رسالة الضبّ*
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حضرة الفيلسوف ولدنا الأستاذ أحمد بن أبي زيد قصيبة حفظه الله ...
وما زلت أنعتكم في رسائلي إليكم بالفيلسوف تنادرًا ومباسطة وتظرفًا، وأنا لا أجهل أنكم تنطوون على شمائل فيلسوف أو تحملون روحه بالتعبير العصري، حتى جاءت هديتكم لأحمد على يدي وهي عبارة عن ضبّ وورل محنطين بالنخالة لا بالموميا، فعاتبتكم- فيما أذكر- عتاب مغفل بما معناه:
أني شببت عن طوق هذه الأحناش، وما كان ذلك العتاب إلا عنوانًا على غفلتي في ذلك الوقت- على الأقل- ثم فاء علي عازب عقلي وضائعُ فكري، ووضعت الضبّ أمامي وتأملت خلقته مرّات في أيام، فوالذي خلق الضبّ والدب، وأنبت النجم والأبّ، فخلق النوى والحب، لقد أذكرني ضبّكم بما كنت أحفظه عما قيل في الضبّ وعلى لسانه، وما ضرب من الأمثال المتعلقة به، ما لو خلعت عليه أيام الصبا جددًا، ونفضت عليه ماء الشباب مدادًا ومددًا، لم أكن لأذكره.
فقد كان هذا الحيوان محظوظًا عند العرب دون كثير من الحيوانات الجزرية فدرسوا ظاهره وباطنه، وعرفوا طباعه فأكثروا فيه القول حتى بلغ هيامهم به، وتمنطقهم بذكره أن نحلوه بعض الخصائص الإنسانية، وزادوا فنحلوه فضيلة لا توجد في الإنسان ولا في غيره من الحيوان كما ستسمع.
стр. 457
والحق أن الضب حيوان عربي جزري، ولا تقل إنه صحراوي وأن الصحراء ليست خاصة بالعرب، فإن هذه الصحراء التي هي آية من آيات الله. في أرضه، أو هي باب الفلسفة من هذا الكتاب الأرضي لم يعمرها الله بأمة تشرّبت معانيها، وتغلغلت في دقائقها، ولاءمت روحُها روحَها مثل الأمة العربية، وسل التاريخ ينبئك، فهو لم يعرف أمة خلعت عليها الصحراء فطرتها وأفرغت عليها إفراغًا سابغًا غير الأمة العربية.
ومن ههنا جاشت نفوس العرب وتفتقت قرائحهم عن روائع الفلسفة الوصفية للصحراء وأرضها وسمائها وليلها ونهارها وأغوارها وأنجادها وبراريها القاحلة وشجراتها ومعايشها وقيظها وصرّها وحيوانها ونباتها، وليس لأمة من الأمم ما للعرب في وصف النجوم حتى قربتها تشبيهاتهم إلى الإدراك البشري، واعتبر ما قالوه في سهيل والجوزاء والسماكين الأعزل والرامح والثريا والخضيب والدبران والنسرين الواقع والطائر على كثرة النجوم وكثرة ما قالوه فيها، وإذا كانت النجوم لا تحصى عدًا، فقل ذلك فيما قالته العرب فيها. ومن بدائع تشبيهاتهم في النجوم أخذ المعري تلك المنازع الغريبة وتلك النظرات الفلسفية البعيدة الغور المنبثة في لزومياته، وهي باب على حدة من فلسفته الكونية وما نبع ذلك الزلال ونبغ ذلك السحر الحلال إلا مما تركه العرب من تشبيهاتهم لها وتخيلاتهم فيها. وانظر أوصافهم البديعة لظلمة الليل وروعته وأثرها في نفوسهم وقارن ذلك بوصفهم للنجوم ينكشف لك بعض السر من تلك النفوس وارتباطها بكونها وامتزاجها به، ولا أبعد إذا قلت إنه ليس للأمم مجتمعة ما للعرب في هذا الباب.
وليس لأمة من الأمم ما لهم في وصف الحيوانات الضارية، وأن أمم الحضارة على وفرة أدواتها لم تدرس الضواري إلا بعد أن دجّنتها، وفاتهم أن التدجين يذهب بكثير من الخصائص الطبيعية لها فيفوت بذلك على الدارس كثير من النتائج، واعتبر ذلك بِتدجيننا- ونحن بشر- كيف اغتال خصائصنا ومقوّماتنا، ومسخ معنوياتنا حتى أصبحنا أحط من بعض أنواع الحيوان. أما العرب فخالطوا الضواري في أغيالها واقتحموا مآسد خفان والثرية وترج وغيرها وذللت أرضها أقدامهم، ومنهم من عايش الضواري حتى ألفها وألفته وجمع بينهما عالم كعالم المثال عند الصوفية، فلطفت في السبع سورة السبعية وشرتها وامتدت في العربي الميزة الحيوانية، وتقاربت الغرائز في الجو الحيواني الوسط فصدق الوصف وحق التصوير. ولو لم يكن العربي أميًا وكان ممن يدرس الأشياء على المناهج العلمية، لأتى العالم بالمعجزات.
وليس لأمة من الأمم ما للعرب في وصف الحشرات والزواحف والإلمام بطبائعها ووجوه تصرفاتها وسعيها في معائشها وتناسلها ودراسة ما بينها من امتزاج وتنافر، وصف عن عيان ودراسة في الجو الطبيعي.
стр. 458
وليس لأحد ما لهم في وصف النبات والشجر، وتحليل مكاسرها بالعجم والغمز، وتحقيق طعومها وخصائصها وتقسيم أنواعها وتسمية مفرداتها من شَثّ وطباق وآء وتنوم وثمام وشيح وقيصوم ثم غرب وشويط ونبع وسراء ومرخ وعفار، إلى غير ذلك مما بلغوا في تصويره في أشعارهم درجة تقرب من تصويره بالألوان، وقد اضطرّ رواة اللغة ونقلتها في عهد التدوين إلى إفراد هذا النوع- وهو النبات والشجر- خاصة بالتأليف، فلأبي عبيدة والأصمعي ولأبي حاتم والنضر بن شميل ولكراع النمل ولأبي زيد الأنصاري ولكثير غيرهم كتب خصّوها وسمّوها باسم النبات والشجر.
ولإمام هذا النوع أبي حنيفة الدينوري كتاب "النبات"، وهو البحر الذي لا ساحل له، وهو مفخرة اللغة العربية بلا منازع، وهو الكنز الذي لم يرزأنا الدهر بأنفس منه ولا أثمن، ولا أغلى، وان مصيبتنا به لتفوق مصائبنا في الأعلاق الثمينة، وإن خسارتنا له لخسارة يعز عنها العوض، لولا سلوة بتلك الشذرات التي ينقلها عنه أصحاب المعاجم مباشرة أو بواسطة، وان هذه الكتب الخاصة بالنبات والشجر لبرهان مستقل قائم على مقدار اتساع هذه اللغة الشريفة وإحاطتها، ودليل من جهة أخرى على فضلها على المعارف البشرية وجواب مسكت للذين يهرفون بتنقص هذه اللغة ويرمونها بضيق العطن والقصور عن استيعاب المعارف، وتوبيخ مر لزعنفة من أبناء العرب العاقين الذين يلوون ألسنتهم بمثل هذا الكلام ويشايعون لجهلهم وفسولة أخلاقهم وانحراف أمزجتهم العربية، أعداءها على ذمها والزراية بها والتقليل من خطرها، وأنا لا أرى دواء لهذه الزعنفة التي ضلّت عن جهل إلا الاحتقار فما بفقدهم ينقص عديد العرب، ولا برطانتهم يقل شأن العربية ويخف وزنها.
