إن تبعة ذلك كله تلقى على المعلمين الكرام. فلينظروا أي موقف أوقفتهم الأقدار فيه، وليشدّوا الحيازيم لأداء الأمانة على وجهها، وليجعلوا من أخلاقهم وعزائمهم مرآة للناشئة وقدوة صالحة لها، لينطبع هذا الجيل الذي هو باكورة النهضة على أخلاق متينة، وعزائم قوية ودين صحيح، وليعلموا أنهم إنما يبنون للأمة من كل جيل سافًا حتى يعلو البناء ويشمخ. وإن البناء لا يعلو قويًّا صحيحًا متماسك الأجزاء متعاصيًا على الهزات والزلازل إلا إذا كان الأساس قوّيًا متينًا، متمكنًا ركينًا، وإن هذا الجيل الذي بين أيديهم هو حجرة الأساس في بناء هذه الأمّة من جديد. فليثبتوا الأساس، ليثبتوا الأساس.
...
ليعلم أبناؤنا معلّمو هذا الجيل، أننا- ولا منة عليهم- مهّدنا لهم كثيرًا من العقاب، وذلّلنا لهم كثيرًا من الصعاب، وحللنا كثيرًا من العقد الاجتماعية التي عقدها البعد عن هداية الدين، والجهل بحقائقه، ووطأنا لهم أكناف النفوس المستعصية عن العلم، المستعصمة بالجهل، فأقبلت على العلم بعد أن كانت عنه معرضة، وجادت في سبيله بالمال بعد أن كانت به شحيحة، واستمرأت القراءة فآمنت بها وأنِسَتْ، واستوبلت الأميّة فكفرت بها واستوحشت منها، وعرفت القرآن بعد أن هجرته وتنكرت له، وأصبحت تهتز لسماع لغة القرآن اهتزاز النشوة والطرب، وفتحنا أذهانها على حقائق الإسلام فأدركتها وجدّت في طلبها بعد أن كانت تتلهّى عنها بقشور تسمّيها الإسلام، ووصلنا ماضيها المشرق بحاضرها المظلم لينعكس عليه إشراقه بعد أن قطعت الصلة بينها وبينه بجهلها ورعونتها، ووجّهناها إلى سعادة الحياة وشرف الحياة وجدّ الحياة بعد أن كانت قانعة منها لهزلها وسفاسفها وتوافهها. وكل ذلك مما يعين المعلّمين لهذا الجيل، ويخفف عنهم المشقّة.
فليعلموا أننا تعبنا في هذه المرحلة لينعموا ولو بقليل من الراحة، وأن على مقدار تعبهم في تربية هذا الجيل وتعليمه وإعداده للحياة ومطالبها تكون الراحة لمن بعدهم من المعلّمين والعاملين لخير هذه الأمّة في جميع الميادين.
إن زمانكم بطل فقاتلوه بالبطولة لا بالبطالة. وإن البطل هو الذي يتعب ليستريح غيره.
...
إن هذا البرنامج الذي أضعه بين أيدي أبنائي المعلّمين، والبرنامج الذي وضعته للتعليم التجهيزي، والذي وضعته لتعليم البنت المسلمة، كلها مرشدة لهم إلى أحسن الطرائق في التعليم، ومعينة لهم على تنسيق المسائل في هذا الوقت الذي تعسّرت فيه الكتب وكادت
стр. 527
تتعذر، وكلها تمهيدات تخفّف عنهم المشقّة، فليجتهدوا في تنفيذها وليحقّقوا غاياتها ومراميها، وليجعلوها دستورًا يقفون عند نصوصه، ويجمعون ما تفرّق من أساليبهم الخاصة في التعليم عليه بخصوصه، وليتبيّنوا أن الغاية من توحيد البرنامج هي توحيد التعليم والتربية، حتى ينشأ هذا الجيل مطبوعًا بطابع واحد في لسانه وبيانه وقلمه، وفي تفكيره ومشربه، وفي آرائه في الحياة ونظرته إليها وأحكامه عليها.
إن الذبذبة التي شهدنا آثارها السيئة في هذا الجيل الذي نحن في آخره، معظم السبب فيها آت من قارئيه ومتعلميه- على قلّتهم- فهم على تفاهة معلوماتهم وقلة محصولهم من المعرفة، لا يرجعون إلى أصل واحد في التعليم ولا إلى منهج واحد في التربية. وإذا اختلفت الأصول والمناهج في أمّة واحدة كانت كلها فاسدة، لأن الصالح كالحق لا يتعدد ولا يختلف. وخير المناهج لأمّة كأمّتنا في ظرف كظروفنا ما خرج سالكه بفكر صحيح وإن لم يخرج بعلم كثير ... وإن رجائي أن يكون هذا "المرشد"- إن وقفتم على تنفيذه- سببًا في توحيد أفكار هذا الجيل وفي تصحيح اتجاهه إلى العلم والحياة.
...
أعيذكم بالله يا أبنائي المعلّمين أن تجعلوا كل اعتمادكم في تربية الصغار للرجولة على البرامج والكتب. فإن النظم الآلية لا تبني عالمًا ولا تكون أمّة ولا تجدّد حياة، وإنما هي ضوابط وأعلام ترشد إلى الغاية، وتعين على الوصول إليها من طريق قاصد وعلى نهج سويّ. أما العمدة الحقيقية في الوصول إلى الغاية من التربية فهي ما يفيض من نفوسكم على نفوس تلاميذكم الناشئين من أخلاق طاهرة قويمة يحتذونكم فيها ويقتبسونها منكم، وما تبثّونه في أرواحهم من قوة وعزم، وفي أفكارهم من إصابة وتسديد، وفي نزعاتهم من إصلاح وتقويم. وفي ألسنتهم من إفصاح وإبانة. وكل هذا مما لا تغني فيه البرامج غناء. ولو كانت البرامج تكفي في التربية لكان كل عالم مربّيًا، ولكن الواقع خلاف هذا.
أي أبنائي المعلّمين:
هناك أمم تقدّمتكم في العلم والمعرفة والنظام، فخذوا من مباديها العبرة، وخذوا من مصايرها العظة، وإن عبرة العبر لكم فيها أن العلم وإن تشعبّت عندها أغصانه، وتفرّعت أفنانه، وأسلس لها عَصِيُّهُ حتى فتحت به مغلقات الكون، لم يغن عنها فتيلًا مما تغني الأخلاق والفضائل.
إن العلم لم ينه مفسدًا عن الإفساد، ولم يزع مجرمًا عن الإجرام، ولم يمت في نفوس الأقوياء غرائز العدوان والبغي على الضعفاء، بل ما زاد المتجرّدين من الفضيلة إلا ضراوة بالشر، وتفنُنًا في الإثم. فاجعلوا الفضيلة رأس مال نفوس تلامذتكم واجعلوا العلم ربحًا.
стр. 528
- ٢ - *
أي أبنائي المعلّمين:
إنكم في زمن، كراسي المعلّمين فيه أجدى على الأمم من عروش الملوك، وأعود عليها بالخير والمنفعة. وكراسي المعلّمين فيه أمنع جانبًا وأعزّ قبيلًا من عروش الملوك: فكم عصفت العواصف الفكرية بالعروش، ولكنها لم تعصف يومًا بكرسي المعلم.
إنكم تجلسون من كراسي التعليم على عروش ممالك، رعاياها أطفال الأمّة، فسوسوهم بالرفق والإحسان، وتدرجوا بهم من مرحلة كاملة في التربية إلى مرحلة أكمل. إنهم أمانة الله عندكم، وودائع الأمّة بين أيديكم، سلّمتهم إليكم أطفالًا، لتردّوهم إليها رجالًا، وقدّمتهم إليكم هياكل لتنفخوا فيها الروح، وألفاظًا لتعمروها بالمعاني، وأوعية لتملأوها بالفضيلة والمعرفة.
إنكم رعاة، وإنكم مسؤولون عن رعيتكم. وإنكم بناة، وإن الباني مسؤول عما يقع في البناء من زيغ أو انحراف.
إن من الطباع اللازمة للأطفال أنهم يحبّون من يتحبب لهم، ويميلون إلى من يحسن إليهم، ويأنسون بمن يعاملهم بالرفق، ويقابلهم بالبشاشة والبشر. فواجب المربّي الحاذق المخلص، إذا أراد أن يصل إلى نفوسهم من أقرب طريق، وأن يصلح نزعاتهم بأيسر كلفة، وأن يحملهم على طاعته وامتثال أمره بأسهل وسيلة، هو أن يتحبب إليهم، ويقابلهم بوجه متهلل، ويبادلهم التحية بأحسن منها، ويسألهم عن أحوالهم باهتمام، ويضاحكهم، ويحادثهم بلطف وبشاشة، ويبسط لهم الآمال، ويظهر لهم من الحنان والعطف ما يحملهم
стр. 529
على محبته، فإذا أحبّوه أطاعوه وامتثلوا أمره، وإذا أطاعوا أمره وصل من توجيههم في الصالحات إلى ما يريد، وتمكّن من حملهم على الاستقامة وطبعهم على الخير والفضيلة. فإذا ملك نفوسهم بهذه الطريقة- طريقة الترغيب- حبّب إليهم المدرسة والقراءة والعلم. وإن الصغير لا يفلح في التربية ولا ينجح في القراءة إلا إذا أحبّ معلّمه كحبّه لأبويه أو أعظم، وأحبّ المدرسة كحبّه لبيت أبويه أو أشدّ. وكثيرًا ما رأينا الصغار الذين يربيهم معلّموهم على هذه الطريقة الحكيمة يباهي أحدهم تربه بقسمه وبمعلّمه، ويباهي زميله في مدرسة أخرى بمدرسته، كما يتباهون في العادة بالآباء والبيوت. وما ذلك إلا أثر من آثار المعاملة من المعلم.
حدّثني الأمير عبد القادر بن الأمير علي الجزائري- رحمهما الله- بدمشق، قال: كانت لنا بنت في الخامسة من عمرها، فقدّمناها إلى مدرسة من نوع رياض الأطفال بمدينة "بروسه" من الأناضول (وكانوا مقيمين بها في الحرب العالمية الأولى). قال: فكانت دايتها لا تذهب بها إلا في حالة من الحرد والصراخ تخشى معها على حياتها، وكانت الداية تذهب إلى المدرسة بها وتجيء مرّات في اليوم، قال: وما هي إلا أيام حتى جذبتها المعلمة بلطف مدخلها إلى نفسها، فأصبحت تفعل حين تريدها الداية على الرواح أكثر مما كانت تفعل حين تريدها على الغدو من البكاء والإعوال، وزاد بها الحال حتى اضطرّت المعلمة إلى اصطحابها معها إلى بيتها فلا تأتينا بها إلا نائمة، فإذا أفاقت أنكرت أمها وفراشها وذعرت حتى لنضطر أحيانًا إلى إرجاعها إلى المعلمة ليلًا. قال: وكان من أثر تلك المعاملة أن حذقت البنت كل ما لقنته في الروضة، وانبنى مستقبلها على ماض متين.
ليحذر المعلّمون الكرام من سلوك تلك الطريقة العتيقة التي كانت شائعة بين معلّمي القرآن، وهي أخذ الأطفال بالقسوة والترهيب في حفظ القرآن، فإن تلك الطريقة هي التي أفسدت هذا الجيل وغرست فيه رذائل مهلكة. إن القسوة والإرهاب والعنف تحمل الأطفال على الكذب والنفاق، وتغرس فيهم الجبن والخوف، وتُبغض إليهم القراءة والعلم. وكل ذلك معدود في جنايات المعلّمين الجاهلين بأصول التربية.
وليدرس المعلم ميول الأطفال بالاختلاط بهم، وليكن بينهم كأخ كبير لهم يفيض عليهم عطفه، ويوزّع بشاشته ويزرع بينهم نصائحه، ويردّ الناد منهم عن المحجة برفق. إن درس الميول يمكّن المعلم من إصلاح الفاسد منها، ومن غرس أضدادها من الفضائل في نفوسهم. وإن المعلم لا يستطيع أن يربّي تلاميذه على الفضائل إلا إذا كان هو فاضلًا ... ولا يستطيع إصلاحهم إلا إذا كان هو صالحًا، لأنهم يأخذون منه بالقدوة أكثر مما يأخذون منه بالتلقين.
стр. 530
أيها المعلّمون الكرام:
إن البيت عند الأمم الحية هي أخت المدرسة. كلتاهما مكمّلة للأخرى، فالتلميذ بينهما يتقلّب بين عاملين من عوامل التثقيف والتهذيب. أما البيت عند أمّتكم فهي ضرة المدرسة، ما تبنيه هذه تهدمه تلك، وما تزرعه هذه تقلعه تلك. لأن قعائد البيوت جاهلات. وقعائد البيوت هنّ قواعدها، وويل لبيوتنا من هذه القواعد ما دمن جاهلات. ووارحمتا لكم من هذه الحالة وهذا الموقف، ولا أب يؤيّد ويناصر، ولا أم تعين وتؤازر. ولا بؤس للإسلام والعربية بهذه الديار. ولا عجبًا لا ينقضي من بعض الأمهات عندنا، فقد أصابهن- مع جهلهن- من الاستعمار مسّ، فنرى الواحدة منهن تُعنى بولدها في ميقات المكتب الفرنسي، فتحافظ على الوقت بالدقيقة، وترجل شعره، وتغسل أطرافه، وتنظف ثيابه، أما في ميقات المدرسة العربية فترسله أشعث مغبرًا مختل الهندسة، متأخرًا عن الوقت لأنها سخرته في أغراضها، أو متقدّمًا عنه لتستريح من شيطنته.
