← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

يعد الاخوان كلهم، والأمة من ورائهم- تفضلًا منهم ومنها- هذا العاجز هو العامل الأقوى في قيام المشاريع العلمية من الناحية المالية وأنا- مع اعتزازي بهذه الذخيرة الثمينة من ثقة الأمة بي، وأمل الإخوان في- أصارحهم جميعًا بأن البناء الذي يقوم على شخص واحد متداع إلى السقوط، وأن الرجاء المعلق على جهة واحدة أيل إلى القنوط، وأنه قد آن للأمة أن تعلم أن هذا البناء الضخم من المدارس والمعاهد التي شادتها بدعوة من جمعية العلماء لا يتم تمامه، ولا ينتهي إلى غايته من الكمال، ولا يؤتي ثمراته بهذه الطرائق الهزيلة ذات الحدود المحدودة في جمع المال، وتلك الوسائل التي يوشك أن يملّها الناس فتتعطل المشاريع في لحظة كما يموت الميت بالسكتة القلبية. إننا لا نثق ببقاء هذا البناء متين الأساس، ثابت الأركان، إلّا ببناءآخر من المشاريع ذات الريع القار يحفظ حياته، وأن يصحب هذا الجد من الأمة في الإنشاء، جد آخر في الاستمرار، وأن يصحب هذا النظر القصير في المبادىء نظر بعيد في الخواتم، "والأمور بخواتمها". ونبدأ دائمًا في التمثيل بالمعهد، لأنه هو مرجع المدارس وهو المكمل لها، تقدم إليه الأمة أبناءها أطفالًا، وثتقاضاهم منه رجالًا، فهذا المعهد محتاج إلى أبنية كثيرة ليكمل ويؤتي ثماره: إلى دُورٍ لسكنى الطلبة، وإلى أقسام واسعة للدروس، وإلى فروع في العواصم لتقريب العلم إلى الطلاب، وإلى معهد خاص بالبنات المسلمات اللاتي شببن عن طوق التعليم الابتدائي وأصبحن يطلبن المزيد الحافًا، وأصبحنا نلاقي من الحافهن رهقًا، وترافق هذه المراحل للمعهد مراحل أخرى للمدارس، فقد أصبحت تتطلب معاهد واسعة للتعليم الثانوي تصل الخطوة الأولى الطبيعية بخطوة ثانية ضرورية، وأصبحت تتطلب معاهد لتخريج المعلمين، ما دامت معاهدنا العليا من الأزهر إلى القرويين تخرج لنا المعلم لا المربي، وما دامت مقصرة في إمدادنا بالكفاية والكفاءة ... وهذا البناء الضخم- إن تم- يفتقر إلى بناء أضخم منه، يتألف من مشاريع مالية دارة ذات ريع منظم مضمون، تلتقي في الغاية مع الوقف عند أسلافنا، وتزيد عليه بنظام العصر وألوانه، وتحفظ على المشاريع العلمية استمرار الحياة وقوتها وكمالها. سيقول القانعون باليسير من جبناء العزائم وقصار النظر، المكتفون بالمخايل، وهي سراب، عن المعصرات، وهي شراب، ان هذا هول هائل، وقول لا تسعه إلّا لهاة القائل، ومرام صعب، تضيق به قدرة هذا الشعب، وأنا أقول لهؤلاء القانعين: إنني أخاطب أمة آمنت بالبقاء بعد أن توالت عليها نذر الفناء، وتلقت النداء من دينها وتاريخها فاستجابت للنداء، وأمة هذا شأنها وهذه حالتها- لا يعجزها أن تحقق وجودها واستحقاقها للحياة بهذه

стр. 772

الأعمال، ولا يكثر عليها في شراء الحياة أن تبذل هذه الأموال، ان أمة كانت- وما زالت- تنفق ألوف الملايين فيما يفنيها ويبليها، لا تكتب لها التوبة والتكفير إلّا إذا أنفقت أمثالها فيما يبنيها ويعليها. فإذا اختلطت في آذانها أصوات الباطل بصوت الحق- فمن ملكاتها الإسلامية أن تميز الأذان من المكاء والتصدية بأنه حيعلة إلى الصلاة، وتثويب بالجنة، ودعوة إلى الله .... لجنة المعهد من رجال جمعية العلماء تحمل نفوسًا كبيرة، وان أتعبت في مرادها الأجسام، وقد كانت- وما زالت- حسنة الظن بالله، قوية الثقة بالأمة، عودت الأمة أن تدعوها إلى الخير، وعودتها الأمة أن تستجيب، وما زال حسن ظنها بالله يتجسم حتى أصبح كرأي العين، وما زالت ثقتها بالأمة تعظم حتى أمست كقبض اليد، وقد وضعت يدها على قطعة أرض بظاهر قسنطينة، ذرعها المربع ٢٠ ألف ميتر، وان الرجاء ليحدوها إلى أن تشيد عليها "معهد عبد الحميد بن باديس" بصورته الكاملة التي تمثلها لها الخواطر ... ... والأحلام .... عند ذوي الأحلام ... نيران على أعلام ... فما هو رأي الأمة في تأويل هذا الحلم؟ ...

стр. 773

مدارس جمعية العلماء * تمت السنة الدراسية لمدارس الجمعية منذ شهرين وأجريت الامتحانات السنوية في حينها لعشرات الألوف من تلاميذها من بنين وبنات، وكانت النتائج في المجموع فوق الرضى من فضل الله وعناية المجتهدين من أبنائنا المعلمين الناصحين. وأقيمت احتفالات توزيع الجوائز على الناجحين في أمهات المدارس فكانت كلها بهجة وسرورًا، وقد دعيت إلى الحضور في أكثرها فلم يسعدني الحظ إلّا بحضور احتفالين منها أحدهما في مدرسة شرشال ليلة الخامس والعشرين من رمضان والثاني في مدرسة سطيف ليلة الخامس عشر من شوال فرأيت في كليهما ما سر وأعجب. عاقتني العوائق والأشغال المتراكمة ودروس رمضان وآثار الأتعاب والأمراض في أعصابي عن كتابة كلمة في "البصائر" كالمعتاد أنهي بها أعمال السنة وأهنىء بها جنود العلم العاملين من معلمين وتلامذة، وأدلهم بها على مواطن الضعف، ومواقع التقصير إبلاغًا في النصيحة، وتنبيهًا إلى التدارك، ولكن الأشغال ألحت في التعويق، والأمراض تمادت في الاستشراء، فقطعت البحر طلبًا للاستشفاء لا للراحة والاستجمام، ولو قصدت إلى ذلك لكان لي في جبال الجزائر مهرب ورجعت بعد أربعين يومًا بما كتب الله من نتيجة، فقد ذهبت استطب من مرض السكر فرجعت أشكو ألمًا في الحلق أجمع الأطباء على أن أصله قديم وأنه اتصل بأوتار الصوت وأن عاقبته السكات وأن دواءه السكوت، فليسكت صاحبه مدة ستة أشهر على الأقل، وهل أسكت؟ لا أدري، غير أن الأطباء ليسوا مني على ثقة. رجعت بعد أن راهق زمن فتح المدارس واجتمعت لجنة التعليم العليا تعمل أعمالها للسنة الجديدة وأنا كليل الذهن كليل القلم، فما علي إلا أن أهنىء أبنائى المعلمين على

стр. 774

جهودهم الموفقة في السنة الماضية، وأذكرهم بأن الأمانة المشتركة بيني وبينهم وحق الأمة في عنقي وأعناقهم- لا يقتضيان أن نتسامح وأن نتجامل وأن نتعامل بالعواطف، وما علي في هذه الكلمة العجلى إلا أن أثني الثناء الطيب على أعضاء لجنة التعليم العليا، كفاء لما قاموا به هذا الأسبوع من أعمال جليلة، تفيض على المدارس ونظمها جدة وحيوية وتقدمًا. أما الكلمة الناصحة الواعظة للمعلمين فلينتظروها في العدد الآتي إن شاء الله (١).

стр. 775

الأستاذ إبراهيم الكتّاني * للأستاذ البحّاثة العالم السلفي الشيخ محمد إبراهيم الكتاني، أحد علماء المغرب الأفذاذ المستقلين- مكانة ممتازة في نفوس رجال جمعية العلماء، وصلة روحية قوية بهم من أيام المرحوم الأستاذ الرَّئِيسُ عبد الحميد بن باديس. والأستاذ الكتّاني من المعجبين بحركة جمعية العلماء الإصلاحية، والمتتبعين لأطوارها، ومن العاملين على ربط الحركات السلفية بعضها ببعض تاريخا وعملًا. زار هذا الأستاذ الكريم في الأيام الأخيرة إدارة "البصائر" بمركز جمعية العلماء، ودفعه الوفاء إلى زيارة المعهد الباديسي وقبر صاحبه بقسنطينة. و"البصائر" ورجال جمعية العلماء على اختلاف ميادينهم، يرحّبون بالضيف العزيز من قلوب تحمل له الحبّ والاحترام، ويرجون له إقامة طيبة وأوبة حميدة.