وانهم عندي لأهل للرحمة بما جهلوا، لا للحسد على ما علموا، ولو علموا أو حفظوا فصلاً واحدًا مما وضعته العرب لجماعات الحيوان وطوائفه، كالأجل والرجل والسرب والعانة والقطيع إلى آخر هذا النوع أو لأصواتها- وما أكثرها- لأشرفوا على بحر لجي يجدون عنده رطانتهم ضحضاحًا غمرًا، لا يغمر كعب إنسان، ولو علموا أن العرب تقول: خطيب وَعُوع فيكون مدحًا، وخطيب وعواع فيكون ذمًا، ولهم في كل كلمة مرمى من الاشتقاق مصيب، لو علموا ذلك ونحوه من أسرار الاشتقاق، وهو باب من أبواب وفصل من كتاب وقزعة من سحاب، لأقلعوا عن غيّهم وكفّوا من غلوائهم، ولكنه الجهل يعمي ويصمي.
واذا أردت أن تفهم بعض السر في خصيصة العرب في الوصف، فاعلم أنّ الصحراء لبستهم- ولبسوها- حتى أصبحت حياتهم جزءًا منها فأورثتهم ملكة التأمّل، ولو سمّيناها ملكة الحواس لكان هذا هو الصحيح ومنها جاءتهم دقة الحسّ ولطافة الشعور وصدق التصوير، ولا نشترط على التاريخ أن يأتينا بأمة أمية من أممه يطاول بها أمة العرب في هذا
стр. 459
الباب، بل نتنازل وندعوه لأن يأتينا بأمة من أمم الحضارة تستطيع أن تقف بجانب العرب في هذا الميدان.
((فصل))
ونعود إلى الحديث عن الضبّ ، فأنا أعترف أني ما حققت معنى المثل العربي المشمهور "أعقد من ذنب الضبّ" إلا بعد دراستي لضبّكم، وأن هذا المثل لأشهر من "قفا نبك ... " وانه لممضوغ بكل لسان، ممجوج على سن كل قلم، تقرأه في كل صحيفة وفي كل كتاب، وما أكثر العقد- والتعقيدات- في زماننا التي يحسن ضرب هذا المثل لها، ولو أن الذين يضربون هذا المثل تقليدًا واتّباعًا رأوا الضبّ ورأوا ذنبه وتحسّسوا تلك العقد الشائكة في ذنبه، لكان تمثلهم أوقع في نفوسهم ولكانت نفوسهم أشدّ تأثّرًا به، وعلى مقدار التأثر يكون التأثير، ولعلموا مع ذلك إصابة العرب في مواقع التمثيل ومراميهم في مضارب الأمثال، وأن في المخلوقات أشياء كثيرة ذات عجر أو عقد أو أبن، ولكن العرب آثروا الضبّ في التمثيل لأنه حيوان صغير مسالم ليّن المجسّة كليل الظفر إلّا عن حفر الكدى ليتّقي لا ليتّقى، ومع هذه الصفات الرخوة فذنبه معقّد ذاك التعقيد العجيب، وهو شائك، وهو لحامله شكة وحامله منه شاكي السلاح، وقد حكى لي بعض من رآه يضرب به الأفعى حتى يقتلها.
وقد أكثرت العرب من ضرب الأمثال بهذه الزواحف والحشرات الحقيرة، فكان ذلك تنويهًا بشأنها وتنبيهًا للمتوسمين والباحثين في مخلوقات الله ليزداد المؤمن إيمانًا بالخالق ويزداد المتفقّه فقهًا في حقائقها، ويزداد الباحث توسّعًا في المعرفة، والمعرفة ميزة هذا الجنس.
وقد قالوا ضلّ دريص نفقه، وهو تصغير درص اسم لجرو الفار، وقالوا: "تخلصت قائبة من قوب" للفرخ من البيضة، وهذا باب واسع في أمثالهم يقبح بالمتأدبين من ناشئتنا أن لا يجعلوا له حظًا من حفظهم وبحثهم، وأنا فقد رأيت الضبّ سلوخًا ومطبوخًا- وإن لم آكل لحمه- عند البدو في نجد الغربية مما يلي المدينة المنورة، ورأيته عند دافة من أعراب الحجاز دفت على المدينة في عام ممحل فما أثارت رؤيته في نفسي إلا ذكرى أنه عرض على مائدة رسول الله ﷺ فرفع يده فقيل له: أحرام هو يا رسول الله؟ فقال: «لا أحرم ما أحلّ الله، ولكنه ليس بأرض قومي- وإن نفسي لتعافه-» وفي هذا الجواب روايات، وان خالد بن الوليد حين سمع هذا الجواب تناوله من بين يدي رسول الله فأكله، ويؤخذ من جوابه ﷺ ، أن الضبّ غير موجود بمكة في زمنه، ولم أوفق إلى سؤال أهل مكة عنه في زمننا هذا، ولو سألت لكان زيادة في العلم واليقين، لأن الحديث ظني، وان تعددت طرقه واشتهر بإخراج الصحاح له.
стр. 460
وهذا التقصير الذي شاهدته وشهدت به على نفسي ناشئ عن قصور في ملكة التأمّل والبحث إذ ذاك، لأنها كانت مزاحمة بالأبحاث الدينية، وان رواية هذا الحديث في مجالس الرواية لا تثير في النفس أكثر من الاهتمام بحكم أكل لحمه شرعًا، وهو اهتمام له حظ واعتبار في موضوعه وجوّه الخاص، ولكن المثال البارد الفج "الصامط" (١) الذي لا يثير في النفس اهتمامًا بل يثير فيها اغتمامًا هو المثال الذي تعلّمناه من كتب النحو، وهو قولهم: " ... هذا جحر ضب خرب" يمثلون به للجر بالمجاورة أو بالتوهّم لا أدري، وانما الذي أدريه هو أن هذا النوع من الجر مسموع عن العرب، وهو من شذوذاتهم اللغوية وانحرافاتهم عن مقاييس لغتهم، وهو مقبول منهم لكنه مقصور على ما سمع منهم، فلا يسوغ لنا نحن طرده من كلامنا حتى لا نفسد اللغة على أنفسنا بهدم القواعد الصحيحة والجري على غير منهاج، ولهذه الشذوذات في العربية فلسفة خاصة لم يشبعنا أحد بالحديث عنها حتى الآن، ولو وجدت متسعًا من الوقت لكتبت فيها ما يصحّ أن يكون نواة في الموضوع، إذا تعاهده الباحثون أصبح شجرة ذات أكل شهي. ولفيلسوف هذا الفن أبي الفتح عثمان بن جني جمل متفرقة في هذا الموضوع لكنها تنطوي على نظرات سديدة وتدلّ على انفساح ذرع الرجل في هذا العلم، وإذا كان هذا النوع من الجر مسموعًا موقوفًا على السماع فلست على ثقة من أن مثال النحاة مسموع من العرب وإنما هو مثال سوقي انتحلوه، ثم قلّد آخرهم أولهم فيه على عاداتهم، وهل يصحّ لهم أن يمثلوا لمسألة سماعية بمثال مصنوع؟ لا. ودليلي على أن المثال مصنوع أمران:
ـ[الأول]ـ: أن نطق العرب لا يساعد على ما ادّعاه النحاة فيه، لأن كلمة خرب التي يدّعي النحاة جرّها جاءت مقطعًا في الجملة لم تعقبها كلمة أخرى، فإذا نطق بها عربي نطق بها ساكنة الآخر بلا شك، فمن أين يظهر الجر الذي ادّعوه فيها؟ ووددت لو ذاكرت بعض نحاة العصر المفتونين بالمباحث اللفظية العقيمة في هذا التوجيه لأسمع رأيهم، وما عسى أن يأتوا به من حجج فارغة، وكم في كلام الفارغين من تسلية للهم وتزجية للوقت وترويح للخواطر المكدودة بشرط أن يكون السّامع موفور الحظ من الصبر.
