← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

стр. 422

ـ[صورة الشيخ البشير الإبراهيمي]ـ الجزائر ١٩٤٩ ــ

стр. 423

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث هداية ورحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. إذا كان من العظماء من لا يقدره معاصروه حق قدره، وإنما تنتصر له الأيام عندما تؤكّد مصداق ما نادى به ودعا إليه، فإن من العظماء من ملأوا الدنيا وشغلوا الناس في حياتهم ومن بعد مماتهم، ومن هؤلاء الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي ﵀. إن التقديم لآثار شيخنا يضطر صاحبه إلى الحديث عن مجالات كثيرة، نظرًا لِغِنَى مواهبه، وسعة علمه واطلاعه وقوة شخصيته من جهة، ونظرًا لتعدد اهتماماته وطول جهاده وامتداد تأثيره من جهة أخرى، ولكن المجال لا يسمح بالتطويل. خلل ذاتي: عرفت الجزائر ثورات وأعمالًا كثيرة، من عهد المقاومة الأولى بقيادة الأمير عبد القادر، لكنها جميعًا لم تحظ بالانتصار الحاسم على العدو، وليس السرّ في تلك النتائج السلبية خللًا في القيادة: إيمانًا وإخلاصًا ومهارة حربية، ولكنّ السرّ كان في أمور كثيرة، منها ما يرجع للظروف العالمية التي كانت في تلك العهود، تعمل على بسط العدوان والاحتلال والاستغلال لا على نشر الحرية والعدل والاستقلال. على أن الخلل الأكبر في الخيبات التي مُنيت بها الجزائر وغيرها من البلاد الإسلامية، خلل ذاتي يتمثل في تدهور البنية الاجتماعية للشعوب الإسلامية، بما تفشى فيها من خمول وأنانية، وتوأكل وتخاذل وفهْمٍ سيىء لمعاني القضاء والقدر، وطاعة أولي الأمر والنجاة والتهلكة، والجهاد والاجتهاد إلى غير ذلك من الأمراض التي لا تساعد على تعبئة كل الطاقات لمواجهة العدو المشترك والاحتلال المخيم بكلَاكِلِه على

стр. 424

البلاد والعباد، وهو ما سمّاه مالك بن نبي "القابلية للاستعمار"، وهي الحقيقة التي عبّر عنها القرآن الكريم- كسُنّة من سُنَن الله في خلقه- في قوله في الآية الحادية عشرة من سورة الرعد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وهو الشعار الذي رفعه دعاة الإصلاح الديني والاجتماعي في العالم الإسلامي على لسان جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، وشكيب أرسلان، وعبد العزيز الثعالي، وحسن البنا، ومولاي محمد العربي العلوي، ورجال جمعية العلماء في الجزائر. لقد أدّى الفهم السيى للإسلام ببعض العلماء الجامدين المتخاذلين- في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين- إلى إصدار فتاوي تُجَرِّم وتُحرِّم كل ثورة أو انتفاضة ضد الأعداء المحتلين، وهذا من الأسباب التي أدّت إلى ظهور الإصلاح لتصحيح العقيدة وتقويم الانحراف. ونعني بالإصلاح هنا المفهوم القرآني الأصيل الذي فهمه علماؤنا المصلحون فهمًا صحيحًا وطبّقوه تطبيقًا سليمًا، لا المفهوم الغربي الحديث الذي تسرّب إلى أذهان بعض المفكرين السياسيين المقلدين للغرب في حقّه وباطله، حتى أصبح من المسلّم به عند كثير من أبنائنا اليوم أن الثورة أعمّ وأشمل وأعمق من الإصلاح الذي يرادف في الغرب معنى التغيير الخفيف الذي يحدث بتدرّج ومن دون عنف، بينما الثورة هي عندهم انقلاب جذري دون تدرّج، عنيف ومفاجئ، وما دروا أن الإصلاح بالمفهوم القرآني الصحيح له معنى أشمل وأعمّ وأكبر من الثورة، فهو دائمًا نحو الأحسن والأكمل، بينما الثورة قد تكون من الصالح إلى الفاسد أصلًا، ويتم ذلك بمجرد تغيير سلطة بسلطة وحاكم بحاكم. في رحاب الآثار: لعل من المفيد أن نتعرّض في تقديمنا هذه الآثار إلى غايات الحركة الإصلاحية، التي كان الهدف منها العمل على النهوض بالجزائر لاسترداد سيادتها، ومواكبة ركب الحضارة مع الأمم المالكة زمام أمرها، الساعية إلى ما فيه سعادتها ومجدها. وكانت الوسيلة إلى تحقيق ذلك هي الإصلاح الديني والاجتماعي الذي اضطلعت به جمعية العلماء بأمانة وكفاءة. وكان للإمام الإبراهيمي في جهاد الجمعية مع الرَّئِيسُ الأول ابن باديس وبعده الأثر الأكبر فيما حقّقته الجمعية من غايات، أهمّها افتكاك الجزائر حريتها واستقلالها. ومن الخسارة التي لا تُعَوّض أن كثيرًا مما كتبه شيخنا قد ضاع في خضمّ جهاده وجهاد الشعب الجزائري نتيجة أعمال العدو الفرنسي الذي لم يقتصر على نهب الخيرات وتدمير المكتسبات المادية لشعبنا، بل امتدّت يده الآثمة إلى إتلاف الذخائر العلمية والآثار الفكرية لعلمائنا، وهذا ما يفسّر عدم العثور على كثير من آثاره وآثار غيره من علمائنا.

стр. 425

من ذلك أن الشيخ بلقاسم بن روَّاق- مدير مدرسة جمعية العلماء بمدينة بعلباس- أطلعني على رسالة جاءته من الشيخ البشير الإبراهيمي من أفلو، يعلن فيها أنه بصدد تأليف كتاب عن حياة ابن باديس في ثلاثة وعشرين فصلًا، وأنه يحتاج- لأجل ذلك- إلى مراجع يرجوه أن يزوّده بما يتيسر له منها، وقد كان من فصول الكتاب فصل خصّصه لعقد مقارنة بين ابن باديس وابن العميد الذي كان يُلَقَّب بالأستاذ الرَّئِيسُ كما يقول المتنبي: فدعاك حسّادك الرَّئِيسُ وأمسكوا ... ودعاك خالقك الرَّئِيسُ الأكبرا وقد كان القصد من هذه المقارنة توجيه أبناء الحركة الإصلاحية إلى أن يطلقوا على إمامهم عبد الحميد بن باديس لقب الأستاذ الرَّئِيسُ عوضًا عن الأستاذ الإمام، الذي كانوا ينعتونه به في تلك الحقبة، وذلك لاعتبارين: أولًا: أن لقب الأستاذ الإمام قد شاع إطلاقه في المحافل الإصلاحية- مشرقًا ومغربا- على الشيخ محمد عبده. ثانيًا: أن لقب الأستاذ الرَّئِيسُ أَدْعَى لتذكير الناس بجمعية العلماء التي أنشأها ورأسها ومات مجاهدًا في تحقيق أهدافها. غير أن هذا الكتاب لم نعثر له على أثر، لأنه قد يكون من جملة ما اندثر من آثاره. فلسفة الإصلاح: إن الإصلاح- كما يفهمه المسلمون الصادقون لا كما يروّج أعداء الإسلام- هو الغاية من إرسال الله تعالى الرسل إلى الناس، قال شعيب لقومه الغارقين في الضلال والفساد في العقيدة والسلوك: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ الآية ٨٨ من سورة هود. ويضطلع بمهمة الإصلاح لشؤون البشر- بعد مصلح الإنسانية الأعظم محمد- صلوات الله عليه وسلامه- وخلفائه الراشدين- علماءُ الأمة الإسلامية، عملًا بما قاله رسول الله ﷺ فيما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما: «العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» (شرح السنّة للبغوي، ج١، ص ٢٧٦). والإصلاح الديني المنشود هو عمل وقائي وعلاجي، أي مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي أمانة في ذمة المؤمنين والمؤمنات ما دامت السموات والأرض. قال

стр. 426

تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ الآية ٧١ من سورة التوبة. ومعنى هذه الآية الكريمة الجامعة أن الإصلاح وقبول الإصلاح واجب على كل مؤمن ومؤمنة. لكن قيادة العمل الإصلاحي للجماعات والشعوب والأمم لا يتولاه إلا من أوتي الأمانة والكفاءة أسوة بما جاء في القرآن الكريم على لسان يوسف ﵇، إذ رشّح نفسه ليتحمّل مسؤولية شؤون المالية والاقتصاد بأرض مصر بعد أن أحس بتقدير الملك لمواهبه. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي، فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ، قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ الآيتان ٥٤ - ٥٥ من سورة يوسف. وقد أوتي القائد الثاني للحركة الإصلاحية في الجزائر الأستاذ الإبراهيمي- مثل سلفه ابن باديس- من شروط القيادة ما يجعله بحق يحظى بمكانة مرموقة في فقه الإسلام وعلومه، وملك ناصية اللغة وأدبها وفنونها، واستيعاب تاريخ الأمة الإسلامية ومذاهبها، في شؤونها الدينية والاجتماعية، فاستحق بكل ذلك وغيره من الكمالات، العضوية في المجامع العلمية واللغوية بدمشق والقاهرة وبغداد، وتقدير الأوساط العلمية والأدبية والسياسية في بلده الجزائر وفي المغرب والمشرق. وقد قال فيه الفيلسوف المرحوم الأستاذ منصور فهمي حينما استمع إلى محاضراته: "إن هذا المنبر الذي يقف فيه الشيخ ساحة مقدسة، ينبغي أن يدخلها الناس كما يدخلون الحرم، وقال: إنه لم يسمع ولم يرَ- في حياته- من هو أفصح أو أبلغ من الشيخ الإبراهيمي، ودعا جميع العلماء والأدباء في الوطن العربي إلى أن يلقوا إليه مقاليد اللغة والبيان، ثم خاطب الشيخ قائلًا: "أنت ملك العربية لهذا العصر، ملكت ناصيتها ونواصينا"، وبعد ذلك أعلن الأستاذ كامل الكيلاني المبايعة. وكتب الإمام الشهيد سيد قطب في البصائر- العدد ٢١٤، في ٧ جمادى الأولى ١٣٧٢هـ/ ٢٣ يناير ١٩٥٣م- مقالًا ينوّه فيه بجهاد جمعية العلماء ورئيسها الشيخ الإبراهيمي، جاءفيه: "لقد وجّه الاستعمار همّه في الجزائر إلى سحق العقيدة وسحق اللغة، وعن هذا الطريق كاد يصل إلى غايته، فلما انتفضت الجزائر بالحياة كانت العقيدة هي المشعل الذي أضاء لها الطريق، وكانت اللغة هي الحبل الذي تتماسك به الجموع الشاردة في الظلام.

стр. 427

وإني لأكتفي اليوم بهذه الكلمات القلائل تحية لجمعية علماء الجزائر وشيخها الجليل الذي يجاورنا اليوم، فيبعث فينا من روحه القوي شعاعًا حارًا، ويشعرنا بأن في العالم الإسلامي رجالًا .. رجالًا من طراز فريد ولن يموت هذا العالَم وهو يبعث من أعماقه بمثل هؤلاء الرجال". الإصلاح وجمعية العلماء: لم يكتب أحد عن الإصلاح الديني والاجتماعي بعد الإمامين المصلحين: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، والعالم السوري الشيخ عبد القادر المغربي- فيما سجله في كتابه "البيّنات" الصادر في القاهرة سنة ١٩٢٥ - أبلغ وأشمل وأعمق مما كتبه أستاذنا الإمام الإبراهيمي في وثيقة قدّمها في المؤتمر الخامس لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين المنعقد بنادي الترقي بالعاصمة، في سبتمبر ١٩٣٥، حيث تناول فيها بالتفصيل تاريخ الإصلاح الديني والاجتماعي، في الجزائر والمشرق والمغرب، وسجل بتحليل عميق أدواء الجزائر والأمة الإسلامية قاطبة، في شتى المجالات الدينية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فأرجع كل تلك الأدواء إلى "علة العلل" فيما حلَّ بالأمة الإسلامية من تخلّف وتيه وتفرّق وضعف، واستكانة، واستغلال، واحتلال، فيقول: "كيف يشقى المسلمون وعندهم القرآن الذي أسعد سلفهم؟ أم كيف يتفرّقون ويضلّون وعندهم الكتاب الذي جمع أوّلَهم على التقوى؟ فلو أنهم اتّبعوا القرآن وأقاموا القرآن لما سخر منهم الزمان، وأنزلهم منزلة الضّعة والهوان، ولكن الأولين آمنوا فأَمِنُوا واتبعوا فارتفعوا، ونحن ... فها قد آمنّا إيمانًا معلولًا، واتّبعنا اتّباعًا مدخولًا، وكل يجني عواقب ما زرع". خصائص أدب الإبراهيمي: إن الأستاذ الإبراهيمي قبل أن يكون إمامًا مصلحًا، وفقيهًا أصوليًا، ومربيًا حكيمًا، وسياسيًا محنكًا، كان أديبًا شاعرًا، وخطيبًا مفوّهًا، يهزّ القلوب ببيان ساحر، يعيد إلى الأذهان ما كان للخطابة العربية من مكانة وسلطان في عهودها القديمة الزاهرة. وهو محدّث بارع لطيف، يعمر مجالسه بالحكمة، ويجمّلها بالنكتة، ويعطرها بأريج اللطف، ينعش الأرواح، ويؤنسها بشعاع من الفكر يهدي العقول. وهو ديوان لأيام العرب وآدابهم وتقاليدهم، في أفراحهم وأحزانهم، في حربهم وفي سلمهم، يروي عن فهم وبصيرة، ويصدر عن حافظة واعية خارقة للعادة، وذاكرة تحت الطلب ملبية منجدة.