стр. 776

رسل الصحافة المصرية في الجزائر * تقديم باعزيز بن عمر ــ وأخيرًا تحققت الأمنية، وخفق القلب بحبّ مصر إذْ تمّ ما أذاعته الصحف ومحطات الإذاعة منذ أشهر من عزم الحكومة المصرية على السماح لثلّة من أعلام الصحافة المصرية بعقد رحلة صحافية إلى ربوع هذا الشمال الافريقي. حلّ الوفد الصحافي المصري بالجزائر بعد أن مرّ بربوع الخضراء سريعًا، فاقتبله بمطار الجزائر وفد من ممثلي الصحف الوطنية وهيآتها ... وكان الوفد يتألف من الأساتذة: حسين أبو الفتح نقيب الصحفيين المصريين ورئيس الوفد، وعزيز بك مِرْزا رئيس تحرير "الأهرام"، وحبيب جاماتي عن دار الهلال، وعبد الحميد يونس عن دار الإذاعة المصرية وهو من أساتذة كلية الآداب بالجامعة المصرية، وجورج زيزوس من شركة الإعلانات الشرقية، وجلال الدين الحمامصي عن "أخبار اليوم"، والدكتور علي الرجال عن "الأساس" لسان حال الحزب السعدي، والسيدة سميرة عبد القادر حمزة عن "البلاغ"، وأنطون نجيب عن "المقطم"، وزكريا لطفي عن "الزمان". في مركز جمعية العلماء انتظم عقد هذا الجمع الحاشد على الساعة العاشرة من هذه الليلة الزاهرة، فوقف الرَّئِيسُ الجليل محمد البشير الإبراهيمي فحيى مصر العالمة الناهضة، وحيى وفد صحفها الراقية باسم الجزائر كلها تحية أودعها من شريف المعاني وبليغ الكلم ما ذكرنا بعهود العربية المشرقة أيام الجاحظ وابن المقفع، وابن زيدون، وابن خلدون، ورحب بوادي النيل كله في شخص وفده الأمين ترحيبًا نبه الأذهان إلى ما لا يزال قائمًا بين مصر والجزائر من روابط اللغة والدين والجنس، رغم ما حاوله ويحاوله المستعمرون من الضرب

стр. 777

بالطمس عليها، وأذكى ببيانه العذب الرائق عواطف الحاضرين، فأبصروا خلال عباراته البليغة ماضي الإسلام والعروبة الزاهر في هذه الديار. فاستمع إلى ما علق بالذهن من شوارد ألفاظة ومعانيه وهو يرتجل خطابه البليغ: "أيها الاخوان الأعزة! إننا نرحب بضيوفنا الكرام، وكلمة الضيف فيها ما فيها من الغربة والتكلف. فإذا ما خاطبت الاخوان بها جريًا على الوضع المألوف فمن المحال أن أخاطبكم بعد الآن بكلمة الضيف. ذلك أن العربي عربي أينما حل، فالعربي المصري في الجزائر عربي، والعربي الجزائري في مصر عربي. أيها الاخوان! كل هؤلاء متشوق إلى رؤيتكم، وقد أبطأتم عنا بنحو ساعة فوجفت القلوب أن يكون الاستعمار قد حال بيننا وبينكم، إذ ليس من المحال في حقه أن يحول بين المرء وقلبه، وبين الابن وأبيه، والأخ وأخيه. أيها الإخوان! إن للشرق ولمصر وبالأخص لفضلًا عظيمًا على الشمال الأفريقي. وإننا ما زلنا نحفظ شيئًا كثيرًا عن تاريخ مصر وأدبها وحوادثها، وفيمن ترون من هؤلاء من يلوكون ألسنتهم بالعربية، ويتبذخون بالتحدث بها عن مصر وأحوال نهضتها، ولا أكون مغاليًا إذا قلت: إن كل هؤلاء يحفظون قصائد لشعراء مصر والشرق كشوقي وحافظ وغيرهما، ويعرفون ما وقع بين طه حسين والرافعي والعقاد، وفيهم من ينظم الشعر على طريقة البارودي. وإن التاريخ ليروي أن علماء جزائريين أخذوا العلم الصحيح عن مصر، فالعلّامة المشدالي الذي ما زالت قريته موجودة إلى اليوم في قرى "زواوة" من هؤلاء أخذ العلم من مصر على النظام المعروف يومئذ، ثم رجع إلى وطنه وبث العلم صحيحًا فيه كما أخذه. أيها الاخوان! إن الاستعمار أراد أن يجوع عقولنا بنزع العلم من صدورنا، فلم يفلح، سلوه فهو أخبث وأخبر بكل هذا، إذ حاول هذا التجويع العقلي والفكري، فقلنا له كلا، إنك لن تستطيع إلى ذلك سبيلًا. فمهما جاعت البطون، وحفيت الأرجل، وعريت الظهور فإننا ما زلنا نحتفظ بعربيتنا.

стр. 778

أيها الإخوان الأعزة أساتذة مصر! كل هؤلاء يمئلون الشعب الجزائري بجميع طبقاته: فيهم المعلّم المجاهد، والسياسي المحنك، والتاجر المقتصد، وفيهم، وفيهم ... وكلهم يستقبلونكم في دار جمعية العلماء، ولو تَرَامَتْ إليهم أخبار رحلتكم في فسحة من الزمن لرأيتم غير ما ترون: رأيتم جموعًا حاشدة ملتفة حولكم هاتفة باسمكم مقرونًا بالإكبار، وباسم مصر مقرونًا بالتبجيل والاحترام. نحيّيكم باسم جمعية العلماء، وإنما نحييكم باسم الأمة الجزائرية المسلمة العربية، فما منزلة جمعية العلماء من هذه الأمة إلّا منزلة القلب من الجسد، شَاءَتْ أو أبتْ، فهي ناشرة محاسن الإسلام فيها، وهي مجلية حقائقه وآدابه فيها، وهي حافظة لسانه المبين فيه. نحيّيكم ونحيّي في أشخاصكم مصر ونوابغها في الأدب والتشريع، وصحافتها الراقية، وأقلامها المشرعة حفاظًا عن الشرق والإسلام والعروبة، وكلياتها التي هي موارد للظماء ومناهل للعلم والعرفان، وشعبها العربي الكريم. فاحتفظوا بنا، واكتبوا عنّا، واصغوا إلينا. أيها الإخوان: قد أطلنا عليكم الحديث، ذلك أن المريض الذي يئنّ قد يأرز إلى تسلية نفسه بهذا، فإن الطبيب مهما كان بارعًا في وصف ألم المريض فلن يصفه إلّا وصفًا علميًا بيد أن المريض مع ذلك أدرى بوصف مرضه وألمه. هذا بعض ما نثره الرَّئِيسُ الجليل من الآيات البينات على مسامع من خفوا إلى مركز جمعية العلماء من ممثلي الأحزاب والهيآت ليحيوا ضيوف الجزائر الكرام. ولولا ما طغى على الذاكرة من الشعور بالجمال والجلال اللذين غشيا هذا المشهد التاريخي العظيم، لاستطاعت أن تثبت للقارىء أكثر من هذا من جولاته ولفتاته التاريخية التي نقلنا على جناحها بعيدًا، فشاهدنا منازل وربوعًا لا تزال تتعطر المجالس بذكرها، وتهفو إليها الأفئدة والأسماع كلما ذكر مجدها الغابر وعصرها الزاهر.

стр. 779

" البصائر" في سنتها الرابعة * بهذا العدد تدخل "البصائر" في سنتها الرابعة من سلسلتها الجديدة على النهج الذي نهجناه لها، وهو اعتبار سنتها خمسة وأربعين عددًا، من غير مراعاة للمدة التي تصدر فيها هذه الأعداد، تقديمًا لمصلحة المشترك قبل مصلحة الجريدة، وإيثارًا للمعنويات على الماديات، وإراغة للمعاني الفاضلة التي منها أن تكون العلاقة بين الجريدة وبين قرّائها علاقة المربّي بتلميذه، لا علاقة التاجر بعميله، ونقضا لتلك العادة المألوفة التي تجري عليها معظم الجرائد، فتعامل المشترك على السنة الزمنية المحدودة باثني عشر شهرًا، وتأتي أسباب التعطيل فتتخوّن من الأعداد بقدرها ويكون الغبن على المشترك، ونحن راضون بهذا المسلك وإن أوقعنا في الضيق والحرج، كما وقع في هذه السنة. قطعت "البصائر" ثلاثة أحوال من عمرها الجديد المديد إن شاء الله معتمدة على الله، معتدّة بنفسها، معتزّة بقرّائها، ناطقة بالحق، قوّامة عليه، حربًا على الباطل والمبطلين، لم تلن لها في مواقفتهم قناة، ولم تهن في منازلتهم عزيمة، ترتفع في أسلوبها حتى تشارف الأفق الأعلى للبيان العربي، وتخفض الجناح- في غير إسفاف- حتى تذلّل قطوفها للجانين من جميع الطبقات، تطرق العقول ببراهينها فتخشع، وتغزو الأفئدة ببيانها فتطرب، حتى كثر المعجبون بها من الخاصة، وكثر المتشيّعون لها من العامة، وإن لديها من شهادات من يعتدّ بشهادتهم من صيارفة الكلام وجهابذة الرأي ما تتباهي به وتفاخر. ...

