وقد ناضل إبراهيم- ﵇ في محاربة الأوثان، واستدل بالمكونات على المكوّن إلى أن أعياه أمرها، فهاجر إلى ربّه وترك قومه وما يعبدون، والعبرة الكبرى في نقل إسماعيل- ﵇ إلى أرض الحجاز، وسكنى إسحاق بأرض كنعان، إذ أخرج الله من صلبيهما فرقتين عظيمتين العرب وبني إسرائيل، وقد جدّد الله لهما دين أبيهما على يد الرسل- ﵈، فأما بنو إسرائيل فقد كانوا يقابلون رسلهم بما قصّه الله علينا في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، زيادة على قتلهم الأنبياء بغير الحق، فكانت العاقبة عليهم وضربت عليهم الذلّة والمسكنة، وأما بنو إسماعيل من العرب فقد آووا ونصروا وأوذوا في نشر الدعوة إلى الله بما هو معلوم، وما دخلت عليهم الدخائل إلا بعد موت محمد ﷺ على يد علماء السوء من أمته، وبهذه النظرة الملقاة على تاريخ الأمتين يتبين نجاح دعوة محمد- ﵇ ومحاربته للأوثان، فإنه ما مات حتى هدّمها بيده الشريفة، وطهّر وطنه منها بيد أن إبراهيم- ﵇ هاجر من أرضها.
ولم يكتف نبيّنا من هدم الأصنام حتى هدّم محبّتها من القلوب، وشيّد بدلها إيمانًا صحيحًا مكانها، ثم عرج الأستاذ على ما وصلت إليه أمة محمد- ﵇ من انحطاط الأخلاق، وإن السبب الوحيد في هذه الوثنية التي لا تزال القلوب تحنّ إليها هو البعد عن القرآن وما جرّ على المسلمين هذا البلاء الذي ملك عليهم أمر دينهم ودنياهم إلا سكوت علمائهم وضعفهم عن مقاومة الحجّة بالحجّة والدليل بالدليل إلى آخر ما قال، وبعد أن أتمّ الدرس قدّم الأستاذ الشيخ عبد الحميد ابن باديس ليلقي كلمة على الحاضرين، فكانت تلك الكلمة درسًا عظيمًا يجدر بنا أن ننبّه عن نقط هامة من هذا الدرس الجليل. قال - حفظه الله- بعد الحمدلة والتصلية:
هذه كلمة ليست درسًا مستقلًا بنفسه، وإنما هي تتميم لدرس الأخ الأستاذ الإبراهيمي، اقتضاها حديث مجلس دار فيه كلام بيني وبين الإخوان على أن الاسم دليل على المسمّى، واننا كثيرًا ما وجدنا مطابقات بين الاسم والمسمّى، وذلك مطرد حتى في تسمية الأولاد.
وقد عرف العرب هذا، واستشهد بتسمية عبد المطلب لنبيّنا- ﵇، وبما قيل له في ذلك وبما أجاب. والقصد من هذا الاستدلال أن المسمىّ للشيء يلاحظ معنى ذلك الاسم.
وإننا نجد في القرآن أسماء الله تعالى من هذا القبيل، كما نجد ذلك في أسماء النبي ﷺ التي في القرآن والتي في حديث: لي خمسة أسماء الخ الحديث.
ومن تفقّه في أسماء القرآن كان له الحظ العلمي والعملي، ذكّرني هذا قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ ... ﴾، فقد سماه الله كتابًا، وقرآنًا، وفرقانًا، وذكرًا، وبلاغًا، ونورًا.
стр. 387
فتسميته له بالكتاب تنبيه لنا بما في الكتابة والخط من الفوائد لنكون أمّة كاتبة، فإن أول ميزان توزن به الأمة هو ما فيها من النسبة المائوية بين الذين يكتبون والذين لا يكتبون. هذا هو الحظ العلمي، أما العملي فقد نفّذ النبي ﷺ ذلك في قصّة أسرى بدر.
وتسميته بالقرآن تنبيه لنا بما في القراءة من فوائد بعد معرفة الكتابة، لأنهما الأساسان اللذان تنبني عليهما أمور الدنيا والآخرة.
وتسميته بالفرقان لينبهنا بالعلوم الكونية والعلوية لنفرّق بين الأسباب الشرعية والكونية، أما الذي يكتب ويقرأ ولكنه لا يفقه أسرار الكون فإن كتابته وقراءته حجّتان عليه. وتسميته بالذكر لأنه كتاب غير خارج عن سنّة الوجود، ولأنه يكشف لنا الحجب عما حجب عنا، فمن رام أن يذكر الناس فالقرآن هو الذكر.
وتسميته بالنور لأنه يكشف لنا عن الحقائق المعنوية كما أن النور يكشف عن الحسّيات.
هذه جملة مختصرة على أسماء القرآن وشينا بها هذا الدرس، وهي حظّنا من العلم.
أما حظّنا من العمل فهو فتح هذه المدرسة لأن الدعوة إلى العلم لا يردّها عقل.
إن تلمسان ظُلمت ظلمين: ظُلمتْ بإغلاق مدرستها، وظُلمتْ بعدم إعطاء الرخصة، لقد سلك التلمسانيون السبل المشروعة، أشهد أنهم قد أدّوا واجبهم في دائرة القانون.
ثم إني لا أخاطب المصلحين دون الطرقيين، لأن المدرسة لتلمسان لا للمصلحين. الطرقية التلمسانية لم تكن بأقلّ ظلمًا من المصلحين، أقول هذا وأجدّد القول، وما بقي لنا إلّا أن نقرأ، ولو أغلقتْ علينا أبواب المدرسة. ألا فليشهد التاريخ!
انتهى كلام الأستاذ بعد أن أسال الدموع الحارة بهذه العبارات النافذة لأعماق القلوب.
وعلى الساعة العاشرة والنصف انفض الجمع يحمل بين جوانحه حبّ القرآن والعلم ويحسّ بوخز العار الذي لحقه من تعطيل «دار الحديث».
стр. 388
- ٢ - *
درس في التفسير
(سعادة المسلمين في العمل بالقرآن)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ (١) لِلنَّاسِ، وَلِيُنْذَرُوا (٢) بِهِ، وَلِيَعْلَمُوا (٣) أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٤)، سورة إبراهيم (٥)، الآية ٥٢.