стр. 428

وهو شاعر فحل في الفصيح والملحون، يذكّرك بالمعرّي في لزومياته، وأبي الطيب في حكمه وأمثاله، وشوقي في ملاحمه وبدائعه. أما أسلوبه في الكتابة فمتنوّع بحسب الموضوعات وأحوال المخاطبين والمناسبات، فتخاله أحيانًا ابن بسّام في ذخيرته، أو ابن العميد في إخوانياته، أو الزّيات في لوحاته، وتحسبه في بعض الأحيان محررًا في جريدة يومية، بساطة وواقعية، من غير إسفاف أو حشو أو سوقية، فهو بحق معجزة من معجزات الثقافة العربية الإسلامية والبيان العربي في القرن العشرين. ومن الأنماط الكتابية التي تكاد تجمع هذه الأساليب كلها رقة وجزالة، وقربًا وسموًا وسطحية وعمقًا، هذه الفقرة عن قضية فلسطين التي تهمّ العرب والمسلمين كلهم على اختلاف مداركهم واهتماماتهم، من أول نكْبَتِها إلى اليوم، وذلك إذ يقول كأنه يخاطبهم في ساعتنا الحاضرة: "أيها العرب، إن قضية فلسطين محنةٌ امتحن الله بها ضمائركم وهممكم وأموالكم ووحدتكم، وليست فلسطين لعرب فلسطين وحدهم، وإنما هي للعرب كلهم، وليست تُنال بالشعريات والخطابيات، وإنما تنال بالتصميم والحزم والاتحاد والقوّة". "إن الصهيونية وأنصارها مصمّمون، فقابلوا التصميم بتصميم أقوى منه، وقابلوا الاتحاد باتحاد أمتن منه". "وكونوا حائطًا لا صَدْع فيه ... وصفًا لا يرقع بالكسالى" وإلى جانب هذه الثروة الزاخرة، والمهارة الفنية الزاهرة، فهو يَحْيا بإيمان يجعله دائمًا في اهتمام واقعتمام بقضية بلده الكبرى مع الاحتلال الطويل البغيض، وقضايا الأمة العربية الإسلامية المبتلاة كلها بالاحتلال والاستغلال على اختلاف في الدرجات والمظاهر، وقد عبّر عن هذه المعاني في جملتها بعبارات موجزة صارخة مؤثرة الإمامُ الراحل المرحوم الشيخ محمد الغزالي، صديق الجزائر وشريكها في عهد جهادها، في ليل الاستعمار، ومساعِدُها ومنير دربها ومربّي جيلها في عهد الحرية والاستقلال، ومقاسمها آلامها وجروحها في عهد محنتها وفتنتها، إذ يقول ﵀: " ... وأذكر من أولئك الزعماء اللاجئين إلى القاهرة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، عرفتُه، أو تعرّفت إليه، في أعقاب محاضرة بالمركز العام للإخوان المسلمين ... كان لكلماته دوّي بعيد المدى، وكان تمكّنه من الأدب العربي بارزًا في أسلوب الأداء وطريقة الإلقاء، والحق أن الرجل رزق بيانًا ساحرًا، وتأنقًا في العبارة، يذكّرنا بأدباء العربية في أزهى

стр. 429

عصورها، لكن هذا ليس ما ربطنا به أو شدّنا إليه- على قيمته المعنوية- إنما جذبنا الرجل بإيمانه العميق وحزنه الظاهر على حاضر المسلمين وغيظه المتفجّر ضد الاستعمار، ورغبته الشديدة في إيقاظ المسلمين ليحموا أوطانهم، ويستنقذوا أمجادهم، وخُيّل لي أنه يحمل في فؤاده آلام الجزائريين كلهم وهم يكافحون الاستعمار الفرنسي، ويقدمون المغارم سيلًا لا ينقطع حتى يحرّروا أرضهم من الغاصبين الطغاة، وكان في خطبته يزأر كأنه أسد جريح، فكان ينتزع الوجل من أفئدة الهيّابين، ويهيّج في نفوسهم الحمية لله ورسوله، فعرفت قيمة الأثر الذي يقول: "إن مداد العلماء يوزن يوم القيامة بدم الشهداء" (١). من الصفات البارزة التي يعرفها العاملون والعاملات في ميدان التربية والتعليم والوعظ والإرشاد عن إمامهم وقائدهم الإمام الإبراهيمي أنه كان يحنو ويعطف عليهم عطف الأب على أبنائه، ويبذل أقصى ما في وسعه لإرشادهم وتوجيههم إلى أحسن السبل لأداء مهمتهم على الوجه الأكمل، مع حرصه الشديد على حل مشكلاتهم المادية والأدبية مع الجمعيات المحلية القائمة بشؤون المدارس والمساجد والنوادي، والدفاع عن كرامتهم وحقوقهم أمام السُّلَط الاستعمارية الباغية. وكان آخر واجب أدّاه هذا الأب الشفوق نحو أبنائه والقائد الأمين نحو جنده حرصه على أن ينالوا حقوقهم- في عهد الاستقلال- من دولتهم التي كانوا في طليعة بناة أركانها، وذلك بتولّيه- عام ١٩٦٤ - رئاسة اللجنة الوطنية لإدراج الأساتذة والمعلمين الأحرار في سلك الأسرة التعليمية الكبرى للتمتعّ بجميع ما يمنحه قانون الوظيفة العمومية من حقوق للموظفين المرسمين، ماديًا وأدبيًا. وتمكّن بهذا الإجراء العادل عدد كبير من المعلمين والمربين والمرشدين الأحرار من أخذ حقوقهم كاملة، وكانت شهادات الحصول على هذه الحقوق موقعة كلها بتوقيع الإمام الإبراهيمي. وقد سجّل هذه المكرمة الوطنية في إبانها، الكاتب، الشاعر الأستاذ المرحوم حمزة بوكوشة بقصيدة عنوانها "نصر وفتح"، إذ يقول: نصرٌ به استبشرتْ في الخلد قحطان ... وهنّأت تَغْلِبًا في العرب عدنان فتْحٌ به الدين والفصحى قد ارتفعا ... فوق السماك، وقبل اليوم قد هانوا كان الجزاءَ لمن وفوا بعهدهمُ ... إن الوفاء لدين الله قربان لفتية كسيوف الهند مصلتة ... لا يُعقَد العز إلا حيثما كانوا ففي النوادي لهم ذكرى وموعظة ... وفي المساجد تذكير وقرآن وفي المدارس تعليم وتربية ... لِصِبْيَةٍ حظهم علم وإيمان فهم رصيد به كانت جزائرنا ... -رغم الزواج- لم يضعف لها شان

стр. 430

إن خير ما نختم به هذه الكلمة عن هذا العبقري، الذي لا يجود بمثله الزمان إلا نادرًا، هو ما جاء في ابتهالات له ناجى بها ربّه العزيز الرحيم في تقريره الأدبي عن جمعية العلماء سنة ١٩٥١، بعد خمس سنوات من استئناف نشاطها إثر الحرب العالمية الثانية، وهو دعاء ينطبق على أوضاعنا في الجزائر وفي الأوطان العربية والإسلامية جمعاء: "اللهم ارزق أمة محمد التفاتًا صادقًا إليك، والتفافًا محكمًا حول كتابك، واتّباعًا كاملًا لنبيّك، وعرفانًا شاملًا بأنفسهم؛ فقد جهلوها، وتعارفًا نافعًا بين أجزائهم فإنهم أنكروها، وبصيرة نافذة في حقائق الحياة فقد اشتبهت عليهم سبلها الواضحة؛ وهب لهم من لدنك نفحة تصحّح الأخوة السقيمة، وتصل الرحم المجفوة، وتمكن للثقة بينهم، واتحادًا يجمع الشمل الممزّق، ويعيد المجد الضائع، ويرهب عدوّك وعدوّهم، ورجوعًا إلى هديك يقربهم من رضاك، ويسبّب لهم رحمتك، ويزحزحهم عن عذاب الخزي، فإنه لا يذل من واليت ولا يعزّ من عاديت" (٢) ونسأل الله أن يتغمّد برحمته ورضوانه صاحب هذه الآثار الذي قال، بحق وصدق، عن جهاده من أجل الجزائر: "إنني ما زلت أقارع الغاصبين لحقّك في ميدان، وأكافح العابثين بحرمتك في ميدان، وأعلم الغافلين من أبنائك في ميدان" (٣). وصلّى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وأصحابه الأبرار. عبد الرحمن شيبان

стр. 431

السياق التاريخي (١٩٤٠ - ١٩٥٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رأينا في السياق التاريخي للجزء الأول من هذه الآثار بعض ما قام به الإمام الإبراهيمي من أعمال قبل تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأهم نشاطاته بعد تأسيسها، وأشرنا إلى بعض ما جاء في تقارير المسؤولين الفرنسيين عن نشاطه في تلمسان التي تمكن "أن يكسب نصف سكانها" (١)، وأن يسيطر منها على الناحية الغربية للجزائر (٢)، وعرفنا محاولة الفرنسيين لشراء ذمته واستنزال همته، وأنهم لما استيأسوا منه خلصوا إلى نفيه، وعلمنا كيف تلقى الإمام- بصبر أولي العزم- ذلك النفي والتفريق بينه وبين صاحبته وبنيه، فما وَهن لما أصابه في سبيل الله ولا هان، ولا ضعف لما ناله في سبيل الجزائر ولا استكان، فلم يضرع للطاغين، ولم يذل للباغين. وبعد بضعة أيام من نفيه تلقى خبرًا فَاجعًا هزه من الأعماق، وبرّح بقلبه، وأسال عَبَراته - وهو العصي الدمع-؛ ذلك الخبر هو وفاة أخيه الإمام عبد الحميد بن باديس يوم ١٦ أفريل ١٩٤٠. لم يكن الموت هو الذي أَجزع الإمام الإبراهيمي، فله من متانة العقيدة وحصانة الإيمان واستبحار العلم ما يحول بينه وبين الجزع من قضاء الله وقدره، ولكن الذي آلمه وهَيَّجَ أشجانه هو عدم تمكنه من وداع رجل كان يعتبره "العَلَم الفرد"، وكان يراه "أمة في رُمَّة"، لأنه "أحيا أمة تعاقبت عليها الأحداث والغِيَر، ودينًا لآبَسَتْه المحدثات والبدَعُ، ولسانًا أكلته

стр. 432

الرطانات الأجنبية، وتاريخًا غطى عليه النسيان، ومجدًا أضاعه وَرَثَةُ السوء، وفضائل قتلتها رذائل الغرب" (٣). كان الفرنسيون متأكدين أن رئاسة جمعية العلماء ستؤول إلى الإمام الإبراهيمي، فسعوا جهدهم لمنع ذلك، وبذلوا من زخرف القول وخُلَّب الوعود ما بذلوا لكي تُصْرَف رئاسة الجمعية إلى غيره، وقد "اقترح علينا الكولونيل شون ( Shoen) وابن حورة- المبعوثان من طرف الوالي العام الفرنسي- تقديم شخصٍ معَيَّنٍ لرئاسة الجمعية خلفًا للشيخ ابن باديس، نظرًا لما يتمتع به من مرونة وبُعد نظر، وستجدون من السلطات كل عون ومساعدة" (٤). ولكن إخوان الوفاء عزموا وصمموا أن ليس للجمعية من دون الإبراهيمي رئيس، وأنه أحق بها وأهلها، فانتخبوه- وهو غائب- لرئاستها، وقدَّموه- وهو المغضوب عليه من فرنسا- لقيادتهم. إن مثَل الرجل العظيم كَمَثَل المغناطيس، هذا تنجذب إليه المعادن لقوة جاذبيته، وذاك يلتف حوله الرجال الكُمَّلُ لقوة شخصيته، وعلو همته، وكمال مروءته. إن من آيات الله التي أراها الناس في هذه الجمعية أن رئيسَيْها الأول والثاني اصطفاهما إخوانهما لرئاستها من غير أن يسعيا إليها، واختاروهما لقيادتهم وهما غائبان، في الوقت الذي كان أعضاء الأحزاب والجمعيات الأخرى يصطرعون على رئاسة أحزابهم وجمعياتهم، ويكيد بعضهم لبعض، بل وبقتل بعضهم بعضًا لَهْثًا وراء رئاسة أو تشبُّثًا بها. إن العظيم الحق هو من تطلبه الرئاسة، ويقدمها إليه الخِيَرةُ من الرجال. وهنا ملاحظة ينبغي الإشارة إليها لما لها من دلالة، وهي أن الفرنسيين لم يحاولوا فرض رئيس على حزب أو جمعية، أو إبعاد شخص عن رئاسة حزب أو جمعية إلا بالنسبة لجمعية العلماء؟ فقد ساوم مِيرَانْتْ- مدير الشؤون الأهلية بالولاية العامة- الإمام ابنَ باديس على ترك الجمعية (٥)، وضغطوا لإبعاد الإمام الإبراهيمي عن رئاستها. كل ذلك لأنهم كانوا مستيقنين