وإذا كانت بيوتنا على ما نرى من فساد في الأخلاق، وجهل بالتربية الصالحة، وإهمال وفوضى، وكانت ناشئتنا في هذا الطور- طور التكوين- تتقلب بين بيوت هذا حالها، وبين مكاتب فرنسية لائكية- إن قدّر لهم الوصول إليها- وهي ذات برنامج استعماري يوجّههم إلى غايات استعمارية، ولبعدهم عن دينهم ولغتهم وقوميتهم، إذا كان الأمر كذلك فانظروا - يا رعاكم الله- أي عبء ألقته المقادير على كواهلكم، وأي واجب تؤدّونه لدينكم ولغتكم وأمّتكم، وأي عهد في أعناقكم يجب أن توفوا به لها.
ههنا توقظ الليالي هاجعها، وههنا تجافي الجنوب مضاجعها، وههنا تسمو نفوس، وتسف نفوس، وههنا تنسى المادة الخسيسة حتى كأنها ليست من هذا الوجود ...
أي أبنائي المعفمين:
إن الأطفال مفطورون على غرائز ناقصة يزيدها الإهمال وفقدان التربية الصالحة نقصًا وشناعة، وتعالجها التربية الحكيمة كما تعالج الأمراض. فإذا لم تعالج في الصغر اندملت نفوسهم عليها كما يندمل الجرح على فساد، وجفّت كما يجفّ العود على عوج، فضعوا أيديكم على تلك النقائص وتعمدوها بالإصلاح والتقويم، أو بالتشذيب والتعديل.
فمن النقائص اللازمة للصغار: الخوف والغضب والحسد وسرعة التأثر والانفعال وسرعة التصديق بكل شيء وإفشاء كل ما تسمعه آذانهم وتراه أعينهم.
أما الخوف فمنشؤه أوهام تحوكها الأم الجاهلة لصغيرها منذ الرضاعة تستعين بها على إسكات الطفل أو تسكين حدّته، وهي لا تدري ماذا تجني عليه من تلك الأوهام، ولا أي مرض عضال ابتلته به صغيرًا ليتجرّع غصصه كبيرًا. فاجتثوا هذا الغرس الخبيث
стр. 531
من نفوسهم بتقوية الإرادة فيهم وبتنمية الحقائق في أذهانهم. وداووا كل نقيصة من تلك النقائص بتقوية ضدها في نفوسهم، وببيان أضرارها بالتصوير العملي على قدر ما تحتمله عقولهم. وأنجع الأدوية ترويضهم على الصبر والصدق والتسامح والشجاعة. ربّوهم على الفضائل- وأكرّر القول وأعيده- وقدّموها على العلم. إن الأخلاق العالية هي الأصل، وإن العلم لا يغني عنها، ولا يأتي بها، وكم رأينا من عالم يعظ الناس وينهاهم عن المنكر ثم يخالفهم إلى ما نهاهم عنه. وكم رأينا من طبيب يبيّن مضار الخمر للناس وهو يعاقرها.
ربّوهم على الرجولة وبعد الهمّة، وعلى الشجاعة والصبر، وعلى الإنصاف والإيثار، وعلى البساطة واليسر، وعلى العفة والأمانة، وعلى المروءة والوفاء، وعلى الاستقلال والاعتداد بالنفس، وعلى العزة والكرامة، وعلى التحابب والتسامح، وعلى حب الدين والعلم والوطن والوالدين والمعلم.
أفهموهم من الصغر معنى الأسرة وروابطها وواجباتها، وتدرّجوا بهم من معنى الأسرة إلى معنى الأمّة، وأشربوا قلوبهم أنهم فروع من دوحة واحدة ذات خصائص طبيعية ليحافظوا عليها.
كونوا لتلاميذكم قدوة صالحة في الأعمال والأحوال والأقوال. لا يرون منكم إلا الصالح من الأعمال والأحوال، ولا يسمعون منكم إلا الصادق من الأقوال. وإن الكذب في الأحوال أضرّ على صاحبه وعلى الأمّة به من الكذب في الأقوال. فالأقوال الكاذبة قد يحترز منها، وأما الأحوال الكاذبة فلا يمكن منها الاحتراز. وقد يقول لكم قائل: إنه رجل صالح، فتحتقرونه لأنه مُزَكٍّ لنفسه، ولكون الاحتقار، مانعًا من الاغترار. ولكنه يأتيكم من طريق أخرى فيلبس لبوس الصالحين ويتظاهر بأحوالهم من الصمت والسمت فتغترون به، وهو هو بعينه. وكم أهلك هذه الأمّة المتظاهرون بالصلاح، والمتظاهرون بالزعامة، والمتظاهرون بالإمامة.
أي أبنائي المعلّمين:
إنكم جنود الإصلاح، فأصلحوا نفوسكم وداووها من داء الأنانية والغرور وتلاقوا على الحرفة الجامعة بالأخوّة والتعاون، والتساند والتضامن.
إنكم من جيل فتح آذانه على نغمة متردّدة كثر لوكها حتى أصبحت دعوى كل مدّع، وشعوذة كل مشعوذ، وهي خدمة الأمّة، وخدمة الوطن. وإن أشرف خدمة يقدّمها العاملون المخلصون لأمّتهم ولوطنهم هي التعليم والتربية الصالحة، فهما سلّم الحياة وإكسير السعادة.
стр. 532
إن أستاذ العاملين الأكبر هو الاستعمار نفسه. يدلّهم بفضائحه البادية، وأعماله الباغية العادية، على طريقة العمل. فإن أردتم أن تعرفوا الطريقة المثلى لخدمة أمّتكم، وتتبيّنوا الطريق القاصد، فانظروا إلى الاستعمار، واعرفوا الطرق التي سلكها لقتل أمّتكم فاسلكوا ضدّها لإحيائها. وادرسوا الوسائل التي تذرع بها لاستعباد أمّتكم فاستخرجوا منها وسائل تحريرها.
أنتم معاقد الأمل في إصلاح هذه الأمّة، وإن الوطن لا يعلّق رجاءه على الأميّين الذين يريدون أن يصلحوا فيفسدون، ولا على هذا الغثاء من الشباب الجاهل المتسكع الذي يعيش بلا علم ولا عقل ولا تفكير، والذي يغط في النوم ما يغط، فإذا أفاق على صيحة تمسّك بصداها وكرّرها كما تكرّر الببغاء.
كان الله لكم، وجعلكم عند حسن ظننا بكم، وأجرى على أيديكم الفتح والنجح.
آفلو، رجب عام ١٣٦١هـ.
стр. 533
رئيس جمعية العلماء
يتكلم
(١٩٤٣ - ١٩٤٧)
стр. 534
لقاء ووفاء *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أيها الاخوان:
هذا أول اجتماع نعقده بعد أربع سنوات ونصف، مرّتْ كليالي الهجر على المحبّ العميد، بين اعنات الليالي بخطوبها السود، وقسوة الأيام بأحداثها الصم، وتجنّي الخصوم بكيدهم الجبّار ومكرهم الكبّار، وبين الفتن المتلاحمة التي تطير فيها الألباب، وتتناكر في ظلماتها الأحباب، ويتنكب فيها الرأي واللسان جادّة الصواب، والمواقف التي زلّت فيها أقدام وضلّت أحلام، ونكص على العقب أقوام وأقوام.
فنحمدُ الله على أن ثبَّتَ هذه الفئة القليلة بالقول الثابت، وأخذ بأيديها إلى ساحة اليقين وساحل النجاة، فلم تزغ لها في الحق عقيدة، ولم تَهِنْ لها في قوله وفعله عزيمة، ولم تَلِنْ لها في مصارعة الباطل والمبطلين شكيمة، ولم يَثْنِها عن مبدئها الحق ما لقيتْ من أذى وظلم وهضيمة، ولا فتن لها في مداحض الشبهات رأي ولا طانت روية، ولا لاذتْ في معترك القوة والحق بالمداورة ولا بالتقية، ولا خضعتْ لطواقعيت الجور مهما طغت وبغتْ، وبلغتْ من العتوّ والجبروت ما بلغتْ، بل ما زادها ذلك إلّا إيمانًا بربّها، واعتدادًا بنفسها، واعتمادًا على حقّها، واعتزازًا بإسلامها، وثباتًا على مبدئها، وثقةً بخالقها، ووفاءً بعهدها، وقيامًا بواجبها، وبرًّا برجالها، ووفاءً لإمامها.
أيها الاخوان: إن الإسلام لَمفتقر في هذا الطور الأخير من حياته إلى ذلك الطراز العالي من البطولة التي عهدها في أبنائه الأولين، وإلى ذلك النوع السامي من التضحية في سبيله واستحلاء الأذى في الدعوة إليه، ومواصلة الكفاح للكائدين له، وهي الخلال التي قام بها بناؤه حينما قام
стр. 535
بها أبناؤه، فكانت فئتكم القليلة في العدد، الكثيرة بما تستمدّه من عون الله وحده من المدد، هي طلائع الجهاد، والعوامل الممهّدة للمهاد، في ميدان التضحية والاستشهاد.
أيها الاخوان: إن بُعْدَ المسلمين عن روح القرآن وهدي القرآن غَرَسَ فيهم خصالًا من الخَوَر والفسولة أدّتْ بهم إلى ما ترون وانتهتْ بهم إلى ما منه تشكون، وإن هذه الخصال التي تمكنتْ من النفوس لا تزول جراثيمها المميتة إلّا بصاخّة من الأحداث وقارعة من المصائب، تخرجها من حبس الخمول إخراجًا، وتزعجها إلى ميدان العمل إزعاجًا، فمرحبًا بالتطريد والتشريد، والإرهاق الشديد، والحبس ولو على الدوام والتأبيد، والنفي ولو إلى القرار البعيد، إذا كان كل ذلك يذيب زيف الأخلاق الخادعة، ويجتثّ غشّ النفوس الخامدة، ويشدّ وهن العزائم الراكدة، ويرحض عنا أوضار الضعف والخَوَر والانحلال، ويجمع القلوب بعد ذلك على الإيمان بالحق، والوفاء للحق، والتناصر بين أصحاب الحق.
أيها الإخوان: إن الرؤوس التي رفعها الإسلام تأبى أن تخضع إلّا للإسلام، وإن الألسنة التي استقامت أسلاتها على قولة الحق تأبى أن يَلْوِيَها لَاوٍ لغير الحق، وإن القلوب التي انطوتْ سويداؤها على معنى التوحيد تأبى أن تحمل معنى من معاني التفريق، ويشهد الله أنكم كل أولائك، على إقبال الأيام وإدبارها، واحلائها وإمرارها، فما عَنت وجوهكم لغير الله، ولا خضعتْ أعناقكم لظالم، ولا لويتْ ألسنتكم بكلمة باطل، ولا نزعتم إلى تفرق، ولا تهوّرتم في تأويل، ولا دنتم بتعطيل.
يشهد الله والتأريخ والواقع أن الحق ألّف بين هذه الفئة القليلة حتى أصبحوا وكأنهم ليسوا أعضاء جمعية بل أعضاء جسد واحد، يألم جميعها لمصيبة الواحد منها، شهد لكم التاريخ وشهد لكم الواقع بذلك في الأحداث الملمة بكم على ما بينها من تفاوت في الجسامة والوقع: يومَ مات الإمام الرَّئِيسُ، ويومَ أن أُبعد بعضكم، ويوم أن سجن بعضكم، شهد الله أنكم حققتم معنى الوفاء الإسلامي في أيام الهزاهز والفتن، كما حقّقتم معاني الإسلام بأكملها في أيام الأمن.
وها قد عاد المُبْعَد، وأطلق السجين، وكل ذي غيبة يؤوب، وغائب الموت لا يؤوب، فأين قمر هذه الحقبة ومبعث ما كان يلوح عليها من هيبة وجلالة، أين فارس هذا الميدان المعلم، وبطله المشيح، أين ذلك الفكر الجوّال؟ وأين ذلك العزم الصوّال؟ وأين ذلك اللسان القوّال؟ أين إمام الصفوف، وقائد الزحوف، ومنتضى الآراء قاطعة كالسيوف، ماضية كالحتوف؟ أين- لا أين- ذلك الإمام الذي كانت تصعد الأبصار وتصوب فلا تقع إلّا عليه، وتمتدّ أيدي الالتماس فلا تشير الأصابع إلّا إليه؟ أين ذلك المفرد العلَم الذي شأى من قبله وأتعب من بعده؟
стр. 536
فقدناه- أيها الإخوان- بل فقدته الأمة الجزائرية، بل فقده الإسلام، أحوج ما كان الجميع إلى علمه وآرائه، وإلى عزمه وإقدامه، وإلى شجاعة قلبه ولسانه، وإلى ثباته ووَثَباتِه. إن فقد إمامنا جرح لا يندمل، وإن ذكره وذكراه كلما جال على اللسان أو جاش به الخاطر جراحات تتنزى ألمًا وإن لم تثغب دمًا، وإن نَكْءَ الجرح بالجرح أوجع، نعم، نعم، وإن أنكى من هذه الجراحات أن يموت الإمام في مثل هذه الزعازع الهوج التي أجرت الألسنة فعاقتها عن البَوْح، وكبتت الخواطر المعتلجة بالثناء العاطر فسدّتها عن الفَوْح. ولولا الرجاء في يوم تتجلّى عنه الغيوب، فتفيض فيه العبرات المحبوسة والزفرات المكبوتة، وتجيش فيه الألسنة بما فيه الوفاء للراحل والكفاء للتاريخ، وتقوم الأمة بما عليها من حق التمجيد المشروع، لولا ذلك الرجاء لَذهبتْ منا النفوس حسرات.