السورة التي ختمت بهذه الآية الجامعة الفذة (٦) هي سورة إبراهيم ﵇، وما أكثر السور التي ذكر (٧) فيها إبراهيم وقُصَّ فيها قصص إبراهيم، وما أحق الكثير منها بأن يسمى بهذا الاسم، لما فيها من زيادة التفصيل في أصل دعوته، ومُحاجته لقومه أو مُحاجة قومه له، أو لما فيها من غرابة الحادثة وَروْعة سياقها كقصة ابتلائه (٨) بذبح ولده في سورة الصافات (٩)، وقصة
стр. 389
تبشير الملائكة له ولزوجته بالولد، بعد أن مسّهما الكِبرُ في سورة هود (١٠). وهاتان الحادثتان أغربُ من حادثة بناء الكعبة المذكورة في هذه السورة (١١)، وفي سورتي البقرة (١٢) والحج (١٣)، وان كان بناء الكعبة أعظم منهما أثرًا وأيسرَ ذكرًا، ولكن تسمية السُّوَر القرآنية ليست بالهوى والتّشهّي، والمناسبات الفنية، والاعتبارات الذوقية، والملاحظات الاصطلاحية، وإنما هي توقيف من رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى، فحسْبُنا فيها الاتباع. وهذه السورة التي ختمت بهذه الآية بُدِئت بقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ (١٤) أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ (١٣) النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ (١٦).﴾ وإن استهلالَ سورة نسبت إلى إبراهيم واختتامَها بالتنويه بكتاب الإسلام لَإشْعارٌ لنا بالصلة الوثيقة بين دين إبراهيم ودين الحق الذي جاء هذا الكتاب لبيانه، وبالأصالة العريقة التي انفرد بها هذا الدين الحنيف، تلك الأصالة التي قرّرتها آيات من القرآن في توحيد الله وفي تقرير سُننه في الخَلق والتكوين والجزاء وسرائر (١٧) البشر، قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ (١٨) بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى. وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (١٩) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. وَأَنْ لَيْسَ (٢١) لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى. ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٢٢).﴾ وقال تعالى، بعد أن ذكر طائفة من شؤونه في خلْقه: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (٢٣).﴾ وقال: ﴿ ... مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ (٢٤).﴾ فإبراهيم الّذي جعله الله إمامًا للناس هو الأب الروحي لكل من أسلم قلْبَه ووجْهه لله، وقد أخرج الله من صلبه طائفتين عظيمتين كانتا في تاريخ العالم الإنساني مظهرًا لدين الله في
стр. 390
الأرض: بنى إسرائيل، والعرب، وإن كانت الطائفتان مُتَفَاوِتتَيْنِ كلَّ التفاوت في فهم الدين، وتذوقه، وتحمّله، وأدائه، والائتمان عليه، بتفاوت الاستعداد والزمن، وظهور الرسالة، وقوّة الاضطلاع، واستحقاق الاستخلاف والتَّمكين.
ويكفينا فرقًا بين الِاستعداد والِاستعداد أَنَّ بني إسرائيل قالوا لأَعظم (٢٥) رسُلهم، بعد أن قادهم إلى العِزّ، وأنقذَهم من الِاستعباد والهوان، وبعد أن رأوا الآيات (٢٦)، وانثالتْ (٢٧) عليهم النِّعَم الإلهية على يديه: ... (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٨).﴾ واتخذوا (٢٩) في غيبته عجلًا جسدًا (٣٠) له خوار، ولم يكفهم ذلك، بل ... ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٣١)﴾، ولم يفارقهم الحنين إلى الوثنية، فقالوا، عندما رأوا ما يذكِّرُهم بها: ( ... اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٣٢)﴾، ثم خلفوه في دينه بعد موته أسوأَ خلافة، فبدّلوا وغيروا، وحرّفوا الْكَلِمَ عن مواضعه ونسُوا (٣٣) حظًا مما ذُكّروا به حتى ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة، وتأذّن (٣٤) ليَبْعَثَن (٣٥) عليهم إلى يوم القيامة مَنْ يَسُومهم (٣) سوءَ العذاب، كما هو مشاهد بالعيان في كلِّ زمان وفي كلّ مكان. وكأن تاريخ الإنسانية عَيِيَ بهم، فهم يترددون على لَهَوَاته (٣٧) تردُّد اللُّقْمة غيرِ السَّائغة إلى يوم القيامة، ومن جار على حقائق الله جارت عليه حقائقُ الوجود.
أمَّا العربُ فكانوا لرسولهم على النقيض ممّا كانت عليه إسرائيل لِرسولها، فلم يَرْتَبْ مُؤْمِنٌ منهم بعد إيمانه، ولم تخالطْ يقينَه في الله وفي الحق شبهةٌ، ولا طاف بنفسه طائفُ الوثنية بعد أن عَمرت بالتَّوحيد، بل آوَوْا ونَصَرُوا، وجاهدوا وصبروا، وفارقوا ديارهم وهاجروا، ثم خلفوه في دينه بعد موته أحسن خلافة، فهمًا وعملًا ونشرًا وتطبيقًا، وما دخلت
стр. 391
الدخائل (٣٨) على دين محمد ﷺ إلّا بعد قرون، بعد أن انتهى أمره إلى أخلاف (٣٩) السوء من الأمراء والمستبدين والعلماء الجامدين، ومع ذلك فلا زال دين محمد ﷺ ولا يزال مكين (٤٠) الأساس، واضح الاعلام بهذا القرآن الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديْه ولا من خلفه، وان هذا القرآن لم يَعْتَنِ بتحليل أمة وتفصيل سيرها مثلَ ما اعتنى بأمة إسرائيل ليحذِّرنا مما صنعوا حتى لا تصيبنا عواقب ما صنعوا، كما أن القرآن لم يُفِضْ في دعوة رسول من رسل الله، ولم يفصل طرف الحِجَاج بين رسول وقومه ما أفاض وفصّل في دعوة إبراهيم ومحاجّته (٤١) لأبيه وقومه، ليعرفنا بهذا الاب العظيم الذي زرع النبوة في العامر والغامر (٤٢) من أرض الله، فأقر ابنه اسحاق في أرض كنعان، وأقر ولده إسماعيل في الحجاز لحكمة يَسْتجليها (٤٣) المستعبرُ، ولا تعْمَى على المتدبر، وليدلنا على ما لهذا الأب العظيم من يد في إقامة ركن التوحيد وما له من أثر في حرب الوثنية والوثنيين، وليُشْعِرَنا بأنَّ لنا في بناء الحق وهدمِ الباطل ونشر الهداية والخير أصلًا عريقًا، ونسبًا طويلًا عريضًا، ومتى شعر الْإنسان الصحيح الفطرة بزكاء (٤٤) الأصْل وطهارة المنبت، تحركت فيه نوازع النخوة (٤٥)، وهاجت به عروق الأصالة والعتق، فكان ذلك داعية له إلى العزوف (٤٦) عن الدنايا، والتعلق بأسباب الشرف والكمال، وحسن التأَسّي في مكارم الاخلاق.
وبعض هذا هو سر سلوك المربين للأمم في إشرابها تاريخها، واستنارتها بسِيَر أمجادها وأبطالها، وان في القرآن لأسوةً في كل شيء حتى في هذا الباب، فهو يخاطب بني إسرائيل حتى في مقامات التنديد وتعديد المثالب (٤٧) بأحَبّ النسب إليهم، فينسبهم إلى إسرائيل الذي هو مناط (٤٨) فخرهم، ومعقِد عَزْمهم، وصخرةُ تاريخهم، ليستفزَّهم بذلك، ويُنبهَهم أنّ لهم أصلًا أصيلًا في الشَّرف يحسُن (٤٩) عليهم أن يرجعوا إليه ويقْبُح بهم أن يعقوه ولا يقتدوا به.
стр. 392
وأكبر الفوائد لنا، فيما قصَّ القرآنُ من قَصص إبراهيم، ما تضمنته من العلوم، ففيها، على تقارب أساليبها واختلاف السور المتضمنة لها ما بين مكية ومدنية، آيات للمتوسمين (٥٠)، ومجالات لأفكار المتدبرين (٥١)، يقرأها المتدبر فيخرج منها بدستور جامع في التوحيد والدعوة إليه، وما يلزم الداعي من قوّة في الجدل، وبراعة في أساليبه، وصبرٍ على المقارعة والنّضال في سبيله، وقدرةٍ على التحايل في إقناع النّفوس الضالّة والعقول التي لا تهضم البرهان، وصبرٍ على جفاء الأقارب، وشدةٍ وحزم في التبرؤ منهم وقطعِ حبالهم.
إن المتذوق لأسرار القرآن، المستخرج لِلَطَائِفِ المُقارنات بين نفوس المصطفين من عباد الله، لَيُدْرِكُ بالذوق النّفسي ذلك الحنان، وتلك الرقة التي تقطر من قول نوح اليائس من ابنه (٥٢ م): ﴿ ... رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي، وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ، وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾، وتلك الشدة من خطاب إبراهيم لأبيه، ومن إيذانه بالبراءة، بعد ما تبين له أنه عدوّ لله.