стр. 433

"أن العلماء يمثلون أكبر الخطر على الفكرة الفرنسية في الجزائر" (٦)، وكانوا مدركين أن الأحزاب الأخرى- وإن رفع بعضها شعار الاستقلال السياسي- كانت تتبنى أفكار فرنسا الحضارية، وتستلهم قِيَمَها المادية، وتستوحي مبادئها اللائكية، وإذا كان بعض مناضلي تلك الأحزاب تبنوا القيم الحضارية للجزائر من دين ولغة وأخلاق فقد تبنوها عن عاطفة، لأنهم كانوا يجهلونها، ومن جهل شيئًا عاداه، وإن لم يعاده لم يخلص في خدمته والتمكين له، وإن أخلص في خدمته ضره- بجهله- من حيث يريد نفعه ... وقد دلت الشواهد والتجارب على ذلك ... وهذا ما نفسر به دفاع بعض الفرنسيين عن الحركة الوطنية الجزائرية في المجال السياسي، ونضالهم معها قبل إعلان الثورة وفي أثنائها، في حين لم نجد فرنسيًا واحدًا دافع ويدافع عن مبادئ جمعية العلماء إلا أن يكون ممن شرح الله صدورهم للإسلام، وأحسن مثال على هذا ذلك الصمت الذي قابل به الفرنسيون- أحزابًا، ومنظمات إنسانية، ونقابات، وشخصيات، وصحافة- عملية اختطاف الشيخ العربي التبسي- نائب رئيس جمعية العلماء- سنة ١٩٥٧، الذي لم يظهر له أثر إلى يوم الناس هذا، وهذه هي الحقيقة التي أكدها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾. لبِثَ الإمام الإبراهيمي في المنفى بِآفْلُو ثلاث حِجَج، وكانت السلطات الفرنسية في أثنائها تراقبه مراقبة صارمة، حيث "منع (حاكم البلدة الفرنسي) الناس من الاتصال به، وبَثَّ بواسطة عملائه في الجمهور أن هذا الرجل عدو لأولياء الله الصالحين، وهو يحاربهم، ولا يعترف بهم ولا بفضلهم وكرامتهم ... وأمر هذا الحاكم من جهة أخرى الموظفين والأعيان بأن يقاطعوه تمامًا لأنه عدو لفرنسا ( Anti-Français)) (٧)، ولكن ذلك كله "لم يمنعه من متابعة نشاطه الإصلاحي بصورة خفية" (٨)، وتحت هذه المراقبة الصارمة كان الإمام يسَيِّر شؤون الجمعية- بقدر ما تسمح به ظروف الحرب- عن طريق زواره من آله وصحبه، الذين تأذن لهم السلطات الفرنسية بزيارته. ولم يشغله همه الخاص عن التفكير في همِّ وطنه ومعاناته، وكان يتمنى أن تأتيه الأخبار بما يثلج صدره، وهو قيام ثورة تعصف بالوجود الفرنسي في الجزائر، فقد سأل ذات مرة

стр. 434

الأستاذ أحمد قصيبة: "هل بلغك أو سمعت شيئًا؟ هذا هو الوقت الذي يجب أن يستغله الشعب الجزائري" (٩)، كما كان يفكر في بعث نشاط الجمعية بعد الحرب، ويفكر في الرجال الذين يدفع بهم إلى الصفوف المتقدمة في المعركة الحضارية الشرسة، التي تخوضها الجمعية لإفشال المشروع الفرنسي في الجزائر، ومن ذلك قوله للأستاذ أحمد قصيبة: "إن قدر الله أن نستأنف حركتنا فإنني لن أتركك بالأغواط" (١). استغل الإمام الإبراهيمي ذلك الفراغ الذي فرضه عليه العدو، فسلَّى نفسه بكتابات كثيرة، تدل بقيتها على قيمتها، وكان يسلِّم ما يكتبه إلى تلامذته الذين كانوا يزورونه، وللأسف الشديد فإن أكثر هذه الكتابات قد ضاع، فأما ما استعاده الإمام من هذه الكتابات فقد "سطا على بعضها الجيش الفرنسي في إحدى مداهماته لبيت الشيخ فمزقها شر ممزق" (١١)، وأما ما بقي عند تلامذته فقد أحرق كثير منهم أوراقهم- في أثناء حرب التحرير مخافة بطش الفرنسيين- أو خزنوها تحت الأرض (١٢) مما عرضها للتلف. ومن أهم ما كتبه الإمام في هذه الفترة عدة فصول من كتاب عن أخيه الإمام عبد الحميد بن باديس، فقد روى فضيلة الشيخ عبد الرحمن شيبان أنه اطلع على رسالة بعثها الإمام الإبراهيمي من منفاه إلى الشيخ بلقاسم بن رواق- المشرف على الحركة الإصلاحية تعليمًا وإرشادًا في مدينة بَلْعبّاس- يخبره فيها بانكبابه على تأليف ذلك الكتاب. ولا شك أن خسارة العلم والتاريخ بضياع هذا الكتاب لا تعوَّض، لأنه ليس هناك من هو أعرف بالإمام ابن باديس، وأقدر على الكتابة عنه مثل أخيه الإمام الإبراهيمي. وقد ذكر الأستاذ محمد الغسيري أن الإمام الإبراهيمي - عندما كان في المنفى- "وضع برنامجًا حافلاً للتعليم العربي بجميع أنواعه، وضمنه أصولاً عظيمة من علم التربية، وقد سألناه أن يُجَرِّدَ لنا منه فصولاً عملية تتعلق بالسنوات الست الابتدائية، ففعل وسلَّمه لنا لنطبعه ... (و) عاقنا عن طبعه عدم استعداد مطابعنا لطبع مثله ... وها نحن نتعجل بنشر المقدمة التي صدره بها استاذنا الجليل" (١٣). ولا نعلم- لحد الآن- إن كان هذا البرنامج ما يزال ضمن أوراق الأستاذ محمد الغسيري- ﵀ أم لعبت به يد الأيام كغيره من آثار الإمام.

стр. 435

أما القليل من إنتاج الإمام في مرحلة آفلو؟ الذي نجا من الضياع فهو موجود في هذا الجزء، وهو ذو طابع أدبي، ومنه رواية الثلاثة، التي يقول عنها الشيخ محمد الصالح رمضان: "وأما رواية الثلاثة الشعرية الهزلية النقدية فقد نسخ منها الشيخ الجيلالي الفارسي فصلين فقط وسحبها ... وهي غير تامة إذ ينقصها الفصل الثالث والأخير" (١٤). في أوائل سنة ١٩٤٣ - وبعد نزول قوات الحلفاء في الجزائر في نوفمبر ١٩٤٢ - حدث نوع من الانفراج السياسي، فعاد الإمام الإبراهيمي من المنفى، ولكنه وُضِع تحت المراقبة الإدارية حتى انتهاء الحرب، وفي تلك السنة- ١٩٤٣ - تمكنت الجمعية بقيادة الإمام الإبراهيمي من تشييد سبعين مدرسة (١٥)، وهو عدد ضخم، نظرًا لظروف الحرب المقيدة للحركة، وللمسغبة التي كان يعانيها الشعب الجزائري. ومن أهم مواقفه في هذه الفترة ردُّه على ما تقدم به الجنرال دوغول في شهر مارس ١٩٤٤ من إصلاحات، وأهمها ما سُمِّي آنذاك بحق المواطنة الفرنسية للجزائريين، الذي "ندد به الشيخ الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء، على أنه خطوة نحو إدماج لا يرضى به الشعب المسلم بأي ثمن" (١٦). كما أسهم الإمام مساهمة كبيرة في لَمّ شمل السياسيين الجزائريين، لتكوين هيئة سياسة تجادل عن حقوق الشعب الجزائري، حيث "تَمَّ بسعيه- وسعي إخوانه العلماء- في وقت لا يقل حرجًا وضيقًا عن وقتنا هذا جمع الأحزاب في هيئة أحباب البيان" (١٧)، التي ضمت جميع القوى الوطنية في الجزائر باستثناء الشيوعيين. إذا كانت مؤامرة فرنسا لإفشال المؤتمر الإسلامي سنة ١٩٣٦ قد استهدفت أفرادًا، فإن مؤامرتها لإفشال تجمع "أحباب البيان" قد استهدفت الشعب الجزائري كله، فكانت حوادث ٨ مايو ١٩٤٥، و"هي حوادث محكمة التدبير، مبيتة، مجمع عليها من جامعة المعمرين بإملاء رجال الحكومة أو مُمَالَأتِهِم" (١٨). لقد قُتل في هذه الحوادث- في بضعة أيام- أكثر من خمسة وأربعين ألف جزائري، "ودمَّرت الطائرات (بأمر من وزير الطيران شارل تيون الشيوعي) ٤٤ مَشْتَى (قرية) " (١٩)، واعتقل

стр. 436

آلاف الجزائريين، و"كان الإبراهيمي على رأس القائمة" (٢٠)، الذي سيق إلى السجن العسكري بمدينة الجزائر، حيث وضِع في زنزانة انفرادية تحت الأرض لمدة سبعين يومًا، لا يخرج منها إلا ربع ساعة في اليوم، ثم نُقل إلى قسنطينة ليوضع في زنزانة أخرى- في انتظار محاكمته- حتى ساءت حالته الصحية، فكان ينقل منها إلى المستشفى العسكري ويعاد إليها طيلة أحد عشر شهرًا، مما أدى إلى تدهور صحته، وإصابته بأمراض بقي يعاني منها إلى أن توفاه الله. ومن أعمال فرنسا عقب حوادث ٨ ماي ١٩٤٥ سَنُّ قانون لا يوجد فيما عرف الناس من قوانين أكثر قسوة ووحشية منه، والغريب العجيب أن المؤرخين وشهود تلك الحوادث أهملوا الإشارة إلى هذا القانون رغم بشاعته، ولم يشِر إليه ويندد به- فيما نعلم- إلا الإمام الإبراهيمي، الذي ذكر أن فرنسا "سنَّتْ قانونًا مَتْنُه من وحي الرومان، وشرْحُه من فقه الإسبان يقضي بمنع أيَامَى القتلى من التزوج، وبعدم قسم المواريث المتخلفة عنهم، وبعدم السماح لأهل البر والإحسان بتبني يتاماهم" (٢١). أُعلن العفو العام! وأُفرِج عن المساجين، فخرج الإمام الإبراهيمي من السجن يوم ١٦ مارس ١٩٤٦، وقبل أن يستعيد جزءًا من قوته، ويسترد شيئًا من صحته عاود النشاط بعزيمة أمضى، وإرادة أقوى، فملأ بنشاطه المكان والزمان، وجاب الجزائر كلها: سهلها وحَزْنَها، تلَّها وصحراءها، حواضرها وبواديها، يؤسس المدارس، ويشيد المساجد، ويفتح النوادي، ويصلح بين الناس، ويؤلف بين القلوب، ويشحذ النفوس، وبفضل ذلك النشاط الدائب والعمل الهادف صارت جمعية العلماء تمثل ضمير الأمة، وحافظة شخصيتها، وحامية كيانها، ومُحْيِيَةَ مقوماتها، دمالى هذه المعاني أشار الشاعر مفدي زكريا- أحد قادة حزب الشعب الجزائري-: جمعية العلماء المسلمين ومَنْ ... للمسلمين سواكِ اليوم منشود؟ خاب الرجآ في سواكِ اليوم، فاضطلعي ... بالعبء، مُذْ فرَّ دجال ورعديد سيروا، ولا تهنوا، فالشعب يرقبكم ... وجاهدوا، فَلِواءُ النصر معقود أمانة الشعب، قد شُدَّت بعاتقكم ... فما لغيركمُ، تُلقَى المقاليد (٢٢) وأصبح الإمام الإبراهيمي زعيمًا لهذه الأمة، تُلقي السمع لقوله، وتسترشد برأيه، وتهتدي- فيما تأتي وتترك- بفكره، وتنزل في قضاياها على حُكمِه، وتتخذه أسوة حسنة لها

