← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

والرابعة: تلامذة من أبناء العشائر الجزائرية، أخرجت المدارس الابتدائية جزءًا منها، وأخرجت البوادي والجبال أجزاء أخرى، ولكن حب العلم قارب بين أجسامهم وأرواحهم، وجمع تلك الأبعاض المتباعدة فكون منها هيكلًا، صقله حسن الإدارة فسوى منه جسمًا جميل التقاطيع ملتحم الأجزاء. والخامسة: كرام محسنون طبعهم الإسلام على الوطنية الصحيحة، وعلى وضع الإحسان في محله، وعلى بذل المال في أحسن وسيلة لنفع الوطن، وهي العلم، وفي هؤلاء السابق المبرز، واللاحق المتأخر، ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. ... والمعهد في سنته الثالثة أحوج ما يكون إلى العون والتأييد، وإلى مضاعفة الجهود، لتكون كل خطوة أوسع وأثبت من سابقتها، وقد كثرت أعماله فكثرت حاجاته، وحيث أنه يعتمد في كل شيء على الأمة فقد تأكدت حقوقه على الأمة، وفي كلمة مديره الأستاذ التبسي التي نشرت في العدد الماضي الخاص بالمعهد، بلاغ لقوم يعقلون. أما الأسئلة المتوالدة التي تجول في بعض النفوس، وتجري على بعض الألسنة في النظام الذي يرجع إليه المعهد في تعيين مشائخه وموظفيه، والأساس الذي ينبنى عليه ذلك في حاضره ومستقبله- فإننا نجيب أصحابها بأن ماضي المعهد وحاضره بنيا على ما اقتضته الظروف المستعجلة، إذ كان تكوين المعهد من أساسه أعجوبة من أعاجيب الفجاءة وكان أمره دائرًا بين اثنين: كاتب هذه السطور بحكم منصبه في جمعية العلماء ومنزلته في الأمة، والأستاذ التبسي بحكم مقامه العلمي، ومكانته في الشعب، وقيمته العملية عنذ إخوانه العلماء، ومع ضيق دائرة التكوين، فإن كل شيء وضع في محله بلا محاباة ولا اجحاف، وقد صرحنا في أوائل السنة الماضية بأن المعهد مستقل في إدارته، ويجب أن يكون كذلك حتى يبعد عن مهاب الأهواء، وحتى تتمكن إدارته من وضع الأسس الصالحة للمستقبل بالتدريج، وما زلنا نعد من توفيق الله للمعهد ومن آيات عنايته به إسناد إدارته إلى الأستاذ التبسي، فليطمئن المتسائلون والمشفقون على المعهد فإن المشرفين عليه غير غافلين عن هذه النقطة، وان الإدارة ساعية في وضع كل شيء على الأساس الصحيح حتى يعمر المعهد بالكفاءات، ولا يضيع حق ذي حق فيه، وإن الجهاز الحالي من المشائخ المدرسين وغيرهم من الموظفين- كلهم من أعضاء جمعية العلماء الإداريين أو العاملين، وكثير منهم من بواكير الحركة وأولي الأيدي في تسييرها، وكلهم خاضعون لأوامر الجمعية، منفذون لبرامجها، ومعاذ الحق أن تذود الجمعية ذا حق عن حقه، أو تحابي أحدًا دون أحد، أو تبني المعهد- وهو أشرف أعمالها- على أساس من الاحتكار لا يأتي بخير.

стр. 737

إن إقرار النظم ليس بالهين، وإننا- إن شاء الله- لا نضيع لحظة في غير طائل، وإن من أوكد أعمالنا إقرار نظام المعهد على قواعد ثابتة، أرسخ مما يقدر المقدرون، فليتأن المستعجلون، وليصبر المتطلعون وليقصر المتشائمون، فإننا للخير عاملون، وفي الإصلاح مجتهدون، وعلى الله متوكلون. والمدارس أتمت لجنة التعليم العليا أعمالها في أسابيع متواصلة الأيام بالليالي فوزعت المعلمين على المدارس على صورة تجمع بين مصلحة المعلم والمدرسة والجمعية المحلية، مستندة في ذلك على تجارب السنة الماضية، وعلى الملفات الخاصة بكل مدرسة، وعلى الملاحظات المتجمعة من المفتش ورؤساء الشعَب ورؤساء الجمعيات المشرفة على المدارس، وقد اجتهدت اللجنة ما وسعها الاجتهاد، وقاربت بين النظريات المتباعدة. ثم عاودت النظر في البرامج واللوائح وأكملت النقائص الموجودة في القديم، وأنشأت نظمًا جديدة تقتضيها الحالة، ولا تستغني عنها الحركة، وعرضت علي أعمالها بعد الانتهاء جزئية جزئية في ثلاث جلسات طويلة، فلاحظت على ما يستحق الملاحظة، ووافقت على جميع الأعمال، وقدمت شكري خالصًا طيبًا للجنة على أعمالها الجليلة. وإني أعد اللجنة قد وفقت في النتائج التي وصلت إليها، وأنها اجتهدت في النصح، وبالغت في الاحتياط، وجعلت همها الأول خير المدرسة وفائدة التعليم، ولكني- مع ذلك- أجزم بأنه يوجد في المعلمين من لا يرضى بالمكان الذي عين فيه، وفي الجمعيات من لا ترتاح إلى المعلم الذي عين لها، وأنا أقول للجميع قولة الناصح المجرب: إنه ليس في الإمكان، ابدع مما كان، وإن كل شيء كان عن بصيرة، وبعد تقليب للآراء والأنظار، فلا يتهمن مُتَّهِم بسوء القصد أو بسوء الاختيار، وإن الخير كله في التعاون الخالص بين الهيآت العاملة، وليعلم أبناؤنا المعلمون وأعضاء الجمعيات المحلية أن حركتنا قائمة على جهودنا الخاصة وتضحياتنا الخاصة، ونحن شركاء في هذا الواجب وليس واحد منا غريبًا عن الدار، أو أجيرًا عند الجار، وإنما هي واجبات نشترك في أدائها، فمن قصر فعليه وزر تقصيره. وأنا- فقد كنت أرثي وما زلت لحال أبنائي المعلمين المغتربين في قضيتي السكني والأجرة، وما زلت أجاهد في سبيلهم، وأحمل الجمعيات المحلية تبعة التقصير، وسأقوم بنفسي هذه السنة في هذا السبيل وأزيح العلل ما استطعت، ورجائي الأكيد من أبنائي جميعًا أن يعينوني- على أنفسهم- كل بما يملك. وستنشر "البصائر" في هذا العدد ما يمكن نشره، وتؤخر بقية أعمال اللجنة إلى العدد الخاص بالمدارس، وقد تأخر لاعتبارات ضرورية.

стр. 738

نفحات من الشعر الجزائري الحديث* مقدمة كتبها الشيخ لقصيدة "تحية الحجاج" للشاعر محمد العيد ــ تلم بشاعر الشمال الأفريقي محمد العيد آل خليفة في هذا العهد الأخير نوبة نفسية غريبة عن شعراء المادة، وما هو منهم ولا هم منه، وكان من آثار هذه النوبة في نفسه ايثاره للعزلة عن الناس، وهجره لقول الشعر، وكان من ثمراتها المرة للأمة حرمانها من صوت ذلك الطائر الغرد، وهي تخشى أن تحتد هذه النوبة وتشتد، فتنعكس إلى نزعة صوفية جارفة تقضي على تلك الشاعرية الجياشة بكل شاردة من الحكم الفياضة بكل بديع من القول. حرام أن تحرم الجزائر من نفثات شاعرها الفذ، وحرام أن يبقى شعر ذلك الشاعر الفحل غير مدون ولا مطبوع، ولكن من المسؤول عن ذلك؟ المسؤول الأول هو الشاعر نفسه، فقد أردناه على جمع شعره، وكفيناه مئونة التصحيح والتعليق والانفاق، فأبى وتصعب، وتفنن العذر منه وتشعب، وما ذلك في نظرنا الا أثر من آثار تلك الحالة النفسية التي أشرنا إليها. وهذه قصيدة جديدة مملوءة بالحكم، ترسلها قريحة الشاعر العبقري، في الوقت الذي يرجع فيه الحجاج من الحجاز، يهنيء فيها المستحقين بقبول التوبة وسلامة الأوبة، ويتخلص إلى أفانين من الحكمة والوصف. وليس كل الحجاج يستحقون هذه التهنئة، ففيهم من حج زورا، وعمل منزورًا، ورجع موزورًا، وأهدى بدنة فكأنما قرب زرزورا، ولكن التجليات التي غمرت الشاعر ففاضت قريحته بهذه القصيدة، هي التجليات الزمنية، فهذا الوقت هو زمن رجوع الحجاج إلى مواطنهم، بلا فرق بين المشرق منهم وبين المغرب، ولا فرق بين البر والفاجر، فهنأ

стр. 739

الحجاج ولم يهنيء العير، ونوى أصحاب الجنة ولم ينو أصحاب السعير، والدعوات المرسلة تطير إلى أهليها، والصفات المطلقة تتوزع على مستحقيها، ولا جناح على الداعي ولا على الواصف. وأن عسى أن تنجلي هذه النوبة فيعود محمد العيد إلى عهد: .............................. استوح شعرك من حنايا الأضلع وإلى عهد: .............................. حي حفلا كزخرف الروض عني فمتى تعود، تلك العهود**.

стр. 740

برقية احتجاج * ننشر هنا برقية الاحتجاج التي بعثت بها جمعية العلماء إلى المراجع العليا للسلطات الفرنسية على ما عومل به أحد أعضائها المحترمين بمدينة "تبسّة"، وهو الشيخ عيسى سلطاني، وهذا نصّ البرقية: رئيس الجمهورية الفرنسية رئيس الوزارة ونوير الداخلية ونوير العدلية جاك ديكلو، نائب رئيس المجلس الوطني شارل الويس رئيس الجماعة الاشتراكية والي الجزائر العام عامل قسنطينة ترفع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين احتجاجها على المعاملة الجائرة التي عومل بها أحد أعضائها من ذوي المكانة الرفيعة في التعليم الديني الإسلامي بإفريقيا الشمالية، إذْ سامه سوء العذاب "كوميسار" الدرك بمدينة تبسّة وأهين لديه إهانة شنيعة. وحيث ان جمعية العلماء تحيط حضرتكم علمًا بهذه الأعمال الوحشية التي تعد من طرف "الكوميسار" حملة مدبّرة ضدّ سمعة الإسلام وتعليمه، فهي تلفت نظركم إلى أن هذا الجور لا يتلاءم في شيء مع احترام الشخصية الإنسانية التى تعهد به الدستور الفرنسي، والتصريح العالمي لحقوق الإنسان. رئيس جميعة العلماء محمد البشير الإبراهيمي

стр. 741

الفضيل الورتلاني - ١ - * الأستاذ الفضيل الورتلاني ممّن أنبتتْهم هذه النهضة الجزائرية المباركة نباتًا حسنًا، فعمل بإخلاص في ميادين الجهاد في الجزائر ثم نَبَتْ به الديار، فنزل مصر، وجال في ربوع الشرق كلها جولات، رفعت صوت الجزائر عاليا في تلك الربوع، وكوّنتْ منه زعيمًا جزائريًا بحق، وشخصية بارزة لها مقامها المعلوم بين رجالات الشرق كلهم، ولقد حزّ في نفوس شرذمة من المغرضين في الجزائر ما أحرزه الورتلاني من النجاح في الأوساط السياسية بالشرق، فراحوا يتقوّلون عليه الأقاويل ويتهمونه في إخلاصه وجهاده للنيل منه ومن جمعية العلماء المسلمين التي يحاولون ثلبها في مفخرة من مفاخرها، والتنقيص من مقامها في شخص أحد أبنائها البررة. وقد فضح الله هذه الطائفة المغرضة وأضلّ سعيها بهذا المقال القيّم البليغ الذي بعث به إلينا مدير اللجنة التنفيذية للحزب الحرّ الدستوري التونسي، الأستاذ محي الدين القليبي، الزعيم التونسي المعروف.