стр. 780

لم تصب "البصائر" في جميع عهودها بأزمة مالية كالتي وقعت فيها في هذه السنة، ولم تعان من الضيق المادي ما عانت في هذه السنة، فكان ذلك بعض الأسباب في تأخّر سنتها إلى هذا اليوم، فقد امتدّت سنتها الاعتبارية إلى سنة زمنية ونصف سنة. والسبب في هذه الضيقة الخانقة أنه ليس لـ"البصائر" مال احتياطي ترجع إليه في الأزمات، ولا مورد آخر كأجور الإعلان أو الإعانات الفردية، كما هو الشأن في الجرائد التي تعيش على الإعلان، أو تعتمد على صناديق المنظمات أو الإمدادات السخية من الأنصار، فكل أولئك ليس لـ"البصائر" منها شيء، وإنما تعتمد "البصائر" على شيء واحد، وهو قيمة الاشتراك وثمن البيع، فإذا قصر هذا المورد ففي جهود مديرها الخاصة ما يضمن انتظام صدورها واستمراره، ولكن هذه الجهود لا تقوم قاعدة عامة لتسيير مشروع عظيم كجريدة "البصائر". وقد تعففت عن المطاعم المشتبهة، والموارد الكدرة، ولو أغضت قليلًا وترخصت لكانت أغنى جريدة في هذا الشمال، فقد عرضت عليها مئات الآلاف ثمنًا للإعلان عن شيء تسعه الإباحة، ويضيق به المبدأ، فآثرت المحافظة على المبدإ، وعُرض عليها مليونان في السنة ثمنًا للإعلان عن سلعة تتجاذبها جوانب منها المريب، فأعرضت عنها ترفعًا، وعرض عليها نصف مليون ثمنًا لفتيا، فرأت أن هذا المال هو جزء من آلاف الأجزاء مما يؤخذ من الأمّة الإسلامية الجزائرية بهذه الفتوى، فأعرضت عنها، وأن صغار النفوس من الفقهاء ليبيعون مثل هذه الفتوى ببضعة آلاف من الفرنكات. كانت "البصائر" في سنتيها الماضيتين تخرج كفافا لا عليها ولا لها، أو تخرج بقليل من الدين يسدّد من دخل السنة الجديدة، فلما ضربت الأزمة العامة بأرواقها ظهر أثرها على "البصائر" من نصف السنة الماضية متجلّي الأسباب في النقص الملموس في البيع، وفي ارتفاع أجور الطبع وسعر الورق، وفي النفقات غير الاعتيادية كالاشتراك في صندوق المنحة العائلية، وفي متخلفات الباعة، وفي كثرة ما توزّعه الإدارة مجانًا في المبادلات والهدايا للشرقين العربي والإسلامي وللأميركتين الوسطى والجنوبية، وقد بلغ هذا الفصل الأخير أربعمائة نسخة من كل عدد، وهو شيء لازم لجريدة كـ"البصائر"، قيمتها المعنوية في الدعاية إلى العروبة والإسلام، ووظيفتها السامية هي تبليغ الدعوة الإصلاحية لا التجارة والربح المادي، وفي جنب هذه المعاني لا يستكثر أن تنفق ستون ألف فرنك في الشهر على المتخلفات والهدايا. تنفق إدراة "البصائر" على العدد الواحد أكثر من مائة ألف فرنك، فالمبلغ الاعتيادي من النفقات هو خمسة ملايين في السنة على التقريب تُزاد عليها النفقات غير الاعتيادية فيرتفع

стр. 781

المبلغ إلى ستة ملايين تقريبًا في السنة، والحاصل من الاشتراك والبيع لا يفي بهذا المبلغ، ولو كان في صندوق جمعية العلماء فضل من المال لأنفقت منه على "البصائر" وسدّدت عجزها لأنها لسان حالها، ولكن صندوق الجمعية المتكوّن من ذلك المبلغ الطفيف من الاشتراك لا يكاد يقوم بواجبات إدارتها وموظفيها. هذه حقائق نواجه بها قرّاء الجريدة وأنصارها والمعجبين بها، حتى يكونوا على يقين مما نعاني، وحتى نقيم لهم العذر في فتحنا للاكتتاب العام لـ"البصائر" وحتى تكون هذه الحقائق حافزة لهممهم إلى الاكتتاب، وإذا كانوا يعتقدون- كما هو الوائع - أن "البصائر" سدّت فراغًا لا يسدّه غيرها، وأنها أصبحت رمزًا للعروبة بهذا الوطن، وأنها أعلت من قدر الجزائر وأغلت من قيمتها، وأنها مفخرتها الوحيدة فليعتقدوا- مع ذلك- أن لها على كل جزائري حقًا، بل على كل ناطق بالضاد في الشمال الإفريقي. ونحن نعتقد- وأصحاب القلوب الحية معنا في هذا الاعتقاد- أن من جوانب النقص المعيب في الأمّة الجزائرية ونهضتها أن لا تكون لـ"البصائر" مطبعة خاصة، وأن لا تكون يومية، وأن لا تساندها مجلة علمية تخدم مبدأ جمعية العلماء وحركتها الإصلاحية الجليلة. وبينما نحن نشكو هذه الضائقة ونحاول أن نجد لها حلًّا، أو أن نضع لها حدّا، تفاجئنا المطبعة بكتاب رسمي، تنذرنا فيه- مع الأسف- أن الظروف اضطرّتها إلى أن تزيد في أجرة الطبع ثلاثة وعشرين في المائة ابتداءً من الشهر القابل جانفي ١٩٥١. فقلنا: (اشتدى أزمة) فوالله أنها لعزمة منا أن نشتد معك، وأن لا نمكّنك من لسان العروبة فتخرسيه، ومن هيكل الجزائر فتضرسيه، فهل لأبناء العروبة عزمة على المضي مثل عزمتنا؟ ذلك ما سيسجله التاريخ في كتاب، ويشهد له أو عليه الاكتتاب. ... ونحن ... فإننا لم نأس على شيء مما سبّب الفتور لـ"البصائر" ورماها بالعجز والتقصير، ما أسينا على حقوق قد ضاعت، ويعزّ على "البصائر" أن تضيع، وعلى مواقف مرّت مع الزمن، ولم تكن لـ"البصائر" فيها صولة يخرّ لها الباطل صريعًا، أو جولة تذر المبطلين أشلاء، أو كلمة تتنزل بالنصر على إخوان عزّ ناصرهم، وتتهلّل بالبشر مع إخوان لا يجود عليهم الزمان العبوس إلا بيوم ضاحك في السنة، وتفيض بالدمع- وهو أيسر الجزاء وأكبر العزاء- لإخوان عقدت أفراح الطغاة على مناحاتهم، ونزل الظلم القاهر على العتو العاهر بساحاتهم.

стр. 782

من تلك الحقوق التي ضاعت فرصتها، وأجرضت غصتها، حق عيد العرش المحمدي الذي تخفق أكمدتنا فرحًا به قبل أن تخفق أكمدة إخواننا المغاربة، ومنها حق إخواننا الليبيين الذين طلعت عليهم شمس يوم بالفرحة الكبرى فلم نشاركهم فيها، ولم نتقدم إليهم بجهد المقل من نصيحة خالصة هي أثمن ما يهدي الجار إلى جاره، أو دعوة صالحة هي أقل ما يَرْفِد به المؤمن أخاه، ومنها حق إخواننا شهداء "النفيضة" ومأساتهم الدامية، التي لقينا من برحها ما لقيه إخواننا التونسيون، ومنها حق إخواننا الصحافيين المصريين الذين أريدوا على ما يراد عليه الحُرّ الأبي، فاستنكفوا الحمل على الهضيمة، ومنها المؤلفات والمجلات التي تهدى لـ"البصائر" من أنصارها والمعجبين بها من الشرق والغرب، وكلهم آمل أن تقول "البصائر" فيه كلمة، وأن تعرف كتابه وتقدّمه للقرّاء، تقريظًا أو نقدًا، وقد كثرت هذه الهدايا في هذه السنة كثرة دلّت على ما لـ"البصائر" في نفوس أولئك الإخوان من مكانة وقيمة. هذا ما تأسى عليه "البصائر"، لا على (ورق) ينقطع ثم يعود، وكف تبخل ثم تجود ... وان عسى أن تقضي من هذه الحقوق ما لم يفت بفوات زمنه. ... لم تكن هذه العوائق في حسابنا، يوم كتبنا ما كتبنا في افتتاحية السنة الماضية ووعدنا فيه بما وعدنا، فاسترسلنا مع الأماني حتى تجسمت وكأنها حقائق، وقد أدّبنا الزمان بعوائقه وبوائقه، فأصبحنا لا نعد وعدًا لا نثق بإنجازه، وهدنا إلى الزمن نستعتبه في ما تجري به تصاريفه، ومن ثم فإننا لا نعد القرّاء في هذ السنة شيئًا من التحسين أو التلوين إلا بقدر ما تسمح العوائق، ومن فضلة ما تسأر الأحداث، ولخير من حلاوة وعد تعقبها مرارة الاخلاف- مرارة صبر تتلوها لذة المفاجأة. ويعتب علي بعض الإخوان بالكلام الكثير والرسائل الوفيرة هجري للكتابة في "البصائر" ويعدون ذلك هو السبب أو هو أقوى الأسباب لهذا الفتور الذي اعترى "البصائر" في سيرها، ويقول كاتب: إن "البصائر" فقدت روعتها وسحرها. ويقول غيره ما يشبه هذا الكلام، ويقول غيرهما غيره، ويتهمني آخرون بأنني أشوق ثم أعوق، ويغريني بعضهم بأنواع من المغريات استفزازًا واستثارة، ويتداهى بعضهم لتحريكي فيقول لي: إن قلمك ليس بذاك، وإن قومك لا يقرأون للقلم، ولكن للاسم، إذ ما زالوا على نوع من عبادة الأسماء، إلى غير ذلك مما تواجهني به الألسنة والأقلام، وعفا الله عن إخواني وصنع لهم، لكأنهم يقولون في لسان باقل: انه سيف أغفلته الصياقل، وأنا- مع اعتزازي بحسن ظن الإخوان- قائل لهم: إني لا

стр. 783

أرى لهذا القلم منزلة ترفع "البصائر" كالتي تضعونه فيها، ولوددت- والله- لو أقررت أعينكم بما تبتغون منه، وما كان هجري للكتابة في هذه الأشهر دلالًا يداوى بالصد، ولا ملالًا يعالج بالمغريات، ولكنني رجل ممتحن بالعمل لهذه الحركة المباركة في جميع جهاتها، وقد تشعّبت حتى كاد آخرها يعطل أولها، فإذا هجرت الكتابة في "البصائر" فلأن عملًا ما استأثر بالوقت كله، ولأن عملًا آخر ينتظر، وقد ابتلتنا حالة الأمّة وقلّة الرجال بنوع غريب من النهم في العمل مغافصة في الدقائق، وإشفاقًا من العوائق، كل هذا مع طوارق من المرض، بعض أسبابها السن، وبعضها الإجهاد، وبعضها الإهمال، ويا ويح أمّة تلقى العدد العديد بواحد ...