وإذا كان المظهر الأعلى للتوحيد من العبادات هو الدعاء، فإن أدعية إبراهيم التي قصها الله علينا هي أشرف تلك المظاهر في التنزيه المحض (٥٢)، والأدب الكامل، وهي الأسلوب الذي يجب أن يحتذيه (٥٣) كل داع موحِّد، وإذا كانت الوثنية هي داء الإنسانية العضال، وهي العدو الذي حاربه نوح (٥٤) ألف سنة إلّا خمسين عامًا، فما آمن معه إلّا قليل، وكانت خاتمة دعوته تلك الشكوى المؤلمة، وذلك السخط المنبعث من مناجاته ربَّه في السورة (٥٥) المسماة باسمه، وفيها يقول عن قومه: ﴿ ... رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي، وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٥٦). وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٥٧). وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ (٥٨) آلِهَتَكُمْ، وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (٥٩)، وإذا كان هذا شأن نوح مع الوثنية والوثنيين، فإن
стр. 393
شأن إبراهيم معها غير هذا الشأن، شأنه أنه قبَّحها في نظر قومه أشنع تقبيح، وقرعهم (٦٠) على عبادتها أعظم تقريع، ولما لم تغن فيهم تلك القوارع (٦١) ولم توثر في نفوسهم القاسية البراهين الصوادع (٦٢)، راغ (٦٣) يجلي (٦٤) تلك الأوثان ضربًا باليمين حتى جعدها جذاذًا (٦٥) وحطمها تحطيمًا، وهذه هي المرتبة الرفيعة، مرتبة تغيير المنكر باليد سنّها أبو الأنبياء إبراهيم وتبعه فيها موسى حينما قال للسامريّ (٦٦): ﴿ ... وَانْظُرْ (٦٧) إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ (٦٨) عَلَيْهِ عَاكِفًا (٦٩) لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٧٠)، وتبعهما خِتَامُهم وأفضلُهم محمد ﷺ ، فحطم أوثان العرب المحيطة بمكة، وأرسل أصحابه يهدمونها في كلّ حيّ، ولم تغنِ عن طاغية ثقيف شفاعةُ ثقيف.
ومن آفات البعد عن هداية القرآن وعلوم القرآن وتربية القرآن أن الوثنية التي أودت (٧١) بالأمم قبلنا، وكانت علة العلل في ضلالها وشقائها، ولقي منها رسل الله الْأَلاقي (٧٢) حتى قال نوح في الوثنيين من قومه، بعد أن ذكر أسماء أوثانهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا (٧٣) ... )، وقال إبراهيم في أوثان قومه: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ (٧٤) ... )، هذا المرض الفتاك الذي استعصى على أولي (٧٥) العزم من رسل الله علاجُه، هو الذي غفل عنه المسلمون، وهون شأنَه علماؤهم الجامدون حتى استشرى (٧٦) وأَعضل.
стр. 394
فهذه القِباب المشيدة، وهي أوثان هذه الأمة، أضلت كثيرًا من الناس، وأكثر من الكثير، وافتتنوا بها، وبأسماء اصحابها حتى ألهتْهم عن دنياهم وأفسدت عليهم أخراهم، وغلوا (٧٧) في تعظيمها حتى أصبحت معبودة تُشَدُّ إليها الرحال، وتقرَّبُ لها القرابين والنذور، وتسأل عندها الحاجات التي لا تسْأَلُ إلّا من الله، ويحلف بها من دون الله، ويتآلى (٧٨) بها على الله، وما جَرَّ هذا البلاء على الأمة الإسلامية حتى أضاعت الدين والدنيا، إلّا سكوتُ العلماء عن هذه الأباطيل أول نشأتها، وعدمُ سدِّهم لذرائعها حتى طغت هذا الطغيان على عقول الأمة، ولو أنهم فقهوا الأمة في كتابِ ربها، وساسوها بسنة نبيها لكان لها من سيرة إبراهيم ومحمد عاصمٌ أي عاصم من هذا الشر المستطير.
إنني أحث التّالين لكتاب الله من حفّاظه والمُنصِتين له من المحافظين على سماعه منهم، على تدبر الآيات الجامعة لقصص إبراهيم، كلما مرت بهم آية البقرة (٧٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى (٨٠) إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ (٨١) فَأَتَمَّهُنَّ (٨)، قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا (٨٣)، قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي، قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي (٨٤) الظَّالِمِينَ) والآية (٨٣) الأخرى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي (٨٦) حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ، فَبُهِتَ (٨٧) الَّذِي كَفَرَ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وآية (٨٨) الأنعام: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ (٨٩) السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٩٠).﴾
стр. 395
بلاغ للناس: البلاغ والبلوغ مصدران للفعل "بلغ" الثلاثي، ومعناهما الوصول إلى النهاية في الأزمنة أو الأمكنة وغيرهما من الأمور الأخرى، وتصاريف هذه الكلمة في القرآن الكريم لا يخرج عن هذا المعنى، كقوله تعالى (٩١): ﴿ ... حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ (٩٢) وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ... ﴾، ﴿لَهُ (٩٣) دَعْوَةُ الْحَقِّ، وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِلَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ (٩٤) فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ... ﴾ ﴿قُلْ (٩٥) فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ (٩٦) الْبَالِغَةُ ... ﴾، ﴿وَقَالَ (٩٧) فِرْعَوْنُ (٩٨) يَا هَامَانُ (٩٩) ابْنِ لِي صَرْحًا (١٠٠) لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (١٠١)﴾، وتبليغ الرسل وبلاغهم يؤديان هذا المعنى أيضًا، فهو إيصال كل ما كلفوا إيصالَه عن الله إلى عباده من دينه، وشرائعه ووحيه إيصالًا كاملًا غير منقوص.
ويقال شيء بالغ إذا كان متناهيًا في صفة مميزة كقوله تعالى (١٠٢): ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ... ﴾ أي عهود مؤكدة بالأيمان متناهية في التأكيد والتوثيق (١٠٣)، ومنه بلوغ الحلم، وقد يقصر بهذه الكلمة عن معنى التناهي، وتطلق على ما يقاربه ويشارفه لمعنى، وهذا النحو، وهو اطلاق اللفظ على قريب من معناه، شائعٌ في العربية، معدود من مجازاتها المشهورة، وعليه حُمِلَ قوله تعالى (١٠٤): ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ (١٠٥) بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ، وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ، ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمَنْ يَتَّقِ (١٠٦) اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، فليس
стр. 396
المراد ببلغن هنا انتهين إلى آخر ما يعتددن به، لأنهن، إن وصلن إلى ذلك، ملكن أمر أنفسهن، ولم يبق للرجال حق في إمساكهن ومراجعتهن.