ـ[والثاني]ـ: أن معنى المثال على برودته وجفافه لا يتفق مع ما يعرف العرب عن الضبّ من أنه لا يحفر جحره إلا في الكدى (جمع كدية) وهي جبيل صلب الأرض متماسك التراب، ولذلك يضيفونه إليها كثيرًا فيقولون: ضب الكدية، وضب الكدى، يستعملون هذا كثيرًا في كلامهم، وفي مقصورة ابن دريد، بيت مختومة بضب الكدى ولا أذكرها الآن وليس عندي ما أراجعها فيه، وقد قال الشاعر:
стр. 461
سقى الله أرضًا يعلم الضبّ أنها ... بعيد عن الأدواء طيّبة البقل
بنى بيته فيه على رأس كدية ... وكل امرئ في حرفة العيش ذو عقل
فقد وصف هذه الأرض التي اختارها الضبّ لسكناه، بأن الضبّ- وهو الاختصاصي في هذه الهندسة- كأنه يعلم أنها بعيدة من الآفات، وأكبر الآفات في نظر الضبّ السقوط والانهيار والخراب.
وقال الشاعر الآخر فزاد المعنى المراد توضيحًا، وهو يتحدث عن الضبّ:
ويحفر في الكدى خوف انهيار ... ويجعل بيته رأس الوجين
والوجين: هو الأرض الصلبة الغليظة، ومن هذه الكلمة جاء قولهم: رجل موجّن، قوي عظام الأضلاع والصدر. ومنها ميجنة الثياب، آلة تدق بها، ومنها جلد موجّن: مضروب بعد الدبغ حتى تتداخل أجزاؤه وتلطف فيلين مع القوة. فهذا البيت شاهد على أنه "ليس جحر ضب خربًا"، ولهذه الخاصية في اختيار الضبّ للكدى، تصفه العرب بصفة ملازمة فيقولون "ضب دامي الأظافير" جمع أظفور. قال الشاعر:
تَرَى الشرّ قد أفنى دوائر وجهه ... كضبّ الكُدَى أفنى أنامِلَه الحَفْرُ
ومن تهكّمات المعري وهمزاته، أن صاحبه أبا القاسم المغربي المشهور في علم التاريخ والأدب بالوزير المغربي، اختصر في حداثة سنّه كتاب "إصلاح المنطق" ليعقوب ابن السكيت، وأهدى منه نسخة إلى صفيّه المعرّي، وكانت بينهما أسباب متينة العرى، فكتب له المعرّي جواب الإهداء رسالة من أبدع رسائله، وفيها نقد لكتاب ابن السكيت على طريقة المعرّي الغريبة في سخريته العجيبة يقول فيها، إن لم تخني الذاكرة.
"وقد أكثر يعقوب من الاجتهاد، في إقامة الأشهاد- يعني الشواهد- حتى ذكر رجز الضبّ وانّ مَعَدًّا من ذلك لجِدُّ مُغْضَب، أعَلَى فصاحَتِهِ يُسْتَعانُ بالقَرْض، ويُسْتَشْهَدُ بأحناش الأرض، ما رُؤبَةُ عنده في نفير، فما قَوْلُكَ في ضبّ دامي الأظافير ... ".
وهذه الرسالة الرائعة مطبوعة مصحّحة فيما طبع "كامل كيلاني" مع رسالة الغفران، فإن كانت عندك فراجعها، فلعلّ الحافظة لم تضبط ألفاظها، ومحل الشاهد فيها لموضوعنا وصفه الضب بما كانت تصفه العرب من أنه "دامي الأظافير" ولا سبب لذلك إلا حفره لجحره في الكدى الصلبة، وهذه كلها دلائل على فساد مثال النحاة إعرابًا ومعنًى. ولا ننكر أن بعض جحر الضِّباب تخرب، وقد خربت مدائن الرومان والفراعنة فضلًا عن جحور الضباب، ولكنه
стр. 462
بارد جاف متخاذل خاذل لحافظه، إذ يوهمه خلاف الواقع، ومنه ومن أمثاله خذل المتأدبون بكتب النحو الذين قعدت بهم همّتهم عن التأدب بلغة العرب من شعرهم وخطبهم، ولم يحصل واحد منهم ملكة صحيحة في هذه اللغة ولا ذوقًا صحيحًا في أدبها، والواجب في الأمثال أن تكون جملًا حكيمة ذات معان مستقيمة وألفاظ قويمة حتى يحصل الحافظ لها فائدتين: الحكم اللفظي والمعنى الذي يترك أثرًا في النفس، ومن مجموع هذه الأمثلة يتكوّن الأدب والأديب. وقد نعى ابن خلدون في زمنه هذا الذي نعيناه وانتقد من مزاولي النحو ما انتقدناه- وهو لعمري- نقد صريح ما عليه غبار.
وانظر قولهم "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" كيف لعب به الزمن وتعاوره الاستعمال حتى أصبح ما ليس بصحيح فيه صحيحًا وأصبح قاعدة طبية، وما هو من الطب ولا قاله طبيب ولا هو بصحيح في الواقع والتجربة ولا بمُطّرِدٍ ضرره على فرض وقوع ضرر منه في جميع الأمزجة، وقد استعمله النحاة مثالًا لحكم لفظي فأدّوا مرادهم به على أكمل وجه، ولكن لما لم يكن معناه صحيحًا أوقع أممًا وأجيالًا في الخطأ، فحفظه الناس ونقلوه من الاحتجاج به على حكم أعرابي إلى الاستشهاد به على حكم حيوي، وأصبح الناس يتحامون الجمع بين اللبن والحوت عن عقيدة قرّرها في نفوسهم هذا المثال، وإذا كانت في المِعَدِ معدة ضعيفة تتأثر من الجمع بين غداءين، فمحال أن تكون حجة على معد بني آدم في علم أو عالم الكروش.