стр. 784

رحلتنا إلى باريس * رحلنا إلى باريز، أنا والأخ الأستاذ الشيخ العربي التبسي، في أواخر شهر أكتوير الأخير، وأقمنا بها خمسين يومًا، ثم رجعت وأقام الأستاذ التبسي لإتمام بقايا من الأعمال ومن العلاج. نحن نعلم أن الأمّة متشوفة إلى الاطلاع على أسباب هذه الرحلة ونتائجها الإيجابية أو السلبية، وقد ألمّت الجرائد الفرنسية هنا وفي باريز ببعض أسبابها وتكلم بعضها في صلب القضية، وفيها المنصف المصيب وفيها المتعسف المخطئ، أما نحن فلم نشأ أن نكتب عن الرحلة، لا قبلها ولا في أثنائها، ولنا في ذلك رأي، ليس منه التكتم، فما في الحقيقة كتمان، وما تعوّدنا أن نتكتم أو أن نعمل في الخفاء، ولكننا كنا نرى أن الكلام عن الشيء في مبادئه هو من باب الأخبار، فربأنا بالوقت أن يشغل بالأخبار، فتركناها لأهلها يخوضون فيها، وتربصنا بالكلام إلى نهاية الرحلة. ذهبنا إلى باريز لخدمة قضيتين، باريز هي مركزهما، وهي ميدان الأعمال لهما، الأولى قضيتنا المعروفة ذات الشعبتين، وهي فصل الحكومة الجزائرية عن الدين الإسلامي، وحرية التعليم العربي، وهي القضية التي قضينا عقدين من السنين في الحديث عنها، والخطابة فيها، والمطالبة بها وما زلنا- إلى أن يبلغ الحق فيها أمده- نتحدث عنها، ونخطب فيها، ونطالب بها، وما زالت حكومة الجزائر متصامة عن صوت الأمّة فيها، نخاطبها بالكلام الفصيح، والحق الصريح، فكأنما نخاطب صخرة صمّاء، ونجلو الحقائق الواضحة عليها، فكأنما نعرضها على مقلة عمياء، فلما عيينا بالأمر ذهبنا إلى باريز لعلمنا أن الأمر منها بدأ وإليها يعود، وأن نقل القضية من هناك إلى هنا إنما هو حيلة وتداه، كنقل قطع الشطرنج من بيت

стр. 785

في الرقعة إلى بيت، لا تنقل القطعة من بيت إلا على نية نقل آخر، والرقعة واحدة ... ذهبنا إلى باريز ولقينا بقضيتنا المسؤولين من رجال التنفيذ، ورجال التشريع، ورجال الصحافة، وشرحنا القضية على أكمل وجه، وأنرنا جوانبها بنور البرهان ورأينا وقلنا وسمعنا وقارنّا بين الأصل والفرع، وسنفصل ذلك كلّه في كلمة في الأعداد الآتية، وفي أحاديث نجمع الناس عليها في العواصم الثلاث، في وقت نعلن عنه قريبًا. ... القضية الثانية قضية إخواننا الجزائريين النازحين إلى فرنسا في سبيل العمل للقوت حينما ضاقت بهم بلادهم، وتنكرت لهم، وشخت عليهم بما تنبت وما تنبط، فخرجوا كرهًا في صورة طوع، وجبرًا في هيئة اختيار، وان عددهم في فرنسا لكثير، يبلغ مئات الآلاف، وان لهم علينا لحقّا أكيدًا في أن نتعهّدهم بالموعظة، كما تعهّدنا إخوانهم هنا، وأن نتسبب إلى تأسيس مدارس هناك لتعليمهم وتعليم أبنائهم، حتى تبقى نسبتهم إلى الإسلام محفوظة، وعلاقتهم بالإسلام متينة، ولجمعية العلماء في هذا الميدان سابقة فضل بحركة التعليم التي كوّنتها في فرنسا قبل الحرب ومدّت لها في انتشار حتى كادت كل موطن منها فيه مسلم جزائري، وقد آتت تلك الحركة ثمارها، ولكن الحرب الأخيرة قضت عليها وذهبت بما لها من مؤسسات، فكان من مقاصدنا في هذه الرحلة أن نعيد تلك الحركة المباركة أقوى مما كانت، فخالطنا إخواننا هناك وحادثناهم، فابتهجوا بهذه البوادر الطيبة وحييت فيهم الآمال، واجتمعنا بهم في مجاميع محدودة، ثم عقدنا اجتماعًا في "ليل" من مدن الشمال، ثم عقدنا اجتماعًا حافلًا في باريز، تحت رعاية شعبة جمعية العلماء بها، ورأينا من الإقبال والاستعداد ما شجّعنا على المضي في العمل، وقوّى أملنا في النجاح. سنفيض القول في هذا الموضوع، وفي الخطوات الأولى التي خطوناها في المشروع، في الأحاديث العامة التي سنجمع لها الأمّة، وفي الأعداد الآتية من "البصائر" إن شاء الله.

стр. 786

بيان من رئاسة جمعية العلماء - ١ - * إن علاقة الجمعيات المحلية القائمة بتسيير المدارس بجمعية العلماء، ليست علاقة أدبية فقط، بل هي علاقة عملية، تترتّب عليها مسؤوليات ثقيلة. وعليه، فإننا نخبر إخواننا رؤساء وأعضاء تلك الجمعيات، أن كل رسالة يكتبها إلينا أحدهم باسمه الخاص في المسائل المتعلقة بالمدارس ومعلّميها، مما يتوقف على رأينا، فإننا لا نعتبرها، ونعدّها لغوًا. فعليهم، إذا حدث شيء يقتضي الإخبار بشيء، أو الطلب لشيء، أن يجتمعوا ويقرّروا رأيًا غالبًا أو مجمعًا عليه، ويسجّلوه في دفتر الجمعية، ثم يرسلوا إلينا بنسخة من ذلك القرار، عليها الرقم المسجّل في الدفتر، وختم الجمعية، وإمضاء رئيس الجلسة وكاتبها، وتكون الرسالة في ورقة مطبوعة باسم الجمعية، فإذا اختلّ شيء من هذه الشروط فإننا لا نعتبر شيئًا منها ولا نتقيّد به ولا يكون علينا حجّة. دعانا إلى هذا البيان حوادث وقعت في هذه السنة في بعض الجهات، فكانت تأتينا في شأنها رسائل فردية من بعض أعضاء الجمعية المحلية، ممن نعرفهم بأسمائهم وأشخاصهم، فنهتم ونرسل المندوبين للتحقيق وننفق النفقات، فإذا تلك الرسالة لا تعبّر إلا عن رأي صاحبها، وقد تأتينا رسالة أخرى من عضو آخر نعرفه، تثبت ما نفت الأولى، وتنفي ما أثبتت، فنقع في فوضى تفسد الأعمال أو تعطلها، أو تؤذي إلى أحكام خاطئة. وقع هذا وتعدّد، وأدّى إلى مفاسد، ونحمد الله على أنه قليل، وعلى اْنه نبّهنا إلى التشدّد في النظام المعين على العمل، ووجب التنبيه للإخوان المتعاونين على الخير، فليلتزموا العمل بما بيناه. رئيس جمعية العلماء: محمد البشير الإبراهيمي

стр. 787

- ٢ - * تشعّبت أعمال جمعية العلماء وتكاثرت، وأصبحت تستدعي تنقلات متوالية قد تستغرق العام كله، وهذه الأعمال والتنقلات منصبة بحكم الضرورة والطبيعة على رئيس الجمعية، وقد أكلت أوقاته كلها، وأوشكت أن تخرج عن طوقه فتقع الفوضى والاختلال، فرأى المجلس الإداري للجمعية أن يشدّ عضده بعون ينتدبه لبعض ما كان يقوم به من الأعمال، فيخفف عنه بعض العناء، فوقع الاختيار على الشيخ العباس بن الشيخ الحسين المدرّس بالمعهد الباديسي، لكفاءته واقتداره ونشاطه، فأُعفي من التدريس بالمعهد، وأُلحق بمكتب الرَّئِيسُ، ليستعين به على تصريف الأمور، وليكون نائبه في كل ما يوجّهه إليه من شؤون المدارس والجمعيات والشعَب والمعلّمين والجمهور. بينا هذا ليعلمه جميع أعضاء الشعب والجمعيات والمعلمون، وليعتبروه نائبًا عن الرَّئِيسُ في كل ما يباشرونه من شؤونهم، وليكونوا معه يدًا واحدة على الخير والحق. رئيس جمعية العلماء: محمد البشير الإبراهيمي