وجميع الكلمات التي تلتقي مع كلمة بلغ في حروفها تلتقي معها في معناها، كالبلاغة في الكلام، وهي أن يبلغ المتكلم ما يريد من السامع بإصابة موضع الإقناع من العقل والوجدان من النفس، والمبالغة في القول أو العمل هي أن يبلغ إلى نهاية الممكن من نوعهما، والبُلْغة من العيش هي أقل ما يمسك الرمق، والأقل نهاية في التدلّي والتبلغ تَفَعُّلٌ وممارسةٌ من البلغة، ومع هذا الشرح لتصاريف هذه الكلمة التي تلتقي في أصل واحد، فإن معنى كون القرآن بلاغًا لا يفهم بمجرد التعريفات الاصطلاحية، ولا بالوقوف عند حدود الذلالات اللفظية، فبلاغ معناه وصول، وهذا لا يقنع، وبلاغ بمعنى شيء بالغ أو شيء مبلغ لا يقنع، وإنما يفهم هذا ونحوه بالذوق القرآني، فإذا قلنا في معنى الجملة: هذا القرآن بما فيه من الحكم والأحكام، وبما فيه من الترغيب والترهيب، وبما فيه من رغائب الروح والجسد، وبما فيه من علوم وحقائق، وبما فيه من بيان حقوق الله على عباده وحقوق العباد بعضهم على بعض، وبيان ما ضمنه لعباده من حقوق إلى غير ذلك مما اشتمل عليه، نهاية وكفاية للناس في الاتعاظ والاعتبار، بحيث لا يحتاجون إلى غيره في إصلاح نفوسهم واعدادها للحياة السعيدة في الدارين، إذا قلنا ذلك لم نبعد في تفسير هذه الكلمة وإصابة الصواب في موقعها من هذه الجملة.
﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾: الإنذار اعلام مع تخويف، قال تعالى (١٠٧): ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٠٨)﴾، ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا (١٠٩) فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ (١١٠) صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، ويقابله التبشير، وهو الاخبار بما يُسر ويبهج، مثل قوله تعالى (١١١): ﴿يُبَشِّرُهُمْ (١١٢) رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ.﴾ وقد تستعمل البشارة في الضد كقوله تعالى: ﴿ ... فَبَشِّرْهُ (١١٣) بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. والْإنذار والتبشير هما أهم وظائف الرّسل، قال تعالى (١١٤): ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ... ﴾، وقد كانت أولى وظائف نبينا
стр. 397
عليه الصلاةُ والسلام، النذارة، أمر بالانذار الخاص لعشيرته بقوله تعالى (١١٥): ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، ثم أمر بالإنذار العام بقوله (١١٦): ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. والإنذار سابق على التبشير طبعًا، لأنه يتعلق بالكافرين والمشركين، ويتوجه به إليهم، فإذا زعزع الانذار كفرَهم وشرْكهم، وآمنوا بالله، واتبعوا رسلَه، وعملوا الصالحات، جاء التبشيرُ. قال تعالى (١١٧): ﴿ ... أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا (١١٨) إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ، وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ (١١٩) صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ... ﴾ (١٢٠) وقدّم التبشير على الانذار في اللفظ أحيانًا، لأنه النتيجةُ والمقصود والثمرة (١٢١). وقد يُطلق النَّذير على كل ما فيه إنذار وتخويف من الحوادث الكونية كقوله تعالى (١٢٢): ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾، ﴿وَلَقَدْ (١٢٣) يَسَّرْنَا (١٢٤) الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٢٥)﴾، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا (١٢٦) فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ. تَنْزِعُ (١٢٧) النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ (١٢٨) مُنْقَعِرٍ- (أي منقلع من مغارسه) -. فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾، ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (١٢٩)﴾، والقرآن مُنْذِرٌ.
ويستخلص من معنى هذه الجملة أن القرآن أنزل للإنذار، وتشهد لذلك آيات قرآنية كثيرة، أصرحها في المراد قوله تعالى (١٣٠): ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ
стр. 398
بَلَغَ ... ﴾ وقوله (١٣١): ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى (١٣٢) وَمَنْ حَوْلَهَا ... ﴾، ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ، فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ (١٣٣) ... ﴾، ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ (١٣٤) بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ، وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (١٣٥)﴾، وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ (١٣٦)، ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ (١٣٧)، وقوله (١٣٨): ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ (١٣٩)﴾، ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: هو نتيجة لما قبله لأن شأن الإنذار أنه يدعو إلى التأمل وإعمال الفكر، والتأمل يستتبع الفهم، أي وليعلموا، بعد إنذار القرآن إياهم عواقب الجهل بالله والشرك به وبعد تأمّهم وتدبّرهم في دلائل القرآن وحججه، علمًا يقينيًا ما لم يكونوا يعلمونه، أو كانوا يعلمونه علمًا مشوبًا بالشكوك والأوهام، وهو أن الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، وسخر الشمس والقمر دائبين (١٤٠)، وسخّر الليل والنهار، إله واحد لا شريك له في ذاته وصفاته وأفعاله، ولا يشاركه مخلوق في شيء من الخلق والتدبير.
ولا شك أنّ أول ما جاء به القرآن ووضّحه، وأعاد القول فيه وأبدأ، وأقام عليه الأدلة التفصيلية، وأحال عباده فيه على عقولهم ووجداناتهم، هو التوحيد.
﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: أصلُه وليتذكر، أدغمت التاء في الذال لتقاربهما في المخرج، والتذكر تفعُّلٌ من الذكر الذي هو ضد النسيان، والمراد من الذكر هنا ذكر القلب لأنه الذي يقابل بالنسيان، بخلاف ذكر اللسان الذي أصبح فتنة للمسلمين فإنه عمل جارحة، وهو فعل يُقَابَل بالترك، وإنما طالبنا الله أن نذكره بقلوبنا ولأنفسنا لنستشعر دائمًا عظمته وجلاله، ونخافه ونرجوه، فيكون ذلك مدعاةً للوقوف عند حدوده، وذلك هو نهابة الكمال الإنساني.
ولما كان الشيطان (١٤١) بالمرصاد لهذا الآدمي، وكان هذا الشيطان قد أعطى الله العهد
стр. 399
وأقسم لَيُغْوِينَّه: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٢)﴾ وكانت مداخلُه إلى قلبه كثيرة، كانت أكبر وسيلة له إلى ذلك أن ينسيه ربَّه، وكان التذكر، وهو تكلف الذكر ومجاهدة النفس عليه، أمضى سلاح، يحارب به المؤمن الشيطان.
فالتذكر نتيجة عراك بين النفس المُنيبَة (١٤٣) والشيطان، ولذلك كان أمرًا شاقًا لا يقدر عليه إلا الموفقون، قال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٤٤)﴾، وقال: ... (١٤٣) ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾. وقال هنا: في آية درسنا ... ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، والألباب جمع اللب وهو العقل، قيل مطلقًا، وقيل هو العقل الخالص من الشوائب أخذا من أصل معناه، فَلُبُّ الشيء ولبابه هو خالصه، وهذا هو الذي يجب أن تفسَّر به هذه الكلمة في القرآن، لأننا نجده لا يذكرها إلّا في المسائل التي لا تدركها إلا العقولُ الزكية (١٤٦) الراجحة كقوله تعالى: ... (١٤٧) ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ (١٤٨) فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
قال تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. هذه الآية الكريمة من أبلغ الآيات، وأجمعها لوصف القرآن وبيان الحكم التي انطوى عليها والحقائق التي أنزل لِبيانها، فهي تعريف جامع لأشتات الفوائد المفصلة في آياته وسوره، وأنا اختار في مرجع هذه الإشارة من هذه الآية أنها راجعة إلى القرآن كله، ما نَزَلَ منه قبل نزول هذه الآية المكية وما لم ينزل باعتباره كلام الله الذي قدر إنزاله لهداية خلقه، وهذا أحد احتمالات ثلاثة يقتضيه اللفظ، وهو أعمها، وأقواها، وأقربها إلى الذوق القرآني وإلى اسلوب الآيات الواردة في وصف القرآن كقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ (١٤٩) ... ﴾، ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ (١٥٠) ... ﴾، ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ ... (١٥١)﴾، ولتناسب طرفي هذه السورة، فقد بدئت بذكر الكتاب الموصوف بقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ لتحقق النزول، والكتاب إنما يطلق على القرآن كله.