فيا يومُ عمْ صباحًا، وأشرق على الخابطين لمّاع الجبين وضّاحًا، ويا يوم، من لي بك من يوم! كن بعض أيام عمري أكن نائحة المأتم وغراب الندبة على من لم تشرق أمثالك على أمثاله منذ أزمان.
أيها الإخوان: إن من حق إمامنا علينا أن نترحّم عليه وأن نستغفر له قيامًا بحق السنّة، وأن نمضي متآزرين في تنفيذ أعماله وتحقيق آماله، وأنتم أعلم الناس بأعماله وآماله، فقد شاركتموه في حمل الأمانة وتأديتها في حال حياته، فعليكم أن تضطلعوا بتتميمها بعد وفاته.
أيها الإخوان: لو كنتُ غير مَن أنا وكنتم غير مَنْ أنتم، لفاض لساني في هذه الجلسة بشكر أيادٍ سلفت منكم لأخيكم العاجز، ولكنكم في جلالة أقداركم أغنياء عن الإطراء، كما أنني في بساطتي غني عن المجاملة، وإنما أجدني مضطرًا إلى الإشادة بالثناء عليكم في موقفكم يوم مات الأستاذ الرَّئِيسُ وأرجف المرجفون بالجمعية، فوقفتم موقفًا صارمًا أرغم الأعداء وسرّ الأوداء، وأبنتم للمفترين أن من يتهمونهم بالقصور رشداء.
стр. 537
واجب المثقّفين نحو الأمة*
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أيها الاخوان:
رغب إليَّ جماعة من إخواني الأساتذة الذين يعز علي رد رغبتهم أن أحدثكم في هذه الليلة المباركة في هذا النادي العامر، وما عهد نجد عندنا بذميم، ولكنهم حددوا لي موضوع الحديث في جملة صاغها أخي الأستاذ العامل عبد السلام مزيان بلفظه وهي (كيف يؤدي المثقفون واجبهم نحو الأمة) وزعم الأخ الأستاذ سامحه الله أنه لا يضطلع بتفصيل هذا الموضوع وإعطائه حقه غيري، ولولا حسن ظني بالأخ الأستاذ ومتانة ثقتي بأخوّته لقلت إن اختيار هذا الموضوع توريط لي زينه بذلك الزعم المغري. ولكن يشفع عندي للأستاذ مواقفه التي أذكرها فأشكرها في التقريب بين ألوان الثقافات الرائجة بهذا الوطن وفي التأليف بين أفراد المثقفين المتنافرين بطبيعة الحال لا بل أغنم فأعد الأستاذ من أمثلة القاسم المشترك عند علماء الرياضة اذ هو من الأفذاذ الذين تذوّقوا ثقافتين تصطرعان بهذه الديار وعملوا للتوفيق بينهما للخير العام.
وإذا خرجنا من الدعابة للأستاذ إلى الجد معه فإن هذا الموضوع أثار اهتمام الأمة بطرفيها في هذه السنة وكثر خوض الخائضين فيه وهب في الرأي العام تيار شديد من المعاني المتصلة بهذا الموضوع عبرت عليها الأفعال قبل الأقوال وغمرت المجالس والمجتمعات سحب المناظرة والجدال والجواب والسؤال، وكثر التحكك بين الطرفين المقصودين فيه وهما الأمة والمثقفون من أبنائها.
وأنا أزعم أني من المشتغلين بمراقبة هذه الحركات في الأمة والمعتنين بتسجيلها لأنها متعلقة بأعمالي الفكرية والتعليمية والإرشادية، ولأنني متصل بالطرفين اتصالًا وثيقًا وعالم بما
стр. 538
لكل منهما على الآخر من واجبات، وعامل بجهدي في تقريب ما بينهما من مسافة وإزالة ما بينهما من تنافر.
فحكمي على هذا الشعور الجديد في هذه الأمة أنه وليد التطورات والحوادث المفاجئة التي تعمل في تكوين العالم كله تكوينًا جديدًا، وأن أول ما تفعله الحوادث طبع الأفكار والعقليات طبعًا جديدًا.
وان الأمم إذا اضطرم شعورها بالحاجة إلى الشيء اتجهت أنظارها إلى قادتها وتحركت ألسنتها بالتساؤل عن رجالها، فإذا كانت سعيدة مهيأة للخير لبّاها رجالها من أول دعوة ووجدت قادتها في مقدمة الصفوف، وإذا كانت شقية مقدّرًا لها الذل والخذلان وجدتهم لاهين لاعبين أو متنابذين مضطربين منعزلين في أخريات القوافل منتشرين على هوامش ركب الحياة قانعين بالمدار الضيق الذي يدورون فيه مثقلين بالقيود المرهقة التي قيدتهم المعيشة بسلاسلها وأغلالها. فتفوت الفرص ويفوز السابقون المبكرون وتقسم مغانم الحياة وتبدل الأرض غير الأرض، والأمة ورجالها متباعدون مع قرب الدار، متقاطعون مع حرمة الجوار، يتصاممون والألم شامل ويتعامون والبلاء محيط، ويتمارون والنذير عريان ويمارون في الشمس وهي طالعة ثم يصبحون وقد فات العمل وخاب الأمل وحقت الكلمة، وهذه حالتنا وحالة أمتنا معنا والأمر لله.
أيها الاخوان:
إن هذا الموضوع الذي أرغمت على التحدث فيه موضوع شائك لا يجري اللسان فيه إلا على أطراف مجددة وجثث ممددة وعوائق مما يقف بين الحلق واللسان، وعواثر مما يفصل بين الإنسان والإنسان وإن الانصاف فينا لقليل.
إن الحديث في هذا الموضوع يؤدي إلى تحريك أوتار طال العهد بسكونها، وإلى نفض غبار اطمأنت النفوس إلى ركوده، وإلى نقد خصال من الضعف والفسولة والخور عششت في نفوسنا حتى ألِفْناها وركنّا إليها وأصبح الفطام عنها صعبًا، وألبسناها خلاف لبوسها من الأوصاف والنتائج حتى أصبح الدخول في خلافها دخولًا فيما لا يعني والتلبس بها إلقاء بالنفس إلى التهلكة. ونحلناها ما لا تستحق من الأسماء حتى أصبح المتصف بها يسمى بيننا حكيمًا وعاقلًا وخيرًا ومسالمًا ومدارًيا ومتجنبًا للشبهات من الخمول والانكماش.
ولقد كانت هذه الخصال موجودة في طائفة من سلفنا وكانت محمودة في عرفهم ولغة عصرهم لأنها كانت من الكماليات في حياة الأمة لأن كلمة الأمة إذ ذاك مجموعة وجانبها عزيز ومقوماتها ثابتة ومكانتها محترمة ومقامها بين الأمم مرفوع وميادينها عامرة بالرجال وخزائنها زاخرة بالأموال. فماذا عسى يضيرها بعد ذلك إذا جاءت منها طائفة مسالمة وطائفة
стр. 539
متجنبة للشبهات وطائفة متصوفة وطائفة متقشفة وطائفة متمزهدة وطائفة متعبدة وطائفة تسكن الخلوات وطائفة تعمر حلق الذكر. كان المأمون في عصره قائمًا بعز الخلافة وفي عزها عزّ الإسلام وكانت يده تفيض بالعطاء للناقلين والمترجمين لثمرات العقل البشري فماذا يضير الإسلام في زمنه أن يكون في الأمة طائفة آثرت الخمول والانزواء والتستر والانكماش؟ وماذا يضر السفينة إذا كان ربانها ماهرًا ساهرًا أن ينام جميع الركاب؟
وكان أحمد بن حنبل وطبقته في عصرهم يحملون الشريعة ويقومون بتحقيقها وفلسفتها ونشرها، وكان البُخاري وطبقته يقومون بالرحلة لجمعها وتحريرها وتصفيتها.
وكان طاهر بن الحسين وأمثاله من القواد يقومون بحماية الثغور وتنظيم القوّة، وكان الحسن بن سهل وأمثاله يقومون بتدبير المصالح العامة وجباية الأموال، وكان أبو يوسف وأحمد بن أبي دؤاد يقومون بتنفيذ القضاء وإقامة الحدود.
وكان ثمامة بن أشرس وأضرابه يقومون ببيت الحكمة في الأمة وتكوين الفضائل.
وكان الأصمعي ويونس وأبو عبيدة وأضرابهم يقومون بتدوين اللغة وحفظها، وكان الخليل وسيبويه وابن جني وأمثالهم يقومون بتفريعها وتخطيط مقاييسها، وكان الجاحظ وأضرابه يقومون بجلاء البيان العربي وترويضه للمعارف العقلية والنقلية، وكان النظّام وواصل وبشر بن المعتمر وأضرابهم يقومون بتوسيع المدارك العقلية وتلقيحها بلقاح المنصف وتربيتها على أفانين الجدل والحجاج والاستدلال. وكان الآلاف من غيرهم يقومون بشعب الحياة الأخر ويعمرون ميادينها المتشعبة؛ فهل يضر الأمة أن تختار طائفة منها ما تستحقه من خمول وانكماش وغيرهما مما هي أمراض المثقفين اليوم من هذه الأمة؟
على أن الواقع الذي يجهله الناس وأنا أعرّفكم به لأنني أعرفكم به، هو أن تلك الطوائف التي شذت واعتزلت الحياة العامة في أيام عز الإسلام ليست إلا طوائف لا تستحق الحياة وأنها لم تجد في ميدان الحياة متسعًا لأن تلك الميادين كانت عامرة بالأصلح، فتلك الطوائف لم تعتزل الحياة عن طوع واختيار بل عن قهر واضطرار هي طوائف اعتزلتها الحياة وليست هي التي اعتزلت الحياة، هي طوائف منفية من الحياة لا منتفية منها.
يوجد رجل من مشائخ الطرق الدجالين في عصرنا هذا ولكنه حاذق في معاريض الكلام جاءه مريد من مريديه فقال له: إني طلقت الدنيا لأنقطع إليك وإلى خدمتك، فقال له الشيخ: وماذا طلقت من الدنيا هل لك غنم؟ قال لا، قال هل لك تجارة هجرتها لأجلي؟ قال لا، قال: هل لك فلاحة تركتها لأجلي؟ قال لا، قال هل لك زوجة وأولاد؟ قال لا، قال إذن فالدنيا هي التي طلقتك وأنت المطلق لا هي. وكذلك حال تلك الطوائف التي ورثنا من آثارها السيئة هذا الخمول وهذا الانكماش وهذا الجهل بحقيقة الحياة، وبئس الميراث وبئس الوارثون.
стр. 540
طاف الإمام أبو إسحاق الأسفرائيني في بدء انحطاط الإسلام جبل لبنان وكان عامرًا بالعباد المنقطعين عن الدنيا، فقال يخاطبهم: يا أكلة الحشيش تهربون ها هنا وتتركون أمة محمد تعبث بدينها المبتدعة، وان اقتصاره على ذكر الدين يدل على أن دنيا الأمة كانت محفوظة، ولو بعث في مثل زماننا لَأضَافَ الدنيا إلى الدّين فقد ضاع كلاهما بخمول المثقفين.
أيها الاخوان:
هذه مقدمة كالمفتاح للكلام في المقصود وهي متصلة به معدودة من تمهيداته مشيرة إلى كثير من أصوله مرشدة إلى ما فيه الأسوة من المحدثين بالقدماء، وإذا طالت فعذري إليكم أن المرتجل لا يستطيع ضبط لسانه كما يستطيع الكاتب ضبط قلمه فلنحول هذا اللسان عن مجراه، ولنحاول حمله على الجري في المقصود ومن حقكم على هذا اللسان أن يَنْطِق بالحق ولو على نفسه: واذا كان الحق يغضب أقوامًا فحسبه أن يرضي الحقيقة، وما وقفت بينكم موقف القائل ووقفتم في موقف المستمعين إلّا وقد أخذ الحق علينا عهدًا أن يكون الخطاب من الضمير للضمير وان لا نؤثر العواطف على العقول وان لا نتقارض الثناء المكذوب، وان لا نخون الفضيلة في اسمها، إننا مرضى ومن بلاء المريض رفق الطبيب به، ان رفق الطبيب خيانة لفنه وقدح في أمانته وزيادة في البلاء على مريضه، وما خير رفق ساعة يتجرع المريض بسببه آلام السنين.
أعيد الموضوع على أذهانكم وهو كيف يؤدي المثقفون واجبهم نحو الأمة؟ كلمة المثقف آتية من تثقيف الرمح وهو تقويم قناته بغمزها وتشذيب زوائدها الناتئة وإزالة الاعوجاج من كعوبها، ويقولون للغلام المتدرب على اللعب بالسلاح وعلى الرمي بالحراب والتلاعب بالرماح، غلام مثاقف وهو وصف قريب الصلة بكلمة التثقيف، ولم تكن العرب تستعمل كلمة مثقف بالمعنى الذي نعرفه الآن. وإنما كانوا يقولون في مثله رجل لقن وزكن ويقولون في معنى الثقافة عندنا اللقانة والزكانة، ولما جاءت نهضتنا الحاضرة اختارت للدلالة على هذا المعنى كلمة الثقافة وجعلتها ترجمة لكلمة افرنجية.
فالمثقف هو الرجل المُهَذّب المستنير الفكر المجوهر العقل المستقل الفكر في الحكم على الأشياء، الجاري في تفكيره على قواعد المنطق لا على أسس التخريف، المطلع على ما يمكن من شؤون العالم وتاريخه، الملم بجانب من معارف عصره.