стр. 788

من ثمرات الأخوة الإسلامية شخصية باكستانية تزور الجزائر * ــ ما زال الإسلام- وإن ضعفت آثاره في نفوس أهله وضعفت عقولهم عن فهم حقائقه- يشعّ بالروحانيات التي تقهر المادة وتغلبها على سلطانها، حتى في أيام صولتها وحولها، وما زال يجمع قلوب أبنائه على نوع غريب من الأخوة تُنسيهم إياه الأحداث، ثم يتنبّه في نفوسهم بأيسر منبّه. أمعنت عوامل الشر في تشتيت المسلمين والتبعيد بين قلوبهم باختلاف المذاهب والمنازع في الدين والدنيا، وبين أبدانهم بالسدود المانعة، والحدود الفاصلة، وبين ألسنتهم بكثرة اللغات والرطانات، ولكن قوة الروحانية في الإسلام تغلّبت على تلك العوامل كلها وأبقت في نفوس المسلمين سمة ثابتة لا تنمحي، ولكنها تختفي حتى تظنّ بها الظنون، ثم تستعلن فتخيب الظنون. ولو أن أمة ذات دين ظهر بها وظهرت به، ثم أصابها بعض ما أصاب المسلمين من انحلال وتفكك وبلايا ومحن لَنسيتْ دينها أو لَكفرتْ به ولم يبق من آثاره فيها ولا من آثارها فيه شيء، ولكنّه الإسلام، ولكنه سلطان الإسلام على النفوس. زار الجزائر في الأسبوع الماضي ضيف باكستاني مسلم يجمع بين ثقافة إسلامية عالية، مظهرها فهم عميق لحقائق الإسلام، واطلاع واسع على دقائق تاريخه، وتطبيق حكيم لنظريات الإسلام على تطورات الزمن، وبين ثقافة إنكليزية واسعة، مظهرها تمكن من لغة الانكليز وآدابها، وتأثر بسعة صدور الانكليز وصراحتهم واعتدادهم بأنفسهم ... ، يجمع بين الثقافتين من غير أن تضار إحداهما الأخرى لتمكنه فيهما معًا، ممّا يدل على أن مضارة ثقافة لثقافة إنما تكون من القوية في نفس المثقّف للضعيفة فيها.

стр. 789

هذا الضيف الكريم هو إنعام الله خان، الكاتب العام للمؤتمر الإسلامي الذي سينعقد في شهر فيفري القادم في كراتشي عاصمة الباكستان تحت إشراف الشعب الباكستاني. والأستاذ إنعام الله خان يمثل ديموقراطية الإسلام الصحيحة، فهو يتمنى الخير لجميع الناس بشرط أن يكون حظ المسلمين من ذلك الخير موفورًا، ومكانتهم بين الناس محترمة، وهو مزهو باستقلال بلاده كما هو مزهو باستقلال أندونيسيا وليبيا، وهو لا يدين بالوطنيات الضيّقة المحدودة وسفّه أصحابها، وهو يرى أن القوتين المتناحرتين في العالَم، المتعاونتين - بقصد أو بغير قصد- على إزعاجه وترويعه، سائرتان بالبشرية إلى الإبادة والاستئصال، وأنه لا ينجي العالم من شرّهما إلاّ واسطة قوية ذات خصائص روحية فعالة، هذه الواسطة هي الإسلام في مثله العليا لا غيره، يحقّق مطالب الروح والجسم معًا، ويؤلّف بين ما نراه متنافرًا منها، ويقمع الغرائز الحيوانية فيردّها إلى الاعتدال، والاعتدال هو الحلقة المفقودة في تينك القوتين. ويقول: لو أن عقلاء الأمم، المشفقين على العالم الإنساني، المتشائمين من حالته الحاضرة، أدركوا هذه الخصائص في الإسلام، لَأتوا إليه مذعنين، ولَحكموه فيما شجر بين الفريقين، ولو فعلوا لَوجدوه الحكم الذي ترضى حكومته، لأنه يحقّق لكل فريق رغبته، بطريقة لم تخطر على بال مصلح. والأستاذ إنعام الله خان يقوم برحلة طويلة في الأقطار الإسلامية داعيًا إلى المؤتمر الإسلامي، فبعد أن أقام في "لايك ساكسس" من أمريكا، داعيًا لمصلحة دولته في قضية كشمير، مرّ بلندن ثم بباريس، وهنالك زار وفد جمعية العلماء، واجتمع بكثير من رجالات المغارب الثلاثة، ومن هناك بدأ برنامجه في زيارة الأقطار الإسلامية، فزار المغرب الأقصى ومكث فيه ثلاثة أيام، ولقي من إخواننا هناك حفاوة شرحت صدره وأنطقته بالشكر، ثم زار الجزائر- على ما سنصف- ومنها إلى تونس فليبيا، فالقاهرة، فأنقرة، فدمشق، فبيروت، فبغداد، فكراتشي. ... كان هذا الضيف المحترم على وعد مع رئيس جمعية العلماء باللقاء في الجزائر، عيّنا فيه اليوم والساعة منذ اجتماعهما في باريس، فلما كان مساء يوم الخميس ٢١ ديسمبر الماضي ذهب الرَّئِيسُ لاستقباله في مطار الجزائر (ميزون بلانش) (١) وكان في اسقباله أيضًا جماعة من رجال الحركتين الوطنيتين، فحيوه جميعًا وهنأوه بسلامة القدوم، وتجلت الأخوة الإسلامية، فكأنه لم يكن ضيفًا حلّ ببلد غربة، وانما هو جزائري غاب ثم آب، ثم سار به موكب

стр. 790

الاستقبال إلى نزل (ألّيتي) ليستريح قليلًا ويغيّر بذلة السفر، ثم ذهب إلى دار الرَّئِيسُ فتناول فيها طعام العشاء وسمر إلى نصف الليل، وفي صباح الجمعة ٢٢ زار ضريح المرحوم علي الحمّامي الذي عرفه وشهد نقل جثته من كراتشي، وتناول الافطار في ذلك اليوم في ضيافة حزب البيان، وعلى الساعة السادسة من مساء الجمعة أقامت له جمعية العلماء بمركزها حفلة شاي حضرتها طائفة من معلّمي مدارس جمعية العلماء وطائفة من رؤساء شُعَب الجمعية، وطائفة من رجال الاصلاح، وطائفة من رجال الحزبين البارزين (٢)، وخطب الرَّئِيسُ فرحّب بالضيف وأفاض في تحليل أخوة الإسلام وآثارها واستخدامها في الخير العام والرحمة الشاملة، وترجمت خلاصتها للضيف بالإنكليزية، فردّ عنها بخطبة كلها تأييد ونصح للحاضرين بالرجوع إلى هداية للإسلام، وكان كلامه يترجم للحاضرين جملة جملة، فيؤثر فيهم أبلغ التأثير، وبعد الحفلة تناول العشاء في ضيافة حزب الشعب. وفي صباح السبت ألقى محاضرة باللغة الإنكليزية في قاعة سينما "دنيازاد" وكانت الدعوة باسم الأستاذ مراد كيوان صاحب مجلة "الإسلام الفتى"، وبعد أن قدّمه الأستاذ أحمد توفيق المدني بكلمة عربية والأستاذ كيوان بكلمة فرنسية قام الضيف المحاضر فألقى محاضرته جملة جملة، وكان نظام الترجمة بديعًا حقًا، فقد وقف الأستاذ كيوان عن يمين المحاضر والأستاذ المدني عن يساره، فيلقي المحاضر الجملة بالإنكيزية، فيترجمها كيوان بالفرنسية، فيترجمها توفيق إلى العربية الفصحى، فيسمع السامع ثلاث لغات في نسق واحد كأنها من لسان واحد. أما المحاضرة فكلها في تمجيد الإسلام وأخذ المثل العليا من سير رجاله، وخصّ المحاضر ثلاثة من الصحابة هم مجالي القدوة للمسلمين في خلال انفردوا بها: بلالا في الصبر والثبات، وأبا بكر في السبق إلى الحقّ مع منافاته لما شبَّ عليه وشاب، وعلي في الايثار وبيع النفس والفداء حين بات على فراش النبي ﷺ ليلة الهجرة وهو يعلم أنه الموت. وما أحلى ذكره لغار حراء ووصفه بأنه منارة النور. ثم استخرج من عبر التاريخ الإسلامي والتاريخ الإنساني ما بلغ به الغاية من التأثير، ثم وصف شيئًا من حالة المسلمين اليوم وصف العالِم الواسع الاطلاع، وجش مواطن الألم فأدهش، ودلّ على مطالع الأمل فأنْعَش، وكان في كل ذلك بارعًا. وبعد انتهائه وهدوء عاصفة التصفيق قام رئيس جمعية العلماء فانتزع من المحاضر ومحاضرته أمثلة ضربها للسامعين مؤكدًا على تطبيقها ومقارنتها، ومنها آثار سبق التربية الإسلامية إلى النفوس، وسبق دراسة التاريخ الإسلامي الصحيح إلى الأذهان، ونعى على

стр. 791

مثقّفينا جهلهم بتاريخ الإسلام وقعودهم عن دراسته، ونسب زهدهم فيه إلى تنفير المدارس الابتدائية منه لأنها لا تذكر لهم من تاريخ نبي الإسلام ﷺ إلّا ما ينفّر النفوس البدائية منه مثل أنه كان يتيمًا، وأنه كان يرعى الغنم، وأنه كان فقيرًا، وأنه تزوج امرأة كبيرة غنية وهو شاب، وهذه الجمل إذا لم تُفسَر بمعانيها العليا فسّرتْ نفسها بمعانيها السفلى في نفوس الصغار، وهنا تنفير متعمّد. ثم خرج من ذلك إلى لزوم الأخذ بالتربية الدينية والتعاليم الدينية، والتاريخ الديني من أول مرحلة في العمر، وأن هذه التربية هي التي كوّنتْ ضيفنا وحمته وصيّرته بحيث يدخل البحر ولا يغرق. وقام بعده السيد أحمد بودة، فرحّب بالضيف باسم حزب الشعب ونوّه بالمقاومة الجزائرية، وقام بعده المحامي أحمد بومنجل فحيّا الضيف باسم حزب البيان، وختم رئيس جمعية العلماء الاحتفال بكلمة وجّهها إلى المسؤولين في لزوم التضامن والاتحاد، وإلى الحاضرين في لزوم التعاون على تحقيق هذا الاتحاد، فابتهج الحاضرون وصفقوا تصفيقًا أبلغ من التعبير عن تشوف الأمة للاتحاد وشعورها بضرر الخلاف وشرّه. وفي صباح الأحد زار الضيف- ومعه جماعة من رجال حزب الشعب- مركز جمعية العلماء للمرة الثانية، وفي المساء شيّعه إلى المطار في طريقه إلى تونس الرَّئِيسُ في جماعة من رجال المركز ورجال حزب الشعب وسافر مشيّعًا بالحفاوة، كما قدم مستقبلًا بالترحيب. هذا وقد استقبل الضيفُ في محله من النزل ممثلين لهيآت الشبان والجمعيات الفنية والرياضية، وتلقاهم سائلًا منقّبًا دارسًا. رافقته السلامة.