стр. 400
وثاني الاحتمالات أن الاشارة راجعة إلى هذه السورة، سورة إبراهيم، ورغم كونها ليست من السور الطوال فإنها مشتملة على الأصول المذكورة في هذه الآية، ففيها البلاغ، والإنذار، والإعلام بتوحيد الله، والتذكير، ومثلها كثير من سور القرآن.
وثالثها أنها راجعةٌ إلى ما بعد قصة إبراهيم من هذه السورة، وَيَبْتَدِئ من قوله تعالى (١٥٢): ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ (١٥٣) فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾، وهذا الاحتمال ضعيف ضيق، لا يقتضيه سياق الآيات التي قبله، وفرق بين الإشارة في هذه الآية والإشارة في قوله تعالى (١٥٤): ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ (١٥٥) لِلْمُتَّقِينَ﴾، فإن الإشارة في تلك الآية يحسُنُ أن يكون مرجعها خاصًا، وهو قصة أُحُد (١٥٤) التي توسطتها هي، لقد وقع في قصة أحد من الحوادث ما استوجب تنبيه المسلمين أَنَّها من سُنَنِ الله التي لا تتحول ولا تتبدل إكرامًا للنبي ولا لأتباعه، والتي بني عليها هذا الدين، وقد جاء قبل تلك الإشارة قوله تعالى (١٥٧): ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، وبعدها قوله تعالى (١٥٨): ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا، وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فكان الأقرب في مرجع الإشارة أنه خصوص ما ورد في أثناء قصة أحد من توبيخ المسلمين على مخالفة أمر الرسول وما وقع منهم من التنازع والفشل، ونهيهم عن الوهن، والحزن، والتألم ليس الفرح. وكلمة بلاغ أوسع معنى في الاستعمالات القرآنية من كلمة بيان، كما يظهر لمتدبر القرآن، المتفقه في أسرار مفرداته وتراكيبه، المستقرئ لمواقع الكلمات فيه.
وهذه الآية من حجج الله البالغة على المسلمين الذين نبذوا القرآن ظهريًا، واتخذوه مهجورًا، وعطلوه عما أنزل إليه تعطيلًا، فهي وأمثالها من الآيات الواردة بمعناها، تبين الفوائد العملية التي نزل القرآن لتحقيقها والتي هي الحكمة من انزاله، وهم يصدون عن سبيله بالتزهيد فيه، أو يبغونها عوجًا بتأويله. فالله تعالى يأمر نبيه أن يذكّر بالقرآن، ويأمره أن
стр. 401
يقول لأمته (١٥٩) ... ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ... ﴾ ويقول (١٦٠): ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ...﴾. وهذه الفوائد كلها لا تتحقق إلّا بفهمه والعمل به، ولكن سواد المسلمين اليوم وقبل اليوم بقرون، ومن ورائهم علماؤهم، أصبحوا يعتقدون، وأعمالهم تشهد باعتقادهم، أن القرآن إنما أنزل لتتلى ألفاظُه تعبُّدًا وتبركًا أو هدية للآخرين، وتكتب حروفه استشفاء من الأمراض والعاهات الجسدية.
ان هذه الآية وأمثالها هي أسلحتنا التي ندفع بها في نحور أعدائنا، وحوافزنا إلى ما نحاوله من فهم القرآن وتفهيمه، وإلى ما ندعو إليه من إرجاع المسلمين إلى حظيرة القرآن.
стр. 402
من خطبة عيد الأضحى*
الحمد لله المبدئ المعيد، الوليّ الحميد، ذي العرش المجيد، الفعّال لما يريد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ضد ولا نديد، شهادةَ مخلصٍ في التوحيد، راجٍ للحسنى والمزيد، ونشهد أن سيدنا محمّدًا عبده ورسوله لَبِنَةَ التمام وبيتُ القصيد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريّته والتابعين، والناصرين لسنّته بالقول والفعل إلى يوم الدين.
الله أكبر! الله أكبر! عباد الله! إن هذا العيد من شعائر الإسلام العظيمة، وسُنن الدين القويمة، شرع الله فيه هذه الصلاة لنجتمع بقلوبنا وأجسادنا، ونتعاطف ونتراحم ونتسامح ونتصافح، وتظهر الأخوّة الإسلامية على حقيقتها، وشرع فيه الأضحية لنوسع فيها على العيال، وندخل الفرح على النساء والأطفال، ونتصدق منها على الفقراء والسُّؤَّال، وبهذا يشترك المسلمون كلهم في هذا اليوم في السرور، ويتقارب الأغنياء والفقراء بالرحمة، وتتواصل أرواحهم وأجسادهم بالأخوّة والمحبّة، ويتذكرون جميعًا ما أتى به الدين الحنيف من خير وصلاح ومعروف وإحسان.
الله أكبر! عباد الله! إن سنّة الأضحية مرغب فيها من نبينا ﷺ من كل قادر عليها لا تجحف بحاله، ولما كانت قربةً إلى الله فإنه يشترط فيها أن تكون كاملة الأجزاء، سليمة من العيوب لقوله تعالى في مقام الكمال: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، ولقوله تعالى في مقام الذمّ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾. وقد كان نبيّنا ﷺ يرغّب في التصدق من لحمها على الفقراء في أعوام المجاعة والفقر كعامنا هذا، وينهى عن الادخار في مثل هذه الأحوال، فاجمعوا أيها الناس- على سنّة رسول الله- بين الأكل والصدقة على الفقراء، فإن الوقت وقت عسير، وإن عدد الفقراء- وهم إخوانكم- كثير ...
стр. 403
عباد الله! إن هذه الشعيرة الدينية وأمثالها من الشعائر هي كالربح في التجارة، لا ينتظره التاجر إلا إذا كان رأس المال سالمًا، أما راس المال في الدين فهو تصحيح العقائد، وتصحيح العبادات، وتصحيح الأخلاق الصالحة، واتباع سنّة نبيّنا ﷺ في كل ما فعل وترك، والمحافظة عليها والانتصار لها، ونبذ البدعَ المخالفة لها، ثم صرف الوقت الزائد على ذلك في الأعمال النافعة في الدنيا، فإن الله لا يرضى لعبده المؤمن أن يكون ذليلًا حقيرًا، وإنما يرضى له بعد الإيمان الصحيح أن يكون عزيزًا شريفًا عاملًا لدينه ودنياه، معينًا لإخوانه على الخير، ناصحًا لهم، آخذًا بيد ضعيفهم، محسنًا لهم بيده ولسانه وبجاهه وماله.
فصحّحوا عقائدكم في الله، واعلموا أنه واحد أحد، فرد صمد، لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، هو المتفرد بالخلق والرزق والإعطاء والمنع والضرّ والنفع. فأخلصوا له الدعاء والعبادة، ولا تدعوا معه أحدًا ولا من دونه أحدًا، وطهّروا أنفسكم وعقولكم من هذه العقائد الباطلة الرائجة بين المسلمين اليوم، فإنها أهلكتهم وأضلّتهم عن سواء السبيل، وإياكم والبِدعَ في الدين فإنها مفسدة له، وكل ما خالف السنّة الثابتة عن نبيّنا ﷺ فهو بدعة.
وصحّحوا عباداتكم بمعرفة أحكامها وشروطها ومعرفة ما هو مشروع وما هو غير مشروع، فإن الله تعالى لا يقبل منكم إلا ما شرعه لكم على لسان نبيّه ﷺ .