стр. 742

- ٢ - * الفضيل الورتلاني نشأ نشأة الصبا والحداثة في أحضان الفطرة الطاهرة وفي أحضان الجبال الشماء، فاكتسب من الأولى قوّة الروح، وصفاء العقيدة والصلابة في الدين، ومن الثانية قوّة الجسم، ووثاقة التركيب، وسلامة الحواس، ثم نشأ نشأة الشباب في أحضان جمعية العلماء، ففتح عينيه على الميادين العامرة بأبطالها، وفتح أذنيه على الأصوات المجلجلة بالعلم والإصلاح، من دروس عامرة بحقائق التنزيل والحكم النبوية، ومحاضرات بليغة في التاريخ الإسلامي والأدب العربي، تفيض بالبيان الساحر وتتدفق بالبلاغة الرائعة، فنشأ مؤمنا متين العقيدة، حرًا عميق الفكر، صريحًا لاذع الصراحة، جريء اللسان على كلمة الحق، شجاع الرأي إذا جمجمت الآراء وتخافتت، غيورًا على وطنه غيرته على دينه، إذن فهو معدود من بواكير هذه النهضة المباركة في الجزائر، رافقها في جميع مراحلها وشارك- على فتوته- الشيوخ المحنكين في بنائها. لازم إمام النهضة عبد الحميد بن باديس سنوات، فتأثر بمنازعه في الخطابة ومواقفه في حرب الضلال، وسقيت ملكته بغيث ذلك البيان الهامي فأصبح فارس منابر، وحضر اجتماعات جمعية العلماء العامة والخاصة، فاكتسب منها الصراحة في الرأي، والجراءة في النقد، والاحترام للمبادىء لا للأشخاص ثم لابس السياسيين، وغشى مجتمعاتهم فرأى من زيغ العقيدة وزيف الوطنية وانحلال الأخلاق- نقيض ما رأى من رجال جمعية العلماء، فثار عليهم ودهوا منه بباقعة، وكان الأستاذ الرَّئِيسُ يقدر له- وهو في الحداثة- عواقب الرجال، ويتخيل فيه مخايل الأبطال، ويقول له كلما رأى منه مخيلة صدق: (لمثل هذا كنت أحسيك الحسا).

стр. 743

ثم جاوز البحر سنة ٣٦ ميلادية، بموافقة من الأستاذ الرَّئِيسُ ومني ليرد على الضالين من أبناء قومه هداية الإسلام، وليرد على الناشئين هناك من أبنائهم ما أضاعه الوسط من دين ولغة، وليزرع في قلوب الآباء والأبناء معًا حب الدين والجنس واللغة والوطن، وليعيد إلى الجزائر- بذلك كله- قلوبًا تنكرت لها، وأفئدة هوت إلى غيرها، وغراسًا أظمأه الاستعمار في مغارسه فالتمس الريّ والنماء في غيرها. فتتبعهم الفضيل في مطارح اغترابهم وجمع شملهم على الدين، وقلوبهم على التعارف والأخوة، وجمع أبناءهم على تعلم العربية، وأسس في باريز وضواحيها بضعة عشر ناديًا، عمرها هو ورفاقه الذين أمدته بهم جمعية العلماء بدروس التذكير للآباء والتعليم للأبناء والمحاضرات الجامعة في الأخلاق والحياة، ونجح الفضيل في أعماله كلها نجاحًا عاد على المسلمين في فرنسا بالخير والبركة وعاد على جمعية العلماء بالسمعة العطرة والدعاية الطيبة، وكان في تلك المدة كلها متصل الأسباب بجمعية العلماء مراسلة واستمدادًا وإشارة واستشارة، وقد رجع في أثنائها إلى الجزائر، كلما انعقد اجتماع أو حزب أمر، وما زلت أذكر حضوره في اجتماع الجمعية صيف سنة ٣٧ وحضوره على إثر ذلك افتتاح مدرسة "دار الحديث" بمدينة تلمسان، وخطبته، في ذلك الحشد الذي ضم عشرين ألفًا بعد سماعه لقصيدة الشاعر محمد العيد، وحملته الجارفة على التجنس والمتجنسين. وفي سنة ٣٨ فيما أذكر هاجر إلى مصر مستزيدًا من العلم والتجارب، مستجمعًا قوّته للعمل في ميدان أوسع وجو أصفى: وكانت له المواقف المشهودة والرحلات الموفقة إلى الأقطار العربية، وكان في تلك المدة كلها متصلًا بنا على قدر ما تسمح به ظروف الحرب، إلى أن وقعت حادثة اليمن، وشاءت الأقدار أن يكون ضيفًا عليها، وأن تكون في أول اتصالاته بها، وشاءت ألْسِنَة الشر وطبائع السوء أن تحشره في زمرة المتهمين بتدبيرها، وشاءت فئات من مرضى الحسد وصرعى الغل والحقد أن يتخذوا من تلك التهمة المتهافتة الشواهد ذريعة للنيل من سمعته والقدح في كرامته وشرفه، ثلة من المشارقة، وقليل من المغاربة، وكنا سمعنا أخبار الحادثة في حينها وخبر الاتهام، فلم نستطع- مع جزمنا بكذبه- دفعه بالقول ولا بالفعل، وسمعنا بعد ذلك ما لاكه أولئك الحسدة ورددوه، فلم نشأ أن نوسع فريتهم نقضًا ودحضًا لعلمنا اليقين بأسباب الحادثة، وعلل الاتهام، وبالمحرك لهؤلاء الناعقين، ولمعرفتنا بالفضيل وظواهره وخوافيه، وادّخرنا رأينا وقوّتنا ودفاعنا إلى الفرص المناسبة. ولكن الوفاء توأم الصدق، والحق يفجأ أنصاره بالعجائب، فقد أراد الله أن يلجم المتخرصين وأن يجر ألسنتهم بوفيين من اخوان الصدق وأخدان الحق، وأن تكون "البصائر" هي مجلى هذه الحقيقة، فرماهم بالأمس بكلمة الأستاذ محيي الدين القليبي التي كشف فيها

стр. 744

عن بعض الحقيقة كشف الخبير المطلع، ورماهم اليوم بهذه المقالة التي نقدمها بهذه الكلمات، وهي من رجل عبقري لا يفري أحد فريه في هذا الموضوع، وهو الأستاذ رشيد أمين سنو، صاحب جريدة "بريد اليوم" البيروتية، وقد كان موظفًا مؤتمنًا في حكومة اليمن، ووقعت الحادثة وهو بها، فشاهد من حقائقها وآثارها، وعلم من أسبابها وملابساتها وأسرارها ما لم يشهده ولم يعلمه واحد ممن كتب عن الحادثة رجمًا بالغيب، أو رواية عن ضنين، أو صُدُورًا عن هوى. و"البصائر" تقدم تعريفًا موجزًا بهذا الرجل قبل كلمته ليعلم قراؤها في المغارب من هو هذا الرجل، فيزدادوا ثقة بآرائه، وتأكدًا من صدق روايته، وإيمانًا بمكانته وكفاءته، زيادة عما يجب علينا من عرفان أقدار رجالنا، ومن تعميم التعارف بين أبناء الضاد أينما كانوا. الأستاذ الكاتب العالم رشيد أمين سنو من عائلة سنو الشهيرة في لبنان، هو اليوم المدير العام للشركة العربية للنشر والتوزيع، كاتب وأديب وشاعر يحمل شهادة الليسانس في الآداب، وتقلب في وظائف كبيرة عديدة، كان أستاذًا للفلسفة في الكلية العلمانية في "طرطوس"، ثم مديرًا لكلية المقاصد الإسلامية في "صيدا" ثم مفتشًا عامًا في أيام الحرب للتموين في سوريا ولبنان، ثم رئيسًا لتحرير جريدة "بريد اليوم" اليومية، ثم تولى بناء على طلب حكومة اليمن وظيفة المدير العام للإذاعة والنشر في اليمن حيث قضى سنة كاملة، ثم أوفدته الحكومة اليمنية في مهمة خاصة في بعض الأقطار العربية في صيف سنة ١٩٤٧، وبعد إنجاز مهمته عاد للمرة الثانية إلى اليمن، وظل هنالك حتى وقعت الثورة ولم يتركها إلا بعد الثورة بنحو شهرين، وكانت صلته بالأستاذ الفضيل الورتلاني طول هذه المدة وثيقة مستمرة (١).

стр. 745

الأستاذ علي الحمامي - ١ - * كانت "البصائر" في الأسبوع الماضي تتأهب للصدور حين بلغها نبأ الفاجعة، فأسرع الأستاذ أبو محمد، وكتب كلمة حزينة صور فيها وقع المصاب الجلل في القلوب، وأثر الخطب الداهم في النفوس، وأودعها شعور هذا الشمال بالكارثة الفادحة التي كان من شهدائها الأبرار ثلاثة من أبطال المغرب العربي، وهم الأساتذة: علي الحمامي والدكتور ثامر، ومحمد بن عبود سقطوا ثلاثتهم بجنب ثلة من رجال الباكستان وممثلي الأقطار الإسلامية في ذلك المؤتمر الاقتصادي الكبير الذي جلا صورًا صادقة لعظمة الباكستان وجوانب نهضتها الاقتصادية الواسعة، ورسم للعالم الإسلامي ما إن تمسك به نجا من خطر الغزو الاقتصادي الأجنبي، فلم يخش بخسًا ولا رهقًا. واليوم نعود وكلنا أسف وحسرة فننشر هنا كلمة ثانية للأستاذ محي الدين القليبي بعث بها إلينا كتحليل واف لحياة أحد الشهداء الثلاثة، وهو الأستاذ علي الحمامي الجزائري. وإن الحادثة على فداحتها وعظم هولها لعنوان في نظرنا على الفجر الجديد، لأنها إن حزت في نفوسنا وهزت هذا العالم الإسلامي هزة عنيفة في مثل هذا الظرف العصيب فقد دلت على أننا قد ابتدأنا نموت لنحيا، وودعنا عهدًا مظلمًا، لم نكن فيه أحياء ولا أمواتًا لنستقبل عهدًا جديدًا تسير الأمجاد في ركابه وتشرق عبقرية الشرق في جوانبه. وإني لأذكر بهذا الصدد كلمة لأستاذنا الأكبر عبد الحميد بن باديس باني النهضة الجزائرية قالها بمحضر جماعة من الشباب، وهو يعلق على قول من قال في المجلس:

стр. 746

"إن الغرب يخاطر كثيرًا بحياة أبنانه" وتلك هي: "ما الحياة إلّا في المخاطرة، ولن يحيا هذا الشرق حتى يركب الأهوال، ويخاطر كالغرب، وإذا ما جاء هذا اليوم فأيقنوا أن الغرب سيقف أمام الشرق وقفة إجلال وإكبار، ويومئذ يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه". وشاء الله أن تكون كارثة الطيران هذه خاتمة المؤتمر المحزنة لتزيد في توحيد آلام هذا الشرق وآماله، وتمكن له في جمع أوصاله وضم أجزائه وأطرافه. إذ لا شيء يبني الأمم وسوق الشعوب إلى غاياتها السامية في الحياة كالآلام المشتركة والنهضات المحفوفة بالأخطار. وبعد فإن "البصائر" لَتحي للمرة الثانية أرواح هؤلاء الشهداء، وتتقدم بتعازيها الخالصة أولًا وأخيرًا إلى أمة الباكستان الشقيقة والعالم الإسلامي الذي أثبت وحدته في هذا المؤتمر، وحقق فكرة الجامعة الإسلامية رغم المفترين الذين يقولون باستحالتها حسدًا من عند أنفسهم. ورحم الله شهداءنا جميعًا، وهدى شبابنا إلى الاستنارة بتضحياتهم والسير على ضوء بطولتهم وجهادهم حتى يتمّوا ما بدأوا ويشيدوا ما رفعوا من قواعد الجامعة الإسلامية.

стр. 747

- ٢ - * في تشييع جثمان الفقيد علي الحمّامي ــ أيها الاخوان ... أيها الشبّان: إن هذا التابوت الموضوع بين أيديكم لا يحمل جثمان شخص، وإنما يحمل قطعة من الوطن الجزائري فُصِلتْ عنه ثم رُدَّتْ إليه ... قطعة من الوطن الجزائري فَصَلَها عنه ظلم البشر، ثم رَدَّها إليه عدل الله. إن الجواهر لَتُذكر بمعادنها، فإذا ذُكر اللؤلؤ ذكرت عُمَان، وإذا ذُكر الياقوت ذكرت سيلان، وإذا ذكرت الأمم ذخائرها من الرجال، وكرائمها من العقول والأذهان، أبت الأوطان إلّا أن تأخذ حظها من تشريف النسبة فقيل فلان الفلاني ... وفلان الفلاني ... أيها الاخوان! إن الفرار من الظلم والتغرب في سبيل الحريّة طبيعة قديمة في النفوس الكريمة، وما هو فرار ولا هي غربة، وإنما هو الحق يفرّ مغلوبًا ليكر غالبًا، ويصدر مطلوبًا لِيَردَ طالبًا، سنة الله في الحرية- وهي الحق كله- ظهرت في إبراهيم حين هاجر من بابل إلى كنعان ليغرس بذور النبوة في فلسطين والحجاز، وظهرت في موسى فَفَرَّ من مصر إلى مدين ليعود إلى فرعون بآيات ربّه، وظهرت في محمد ﷺ فهاجر من مكة إلى يثرب ليرجع إلى مكّة مجتمع القوّة مشدود الأسر. أيها الشبّان! إن في تاريخكم لَصحائف وضّاءة بحياة المغامرين في طلب الحريّة أو في طلب الملك والمجد والسيادة، فالْتمسوها في الجاهلية من امرئ القيس وعروة الرحال، وخذوها في الإسلام من حياة صقر قريش وإدريس بن عبد الله وأبي عبد الله الشيعي، واطلبوا معاني البطولة والتضحية والإيثار من سير أبطالكم تجدوا في كل مفخرة إمامًا.

стр. 748

الزميل المنستيري * للزميل الكريم الأخ محمد المنصف المنستيري صاحب جريدة "الإرادة" مكانة ممتازة في نفوسنا، لعل من موجباتها تعارفًا روحانيًّا أظهرت المواقف آثاره، وتقاربًا فكريًّا غرست الأقلام أشجاره، ثم زكت ثماره، وفنًا كتابيًّا وخزه البيان وأشاع اخضراره، لذلك كله كانت مصيبته بفقد ولده مصيبة مشتركة بيننا، حملنا معه حزنها وألمها والامتعاض لها، كما يمتعض الصديق للمكروه يصيب صديقه، والأخ للسوء يمس أخاه. ونحن نتقدم إلى الأخ الكريم- على هذا البساط- بالتعزية القلبية، داعين لأخوته بالصبر، معتقدين أن في إيمانه ومتانة عقيدته وازعا عن الجزع الذي يذهب بالأجر، وأن في تمرسه بالزمان وأهله ما يخفف وقع إحدى مصائب الدهر. وعزاء للأخ الكريم ولنا جميعًا عن المصيبة الخاصة، بهذه المصائب العامة التي نخوض لججها، وبهذه القضايا الوطنية التي نسوق بالحق حججها.

стр. 749

أقطاب الفرقة القومية المصرية * في مركز جمعية العلماء (ملخص بقلم باعزيز بن عمر) ــ زار بعض أقطاب الفرقة يوم الأربعاء١٤ فيفري ١٩٥٠، مركز جمعية العلماء بالعاصمة يتقدمهم الأستاذان الكبيران مدير الفرقة يوسف بك وهبي، ومديرها الفني زكي طليمات والأستاذ أحمد علام، والأستاذ فاخر فاخر، فرحب بهم الأستاذ الرَّئِيسُ محمد البشير الإبراهيمي ترحيب الروض بالطل، في مجمع حافل بالأدباء والشعراء من معلمي المدارس وأنصار جمعية العلماء، وحي في أشخاصهم الكريمة مصر العالمة الناهضة تحية أودعها من شريف المعاني وجميل الأدب وعميق الحب لمصر ما نقلنا إلى مغانيها الجميلة، وجعلنا نتنقل في ربوعها نتنسم فيها أخبار الجدود ممن لا يزال ذكرهم يعطر المجالس. ولقد تصرف الأستاذ الرَّئِيسُ في معنى التحية وجاء بالمرقص والمطرب وجال بنا في سماء البلاغة جولة بعيدة، وذكر أن العرب تفننوا في أنواع التحيات حتى كادوا يجعلونها كلها مادية إلى أن جاء الإسلام فلطف التحية، وخلصها من أدران المادة والعظمة الطاغيتين على العالم يومئذ، لأن الإسلام دين روحي يضع الموازين القسط، ولا يعطي للأجسام إلّا المجال الضيق، وأشار إلى تصرف المعري وابن الرومي في معنى التحية وساق شواهد رائعة على ذلك، إلى أن قال: أما تحيتنا اليوم للضيوف الكرام الذين لا أسميهم ضيوفًا إلا مجازًا، فهي تحية العلم للفن، وتحية الروح للروح، تقدمها إليكم هذه النخبة من رجال جمعية العلماء التي تعمل على إكساء هذا الوطن روحًا وبدنًا، وإنهم جميعهم ليحيون اليوم مصر فيكم، وهنا وجه كلمة عتاب إلى مصر قائلًا: إن لنا على مصر حقوقًا، ولها علينا حق واحد. لها علينا الزعامة في الأدب والفن، والإمامة في العلم والمعرفة، ولنا عليها حق الأخ الصغير، أخذ باليد إلى الرشد، وتربية تفضي إلى السعادة، ورعاية شاملة للخير والمصلحة، ولنا عليها حق الجار ذي القربى حفاظ وحماية وإحسان.

стр. 750

فهل قمنا نحن بما علينا من حق؟ وهل قامت مصر بما عليها من حقوق؟ أما نحن فقد قمنا بما يقوم به الطفل البريء الساذج: محبة واحترام وتقليد وائتمام، واتكلنا بعد ذلك على الله وعلى أنفسنا. وأما مصر فنقول آسفين أنها لم تعرفنا كما يجب أن تعرفنا ولم ترع لنا ماضينا وتاريخنا المتصل بها، إلى غير هذا- من روائع الأستاذ التي وردت في خطابه البليغ الذي لا يقوى هذا القلم على أن يمتع القراء بكل شوارده وآياته البينات، فاكتفى بهذا الذي وعته الذاكرة من ألفاظه ومعانيه. وتقدم بعد الأستاذ الرَّئِيسُ الضيف الكريم الأستاذ زكي طليمات مدير الفرقة الفني فرد التحية، وكانت تعبيرًا صادقًا عن أثر ما شاهده في الجزائر وتصويرًا لنهضة مصر وأخذها بأسباب الحياة في جميع الميادين، وقد أفرغ إحساسه هذا في قوله: "أحس بأني في محراب مقدس يشع فيه نور الإسلام وناره، لأن للإسلام نورًا ونارًا، فنوره للمبصرين المهتدين، وناره للجاحدين والمناوئين، كما أني سعيد إذ أجد نفسي بجوار هذا الأستاذ العظيم، وإني لأعتبره حقًا رئيس الجزائر ومحيي نهضتها العلمية، وإني أتمنى لو تتاح لي الفرص فأترك أعمالي كلها وأُلَازِمُه ملازمة التلميذ لأستفيد من علومه وآدابه وأوصيكم أن تكونوا جميعًا أعوانه المخلصين وأنصاره الأمناء". وقفى عليه زميله الأستاذ وهبي مدير الفرقة فقال: "إني أحدثكم بصفتي فنانًا قبل كل شيء، وأشارككم في المهنة، فأنتم تعلمون في المدارس، ونحن نعلم في المسارح، وما أعظم مهنة التعليم فهل أنتم تشرفوننا بانتسابنا إليكم في هذا التعليم؟ إلى أن قال: سنعود إلى مصر، وسنكون هناك أبواقًا لكم ولنهضتكم". وختم قائلًا: "فلو استطاع النيل أن يشق طريقه في الصحارى إليكم لفعل، ولو أمكن للأهرام أن تنتقل لانتقلت وانحنت ومن ورائها أبو الهول، أمامكم، ولكنه بعث بهذا العبد لينحني أمامكم". ثم قام الشيخ أحمد سحنون فحياهم بقصيدة بلغت من الرقة منتهاها، وشارك الشيخ بيوض بكلمة عن تطلع الصحراء إلى كل جديد في مصر، وحرصها على الاهتداء بأنوار نهضتها القوية، كما شارك الشيخ طاهر البكاري بكلمة قدم بها تأليفه المدرسي الذي قدمه كهدية للضيوف الكرام. وتناول المحتفلون بعد هذا الغذاء الفكري كؤوس الشاي والحلوى في جو من الأخوة الشاملة وأحاديث الأدب العالي والفن الرفيع.