стр. 792

افتتاح مدرسة بسكرة * تلخيص الحفناوي هالي ــ باسم الله، ثم باسم العلم، والعروبة والإسلام، وباسم الجزائر العربية المسلمة، أفتح مدرسة التربية والتعليم الإسلامية ... إنكم ستسمعون مني كلمات من باب الحمد والشكر، ولكنها من باب الحث والازعاج، وسأصل بها مبدأ هذا العمل بنهايته، فقد بدأناه مجتمعين، وختمناه مجتمعين، ولكن كل أعمالنا فيه تعدّ شيئًا يترقب تمامه، فإذا كنتُ قاسيًا في كلامي فذلك لأن عملي معكم نسخة من عمل الطبيب: يجرح ولكنه يبرئ. وما دمنا في موقف استنهاض الهمم وشدّ العزائم، وما دمت عارفًا بأسرار لغتي وتاريخ أجدادي، فإنني أوثر أن يكون افتتاح هذا الحفل التاريخي بالشعر، كما كان أجدادنا يقيمون المنابر لشعرائهم بين السماطين، في مقامات المفاخرة والمنافرة، وفي مقامات الصلح وحمل المغارم، وفي مقامات الاستنجاد والاستنصار، فيشحذون العزائم، ويهيئون النفوس لاقتحام العظائم، لأن الشعر عندهم هو الرقية التي تسل الأضغان، وهو الوصلة التي تصل بين شعور المتكلم وشعور السامع. وقد كان الشاعر يطفئ نائرة أو يسعرها ببيت من الشعر، وقد كانت الجيوش تنتصر أو تنهزم ببيت واحد من الشعر، وكم من بطل همّ بأن يكع في المجال الضنك، فيردّه إلى الحفاظ والنخوة بيت من الشعر يذكره ... رووا أن معاوية بن أبي سفيان هم بالهزيمة يوم صفين، فما ردّته عن ذلك إلّا أبيات ابن الإِطْنابة التي يقول فيها: وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَتْ: ... مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي

стр. 793

ورووا أن ابن هانئ الاندلسي، شاعر الزاب (وطنكم هذا) وشاعر الدولة الفاطمية، أنشد ممدوحه قصيدة من الشعر والممدوح راكب، وفوارسه حافة به، فلما بلغ إلى قوله يخاطب الجيش الراكب: مَنْ مِنْكُمُ المَلِكُ المُطَاعُ كَأَنَّهُ ... تَحْتَ السَّوَابِغِ تُبَّعٌ فِي حِمْيَرِ ترجل الجيش كله، ولم يبق راكبًا إلّا الملك الممدوح، وهو جواب ليس له في الأجوبة المكتوبة ولا المنطوقة نظير. بذلك كان الشعراء في العرب يتولون قيادة النفوس، كما كان العلماء في الإسلام يتولون قيادة العقول، وبتلك القيادة استطاع الشعر أن ينشر فيهم مكارم الأخلاق ومحامد الشيم، وبذلك غدا أجدادكم العرب مضرب المثل بين الأمم في سخاء اليد وشرف النفس وكرم الطبع وقوة العزيمة. فأنا أريد أن أرجع بكم إلى ذلك الماضي الجليل، ولئن قال لنا أقوام: إنكم تعيشون في الماضى القديم، لَنقولن: إننا نعيش بالاستمداد من الماضي، والعمل للحاضر، والاستعداد للمستقبل، ولعلكم في هذا المجلس سترتفعون بالذكريات إلى الماضي الخالد، حين تستمعون من الشعر ما يمثل لكم زهيرًا والنابغة في الأوّلين، وأبا العتاهية والمتنبي في المحدثين حين تسمعون الوصية ممزوجة بالحكمة مدغمة في النصيحة معجونة بالفخر، من شاعر بسكرة، بل شاعر الجزائر بل شاعر العروبة والإسلام- ولا أحابي- محمد العيد آل خليفة. إنَّ حجب الغيب شفافة عند الشعراء، فأذكر أنني منذ سنوات كنت هنا ببسكرة أخط الخطوط الأولى من التدبير لمدرستكم التي نفتحها اليوم، وكانت المعاكسات واقفة لنا في كل مسلك، ثم عرجتُ على مدينة "باتنة" على وعد لإقامة حفلتها المدرسية، فوقف شاعرنا محمد العيد في ذلك الحفل يلقي قصيدته العينية المشهورة، يذكر فيها أعمالي ويسألني- في لهفة- عن بلده "بسكرة" وعن حظها في هذه المنقبة وهي بناء المدارس، فيقول: فهل نخلت أرض النخيل شؤونها ... وهل شرعت (مشروعها) المتوقعا وها هو يتلقّى الجواب اليوم وبعد سنوات، فقد نخلت "بسكرة" شؤونها، وأصبح مشروعها واقعًا لا متوقعًا. إني أجاهركم بأنكم جهلتم قدر شاعركم، وواطأكم على هذا الجهل الجزائريون جميعًا، ولو كان محمد العيد في أمة غير الأمة الجزائرية لكان له شأن يستأثر بهوى الأنفس، وذكر يسير مسير الشمس.

стр. 794

(ثم التفت الأستاذ الرَّئِيسُ إلى الأستاذ الشاعر وقدّمه إلى المذياع فألقى قصيدته العامرة بالحكم ومطلعها: أراكَ- بلا جَدْوَى- تضج من الظُّلْمِ ... إلى العِلْم- إنْ رُمْتَ النَّجاةَ- إلى العِلْمِ وقوطع في أثنائها عدة مرات بالتصفيق والاستعادة. وبعد انتهائه من الإلقاء عاد الأستاذ الرَّئِيسُ إلى الكلام فقال ما معناه بالكثير من ألفاظه:) الخطباء في الدنيا أنواع، وقد تعوّدتم أن تسمعوني خطيبًا فتتأثرون بما أقول أو لا تتأثرون، كاستماعكم إلى كل خطيب، وإني أقدّم لكم اليوم خطيبًا لا كالخطباء، أحيلكم على خطيب هو أفصح مني لسانًا وأوسع بيانًا وأقوى حجّةً وأبلغ تأثيرًا، أحيلكم على خطيب صامت تستمعون إليه بأعينكم لا بآذانكم، وتفهمون عنه بقلولكم لا بعواطفكم، وقد تنطق الأشياءُ وهي صوامت ... وما كلّ نطق المشبرين كلامُ هذا الخطيب المفصح المبين هو هذا البناء الشامخ الباذخ الذي يحدثكم عن نفسه فيُعْرِب، ويحدثكم عن أنفسكم فيُطرِب، ويحدثكم عن الخصوم فيدمغ باطلهم ويدحض حججهم، ولئن اعتدنا كثرة الكلام وقلّة الأعمال، فمن واجبنا اليوم أن نسكت ونمتّع النفوس بلذّة العمل وثمرات العمل، وأن نعطي للعين حظّها من المتاع وللسان حظه من الراحة. إن جمعية العلماء لا تخاطبكم إلّا بهذه الألسن، فهي تبني، ثم تقول للناس: هاؤم انظروا أَعْمَالِيَهْ ... ، على هذه القاعدة سارت منذ نشأت، وبهذه القاعدة نجحت واطرد سيرها، ففي كل يوم رأي يقرّر وعزيمة تفرى ومدرسة تُشيّد، وعلى هذه التربية الصالحة قام رجالها وأنصارها يعملون ثم يقولون، فيكون لقولهم سناد من العمل يقطع الخصم، ويُسكت الألسنة الكاذبة ويضرب للأمة الأمثال، وعلى هذه القاعدة جرى الأمر هنا: فقد قام رجال الجمعية بالبناء كالمعتاد، وقدّموا أملاكهم ضمانًا للسداد، وقدّمتهم للعظائم فتقدموا بلا نكول ولا تردّد، فلمّا تم العمل دَعَوْتُكم للمساعدة والعون، دعوتكم والشاهد في يدي، والبيّنة حاضرة، والعمل نقد لا وعد، وما هذه بأوّل مدرسة تبنيها جمعية العلماء، بل سبقتها عشرات المدارس في العمالات الثلاث (وهنا عدّد الأستاذ الرَّئِيسُ المدارس الضخمة التي شيّدتها الأمة بإرشاد جمعية العلماء وتحت إشرافها، ثم قال: فهذه المدارس هي حصون الإسلام الحصينة، ومعاقل العربية المنيعة بهذا الوطن، ولولا فضل الله علينا ورحمته وحفظه لكتابه ولغة كتابه لما زكا منا عمل، ولا تحقّق لنا أمل، ولما تمّتْ هذه الأعمال العتيدة، ونحن بهذه الحالة من الضعف والهوان، وقفة الأنصار والأعوان.