стр. 404
موقفنا من الطرقية وصحفها*
أما الطرقية فقد فرغنا منها هدمًا وتخريبًا، واقتحمنا عليها معاقلها الحصينة، ودككنا صياصيها المنيعة، واستبحنا حماها بكلمة الله، واقمنا على أنقاضها بناء الحق. بدأنا ذلك كله بإزالة هيبتها الباطلة من الصدور، ومحو سلطتها الكاذبة من النفوس، ثم كشفنا عن نسبتها المزورة إلى الدين الحنيف. فما تمّ لنا ذلك حتى انهارت من أساسها، وتلك عاقبة كل بناء بُني على الوهم والتزوير. وقد أحيانا الله حتى شهدنا جنازتها بلا ردة، وهلنا عليها التراب بأيدينا غير آسفين.
فمن كان يؤرخ للطرقية بهذا الوطن ولاشتدادها فيه وامتدادها منه فليحبس قلمه، فهذه آخر صحيفة من كتابها، وليختمه بتسجيل سنة الوفاة، بإقحام سطر: ماتت:- لا رحمها الله- بين سنة كذا وكذا ...
هذه هي الحقيقة العارية والواقع المجرد، وإِنْ هذه الفورات من أبنائها وأحفادها ومواليها ورعاياها إلا مناحات معقودة عليها، وإن سَمُّوها جمعيات ومؤتمرات وما سوّل لهم الغرور من الأسماء.
وما هذه الأصوات المرجوعة منهم، وما هذه الزمزمة الصحفية إلا ترتيل العميان الموظفين على قبرها (يفدونها) فدية الثأر لا فدية النار، ويبكونها ميتة وهم يظنون أنهم ينصرونها حيّة.
ماتت الطرقية وانقطعت أنفاسها، وجاءها قضاء الله الذي فرقت دينه وهوّنت حقّه، ونازعته في جبروته، وصرفت أوباشها في ملكوته، فلم يدفعه عنها دافع ولم يصرفه عنها أعلامها المنشورة ولا بناديرها.
стр. 405
ومن كان في مرية من موتها فآية الآيات اجتماع أبنائها، فوالله ما اجتمعوا وهي حيّة، وما كان من طبع أمهم العجوز أن تترك أولادها يجتمعون، وما اجتمعوا إلا بعد خمود أنفاسها.
ولقد كانوا في حياتها مفترقين متنابذين متنابزين، يحمل بعضهم لبعض من الحقد الشنيع ما يحمله العدو لعدوّه، ولما طفقت ألسن الحق تنوشها، وَجموا لأول مرّة ثم علموا أنها القاضية، وأن القضاء عليها قضاء على ما يتمتعون به من مال وسلطان، فتنادوا مصبحين وتناشدوا الرحم أن يتهادنوا حتى يأخذوا بثأر العجوز فيا ويحهم: إن قتيل الشرع لا يودى.
أعرضنا عن هذا الهذر الذي تنضح به الصحف الطرقية والصحف التابعة لها حقبة من الزمن، احتقارًا لها وترفعًا بأنفسنا عن النزول إلى ميدان المهاترة التي لم نخلق لها والتي هي خلق ذاتي فيهم ووصف لازم لهم.
أعرضنا عن مجاراة تلك الصحف في السباب والشتائم التي تسوّد بها صحائفها كل أسبوع حرصا على أوقاتنا أن تضيع فيما لا عائدة منه، وعلمًا بأن هؤلاء القوم لم يخرجوا عن مدارهم، فيوم كان حماة هذا الدين غائبين عن الميدان كانوا هم ممعنين في إفساده وتشويهه وإذلال أهله واستغلال قواهم، ولوم هبّ الحماة ذائدين عنه ودَوَتْ صيحة الحق قاموا هُمْ يدحضون الحق بالباطل، ولقابلون الصدق بالبهت والإفك، ولحاربون أولئك الحماة بالتقول عليهم والنيل من أعراضهم، وهم في الحالين حرب على الإسلام الحق، وإنهما طوران في إفساد الإسلام يختلفان في الوسائل ويجتمعان في الغايات.
أعرضنا عن تلك الصحف وأصحابها، حرصًا على الواجبات التي خلقنا لها، وعلى الأعمال التي تتقاضاها تلك الواجبات منا- وما هي بالقليلة- أن يزاحمها عامل غريب ويأكل من الوقت ومن الجهد ما هما خليقان به، وكل دقيقة يصرفها العاقل في مجاراة هؤلاء النابحين هي مقتطعة من العمر قاطعة عن العمل.
وماذا يقول العقلاء فيمن نبحته الكلاب جريًا على عادتها، ونزوعًا إلى طبيعتها، فقطع وقته في مجاراتها ومكايدتها كما يكايد العاقل العاقل؟ لا شكّ أنهم يقولون إن عقله كعقول الكلاب.
كل هذه المعاني كانت هي الحاملة لنا على الإعراض عن هذه الصحف وأصحابها والمرور بلَغْوِها مرّ الكرام، وكنا نظن أن في أصحابها بقية من عقل وفضلة من صواب تردّهم إلى الجادّة بعد ما ينتهي الطامع منهم إلى أو إلى اليأس من مناه، وبعد ما تبرد حرارة الحاسد منهم وتخمد شرته، وتنطفئ سورة غلّه، وما جميعهم في نظرنا إلا حاقد أو طامع، ولكن القوم أسرفوا في البغي ولجّوا في الاستهتار، وخرجوا من أفانين من الكذب والافتراء إلى أفانين ... ، ومتى كان مبنى أمرهم على الكذب فلتهأنهم بُعد الشقّة وطول السفر وامتداد المراحل، فإن الكذب لما تنضب موارده. فما ظن هؤلاء- ويحهم- بنا؟
стр. 406
أيظنون أننا أحجمنا عن منازلتهم عن ضعف وخور؟ ألا ساء ما يظنون. إن الأقلام التي جندلتهم بالأمس، ومزّقت أشلاءهم، وتركت بكل رابية صريعًا، لم تزل مسنونة، ولم تزل مسددّة كالسهام، مشرعة الرماح، وما هي من الظالمين ببعيد.
أم يظنون أننا مرضنا بالنعيم، وأقعدَنا الرخاء عن الصدام، ساء مآلهم، إن العزائم التي حاربناهم بها يوم كانوا أقوياء لم تزل راسخةً رسوخ الرواسي.
أم يحسبون أن الخلاف دبّ بيننا، فأضعف القوة التي يعرفونها منا، خدعة من أماني الشيطان زوّرها لهم كتّابهم المرجفون، فصوّروها كما يتمنون ليخفّفوا نار الحسد التي تأكل صدورهم.
أما نحن والحمد لله فعلى ما يتمناه المؤمن الصادق إلفة واتحادًا، ومحال أن يبلغ الشيطان أمنيته من جماعة جمع بينها المبدأ الصحيح، والرأي الصريح، وألّف بينها العمل والأمل.
стр. 407
إلى جريدة "الإصلاح "*
الأخ الأستاذ الشيخ الطيب العقبي- حفظه الله- وسدّد في الحق خطاه.
قد اطّلعت- أيها الأخ- على العدد الأول والأخير من جريدة "الإصلاح" على حين فترة من الجرائد، وكلال طبع من معاناة التعليم، فتحقّق عندي ما لم أكن أجهله من أن صروف الدهر وأحداث الزمان لا تنال من النفوس الكريمة نيلًا إلا من ظواهرها، ولا تُغيّر من الأعراق الأصيلة شيئًا من أعراضها، وأنها أعجز من أن تمتد إلى مكامن المبادئ الراسخة والعقائد الثابتة.
كذلك يبتلي الزمان الجرائد بمثل ما يبتلي به النفوس، ويأخذ منها ويدع، فلا يأخذ من الجرائد المؤسّسة على فكرة إلا كما يأخذ السيل من الصخرة الصمّاء.