стр. 751

كتاب "نقرأ ونكتب " * نحن في حاجة شديدة إلى الكتب المدرسية الابتدائية لمدارسنا العربية الحرّة، وفي عجز ظاهر عن استيراد المقادير اللازمة لها من مصر، لأسباب كثيرة. ويسرّنا من أبنائنا المعلّمين في هذه المدارس أن يشاركونا في تخفيف هذا العبء، وفي سدّ جانب من هذا النقص، وأن يقوموا باستغلال تجاربهم الخاصة في التعليم وجهودهم المفيدة فيه، فيُخرجوها كتبًا مدرسية، بعد أن كانت تلقينًا. أمنية كنا نتمناها على أبنائنا المعلمين، وفيهم الكفء الذي تمّت تجاربه، وشارفت النضج مواهبه، وقد قام ولدانا الشيخ الطاهر بكارى- مدير المدرسة الصادقية بسلام باي من العاصمة- ورفيقه الشيخ المولود طياب بتحقيق جزء من هذه الأمنية، إذْ وضعا كتابًا صغيرًا لتعليم "ألف باء"، وزيناه بصور لطيفة، وعنوناه بجملتين "نقرأ ونكتب" ليوقظا باسم الكتاب في نفس التلميذ الصغير معنى القراءة والكتابة من أول يوم. والكتاب محاولة أولى، نرجو أن تكون مشجعة للمؤلفين ولاخوانهم المعلّمين بمدارس جمعية العلماء على متابعة التأليف المدرسي، ومراعاة الإتقان فيه، وبنائه على التجارب من جهتهم، والاستعدادات من جهة تلامذتهم، فنكون قد استفدنا فائدتين: التحقيق لتوحيد التعليم كما نرجوه ونعمل له، والاستغناء عن كثير ممّا نحتاج إليه اليوم فلا نجده. وفي الكتاب تسامح في بعض الألفاظ والتراكيب، وخروج في بعض الأناشيد عن الموازين المألوفة، نرجو أن يتداركهما المؤلفان في الطبعة الثانية، وعذرهما أنها محاولة أولى كما قلنا. فعلى مديري المدارس أن يعتمدوا هذا الكتاب للأقسام الأولية.

стр. 752

بيان حقيقة ورفع إيهام ... * قالت جريدة "الزهرة" التونسية في عدد يوم الثلاثاء ١٨ جمادى الأولى ١٣٦٩، (رقم ١٣٠٠٣) ما لفظه: "وصل إلى العاصمة عمان الشيخ الطيب العقبي من جمعية العلماء الجزائريين إلخ ... ". وفي هذا الكلام شيء مخالف للحقيقة يجب تبيينه، لأنه يوهم القرّاء أن الشيخ الطيب العقبي ما دام من جمعية العلماء فهو موفد منها، ومتكلّم باسمها، وعامل في هذه القضية بمبدئها. والحقيقة أن الشيخ الطيب العقبي ليس من جمعية العلماء ولا عاملًا باسمها، لأنه استعفى من عضويتها سنة ١٩٣٨ ميلادية، ومن ذلك الحين إلى الآن وهو يعمل باسمه الخاص، وعلى عهدته الخاصة. وهل تجهل جريدة "الزهرة" هذه الحقيقة؟ نحن نعتقد أنها لا تجهلها، ونعتقد أنه لو كان العقبي من جمعية العلماء حقًا لَمَا ذكرت اسمه، لأنها لم تتعوّد ذكر الجمعية ورجالها إلا فيما يشبه هذا المقام ... أما كونه عضوًا في هيأة الدفاع عن فلسطين كما ذكرت "الزهرة"، فالحقيقة أنه كان عضوًا في لجنة إعانة فلسطين التي تكوّنت بدافع الغيرة الإسلامية، والوطنية الجامعة، غير مختصة بجمعية العلماء، بل كان أمين مالها، وقد قام بواجبه فيها، ولكن تلك اللجنة أتمّتْ أعمالها بشرف وأمانة، وأبلغتْ ما جمعتْه من مال إلى مأمنه، وانتهت وظيفتها الأساسية بسبب ما تمّ من تغييرات في وضعية فلسطين.

стр. 753

وأما هيأة "فرنسا- الإسلام- التي ذكرت "الزهرة" أن العقبي مبعوث من طرفها فإننا لا نعرفها، ولا نؤمن بها، فإن كانت موجودة فهي لِشَرّ الإسلام لا لخيره، وللإضرار به لا لنفعه، وإننا نعتقد أن فرنسا أكبر عدوّ للإسلام، وهل يأتي من العدوّ خير؟ إن هذه الهيأة- التي لم نتبيّن إلى الآن حقيقتها- "تدجيلة" جديدة لم يَخْلُ زَمنٌ من أشباهها، ابتكرها بعض المستشرقين الذين يجعلون الاستشراق ذريعة لاستِهْوَاء المفتونين من الشرقيين، ويُغَطّون لهم به ضراوة الحَجّاج، بطراوة "الحَلّاج"، ويبكون لهم على لَيْلَاهم، وهم الذين قتلوها. أين كان هذا المستشرق يوم شاركت دولته في جريمة فلسطين، وإخراج الإسلام منها، بموافقتها على التقسيم، وبمساعداتها المفضوحة لليهود من يوم وُلدت القضية إلى الآن؟ إنه كان ساكتًا سكوت المغتبط بتلك الأدوار الأثيمة، لأن الإحساس المتنبّه فيه إذ ذاك هو إحساسه الفرنسي، فلما تمّت الأدوار، وبلغت نهايتها، وعلم أن اليهود سَيأخذون المسالك على دينه ودولته معًا- تَنَبَّه إحساسه المسيحي الحانق على اليهود، وجاء يُعَزِّي المسلمين البسطاء تعزية الشامت، ويُنَبِّه دولته إلى أن هناك منفذًا تدخل منه أصبعها في فلسطين، وهو وَقْفُ أي مدين "الجزائري"، وأن هناك ميدانًا تسترجع فيه عطف المسلمين الأغرار، وهو قضية المشرّدين، وأن ذلك لا يتمّ إلّا بتدوبل القدس. فكأن هذا المستشرق لم يَكْفِهِ استغلال دولته للأحياء منّا فابْتَكَرَ لها طريقةً لاستغلال الأموات، وإنَّ هذه لَإحْدى فوائد الاستشراق لهم ... ولنا، وعلى كل حال فهو قَدْ رَمَى الشبكة، وأصاب ما قُدِرَ له من الرزق ومن ضلّ فإنما يضل على نفسه. ليت شعري! ماذا يجدي علينا تدويل القدس بعد أن ضاعت فلسطين كلها؟ وماذا تغني عن المشرّدين هذه الصدقات الممنونة بعد أن فقدوا أرضهم وديارهم؟

стр. 754

المولد النبوي الكريم - ١ - * أوقفنا مقالات "تاريخ المولد النبوي في المغرب العربي" عن قصد لأنها طالت، ولأن ما كُتب منها يدخل فى رسالة مستقلة، ولأن المهم منها إنما هو الجانب التاريخي، أما الحكم الشرعي فيها فنحن لا نقر ذلك الاستحسان الذي يبالغ فيه بعض من نقل الكاتب كلامهم من علماء تلك العصور، فهم يجعلون من حبّ المولود العظيم عذرًا في ارتكاب بِدَع المولد، ومسوغًا لأعمال الملوك الذين لا غاية لهم من تلك الموالد إلّا الدعاية لأنفسهم، وقرن أسمائهم باسم النبي ﷺ في مديح الشعراء، واستجلاب العامة بذلك كله. ولو أنهم جعلوا تلك الاحتفالات ذرائع لإصلاح حال الأمة، وحملها على الرجوع إلى السُّنَن النبوية، والاهتداء بالهدي المحمدي، لَكان لفعلهم محمل سديد، وأثر حميد، لأن الأمور بمقاصدها. أما الحبّ الصحيح لمحمّد ﷺ فهو الذي يدع صاحبه عن البِدَع، ويحمله على الاقتداء الصحيح، كما كان السلف يحبّونه، فيُحيون سننه، ويذودون عن شريعته ودينه، مِن غير أن يقيموا له الموالد ويُنفقوا فيها الأموال الطائلة التي تفتقر المصالح العامة إلى القليل منها فلا تجده. ونحن نحتفل بالمولد على طريقة غير تلك الطريقة، وبأسلوب غير ذلك الأسلوب، فنجلي فيه السيرة النبوية، والأخلاق المحمدية، ونكشف عما فيها من السر، وما لها من الأثر في إصلاحنا إذا اتبعناها، وفي هلاكنا إذا أعرضنا عنها، ففي احتفالاتنا تجديد للصلة بنبيّنا في الجهات التي هو بها نبيّنا ونحن فيها أمته.

стр. 755

لا نقلّل بهذا من قيمة عمل ولدنا الأستاذ الكاتب وبحثه وسعة اطلاعه، بل نحرضه على تكميل بحثه وجمعه وطبعه، وإنما حركناه إلى أبحاث أخرى هو أهلها، ولا يضطلع بها غير قلمه، وهي إحياء الآثار المنسية لسلفنا، وإحياء علمائنا الذين عمروا الغرب ولكن جهلهم الشرق، وغير ذلك مما تقوم عليه نهضة الجزائر العلمية. وسيقرأ القراء اليوم تعريفه بكتاب من آثار سلفنا فيقرأون الممتع اللذيذ، وأول الغيث قطر.

стр. 756

- ٢ - * إحياء ذكرى المولد النبوي إحياء لمعاني النبوة، وتذكير بكل ما جاء به محمد ﷺ من هدى، وما كان عليه من كمالات نفسية، فعلى المتكلمين في هذه الذكرى أنْ يذكروا المسلمين بما كان عليه نبيهم من خلق عظيم، وبما كان لدينهم من استعلاء بتلك الأخلاق. لهذه الناحية الحية نجيز إقامَ هذه الاحتفالات، ونعدها مواسم تربية، ودروس هداية، والقائلون ببدعيتها إنما تمثلوها في الناحية الميتة من قصص المولد الشائعة.