أما أنا وحياتك- كما يقول الزاهري- فإنني ما رأيت أصلح لمعدتي من الجمع بين السمك واللبن والفضل لهذه الطبيعة التي لا تقلد في السفاسف.
((فصل))
ورجز الضبّ الذي أشار إليه المعرّي وانتقد على ابن السكيت الاحتجاج به أصله مزعم من مزاعم العرب التي لا حقيقة لها، إذ زعموا أن الحيوانات كانت كلها تتكلّم ونحلوا بعضها كلمات وجملًا وأبياتًا من الشعر، وليس وضعهم لما وضعوا من هذا من ذلك النوع المعروف عند جميع الأمم، وهو وضعهم أشياء على ألسنة الحيوانات إيغالًا في الحكمة وتطرقًا لتربية النفوس البشرية وسوقها لفضيلة أو صدّها عن رذيلة، فإن هذا النوع من الأدب السامي هو نمط من التربية الصالحة كما في كتاب "كليلة ودمنة"، ولكن العرب كانوا يعتقدون هذا اعتقادًا، وإن لم يكن عامًا فيهم. وفي شعر أمية بن أبي الصلت المتأله بيت في تقرير هذا المعنى، ولم أتذكر الآن ألفاظ هذا البيت، وقد سمعت من العوام وشاهدت من يعتقد هذه العقيدة.
стр. 463
ومن فروع هذا المزعم عند العرب أنهم زعموا أن السمكة قالت للضب: وردًا يا ضب. فقال الضب:
أصبح قلبي صَردَا ... لا يشتهي أن يَرِدَا
إلا عَرادًا عرِدَا ... وصِلِيّانًا بَرِدَا
فهذا هو رجز الضب وهو مبني على اعتبار صحيح، وهو أن الضب لا يشرب الماء، ولعلّه يكتفي عنه برطوبة الهواء الذي يستنشقه والعشب الذي يأكله، كما قالوا في الظباء التي تجتزي عن الماء بما تأكله من حشيش رطب، ولذلك سمّى العرب هذه الظباء جوازي واحدتها جازية. ولهذه الكلمة ذكر مستفيض في كلامهم، وبها سمّيت الجازية المرأة التي بنيت عليها قصة بني هلال أو بطلة الرواية.
((فصل))
ومن مزاعم العرب في الضب أنه أول من دلّ على نفسه، إذ كانت الحيوانات كلّها تتكلّم، فزعموا أن صائدًا مرّ بوادٍ فيه ضب فلم يتوجّه إلى صيده، فخاطبه الضب بقوله: انك لو ذقت الكُشى بالأكباد .. لما تركت الضب يعدو بالواد: والكشى جمع كشية وهي شحمة مستطيلة في الضب يقول آكله إنه لا ألذ منها، ومعنى قوله- لو ذقت الكشى بالأكباد- لو أكلتها ملفوفة بالأكباد أو ممزوجة بها فهو- زيادة عن كونه دلّ على نفسه- أرشد إلى كيفية ونوع من أنواع الملفوف- وتذكّرنا كلمة الكشى بكلمة للزمخشري من كَلِمَهِ النوافي وهي: ما الأعراب بالكشا- أولع من القضاة بالرشا. وأنا أرى أنّ دعوى العرب لدلالة الضب على نفسه أو تزيينه للناس أكله بطيب شحمه، أرى هذه الدعوى ترجمة غامضة لحقيقة كونية تكلّم عنها الحكماء الباحثون في أسرار الكون والمستشرفون لحكمة الخالق في مخلوقاته، وهي أن الحكمة العليا في ألوان الفواكه الزاهية ذات التّلاوين والتهاويل كالخوخ والإجاص والتفّاح وغيرها في مقاديرها وأشكالها هي الدعاية إلى أكلها بمجرّد النظر إليها من الإنسان والحيوان، فإن الرؤية بالعين تسبق الذوق باللسان وتبين الطعم واللذاذة. فتلك الألوان والأشكال هي دعايات تستهوي من فيه قابلية الأكل وتدعوه إلى التجربة، فإذا تمّت التجربة صارت عادة في العقلاء وغريزة فيمن سواهم، ولولا هذه الدعاوى المستهوية في الألوان والتهاويل لما أقدم عاقل ولا غيره على تجربة شيء لم يعرفه لاحتمال أن يكون فيه داؤه لا غذاؤه، والحي إذا عرض له خيال الموت ذابت كل الاعتبارات في نفسه، ويعد هؤلاء العلماء والحكماء وجود هذا المعنى في الفواكه بمثابة المحافظة على بقاء نوعها وتسلسل نسلها، وهي السنة المعروفة في عالم الحيوان بنظام التوالد النوعي والتلاقح
стр. 464
الجنسي، فلو فرضنا وجود تينة واحدة في العالم في بقعة لا يوجد بها آدمي لكان من المترتب على هذا الفرض انقراض صنف التين بعد موت تلك الشجرة، ولكن تلك التينة قد أودعت فيها الحكمة ما يحفظ بقاءها النوعي بعد فنائها الشخصي، وذلك أن ألوان ثمرها تستهوي الطيور إلى أكلها ثم تزرع بذورها التي تخرج مع الفضلات في الصخور أو الأودية، فتنبت منها شجيرات صغيرة ثم تنمو وتثمر دواليك، وقل مثل ذلك في النخلة وغيرها. وكم رأينا في شقوق الصخور الشاهقة- حيث لا تصل يد إنسان- أشجارًا من التين عظمت حتى صارت دوحًا وما نبتت إلا من البذور الخارجة مع رجيع الطيور.
وعلى هذا فلا يبعد أن يكون قومنا العرب أدركوا ذروا من هذه الحكمة- وليس ذلك بعجيب منهم- فجعلوا دلالة الضب على نفسه تعبيرًا بلسان الحال عن هذه الحكمة، ولا شك أن الآكل الأول للضب ما أكله إلا بعد أن استهواه شيء فيه من سماته الظاهرة كالكشية، وكم لله من سر خفي!
((فصل))
وكما يستطيب العرب لحم الضبّ حتى صار لهم أثرًا وخبرًا، كانوا يستطيبون أكل بيضه ويسمّى في لغتهم "المكن".
يقول المتنبي في وصف قوم من الأعراب:
خُرَّابِ بَادِيَةٍ غَرْثَى بُطُونُهُمُ ... مَكْنُ الضِّبَابِ لَهُمْ زَادٌ بِلَا ثَمَنِ.
والمتنبي ممن يحسن التبدي والتعاريب، ويحسن وصف البدو مدحًا أو ذمًا، وهذا البيت من هذا الطراز.