وقد تتسع الثقافة بوفرة الحظ من الأخلاق وكثرة المعلومات وقد تضيق بقلتهما وقد تنقسم باعتبارات جنسية أو لغوية أو دينية. فيقال: الثقافة العربية أو الفرنسية ويقال الثقافة الإسلامية أو المسيحية مثلًا، وإني محدثكم عنها على حسب ما أتذوقه من روح الكلمة في مدلولها العربي وعلى ما أعلم من تطبيقها في العرف الشرقي الراقي في نهضته الفكرية الحالية، فإن رأيتم في
стр. 541
كلامي بعض المخالفة لمعناها الافرنجي فعذري أني لا أعلم مدى ما يراد منها في ذلك الاصطلاح، وإنما أنبهكم إلى أن معنى الكلمة في الذوق العربي يرمي إلى أن أساس الثقافة هو حسن التربية وصحة الإدراك والتقدير للأشياء، وسلامة التفكير والاستنتاج العقلي واستقامة السلوك في معاملة الناس، ويرمي كذلك إلى اعتبار الاخلاق الفاضلة قبل كثرة المعلومات، ولعل هذه النقطة الأخيرة هي التي يختلف فيها النظران الشرقي والأوروباوي.
منزلة المثقفين في الأمم الحية:
والمثقفون في الأمم الحية هم خيارها وسادتها وقادتها وحرّاس عزها ومجدها. تقوم الأمة نحوهم بواجب الاعتبار والتقدير، ويقومون هم لها بواجب القيادة والتدبير، وما زالت عامة الأمم، من أول التاريخ تابعة لعلمائها وأهل الرأي والبصيرة فيها، تحتاج إليهم في أيام الأمن وفي أيام الخوف. تحتاج إليهم في أيام الأمن لينهجوا لها سبيل السعادة في الحياة، ويغذونها من علمهم وآراثهم بما يحملها على الاستقامة والاعتدال، وتحتاج إليهم في أيام الخوف ليحلوا لها المشكلات المعقدة ويخرجوها من المضائق محفوظة الشرف والمصلحة.
والمثقفون هم حفظة التوازن في الأمم وهم القومة على الحدود أن تهدم وعلى الحرمات أن تنتهك وعلى الأخلاق أن تزيغ، وهم الميزان لمعرفة كل إنسان حدّ نفسه، يراهم العامي المقصر فوقه فيتقاصر عن التسامي لما فوق منزلته، ويراهم الطاغي المتجبر عيونًا حارسة فيتراجع عن العبث والاستبداد. إذا كانوا متبوعين فمن حق غيرهم أن يكون تابعًا، أو كانوا في المرتبة الأولى فمن حق غيرهم أن يكون في الثانية، ولا أضر على الأمم من الفوضى في الأخلاق والفوضى في مراتب الناس، ولكن هل عندنا مثقفون بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة؟ وما دام حديثنا في دائرة محدودة وهي الأمة الجزائرية بصفتها الحاضرة، وتفصيلنا للقول إنما هو على مقدارها فلنقل مخلصين: هل فينا مثقفون بالمعنى الصحيح الكامل لهذه الكلمة؟ ولنكن صرحاء إلى أبعد حدّ.
الحق أنه يوجد في الأمة الجزائرية اليوم مثقفون على نسبة حالها وعلى حسب حظها من الاقبال على العلم وعلى مقدار الوسائل التي تهيأت لها في ذلك- ولكن المثقفين منا قليل جدًا لا في الكمّ والعدد ولا في الكيف والحالة، ولا نطمع في زيادة عدد المثقفين إلّا إذا زاد شعور الأمة بضرورة التثقيف، وتهيأت أسبابه أكثر مما هي متهيئة الآن- ولا نطمع في زيادة الكيفية إلّا إذا توحدت طرائق التثقيف وجرت على ما يوافق روح الأمة في دينها وعقائدها الصحيحة وتاريخها ولغتها وجميع مقوماتها، واتحدت الأهواء المتعاكسة واتفقت المشارب المختلفة في الأمة وصحت نظرتها للحياة وصح اختيارها لطرقها المناسبة لوجودها.
ولكن آفة الآفات وعلة العلل في ثقافتنا على ما هي عليه من النقص في العدد وفي الحالة أن عندنا ثقافتين مختلفتين تتجاذبان الأمة من أمام ومن خلف، إحداهما ثقافة إسلامية أساسها
стр. 542
دين الأمة وقوامها اللسان العربي تقوم بها طائفة، والثانية ثقافة أوروباوية أساسها اطّراح الأديان وقوامها اللسان الفرنسي تقوم بها أخرى، وبين الثقافتين تفاوت يكاد يصيرنا أمتين لا أمة واحدة، ولو اشترك الفريقان في اللسان المعبر لهان الأمر ولحصلت بعض الثمار المطلوبة من الثقافة، ولكن في كلا الفريقين عيوبًا وأكبر عيوب المثقفين بالثقافة الإسلامية جهل مطبق بأحوال العصر ولوازمه، وأكبر عيوب المثقفين بالثقافة الأوروبية جهل فاضح بحقائق الإسلام وأخلاقه وآدابه وبتاريخ الأمة وهو مصباحها المضيء، وبلسانها وهو ترجمانها الصادق. ونشأ عن اختلاف الثقافتين ما لا يحصى من المضار والمفاسد التي صيّرت الثقافة فينا عديمة الفائدة، ومن أكبر مفاسدها الاختلاف في وجهات النظر فتختلف الآراء في المصلحة الواحدة على رأيين متناقضين وفي المفسدة الواحدة كذلك، وهنالك تنقلب الحقيقة ويصير المثقفون بلاء على الأمة ويصيرون داءها بعد أن كانوا دواءها. وأعداءها بعد أن كانوا أولياءها، ولا مخرج لنا من هذا إلا بالجمع بين الثقافتين في معين واحد.
وقد كانت الحالة قبل أعوام أدهى وأمر مما هي الآن، إذ كان أمر الدين في الأمة موكولًا إلى طائفة من الفقهاء الجامدين لا يفهمون من حقائق الدين ولا من أسراره شيئًا ولا يعلمون من لغته إلا قشورًا، فكانوا يسيئون الظن بالمثقفين ثقافة أوروبية ويحكمون عليهم بالخروج من الدين ويشوهون سمعتهم عند الأمة. يتولد من ذلك في نفوس جمهور الأمة نفور مستحكم منهم وسوء ظن بأعمالهم، وذهب خيرهم في شرهم وحقهم في باطلهم، فلا يرضون على أعمالهم ولو كانت صالحة لقيام التهمة، ولا يثقون بأقوالهم ولو كانت سديدة لعروض الشبهة. ولكن منذ قامت الحركة الإصلاحية على أيدي رجال مثقفين ثقافة إسلامية حقيقية عالية عارفين بمقتضيات الحياة في كل عصر قادرين على تطبيق الدين مع الاجتماع مع الحضارة عارفين بأقدار الرجال وقيم معارفهم مطلعين على أسباب التقدم والانحطاط مشاركين في معارف العصر، وناهيكم بإمام النهضة الجزائرية عبد الحميد بن باديس ﵀ فمنذ ذلك الحين خفت تلك النزعة البغيضة بخذلان الداعين إليها وتولد في الأمة شعور جديد بقيمة المثقفين بالثقافة الأوروبية وبأنهم من أبناء الأمة وأن الواجب الانتفاع من آرائهم والاستفادة من مواهبهم.
كيف يؤدي المثقفون واجبهم نحو الأمة
أيها الإخوان
أما إذا صارحناكم بما نعتقده الحق في قيمة ثقافتنا ومثقفينا وفي مقدار انتشار الثقافة بيننا وفي آفات الثقافة والمثقفين منا ونقائصها ونقائصهم وعيوبها وعيويهم فإننا نصارحكم برأينا في كيفية أداء المثقفين لواجبهم.
стр. 543
إن أول واجب على المثقفين إصلاح أنفسهم قبل كل شيء، كل واحد في حدّ ذاته، إذ لا يصلح غيره من لم يصلح نفسه، ثم إكمال نقائصهم العلمية واستكمال مؤهلاتهم التثقيفية حتى يصلحوا لتثقيف غيرهم، إذ ما كل مثقف يكون أهلًا لأن يثقف، واذا كان المثقفون قبل اليوم في حالة إهمال فحالتهم إذا هيأوا أنفسهم لتأدية الواجب تستلزم اهتمامًا آخر واستعدادًا جديدًا، وثاني واجب هو إصلاح مجتمعهم كل طائفة مع كل طائفة بالتعارف أولًا وبالتقارب في الأفكار ثانيًا، ومن طبيعة الاجتماع أنه يحذف الفضول واللغو، وبالتفاهم في إدراك الحياة وتصحيح وجوه النظر إليها ثالثًا، وبالاتفاق على تصحيح المقياس الذي تقامى به درجة الثقافة رابعًا.
وهذه النقطة الأخيرة من ألزم اللوازم فإن التباعد بين المثقفين وخصوصًا بين أهل الثقافة العربية والثقافة الأوروبية، أدّى إلى فتح الباب وكثرة المتطفلين، فأنا من جهتي لا أرضى بحال أن أحشر في زمرة المثقفين كل من يكتب بالعربية الصحيحة مقالة في جريدة ولا كل من يستطيع أن يخطب في مجتمع، وهو مع ذلك عَارٍ من الأخلاق أو لا يحسن الضروريات من المعارف العصرية، وما أكثر هذا الصنف فينا، وهم يعدون في نظر الناس وفي نظر أنفسهم من المثقفين، وأنا أشهد الله أن هذا ظلم للثقافة ما بعده ظلم، كما أنه يوجد في قراء الفرنسية عدد كثير من حملة الشهادات يزعمون لأنفسهم أو يزعم لهم الناس أو يزعم لهم العرف الخاطئ أنهم من المثقفين، وهذا كذلك ظلم للثقافة لا أرضاه. وان أمثال هؤلاء من الطرفين ما دخلوا في عمل إلا أفسدوه لنقص معلوماتهم أو فساد أخلاقهم وقصر أنظارهم وجهلهم بالتطبيق، ولا نستريح من هؤلاء إلّا إذا جاء وقت العمل فإن القافلة إذا سارت وشدت الرّحال تخلف العاطل وظهر الحق من الباطل.
ولعل بعض السامعين يتشوف إلى معرفة السِّرّ في هذا التفاوت بين طبقات المثقفين منا، وأنا أشرح لكم بعض السبب وهو أن قراء العربية لم يخرجهم معهد واحد ولا معاهد متحدة التعليم موحدة البرامج مرتبة الدرجات منظمة الشهادات على التحصيل، وانما هم متخرجون من معاهد مختلفة لا تجمع بينها جامعة إلّا كونها عربية ومعظمها غير منظم ولا مرتب ومعظمهم تلقى تعليمه كيف ما اتفق ولم يكمل دراسته ولا أتم تحصيله، أما تربيتهم فجاءت ملونة بألوان تلك المعاهد.
ثم ألقى بهم الدهر إلى أمة متعطشة في أول عهدها باليقظة فهي لا تفرق بين صفو وكدر فكانت استفادتها منهم قليلة وربما ضروا أكثر مما نفعوا.
كذلك نعلم أن للثقافة الفرنسية في وطننا ثلاثة معاهد متباعدة الغايات متفاوتة الدرجات: الأولى الكليات الجامعة وما يوصل إليها، الثانية دار المعلمين، الثالثة المدارس الثلاث (١)،
стр. 544
ومن المؤسف حَقًّا أن أبناءنا في التعليم الجامعي انكبوا على الجانب المادي أكثر من الروحي والأخلاقي، فتخرج في جيلين بضع عشرات تناهز المائة من الأطباء والصيادلة ومثلها من المحامين، ودون العشرة من المهندسين، وإلى جانب ذلك كله دون العشرة في الآداب، ولم نر إلى جنب هذا العدد واحدًا تخصص في الفلسفة أو في علم النفس أو في الأخلاق أو في فلسفة الاجتماع والتشريع، وتعليل هذا الاتجاه معقول من روح الأمة وحالتها المادية وليس من المناسب شرحه في هذه المحاضرة، وإنما نقول إن للتقليد أثرًا كبيرًا في هذا الاتجاه شأن الأمم التي تكون في درجتنا من الانحطاط.
وإني أذكر لكم على سبيل العبرة حكاية اتفقت لي: مرض والدي ﵀ مرض الموت في دمشق وتسامع أصدقاؤه فزاره في بضعة أيام نحو عشرين طبيبًا فسهرت ليلة عند صديقي الدكتور عزت أفندي شموط وهو شاب أديب مع براعته في فنه فأكبرت دمشق إذ كان فيها فوق المائتين من الأطباء من أبنائها ومن اللاجئين إليها أيام الحرب فقال صديقي الدكتور شموط: إن كثرة الأطباء في بلدة تدل على كثرة الأمراض والأوساخ فيها، وأنا أختار بلدة فيها عشرة مرشدين دينيين وعشرة أدباء وعشرة أطباء على بلدة فيها ثلاثمئة طبيب، لأن الأدباء يرققون عواطفها فتميل إلى الروحيات فتقل الأمراض، والمرشدون يعلمونها القصد في الأكل واللذات ويحضونها على النظافة، فهؤلاء أطباء ولكنهم يداوون المرض قبل وقوعه فإذا أفلت واحد، دَاوَاهُ الأطباء المعروفون، فأكبرت كلامه إذ كنت لا أنكره بذوقي.