стр. 757

مدرسة أولاد سيدي إبراهيم * العزيمة أخت العقيدة، وهما كجناحي الطائر للرجال وللأعمال، والعقيدة بلا عزيمة باطلة، والعزيمة بلا عقيدة عاطلة، وما نهض الرجال العظام بالعظائم إلّا بعد أن صفت عقائدهم من شوائب الشك والتردد، وصحت عزائمهم على العمل النافع. هناك في الحدود الفاصلة بين مقاطعتي الجزائر وقسنطينة وعلى ضفتي طريق الحديد الواصلة بينهما، وعلى مقربة من مضيق (أبواب الحديد) ذات الذكريات الأليمة في احتلال الجزائر، هناك أرض جدباء إلا من شجيرات التين والزيتون، وجبال جرداء إلّا من قزع من الصنوبر كقزع السحاب هنا وهناك، وفي تلك الأرض المتطامنة الظمأى إلى الماء والعلم تقع قرية (أولاد سيدي إبراهيم) مكتنفة من الغرب بجبال وانوغة ومن الجنوب بجبال المنصورة، ومن الشرق بآكام مزيتة ذات المحل والنحل، ومن الشمال وبعض الشرق ببني منصور وبني عباس، تنفحها شماريخ (جرجرة) العاتية بالنسيم الرطب في القيظ، وتلفحها بقر الثلج في الشتاء. ومن تلك القرية نفر شاب قبل عقدين من السنين إلى قسنطينة يتلقى العلم على عبد الحميد بن باديس، ويقتبس من دينه وخلقه وأدبه ويتخرج على يديه في مناهج خدمة الأمة، ذلك الفتى هو الشيخ سعيد البابي، وتلك هي نيته فيما هاجر إليه، فبماذا رجع إلى قومه؟ رجع- كما رجع إخوانه من تلامذة الإمام- داعيًّا قومه إلى هدي الكتاب والسنة والأخذ بأسباب الحياة العزيزة، فعرفه من عرف وأنكره من أنكر، ولكن العقيدة الصحيحة إذا ظاهرتها العزيمة الصحيحة أتتا بما يشبه الخوارق، فقد رأينا في الأيام الأخيرة أثرًا من آثار العقيدة والعزيمة أكبرناه، وهو أن تلك الفئة القليلة التي تأثرت بمبادىء جمعية العلماء من

стр. 758

أولاد سيدي إبراهيم- انتشرت في ظاهر القرية في مجاميع من البيوت تغرس في كل شبر صالح من الأرض شجرة تين أو شجرة زيتون، وتقوم على تربية النحل واستنتاج المعز، وتبتعد عن لغو القرية وملهياتها وسفاسفها، فتنصرف جهودها إلى الجد والعمل الناقع، وهذا - لعمر الحياة- هو السبيل القويم في الحياة. وفي هذه السنة تعلو هممهم درجات، فيخطون الخطوة الموفقة إلى تشييد مدرسة عظيمة بعد تشييد المسجد، في بقعة وسط بين تلك المجاميع من البيوت، ولم يكتفوا بالمدرسة الأم، حتى فتحوا لها فرعًا في جيزة الوادي وسط مجموعة أخرى من البيوت ليخففوا العناء على الأولاد الذين تبعد منازلهم عن المدرسة الكبيرة وهم عازمون على بناء فروع لكل مجموعة متقاربة، فلو رأيتهم في وقت العمل يبنون متعاونين ويجمعون الحجر إلى الحجر والفلس إلى الفلس والرأي إلى الرأي، ويقسمون الاختصاصات على أصحابها لرأيت مثالًا عجبًا من التعاون كأنهم أخذوه عن النحل الذي حذقوا القيام على تربيته وتدبيره، وغير عجيب أن يأخذ الإنسان المكتسب عن الحيوان غرائزه الخلقية. إنني معجب بهذه الفئة الصالحة، داع لها بالتوفيق والتسديد، راج لجماعاتنا العاملة للعلم أن يكون حظها في التعاون عليه كحظ جماعة سيدي ابراهيم.

стр. 759

برقية تأييد لمطالب التلامذة الزيتونيين * أرسل رئيس جمعية العلماء البرقية التالية تأييدًا للطلبة الزيتونيين في مطالبهم التي أضربوا من أجلها، وتنويها بأحقية تلك المطالب، واستنكارًا للمواقف الرخوة التي تقفها الحكومة من الطلبة، وقد وجه البرقية إلى لجنة صوت الطالب الزيتوني وإلى شيخ الجامع الأعظم وإلى الجريدتين اليوميتين بتونس: "النهضة" و "الزهرة" ونص البرقية: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بجميع شُعَبها ومؤسساتها العلمية واتباعها- تؤيد بكل قواها مطالب التلامذة الزيتونيين، وتعطف عطفًا لا حد له على قضيتهم وترجو أن يكون اضرابهم المشروع موصلًا إلى الغاية التي يرجونها ونرجوها لهم، وتستنكر تصامم الحكومة - إلى هذا الحد- عن إجابة رغائبهم. وجمعية العلماء تعتقد أن العصر عصر الأجد الأنفع من النظم والعلوم، لا عصر الجمود على العادات الموروثة، وأن تباطؤ الحكومة في تنفيذ مثل هذه الرغائب معناه ربط الشعوب بقديم من تلك العادات أثبت الزمان عدم صلاحيته، ووقوفه في طريق التطوّر، وقد كانت هي من النابذين له والعاقبة للحق وللصابرين عليه. قلوبنا وأفكارنا والسنتنا وأقلامنا مع أبنائنا الزيتونيين. محمد البشير الإبراهيمي

стр. 760

الوعظ في رمضان * الوعظ الديني من وظائف جمعية العلماء، وبه بدأت حركتها العظيمة، ومن طريقه توصلت إلى شواعر الأمة فحركتها إلى الإصلاح والاهتداء بالكتاب والسنة، وإلى العلم والتعليم. ولجمعية العلماء سنة حميدة جرت عليها منذ نشأت، وهي تخصيص شهر رمضان المبارك بعناية زائدة في الوعظ والإرشاد لأنه شهر عبادة، ولأن نفس المسلم فيه تتفتّح للخير، وعقله يستعد لتلقي كلمة الحق، ولأن الشيطان لا يصفد فيه حتى يزرع بذور الشر في نفوس المسلمين، فيهيؤها إلى بدع رمضان المعروفة وإلى تلك الأخلاق التي تلازم ضعفاء الإيمان والإرادة في أيام الصوم، وإلى الاستخفاف بحرماته. تدعو جمعية العلماء رجالها في كل عام إلى القيام المنظم بدروس الوعظ والتذكير في أمسيات شهر رمضان وفي لياليه فيقومون بذلك الواجب على أكمل وجه، وقد رأت في هذا العام أن تتوسع في هذا الباب، وتعممه ما استطاعت بالإكثار من مراكز الوعظ، وأن تتقدم إلى وعاظها بالتوكيد على أن يطرقوا مواضيع الأخلاق الإسلامية والتربية الإسلامية معتمدين على آيات الكتاب التي يفهمونها فهمًا صحيحًا وعلى الأحاديث الصحيحة وعلى السيرة النبوية الثابتة، وأن يخصوا بالعناية مواضيع التربية الاجتماعية، وأن يشددوا النكير على البدع التي تفشو في رمضان. وها هي ذي قائمة المشائخ الوعاظ الذين عينتهم جمعية العلماء، وبيان مراكزهم، وعلى أبنائنا رجال الجمعية أن لا يعتبروا هذا تخصيصًا، فعلى كل مستقر في قرية قادر على التذكير ممن لم نذكر أسماءهم- أن يعمر هذا الشهر العظيم بالدروس الدينية.

стр. 761

فتح جامع "الحنايا" ومدرستها * تقديم أحمد بن ذياب ــ هل الفلسفة في خدمة الأدب أو الأدب في خدمة الفلسفة؟ أما الأدب ففن ثابت الأركان، باسق الأغصان، قوي الدعائم، محفوظ الأصول، ثري الرج والغلة، نهدف إليه لأنه في ذاته غاية سامية، ونريده لأنه تراث روحي خصيب، وتخفق إليه قلوبنا لأنه كنه الحياة، ولغة التعبير الصادق عن جمالها الباهر، وجلالها القاهر، لهذا نربأ به أن يكون وسيلة وهو الغاية، وخادمًا وهو المخدوم، ونطمح أن نراه رفيقًا للفلسفة، يساعدها وتساعده، ويفتح لها أبوابًا ما كانت لتهتدي إلى فتحها لولا مقاليده، وتعرج هي به إلى سموات لا تواتيه أجنحته على الصعود إليها لولا منطقها وحكمتها. فنحن نرى أن كل فلسفة- أيًّا كان نوعها- عاطل إذا لم يحلها الأدب، وإن كل أدب - مهما علا- رخيص إذا لم تغل الفلسفة قيمته. ومن هنا كان الإبراهيمي مفخرة الجيل، وآية الدنيا، ومنة القدر على العربية وأدبها وفلسفتها، وأحد العباقرة الذين يفرضون خلودهم على الأيام فهو العالم الديني الممتليء الجوانب من روح الشريعة وفقه أسرار الدين، وهو الفيلسوف الاجتماعي الذي لا يشق له غبار، وهو المربي الخبير بمواطن الرشد ومزالق الغي، أما التاريخ وقصصه وعبره، وأما الأدب وعصوره وشعره ومنثوره، وأما اللغة وغريبها ومأنوسها وتاريخ أطوارها، فهو في هذه كلها كما قيل: "حدث عن البحر ولا حرج"، وتمم الله عليه نعمته فآتاه حافظة موعية وذاكرة واعية، وأكمل له أدوات العالم الأديب الفيلسوف. أنت كلما استمعت إليه يخطب، أو أصغيت إليه وهو يحاضر، أو قرأت له ما يكتب، أو جلست إليه في حلقات الدروس هالك منه الأسلوب الرائع والبرهان الساطع، ولم تعد

стр. 762

تدري من أية النواحي يتملكك العجب؟ أمن فصاحة لسانه؟ أم من بلاغة كلامه؟ أم من توليد المواضيع وسبكها؟ أم من أزهار المعاني تتفتق عنها أكمام الألفاظ المنتقاة؟ أم من طواعية اللغة للسانه وطواعية لسانه للغة؟ ورأيت كيف يستخدم الأدب الفلسفة، وكيف تستعين الفلسفة بالأدب، فيجريان كفرسي رهان من شباة قلم الإبراهيمي الجبار، أو من لسانه القئول الصئول، ورأيت كيف تكون روعتهما مسخرين لخدمة الحق، مؤيدين للحقيقة، ناصرين لجنود الخير، وقلت معي: سبحان الذي يؤتي الحكمة وفصل الخطاب من يشاء ويحرمهما من يشاء. أقدم هذه الكلمة بين يدي محاولة أرجو أن أوفق فيها إلى تقديم شبه صورة للخطاب الجامع الذي ألقاه الأستاذ الرَّئِيسُ الإبراهيمي غداة افتتاح مسجد قرية "الحنايا" ومدرستها، وإني- حين آمل متابعة الأستاذ في اختصار أو اختزال ما يلقي- لواجد عنتًا كبيرًا، فقد شكا الشاكون قبلي ممن حاول مثل ما حاولت أنهم يؤخذون بروعة المسموع عن مواصلة الكتابة لأن معانيه كلها أبكار، ومواعظه كلها حكم نفيسة، وحكمه كلها غوال، وأطرافه- إن كان لكلامه أطراف- كلها طرائف نادرة. وقد اعتمدت في هذه المحاولة على ما سجله الشيخان عبد الوهاب بن منصور وعبد الرحمن غريب مضافًا إلى ما سجله قلمي الضعيف الواني، فإن قاربت الإصابة فالفضل لهما، وإن قصرت فالوزر علي وحدي ... قال الأستاذ العظيم- بعد الجمل التي اعتاد أن يفتتح بها خطبه ودروسه في الثناء على الله والصلاة والسلام على رسوله-: أيها الإخوان، أيها الأبناء: إنني كلما استعرضت حال هذه الأمة في فكري، أو عرضت نفسها على عيني قصدًا في المحافل، أو عفوًا في المجامع والأسواق- تلوح لخاطري آية من كتاب الله تنطق بسننه المطردة في الأمم والقرون، وقد لاح لي عندما اعترضتني اليوم هذه الجموع الحاشدة، بل هذه الوفود الراشدة، في أقصى القرية- آية هي من دلائل قدرة الله على البعث الأخير، ومن الحجج الدامغة على منكريه ولكنها- مع ذلك- قريبة الخطور في أذهان المتفائلين مثلي بالبعث الأول في هذه الحياة الدنيا. تلك الآية هي قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾. لاحت لي آية البعث من القرآن عندما لاحت لي آية الانبعاث منكم، فأجلت بصيرتي في الأولى، عندما أجلت بصري في الثانية، فما زادت الثانية الأولى إلّا تمكينًا وتثبيتًا، ولم