وقال شاعر آخر، وأظنّه إسلامي يتعارب، ولست أتذكر اسمه الآن:
أكلت الضباب فما عفتها ... واني لأهوى لحوم الغنمْ
وركّبت زبدا على تمرة ... فنعم الطعام ونعم الأدم
وقد نلت ذاك كما نلتم ... فلم أرَ فيها كضبّ هرم
وما في البيوض كبيض الدَّجَا ... جِ وبَيْضُ الجراد شفاء القرم
ومكن الضباب طعام العُرَيْبِ ... ولا تشتهيه نفوس العجم
وكيف لا يستطيب لحم الضباب ومكن الضباب من يقول شاعرهم، وهو عروة بن الورد:
عشية رحنا سائرين وزادنا ... بقية لحم من جَزورٍ مُمَلَّحِ
стр. 465
إننا نعرف العرب ونعرف أنهم قوم يزنون الحياة بغير ما تزنها به أمم البطون والفروج، وموازينهم في الحياة تدور على قطب واحد وهو المحمدة والذكر الحسن، وفي ذلك يقول أولهم- وما هو بالأول في هذا الباب- وهو يخاطب زوجته:
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلًا فإني لست آكله وحدي
أخا طارقًا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذمّات الأحاديث من بعدي
ويقول آخرهم، وما هو بالآخر في هذا الباب:
وإنما المرء حديث بعده ... فكن حديثًا حسنًا لمن وعى
((فصل))
وتضرب العرب المثل بالضب في عدة غرائز، فيضربون به المثل في الحيرة فيقولون:
أحير من ضب، ويزعمون- وهم أعرف الناس به- أنه إذا بَعُدَ عن جحره خبل ولم يهتد إليه على خلاف المعهود في أمثاله من سكّان الأجحار، وهو على خلاف المعهود في الطيور ذوات الأوكار، ويضربون به المثل في العقوق فيقال: "أعق من ضب"، ويفسّرون عقوقه بأنه يأكل حُسُولَهُ، جمع حِسْل وهي جراؤه الصغار وهو لَحِمٌ ونباتي معًا، واللحم هو الذي يأكل اللحم وجمع على لواحم. يقولون لا آتيك سِنَّ الحسل يعنون التأبيد إذ يزعمون أن الحسل لا تسقط له سن.
((فصل))
ويزعمون أن الضب له نزكان، أي ذكران واحدهما نزك، ويعدون هذا من فضائله وخصائصه، وكثيرًا ما فكرت في هذا الزعم، ما يصنع بالنزكين؟ أَيَكُوم بهما معًا في آن واحد؟ ويلزم من هذا أن يكون لأنثاه فرجان، أم يستعمل أحدهما حتى إذا كَلّ وفتر استعمل الآخر؟ كما يستعمل البطل سيفين على التعاقب احتياطًا لكلال أحدهما أو انثلامه، وإذا كان حقًا ما يقولون فلا نشكّ أن الخالق لم يخلقهما عبثًا، ولم أزل في ريب حتى قرأت حكاية عامل لخالد القسري، أهدى إليه في يوم نيروز سلة مملوءة ضبابًا وكتب معها أبياتًا في وصفها منها قوله:
ترى كل ذيّال إذا الشمس عارضت ... سما بين عرسيه سمو المخايل
حِسْلٌ له نزكان كانا فضيلة ... على كل حافٍ في البلاد وناعل
فوقعت في جرة أخرى من قوله: سما بين عرسيه لما يفهم منه أن له زوجتين، ولعلّ من خصائصه- ما دام محلًا للخصائص- أنه خلق بنزكين لِيَكومَ كل عرس بنزك،
стр. 466
ويكون اختصاصه بالنزكين مرتبطًا باختصاصه بالعرسين، وزاد في الحيرة أن في غيره من الحيوان بما فيه الإنسان من له أكثر من عرس، وذكر الحمام والدجاج يسافد العشرات من إناثها، وليس لجميعها إلا نزك أو ذكر واحد، وما دمنا لم نجرّب ولم ندرس دراسة استقراء. فلنقل ما قالته العرب إنها خصوصية أو فضيلة، ومن أحبّ شيئًا نحله ما شاء من الكمالات، ثم قرأت في بعضِ كتب اللغة: أن ذكر الضب يسمّى نزكًا، وأن لكل ضبّ نزكين وأن فرج أنثاه يسمّى قُرْنة، ولأنثى الضب قرنتان، فإن صحّ هذا ظهرت الحكمة في النزكين.
((فصل))
ولما ذكرناه من علاقة العرب بالضبّ سمّوا به على عاداتهم في التسمية بالأشجار والنبات والأحجار والحيوان، ولهذه الأسماء العربية المنقولة من أسماء الجماد والنبات والحيوان فلسفة خاصة كنت أمليت فيها دروسًا عديدة على تلامذة دار الحديث بتلمسان في ١٣٥٧هـ، وكتبها عنّي التلاميذ وجعلتُها مقدّمة لدرس أنساب العرب، وقد سئل بعض العرب، ما لكم تسمّون أبناءكم بأسماء قبيحة جافية، وتسمّون عبيدكم بأسماء حسنة كسرور ورباح؟ فأجاب العربي: إننا نسمّي عبيدنا لأنفسنا، أما أبناؤنا فهم لعدوّنا. يعني أن العبيد للخدمة والمهن المنزلية أو للقيام على الماشية، وكلها سلم واطمئنان، فكان المناسب هذه الأسماء المفرحة التي تجري مجرى الفأل.
وأما الأبناء فمرمى العرب من كثرة النسل الاعتزاز بهم والاعتماد عليهم في الغارات والانتصاف من الأعداء، وأليق الأسماء بهذه المواقف: "جندل" و "نهشل" و "صخر" و "ليث" و "فهد" و "عوسجة" و "حرب" لأنها تثير في نفوس الأعداء خيالات من معانيها، ومن الغريب أن العرب لم تُسَمِّ ضبًّا بلفظ المذكّر إلا قليلًا، وأغلب ما سمّت به ضبة بلفظ المؤنث وهو علم على عدة قبائل يطلقون عليها الضباب.
ومن أشهر من تسمّى بهذا الاسم ضبة بن أذ بن طابخة وهي قبيلة مشهورة يعدّها النسّابون الجمرة الثالثة من جمرات العرب، وجمرات العرب هي قبائل استقلّت ولم تحالف غيرها لعزّها ومنعتها، ولفظها مأخوذ من التجمّر، وهو التجمّع، وهذه الجمرات هي نمير بن عامر وضبة بن أدّ والحارث بن كعب، ويقول علماء النسب إن الجمرتين الأخيرتين انطفأتا بالمحالفة لأن ضبة بن أد حالفت الرباب والحارث بن كعب حالفت مذحج، وبقيت نمير بن عامر جمرة متّقدة لم تحالف أحدًا إلى أن جاء الإسلام، وكما تسمّى هذه القبائل جمرات تسمّى جمارًا.
стр. 467
يقول الفرزدق: خطرت ورائي دارمي وجماري. ونسيت الشطر الأول. ومما يطربني من كلام الشعراء في ذكر الجمرة والجمار قول مهيار الديلمي تلميذ الشريف الرضي في إحدى قصائده:
يا ابنة (الجمرة) من (ذي يزن) ... في الصميم العِدِّ والبيت الرحيب
وبا بني: إن مما آسف عليه أسفًا لا ينقضي، ضياع هذا العلم من بيننا، علم أنساب العرب وأيام العرب وأمثال العرب، وإنها لكنوز من المعارف وأجزاء كاملة من التاريخ والأدب ومحال أن يزدهر الأدب العربي ويؤثر آثاره المرغوبة في ناشئتنا إلا إذا استكمل الأدباء هذه الأجزاء المفقودة.