стр. 437

في الاستمساك بشخصيتها وقدوة طيبة في الدفاع عن ذاتيتها. إن أجملَ ما في هذه الزعامة أنها لم تكن قائمة على دعاية حزبية زائفة، ولكنها كانت ذاتية في الإمام، مظاهرها التدين الصادق، والعلم الغزير، والعمل الوفير، والإعراض عن السفاسف، والترفع عن التوافه، والإخلاص في العمل، وقد أشار الشاعر مفدي زكريا إلى بعض هذه الأعمال، فقال محييًا الإمام الإبراهيمي: التحيات، باعث الرجة الكبـ ... رى، تهاوى حيالها الأصنام والذي ألهب العزائم فانْفَـ ... ضَّت تَبَارى، يسوقها الإقدام والذي فكَّ طلسم الشعب فارتـ ... دَّ بصيرًا، وانجاب عنه الظلام والذي أنقذ العروبة لما ... نصبت للعروبة الألغام وحمى (دولة الكتاب) وكانت ... في الحمى (دولة الكتاب) تضام (٢٣). إذا كان حصر نشاط الإمام الإبراهيمي واستقصاء منجزاته على رأس جمعية العلماء في هذه الفترة (١٩٤٦ - ١٩٥٢) من الصعوبة بمكان، فلا أقل من الإشارة إلى أهم تلك المنجزات ، وهي: أولًا: في ميدان التربية والتعليم: ١) تأسيس معهد الإمام عبد الحميد بن باديس بمدينة قسنطينة: أهمَّ الإمام الإبراهيمي مصيرُ التلاميذ الذين أنهوا مرحلة التعليم الابتدائي بمدارس الجمعية، ففكر في تأسيس معهد يكون عنوان مرحلة جديدة في جهاد الشعب الجزائري الحضاري، يستكمل فيه أولئك التلاميذ دراستهم، ولكن إخوانه العلماء "كانوا متفقين على أن الزمن غير صالح للشروع في العمل نظرًا لحالة الأمة المالية، وتوالي الأزمات عليها" (٢٤). ولكن الإمام- إيمانًا منه بربه، وثقة في الأمة التي رباها على البذل في الصالحات، وثقة بمكانته في قلوب أبنائها- صمَّم على إنجاز المشروع، ولم يخيب الله مسعاه، فاستجابت الأمة، ودفعت قليل موجودها في سبيل وجودها، فتم تأسيس معهد أطلق عليه اسم الإمام عبد الحميد بن باديس، فكان تكوينه "أعجوبة من أعاجيب الفجاءة" (٢٥). وأوحى ربك إلى الإمام الإبراهيمي أن يسعى لربط المعهد الوليد بجامع الزيتونة العَهيد، وللإمام من وراء ذلك الربط هدفان:

стр. 438

• ايجاد علاقة ثقافية علمية بين المؤسسات العلمية العربية، وهي فكرة نحسب أن الإمام الإبراهيمي حائز فيها بالسبق تفضيلاً؛ فأنشأ الأزهر فرعًا له في لبنان، وأنشأت جامعة القاهرة فرعًا لها في السودان. • تمكين حاملي شهادة المعهد من الالتحاق بالمؤسسات التعليمية العليا في المشرق العربي، لأنه "ينوي توجيه النوابغ إلى استكمال معلوماتهم في جهة أخرى غير الزيتونة" (٢٦). وهذان الفكرتان تدلان- وغيرهما- على النظرات المستقبلية للإمام الإبراهيمي، وما أكثرها عنده، فقد كانت بصيرتُه أحَدَّ من باصرته. ورغم كثرة أعمال الإمام وتعدد مشاغله، فقد كان يولي المعهد عناية خاصة، يزوره باستمرار، ويسهر على حسن سيره، ويذلل ما يعترضه من عقبات، ويوفر له الإمكانات، ويختار له الكفاءات، ويكثر عنه الكتابات، ولم يكتف بجهوده الخاصة؟ فأسس له حركة سماها "حماة المعهد" (٢٧). إن الأعمال العظيمة والمنشآت الكبيرة لا تقاس بما أُنفق فيها من أموال، وما بذل في سبيلها من مجهودات؛ ولكنها تقاس بالظروف التي أُنجزت فيها، والأهداف التي رسمت لها، والنتائج التي حققتها. من أجل ذلك كان الإمام الإبراهيمي يعتبر المعهد إنجازًا عظيمًا، لأنه أُنجز في ساعة العسرة، وأُسِّسَ في ظروف مادية قاسية، وفي بحر من العراقيل الإدارية الشديدة؛ ولأنه عُهِد إليه تكوين جيل صحيح العقيدة، متين الخُلق، سليم التفكير، رِسالي المهمة، وأما النتائج فقد كان الإمام مطمئنًا إليها من أول يوم في حياة المعهد، بما وفَّر له من برامج سليمة، وتربية صالحة، وإدارة حازمة، وأساتذة أكفاء، ثم جاءت الأيام فصدَّقت ذلك كله، وأخرج المعهد للجزائر رجالاً في جميع المجالات، ولم يُكتب في تاريخ أحد منهم خيانة للوطن، أو تفريطًا في ثابت من ثوابته، أو ركونًا إلى عدوه. ٢) بناء المدارس: يعتقد الإمام الإبراهيمي أن التعليم "نوع من الجهاد"، ويرى المدارس "ميادين جهاد"، ويعتبر المعلمين "مجاهدين"، مستحقين لأجر الجهاد، لأن "التعليم هو عدو الاستعمار الألد".

стр. 439

إن هدف الجزائر في تلك المرحلة هو التحرر من الاستعمار، وقد كان الإمام مقتنعًا أن ذلك التحرر لن يتم إلا إذا هيِّئت وأُعِدَّت وسيلته، فلا يمكن أن "تسبق غايةٌ وسيلتها"، وما الوسيلة- في رأيه- إلا العلم بأوسع معانيه، "فهذه الجهود الجبارة التي تبذلها جمعية العلماء في سبيل العربية والإسلام والتعليم كلها استعداد للاستقلال، وتقريب لأجله" (٢٨)، وذلك ما يهوِّن عليه وعلى إخوانه العلماء ما يلاقونه من محاكمات وسجون، "ولكننا سندخل هذه المحاكم برؤوس مرفوعة، وسنتلقى هذه الأحكام بنفوس مطمئنة بالإيمان، وسندخل السجون بأعين قريرة" (٢). ومن أجل ذلك حمَّل الإمام الإبراهيمي جسمه المريض ما لا طاقة له به من أسفار كثيرة، وترحال دائم، وتنقل مستمر، ليضع حجر أساس مدرسة في الشرق، ثم ينتقل لتدشين مدرسة في الغرب، وهكذا دواليك ... وعلى القارئ أن يقدر الجهد الكبير الذي بذله الإمام طيلة ستة أعوام -١٩٤٦ - ١٩٥٢ - ، إذا عرفنا أنه في سنة ١٩٤٨ وحدها بُدئ بناء ٣٧ مدرسة عبر التراب الوطني (٣٠). وللإمام الإبراهيمي من وراء هذه التنقلات الكثيرة المضنية فلسفة اجتماعية، وهي معرفة مدى انتشار الوعي وارتفاعه في الأمة، وتعويدها على التجمعات الهادفة بدل تلك التجمعات الحزبية أو البدعية، ونزع رهبة السلطات الفرنسية من قلوب أفرادها. ويلاحظ في هذه الفترة التوسع في تعليم البنت الجزائرية، في مجتمع كان يعتبر تعليم البنت إحدى الكبر، وقد جادل الإمام الإبراهيمي جدالًا كبيرًا عن حقها في التعليم، بل عن واجبه عليها، إذ الإسلام يجعل العلم فريضة على المسلم ذكرًا كان أو أنثى، وبذلك وصل عدد الإناث في مدارس الجمعية إلى ٥٦٩٦ بنت سنة ١٩٥١، ليقفز إلى ثلاث عشرة ألف بنت سنة ١٩٥٣، وهو عدد ضخم نظرًا لظروف ذلك العهد الاجتماعية والنفسية والمادية. وقد كان الإمام يخطط لإنشاء دار للمعلمات، ومعهد للبنات على غرار معهد ابن باديس للذكور، وجامعة عربية إسلامية تجمع بين الروح الإسلامية الشرقية والعلوم الحديثة النافعة (٣١).

стр. 440

ساء الاستعمار الفرنسي أن تُقْبِل البنت الجزائرية على مدارس جمعية العلماء، حيث تتلقى العلم النافع، وتتربى التربية الصالحة، وتتخلق بالخلق القويم، فأوحى إلى شياطينه أن يثيروا الغبار حول ذلك التعليم، ويشيعوا قالَةَ السوء عن مدارس الجمعية التي "عرضت الأعراض للتمزيق". وسلَّ الإمامُ قلمه البتار على أولئك الرهط، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وكشف هدف تلك الحملة، وهو أن الاستعمار "متشائم بتعليمها- الجمعية- للبنت المسلمة، لأن نتيجته تكوين بنت صالحة، تصبح غدًا زوجة صالحة، وبعد غد أُمًّا صالحة، وهاله أن تعمر البيوت بالصالحات فَيَلِدْن جيلاً صالحًا صحيح العقائد متين الإيمان، قويم الأخلاق، طموحًا إلى الحياة، فتطول به غصته ثم تنتهي به قصته ... (ولأن) الاستعمار بعيد النظر، عارف بما للمرأة في أمتها من الأثر، فهو- لذلك- حرَّكَهُم، وما زال يحركهم لإثارة هذا الغبار الأسود في وجه جمعية العلماء، (لـ) زعزعة ثقة الأمة بالجمعية في خصوص تعليم البنت" (٣٢). وقد عانت مدارس جمعية العلماء كثيرًا من عراقيل السلطات الفرنسية، وأصاب معلميها كثيرٌ من الأذى، لأنهم كانوا يقومون بعملية "تحصين" و "تطعيم حضاري" ضد الفَرْنَسَة والتنصير، ولذلك كانت تلك السلطات تعتبر تلك المدارس "عبارة عن خلايا سياسية، والإسلام الذي يمارسونه- العلماء- هو مدرسة حقيقية للوطنية" (٣٣). وللتقليل من تأثير مدارس جمعية العلماء على الأطفال الجزائريين وإفسادًا لذلك التطعيم الحضاري والتحصين المعنوي حاولت السلطات الفرنسية فرض تدريس اللغة الفرنسية لمدة خمس عشرة ساعة أسبوعيًا في مدارس الجمعية، فـ"رفضتُ المفاهمة في المشروع بحذافيره، وفي جملته وتفصيله، وَأَبَى لي ديني أن أعطي الدنية فيه، وأبَتْ لي عروبتي أن أقر الضيم للغتي، وأبى لي شرف الجمعية وشرف العلم أن أتمادى في مفاهمة ضالة عقيمة في حق طبيعي ثابت ... وللحكومة أن تسقط السماء علينا كِسَفًا، وأن تتجنى علينا ما شاء لها التجني والظلم" (٣٤). ٣) تكوين لجنة التعليم العليا: يؤمن الإمام الإبراهيمي أنه "إذا اختلفت الأصول والمناهج في أمة كانت كلها فاسدة، لأن الصالح كالحق لا يتعدد ولا يختلف" (٣٥)، و"أن توحيد الغايات لا يأتي إلا بتوحيد الوسائل" (٣٦)،