стр. 763

يصرف ذهني عن التدبر فيهما، والاعتبار بهما، والإيمان بحقيقتهما- هذه المناظر الخالبة للعقول، الفاتنة للأعين، ولا هذه الأصوات المتصاعدة بالتكبير والتهليل، ولا تلك المتعالية من حناجر النساء بالزغردة والتأهيل. أيها الإخوان، أيها الأبناء: إن موت الأمم، وحياة الأمم، لفظان مطروقان مستعملان في نصابهما من الوضع اللغوي، كموت الأرض بالقحط، وحياتها بالغيث، لا ينبو بهما ذوق ولا منطق ولا فهم، وإن معناهما لأوسع وأجل من معنى حياة الفرد، وموت الفرد، هذه حياة محدودة، وموت لا رجعة بعده إلّا في اليوم الآخر، وتلك حياة ممدودة الأسباب ينتابها الضعف فتعالج، ويلم بها المرض فتداوى، ويطرقها الوهن فتقوى، ويدركها الانحلال فتشد، ويعرض لها الانتقاض فترمم، وتظلم آفاقها بالجهل فتنار بالعلم. طالما قال القائلون عن أمتنا: إنها ماتت وطالما فرح الشامتون بموتها، وطالما نعاها نعاة الاستعمار على مسمع منا، وأعلنوا البشائر بموتها في عيدهم المئوي فعدوه تشييعًا لجنازة الإسلام الذي هو مساك حياة هذه الأمة في هذا الوطن، فقالوا: ماتت لا رحمها الله، وصدقهم ضعفاء الإيمان منا فقالوا: ماتت رحمها الله، وقلنا نحن: إنها مريضة مشفية، ولكن يرجى لها الشفاء إن حضر الطبيب وأحسن استعمال الدواء، فحقق الله قولنا، وخيب أقوال المبطلين وكذب فألهم، فحضر الطبيب في حين الحاجة إليه، وأذّن بالإصلاح في آذان المريض فانتفض انتفاضة تطايرت بها الأثقال، وانفصمت الأغلال، وكان من آثارها هذا اليوم الذي لا يصوره الخيال والوهم، وإنما يصوره العيان والواقع. فإذا بقي في الدنيا ممسوس، يكابر في المحسوس، ولا يصدق بوجود هذه الأمة، ولا يؤمن بحياتها، فقولوا له: تطلع من هذه الثنايا على قرية الحنايا، وقارن يومها بأمسها، يراجعك اليقين، ويعاودك الإيمان. قلنا في هذه الأمة- وما زلنا نقول: إن عوارض الموت وأسبابه كلها موجودة فيها من الجهل والفقر والتخاذل وفساد الأخلاق واختلاف الرأي وفقد القيادة الرشيدة، وقلنا- مع ذلك- وما زلنا نقول: إنها مرجوة الحياة ما دام مناط الرجاء فيها سالمًا صحيحًا، ومناط الرجاء هو نقطة من الإيمان ما زالت لائطة بالقلوب، وصلة بالقرآن ما زالت مرعية في الألسنة، وإن هذا الرجاء معلق بخيط دقيق لا نقول انه كخيط العنكبوت، ولكننا نقول: انه أقوى من السلاسل الحديدية، إذا أمده الاستعداد والتدبير الرشيد. هذه النقطة هي مبعث القوّة ولو بعد حين، وهي مكمن السيادة والعزة ولو في الأخير، والسبق يعرف آخر المضمار.

стр. 764

من أطوار هده الأمة في التاريخ أن اختلف ملوكها وقادتها وساستها، وذاقت من خلافهم الشر والبلاء، واختلف علماؤها في الدين فكان خلافهم وبالًا على الأمة، وتشتيتًا لشملها، وصدعًا لجدار وحدتها، وقطعًا لما أمر الله به أن يوصل من أرحامها، ثم فر العلماء من الميدان وتركوه للأمراء المستبدين، ثم ألقى الأمراء المقاليد في أيدي السفهاء من الأنصار والذرية والأتباع، وكل أولئك قد فعل في هذه الأمة ما لم يفعله "نيرون"، وكل تلك الأعمال قد أثرت في أخلاق الأمة التأثير العميق وسكت العلماء أذلة وهم صاغرون، يرون الحق مهضومًا فلا ينطقون، والمنكر فاشيًا فلا يغيرون ولا ينكرون، وهيهات بعد أن تنازلوا عن حقهم طائعين. يقع ذلك كله في كل طور من الأطوار التاريخية حتى يبتلى المؤمنون، ويظنوا بالله الظنون، وإذا بذلك العرق يتحرك، وإذا بتلك الانتفاضة تعرو، وإذا بالأمة قائمة من كبوتها، تذود قادة السوء عن القيادة، وعلماء السوء عن الامامة، وتنزل دخيل الشر بدار الغربة. جربنا فصحت التجربة، وبلونا فصدق الابتلاء، وامتحنا فدل الامتحان على أن عرق الإيمان في قلوب هذه الأمة كعرق الذهب في المنجم كلاهما لا يبلى وان تطاولت القرون، ثم جلونا هذا العرق في عمل ثلاثين سنة خلت فإذا خصائصه الطبيعية لم تتغير. هذه الأمة كبا بها الزمن وأدارها على غرائب من تصاريفه حتى أصبحت عونًا له على نفسها، وترصد لها العدو كل غائلة، ففتنها عن دنياها حتى سلمت له فيها، ثم فتنها عن دينها حتى كادت تتلقاه عنه مشوها ممسوخًا، وأحاطت بها خطيئاتها من كل جانب فجنت على نفسها بما كسبت أيديها من سوء الأقوال، وفساد الأعمال، ولكن ذلك العرق المخبوء في تلك المضغة يتحرك فيأتي بالعجائب. هذا تطور شهدناه في تاريخ الأمة الجزائرية الحديث، كما شاهدناه في تاريخ أسلافها وجيرانها، وما هذا المنظر المعجب المطرب بآخر منظر في رواية التاريخ. أيها الإخوان، أيها الأبناء: إن يومكم هذا قد تعاظم حتى كاد ينسي الأيام الغر التي سبقته في تاريخ نهضتكم العلمية، فلا تنسوها، ولكن تناسوها، لا تنسوها فلولاها لما كان هذا اليوم بهذه العظمة، وتناسوها لئلا تغركم فتقعد بكم عن تكرار أمثال هذا اليوم بأكمل منه وأعظم روعة منه. عدوا هذا اليوم فاتحة لأيام علمية أزهر وأعطر، وأفخم وأضخم، عدوه كالبسملة من لوح القارىء، عدوه مقدمة لكتاب متعدد الأسفار، انفخوا فيه من الأعمال، لا من الآمال، اجعلوه نموذجًا لأيام المستقبل، وطالعًا من طوالع سعودها، وأعيذكم أن يقصر بكم النظر فتجعلوه ختامًا لأيامكم القريبة، من يوم "الغزوات" إلى يوم "ندرومة" إلى يوم "وهران" إلى

стр. 765

يوم "بسكرة" إلى يوم "جيجل" بالأمس القريب- لا تجعلوه ختامًا وإن كان مسكًا فإن المسك تذهب به الرياح، وليومكم ما بعده، له يوم "سطيف" ويوم افتتاح مدرسة "بسكرة" ويوم افتتاح مدرسة البنات بـ "جيجل" وأيام أخر، كلها غرر. هذا اليوم من الأيام التي تلتقي فيها قلوب الأمة الواحدة على غرض واحد شريف، وأيديها على عمل واحد مفيد، وإن كل من حضر هذا الحفل العظيم، وكان في قلبه مثقال ذرة من حب المصلحة العامة، أو كان في قلبه شيء من الاعتزاز بالمجد القومي، وكل من شاهد مشهدنا هذا وكان في قلبه فتيل من إيمان- فإنه لا يخرج من هذا المشهد إلا كيوم ولدته أمه طاهر القلب طاهر الضمير طاهر اليد واللسان، نقي الفؤاد من هذ الأمراض التي زادتنا ضعفًا على ضعف وساقتنا إلى الأسر فالموت. إن فخر هذا اليوم ليس لهذه القرية وحدها وإنما هو فخر الوطن الجزائري، وليس لمصلحي الحنايا الذين صبروا حتى أراهم الله عاقبة الصابرين، وإنما هو للأمة الجزائرية كلها يعم حتى المثبطين والمعاكسين والهادمين، إننا قوم نبني للأمة ولأبناء الأمة، وإنا لنعلم أن فيها من يحاربنا ويفتري علينا العظائم ويسعى جهده ليهدمنا وما بنينا، وحسبنا ردًا عليهم أننا نعمل وهم يقولون، وأن في هذه القرية نفسها مرضى جمود وصرعى خرافة، وأذناب استعمار وأنهم يودون لو هدموا ما شيدنا، ونحن نقول لهم: عفا الله عنكم- أيها الإخوان- وهداكم، لو تعقلتم قليلًا لعلمتم أن التاريخ حين يكتب هذا اليوم لا يسجل فخره خالصًا لنا، وإنما ينسبه إلى قرية "الحنايا" وأنتم منها، وأن الوفود إذا رجعت إلى أوطانها وشادت بهذا العمل الجليل نسبته إلى سكان "الحنايا" وأنتم منهم، وإنما للعاملين حظهم من الثناء والحمد، فكونوا مع العاملين تقاسموهم تلك الحظوظ من حسن الذكر، وذخيرة الأجر. أيها الإخوان، أيها الأبناء: لا تظنوا أن الحياة المعنوية التي نسعى لها اليوم بأقوى أسبابها وهو العلم هبة تنزل من السماء، وإنما هي شيء كسبي يناله الجاهدون، ويحرمه الراقدون، فاعرفوا هذه الحياة وافهموها، واجعلوا وسيلتها الأولى العمل الصالح، وارجعوا فيها إلى كتاب الله وسنة نبيه، وخذوها بالمحاذاة والتلقين والاتعاظ بأحوالكم الماضية وأحوال الأمم قبلكم، فإذا عرفتم هذا النوع من الحياة طلبتموه واذا طلبتموه وجدتموه، وإذا وجدتموه سعدتم به وأسعدتم. إن الحياة بلا سعادة قدر مشترك بيننا وبين النمل على ضعفه، والحمار على ذله وخسفه والجمل على إذلاله وتسخيره، فإذا كنتم اليوم تسمون أحياء، فمن هذا النوع. لا تفرحوا بحياتكم هذه، فإنكم أشقياء بها، وإن العاقل لا يرضى بهذا النوع من الحياة التي لا سعادة فيها ولا شرف، وإن سكوتنا عليها واطمئناننا إليها يعدّ قدحًا في تعقلنا، ولوكنا عقلاء حقًا