وعلى ذكر اختيار العرب في التسمية ضبّة دون ضب، أذكركم بكلام كنت قرأته لبعض علماء اللغة المتبحّرين في فهم أسرارها، وهو أن العرب يلحقون تاء التأنيث بصفات المذكّر كثيرًا كـ"علامة" و"فهامة" و"تكلامة " و"تلقامة" و"رحلة " و"هزأة"، وهي كثيرة في كلامهم، قال: وهم يرون فيما هو منها مدح إلى معنى الداهية، وفيما هو منها ذم إلى معنى البهيمة العجماء، وهو كلام فقيه في العربية محيط بأسرارها ومقاصد واضعيها وخلجات نفوسهم، وأظن أن صاحب هذه النظرية هو ابن الأعرابي أحد فقهاء اللغة المبرزين، ولا أقطع بذلك.
((فصل))
وقد جرى في هذه الرسالة ذكر الوزير المغربي ، وهو رجل يقبح بمتأدب أن يجهله، وهو رجل غريب الأطوار بعيد الهمة عجز المؤرّخون أن يحلّلوا سيرته تحليلًا صحيحًا، ولم يقل لنا التاريخ إلا أنه مغربي، كان أبوه من رجال الدولة الفاطمية بمصر ومن دعائمها وخواصّها، ثم قتله الخليفة الحاكم بأمر الله وهرب ولده هذا إلى القدس وأثارها شعواء على الحاكم بدهائه وكيده، ثم تقلبت به الأحوال ودخل بغداد فأقام الخلافة العبّاسية وأقعدها خوفًا منه وتقلب فيها في عدة ولايات من كتابة ووزارة لبعض ملوك الطوائف فيها، ولا نشكّ في أن أصله من القيروان أو من هذه النواحي، ودخل أسلافه في ركاب الخلفاء الفاطميين إلى مصر حين فتحوها، وكان شعلة ذكاء وحفظ للآداب وأصناف المعارف، واجتمع بالمعرّي وهو صغير بحلب، فانعقدت بينهما ألفة متينة تستشفّ مما تراسلا به بعد الفراق، وحسبك شهادة المعرّي دليلًا على مكانته في العلم والأدب، وقد غمض الكثير من تاريخه وتاريخ أوليته بغموض تاريخ الفاطميين. وكثيرًا ما أذكر هذا الرجل فأذكر بذكره أبا علي الملياني، أحد كتّاب الدولة المرينية وأصله من مليانة، فقد كان يشبه الوزير المغربي في الطموح إلى العلا وفي الاستبداد وركوب العظائم، نوّه به ابن الخطيب في كثير من كتبه ووصفه في كتابه
стр. 468
"التاج المحلى" بقوله: الكاتب الباتك والصارم الفاتك، ثم ذكر من أفعاله الدالّة على بعد همّته مكيدة كادها لبعض أعدائه، وفتكة فتكها بهم ظهر فيها دهاؤه وإقدامه، واشتهر بها تاريخ حياته وقال في آخر الترجمة:
وتركها شنعاء على الأيام وعارًا في الأقاليم على حَمَلَة الأقلام.
هذا ما جرى به القلم مما جر إليه ذكر الضبّ الذي أهديتموه لولدي الصغير، فأحسنتم بذلك إلى شيخ كبير، فقد تذكّر بسببكم بعض ما كان ناسيًا، وأبى إلا أن يشكر إحسانكم بكتابة هذا القدر إليكم عسى أن تستفيدوا منه فائدة، فيكون جزاء على تسبّبكم في الخير، ولو كان هذا لِحَدَثانِ في المطالعات الواسعة أو في وقت الحداثة وامتلاء الحافظة، لكانت هذه الرسالة مزاحمة لرسائل القدماء في الإحاطة وجمع الأطراف.
ولكن عذري عندكم وعند من يطّلع على هذه الرسالة فيجد فيها قصورًا أو وضعًا لبعض الأسماء في غير موضعها أنني أمليتها في ليلة، وما أملاها إلا فكر كليل عن حافظة مختلّة نسيت أكثر ما وعت وضيّعت كثيرًا مما استودعت، مع اضطراب الحال واشتغال البال، وعسى أن تكون هذه الرسالة تذكرة بالحال الذي كتبت فيه والبلدة التي صدرت عنها والزمان الذي أنشئت فيه؟
стр. 469
مقامة في رثاء الإمام ابن باديس
مناجاة مبتورة لدواعي الضّرورة*
تقديم محمد الغسيري
ــ
الوفاء قليل في البشر، وأوفى الأوفياء من يفي للأموات، لأن النسيان غالبًا ما يباعد بين الأحياء وبينهم، فيغمطون حقوقهم، ويجحدون فضائلهم.
وما رأينا في حياتنا رفيقين جمع بينهما العلمُ والعمل في الحياة، وجمع بينهما الوفاء حين استأثر الموت بأحدهما، مثلما رأينا إمامي النهضة الجزائرية عبد الحميد بن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي، رحمَ الله الميت، ومدّ في عمر الحي حتى يحقق للجزائر أمنيتها.
من أعلى ما امتاز به أستاذنا الجليل، ورئيسنا الأكبر، محمد البشير الإبراهيمي من شرف الخلال (نكرانُ الذات) فهو لا يزال يعمل الأعمال التي تعجز عنها الجماعات وتنوءُ بها العصَب، وهو مع ذلك لا ينسب الفضل إلا لإخوانه ورفقائه الأموات والأحياء.
يصرّح بذلك في خطبه الدينية، ومحاضراته الجامعة، ويقول: إن كل فضل في هذه الحركة العلمية النامية يرجع إلى جمعية العلماء، وإنه لولا جمعية العلماء لما كان هو. ونحن أبناؤه نشهد، وإخوانه يشهدون أنه لولا علمه ولسانه وصبره وتأثيره الذي يشبه السحر، لما كانت جمعية العلماء، ولولا براعته في التصريف والتسيير لما سار لجمعية العلماء شراع في هذه الأمواج المتلاطمة من الفتن.
...
مات ابنُ باديس، في حين كان رفيقه، في الجهاد وقسيمه في العلم والعمل محمد البشير الإبراهيمي منفيًّا في قرية "آفلو" من الجنوب الوهراني، بحيث لم يحضر دفنه، ولم
стр. 470
يؤبّنه بكلمة، فعوّض ذلك برسائل تعزية كتبها إلى إخوانه بثَّ فيها حزنه للمصيبة، وصوّر فيها آثارها، ولم تنسه الفجيعة ما يجب من النصائح بالثبات، واستمرار السير، فجاءت رسائلَ من ذلك الطراز الساحر الذي لا يحسنه إلا الإبراهيمي، ولا أدري أيحتفظ إخواني بتلك الرسائل الفنية أم ضيّعوها؟!
ولما مضت على موت الأستاذ سنة، ورفيقه لا يزال في المنفى، أرسل الرَّئِيسُ الجليل من منفاه هذه المقامة إلى مقيمي الذكرى الأولى لابن باديس وتلاها في حفل مختصر كاتب هذه الكلمة، فأبكت العيون، وجدّدت الأسى.