стр. 441

ولذلك قرر- مع إخوانه قادة الجمعية- إنشاء لجنة خاصة بالتعليم، فأنشئت في ١٣ سبتمبر ١٩٤٨، و"كانت بمثابة وزارة تربية شعبية" (٣٧)، وعهِد إليها بوضع البرامج، وتقرير كتب الدراسة، وإصدار اللوائح التنظيمية، وتعيين المعلمين، ووضع الدرجات لهم، واختيار المفتشين، وتنظيم ملتقيات تربوية وندوات بيداغوجية لمناقشة قضايا التعليم، وتحسينه، ورفع مستواه. ويدل إنشاء هذه اللجنة على التطور الذي أحرزته الجمعية، وعلى الروح التنظيمية التي أصبحت تطبع أعمالها. ٤) إنشاء الشهادة الابتدائية: انسجامًا مع ذلك التطور الذي أشرنا إليه آنفًا، أنشأت الجمعية شهادة تثبت لحاملها متابعة الدراسة الابتدائية، وتسمح له بمتابعة المرحلة التعليمية الموالية. ولا شك أن الجانب المعنوي النفسي لهذه الشهادة أكبر من جانبها المادي. ويظهر هذا الأثر المعنوي في محتوى هذه الشهادة، حيث كتِب في ركنها الشمالي الأيمن عبارة "الشعب الجزائري"، اعترافًا- من جهة- بمجهوده في ميدان الإنفاق على التعليم، وإقرارًا- من جهة أخرى- بسيادته العليا إلى أن يحين الوقت لاستعادة دولته، وتفويض ممثليه المنتخبين بممارسة هذه السيادة التي اغتصبت منه سنة ١٨٣٠. وتحت كلمة الشعب الجزائري كتب "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، إشارة إلى أنها الممثلة لهذه السيادة، وتحت كلمة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كتب "لجنة التعليم"، وهي الهيئة التنفيذية لسياسة الجمعية في ميدان التربية والتعليم، والتي سماها فضيلة الشيخ عبد الرحمن شيبان "وزارة تربية شعبية". أما في الركن الشمالي الأيسر فيوجد رسْمٌ لمدرسة يعلوها لواءٌ مسطور عليه "الإسلام- العربية- الجزائر"، إشارة إلى ثلاثية الشعب الجزائري المقدسة المعارِضة لسياسة التنصير، والفَرْنَسَة اللُّغوية، والإدماج السياسي للشعب الجزائري في الدولة الفرنسية. ٥) إرسال البعثات الطلابية إلى الدول العربية: بدأت جمعية العلماء التفكير في إرسال بعثات طلابية إلى المشرق سنة ١٩٣٨، ولكن الحرب العالمية الثانية حالت دون تنفيذ ذلك. فلما وضعت الحرب أوزارها، واستأنفت الجمعية نشاطها، وانتهت من عملية تنظيم شؤونها، فكرت- مرة أخرى- في مسألة البعثات، وبدأت بأقرب البلدان إلى الجزائر وهما تونس والمغرب، حيث بلغ عدد الطلاب فيهما- سنة ١٩٥٣ - ألفًا ومائتي طالب، ئم تمكنت من إرسال الفوج الأول إلى مصر في السنة الدراسية ١٩٥١ -

стр. 442

١٩٥٢، وكان ذلك الفوج يضم خمسة وعشرين طالبًا وطالبة واحدة- هي زوجة أحدهم-، وفي السنة التي بعدها حطت ثلاثة أفواج رحالها في كل من العراق وسوريا والكويت، "بفضل مساعي الرَّئِيسُ الجليل- الإبراهيمي- وزميله في الكفاح الأستاذ الفضيل الورتلاني" (٣٨). وإذا كانت الحكومات العربية في المشرق قد تحملت تكاليف إيواء أولئك الطلبة، فإن جمعية العلماء هي التي تولَّتْ إيواءهم في تونس والمغرب، حيث اكترت دارين- في تونس- لإسكانهم (٣٩)، واكترت مركزًا لِجَمعية الطلبة (٤٠)، هذه الجمعية التى تأسست في الثلاثينات "بتحريض من الإمام الإبراهيمي إثر اجتماع عقده مع العمال والطلبة في أحد أحياء العاصمة التونسية، وهو حي الحجامين" (٤١). ثانيا: في ميدان التنظيم: ١) المركز العام: لم يكن للجمعية قبل سنة ١٩٤٧ مقر خاص بها، وبعد أن استأنفت نشاطها عقب الحرب العالمية الثانية قررت أن يكون لها في العاصمة مقر خاص يتناسب ومكانتها الدينية وقيمتها العلمية وأهميتها السياسية، وقد اختير هذا المركز في حي القصبة التاريخي- قلب العاصمة- لما يمثله هذا الحي من أمجاد وأبعاد في تاريخ الجزائر. ومَنْ أعلم من جمعية العلماء ورئيسها بإيحاءات التاريخ ودوره في شحذ همم الشعوب، وشحن نفوسها، ودفعها إلى استعادة دورها في صنع التاريخ والإسهام في الحضارة، وهو ما أشار إليه فضيلة الشيخ أحمد سحنون في قصيدته التي ألقاها بمناسبة افتتاح هذا المركز، فقال: وفيك يُبعث ماض طالما حييت ... على مآتيه أجيال وأعصار يا فتية الضاد حان الوقت فاطرحوا ... هذا الْوَنَى وانهضوا، فالناس قد طاروا سيروا على نهج آباء لكم سلفوا ... فإنهم في طريق المجد قد ساروا شقوا الزحام إلى العلياء واقتحموا ... أَخطارها، إنما العلياء أخطار اسعوا لتحيَوْا حياة العز، أو فَرِدُوا ... حوض الردى، فالردي يمحى به العار أرواح آبائكم في الخُلد قد هتفت: ... تحرروا فجميع الناس أحرار (٤٢).

стр. 443

٢) التوسع في تأسيس الشُّعَب: الشُّعبة هي أصغر مؤسسة في هيكلة جمعية العلماء ومهمتها تأطير الحركة الإصلاحية والإشراف على تأسيس المدارس والمساجد في المدن والأحياء، وقد كان عدد هذه الشُّعَب- عشية اندلاع الحرب العالمية- ٥٨ شعبة، ثم وصل العدد- سنة ١٩٥٣ - إلى ٣٠٠ شعبة (٤٣)، مما يدل على الانتشار الواسع الذي حققته الجمعية، والمكانة الكبيرة التي أصبحت تتمتع بها لدى الشعب الجزائري، مما يؤكد مقولة "إن جمعية العلماء عبارة عن دولة داخل دولة" (٤). ٣) توسيع المجلس الإداري وتنقيح القانون الأساسي للجمعية: كان الاجتماع العام لجمعية العلماء الذي عقد بالجزائر العاصمة يومي ٣٠ سبتمبر ١ أكتوبر ١٩٥١ اجتماعًا متميزًا، حيث جُدِّدت فيه مبايعة الإمام الإبراهيمي لقيادة الجمعية، ووُسِّع مكتبها الإداري، ووُزِّعت أعمال الجمعية على لجان، ونُقِّح القانون الأساسي الذي وضع سنة ١٩٣١، حيث تقرر أن يكون للرئيس نائبان بدل نائب واحد، وللكاتب العام ثلاثة نواب بدل نائب واحد، ولأمين المال نائبان، ورُفِع عدد المستشارين إلى ستة عشر بدل أحد عشر مستشارًا. ومن أهم ما اتخذه المجلس الإداري الجديد هو منح لقب رئيس شرفي لجمعية العلماء لبعض العلماء غير الجزائريين مِمَّن عرف بحمل الفكرة السلفية الإصلاحية والدفاع عنها. ولا نعلم جمعية- غير جمعية العلماء- في العالم العربي والإسلامي اتخذت مثل هذه الخطوة، وهذا دليل آخر على النظرة الإسلامية والاستراتيجية لقيادة جمعية العلماء، ولا ريب في أن صاحب هذه الفكرة هو الإمام الإبراهيمي نفسه. أما العلماء الذين تقرر منحهم هذه الرئاسة الشرفية فهم: محمد بن العربي العلوي (المغرب)، أحمد بن محمد التجاني (المغرب)، عبد العزيز جعيط (تونس)، عبد اللطيف دراز (مصر)، محمد أمين الحسيني (فلسطين)، عبد القادر المغربي (طرابلس الشام)، محمد بهجت البيطار (دمشق)، محمد نصيف (الحجاز)، تقي الدين الهلالي (بغداد)، مسعود الندوي (باكستان) (٤٥). ٤) بعْثُ النشاط في فرنسا: بدأ نشاط الجمعية في فرنسا سنة ١٩٣٦، وتوقف بسبب الحرب العالمية، وبانتهائها عادت الجمعية إلى النشاط هناك، فاشترت "مركزًا متواضعًا ليكون رمزًا للمشروع ونقطة بدء

стр. 444

في تحقيقه" (٤٦)، وأسست شُعَبًا في أمهات المدن الفرنسية كمرسيليا، وليون، وباريس، وليل وغيرها. وأوفدت بعض أعضائها يعلمون المغتربين دينهم، ولغتهم، وتاريخ أمتهم. وكانت الجمعية تعتبر "هذه المسألة كبيرة، ومسؤوليتها عند الله وعند الناس ثقيلة" (٤٧)، ولذلك أولاها الإمام ما تستحقه من عناية، وتردد على فرنسا عدة مرات، تفقدًا للحركة، وتشجيعًا للقائمين عليها. ولو توافر المال لحققت الجمعية في ميدان هداية المسلمين الضالين نتائج طيبة، ولأَتَتْ في مجال دعوة غير المسلمين إلى الإسلام بنتائج باهرة. إن جمعية العلماء هي الهيئة الوحيدة التي نقلت جزءًا من نشاطها من الجزائر إلى فرنسا لإنقاذ تلك الجالية من الذوبان والانسلاخ من دينها ولغتها ووطنها، أما حزبا نجم شمال افريقيا وحزب الشعب الجزائري فقد نشآ هناك، ولم يكن لهما نشاط يذكر في ميدان الصراع الحضاري، واقتصر نشاطهما على عقد تجمعات، وتوزيع منشورات، بل لقد كانا يجدان- أحيانًا- تعاطفًا وتعاونًا من بعض الفرنسيين. ٥) فتح مكتب القاهرة: أسست جمعية العلماء في أواخر سنة ١٩٥٠ "مكتبًا رسميًا متألفًا من ثلاثة من أبناء الجزائر المقيمين في القاهرة" (٤٨) ليكون "سفيرًا أمينًا بين الجزائر وأخواتها العربيات شعوبًا وحكومات" (٤٩)، و "إن أشرف ما قام به السعي في قبول بعثات من أبناء الجزائر باسم جمعية العلماء في المعاهد العلمية الكبرى على نفقة الحكومة المصرية وبعض الحكومات الشرقية" (٥٠). وقد ازدادت أهمية هذا المكتب وتكثَّف نشاطه بعد سفر الإمام الإبراهيمي إلى المشرق سنة ١٩٥٢. ثالثًا: في ميدان التوجيه والإعلام: ١) إعادة إصدار جريدة البصائر: صدرت البصائر أول مرة سنة ١٩٣٥، وفي بداية الحرب العالمية الثانية قررت الجمعية توقيفها حتى لا تجبرها السلطات الفرنسية على قول ما لا تريد. وفي سنة ١٩٤٧ أعاد الإمام

стр. 445

الإبراهيمي إصدار جريدة البصائر رغم المصاعب المادية الحادة التي كانت تعانيها الجمعية والشعب الجزائري. وقد حمَّل العلماء رئيسهم مسؤولية إدارة البصائر ورئاسة تحريرها، فحمَّلوه- بذلك- أثقالاً مع أثقاله، ولكنه قام بالمهمة أحسن قيام، ولم يَؤُدْه حفظها والارتقاء بها إلى أعلى مستوى. لقد دبَّج الإمام الإبراهيمي في البصائر أروع المَقالات، وأبدع التحليلات، وخاض على صفحاتها أصدق الهجمات على الاستعمار وسياسته، وأعنف الحملات على الذين خانوا أمانة الإسلام والأوطان، ولولا ذلك القلم السيال والفكر الجوَّال والعزم الصوال لكانت جريدة البصائر كبقية الجرائد. لقد كان الإمام الإبراهيمي للبصائر كالأم لطفلها، يمتص حليبها وهو أزكى ما في جسمها، وكالزهرة للنحلة، تمتص رحيقها وهو ألذ وأشهى ما فيها، وهو ما جعل الناس في داخل الجزائر وخارجها يُقبلون عليها إقبال الظمآن على الماء، ويستعجلون يوم صدورها، لما يجدونه فيها من مقالات إبراهيمية تقنع العقول وتُحْيِي القلوب، وتشفي الصدور، في أسلوب بديع وبيان رفيع يُذَكِّر بأزهى عصور اللغة العربية، حتى أصبحت البصائر لكثير من أصحاب الأقلام سُلمًا إلى المجد وسبيلاً إلى الشهرة. وقد كان يصيب البصائر ما يصيب الجرائد ذات الفكر الرشيد والرأي السديد والمبدإ العتيد من أزمات مالية تكاد تخمد صوتها وتطفئ نورها فيتداركها الإمام الإبراهيمي- بجهوده الخاصة- فتعود سيرتها الأولى ناطقة بالصدق، صدَّاعة بالحق شاهدة بالعدل، قاذفة بالشهب المحرقة على الطغاة والبغاة ومن ألقى إليهم بالمودة. كان الإمام الإبراهيمي يعتبر البصائر هي صوت الجزائر، لا صوت جمعية أو حركة فقط، ولذلك كان حريصًا أشد الحرص على أن يكون هذا الصوت معبرًا أصدق تعبير عن حقيقة الجزائر المسلمة الدين، العربية الانتماء، المجاهدة لاسترجاع كيانها السياسي، والعاملة لاستئناف دورها الحضاري، وكان أشد حرصًا على أن تصل البصائر إلى خارج الجزائر، فوصلت إلى الشرقين العربي والإسلامي، وإلى الأمريكتين الوسطى والجنويية (٥١). لقد كانت السلطات الفرنسية تدرك قوة جريدة البصائر في كشف حقيقة سياستها، وتعرف قدرة البصائر على إقناع الناس بحق الجزائر في استعادة سيادتها، فكانت تلك السلطات تتدخل مباشرة فتمنع- أحيانًا- دخول البصائر إلى الأقطار التي- تسيطر عليها، وتُوعِزُ - أحيانًا- إلى إدارة البريد لكي تحجزها فلا تصل إلى من تُرسَل إليهم في الأقطار الأخرى.

