول هذا وأجدّد القول، وما بقي لنا إلّا أن نقرأ، ولو أغلقتْ علينا أبواب المدرسة. ألا فليشهد التاريخ!
انتهى كلام الأستاذ بعد أن أسال الدموع الحارة بهذه العبارات النافذة لأعماق القلوب.
وعلى الساعة العاشرة والنصف انفض الجمع يحمل بين جوانحه حبّ القرآن والعلم ويحسّ بوخز العار الذي لحقه من تعطيل «دار الحديث».
стр. 388
- ٢ - *
درس في التفسير
(سعادة المسلمين في العمل بالقرآن)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ (١) لِلنَّاسِ، وَلِيُنْذَرُوا (٢) بِهِ، وَلِيَعْلَمُوا (٣) أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٤)، سورة إبراهيم (٥)، الآية ٥٢.
السورة التي ختمت بهذه الآية الجامعة الفذة (٦) هي سورة إبراهيم ﵇، وما أكثر السور التي ذكر (٧) فيها إبراهيم وقُصَّ فيها قصص إبراهيم، وما أحق الكثير منها بأن يسمى بهذا الاسم، لما فيها من زيادة التفصيل في أصل دعوته، ومُحاجته لقومه أو مُحاجة قومه له، أو لما فيها من غرابة الحادثة وَروْعة سياقها كقصة ابتلائه (٨) بذبح ولده في سورة الصافات (٩)، وقصة
стр. 389
تبشير الملائكة له ولزوجته بالولد، بعد أن مسّهما الكِبرُ في سورة هود (١٠). وهاتان الحادثتان أغربُ من حادثة بناء الكعبة المذكورة في هذه السورة (١١)، وفي سورتي البقرة (١٢) والحج (١٣)، وان كان بناء الكعبة أعظم منهما أثرًا وأيسرَ ذكرًا، ولكن تسمية السُّوَر القرآنية ليست بالهوى والتّشهّي، والمناسبات الفنية، والاعتبارات الذوقية، والملاحظات الاصطلاحية، وإنما هي توقيف من رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى، فحسْبُنا فيها الاتباع. وهذه السورة التي ختمت بهذه الآية بُدِئت بقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ (١٤) أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ (١٣) النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ (١٦).﴾ وإن استهلالَ سورة نسبت إلى إبراهيم واختتامَها بالتنويه بكتاب الإسلام لَإشْعارٌ لنا بالصلة الوثيقة بين دين إبراهيم ودين الحق الذي جاء هذا الكتاب لبيانه، وبالأصالة العريقة التي انفرد بها هذا الدين الحنيف، تلك الأصالة التي قرّرتها آيات من القرآن في توحيد الله وفي تقرير سُننه في الخَلق والتكوين والجزاء وسرائر (١٧) البشر، قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ (١٨) بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى. وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (١٩) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. وَأَنْ لَيْسَ (٢١) لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى. ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٢٢).﴾ وقال تعالى، بعد أن ذكر طائفة من شؤونه في خلْقه: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (٢٣).﴾ وقال: ﴿ ... مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ (٢٤).﴾ فإبراهيم الّذي جعله الله إمامًا للناس هو الأب الروحي لكل من أسلم قلْبَه ووجْهه لله، وقد أخرج الله من صلبه طائفتين عظيمتين كانتا في تاريخ العالم الإنساني مظهرًا لدين الله في
стр. 390
الأرض: بنى إسرائيل، والعرب، وإن كانت الطائفتان مُتَفَاوِتتَيْنِ كلَّ التفاوت في فهم الدين، وتذوقه، وتحمّله، وأدائه، والائتمان عليه، بتفاوت الاستعداد والزمن، وظهور الرسالة، وقوّة الاضطلاع، واستحقاق الاستخلاف والتَّمكين.
ويكفينا فرقًا بين الِاستعداد والِاستعداد أَنَّ بني إسرائيل قالوا لأَعظم (٢٥) رسُلهم، بعد أن قادهم إلى العِزّ، وأنقذَهم من الِاستعباد والهوان، وبعد أن رأوا الآيات (٢٦)، وانثالتْ (٢٧) عليهم النِّعَم الإلهية على يديه: ... (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٨).﴾ واتخذوا (٢٩) في غيبته عجلًا جسدًا (٣٠) له خوار، ولم يكفهم ذلك، بل ... ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٣١)﴾، ولم يفارقهم الحنين إلى الوثنية، فقالوا، عندما رأوا ما يذكِّرُهم بها: ( ... اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٣٢)﴾، ثم خلفوه في دينه بعد موته أسوأَ خلافة، فبدّلوا وغيروا، وحرّفوا الْكَلِمَ عن مواضعه ونسُوا (٣٣) حظًا مما ذُكّروا به حتى ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة، وتأذّن (٣٤) ليَبْعَثَن (٣٥) عليهم إلى يوم القيامة مَنْ يَسُومهم (٣) سوءَ العذاب، كما هو مشاهد بالعيان في كلِّ زمان وفي كلّ مكان. وكأن تاريخ الإنسانية عَيِيَ بهم، فهم يترددون على لَهَوَاته (٣٧) تردُّد اللُّقْمة غيرِ السَّائغة إلى يوم القيامة، ومن جار على حقائق الله جارت عليه حقائقُ الوجود.
أمَّا العربُ فكانوا لرسولهم على النقيض ممّا كانت عليه إسرائيل لِرسولها، فلم يَرْتَبْ مُؤْمِنٌ منهم بعد إيمانه، ولم تخالطْ يقينَه في الله وفي الحق شبهةٌ، ولا طاف بنفسه طائفُ الوثنية بعد أن عَمرت بالتَّوحيد، بل آوَوْا ونَصَرُوا، وجاهدوا وصبروا، وفارقوا ديارهم وهاجروا، ثم خلفوه في دينه بعد موته أحسن خلافة، فهمًا وعملًا ونشرًا وتطبيقًا، وما دخلت