ومن المؤسف أيضًا أن دار المعلمين تهيئُ خريجيها لأعمال خصوصية محدودة مقيدة يدور المعلم فيها طول عمره فلا يجد الوقت لتوسيع ثقافته بالمطالعة والكتابة والتطبيق، وكذلك القول في خريجي المدارس الثلاث وهذه القيود تشمل الثقافة وتحصرها في المدار الضيق.
واذا تمت الإصلاحات الأربعة جاء الخامس والأخير وهو الامتزاج بالأمة والاختلاط بطبقاتها والتحبب إليها ومشاركتها في شؤونها الاجتماعية والدخول في مجتمعاتها ومعابدها ومشاركتها في عبادتها وفي الصالح من عوائدها، فبذلك تحصل الثقة منها وتنقاد لكل ما نريده منها، وبذلك يسهل على المثقف أداء واجبه على أكمل وجه، وثقة الأمة بالمثقفين هي رأس المال في هذا الباب.
أما الواجب في حدّ ذاته فهو في الجملة إيصال النفع والخير إلى الأمة ورفع الأمية والجهل عنها، وحثها على العمل وتنفيرها من البطالة والكسل، وتصحيح فهمها للحياة وتنظيف أفكارها وعقولها من التخريف، وتنظيم التعاون بين أفرادها وتمتين الصلة والثقة بين العامة والخاصة منها، وتعليمهم معاني الخير والرحمة والإحسان لجميع الخلق.
стр. 545
هذه أمهات المعاني التي تجهلها الأمة أو تغلط في فهمها وواجب المثقفين- بعد أن يستوثقوا منها بالمخالطة- أن يرفعوا عنها الجهل بها أو الغلط فيها. وكيف يكون ذلك؟ يكون بتنزل المثقف في مخاطبة العامي واستدراجه في كل اجتماع إلى بيان ما يجهله أو يغلط فيه، ويتخير لذلك المناسبات وأوقات الفراغ، وقد شاهدنا المثقفين إذا اجتمعوا بعوام الأمة وسمعوا سخافاتهم يقابلونهم بالضحك أو بالاحتقار، وهذه نقطة من نقط تضييع الواجب حيث يجب أداؤه. فما ضرهم- سامحهم الله- لو عملوا بما ذكرناه؟ إذا لقاموا بالواجب وأوصلوا للعامي خيرًا ما بعده خير وأحسنوا إليه إحسانا يستحقه.
стр. 546
الدروس العلمية بتبسة*
بسم الله الرحمن الرّحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله.
الدروس العلمية بالجامع الأخضر وسيدي قموش وسيدي بومعزة بقسنطينة والآن بتبسة.
قسنطينة في ٢٠ شوال ١٣٦٢هـ / ١٩ أكتوير ١٩٤٣م.
ــ
بيان من المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى الأمة الجزائرية الكريمة.
إن المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين المنعقد بمكتب الرئاسة بقسنطينة يوم ١٧ أكتوبر الحاضر، قد قرّر استمرار التعليم المسجدي الديني لتلامذة الجامع الأخضر بتبسة كالعادة الجارية في السنتين الماضيتين لدواع ضرورية قاهرة. وأسند- كالمعتاد- القيام بذلك التعليم إلى كفاءة الأستاذ النفّاع الشيخ العربي التبسي الكاتب العام لجمعية العلماء مع التنويه بذكره، والإفصاح عن شكره على ما قام به في السنتين الماضيتين من المواظبة على تلك الدروس النافعة لأبناء الأمة في دينهم ولغتهم، وما بذله من جهد وأظهره من حزم وعزم في استمرارها على أكمل وجه.
فالمجلس الإداري يعلن لشباب الأمة المتعطش إلى تلك الدروس الحية في علوم الدين ووسائله، المتشوّف إلى أوان افتتاحها وموسم أفراحها أن الشروع فيها سيكون- إن شاء الله- يوم ١٥ نوفمبر الآتي ضمن برنامج محكم مضبوط يقوم بتنفيذه الأستاذ العربي التبسي وجماعة من الاساتذة تحت إشرافه.
كما يعلن المجلس للأمة أنه كان حريصًا أشدّ الحرص على إرجاع تلك الدروس إلى قسنطينة- مهدها الأول ومركزها الأصلي- رفقًا بالطلبة وجمعًا لهم بين الغرض القريب.
стр. 547
والسفر القاصد. ولكن المجلس نزل على حكم الضرورة فأخّر تنجيز هذه الرغبة إلى السنة الدراسية المقبلة، وهو يُعِدّ لذلك عدّته من الآن.
ويعلن للأمة أيضًا أن "صندوق الطلبة" بنظامه الخاص باق بقسنطينة بيد أمينه الحاج كرماني حموش بعنوانه المعروف، وتحت نظر لجنته الخاصة التي تديره، وأنه ما زال قائمًا بواجباته التي أنشئ لتحقيقها من كِراء المأوى للتلامذة وتوزيع الإعانات عليهم وصرف جرايات للأساتذة المعاونين للأستاذ التبسي. أما هو فلم يزل مُصرًا على التبرّع بأعماله خالصة لله وللعلم.
وإن لجنة الصندوق تجري على عاداتها في نشر حسابات السنة الماضية دخلًا وخرجًا على الأمة، وترفع رجاءها طالبة من المحسنين أن يكونوا في هذه السنة أندى يدًا وأسخى كفًّا منهم في السنوات الماضية، لأن دائرة الإنفاق قد اتّسعت ووجوهه قد تعددت، وحق التدارك لما فات في السنة الماضية قد وجب، وتوفير مبالغ الإعانة للطلبة قد تعين، وترقية المشروع من جميع جوانبه قد لزمت.
والمجلس الإداري يضم رجاءه إلى رجاء اللجنة ويهيب بالكرام الخيّرين- العارفين لقيمة هذا المشروع العلمي الجليل- أن لا تَهِنَ لهم همّة ولا تكز لهم يد في إمداده بالمال، وإنه إنما وسّع دائرته في هذه السنة اتكالًا على هِمَمهم التي كانت عونًا له في كل مشروع علمي، وتنشيطًا له دائمًا على المضي إلى الأمام في ترقية التعليم الديني العربي، وإن الله لمع المحسنين.
رئيس جمعية العلماء المسلمين
الجزائريين
محمد البشير الإبراهيمي
стр. 548
تقرير إلى لجنة الإصلاحات الإسلامية بالجزائر*
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تتشرّف بحمل لواء الإصلاح الديني بالدعوة إلى نشره وتحقيقه، ذات برنامج عملي في تعليم الإسلام على حقيقته من أصليه- الكتاب والسنّة-، وفي نشر الفضائل الإسلامية والأخلاق القرآنية، وما يقتضيه ذلك من محاربة البدع والخرافات والجمود والرذائل والمحرّمات، وفي تعليم اللغة العربية الفصحى على أنها لغة الدين ومفتاحه، لا تفهم حقائقه وحكمه إلّا بها، وما يقتضيه ذلك من إحياء الآداب العربية الراقية، وهي دائبة في تنفيذ برنامجها بقدر ما يثسع له الإمكان ومغالبة العراقيل.
ومع أن دائرة أعمال الجمعية قاصرة على الدين والعربية، فإنّ لها في السياسة الإسلامية الجزائرية رأيًا مقررًا لم تضع له برنامجًا، ولم تصبغه بصبغة حزبية، وإنما هو ثمرة الصفات الثلاث التي تصف الجمعية بها نفسها وهي العلم والإسلام والجزائر، وطالما صرّح رجال الجمعية بهذا الرأي في خطبهم، ونشروه بأقلامهم، وذكروه في المناسبات لرجال الإدارة المسؤولين، حتى صارت الجمل المعبّرة عن ذلك الرأي كألفاظ القانون لا تحتمل غير معناها، وهذه الجمل هي: إن الأمّة الجزائرية أمة مسلمة عربية تربطها بالمسلمين رابطة الإسلام العامة، وتربطها بالعرب رابطة العروبة العامة، وتصلها بفرنسا صلة المصلحة المشتركة والمنفعة المتبادلة، فيجب عليها بحكم دينها أن تَحْيَى مع كل من يساكنها حياة الإحسان والخير والرحمة، فتحسن وتطالب غيرها بالإحسان، وتبذل الخير والرحمة وتطالب غيرها بالخير والرحمة، فإذا قامت بواجب حيوي مشترك كان من الإنصاف لها أن تتمتع بالحقوق الحيوية المترتبة على ذلك الواجب، وأن تساوي غيرها في
стр. 549
الحياة كما ساوته في الواجب، مع الاحتفاظ التام بمقوّماتها الطبيعية التي منها الإسلام والعروبة وعدم التنازل عن الشخصية التي هي بها أمة، وهذا هو ما تقتضيه قواعد الإنسانية وقوانين العدل والإنصاف.
وأنا بصفتي جزائريًا من حقّه الطبيعي أن يفكّر في الحالة التي عليها وطنه وأبناء وَطَنِه، ومن حقّه أن يبدي رأيه بكل صراحة في ما يجب أن يناله من الإصلاحات، وبصفتي عالمًا مسلمًا من واجبه أن يدافع عن الإسلام وأحكامه ولغة دينه، وأن يغضب لحظهما المغبون مع الإدارة الجزائرية الاستعمارية، وبصفتي رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من واجبه أن يعبّر عن رأيها في المشكلات الإسلامية الجزائرية الخطيرة، ويشارك برأيه في ما يجب من الإصلاح السياسي والتعليمي إذْ هما أخوان للإصلاح الديني،- فبهذه الصفات الثلاث أقدم شكري للجنة المحترمة، لجنة الإصلاحات الجزائرية التي هيّأت لي الفرصة لإعلان رأيي بكل حرية في الإصلاحات التي تقتضي الظروف الإسراع بتنجيزها بكل إخلاص في مصلحة فرنسا وفي مصلحة الأمة الجزائرية الإسلامية معًا.
أصارح اللجنة المحترمة بأن كل ما فهمته إلى حدّ الآن من التصريحات الرسمية في هذه المسألة هو شيء مجمل لا يمكن معه تكوين رأي مفضل كامل يتناول من الإصلاحات أصولها وفروعها، إذْ مسألة الإصلاحات الإسلامية الجرائرية ليست من الأمور الهيّنة التي تحلّ بالعبارات المجملة والآراء المقتضبة.
وأصول هذه الإصلاحات الثلاث- وهي الإصلاح السياسي والإصلاح التعليمي والإصلاح الاقتصادي- لكل واحد منها فروع تحتاج إلى شرح وتفصيل، ومتى توفّر في الساعين فيها والقائمين على تنفيذها الإخلاص والإنصاف وبعد النظر سهل عليهم الوصول إلى نتيجة عاجلة وثمرة مرضية، وإذا رأت اللجنة المحترمة إجمالًا في رأيي فسببه الإجمال في الرسميات.
أنا أعتقد أن هناك أنواعًا من الإصلاحات تجب المبادرة بتنفيذها بصورة حازمة حاسمة، لأنها زيادة عن كونها معقولة في نفسها، لا يكثر حولها الجدل والاعتراض: وهى القضاء الإسلامي، والمساجد وأوقافها وموظفوها، والتعليم العربي الحرّ، وها هو رأيي مجملًا في الثلاثة:
أولًا- ـ[إصلاح القضاء الإسلامي]ـ: نرى أن مما تجب المبادرة به من الإصلاحات الخاصة إصلاح القضاء الإسلامي لأنه على غاية من الاختلال، لا من الجهة العملية ولا من الجهة العلمية، وان الأحوال الشخصية الإسلامية التي أعلن تصريح الجنرال "ديغول" المحافظة عليها وجعلها أساسًا للإصلاحات هي في الحقيقة والواقع لا وجود لها، أو هي بفعل القرارات أصبحت أمرًا وهميًا ولم يبق منها إلّا الخيال، لأنّ مظهرها العملي منحصر في النكاح والطلاق والميراث، وهي في الظاهر موكولة إلى قضاة مسلمين، ولكن أحكامهم
стр. 550
قابلة للنقض حتى من قاضي الصلح، وهي في الظاهر أيضًا مستندة إلى الفقه الإسلامي، ولكنها في الواقع خاضعة لقرارات الوكيل العام تتصرف فيها وتوجّهها كما شاءت.
وهذا الخلل الفاحش في القضاء العملي ينضم إليه خلل أسوأ منه أثرًا في القضاء العلمي، وهو أن تعليم فقه المعاملات الإسلامية التي يتكوّن منها علم القضاء ناقص جدًا بل هو في حكم المعدوم، لأن برنامجه وأسلوب تعليمه لا يفيان بغرض ولا يوصلان المتعلّم إلى الكفاءة اللازمة، فكيف يجعل قضاء مثل هذا في الأحوال الشخصية أساسًا للإصلاحات وهو في نفسه فاسد يحتاج للإصلاح، وإصلاح هذا الخلل يكون بتوسيع برامج التعليم القضائي، وتكميلها بإتقان دراسة الأصول ومآخذ الأحكام وحكمة التشريع الإسلامي، والتوسّع في الغرض التطبيقي، وعدم الاقتصار على كتاب أو كتابين في الفقه، وإسناد وظائف التعليم القضائي إلى فقهاء أكفاء، يختارون الكتب ويقرّرون البرامج، ويقومون بتنفيذها ويتدرّجون بالتلميذ إلى الكفاءة لا إلى الشهادة وحدها، ويجعلون للأخلاق والتربية حظًا من عنايتهم واجتهادهم.