стр. 446

٢) وفود الوعظ والإرشاد: من سُنن جمعية العلماء الحسنة أنها كانت توزع أعضاءها على مُدن الجزائر وقراها في شهري أغسطس وسبتمبر من كل سنة، وفي شهر رمضان المعظم؛ يُثَبِّتُون- بدُرُوسِهِم- المهتدي، ويَهْدُون الضال، ويذَكِّرون الجميع بواجباتهم الدينية والدنيوية. وقد كانت جريدة البصائر تنشر أسماء أولئك العلماء، والمناطق التي عُيِّنُوا فيها، وتحض الشعب على الإقبال على هذه الدروس. وقد حدَّد الإمام الإبراهيمي في أحد مقالاته مهمة أولئك الوعَّاظ والمرشدين قائلاً: "عليهم أن يمَكِّنوا- ما استطاعوا- في نفوس السامعين معاني الشرف والرجولة، وشرف النفس، والاعتزاز بالإسلام والعروبة، فإن الإسلام جاء لجميع ذلك، وان سيرة رسول الله ﷺ دائرة على ذلك، فالإسلام دين العزة والكرامة، والشرف والفضيلة، فمن لم يكن بهذه الصفات فإسلامه ناقص بقدر نقصانه فيها وإن صلى وصام وحج البيت ماشيًا" (٥٢). وقد وصف المؤرخ الفرنسي شارل روبير آجرون تلك الوفود بالوفود "السياسية- الدينية" (٥٣)، لأنها لم تكن تقتصر في دروسها على القضايا الدينية بمعناها المتعارف عليه، ولكنها كانت تتجاوز ذلك إلى القضية الوطنية، فتنَبِّه العقول، وتوقظ الشواعر، وتهيِّءُ النفوس ليوم لا ريب فيه يحق الحق ويبطل الباطل. وقد كانت السلطات الفرنسية تراقب- بواسطة عملائها- أولئك العلماء، وتسجل أقوالهم، وترصد الأفكار التى ينشرونها بين الناس، ومن ذلك ما سجلته مصالحها الأمنية من أن الشيخ عباس بن الحسين - عضو المكتب الإداري لجمعية العلماء- ألقى خطابًا يوم ٣ سبتمبر ١٩٥٤ بمدينة نَدْرومة جاء فيه: "لا تعتقدوا أن الجزائر نائمة، إنها تناضل في سرية، كما ناضلت تونس والمغرب، وخلال شهر أو شهرين- وفي جميع الأحوال قبل سنة- ستنهض مثل جميع الدول العربية ... وأنه من هذه المساجد سيخرج جنرالاتنا، وقادتنا الحربيون، وجيشنا" (٥٤). ولذلك فكثيرًا ما كانت السلطات الفرنسية تمنع أولئك العلماء من إلقاء الدروس، وتقود بعضهم إلى مخافر الشرطة للاستجواب الذي ينتهي ببعضهم إلى السجون. رابعًا: المجال الديني: إن القضية التي صال فيها الإمام الإبراهيمي وجال، وكتب فيها وقال هي قضية تحرير الدين الإسلامي من سيطرة الدولة الفرنسية، التي كانت تعتبر إشرافها على الدين الإسلامي "مسألة جوهرية"، خرقت لأجلها دستورها الذي ينص على أن فرنسا دولة لائكية.

стр. 447

وقد لبَّت الدولة الفرنسية بعض مطالب الجزائريين الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية، ولكنها أصَمَّتْ أذنيها وأغمضت عينيها عن مطلبهم في القضية الدينية إلى أن طُرِدت من الجزائر. لقد أكْثر الإمام الإبراهيمي جدالَ فرنسا في هذه القضية، وساق لها من الحجج الدينية والقانونية والتاريخية ما يُقْنِع لكي تنفض يديها من القضية، وتعيد الحق إلى أصحابه، ولكن القوة المادية جعلتها لا تُلقي السمع لأية حجة، ولا تقتنع بأي منطق، ولا تخضع لأي دليل. وكما هاجم الإمام الإبراهيمي السياسة الفرنسية في هذا الميدان وكشف حقيقتها؛ صبَّ حِمَمَه وأرسل صواعقه على أدوات تلك السياسة، وما أدواتها إلا أولئك الأئمة الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا، وأعطوا الدنية في دينهم، واختاروا أن يكونوا حجة عليه وعلى قومهم، ورَدُّوا مكانة الإمام أسفل سافلين، وهو ما أدى بالإمام الإبراهيمي أن يفتي بأن الصلاة وراءهم باطلة، خاصة بعد أن كشف أوغسطين بيرك- مدير الشؤون الأهلية في الولاية الفرنسية العامة في الجزائر- أن تعيين أولئك الأئمة لا يراعى فيه إلا خدمتهم للدولة الفرنسية (٥). خامسًا: في الميدان السياسي: حاول- وما يزال يحاول- الجَهَلَةُ والحَسَدَة أن ينكروا على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إسهامها الكبير في العمل الوطني لاستعادة الاستقلال واسترجاع السيادة، ويتمثل هؤلاء المنكرون في الشيوعيين، وفي المتعصبين من حزب الشعب الجزائري- حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وفي بعض الكتاب والصحفيين من جيل الاستقلال الذين يحتطبون في حبال هؤلاء وأولئك. إن الحقيقة هي أن جمعية العلماء اهتمت- كما يقول الإمام الإبراهيمي- بـ"لباب السياسة" "لأن ديننا يعد السياسة جزءً من العقيدة ... ولأن السياسة نوع من الجهاد، ونحن مجاهدون بالطبيعة، فنحن سياسيون بالطبيعة" (٣٦). وإذا كانت المعركة في الجزائر في جوهرها- منذ الاحتلال إلى استعادة الاستقلال-هي معركة بين "الفَرْنَسَة" وبين "العروبة"، وبين "النصرانية" وبين "الإسلام"؛ فإنه لم يكن لغير جمعية العلماء عمل دائب وفكر صائب في تلك المعركة، وذلك لسبب بسيط هو أن ذلك "الغير" لم يكن يملك أدوات تلك المعركة ووسائلها، فضلاً عن أن يدرك أبعادها،

стр. 448

وأن يَسْتَبين أهدافها، وما وسائلها إلا "العقيدة الصحيحة"، و "العلم الواسع"، ولذلك اعتبر الفرنسيون "أن العلماء يمثلون أكبر الخطر على الفكرة الفرنسية في الجزائر" كما أشرنا إلى ذلك آنفًا. من أجل ذلك أسهمت جمعية العلماء- في عهد الإمام الإبراهيمي- في الأنشطة السياسية الجادة، بل لقد كان لها ولرئيسها الدور الريادي والرَّئِيسُي في بعضها، ومن هذه الأنشطة: ١) سعي الإمام الإبراهيمي في جمع الأحزاب والشخصيات الوطنية في هيئة أحباب البيان. ٢) رفضه المشروع الذي تقدم به الجنرال دوغول سنة ١٩٤٤، القاضي بإدماج الشعب الجزائري في فرنسا، وهو "ما لا يرضى به الشعب المسلم بأي ثمن". ٣) دعوته لتوحيد الأحزاب الجزائرية، وسعيه في ذلك طيلة "ستة أشهر كاملة" (٥٧). ٤) رسالته القوية إلى رئيس الجمهورية الفرنسية سنة ١٩٤٩، حيث أكَّد له فيها أن الشعب الجزائري "أصبح لا يؤمن إلا بأركان حياته الأربعة: ذاتيته الجزائرية، وجنسيته، ولغته العربيتين، ودينه الإسلامي، لا يستنزل عنها ... ولا يبغي عنها حِوَلاً، ولا بها بديلًا" (٥٨). ٥) إسهام جمعية العلماء في تأسيس "الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها". ٦) اتصاله بالوفود العربية والإسلامية في مؤتمر الأمم المتحدة الذي عُقِد بباريس في آخر سنة ١٩٥١، واقترح عليها "عرض قضية الجزائر على الجمعية العامة في دورتها الحالية" (٥٩). وقد أقام الإمام الإبراهيمي لتلك الوفود مأدبة ألقى فيها خطابًا قويًا، شرح فيه لتلك الوفود قضية الجزائر والمغرب العربي عمومًا. كما أَوْعَد فيه الاستعمار الفرنسي بأن وراء اللسان خطيبًا صامتًا هو السنان، وأن الشبان الجزائريين سينطقون بما يخرس الاستعمار، وأن بقايا دماء أجدادنا فينا سيجلِّيها الله إلى حين. ودعا فيه إلى احتقار الاستعمار وتقليم أظافره وهَتْمِ أنيابه، وشبَّه الطامعين في توبة الاستعمار بالخروف الطامع في توبة الذئب (٦٠).

стр. 449

ومما تجدر الإشارة إليه أن ميصالي الحاج- رئيس حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية- أقام هو الآخر مأدبة لتلك الوفود، وألقى كلمة طلب فيها من الفرنسيين "أن يعيدوا إلينا حريتنا، ويعاملونا على قدم المساواة والأخوة" (٦١). والمفارقة هي أن الجمعية المتهمة زورًا بأنها لم تعمل للاستقلال، ولم تؤمن بالكفاح المسلح، يدعو رئيسها إلى عدم الثقة في الاستعمار، ويهدد هذا الاستعمار في عُقْرِ داره بأن الشباب الجزائري سينطق بما يخرسه، وأن دماء آبائنا فينا سيجلِّيها الله، ويحرِّض على تقليم أظافر الاستعمار وهَتْمِ أنيابه، وأن حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية الذي يحاول بعض مناضليه احتكار الوطنية، ويدَّعون أنهم الوحيدون الذين عملوا للاستقلال، يدعو رئيسه الفرنسيين إلى "أن يعيدوا إلينا حريتنا، ويعاملونا على قدم المساواة والأخُوَّة". لقد كان لخطاب الإمام الإبراهيمي أثر قوي في عقول تلك الصفوة من رجال العرب والمسلمين، الذين لم يتعودوا أن يسمعوا من علماء الدين مثل الذي سمعوه من الإمام الإبراهيمي: فصاحة لسان، وقوة بيان واهتِمامًا بما يحدث، ومتابعة لما يجري، وتفطُّنًا لمكائد الأعداء، وإدْراكًا لوسائلهم، وظهر تأثرهم فيما علَّقوا به على ذلك الخطاب، حيث قال الزعيم التونسي محي الدين القليي واصفًا الإمام الإبراهيمي بأنه "إمام هذا الزمان، المصلح، المجدد، مفخرة علماء الإسلام" (٦٢)، وقال الزعيم فارس الخوري، رئيس الوفد السوري: "أنا وقفت لِأداءِ شهادة، فقد سمعت كثيرًا من الخطباء في هيئة الأمم المتحدة، وهم- لا شك- النخبة المختارة من دولهم للتأثير على السامع، وغيرهم كثير، ولكن أشهد- فَثِقوا بشهادتي- أنني لم أتأثر مثل تأثري الليلة بكلمة فضيلة الشيخ الإبراهيمي، وليس تأثري راجعًا إلى فصاحته وبلاغته فقط، وإنما تأثرت بذلك، ولكونه يتكلم من عقله وروحه، ويخرج الكلام مساوقًا لشعوره، ومسوقًا بصدقه وفضيلته خاطبنا الليلة بنبضات قلبه، وفيض من إيمانه وعقيدته" (٦٣). ٧) دعوته إلى تشكيل "اتحاد أحزاب الشمال الإفريقي"، ونجاحه في تحقيق ذلك، بهدف متابعة الكفاح ومضاعفته في سبيل تحرير افريقيا الشمالية، ولتنسيق عملها داخل افريقيا الشمالية، وفي الميدان الفرنسي والدولي وقد شارك في ذلك الاتحاد: من الجزائر: حزب البيان الجزائري، وحزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية.