رغبنا إلى أستاذنا أن ننشر هذه المقامة في ذكرى هذه السنة، إذْ كان عاجزًا عن كتابة كلمة خاصة بها لمرضه واشتغاله، فأذن- أبقاه الله- بعد امتناع لأن أستاذنا- حفظه الله- لا يرى السجعَ معبّرًا عن النوازع العميقة، وإن كان هو، إمامَ العصر بلا منازع في هذه الطريقة الأندلسية البديعة التي لا يحسنها إلا من جمع بين الطبع والصنعة، وملك أزمة اللغة والغريب ... وحلّت في الأخير رغبتنا منه محل القبول، حرصًا على هذه المقامة أن تضيع إن لم تسجّل، وكم من نفائس مثل هذه المقامة، وكم من رسائل، وكم من تحف فنية من أدب الهزل والنكتة، وكم من ملاحم شعرية، بلغت الآلاف من الأبيات! ما زالت مطمورة في أوراق الأستاذ، وفي حافظته العجيبة، وإذا لم يحرص أمثالنا من تلامدة الأستاذ على استخراجها ونشرها ضاعت، وخسر الأدب والعلم خسارة لا تعوّض، وها هي ذي المقامة الباديسية، وننبِّه إلى أن الأستاذ حذف منها كثيرًا مما لا تسمح الظروف بنشره.
تلمسان
محمد الغسيري
...
سلام يتنفس عنه الأقاح بإزهاره وايراقه، ويتبسم عنه الصباح بنوره وإشراقه.
وثناءٌ يتوهج به من عنبر الشجر عبيره، ويتبلج به من بدر التمام، على الركب الخابط في الظلام، منيره.
وصلوات من الله طهورها الروح والريحان، وأركانها النعيم والرضوان. وتحيات زكيات تتنزل بها- من الملإ الأعلى- الملائكة والروح، ونفحات ذكيات تغدو بها رسل الرحمة وتروح، وخيرات مباركات يصدّق برهانُ الحق قولها الشارحَ بفعلها المشروح.
стр. 471
وسلام من أصحاب اليمين، وغيوث من صوادق الوعود، لا صوادق الرعود، لا تخلف ولا تمين. وسحائب من الرحمات تنهل سواكبها، وكتائب من المبشرات تزجى مواكبها.
وسوافح من العبرات تنحلّ عزاليها، ولوافح من الزفرات تسابق أواخرها أواليها.
على الجدث الذي التأمتْ حافتاه على العلم الجم والفضل العد، ووارَى ترابه جواهر الحجا والذكاء والعزم والجد، وطوَى البحر الزخار في عدة أشبار، فأوقف ما لا حدّ له عند حد، واستأثر بالفضائل الغزْر، والمساعي الغرّ، والخلال الزهر، فلم يكن له في الأجداث ند، وأصبح من بينها المفردَ العلم كما كان صاحبه في الرجال العلمَ الفرد.
وسلام على مشاهدَ كانت بوجوده مشهودة، وعلى معاهد كانت ظلال رعايته وتعهّده عليها ممدودة، وعلى مساجد كانت بعلومه ومواعظه معمورة، وعلى مدارس كانت بفيضه الزاخر، ونوره الزاهر، مغمورة، وعلى جمعيات كان شملها بوجوده مجموعًا، وكان صوته الجهير، كصوت الحق الشهير، مدوّيًا في جنباتها مسموعًا.
مشاهد كان يراوحها للخير والنفع، وكانت آفاقها بأنواره مسفرة.
ومعاهد كان حادي زُمَرها إلى العلم، وهادي نُزَّاعها إلى الإحسان والسلم، فأصبحت بعده مقفرة.
ومدارس، ما مدارس، مهدها للعلم والإصلاح مغارس، ونصبها في نحور المبطلين حصونًا ومتارس، وشيّدها للحق والفضيلة مرابطَ ومحارس.
وسلام على شيخه الذي غذّى وربّى، وأجاب داعيَ العلم فيه ولبّى، وآثر في توجيهه خير الإسلام، فقلّد الإسلام منه صارمًا عضبًا، وفجّر منه للمسلمين معينًا عذبًا، فلئن ضايقته الأيامُ في حدود عمره. فقد أبقت له منه الصيت العريض، والذكر المستفيض، ولئن سلبته الحلية الفانية فقد أَلْبستْه من مآثره حُلل التاريخ الضافية، ولئن أذاقتْه مرارة فقده، فقد متّعته بقلوب أمّة كاملة من بعده، ولئن حرمته لذة ساعات معدودة، فقد أسعدته به سعادةً غير محدودة.
وسلام على إخوان كانوا زينة ناديه، وبشاشةَ واديه، وكانوا عمَّار سامره، والطيبَ المتضوع من مجامره، والجوارحَ الماضيةَ في تنفيذ أوامره.
وسلام على أعوان كانوا معه بناة الصرح، وحماة السرح، وكانوا سيوف الحق التي بها يصول، وألسنة الصدق التي بها يقول، أبتْ لهم عزة الإسلام أن يضرَعوا أو يذلّوا، وأبتْ لهم هداية القرآن أن يزيغوا عن منهاجه أو يضلّوا، وأهلك العالمَ زللُ العلماء فتقاسموا بشرف
стр. 472
العلم أن لا يزلوا، تشابهت السبل على الناس فاتخذوا سبيل الله سبيلًا، وافترق الناس شيعًا فجعلوا محمدًا وحزبه قبيلًا.
...
ولقد أقول على عادة الشعراء- وما أنا بشاعر- لصاحبين من تصوير الخيال أو من تكييف الخَبال، تُمثِّلهما الخواطر تمثيلَ صفاء، وتقيمهما في ذهني تمثالَ وفاء: بكِّرا صاحبي فالنجاح في التبكير، وما على طالب النّجْح بأسبابه من نكير، تنجحا لصاحبكما طِيةً، لا تبلغ إلّا بشد الرحل وتقريب المطية، فقد خُتِمت- كما بُدئت- الأطوار، بدولة الرحال والأكوار، فادفعا بالمهرّية القود، في نحر الوديقة الصيخود، ولا تخشيا لذْع الهواجر، وإن كنتما في شهريْ ناجر، ولا يهولنَّكما بعد الشُّقة، وخيال المشقَّة، ولا الفلَوات يصمّ صداها، ويقصر الطرف عن مداها، ولا السراب يترجرج رقراقُه، ويخدع الظامئ المحرور مُراقه.
سيرا- على اسم الله- في نهار ضاح، وفضاء منساح، ضاحك الأسرة وضّاح، وتخلّلا الأحياءَ فستجدان لاسم من تنتجعانه ذكرًا ذائعًا في الأفواه، وثناءً شائعًا على الشفاه، وأثرًا أزكى نماءً وأبقى بركةً على الأرض من أثر الغمام المنهل، فإذا مسّكما الملال، أو غشّى مطيّكما الكلال فاحدوا بذكراه ينبعث النشاط، وينتشر الاغتباط، وتغْنيا بها عن حمل الزاد، وملء المزاد، وتأمنا غوْل الغوائل، من أفناء دراج ونائل (١).