سرّني من جريدة "الإصلاح" ما يسرّ كلّ معتنق للفكرة من وجود لسان يعبّر عنها، وسنان يناضل دونها، وسرني فوق ذلك ما يسرّ بناة الإصلاح من معانٍ لا تستوفيها كلمات في رسالة.
стр. 408
أما بعثه بعد سنين فممّا لا عجب منه عندي ما دمت أعرف العزيمة التي بعثته، وكلّ من يستحضر صورة "الإصلاح" القديم و"الإصلاح" الجديد ير أن الروح المديرة واحدة والفكرة المصرِّفة واحدة، فلم يبق من الفوارق إلا بضع سنوات وهي ليست بذات أثر في حياة الفكر.
وإن أخاكم لا يرجو لتلك العزيمة "العقبية" إلا أن يزيدها الله ثباتًا في الدفاع عن الحقيقة، وأن يقيها عثرات القلم وفتنة الرأي.
في ٢٠ ذي القعدة سنة ١٣٥٨
ودمتم لأخيكم
محمد البشير الإبراهيمي
стр. 409
تعزية الإبراهيمي في
فقدان السيد الرشيد بطحوش*
جاءنا من الأستاذ الشيخ البشير الإبراهيمي هذا الكتاب:
لم يبلغني إلا اليوم خبر وفاة الأخ العامل الخير السيد رشيد بطحوش، ولا تسأل عما غمرني من الهم والأسى والأسف لموت هذا الأخ، وعما استعرضته من شمائله ولطفه وأعماله الخيرية التي فاتت بفواته وماتت بموته، ﵀ وألهمنا جميعًا فيه الصبر واغتنام الأجر.
أعزّيكم- أيها الأخ- فيه وأرجو أن تبلّغوا تعزيتي إلى إخوانه وجميع المرزوئين فيه، ولجميعكم طول البقاء.
دمتم أيها الأخ سالمين لأخيكم
محمد البشير الإبراهيمي
стр. 410
افتراء مستشرق*
وهل أتاك نبأ المغرور ... وما أتى من كذب وزور
معلولة الآراء والأنظار ... عارية السوءات للنظّار
لقيطة لقيها كفاحي ... مريبة كالنسل من سِفاحِ
جانبت الحقائق الملموسَهْ ... وجافت الوقائع المحسوسَهْ
ضمّنها أحكامه على الأمم ... تبًّا له من حاكم وما حكم
مقدمات بعدها نتائج ... لكنها محلولة الوشائج
عدا على التاريخ وهو أبلج ... لكن بيان المفترين يحلَج
وأنكر الخصائص المسلمة ... لمن غدوا نور العصور المظلمة
وخص بالذم وبالتنقيص ... سامًا وابْنيه على التخصيص
ومن يكن ذا نسب لصيق ... أزرى بكل نسب عريق
يا غر مهما زدت في التسامي ... لن تدرك الأصل المنيف السامي
وهل لجنسكُم من النّبوَّة ... ومن زكاء النبت والبنوَّة
ومن سمو الريح والضمير ... ومن رقي الفكر والتفكير
بعض الذي أورثنا الخليل ... ونسله المبارك الجليل
وهل لكم ما شاد إسرائيل ... وما بنى للحقّ إسماعيل
يا غر أو يا هر إن الهِرَّا ... ليس يخيف الليث أن أهرا
يا غر إنّ المجد لا يجتلبْ ... بذمّكَ الغير ولا يُسْتَلَبْ
يا غر لو مَجَّدْتَ قومك بما ... فيهم ولم تزد لكان أسْلَما
стр. 411
ولم تجد من ينقد الكتابا ... أو يقتضيك اللوم والعتابا
لكن عدوت طورك المحدودا ... وقلت قولًا مفترى مردودا
فلا تلم إذا انبرت أقلام ... للحرب، والموتور لا يلام
ومَن رمى الناس بغير حق ... رموه بالحق وغير الحق
ومَن أصاب منهم أصيبا ... وكان يوم الملتقى عصيبا
ومَن يحط من يشا ويصنع ... كما يشا، فالدهر ليس يخضع
قد قلت فاسمع ما يقال فيكا ... ردًا ودحضًا والثرى بفيكا
وإن كلب السوء قد يجرُّ ... لقومه البلوى بما يجرّ
نغار عن أحسابنا أن تمتهنْ ... والحرّ عن مجد الجدود مؤتمن
أنكرت فضل العرب فيما ابتكروا ... من صالحات شأنها لا ينكرُ
أنكرت ما شادوه للحضارة ... وما كسوها من حلى النضارة
стр. 412
_________
فهرس الجزء الأول
стр. 413
_________
فهرس الجزء الأول
стр. 414
_________
فهرس الجزء الأول
стр. 415
دار الغرب الإسْلامي
بيروت- لبنان
لصاحبها: الحبيب اللمسي
شارع الصوراني (المعماري) - الحمراء، بناية الاْسود
تلفون: ٣٥٠٣٣١ - ٠٠٩٦١١ / خليوي.٦٣٨٥٣٥ - ٠٠٩٦١٣
فا ك!: ٧٤٢٥٨٧ - ٠٠٩٦١١ / ص. ب٥٧٨٧ - ١١٣ بيروت، لبنان
DAR AL-GHARB AL-ISLAMI - B.P.: ١١٣ - ٥٧٨٧ Beyrouth, LIBAN
الرقم ١٩٩٧/ ٩/٣٠٠٠/ ٣٢٦
التنضيد: مؤسسة الخدمات الطباعية (حسيب درغام وأولاده)
المكلس، ص. ب. ٠٠٩/ ٥٠ لبنان
стр. 416
١٩٩٧ COPYRIGHT
DAR AI- GHARB AL - ISLAMI
B.P.: ١١٣ - ٥٧٨٧ - Beyrouth
Tous droits réservés. Il est absolument interdit de reproduire ce livre
ou le conserver dans le but de prendre les informations, ou le
transformer d'une manière ou d'une autre soit à l'aide d'une
photocopieuse, suivant des cassettes magnétiques, des moyens
.mécaniques ou électriques sans l'autorisation écrite de l'éditeur
Cette représentation ou reproduction, par quelque procédé que ce soit
.constituerait une contre-façon sanctionnée du code pénal
стр. 417
OEUVRES DE L'IMAM
MOHAMED BACHIR Ibrahimi
préparé et présenté par
son fils
Dr. Ahmad Taleb-Ibrahimi
١ Tome
(١٩٤٠ - ١٩٢٩)
DAR AL-GHARB AL-ISLAMI
стр. 418
OEUVRES DE L'IMAM
MOHAMED BACHIR Ibrahimi
стр. 419
ـ[آثَارُ الإِمَام مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي]ـ
جمع وتقديم نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي.
الجزء الثاني
١٩٤٠ - ١٩٥٢
الناشر: دار الغرب الإسلامي.
ــ
стр. 420
١٩٩٧ دار الغرب الإسلامي
الطبعة الأولى
دار الغرب الإسلامي
ص. ب. ٥٧٨٧ - ١١٣ بيروت
جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية، أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.
стр. 421
آثار الإمام
محمد البشير الإبراهيمي
стр. 422
ـ[صورة الشيخ البشير الإبراهيمي]ـ
الجزائر ١٩٤٩
ــ
стр. 423
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث هداية ورحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
إذا كان من العظماء من لا يقدره معاصروه حق قدره، وإنما تنتصر له الأيام عندما تؤكّد مصداق ما نادى به ودعا إليه، فإن من العظماء من ملأوا الدنيا وشغلوا الناس في حياتهم ومن بعد مماتهم، ومن هؤلاء الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي ﵀.