стр. 795

إننا أسّسنا هذه المدارس بفضل الله ثم بمال الأمة، علينا الرأي والتدبير، والتخطيط والإشراف، ثم التنظيم والتعمير، وعلى الأمة ما وراء ذلك، وقد أنشأنا هذه المشاريع ثم سيّرناها ثم سايرناها وبلونا شروطها ومقتضياتها، فوجدنا أن شرط الوجوب فيها هو الإيمان بحياة الإسلام والعربية والوطنية الصادقة، وأن شروط الصحّة والكمال فيها منحصرة في المال، الذي هو قوام الأعمال. فالمال هو الشرط الأساسي لقيامها، والمال هو الشرط اللازم لحفظها واستمرار وجودها، وإنّي لَأرسلها فيكم كلمة منذرة لا مبشّرة، وهي أن مشاريعكم التي تَمَّت والتي تنتظر، كلها معرَّضة للانهيار والخراب- إنْ لم يكن ذلك اليوم فغدًا- ما لم تُصحِّحوها بما يضمن بقاءها من مستغلات مالية وأوقاف، كما حفظ أسلافكم هذه المآثر التي أبقوها لكم بالمستغلات الموقوفة، ولكنهم احتاطوا لزمنهم المؤمن بما وسعه إمكانهم، فاحتاطوا أنتم لزمنكم الفاجر بما يسعه إمكانكم، ولَأنتم في زَمَن سافر عن فضائله ورذائله، فأنتم أقدر على الاحتياط منهم. وكما يحتاج ما تغرسونه بأيديكم إلى التعَهُّد بالسقي والإصلاح، يحتاج ما تبنونه بأيديكم إلى التعَهُّدِ بالحفظ والرعاية، ومرجع ذلك كله إلى المال، وان الثمار التي تأكلونها من غروسكم اليوم قد دفعتم أثمانها مقدمة منذ سنوات، فكأنكم أقرضتم الأرض، فردّت القرض، ولا تزالون معها كل يوم في قرض. كذلك المدارس، كذلك المدارس! بهذا المال النزر الذي يتجمّع من الغني والفقير والتاجر والفلّاح والعامل، ومن هذا التعاون الأخوي الإسلامي، بنيْنا هذه المدارس التي تخلد على الدهر، وبمثل هذه المقادير الموزعة التي لا تضرّ أحدًا وتنفع كل أحد، سنقيم بازاء هذه المدارس مستغلات تحفظ دوامها وتصونها من الضياع ... مدّوا أيديكم لهذا المشروع واسخوا فيه، ولا تضِنُّوا عليه بالغزيز فإنه أعزّ، ولا بالنفيس إنه أنفس، ولا تنفقوا فيه من الفضول بل من الصميم، وإنني حين أدعوكم اليوم إلى البذل فيه لا أدعوكم لتخليص ما تمّ منه، فهذا أقلّ من هممكم، وهذا جناح قد تمّ ونبتَتْ خوافيه وطالت قوادمه وأصبح يدعو لنفسه بنفسه، وإنما أدعوكم لتكميل الجناح الناقص لطائرنا الميمون، وقد نبهكم إلى ذك شاعرنا محمد العيد بقوله: وطير بديع لو يضم جناحه ... إليه لحاز الحسن أجمع بالضم (١) وإني لآخذ عليه سكوته عن رأس هذا الطائر، ورأسه هو بيوت تشاد لإسكان المدير والمعلّمين، فإذا أتممتم الجناح الثاني، وبنيتم الطوابق العلوية وبنيتم بيوت السكنى،

стр. 796

أصبحت مدرستكم ذات عشرين قسمًا وقاعة للمحاضرات، وأصبحتم بها جديرين بالفخر والشكر والثناء العاطر وتسجيل التاريخ. ما أبرك هذه المدارس على الجزائر! وما أسعد الجزائر بها! فقد حركتها إليها يدٌ واحدة ودعاها إليها صوت واحد، فاجتمعتْ وتقاربتْ وتعارفتْ بعد التناكر وإنّي لَأَرى في هذا المحشر وجُوهًا من مدن التلول وقراها، ووجوهًا من قرى الصحراء كلها جمعها داعي العلم ليوم العلم، ولو شهدتم احتفال مدرسة الفلاح بوهران واحتفالات "الغزوات" و"ندرومة" و"الحنايا" و"بني مصاف" بمدارسها، لرأيتم ما هو أعجب من اجتماع الأمة الوهرانية في صعيد واحد استجابةً لصوت العلم. إن هذا اليوم في هذه البلدة خط فاصل بين الماضي المظلم والآتي المشرق، وفيه تخْطون الخطوة الأولى للمستقبل السعيد، وفيه تَخُطُّون الكلمة الأولى من تاريخكم الجديد، وإن هذا اليوم لا يقنع منكم باليسير، بل بما يمحو زلة التقصير. إن كنائن "الجيوب" ككنائن الغيوب، هذه يجليها عالم الغيب لمواقيتها، وتلك تجليها الهمم البعيدة الغور وهذا اليوم بعض مواقيتها، وان "الاستطاعة" كلمة لا نقبل تفسيرها من المستطيع، بل تُفَسِّرُها آثار نعمة الله، وقد قال شاعركم منذ الساعة كلمة قطع عليكم بها كل المعاذير، وهي قوله: ولا تجعلوا الآفات للشحّ حجّة. والآفات التي تتعلّلون بها هي نقص الثمر، وافساد المطر، وكساد السوق وقلّة الموسوق، وهي أعذار، بيض الوجوه عليها أعين سود، كما قال الشاعر الأوّل. في نفض الجيوب العامرة، رحض للعيوب الغامرة، فاعرفوا على ما أنتم مقدمون، وتوكَّلوا على الله متعاونين على البرّ والتقوى والله معكم.

стр. 797

فرية غريبة * في غمرة الأخبار المتعلقة بالمكيدة المدبّرة التي سمّوها حادثة الجلاوي مع جلالة سلطان - المغرب، وجدت بعض الجهات السياسية منفذًا لفتنة تفتن بها الناس وتلهيهم بحكايتها والتحدث بها عن الانتصار لصاحب الحق في تلك المكيدة، ولتغطي بها الفضيحة التي هي صائرة إليها. وهذه الفتنة هي (الخلافة الإسلامية). فذكرتها بعض الصحف الفرنسية هنا بكلام مضطرب، ما تعوّدنا أن نلتفت إلى مثله، لو كان صحيح السند، مستقيم المتن، فكيف به وهو مضطرب الأجزاء، مجهول النسبة، ثم نقلته بعض الجرائد العربية المغربية وعلقت عليه. وقد عنانا من أمر هذه الفرية شيء واحد، وهو ذكر جمعية العلماء مقرونة برأي يقل عن الكذب، ويجلّ عنه الصدق. ونحن نخشى- إن زدنا على هذه الكلمات- أن نكون قد أبلغنا صاحب تلك الفرية بعض قصده في الفتنة والإلهاء، وإنما نقول: إن جمعية العلماء لا تدخل في هذه الأمور، لاعتقادها أن المسلمين لا يستفيدون منها- بعد الحالة التي وصلوا إليها- إلا كما يستفيدون من وقف الشيخ أبي مدين بعد أن ضاعت فلسطين وضاعت أوقاف الإسلام كلها ...

стр. 798

حركة الإسلام في أوروبا * الإسلام روح تجري، ونفحة تسري، وحقيقة ليس بين العقول وبين قبولها إلا مواجهتها لها، وليس بين النفوس وبين الإذعان لها إلا إشراقها عليها من مجاليها الأولى. لذلك نراه في جميع مراحل التاريخ يقطع الفيافي بلا دليل، ويقطع البحار بلا هاد، ويغزو مجاهل إفريقيا في الوسط والجنوب، ومنتبذات آسيا في الوسط والشرق، ثم يدخل شرق أوروبا مع الفتوحات العثمانية، كما دخل غربها في القديم مع الفتوحات الأموية، وكما دخل جنوبها مع الفتوحات القيروانية. وهو في كل ذلك يقتحم الأذهان، من غير استئذان. وليست تلك الفتوحات الحربية هي التي غرسته أو مكّنت له، لأن الفتح في الإسلام لم يكن في يوم ما إكراهًا على الدين. وإنما مكّنت للإسلام طبيعته ويسره ولطف مدخله على النفوس وملاءمته للفطر والأذواق والعقول. ولو بقي الإسلام على روحانيته القوية، ونورانيته المشرقة، ولو لم يفسده أهله بما أدخلوه عليه من بدع، وشانوه به من ضلال، لطبق الخافقين، ولجمع أبناءه على القوّة والعزّة والسيادة حتى يملكوا به الكون كله، ولكنهم أفسدوه واختلفوا فيه، وفرّقوه شيعًا ومذاهب، فضعف تأثّرهم به، فضعف تأثيره فيهم، فصاروا إلى ما نرى ونسمع. لا يعود المسلم إلى العزة والسيادة حتى يغيّر ما به فيرجع إلى حقائق القرآن يستلهمها الرشد، ويستمد منها تشديد العزيمة، وتسديد الرأي وإصابة الصواب ومتانة الأخلاق، فيأخذ دينه بقوة، تهديه إلى أن يأخذ دنياه بقوة، ويقوده كل ذلك إلى أخذ السعادة بأسبابها.