فإذا أُجري الإصلاح على هذه الصورة من الآن رجونا أن يخرج لنا هذا التعليم قضاة أكفاء صالحين يتمّون إصلاح القضاء علميًا وعمليًا، كما أرى لزوم النظر من الآن في تشكيل مجلس قضائي إسلامي أعلى يتولّى- أو يستشار على الأقل- في تعيين القضاة وتعقب أحكامهم، وبهذا لا بغيره يتحقق الإصلاح العملي للقضاء الإسلامي، ويخرج من الدائرة الضيّقة- دائرة الحجر والاختلال- إلى الدائرة الواسعة وهي دائرة التمكّن والاستقلال، أما إذا بقي الأمر على ما هو عليه فإن قانون الأحوال الشخصية اسم بلا مسمّى، وقشور بلا لباب، وهيهات أن يُبنى الإصلاح على أصل فاسد.
ثانيًا- ـ[مسألة التعليم العربي الحرّ]ـ: الموجود من التعليم العربي في المدارس الحكومية لا قيمة له، والموجود منه في المدارس الحرة مضغوط عليه إلى درجة الإزهاق، مطوق بالقرارات الإدارية الجائرة، وقد احتجّت الأمة العربية الجزائرية على هذه القرارات وأثبتت بالقول والفعل أنها متمسكة بلغتها التي هي ترجمان دينها وآدابها وماضيها، وأنه لا يصدّها عن هذا الحق الطبيعي إرهاق ولا تزهيد، فممّا يرضيها الآن أن تكون مسألة التعليم العربي في طليعة الإصلاحات، وأن تعطى الحرية المطلقة في تعليم أبنائها لغة دينهم وآدابهم، خصوصًا وهي في هذه الحالة لا تكلف الحكومة شيئًا من المال ولا غيره من التكاليف، بل هي مستعدّة في هذا السبيل بمالها ومعلّميها، وإنما تطلب لتحقيق هذا الإصلاح شيئًا واحدًا وهو إلغاء تلك القرارات القديمة وتلك التشديدات والعراقيل واستبدالها بحرية ثابتة صريحة مكفولة مع المراقبة القانونية.
ثالثًا- ـ[المساجد وموظفوها وأوقافها]ـ: النظام الذي تدير به الحكومة الجزائرية مساجد المسلمين، وتعيّن بمقتضاه الموظفين الدينيين، لا يوجد نظام مثله في شذوذه وبُعده عن
стр. 551
أصول العدالة والحق، والأمة الإسلامية الجزائرية لا تجهل المعنى الذي يحمل الإدارة الجزائرية على التمسّك بإدارة المساجد واحتكار تعيين الموظفين الدينيين، مع مخالفتها الصريحة لقانون فصل الدين عن الحكومة، ولا يخفى عليها أن ذلك أسلوب من أساليب الإدارة الاستعمارية التي تسمّي معاكسة الإسلام محافظة على الإسلام.
والمساجد ملك للإسلام والمسلمين لا للحكومة، والمسلم الذي يصلّي في المسجد هو أعرف الناس بآداب المساجد، والمسلم الذي يُصِّلي وراء إمام هو الذي يعرف مَن يصلح للإمامة، فما معنى تدخّل الحكومة الفرنسية في دين قوم مسلمين؟ وما معنى فرض الحكومة على المسلم أن يصلّي وراء رجل تعيّنه هي؟ وما معنى أن تخترع حكومة لائكية كهنوتًا في دين ديموقراطي لا كهنوت فيه؟ فمن حق الأمة الإسلامية أن تُسلّم لها مساجدها، وُيوكّل إليها تعيين مَن تختاره من الأئمة والمؤذنين، وتنفيذ ذلك من أيسر الأمور، وذلك أن تتأسّس في كل قرية لها مسجد جمعية دينية تشرف على مسجدها، وتختار له من يعمره من إمام ومؤذّن وغيرهما، وأن تنتخب كل عمالة أو كل دائرة عدة أعضاء من جمعياتها الدينية يتكوّن من مجموعهم مجلس ديني أعلى يجتمع في العاصمة في أوقات معيّنة للنظر في مصالح المساجد العامة وموظّفيها، وهذا المجلس هو الذي يتفاهم مع الحكومة في مسألة ريع الأوقاف.
الإصلاح السياسي:
لعلّه ليس من غرض اللجنة المحترمة أن تسألني عن المسائل السابقة، فأكون قد تبرّعت ببيان رأيي مجملًا فيها، أما الإصلاح السياسي فهو المقصود بالسؤال بلا شك، لأن التصريحات الرسمية دائرة عليه، فأصارح اللجنة المحترمة للمرّة الثانية بما أعتقده الحق، وهو أن التصريح الرسمي بإدخال عشرات الآلاف من المسلمين الجزائريين في الجنسية الفرنسية، من غير استفتاء الأمة ولا مشورتها، قد أثار في أذهان الجمهور الأعظم من الأمة ذكرى شروع "فيوليت" الذي ثارت حوله عواصف من المناقشات بين الأمة وبين الدوائر الاستعمارية سنة ١٩٣٦، ثم حكم عليه الزمن بالاندثار والموت لعدم صلاحيته، ونسيته الأمة حتى رأت صورته واضحة في ما يراد أن تبنى عليه الإصلاحات الجديدة. ونقول بكل صراحة إن هذا المشروع ليس مما يرضي الأمة الإسلامية الجزائرية التي لا تريد أن تكافأ اليوم بمشروع لم يف برغائبها سنة ١٩٣٦، ولا تريد أن يحيا بعد أن حكم الدهر عليه بالموت، ولا تريد أن تُذكَّر به بعد أن نسيته غير آسفة عليه.
فمن الإنصاف لهذه الأمة المسلمة- بعدما سبق منها من إلحاح في المطالبة بحقها وبعدما قدمته من تضحيات من الأنفس ومن الأموال- أن تُعطى حقّها في الحرية والحياة كاملًا غير منقوص، كما أدّت واجبها كاملًا غير منقوص، وأن تُساوي غيرها في الحياة كما ساوته في الموت، وأن لا تُرغم على الدخول في الجنسية الفرنسية لا أفرادًا ولا جماعات.
стр. 552
والأمة الإسلامية الجزائرية تعتقد أن إدخال طائفة منها في الجنسية الفرنسية هو خطوة إلى إدماجها في جنس غير جنسها، وهي لا ترضى بجنسها بدلًا ولا بدينها بديلًا، وتعتقد أن هذا الاندماج محو لشخصيتها العربية وذاتيتها الإسلامية، وأنه مخالف لسنّة الله الذي خلق الناس أجناسًا لكل جنس خصائص ومميزات، ومخالف لسنن الاجتماع البشري ومخالف للتاريخ وللاعتبارات الجغرافية المبنية عليه، ومخالف لمصلحة فرنسا نفسها التي جربت هذا الاندماج مع غيرنا فلم يأتها بالفائدة المطلوية.
إننا نرى أن المصلحة المشتركة بين جميع المتساكنين بالقطر الجزائري والنظر السديد في بناء مستقبله على أساس تؤمن معه غائلة استعمار جنس لجنس وامتياز عنصر علي عنصر واستعباد طائفة لطائفة، كل ذلك يقتضي بناء هيكل الإصلاح الجديد على الاسس الآتية:
أولًا: إنشاء جنسية جزائرية تشمل جميع الطوائف التي تعيش بهذا الوطن بغير تمييز بين أصولهم وأديانهم، يتساوون بموجبها في الحقوق والواجبات.
ثانًا: تستبدل جميع التشكيلات الاستعمارية بحكومة تسمّى "الحكومة الجزائرية" تكون مسؤولة أمام مجلس تشريعي جزائري (برلمان).
ثالثًا: الوظائف الإدارية تُعطى لجميع الجزائريين على أساس الكفاءة الشخصية.
رابعًا: تعتبر اللغة العربية لغةً رسمية في المعارف والإدارات بجانب اللغة الفرنسية.
خامسًا: يحفظ لأهل كل دين حقّهم في إقامة شعائر دينهم، وتصوفهم المطلق في معابدهم وأوقافهم بواسطة تشكيلات حرّة يرتضونها لأنفسهم.
سادسًا: الأحوال الشخصية للمسلمين خاصة، تجري على التفصيل السابق في إصلاح القضاء الإسلامي.
هذه آرائي التي أعتبرها بحق آراء الجمهور الأعظم من الأمة الإسلامية الجزائرية، أقدّمها للجنة المحترمة بكل إخلاص واحترام، وأنا أرجو لها توفيقًا ونجاحًا في أعمالها، وأن يتم على يديها ما فيه خير الجزائر وفرنسا معًا، وأتمنى أن توضع العلاقات الجزائرية الفرنسية على أساس متين من الثقة والتعاون الصادق.
الجزائر في ٣ جانفي ١٩٤٤.
محمد البشير الإبراهيمي
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
стр. 553
التقرير* الذي قدّمه مجلس إدارة
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
إلى الحكومة الجزائرية (١)
(بعد اجتماعه المنعقد في ٥ أوت سنة ١٩٤٤ في المسائل الدينية الثلاث: المساجد، التعليم، القضاء)
ــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بحكم أمانة الدين وعهد الله، وشهادة الواقع تعتبر نفسها مسؤولة عند الله وأمام الأمّة الجزائرية عن الإسلام ومعابده وتعليمه ولغته وجميع شعائره الحقيقية وأحكامه القضائية.
وتعلم أن الحكم القاطع في الإسلام في مسألة المساجد هو أن التصرف فيها لجماعة المسلمين دون سواهم، وأن أئمة المساجد ومن جرى مجراهم يجب أن يكون أمرهم راجعًا إلى جماعة المسلمين دون سواهم في الاختيار والتولية والعزل والمراقبة وتقرير الجرايات، وما شرع الوقف الخيري في الإسلام إلا ليقوم بواجبات دينية واجتماعية أهمها هذه، فينفق منها على المساجد وعلى القائمين بها من غير احتياج إلى الخزينة العامة (بيت المال)، وعلى هذا الأساس تعتبر جمعية العلماء كل تدخل حكومي في هذه الأمور الدينية ظلمًا وتعديًا وهدمًا لمبدإ احترام الأديان وحرية الضمائر كيفما كان نوع الحكومة: لا دينيًا أو متدينًا بغير الإسلام.
وكما يعتبر الإسلام تدخل غير المسلم في شؤون الدين الإسلامي ظلمًا وتعديًا كذلك يعتبر تدخل المسلمين في شؤون الدين الموسوي أو العيسوي تعديًا وظلمًا، وعلى هذا المبدإ جرت الحكومات الإسلامية في التاريخ، فكانت تكل شؤون الأديان الأخرى إلى أربابها وإلى علمائها، وكانت مجالس الأحبار ومجالس الأساقفة هي التي تتحكم بكل حرية في المعابد وأوقافها وفي القضاة وأحكامهم، ولا يتدخل القضاء الإسلامي الأعلى في شيء من شؤونهم الدينية.
стр. 554
هذه هي الحقيقة في النظر الإسلامي الذي لا يتغير بتغير النظريات الزمنية، وعلى هذا فالأمة الجزائرية المسلمة بواسطة علمائها هي صاحبة الحق المُطلَقِ دينًا وعقلًا وعرفًا معقولًا في إقامة دينها وادارة معاهده واختيار من يصلح لوظائفه من خطابة وامامة وقضاء وتعليم بما تقتضيه قواعد الدين، وتصح به عبادته وأحكامه، وبما أنها هي التي تصلي في المساجد فحقها الطبيعي المحعقول أن تختار من تقدمه للصلاة، كما أن من حقها الطبيي أيضًا أن تختار قضاتها الذين تضع في أيديهم ركنًا من أركانها الاجتماعية الخطيرة وهو النكاح، وركنًا من أركانها المالية الخطيرة وهو الميراث، وأن يكون لها من الإشراف على تعليمهم، ومن النظر في توليتهم وعزلهم، ما يمكنها من رقابتهم، وبضمن لها الانتفاع بهم وتحقق مصلحتها فيهم، وقيامهم بالعدل والإنصاف فيما يوكل إليهم على ما تقتضيه قواعد الدين.
وجمعية العلماء والأمة الإسلامية الجزائرية من ص ورائها يرون جميعًا بأعينهم ان الدينين المتجاورين مع الإسلام في قطر واحد يتمتع أهلوهما ومعابدهما بالحرية التامة والاستقلال الكامل دون المسلمين ودينهم ومعابدهم، فتكون هذه الحقيقة المحسوسة، اعتقادًا جازمًا في قلب كل مسلم بأن هذا ظلم من أقبح الظلم، وتعد على الإسلام من أقبح أنواع التعدي، واحتقار للمسلمين من أقبح أنواع الاحتقار، وإذا كان هناك ما هو أقبح منه فهو غضب الإدارة الجزائرية على كل من يشرحه بلسانه أو يطالب بالعدلما فيه، وهنا تقدم جميعة العلماء التي يفرض عليها الدين أن تقول كلمة الحق بعد اعتقاده، فتعبر بلسان الأمة جمعاء بهذه الحقائق التي أشرنا إليها وخلاصتها أنه:
"ليس من العدل ولا من الحق أن تتدخل الإدارة الجزائرية في شؤون الدين الإسلامي وانما الحق في ذلك للمسلمين وحدهم، لأن الإسلام يفرض عليهم القيام بذلك ".