إن التقديم لآثار شيخنا يضطر صاحبه إلى الحديث عن مجالات كثيرة، نظرًا لِغِنَى مواهبه، وسعة علمه واطلاعه وقوة شخصيته من جهة، ونظرًا لتعدد اهتماماته وطول جهاده وامتداد تأثيره من جهة أخرى، ولكن المجال لا يسمح بالتطويل.
خلل ذاتي:
عرفت الجزائر ثورات وأعمالًا كثيرة، من عهد المقاومة الأولى بقيادة الأمير عبد القادر، لكنها جميعًا لم تحظ بالانتصار الحاسم على العدو، وليس السرّ في تلك النتائج السلبية خللًا في القيادة: إيمانًا وإخلاصًا ومهارة حربية، ولكنّ السرّ كان في أمور كثيرة، منها ما يرجع للظروف العالمية التي كانت في تلك العهود، تعمل على بسط العدوان والاحتلال والاستغلال لا على نشر الحرية والعدل والاستقلال. على أن الخلل الأكبر في الخيبات التي مُنيت بها الجزائر وغيرها من البلاد الإسلامية، خلل ذاتي يتمثل في تدهور البنية الاجتماعية للشعوب الإسلامية، بما تفشى فيها من خمول وأنانية، وتوأكل وتخاذل وفهْمٍ سيىء لمعاني القضاء والقدر، وطاعة أولي الأمر والنجاة والتهلكة، والجهاد والاجتهاد إلى غير ذلك من الأمراض التي لا تساعد على تعبئة كل الطاقات لمواجهة العدو المشترك والاحتلال المخيم بكلَاكِلِه على
стр. 424
البلاد والعباد، وهو ما سمّاه مالك بن نبي "القابلية للاستعمار"، وهي الحقيقة التي عبّر عنها القرآن الكريم- كسُنّة من سُنَن الله في خلقه- في قوله في الآية الحادية عشرة من سورة الرعد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وهو الشعار الذي رفعه دعاة الإصلاح الديني والاجتماعي في العالم الإسلامي على لسان جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، وشكيب أرسلان، وعبد العزيز الثعالي، وحسن البنا، ومولاي محمد العربي العلوي، ورجال جمعية العلماء في الجزائر.
لقد أدّى الفهم السيى للإسلام ببعض العلماء الجامدين المتخاذلين- في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين- إلى إصدار فتاوي تُجَرِّم وتُحرِّم كل ثورة أو انتفاضة ضد الأعداء المحتلين، وهذا من الأسباب التي أدّت إلى ظهور الإصلاح لتصحيح العقيدة وتقويم الانحراف. ونعني بالإصلاح هنا المفهوم القرآني الأصيل الذي فهمه علماؤنا المصلحون فهمًا صحيحًا وطبّقوه تطبيقًا سليمًا، لا المفهوم الغربي الحديث الذي تسرّب إلى أذهان بعض المفكرين السياسيين المقلدين للغرب في حقّه وباطله، حتى أصبح من المسلّم به عند كثير من أبنائنا اليوم أن الثورة أعمّ وأشمل وأعمق من الإصلاح الذي يرادف في الغرب معنى التغيير الخفيف الذي يحدث بتدرّج ومن دون عنف، بينما الثورة هي عندهم انقلاب جذري دون تدرّج، عنيف ومفاجئ، وما دروا أن الإصلاح بالمفهوم القرآني الصحيح له معنى أشمل وأعمّ وأكبر من الثورة، فهو دائمًا نحو الأحسن والأكمل، بينما الثورة قد تكون من الصالح إلى الفاسد أصلًا، ويتم ذلك بمجرد تغيير سلطة بسلطة وحاكم بحاكم.
في رحاب الآثار:
لعل من المفيد أن نتعرّض في تقديمنا هذه الآثار إلى غايات الحركة الإصلاحية، التي كان الهدف منها العمل على النهوض بالجزائر لاسترداد سيادتها، ومواكبة ركب الحضارة مع الأمم المالكة زمام أمرها، الساعية إلى ما فيه سعادتها ومجدها.
وكانت الوسيلة إلى تحقيق ذلك هي الإصلاح الديني والاجتماعي الذي اضطلعت به جمعية العلماء بأمانة وكفاءة. وكان للإمام الإبراهيمي في جهاد الجمعية مع الرَّئِيسُ الأول ابن باديس وبعده الأثر الأكبر فيما حقّقته الجمعية من غايات، أهمّها افتكاك الجزائر حريتها واستقلالها.
ومن الخسارة التي لا تُعَوّض أن كثيرًا مما كتبه شيخنا قد ضاع في خضمّ جهاده وجهاد الشعب الجزائري نتيجة أعمال العدو الفرنسي الذي لم يقتصر على نهب الخيرات وتدمير المكتسبات المادية لشعبنا، بل امتدّت يده الآثمة إلى إتلاف الذخائر العلمية والآثار الفكرية لعلمائنا، وهذا ما يفسّر عدم العثور على كثير من آثاره وآثار غيره من علمائنا.
стр. 425
من ذلك أن الشيخ بلقاسم بن روَّاق- مدير مدرسة جمعية العلماء بمدينة بعلباس- أطلعني على رسالة جاءته من الشيخ البشير الإبراهيمي من أفلو، يعلن فيها أنه بصدد تأليف كتاب عن حياة ابن باديس في ثلاثة وعشرين فصلًا، وأنه يحتاج- لأجل ذلك- إلى مراجع يرجوه أن يزوّده بما يتيسر له منها، وقد كان من فصول الكتاب فصل خصّصه لعقد مقارنة بين ابن باديس وابن العميد الذي كان يُلَقَّب بالأستاذ الرَّئِيسُ كما يقول المتنبي:
فدعاك حسّادك الرَّئِيسُ وأمسكوا ... ودعاك خالقك الرَّئِيسُ الأكبرا
وقد كان القصد من هذه المقارنة توجيه أبناء الحركة الإصلاحية إلى أن يطلقوا على إمامهم عبد الحميد بن باديس لقب الأستاذ الرَّئِيسُ عوضًا عن الأستاذ الإمام، الذي كانوا ينعتونه به في تلك الحقبة، وذلك لاعتبارين:
أولًا: أن لقب الأستاذ الإمام قد شاع إطلاقه في المحافل الإصلاحية- مشرقًا ومغربا- على الشيخ محمد عبده.
ثانيًا: أن لقب الأستاذ الرَّئِيسُ أَدْعَى لتذكير الناس بجمعية العلماء التي أنشأها ورأسها ومات مجاهدًا في تحقيق أهدافها.
غير أن هذا الكتاب لم نعثر له على أثر، لأنه قد يكون من جملة ما اندثر من آثاره.
فلسفة الإصلاح:
إن الإصلاح- كما يفهمه المسلمون الصادقون لا كما يروّج أعداء الإسلام- هو الغاية من إرسال الله تعالى الرسل إلى الناس، قال شعيب لقومه الغارقين في الضلال والفساد في العقيدة والسلوك: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ الآية ٨٨ من سورة هود.
ويضطلع بمهمة الإصلاح لشؤون البشر- بعد مصلح الإنسانية الأعظم محمد- صلوات الله عليه وسلامه- وخلفائه الراشدين- علماءُ الأمة الإسلامية، عملًا بما قاله رسول الله ﷺ فيما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما: «العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» (شرح السنّة للبغوي، ج١، ص ٢٧٦).
والإصلاح الديني المنشود هو عمل وقائي وعلاجي، أي مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي أمانة في ذمة المؤمنين والمؤمنات ما دامت السموات والأرض. قال