стр. 450

ومن تونس: الحزب الحر الدستوري الجديد، والحزب الدستوري التونسي. ومن المغرب: حزب الاستقلال، وحزب الإصلاح، وحزب الشورى والاستقلال، وحزب الوحدة. وقد أُنْهِيَ نص الميثاق بين هذه الأحزاب بالعبارة التالية: "دعا إلى هذا الميثاق وسعى فيه، وشهد به محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" (٦٤). تلك- باختصار شديد- هي أهم أعمال الإمام الإبراهيمي ونشاطاته على رأس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في فترة قصيرة من الزمن، وسلسلة طويلة من المحن، وبحر متلاطم من الفتن، وقد شهد إخوانه وتلاميذه الذين عملوا تحت قيادته "أنه لولا علمه ولسانه وصبره وتأثيره الذي يشبه السحر لما كانت جمعية العلماء، ولولا براعته في التصريف والتسيير لما سار لجمعية العلماء شراع في هذه الأمواج المتلاطمة من الفتن" (٦٣)، وأنه "يتفقد إخوانه ويتعهدهم، ولا يهدأ باله حتى يطمئن عليهم، وإذا التقى بواحد من تلامذته أو إخوانه ومعارفه فإنه لا يفارقه حتى يكون على اطمئنان من حالته المادية والاجتماعية ... فإذا وجد خلة سدها إن استطاع، ويبذل في ذلك رأيه وَجَاهَهُ، فيقترض من هذا ليقرض هذا، وإذا عوتب في ذلك يقول: أنا أجد من يقرضني، وهؤلاء لا يجدون من يقرضهم، ولقد يكون في حاجة إلى الشيء فيُؤْثِرُ به غيرَه، فهو من الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ولقد رأيته يومًا في حاجة إلى المال فاقترض شيئًا، فما كاد ذلك النصيب يدخل جيبه حتى جاءه من طلب منه الإعانة على السفر إلى تونس ليذهب ويحارب في فلسطين فدفع إليه أكثر المبلغ الذي اقترضه منذ دقائق وهو منبسط الوجه والجبين، وأنا أكاد أتميز من الغيظ، ولما فارقنا الرجل أنكرت عليه ذلك فقلت له: وما يدريك أن هذا مدجل؟ فقال لي: وما يدريك أنه صادق؟ ... وكان لا يخرج من بلدة دخلها إلا بعد أن يصلح ما فيها من خصومات ... وكان يقول: إن اتحاد هذه الجماعات ضمان لبقاء المشاريع ... وان القضية الجزائرية لا تنجح إلا بالاتحاد" (٦٦).

стр. 451

إن المتصفح- بموضوعية- تاريخ الجزائر في هذه الفترة (١٩٤٠ - ١٩٥٢) سيجد- دون عناء- أن الشخصية المحورية فيها هي شخصية الإمام محمد البشير الإبراهيمي، فقد كان المرشد الأبرز، والموجه الأكبر للشعب الجزائري في جميع الميادين: الدينية، والتعليمية، والسياسية، وهو ما جعل الجزائريين يولونه ثقتهم ويلقون السمع لتوجيهاته، ويعلقون عليه أملهم؛ فقد رأوا فيه ناصحًا أمينًا، وقائدًا حكيمًا، وموحدًا للصفوف التي فرقتها الأهواء، وجامعًا للكلمة التي شتَّتَتْها المصالح الشخصية والمآرب المادية، ولاحظوا أنه لا يأمر بمعروف حتى يكون أول عامل به، ولا ينهى عن منكر حتى يكون أول تارك له، وأن أفعاله تسبق أقواله، وأن المبادئ عنده ليست قابلة للمساومة، وليست خاضعة للمناورات السياسية، والمغانم النيابية التي أصبح أغلب السياسيين يلهثون وراءها. محمد الهادي الحسني البليدة (الجزائر)، ١٨ أكتوبر ١٩٩٦

стр. 452

في المنفى أو من وحي آفلو (١٩٤٠ - ١٩٤٣)

стр. 453

رسالة إلى الأستاذ أحمد توفيق المدني* الأخ الأستاذ أحمد توفيق المدني حفظه الله، أخي: أعتقد أن الراحل أخي العزيز لم يكن لأحد دون أحد، بل كان كالشمس لجميع الناس، وأعتقد أن فقده لا يحزن قريبًا دون بعيد، وأن أوفر الناس حظًا من الأسى لهذا الخطب هم أعرف الناس بقيمة الفقيد وبقيمة الخسارة بفقده للعلم والإسلام، لا للجزائر وحدها. فلهذا بعثتُ أعزيكم على فقد ذلك البحر الذي غاض، بعد أن فاض، ببقاء آثاره في الحياض، وأنهاره في الرياض، كما يعزى على مغيب الشمس بشفقها وعن ذبول غضارة الشباب ببقاء رونقها، وإن كانت التعازي تعاليل، لا تطفئ الغليل، ولكنها على كل حال تحمل بعض الروح من كبد تتلظى شجنًا، إلى كبد تتنزى حزنًا. وظنّي في أخي أنه لو كان يعرف عنواني لكان أوّل معزٍّ لأول معزَّى. واحسرتاه! رحم الله الراحل العزيز، جزاء ما بثّ من علم وزرع من خير، وثقف من نفوس، ولله ذلك اللّسان الجريء، وذلك الْجَنَّانُ المشعّ، وذلك الرأي الملهم، وإنّا لفقدك يا عبد الحميد لمحزونون. أخوكم الحزين الإبراهيمي

стр. 454

تساؤُل نفس* سؤال: أين- يا أخت- الحسام المنتضى ... لصروف الدهر في اليوم العصيب أين- يا أخت- الإمام المرتضى ... ذو البيان الحرّ والرأي المصيب أين؟ من أن أمحل الفكر مضى ... يرحض الأمحال بالفكر الخصيب جواب: جاءه المحتوم من صرف القضا ... فقضى، لم يرض بالدنيا نصيب سؤال: أين- يا أخت- هلال الداجيه ... فارس الحلبة كشاف الكرب كان نورًا في الليالي الساجيه ... ويل قومي إن توارى أو غرب أين- يا أخت- إمام الناجيه ... وأمين الله عن مجد العرب جواب: حُرِمتْ منه النفوس الراجيه ... وتملت حظها منها الترب سؤال: أين حامي الدين من شوب الضلال ... ومجير الحقّ من إِفك الهوى أين- يا أخت- حواري الجلال ... صيقل الأذهان إكسير القوى عاف خفض العيش في برد الظلال ... وامتطى للمجد نزاع الشوى جواب: خبر الأظعان والحي الحلال ... أن نجم الدين فيهم قد هوى سؤال: أين ليث كان بالأمس هنا ... خادرًا قد ملأ الدنيا زئير أغلبا في لبدتين ارتهنا ... عن عرين الدين يرمي ويجير ما ونى عن فرصة أو وهنا ... هل رأيت المخذم العضب الطرير جواب: هجر الغيل وأسرى موهنا ... والحمى أصبح نهبًا للمغير سؤال: أين منا اليوم- يا أخت- الرَّئِيسُ ... كم به قد رفع القوم الرؤوس ما له غاب؟ فما منه حسيس ... ما له أقصر واليوم عبوس من رمى الأمّة بالجد التعيس ... وسقاها جرع الغم كؤوس جواب: غاله من خاتل الموت دسيس ... فهو قد أصبح رهنًا في الرموس ... والسلام عليكم مجتمعين على الحق ومتفرّقين في خدمة الحق. آفلو، يوم السبت ١٣ رجب الفرد ١٣٥٩هـ، الموافق ١٨ أغسطس١٩٤٠م. أخوكم المعتد بوجودكم وعطفكم محمد البشير الإبراهيمي

стр. 455

رسالة إلى الأستاذ أحمد قصيبة* بسم الله والله أكبر، ولدنا الأستاذ أحمد بن أبي زيد يسّره الله لليسرى: وصلتني رسالتكم الكريمة فأحمد الله لي ولكم على نِعَمه المتواترة، ونسأله التوفيق والإعانة وحسن العاقبة وتيسير الصالحات. قد جاءت رسالتكم وأنا أكتب رسالة بالفرنسية إلى ولدنا الشاذلي ورفاقه، فسطرت فيها سلامكم عليهم. رجاؤنا في الله قوي ولكنه رجاء الموحدين العارفين بسننه الكونية، فلا نرجو أن نحيا من غير أن نستعدّ للحياة، وإنما نرجو أن يوفّقنا الله إلى هذا الاستعداد. أوصيكم باستكمال هذا الاستعداد الكَسْبِي من نفوسكم، وأوصيكم بأن تكونوا بررة بهذه اللغة الشريفة لتُحيوها فتَحْيوا بها، وما ذلك إلّا بالتعمّق في فقهها والاصطباغ بآدابها وحِكَمها، وسبيل ذلك كلّه المطالعة المنظّمة. لم تأت هذه الوصية عفوًا، ولكنني أرى من مجرى الأحوال والحوادث أنّ هذه اللغة لا تزال في ليل مظلم مما تلقّاه من حرب أعدائها وجفاء أبنائها، وأنّ ميدان العراك بينها وبين الحوادث لم يزل فسيحًا، فاستعدّوا للذود عن حياضها، والنضح عن حقيقتها، وستكون العاقبة لها إن استعددتم لهذا الدفاع الجديد. إنّ في الجوّ غبرة، يثيرها الفجرة، ولا يطفئ وهجها إلّا الأبناء البررة، وإياكم أعني، وإنّ في الأرض أحابيل منصوبة، لذوي الحقوق المغصوبة، تُنسي جميع ما سبقها من الأحابيل، والجور الوبيل، فكونوا رجال اليوم والغد، وتسلّحوا بالأخلاق الإسلامية الحقيقية، لا هذه المظاهر التي غرّنا بها الغرور، وإنّ اعتماد هذا الدّين وهذه اللّغة في هذا الطور على هذا الجيل الذي تتوسطونه، وتتولّون زعامته، فانظروا ما أنتم فاعلون. سلامي إلى جميع الإخوان. آفلو، في ١ شعبان المبارك ١٣٥٩هـ، الموافق ٤ سبتمبر ١٩٤٠م. والدك: الإبراهيمي

стр. 456

رسالة الضبّ* بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حضرة الفيلسوف ولدنا الأستاذ أحمد بن أبي زيد قصيبة حفظه الله ... وما زلت أنعتكم في رسائلي إليكم بالفيلسوف تنادرًا ومباسطة وتظرفًا، وأنا لا أجهل أنكم تنطوون على شمائل فيلسوف أو تحملون روحه بالتعبير العصري، حتى جاءت هديتكم لأحمد على يدي وهي عبارة عن ضبّ وورل محنطين بالنخالة لا بالموميا، فعاتبتكم- فيما أذكر- عتاب مغفل بما معناه: أني شببت عن طوق هذه الأحناش، وما كان ذلك العتاب إلا عنوانًا على غفلتي في ذلك الوقت- على الأقل- ثم فاء علي عازب عقلي وضائعُ فكري، ووضعت الضبّ أمامي وتأملت خلقته مرّات في أيام، فوالذي خلق الضبّ والدب، وأنبت النجم والأبّ، فخلق النوى والحب، لقد أذكرني ضبّكم بما كنت أحفظه عما قيل في الضبّ وعلى لسانه، وما ضرب من الأمثال المتعلقة به، ما لو خلعت عليه أيام الصبا جددًا، ونفضت عليه ماء الشباب مدادًا ومددًا، لم أكن لأذكره. فقد كان هذا الحيوان محظوظًا عند العرب دون كثير من الحيوانات الجزرية فدرسوا ظاهره وباطنه، وعرفوا طباعه فأكثروا فيه القول حتى بلغ هيامهم به، وتمنطقهم بذكره أن نحلوه بعض الخصائص الإنسانية، وزادوا فنحلوه فضيلة لا توجد في الإنسان ولا في غيره من الحيوان كما ستسمع.