ثم تبسط الجمعية للحكومة الجزائرية النقط الآتية مبينة رأيها فيها بكل حرية وكل إخلاص، معلنة أن أول نقطة يجب أن يفمها الطرفان على حقيقتها- إذ على فهمها يتوقف حل الاشكال- هي أن الدين هو ما يفهمها علماء الدين، لا ما يفهمه عامة المسلمين الجاهلة ولا ما تفهمه الإدارة بواسطة أعوانها الجاهلين أو الخادمين لأغراضهم الخاصة.
واذا كان المرجوع إليه في شؤون الدينين الموسوي والعيسوي هو احبار الأول وأساقفة الثاني وهم أحرار في معايشهم، فلماذا يذاد علماء الإسلام الأحرار في معايشهم عن هذا الحق؟ ولماذا يرجع فيه إلى غير أهله أو إلى بعض أهله المرتبطين مع الحكومة برباط المصلحة الشخصية؟ - وإذا قلنا علماء الإسلام فإنما نعني كل عالم فقيه بحقائق الكتاب والسنة. إذ هما منبع الإسلام- عالم بتاريخ الإسلام العملي عامل فيما يصلح المسلمين من
стр. 555
هديه وآدابه، وإن جمعية العلماء لا تحتكر هذا الحق لنفسها، وإنما تزن الأمور بالواء المشهود، وهو أنها هي الهيأة الدينية الوحيدة التي قامت بشرائط الإسلام، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعاهدت الله على الدفاع عن عقائد الإسلام بالبرهان، وعن حقائق الإسلام بالعلم، وعن شعائر الإسلام بالعمل، ووقفت المواقف الثابتة في ذلك كله. لياذا كانت الجمعية قد لقيت في تاريخها خلافًا مع بعض الأشخاص أو الهيآت الإسلامية فما ذلك بخلاف في الدين، وما ذلك بخلاف بين دينين، وإنما هو خلاف بين العلم والجهل، وإنما هو خلاف داخلي لو لم يلق تشجيعًا من خصوم الجمعية لرجع المخالفون مسلمين لأن الرجوع إلى الحق فريضة إسلامية، ولأن الحق في الإسلام واحد لا يتعدد.
مقاصد الجمعية ترجع إلى ثلاث نقط هي:
١ - المساجد وموظفوها وأوقافها
٢ - التعليم العربي ومدارسه ومعلموه
٣ - القضاء الإسلامي وتعليمه ورجاله.
المساجد وأوقافها:
تمهيد: كانت الحكومة الفرنسية لأول عهدها باحتلال الجزائر وضعت يدها على مساجد المسلمين وأوقافهم، ووضعت سلطتها على أئِمة المساجد وموظفيها باسم نظام جائر زينته للناس بعهود كتابية ووعود شفاهية صدرت من بعض رجالها العسكريين والمدنيين، مضمونها أنها تحترم الإسلام ومعابده وشعائره وقد حكم التاريخ على تلك العهود والوعود، وبَيَّنَ قيمتها للناس أجمعين.
فهذا هو الدور الأول
ثم جاءت الجمهورية الثالثة فكانت قواعدها الكلمات الثلاث:
الحرية، الأخوة، المساواة
وكان من أصولها فصل الدين عن الحكم ليكون ذلك محققًا للكلمات الثلاث، وكان من مقتضى ذلك الفصل أن يكون عامًا لجميع الأديان، وفي جميع الأقطار التي تخضع للسلطة الفرنسية، وإن يكون قاضيًا على النظام الخاص بالإسلام في الجزائر، ولكن شيئًا من ذلك لم يقع، وبقي الإسلام ومعابده في الجزائر لا تحظى باحترام كما شرطته العهود والوعود، ولا تحظى بانفصال عن الحكومة كما قررته أصول الجمهورية.
стр. 556
وهذا هو الدور الثاني
ثم جاء قانون ٢٧ سبتمبر ١٩٠٧ فكانت فصوله صريحة في فصل الدين عن الحكومة وفي إعطاء الناس حرياتهم كاملة في كل ما يتعلق بدياناتهم، وفهم الناس جميعًا أن ذلك القانون إنما يعني المسلمين دون غيرهم أو قبل غيرهم، لأنهم هم الذين كانوا محرومين من تلك الحرية، ولكن الواقع، بعد ذلك، أن ذلك القانون لم ينفذ منه ولا حرف فيما يتعلّق بالدين الإسلامي، وبقيت الإدارة الجزائرية تتصرّف في المساجد وأوقافها وموظفيها، وتقبض بيد من حديد على الوظائف الدينية، وتصرفها حسب شهواتها وأهوائها السياسية، وتضع حبائل الترغيب والترهيب في طريق الطالبين لتلك الوظائف، وتزن أقدارهم لا بالإجازات العلمية ولا باختيار الأمة المسلمة لهم، ولا بحسن السيرة بين أوساطها بل (بالدوسي) (٢) الإداري الذي لا يعرف الدين، والذي يزكي ويجرح بقواعد غير قواعد الإسلام وأصول الفضائل، ويشترط في الإمام ما لا يشترطه الإسلام. أدّت هذه السياسة التي يراد منها هدم الإسلام في دياره بالمطاولة إلى سخط عام ملأ جوانح المسلمين وأثار غضب العلماء الأحرار، فرفعوا أصواتهم بطلب بعض الحق في لين ورفق فاتهموا وعوقبوا بالمنع من تعليم دين الله في بيوت الله.
وجرت بعد حرب ١٤ - ١٩١٨ حوادث في تاريخ الوظائف الدينية ظهر فيها عامل جديد وهو: إرصاد بعض الوظائف لبعض الجنود المحاربين إرضاء لهم لا لخصوصية سوى أنهم جنود، وجرت الإجراءات على أشكال لا يرضاها الإسلام ولا يرضاها المسلمون، ولا يرضاها أحرار الفكر من الأوروبيين ولا يرضاها المتدينون منهم، وإنما ترضي رغائب استعمارية ونزعات إدارية انتفاعية، معروفة في تاريخ الاستعمار الجزائري لم يخل منها دور من أدواره، ومبنى أمرها على ملك الأبدان بالقوّة والتسلط، لا على ملك القلوب بالعدل والتسامح، وهي سياسة ظهر خطأها وفشلها منذ قرون، وكفرت بها كل الحكومات وجميع الأمم إلا الحكومة الجزائرية في الجزائر فإنها بقيت مؤمنة بها عاملة بمقتضاها آخذة بأسبابها.
قلنا إن قانون ٢٧ سبتمبر سنة ١٩٠٧ لم يطبق منه حرف بل وقع من الإدارة ما يناقضه من تشكليها لبعض هيآت دينية لا يد للأمة في اختيار أفرادها، وقد أسندت رئاستها في بعض الأوقات إلى مسيحيين، وان هذا لمن أقبح ما وقع في هذه المسألة منذ نشأت إلى الآن. ولو طبق قانون ٢٧ سبتمبر ١٩٠٧ تطبيقًا صحيحًا بنصوصه الصريحة على الدين الإسلامي في الجزائر لما حدثت المشاكل المقلقة التي أثارت الخواطر وَهَيَّجَت الأفكار في هذه السنين الأخيرة.
стр. 557
وهذا هو الدور الثالث
ثم جاء تصريح الجنرال كاترو الوالي العام على الجزائر المنشور في الجرائد يوم ٤ أوت سنة ٩٤٤ ١ فكان صريحًا في إرجاع القضية إلى قانون ٢٧ سبتمبر سنة ١٩٠٧ تحقيقا لأصل فصل الدين عن الحكومة، والأمة بعد صدور القرار متشوفة إلى تطبيق قانون ١٩٠٧ تطبيقًا كاملًا وقد ساءها وهي في حرارة الانتظار أن تعين الحكومة مفتي الجزائر تعيينًا على النمط القديم، وفي ذلك مخالفة بيِّنة لما فهمته من قرار الجنرال كاترو.
ونحن الآن باسم الدين وباسم الأمة نتمسك بعبارة (فصل الدين الإسلامي عن الحكومة الجزائرية). ونريد تطبيقها على الكيفية الآثية:
أولًا: فصل الدين الإسلامي عن الحكومة الجزائرية فصلًا حقيقيًا بحيث لا تتدخل في شيء من شؤونه لا ظاهرًا ولا باطنا، لا في أصوله ولا في فروعه.
ثانيًا: تسليم ذلك كله إلى أيدي الأمة الإسلامية صاحبة الحق المطلق فيه، وتقرير سلطتهم على أمور دينهم تقريرًا فعليًا خالصًا لا التواء فيه، وإنما يتحقق ذلك ويصير نافذًا بما يأتي:
أ- تشكيل مجلس إسلامي أعلى مؤقت بعاصمة الجزائر يتركب من:
١ - بعض العلماء الأحرار المعترف بعلمهم وأعمالهم للدين الإسلامي.
٢ - وبعض أعيان المسلمين المتدينين البعيدين عن المناصب الحكومية.
٣ - وبعض الموظفين المتدينين بشرط أن يكونوا أقل من النصف، ويتسلم هذا المجلس جميع السلطة التي كانت للحكومة في الشؤون الدينية.
ب- من أهم أعمال المجلس أن يتولى تشكيل جمعيات دينية بالطرق الممكنة انتخابًا أو تعيينًا، وله أن يكتفي بما يراه صالحًا من الجمعيات الدينية الحرة السابقة.
ج- فإذا تمت تلك التشكيلات ينعقد مؤتمر ديني من المجلس الأعلى ورؤساء الجمعيات الدينية وبعض أعضائها البارزين، وفي هذا المؤتمر يوضع النظام العام للمستقبل طبق قانون الفصل.
د- كل ما يقرره هذا المؤتمر يعتبر قانونًا نافذًا يجب الخضوع له ولا ينقضه إلا مؤتمر سنوي آخر.
ج - بعد انعقاد المؤتمر الأول ينحل المجلس الأعلى المؤقت وتنتخب الجمعيات الدينية مجلسًا على النظام السابق وإلى المدة التي يقررها المؤتمر.
стр. 558
ويملك المجلس الإسلامي الأعلى المنتخب، السلطة التنفيذية لمقررات المؤتمر الدينية السنوية، أما السلطة التشريعية فيملكها المؤتمر، وليس للمجلس الأعلى إلّا تقديم الارشادات ووضع التقارير والدفاع أمام المؤتمر.
التعليم العربي الحر ومدارسه ومعلموه
كانت الإدارة الجزائرية إلى ما قبل حرب ١٩١٤ تتظاهر بشيء من التساهل مع التعليم العربي الحر لأنه كان- إذ ذاك- قاصرًا لا يفتح ذهنًا ولا يغذي عقلًا ولا يربي ملكة لغوية، فلما هب شعور الأمة وقوي باحتياجها إلى فهم لغتها لتفهم دينها، وتطور التعليم الحر في العقدين الأخيرين كسائر الكائنات الحية، وأصبح على شيء من النظام والحياة وخصوصًا بعد ظهور جمعية العلماء، قلقت الإدارة الجزائرية لذلك، ولما لم تجد الإدارة الجزائرية بيدها من القوانين العامة ما تتخذه سلاحًا التجأت إلى القرارات الإدارية. فأنشثت عدة منها ترمي إلى غرض واحد، وهو قتل اللغة العربية بالتضييق على تعليمها ومطاردة رجالها وإلجام صحافتها.
ومن أسوإ ما في تلك القرارات شرًا وأشده إيلامًا وجرحًا لعواطف المسلمين عامة وللعرب خاصة ما جاء في بعض بنود تلك القرارات من اعتبار اللغة العربية لغة أجنبية في بلاد عربية وهي الجزائر، وجاء دور تنفيذها على يد صغار الإداريين فبالغوا وأسرفوا في التنكيل والمحاكمة، وسيق معلمو العربية إلى مجالس القضاء كما يساق المجرمون، وفرضت عليهم العقوبات المالية والبدنية من سجن وتغريب ولا زالت بقاياهم في المنفى إلى الآن.
احتجت جمعية العلماء على تلك المعاملات الاحتجاجات المتوالية فلم تسمع لها شكوى ولم يرجع إليها جواب، وطلبت المفاهمة الشفاهية فاجيبت بالمماطلة والتسويف، وعطلت الجرائد وأغلقت النوادي وكل ذلك بعضه من بعض.
ومن الغريب أن جمعية العلماء صرحت للحكومة مرارًا بأنها تقبل بكل سرور مراقبة مدارسها من طرف مفتشي المعارف الرسميين، ولكن لم تر في هذه السنين الطويلة مفتشًا واحدًا زار مدرسة من مدارسها، وما كانت ترى إلّا عون البوليس يزورها لتبليغ الأمر بالإغلاق أو العون الشرعي يزورها لتبليغ الاستدعاء للمحاكمة.
مطالب جمعية العلماء: في قضية التعليم العربي
أولًا: إلغاء جميع القرارات السابقة المتعلقة بالتعليم إلغاء صريحًا سواء كانت إدارية أو وزارية.
стр. 559
ثانيًا: نسخ جميع تلك القرارات بقانون صريح يقرر حرية التعليم العربي وعدم تقييده بشيء، ويلاحظ في وضع ذلك القانون المسائل الآتية:
أ- جمعية العلماء أو الجمعيات العلمية الأخرى يكون لها الحق بمقتضى ذلك القانون أن تنشىء ما تشاء من المدارس فيما تشاء من البلدان.
ب- ليس على تلك الجمعيات إلّا إعلام الإدارة باسم المدرسة ومحلها وبأسماء المعلمين فيها، ثم تشرع في العمل بلا توقف على إجراءات أخرى.