стр. 766

لما بكينا على ميت فارق هذه الحياة، ولا فرحنا بمولود يستقبل هذه الحياة ... لوكنا عقلاء حقا لعكسنا هذه القضية وتبادلنا التهاني على الموت، لأن الميت خفف ثقلأ على نفسه وأهله وعشيرته وأمته، ولأن الحي امشراح من عضو أشل كان يئوده كما تئود اليد الشلاء صاحبها، فمن الخير له قطعها بعد أن أصبحت لاكاسبة ولاكاتبة، ولوكنا عقلاء حقًا لما تهللنا للمولود منا يستهل على ما نحن فيه من حياة باثسة، ولو أن الجنين في بطن أمه طرقه البريد بخبر من أخبار هذه الحياة التي نحياها وكان له اختيار لآثر البقاء هناك حتى يموت اختناقًا. أيها الإخوان، أيها الأبناء: إن يومكم هذا عنوان على الحياة ورمز إليها، وان هذه المؤسسة المباركة بمسجدها ومدرستها مزرعة للحياة فتعاهدوها بالعناية، وإن هذه المدارس التي تشيد في كل يوم حصون للعربية والإسلام، وهما أساس الحياة السعيدة، وإن إخوانكم مصلحي الحنايا قد أروكم مصداق انبثاق القوّة عن الضعف، وتصديقًا لعاقبة الثبات على الحق، وأروكم مثالًا مصغرًا لبداية الحياة، فإن أردتم أن تحيوا فاطلبوا سعادة الحياة، أوْ لَا، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها وأروح، إن حياتنا الحالية أثقال متوالية، فلا ترضوا بزيادة الثقل وخففوا ما استطعتم، والعلم العلم فنعم آلة التخفيف هو. ليت شعري ماذا نورث أبناءنا من هذه الحياة بقسميها المادي والمعنوي؟ أنورثهم الأرض؟ وليس بأيدينا شيء منها، أم نورثهم المال؟ ونحن أفقر من عليها؟ أم نورثهم الدين وحقائقه وآدابه؟ وقد نبذناه ظهريًّا، واتخذناه سخريًّا، وغطيناه بالبدع والأوهام، أم نورثهم الحب والتآخي؟ وبعضنا لبعض عدو، يتجسس عليه ولبيعه بالثمن البخس، ولحسده على ما لا يتحاسد عليه العقلاء ولا المجانين. هذه هي الحقيقة، ومن أخبركم بغير هذا فقد غشكم وكذبكم. أنتم تزعمون أنكم تحققون حكمة الله من الزواج، ولكنكم لم تفقهوا الحكمة وما دمتم لا تفهمون الحال، فلن تفقهوا المآل، وما دمنا في غمرة ساهين، وعن الحقيقة لاهين، فكذب ما تخبر به الألسن في قول الناس: (انهم بخير). وما دمنا نعتقد أن حياتنا حياة، وأن ديننا هو دين محمد بن عبد الله ﷺ ، وما دمنا لا نتصور أحوالنا كما هي في حقيقتها- فإننا بعداء عن النجاح. أما إذا رجعنا إلى العقل الصحيح نستشيره، وإلى الدين الصحيح نسترشده ونسير على هديه، وإلى الناصحين منا نأتم بهم- فليوشكن أن يغير الله ما بنا بعد أن غيرنا ما بأنفسنا، وأخذنا بالأسباب نتذرع بها للمسببات، ونبذنا التواكل الذي ينافي الدين والدنيا كمن طمع في الحصاد وهو لم يزرع، أو في الأولاد وهو لم يتزوج.

стр. 767

هذه هي حالتنا التي يجب أن نتواصى بتفهمها لنقوى على علاجها لأن ما نحن فيه ليس موتًا، وإنما هو مرض عضال. هذه هي القرية التي أحياها الله بالعلم، بعد أن استيأس الناس من حياتها، وستبقى حية قوية لأن حياتها مستمدة من الروح لا من المادة وحياة الروح والعلم لا يدركها الفناء، وكأن الله تعالى ضرب المثل بهذه القرية الضعيفة للمعتبرين، وأقامها حجة على المتخلفين. أيها الإخوان، أيها الأبناء: وهذه الوفود الكريمة قد أقبلت من أطراف العمالة زمرًا تعاون على الخير وتشد أزر العاملين، وتبتهج بعيد الدين والعلم، وتصدق قول نبينا: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمِثْلِ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». فقد اشتكى إخوانهم عوزًا في المال ونقصًا في القدرة على الإكمال، فتداعوا إلى العون، وسنرى منهم ما يشرح الصدور ويقر الأعين. وإذا كان فيكم من سعى من بعيد فقد قطعتُ إليكم جميعًا ألف ميل في ليلة واحدة، من بجاية مدينة العلم والتاريخ، إلى تلمسان مدينة العلم والتاريخ إلى بنتها ومحجورتها "الحنايا"، وإذا تقاربت القلوب واتحدت المقاصد طويت الابعاد وهان السفر وعناؤه. حدانا حاد واحد، هو أغنية العلم، وساقنا سائق واحد هو داعي العلم، ولقد ساقني وساق "سائقي" إليكم شعور صادق يجمعنا جميعًا وهو الفرح والاستبشار بهذه المقدمة التي ستكون لها نتائج، والإعانة والتأييد لفئة صالحة تجمعنا بها وشائج وأي وشائج، وإنني أتوسم الوجوه فأرى فيها المثنى والمثلث، وأعني بالمثنى من حضر العام الماضي في فتح مدرسة "ندرومة" وحضر هذه السنة في هذا المشهد، وبالمثلث من حضر العام قبل الماضي فتح مدرسة الغزوات، وحضر في العام الماضي فتح مدرسة "ندرومة" وهذا العام في هذا المشهد، أطال الله أعماركم لحضور المشهد الرابع في وهران والخامس وما بعده في غيرهن. وما هذه سنوات، وإنما هي مراحل نقطعها إلى إسعاد الأمة وإعزازها، ونستدع ما فيها من نصب ولغوب بالفيض الرباني الذي يغمر الأرواح الطاهرة، والنفحات الإلهية التي تهب على قلوب المؤمنين فتنتعش. وسيشهدنا الله مشاهد أخرى أهم وأعظم، وسنقطع مراحل أوسع وأمجد، وإني في كل هذه التنقلات المتعبة أتسمع كأن هاتفًا من وراء الغيب يقول: إلى أين؟ ... إلى أين؟ .... فأجيبه؟ إلى الحياة العزيزة ... إلى تمكين سلطان القرآن .... إلى إحياء البيان العربي .... إلى الجنة ....

стр. 768

والله أرحم من أن يتركنا سدى، وأرأف من أن يكلنا إلى سيآتنا، حقق الله رجائي ورجاءكم، ويرحم الله عبدًا قال آمين. فانطلقت عند الجملة الأخيرة ألوف الأصوات تدوي من المسجد ورحابه ومن الشوارع المكتظة والدكاكين، تجيب في صوت واحد: آمين آمين. هذه هي الصورة التي استطعت أن أنقلها إليك أيها القارىء العزيز وقد حاولنا المحافظة على ألفاظ الأستاذ كمن يحافظ على الدرر الغوالي فأفلت منها الكثير فحافظنا على المعنى جهدنا، أما ما ضاع لفظه ومعناه فعذرنا فيه واضح، لكم تمنينا لقراء "البصائر" لو كانوا كلهم معنا حتى يتمتعوا بلذة الاستماع للسان العربي المبين، وينعموا بنشوة أخرى من حسن الالقاء وتأثيره، ولأخذوا حظهم من تلك الروعة التي كانت تغمر الاجتماع.

стр. 769

المعهد الباديسي * الأعمال الكبيرة إذا توزعتها الأيدي، وتقاسمتها الهمم- هان حملها وخف ثقلها، وإن بلغت في العظم ما بلغت، والمعهد الباديسى من هذه الأعمال الكبيرة، ويزيد في عظمه أنه في وطن صفر من المال، وأقفر من الرجال، وتعطلت فيه الهمم والذمم، وعقمت أرضه فخلا بطنها من الذخائر، وظهرها من الأخاير، وبعد عهده بالعظائم والمآثر، وخلت صفحاته الأخيرة من الأعاظم والأكابر، ويزيد في عظمته وجلاله أنه وليد نهضة لا تستند إلى حكومة ولا تأوي إلى ركن مالي شديد، فنشأ حرًا طليقًا من القيود العائقة، والمنن المكدرة، يستند على أفضال من الله لا مطففة ولا مغبونة، وعلى هبات من الأمة لا مكدرة ولا ممنونة، وعلى همم من رجال جمعية العلماء لا مقصرة ولا وانية، ومن ورائه ومن أمامه مثبطات من الظلم، تعوق، وكأنها تشوق، وتعد المنايا، وكأنها تعد الأماني. يقوم هذا العمل الجليل، أو الحمل الثقيل على دعائم من الرأي، وقوامه الإدارة، ومن العلم، وملاكه التعليم، ومن المال، ومساكه الأمة، وتتوقف حياته على بقاء هذه الدعائم متساوقة في الغرض، متساوية في الآداء، متماسكة في الحمل، فإذا اختل منها عامل في العمل، أو قصرت أداة في الأداء- اختل التوازن وسرى التعطيل إلى بقية الأجزاء. ... قام المعهد في سنتيه الأوليين على الأخ الأستاذ الشيخ العربي التبسي فيما يرجع إلى الإدارة والتسيير، وهما الوصفان المقومان لروح المعهد، وما سواهما الجسد، فطوى مراحل كثيرة من التقدم في مرحلتين، والأستاذ التبسي كما يعرفه الناس- مثل شرود في صحة