стр. 457

والحق أن الضب حيوان عربي جزري، ولا تقل إنه صحراوي وأن الصحراء ليست خاصة بالعرب، فإن هذه الصحراء التي هي آية من آيات الله. في أرضه، أو هي باب الفلسفة من هذا الكتاب الأرضي لم يعمرها الله بأمة تشرّبت معانيها، وتغلغلت في دقائقها، ولاءمت روحُها روحَها مثل الأمة العربية، وسل التاريخ ينبئك، فهو لم يعرف أمة خلعت عليها الصحراء فطرتها وأفرغت عليها إفراغًا سابغًا غير الأمة العربية. ومن ههنا جاشت نفوس العرب وتفتقت قرائحهم عن روائع الفلسفة الوصفية للصحراء وأرضها وسمائها وليلها ونهارها وأغوارها وأنجادها وبراريها القاحلة وشجراتها ومعايشها وقيظها وصرّها وحيوانها ونباتها، وليس لأمة من الأمم ما للعرب في وصف النجوم حتى قربتها تشبيهاتهم إلى الإدراك البشري، واعتبر ما قالوه في سهيل والجوزاء والسماكين الأعزل والرامح والثريا والخضيب والدبران والنسرين الواقع والطائر على كثرة النجوم وكثرة ما قالوه فيها، وإذا كانت النجوم لا تحصى عدًا، فقل ذلك فيما قالته العرب فيها. ومن بدائع تشبيهاتهم في النجوم أخذ المعري تلك المنازع الغريبة وتلك النظرات الفلسفية البعيدة الغور المنبثة في لزومياته، وهي باب على حدة من فلسفته الكونية وما نبع ذلك الزلال ونبغ ذلك السحر الحلال إلا مما تركه العرب من تشبيهاتهم لها وتخيلاتهم فيها. وانظر أوصافهم البديعة لظلمة الليل وروعته وأثرها في نفوسهم وقارن ذلك بوصفهم للنجوم ينكشف لك بعض السر من تلك النفوس وارتباطها بكونها وامتزاجها به، ولا أبعد إذا قلت إنه ليس للأمم مجتمعة ما للعرب في هذا الباب. وليس لأمة من الأمم ما لهم في وصف الحيوانات الضارية، وأن أمم الحضارة على وفرة أدواتها لم تدرس الضواري إلا بعد أن دجّنتها، وفاتهم أن التدجين يذهب بكثير من الخصائص الطبيعية لها فيفوت بذلك على الدارس كثير من النتائج، واعتبر ذلك بِتدجيننا- ونحن بشر- كيف اغتال خصائصنا ومقوّماتنا، ومسخ معنوياتنا حتى أصبحنا أحط من بعض أنواع الحيوان. أما العرب فخالطوا الضواري في أغيالها واقتحموا مآسد خفان والثرية وترج وغيرها وذللت أرضها أقدامهم، ومنهم من عايش الضواري حتى ألفها وألفته وجمع بينهما عالم كعالم المثال عند الصوفية، فلطفت في السبع سورة السبعية وشرتها وامتدت في العربي الميزة الحيوانية، وتقاربت الغرائز في الجو الحيواني الوسط فصدق الوصف وحق التصوير. ولو لم يكن العربي أميًا وكان ممن يدرس الأشياء على المناهج العلمية، لأتى العالم بالمعجزات. وليس لأمة من الأمم ما للعرب في وصف الحشرات والزواحف والإلمام بطبائعها ووجوه تصرفاتها وسعيها في معائشها وتناسلها ودراسة ما بينها من امتزاج وتنافر، وصف عن عيان ودراسة في الجو الطبيعي.

стр. 458

وليس لأحد ما لهم في وصف النبات والشجر، وتحليل مكاسرها بالعجم والغمز، وتحقيق طعومها وخصائصها وتقسيم أنواعها وتسمية مفرداتها من شَثّ وطباق وآء وتنوم وثمام وشيح وقيصوم ثم غرب وشويط ونبع وسراء ومرخ وعفار، إلى غير ذلك مما بلغوا في تصويره في أشعارهم درجة تقرب من تصويره بالألوان، وقد اضطرّ رواة اللغة ونقلتها في عهد التدوين إلى إفراد هذا النوع- وهو النبات والشجر- خاصة بالتأليف، فلأبي عبيدة والأصمعي ولأبي حاتم والنضر بن شميل ولكراع النمل ولأبي زيد الأنصاري ولكثير غيرهم كتب خصّوها وسمّوها باسم النبات والشجر. ولإمام هذا النوع أبي حنيفة الدينوري كتاب "النبات"، وهو البحر الذي لا ساحل له، وهو مفخرة اللغة العربية بلا منازع، وهو الكنز الذي لم يرزأنا الدهر بأنفس منه ولا أثمن، ولا أغلى، وان مصيبتنا به لتفوق مصائبنا في الأعلاق الثمينة، وإن خسارتنا له لخسارة يعز عنها العوض، لولا سلوة بتلك الشذرات التي ينقلها عنه أصحاب المعاجم مباشرة أو بواسطة، وان هذه الكتب الخاصة بالنبات والشجر لبرهان مستقل قائم على مقدار اتساع هذه اللغة الشريفة وإحاطتها، ودليل من جهة أخرى على فضلها على المعارف البشرية وجواب مسكت للذين يهرفون بتنقص هذه اللغة ويرمونها بضيق العطن والقصور عن استيعاب المعارف، وتوبيخ مر لزعنفة من أبناء العرب العاقين الذين يلوون ألسنتهم بمثل هذا الكلام ويشايعون لجهلهم وفسولة أخلاقهم وانحراف أمزجتهم العربية، أعداءها على ذمها والزراية بها والتقليل من خطرها، وأنا لا أرى دواء لهذه الزعنفة التي ضلّت عن جهل إلا الاحتقار فما بفقدهم ينقص عديد العرب، ولا برطانتهم يقل شأن العربية ويخف وزنها. وانهم عندي لأهل للرحمة بما جهلوا، لا للحسد على ما علموا، ولو علموا أو حفظوا فصلاً واحدًا مما وضعته العرب لجماعات الحيوان وطوائفه، كالأجل والرجل والسرب والعانة والقطيع إلى آخر هذا النوع أو لأصواتها- وما أكثرها- لأشرفوا على بحر لجي يجدون عنده رطانتهم ضحضاحًا غمرًا، لا يغمر كعب إنسان، ولو علموا أن العرب تقول: خطيب وَعُوع فيكون مدحًا، وخطيب وعواع فيكون ذمًا، ولهم في كل كلمة مرمى من الاشتقاق مصيب، لو علموا ذلك ونحوه من أسرار الاشتقاق، وهو باب من أبواب وفصل من كتاب وقزعة من سحاب، لأقلعوا عن غيّهم وكفّوا من غلوائهم، ولكنه الجهل يعمي ويصمي. واذا أردت أن تفهم بعض السر في خصيصة العرب في الوصف، فاعلم أنّ الصحراء لبستهم- ولبسوها- حتى أصبحت حياتهم جزءًا منها فأورثتهم ملكة التأمّل، ولو سمّيناها ملكة الحواس لكان هذا هو الصحيح ومنها جاءتهم دقة الحسّ ولطافة الشعور وصدق التصوير، ولا نشترط على التاريخ أن يأتينا بأمة أمية من أممه يطاول بها أمة العرب في هذا

стр. 459

الباب، بل نتنازل وندعوه لأن يأتينا بأمة من أمم الحضارة تستطيع أن تقف بجانب العرب في هذا الميدان. ((فصل)) ونعود إلى الحديث عن الضبّ ، فأنا أعترف أني ما حققت معنى المثل العربي المشمهور "أعقد من ذنب الضبّ" إلا بعد دراستي لضبّكم، وأن هذا المثل لأشهر من "قفا نبك ... " وانه لممضوغ بكل لسان، ممجوج على سن كل قلم، تقرأه في كل صحيفة وفي كل كتاب، وما أكثر العقد- والتعقيدات- في زماننا التي يحسن ضرب هذا المثل لها، ولو أن الذين يضربون هذا المثل تقليدًا واتّباعًا رأوا الضبّ ورأوا ذنبه وتحسّسوا تلك العقد الشائكة في ذنبه، لكان تمثلهم أوقع في نفوسهم ولكانت نفوسهم أشدّ تأثّرًا به، وعلى مقدار التأثر يكون التأثير، ولعلموا مع ذلك إصابة العرب في مواقع التمثيل ومراميهم في مضارب الأمثال، وأن في المخلوقات أشياء كثيرة ذات عجر أو عقد أو أبن، ولكن العرب آثروا الضبّ في التمثيل لأنه حيوان صغير مسالم ليّن المجسّة كليل الظفر إلّا عن حفر الكدى ليتّقي لا ليتّقى، ومع هذه الصفات الرخوة فذنبه معقّد ذاك التعقيد العجيب، وهو شائك، وهو لحامله شكة وحامله منه شاكي السلاح، وقد حكى لي بعض من رآه يضرب به الأفعى حتى يقتلها. وقد أكثرت العرب من ضرب الأمثال بهذه الزواحف والحشرات الحقيرة، فكان ذلك تنويهًا بشأنها وتنبيهًا للمتوسمين والباحثين في مخلوقات الله ليزداد المؤمن إيمانًا بالخالق ويزداد المتفقّه فقهًا في حقائقها، ويزداد الباحث توسّعًا في المعرفة، والمعرفة ميزة هذا الجنس. وقد قالوا ضلّ دريص نفقه، وهو تصغير درص اسم لجرو الفار، وقالوا: "تخلصت قائبة من قوب" للفرخ من البيضة، وهذا باب واسع في أمثالهم يقبح بالمتأدبين من ناشئتنا أن لا يجعلوا له حظًا من حفظهم وبحثهم، وأنا فقد رأيت الضبّ سلوخًا ومطبوخًا- وإن لم آكل لحمه- عند البدو في نجد الغربية مما يلي المدينة المنورة، ورأيته عند دافة من أعراب الحجاز دفت على المدينة في عام ممحل فما أثارت رؤيته في نفسي إلا ذكرى أنه عرض على مائدة رسول الله ﷺ فرفع يده فقيل له: أحرام هو يا رسول الله؟ فقال: «لا أحرم ما أحلّ الله، ولكنه ليس بأرض قومي- وإن نفسي لتعافه-» وفي هذا الجواب روايات، وان خالد بن الوليد حين سمع هذا الجواب تناوله من بين يدي رسول الله فأكله، ويؤخذ من جوابه ﷺ ، أن الضبّ غير موجود بمكة في زمنه، ولم أوفق إلى سؤال أهل مكة عنه في زمننا هذا، ولو سألت لكان زيادة في العلم واليقين، لأن الحديث ظني، وان تعددت طرقه واشتهر بإخراج الصحاح له.

стр. 460

وهذا التقصير الذي شاهدته وشهدت به على نفسي ناشئ عن قصور في ملكة التأمّل والبحث إذ ذاك، لأنها كانت مزاحمة بالأبحاث الدينية، وان رواية هذا الحديث في مجالس الرواية لا تثير في النفس أكثر من الاهتمام بحكم أكل لحمه شرعًا، وهو اهتمام له حظ واعتبار في موضوعه وجوّه الخاص، ولكن المثال البارد الفج "الصامط" (١) الذي لا يثير في النفس اهتمامًا بل يثير فيها اغتمامًا هو المثال الذي تعلّمناه من كتب النحو، وهو قولهم: " ... هذا جحر ضب خرب" يمثلون به للجر بالمجاورة أو بالتوهّم لا أدري، وانما الذي أدريه هو أن هذا النوع من الجر مسموع عن العرب، وهو من شذوذاتهم اللغوية وانحرافاتهم عن مقاييس لغتهم، وهو مقبول منهم لكنه مقصور على ما سمع منهم، فلا يسوغ لنا نحن طرده من كلامنا حتى لا نفسد اللغة على أنفسنا بهدم القواعد الصحيحة والجري على غير منهاج، ولهذه الشذوذات في العربية فلسفة خاصة لم يشبعنا أحد بالحديث عنها حتى الآن، ولو وجدت متسعًا من الوقت لكتبت فيها ما يصحّ أن يكون نواة في الموضوع، إذا تعاهده الباحثون أصبح شجرة ذات أكل شهي. ولفيلسوف هذا الفن أبي الفتح عثمان بن جني جمل متفرقة في هذا الموضوع لكنها تنطوي على نظرات سديدة وتدلّ على انفساح ذرع الرجل في هذا العلم، وإذا كان هذا النوع من الجر مسموعًا موقوفًا على السماع فلست على ثقة من أن مثال النحاة مسموع من العرب وإنما هو مثال سوقي انتحلوه، ثم قلّد آخرهم أولهم فيه على عاداتهم، وهل يصحّ لهم أن يمثلوا لمسألة سماعية بمثال مصنوع؟ لا. ودليلي على أن المثال مصنوع أمران: ـ[الأول]ـ: أن نطق العرب لا يساعد على ما ادّعاه النحاة فيه، لأن كلمة خرب التي يدّعي النحاة جرّها جاءت مقطعًا في الجملة لم تعقبها كلمة أخرى، فإذا نطق بها عربي نطق بها ساكنة الآخر بلا شك، فمن أين يظهر الجر الذي ادّعوه فيها؟ ووددت لو ذاكرت بعض نحاة العصر المفتونين بالمباحث اللفظية العقيمة في هذا التوجيه لأسمع رأيهم، وما عسى أن يأتوا به من حجج فارغة، وكم في كلام الفارغين من تسلية للهم وتزجية للوقت وترويح للخواطر المكدودة بشرط أن يكون السّامع موفور الحظ من الصبر. ـ[والثاني]ـ: أن معنى المثال على برودته وجفافه لا يتفق مع ما يعرف العرب عن الضبّ من أنه لا يحفر جحره إلا في الكدى (جمع كدية) وهي جبيل صلب الأرض متماسك التراب، ولذلك يضيفونه إليها كثيرًا فيقولون: ضب الكدية، وضب الكدى، يستعملون هذا كثيرًا في كلامهم، وفي مقصورة ابن دريد، بيت مختومة بضب الكدى ولا أذكرها الآن وليس عندي ما أراجعها فيه، وقد قال الشاعر:
следующие страницы →