ج- يتضمن القانون ضمانات كافية مقنعة في عدم الالتجاء إلى تعطيل المدارس العربية للأسباب السياسية أو غيرها من الاعتبارات، لأن تعطيل المدارس العربية في نتيجته يعد عقوبة للأولاد المتعلمين لم يقترفوا أسبابها، وهذا ظلم لهم.
د- كما لا تتدخل الإدارة في اختيار المعلمين ولا تتدخل في وضع البرامج التعليمية ولا في اختيار الكتب المدرسية.
هـ- على جمعية العلماء أو الجمعيات العلمية الأخرى أن تخضع للمراقبة الصحية العامة في دائرة قوانينها ولمراقبة التفتيش الرسمي.
القضاء الإسلامي وتعليمه ورجاله:
القضاء بين المسلمين في أحوالهم الشخصية والمالية والجنائية يتجزء لا يتجزأ من دينهم، لأن الحكم بينهم فيها حكم من الله، ولأن أصول تلك الأحكام منصوصة في الكتاب والسنة، وكل ما فيهما فهو دين، ولأنهم ما خضعوا لتلك الأحكام إلّا بصفة كونهم مسلمين.
والدولة الفرنسية نفسها تعترف بهذه الحقيقة اعترافًا صريحًا، فقد كانت إلى العهد القريب تعارض مطالبة الجزائريين بحقوقهم السياسية لتمسكهم بالقانون الإسلامي في الأحوال الشخصية.
والحقيقة أن الحكومة الجزائرية منذ الاحتلال بترت القضاء الإسلامي فانتزعت منه أحكام الجنايات والأحكام المالية، ولم تبق له إلّا أحكام النكاح والطلاق والمواريث، ويا ليتها أبقتها له حقيقة، ولكنه مع المطاولة احتكرت تعليمه واحتكرت وظائفه لمن يتخرّجون على يدها وبتعاليمها، وجعلت نقض أحكامهم وتعقبها بيد القضاة الفرنسيين، وأصبح القضاء الإسلامي حتى في هذا القدر الضئيل خاضعًا للقضاء الفرنسي، وأصبح القضاة بحكم الضرورة لا يرجعون في أحكامهم إلى النصوص الفقهية، وإنما يرجعون إلى اللوائح التي
стр. 560
يضعها وكلاء الحق العام الفرنسيون، وفي هذا من الاجحاف وظلم القضاء الإسلامي ما لا يرضى به المسلمون.
ولا ننسى أنها وقعت محاولات واستفتاءات في بعض الأحيان يراد منها إلغاء القضاء الإسلامي بالتدريج وإرجاع شمولاته إلى القضاء الفرنسي. إن المسلمين يشكون هذه الحال، ويشكون نتائجها السيئة من الاضطراب والفوضى في المحاكمات، والضعف والجهل في القضاة، ويعلمون أن ذلك كله ناشئ عن سوء التعليم القضائي وعن إهمال التربية الإسلامية الفاضلة التي هي الشرط الأساسي في القضاة، وعن استبداد القضاء الفرنسي على القضاء الإسلامي، وعن عدم شعور القضاة بمراقبة الأمة لهم مراقبة دينية، وجمعية العلماء والأمة الإسلامية معها تطالب الحكومة الجزائرية بوضع حد لهذه الحالة الشاذة المضطربة.
وجمعية العلماء وإن كانت ترى أن القضاء الإسلامي في الإسلام جزء من الدين ترى في هذه النقطة لزوم التدريج في إصلاح القضاء، والدين لا هوادة فيه.
و ها هي أصول للإصلاح نقدمها بكل إخلاص:
التعليم القضائي:: يجب توسيع برامج التعليم القضائي في مادة العربية والفقه والأصول ودراسة التفسير والحديث ومآخذ الأحكام منها وتاريخ القضاء في الإسلام وفلسفة التشريع وعلم النفس. كذلك يجب فتح الباب لقبول علماء مدرسين لتلك العلوم من المتخرجين من جامع الزيتونة أو غيره لا تعتبر فيهم إلّا الكفاءة لما يراد منهم.
الوظائف القضائية: كذلك يجب إدخال عناصر من المتخرجين من جامع الزيتونة أو غيره من المعاهد الأخرى في الخطط القضائية.
السلطة العليا: كذلك يجب تكوين مجلس قضائي أعلى من القضاة المسلمين يتولى اختيار القضاة وتسميتهم ومراقبتهم والنظر في سلوكهم وتحديد عقوباتهم، وتكون سلطة هذا المجلس مستقلة عن القضاء الفرنسي.
محاكم للاستئناف: كذلك يجب تكوين محاكم استئناف إسلامية تستأنف إليها الأاحكام الأولية وتكون سلطتها إسلامية محضة، وهذه النقطة من أهم نقط الإصلاح من حيث الاعتبار لأن حكم القاضي المسلم لا ينقضه إلّا قاض مسلم.
وفي الختام نلفت نظر الحكومة إلى مسألتين أخريين عاملتهما إلى الآن بالتشديد، وكان ينبغي لها أن تتساهل فيهما لصلتهما القوية بخدمة الدين وهما تجول العلماء للوعظ والارشاد، والنوادي العربية.
стр. 561
التجول:
أول واجب على علماء الدين نشر الهداية الإسلامية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأكبر وسيلة إلى ذلك دروس الوعظ والإرشاد، وجمعية العلماء ما سنت سنة التجول في البلدان للوعظ والإرشاد إلّا قيامًا بهذا الواجب، ولكن الإدارة ضايقتهم في هذا الواجب فمنعتهم من التجول لاعتبارات وهمية هم يتبرؤون منها، وآخر ما وقع من هذا النوع منع رئيس جمعية العلماء من التجول ولا زال هذا المنع جارًيا إلى الآن. إن تجول العلماء للوعظ والإرشاد من وسائل نشر الدين وتعليمه، ومن القواعد المسلمة أن ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب.
النوادي:
جمعية العلماء ترى أن النوادي التي أسستها أو تؤسسها هي في حكم مدارس التعليم ومكملة لوظائفها. لأن طبقات الأمة ثلاث: صغار تضمهم المدارس الابتدائية، وكبار تجمعهم المساجد، وشبان تتخطفهم الأزقة وأماكن الخمر والفجور، فإذا أرادت الجمعية أن تقوم بواجبها الديني معهم لم تجدهم في المساجد ولا في المدارس، فمن واجب الجمعية أن تنشط النوادي لتقوم بمهمتها التهذيبية فيها، وعلى الحكومة أن لا تضايقها فيما يقوم بحياتها فتمنعها من المشروبات المباحة كما وقع في قرار مارس سنة ١٩٣٨.
نرجو بكل تأكيد أن يلغى هذا القرار وبقية القرارات الجائرة فتتمتع المدارس والمساجد والنوادي بالحرية التامة.
عن المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين
الرَّئِيسُ: محمد البشير الابراهيمي
стр. 562
في السجن العسكري
بالعاصمة ثم قسنطينة
(١٩٤٥ - ١٩٤٦) *
стр. 563
رسالة إلى الأستاذ إبراهيم الكتاني*
هذه - أطال الله بقاء أخي- قطعة من فصل طويل من ملحمة أطول، نُظمتْ في أوقات الفراغ في شهري ناجر من الصيف الماضي، وقد اشتملت على أفانين من الجدّ والهزل، والشخْت والجزل، ووصف الرخاء والأزْل، والولاية والعزل، والنكْث والغزْل، وتراجم لرجال سَواسِيَة في الحس كأسنان الحمار، قد أبصروا بعَماهم، وعرفوا بسيماهم، فإذا رأيت أحدَهم رأيتهم جميعًا، وإذا سمعت اللغو كنت لكلامهم سميعًا، وبذلك أراحوا الناقد والواصف، إذْ يجمعهم قولك: أُشَابَة ومَنَاصِفْ. وان الطائفة من الناس لتشترك في خلال حتى لا يكون خطأً أن تشير إليها بهذا مكان هؤلاء، وكثيرًا ما أفكر في قومي ويذهب بي التفكير إلى أقصاه، فأجدهم كما قال ذو الرُّمَّة في وصف قبيلة تعرف بامرئ القيس:
فَأَمْثَلُ أَخْلاَقِ امْرِئ الْقَيْسِ أَنَّهَا ... صِلاَبٌ عَلَى طُولِ الْهَوَانِ جُلُودُهَا
فهذا من ذلك، وإذا طردنا القياس فما زال الناس كالناس، ولقد تسامى الخيال إلى وصف رجل من طائفة ممتازة وترجمته بأسلوب هزلي ليتسع القول وتتزاحب آفاقه، لأن الحقيقة في هؤلاء أضيق من أفحوص القطاة، فاتسع القول حتى ناهز ألف بيت، ثم عرضتُ جميع أفراد الطائفة على تلك الصفات فوجدتهم نسخًا من كتاب.
ولئن تمتْ هذه الملحمة لتكوننّ أكبر ملحمة عرفت في تاريخ العربية، فقد قرأنا في تاريخ أدب هذه اللغة أن لَأبَان بن عبد الحميد أرجوزة في الحكم والأمثال بلغتْ آلاف الأبيات، وقرأنا منها قطعًا صالحة، وأكثر ما نظم أدباء العربية الملاحم أو شبه الملاحم في
стр. 564
بحر الرجز، وانّي لَأستعذبه رغمًا عن عدّ المعرّي إياه من سفساف القريض، قصَّرتم أيها النفر فقصَّر بكم.
وأنا لا أستعذب من الرجز إلّا ما سلس وسهلت أجزاؤه كرجز ابن الخطيب في "نظم الحلل" ورجز شوقي في "دول الإسلام"، ولم أسمع ولا قرأت رجزًا أعذب ولا أسلس من رجز الشناقطة.
حاولت أن أنظم تاريخ الإسلام- وأنا في المنفى- وهيأتْ لي خواطري ملحمة تبلغ عشرات الألوف من الأبيات، وقد رضت القوافي في عدّة وقائع شهيرة كبدر واليرموك والقادسية في أول الإسلام والارك والعقاب بالأندلس، ونظمتُ في دخول الإسلام إلى افريقية وبناء القيروان وموت عقبة ووصف مرابطة الثغور وفي طارق وموسى وطريف عدة فصول أبلغها وصف في جبل طارق لمحت فيه إلى الأحداث التاريخية التي كان سببًا فيها، ولكن القريحة جمدت من عيد الفطر فلم أصنع بيتًا واحدًا.
إذا قرأتم هذا الفصل وأعجبكم فإني أوافيكم مع كل رسالة بفصل، وستجدون في فصول الشيطان ما يضحككم في هذا الزمن العابس.
...
يَا دِينُ إنَّ الدَّيْنَ ليس ينْسَى ... بَلْ يُقْتَضَى مُعَجَّلًا أَوْ يُنْسَا
يَا دينُ إنَّ الصّبغَ لَنْ يَحُولَا ... وإن عندك لهم ذُهولَا
وعندك التِّراث والطوائِلْ ... مما قَرى الأوائِلُ الأوائلْ
وهذه أَخلافهم تداعتْ ... بصورة قد أفظعتْ وراعتْ
تألَّبوا عنك لأخذ الثار ... وأجلبوا في القسطل المُثار
ونَصبوا لكيدك الأشراكَا ... من ألف عام لم تَزلْ دِراكا
يا كَيْدةً كادوا لهذا الدينِ ... مجتاحةً لولا صلاحُ الدينِ
ووقعةٌ بالسهل من حِطِّينِ ... دماؤهم في تُربها كالطينِ
تكوّنوا من بعد ما استكانوا ... واخشوشنوا من بعدِ ما استلانوا
واتصلوا من بعد ما فصَلْتا ... ونبتوا من بعد ما استأصَلْتا
لم يُنْسِهِم طولُ المدى السيوفَا ... لَامعةً والخيلَ والزُّحوفَا
ونظروا في أصلك اعتبارا ... ليفقهوا الحِكمَ والأَسرارا
واقتبسوا منك الأصول والسُّنَنْ ... ففرعوا بها الهضابَ والفُنَنْ
стр. 565
وأخذوا في الكون بالأسبابِ ... وإنْ غدوا في الدين في تَبَابِ
كأنّهم في الرأي والإعدادِ ... من عُصْبة الزبير والمقدادِ
ومنه:
قد تحركتَ فقالوا: حيُّ ... كما استجاش للنذير الحيُّ
فحذروا أنْ تستعيدَ الكره ... وأن تعيد للعوالي الجره
وأن هذي الثَّورةَ الروحيَّه ... تُعيدُ تلك الفَوْرَةَ النوحيَّه
وذكروا آثارك الخوالدَا ... ومَجْدَك الفذَّ الصريحَ التالدَا
وذكروا أنَّهُم في القِدَمِ ... لم يدركوا شأوك في التقدمِ
وذكروا ما فيك من إصلاح ... للجمع والفرد ومِنْ فَلاِحِ
وذكروا كيف طويتَ المغربَيْن ... في فجّك الأغرّ بعد المشرقيْن
وكيف خرَّجتَ رُعاةَ الأمَمِ ... من أمَّة كانت رُعاة غَنَمِ
ومنه:
ثم استعانوا من بنيك بثُبَاتْ ... ليس لهم في موقف الحق ثَبَاتْ
استجلبوهم بِالدَّها والَكَيْدِ ... واستدرَجوهم للزُّبَى كالصيدِ
استضعفوهم واستخفوا شَانَهُمْ ... وألبسوهم- ضلَّةً- ما شَانَهُمْ
وسحَروا أعينَهم واسترهبُوا ... ورغَّبوا بعاجل ورهَّبوا