стр. 770

العلم، وثبات العمل وفي الإخلاص والجد والصرامة ومتانة الخلق وقرطسة الغرض، وفي الانقطاع لخدمة هذه الأمة التي قل خادموها، وكثر هادموها، فلما ألح عليه المرض وتواترت العلل، وأضناه الجهد، تنزى الاشفاق عليه والإشفاق على المعهد في صدور إخوانه، وتَجارَيا إلى غاية، فكان الإشفاق عليه أغلب، والنظر في تخفيف العناء عنه أصوب، فقام مقامه الأخ الأستاذ محمد خير الدين في إدارة المعهد وتسييره هذه السنة الثالثة نائبًا عنه، عاملًا باسمه، راجعًا إليه في الكليات، واستخدم الأستاذ خير الدين في الإدارة عقله وأناته وعمقه، فتكشف عن نشاط موفور، وفر عن كفاءة مدخرة، وتشظى عن مواهب كالجواهر صفاء ولألأة، وجلى في ميدان العمل وبرز، وما زال هذا الطراز الأول من رجال جمعية العلماء كالمذكيات في الحلبة، جريها غلاب، وما يزالون كالسيوف المأثورة تروع مغمدة ومصلتة. وكأن الأخ التبسي عاهد الله أن يلقاه مقبلًا غير مدبر في ميدان الجهاد العلمي، فهو - مع اضطراب صحته، ومع اضطلاع الأخ خير الدين بما حمل من شؤون المعهد- يتعهد المعهد بنفسه، ويشارك برأيه في كل شأن يجد وفي كل حادث يلم، وما زالت تومض على المعهد طوال السنة إشراقات من آرائه الصائبة، وتتوالى عليه إمدادات من توجيهاته السديدة، عجل الله له الشفاء، وأسبغ عليه أردية الصحة والعافية، وأقر به عين العلم والإصلاح، وشد به أزر إخوانه الذين لا يستغنون لحظة عن رأيه وعلمه. **** أما كاتب هذه السطور فهو مشارك لإخوانه كلهم في ما تخصصوا له من شؤون المعهد، يسعى بذمتهم وهو أدناهم، ويحمل مع كل واحد منهم جزءًا من كله، بالرأي في الإدارة، وبالإرشاد في التعليم وبالدأب المتواصل في دلالة الأمة على هذا المشروع العظيم حتى تصوب إليه قلوبها، وتصب في سبيله جيوبها، وكان كلما تجهم في المعهد جو عاجله بالبشر والإيناس، وكلما ضاقت برجاله حيلة عالجها ببسط الأمل، ومن صحب الدنيا بغير هذه الخلال ضاق به رحبها، وكان مع هذه الأعمال الخالصة للمعهد لا يضيع حقًا من حقوق الجمعية ومدارسها وصحيفتها ومشاريعها المتشعبة، يمده في ذلك كله عون من الله واطمئنان من الضمير بأداء الواجب إلى أن طافت به في أخريات هذه السنة مضنيات من الأمراض، ومنهكات من الأتعاب فأقعدته عن تلك الواجبات الثقيلة، واثقلها تدبير الأموال اللازمة للمعهد، وحالت بينه وبين أحب شيء إليه وإلى القراء وهو الكتابة في "البصائر" حتى كادت تتداعى دعامة من دعائم المعهد، وهي الدعامة المالية، لولا لطف الله. ***

стр. 771

يعد الاخوان كلهم، والأمة من ورائهم- تفضلًا منهم ومنها- هذا العاجز هو العامل الأقوى في قيام المشاريع العلمية من الناحية المالية وأنا- مع اعتزازي بهذه الذخيرة الثمينة من ثقة الأمة بي، وأمل الإخوان في- أصارحهم جميعًا بأن البناء الذي يقوم على شخص واحد متداع إلى السقوط، وأن الرجاء المعلق على جهة واحدة أيل إلى القنوط، وأنه قد آن للأمة أن تعلم أن هذا البناء الضخم من المدارس والمعاهد التي شادتها بدعوة من جمعية العلماء لا يتم تمامه، ولا ينتهي إلى غايته من الكمال، ولا يؤتي ثمراته بهذه الطرائق الهزيلة ذات الحدود المحدودة في جمع المال، وتلك الوسائل التي يوشك أن يملّها الناس فتتعطل المشاريع في لحظة كما يموت الميت بالسكتة القلبية. إننا لا نثق ببقاء هذا البناء متين الأساس، ثابت الأركان، إلّا ببناءآخر من المشاريع ذات الريع القار يحفظ حياته، وأن يصحب هذا الجد من الأمة في الإنشاء، جد آخر في الاستمرار، وأن يصحب هذا النظر القصير في المبادىء نظر بعيد في الخواتم، "والأمور بخواتمها". ونبدأ دائمًا في التمثيل بالمعهد، لأنه هو مرجع المدارس وهو المكمل لها، تقدم إليه الأمة أبناءها أطفالًا، وثتقاضاهم منه رجالًا، فهذا المعهد محتاج إلى أبنية كثيرة ليكمل ويؤتي ثماره: إلى دُورٍ لسكنى الطلبة، وإلى أقسام واسعة للدروس، وإلى فروع في العواصم لتقريب العلم إلى الطلاب، وإلى معهد خاص بالبنات المسلمات اللاتي شببن عن طوق التعليم الابتدائي وأصبحن يطلبن المزيد الحافًا، وأصبحنا نلاقي من الحافهن رهقًا، وترافق هذه المراحل للمعهد مراحل أخرى للمدارس، فقد أصبحت تتطلب معاهد واسعة للتعليم الثانوي تصل الخطوة الأولى الطبيعية بخطوة ثانية ضرورية، وأصبحت تتطلب معاهد لتخريج المعلمين، ما دامت معاهدنا العليا من الأزهر إلى القرويين تخرج لنا المعلم لا المربي، وما دامت مقصرة في إمدادنا بالكفاية والكفاءة ... وهذا البناء الضخم- إن تم- يفتقر إلى بناء أضخم منه، يتألف من مشاريع مالية دارة ذات ريع منظم مضمون، تلتقي في الغاية مع الوقف عند أسلافنا، وتزيد عليه بنظام العصر وألوانه، وتحفظ على المشاريع العلمية استمرار الحياة وقوتها وكمالها. سيقول القانعون باليسير من جبناء العزائم وقصار النظر، المكتفون بالمخايل، وهي سراب، عن المعصرات، وهي شراب، ان هذا هول هائل، وقول لا تسعه إلّا لهاة القائل، ومرام صعب، تضيق به قدرة هذا الشعب، وأنا أقول لهؤلاء القانعين: إنني أخاطب أمة آمنت بالبقاء بعد أن توالت عليها نذر الفناء، وتلقت النداء من دينها وتاريخها فاستجابت للنداء، وأمة هذا شأنها وهذه حالتها- لا يعجزها أن تحقق وجودها واستحقاقها للحياة بهذه

стр. 772

الأعمال، ولا يكثر عليها في شراء الحياة أن تبذل هذه الأموال، ان أمة كانت- وما زالت- تنفق ألوف الملايين فيما يفنيها ويبليها، لا تكتب لها التوبة والتكفير إلّا إذا أنفقت أمثالها فيما يبنيها ويعليها. فإذا اختلطت في آذانها أصوات الباطل بصوت الحق- فمن ملكاتها الإسلامية أن تميز الأذان من المكاء والتصدية بأنه حيعلة إلى الصلاة، وتثويب بالجنة، ودعوة إلى الله .... لجنة المعهد من رجال جمعية العلماء تحمل نفوسًا كبيرة، وان أتعبت في مرادها الأجسام، وقد كانت- وما زالت- حسنة الظن بالله، قوية الثقة بالأمة، عودت الأمة أن تدعوها إلى الخير، وعودتها الأمة أن تستجيب، وما زال حسن ظنها بالله يتجسم حتى أصبح كرأي العين، وما زالت ثقتها بالأمة تعظم حتى أمست كقبض اليد، وقد وضعت يدها على قطعة أرض بظاهر قسنطينة، ذرعها المربع ٢٠ ألف ميتر، وان الرجاء ليحدوها إلى أن تشيد عليها "معهد عبد الحميد بن باديس" بصورته الكاملة التي تمثلها لها الخواطر ... ... والأحلام .... عند ذوي الأحلام ... نيران على أعلام ... فما هو رأي الأمة في تأويل هذا الحلم؟ ...

стр. 773

مدارس جمعية العلماء * تمت السنة الدراسية لمدارس الجمعية منذ شهرين وأجريت الامتحانات السنوية في حينها لعشرات الألوف من تلاميذها من بنين وبنات، وكانت النتائج في المجموع فوق الرضى من فضل الله وعناية المجتهدين من أبنائنا المعلمين الناصحين. وأقيمت احتفالات توزيع الجوائز على الناجحين في أمهات المدارس فكانت كلها بهجة وسرورًا، وقد دعيت إلى الحضور في أكثرها فلم يسعدني الحظ إلّا بحضور احتفالين منها أحدهما في مدرسة شرشال ليلة الخامس والعشرين من رمضان والثاني في مدرسة سطيف ليلة الخامس عشر من شوال فرأيت في كليهما ما سر وأعجب. عاقتني العوائق والأشغال المتراكمة ودروس رمضان وآثار الأتعاب والأمراض في أعصابي عن كتابة كلمة في "البصائر" كالمعتاد أنهي بها أعمال السنة وأهنىء بها جنود العلم العاملين من معلمين وتلامذة، وأدلهم بها على مواطن الضعف، ومواقع التقصير إبلاغًا في النصيحة، وتنبيهًا إلى التدارك، ولكن الأشغال ألحت في التعويق، والأمراض تمادت في الاستشراء، فقطعت البحر طلبًا للاستشفاء لا للراحة والاستجمام، ولو قصدت إلى ذلك لكان لي في جبال الجزائر مهرب ورجعت بعد أربعين يومًا بما كتب الله من نتيجة، فقد ذهبت استطب من مرض السكر فرجعت أشكو ألمًا في الحلق أجمع الأطباء على أن أصله قديم وأنه اتصل بأوتار الصوت وأن عاقبته السكات وأن دواءه السكوت، فليسكت صاحبه مدة ستة أشهر على الأقل، وهل أسكت؟ لا أدري، غير أن الأطباء ليسوا مني على ثقة. رجعت بعد أن راهق زمن فتح المدارس واجتمعت لجنة التعليم العليا تعمل أعمالها للسنة الجديدة وأنا كليل الذهن كليل القلم، فما علي إلا أن أهنىء أبنائى المعلمين على

стр. 774

جهودهم الموفقة في السنة الماضية، وأذكرهم بأن الأمانة المشتركة بيني وبينهم وحق الأمة في عنقي وأعناقهم- لا يقتضيان أن نتسامح وأن نتجامل وأن نتعامل بالعواطف، وما علي في هذه الكلمة العجلى إلا أن أثني الثناء الطيب على أعضاء لجنة التعليم العليا، كفاء لما قاموا به هذا الأسبوع من أعمال جليلة، تفيض على المدارس ونظمها جدة وحيوية وتقدمًا. أما الكلمة الناصحة الواعظة للمعلمين فلينتظروها في العدد الآتي إن شاء الله (١).

стр. 775

الأستاذ إبراهيم الكتّاني * للأستاذ البحّاثة العالم السلفي الشيخ محمد إبراهيم الكتاني، أحد علماء المغرب الأفذاذ المستقلين- مكانة ممتازة في نفوس رجال جمعية العلماء، وصلة روحية قوية بهم من أيام المرحوم الأستاذ الرَّئِيسُ عبد الحميد بن باديس. والأستاذ الكتّاني من المعجبين بحركة جمعية العلماء الإصلاحية، والمتتبعين لأطوارها، ومن العاملين على ربط الحركات السلفية بعضها ببعض تاريخا وعملًا. زار هذا الأستاذ الكريم في الأيام الأخيرة إدارة "البصائر" بمركز جمعية العلماء، ودفعه الوفاء إلى زيارة المعهد الباديسي وقبر صاحبه بقسنطينة. و"البصائر" ورجال جمعية العلماء على اختلاف ميادينهم، يرحّبون بالضيف العزيز من قلوب تحمل له الحبّ والاحترام، ويرجون له إقامة طيبة وأوبة حميدة.
следующие страницы →