سيرا- روحي فداؤكما من رضيعيْ همة، وسليليْ منجبة من هذه الأمّة- حتى تدفعا في مسي خامس، له يوم الترحل خامس، إلى الوادي الذي طرّز جوانبه آذار، وخلع عليه الصانع البديع، من حَلْي الترصيع، وحلل التفويف والتوشيع، ما تاه به على الأودية فخلع العذار.
وأتِيا العُدوة الدنيا فثمَّ المنتجعَ والمرَاد، وثمّ المطلب والمراد، وثمّ محلة الصدق التي لا يصدر عنها الوُرّاد، وثمّ مناخ المطايا على حُلّال الحق، وجيرة الصدق، وعشراء الخلود، الذين محا الموت ما بينهم من حدود، اهتفا فيها بسكان المقابر عني:
ما للمقابر لا تُجيب الداعي ... أوَ ما استقلَّت بالسميع الواعي
стр. 473
وخصّا القبر الذي تضمّن الواعيَ السميع، والواحدَ الذي بذّ الجميع، فقولا له عني:
يا قبر، عزَّ على دفينك الصبر، وتعاصى كسرُ القلوب الحزينة على من فيك أن يُقابَل بالجبر، ورجع الجدال، إلى الاعتدال، بين القائلين بالاختيار والقائلين بالجبر.
يا قبر، ما أقدر الله أن يطويَ عَلمًا ملأ الدنيا في شبر!
يا قبر، ما عهدنا قبلك رمسًا، وارَى شمسًا، ولا مساحة، تكال بأصابع الراحة، ثم تلتهم فلكًا دائرًا، وتحبس كوكبًا سائرًا.
يا قبر، قد فصل بيننا وبينك خطّ التواء، لا خطّ استواء، فالقريب منك والبعيد على السواء.
يا قبر، أتدري من حويت؟ وعلى أي الجواهر احتويت؟ إنك احتويت على أمّة، في رُمّة، وعلى عالم في واحد.
يا قبر، أيدري من خطّك، وقارب شطّك، أيّ بحر ستضُم حافتاك؟ وأيّ معدن ستزن كفتاك؟ وأيّ ضرغامة غاب ستحتبل كفتاك؟ وأيّ شيخ كشيخك وأيّ فتى كفتاك؟ فويح الحافرين ماذا أودعوا فيك حين أودعوا؟ وويحَ المشيّعين من ذا شيّعوا إليك يوم شيّعوا؟ ومن ذا ودّعوا منك إذ ودّعوا؟ إنهم لا يدرون أنهم أودعوا بنَّاء أجيال في حفرة، وودّعوا عامر أعمال بقفرة، وشيّعوا خدن أسفار، وطليعة استنفار، إلى آخر سفرة.
يا قبر، لا نستسقي لك كل وطفاء سكوب، تهمي على تربتك الزكية وتصوب، ولا نستدعي لترويض ثراك المثقلات الدوالح، والغوادي والروائح، ولا نحذو في الدعاء لك حذو الشريف الرضي، فنستعير للنبت جنينًا ترضعه المراضع، من السحب الهوامع، تلك أودية هامت فيها أخيلة الشعراء، فنبذتهم بالعراء، وزاغوا بها عن أدب الإسلام ومنهاجه، وراغوا عن طينته ومزاجه. بل تلك بقية من بقايا الجهل، ما أنت ولا صاحبك لها بأهل.
...
قولا لصاحب القبر عني: يا ساكنَ الضريح، نجوى نضو طليح، صادرة عن جفن قريح، وخافق بين الضلوع جريح، يتأوبه في كل لحظة خيالك وذكراك، فيحملان إليه على أجنحة الخيال من مسراك، اللهب والريح، وتؤدّي عنهما شؤونه المنسربة، وشجونه الملتهبة، وعليهما شهادة التجريح.
إن من تركت وراك، لم يحمد الكرى فهل حمدت كراك؟ وهيهات، ما عان كمستريح!
يا ساكن الضريح، أأكني؟ أم أنت كعهدي بك تؤثر التصريح؟ إن بُعدك، أتعب من بَعدك. لقد كانوا يلوذون من حياتك الحية بكنف حماية، ويستذرون من كفاءتك للمهمات
стр. 474
بحصن كفاية، ويستدفعون العظائم منك بعظيم، وأيم الله لقد تلفتت بعدك الأعناق واشرأبت، وماجت الجموع واتلأبت، تبحث عن إمام لصفوف الأمّة، يملأ الفراغ ويسد الثلمة، فما عادت إلا بالخيبة، وصفر العيبة.
يا ساكنَ الضريح، مت فمات اللسان القوّال، والعزم الصوّال، والفكر الجوّال، ومات الشخص الذي كان يصطرع حوله النقد، ويتطاير عليه شرر الحقد، ولكن لم يمت الإسم الذي كانت تقعقع به البرد، وتتحلّى به القوافي الشرُد، ولا الذكر الذي كانت تطنطن به الأنباء، وتتجاوب به الأصداء، ولا الجلال الذي كانت تعنو له الرقاب، وتنخفض لمجلاه العقاب، ولا الدوي الذي كان يملأ سمعَ الزمان، ولا يبيت منه إلا الحق في أمان.
مات الرسم، وبقي الإسم، واتفق الودود والكنود على الفضل والعلم.
وعزاء فيك لأمّة أردت رشادَها، وأصلحت فسادَها، ونفقت كسادَها، وقوّمت منآدها، وملكتَ بالاستحقاق قيادَها، وأحسنتَ تهيئتها للخير وإعدادَها، وحملتها على المنهج الواضح، والعلمَ اللائح، حتى أبلغتها سدادَها، وبنيت عقائدها في الدين والحياة على صخرة الحق، ومثلك مَن بنى العقائد وشادها، أعليت اسمها بالعلم والتعليم، وصيّرت ذكرها محل تكريم وتعظيم، وأشربتها معاني الخير والرحمة والمحبة والصدق والإحسان والفضيلة فكنت لها نعم الراحم وكنت بها البر الرحيم.
ولقد حييتَ فما كانت لفضلك جاحدة، ومتّ فما خَيَّبتْ من آمالك إلا واحدة (٢).
وهنيئًا لك ذخرك عند الله مما قدّمت يداك من باقيات صالحات، وعزاء لك فيمن كنت تستكفيهم، وتضعُ ثقتك الغاليةَ فيهم، من إخوانك العلماء العاملين، الصالحين المصلحين. فهم- كعهدك بهم- رُعاة لعهد الله في دينه، وفي كتابه، وفي سنّة نبيّه، دعاةٌ إلى الحق بين عباده، يلقَوْن في سبيله القذى كحلا، والأذى من العسل أحلى.
وسلام عليك في الأوّلين، وسلام عليك في الآخرين، وسلام عليك في العلماء العاملين، وسلام عليك في الحكماء الربّانيين، وسلام عليك إلى يوم الدين.
آفلو (٣)، ٢٢ ربيع الأول ١٣٦٠هـ/ ٩ أفريل ١٩٤١.