стр. 799

ولو كان المسلم مسلمًا حقّا لعرف نفسه، ولو عرف نفسه لعرف أخاه، ولو عرف أخاه لكان قوّيًا به في المعنى، كثيرًا به في المادة. ويوم نصل إلى هذه الدرجة نكون قد أعدنا تاريخ الإسلام من جديد. ونكون قد أضفنا إلى هذا العنصر المادي العصري الفوار عنصرًا روحانيًا فوارًا يلطف من حدّته ويخفف من شدته، فيتكوّن منهما مزاج صالح يصلح عليه الكون كله، لا المسلمون وحدهم. إنك لترى للمسلمين وجودًا في كل قطر، وتسمع عنهم نبأ في كل ناحية، ولكنهم متفرقون في زمن أصبح فيه التكتل شرطًا للحياة، ومتباعدون في وقت أصبح فيه التقارب أساسًا للقوّة، ومتناكرون في عصر أصبح فيه التعارف أقوى وسائل التعاون. ومنصرفون عن الجامعة الإسلامية الواسعة إلى جوامع أخرى ضيقة الآفاق من جنسية وإقليمية في هذا الزمن الذي يتداعى فيه أتباع الأديان القديمة، ومعتنقو النحل الحديثة، إلى التجمع حول المبادئ الروحية أو الفكرية. ... وهناك في الأقاصي من شمالي أوروبا طوائف من إخواننا المسلمين المتحدرين من السلائل التركية والصقلبية التي امتزجت في شبه جريرة البلقان، ثم مدّت مدّها إلى النمسا وهنغاريا، ثم نزحت منها مجاميع إلى الشمال، فكان من بقاياها هذه المجموعة المتوطنة في (فنلندا). ولا نشكّ أن إخواننا هؤلاء قد اصطبغوا بصبغة ذلك الوطن في حياتهم الدنيوية وطرق معايشهم، ولا نشكّ أنهم أخذوا فيها بنظام العصر وقوّته وجدّه، ولكنهم في حياتهم الدينية، مستضعفون محتاجون إلى إمداد من إخوانهم المسلمين في جميع الأقطار، تقوّي ضعفهم المادي وتكمل نقصهم العلمي، وتشعرهم بالعزة والكرامة وترفع رؤوسهم بين مواطنيهم. ويظهر للقارئ من كلمة الأستاذ محمد فهمي عوض المنشورة في العدد الماضي ومن الصور التي ننشرها اليوم، ومن الرسالة المفصلة التي كتبها إلينا الشيخ حبيب الرحمان شاكر إمام المسلمين في فنلندا، يظهر من ذلك كله ما هم في حاجة إليه، فليس لهم مسجد جامع يؤدّون فيه الشعائر الدينية، وإنما يصلّون الجمعة في قاعة سينما يكترونها لساعات، وليس عندهم من الكتب الدينية العربية شيء إلا المصاحف، وإنما يتمتعون بشيئين مهما تكن قيمتهما غالية فإنهما لا تغنيان عن المفقود. وهما: العقيدة المتينة، والحرية التامة. وجمعية العلماء تبتهج بهذه الصلة الجديدة بإخواننا مسلمي فنلندا، وتصل بهذه الكلمة وشائج القربى الدينية، وتحرّك بها سواكن همم المسلمين في الشرق والغرب ليلتفتوا إلى هذه الناحية من جسمهم فيداووا علّتها، ويسدّوا خلتها، ويربحوا بها ما يزيد في عددهم، وإن هذا لأقل ما يوجبه الإسلام على المسلم.

стр. 800

حركة جمعية العلماء بباريس * الأستاذ الجليل الشيخ العربي التبسي، عالم القطر ومفتيه، وداعي الرشد ومؤتيه، كما يقول ابن الخطيب في ابن رشد، وهو يمتاز بشعور حاد ملتهب، واهتمام عام بشؤون المسلمين وحالتهم الحاضرة. تحدّثه عن غيرها، وتبعد به عنها ما شئت، فإذا هو منجذب إليها بأدنى مناسبة، ومسترسل في الحديث عنها إلى غير حدّ، وسائق جليسه إلى الخوض فيها، وهو وصاف ماهر لأدواء المسلمين وأدويتها، يفيض كالسيل إذا أفاض فيها. كانت إقامة الأستاذ التبسي في باريس أواخر السنة الفارطة خيرًا وبركة على الجالية الجزائرية فيها، فقد كان وهو في الجزائر- وما زال- يحمل همّا مضاعفًا من سوء حالتها الدينية والاجتماعية، فلما سافر إلى باريس، ورأى بعينه واطلع على حقيقة الحال، وتصوّر مآل تلك الجالية العظيمة التي تزوجت هناك ونسلت، هاله أن تكون عواقب الآباء والأبناء نسيان الإسلام والعربية العامية فضلًا عن العلمية، والانسلاخ منهما بالتدريج، إن لم تتداركهم جمعية العلماء بالإنقاذ، لأنها هي المسؤولة وحدها عن إنقاذهم، وفي باريس وحدها ما يقرب من مائة وخمسين ألف عامل جزائري. وقد ولد المتزوجون منهم نحوًا من خمسة عشر ألف ولد، وهذا العدد يكون جيشًا كاملًا إن خسرته الجزائر لأسباب قاهرة، فحرام أن يخسره الإسلام والعروبة. فكّرت جمعية العلماء في أداء هذا الواجب لإخواننا المهاجرين إلى فرنسا، مرّات، بل لم تبرح مفكرة فيه منذ نشأت، وقد باشرته بالفعل في بعض الأوقات بما وسعه إمكانها، وقام الأستاذ الورتيلاني في هذا السبيل المقام المحمود لسنوات قبل الحرب الأخيرة وأمدّته الجمعية بطائفة من المعلمين والمحاضرين، وكان عدد الجالية إذ ذاك أقل، وكان الخطر

стр. 801

المتوغ أخف، أما الآن فقد تضاعف العدد، وتفاقم الخطر، ولا دافع له إلا جهد جبار منظم تقوده جمعية العلماء، ويعاون عليه كلّ مسلم صحيح الإسلام، صادق الوطنية، صحيح الإدراك والتصور للحالة وعواقبها، فهناك أولاد بلغوا الحلم، وهم لا يعرفون شيئًا عن الإسلام، ولا كلمة عن العربية، وهناك بنات بلغن حد التزوج، وهن ينتظرن ما يُهيِّئُه القدر لهن من حظ، وقد شهدنا بالاختبار أن كثيرًا من الأمهات صالحات في الحياة، معينات على تدبيرها، وهن لا يمانعن في تربية أولادهن تربية دينية، إذا وجد من يقوم بها، وهل يقوم بها الآباء؟ وهم أنفسهم في حاجة إلى هذا النوع من التربية. إن هذا الواجب مؤكد على جمعية العلماء من حيث الإرشاد والتوجيه والتعليم، وعلى الجالية الجزائرية بما فيها من هيئات نقابية وحزبية من حيث العون المادي، كما هو واقع في الجزائر، على أن يبقى مال فرنسا في فرنسا، تسير به الحركة على أيدي هيئات تتكوّن من الجالية لهذا الغرض. وقد قام الأستاذ التبسي بأول واجب في القضية، وهو لفت الأذهان إلى هذا، وتحضير النظم اللازمة، وتكوين الهيئات العاملة، وبلغ من ذلك كله الغاية، ولم يبق إلا العمل الإيجابي، وهو ما بدأنا فيه منذ الآن. ... والأستاذ عبد الرحمان اليعلاوي رجل كله عقل، يظهر أثر العقل في أقواله المتزنة، ويظهر في أعماله المنظمة، ويظهر في كتابته الأدبية والسياسية، ويظهر في أحواله المنزلية الخاصة، ويظهر في علائقه بالناس، فهو يواصل بعقل، ويقاطع بعقل، ويحبّ هونًا، ويبغض هونًا، يجادلك في العلم أو في السياسة أو في الاجتماع، فيكون عقله أكبر أعوانه عليك، وأمضى أدواته في الإقناع أو الإلزام، وفي الدفاع وفي الهجوم. جزائري النسب، لم تزل بقايا أسرته في قرية من ضواحي قنزات قاعدة بني يعلى، ومن هنا جاءت نسبته التي عرف بها، تونسي المولد في بلد سوق الأربعاء، وبها أقاربه الأدنون، زيتوني النشأة الروحية والعلمية، درس في الزيتونة إلى أعلى درجاتها إذ ذاك، وهي درجة (التطويع) وصاحب نهضة الشباب في عنفوانها، وكان أحد العاملين المعدودين لتغذيتها، وشارك في الحركة الدستورية لأول عهدها، فضاقت الحكومة ذرعًا بنشاطه فيها فأبعدته إلى القطر الجزائري بدعوى أنه جزائري الأصل، فأقام بمدينة عنابة نحوًا من ثمانية أعوام، يعلّم ويُلقي دروس الوعظ والإرشاد، وكانت الإرهاصات بظهور جمعية العلماء تتتابع، فكانت دروسه أحدها لاشتمالها على المبادئ الإصلاحية، ثم أظلّه تكوينها وهو في "عنابة"، فهلّل

стр. 802

لها ونافح عن مبادئها بلسانه وقلمه، ولم يلبث أن جاوز البحر إلى فرنسا في حدود سنة ١٩٣٢، واستقرّ بباريس يزاول عملًا كتابيًا شريفًا، وهو عصامي في اللغة الفرنساوية اعتمد في تعلمها على مواهبه وذكائه حتى أتقنها تكلمًا وكتابة، وهو يترجم عنها وإليها كأحسن ما يترجم الذين حذقوها في مدارسها من الصغر. يمتاز الأستاذ اليعلاوي بوفور الحظ من خلال وفضائل نزرت حظوظ أقرانه منها، رأسها الصدق، والوفاء، والإخلاص، وبذل النصيحة والاعتراف بالفضل لأهله، والمسارعة إلى العون، ومن وفائه لإخوانه الذين شاركهم في الطلب والتحصيل بالزيتونة من جزائريين وتونسيين، أنه محتفظ بودّهم، محافظ على عهدهم، فلا يذكرهم إلا بأحسن ما يعلمه عنهم، ويتعهدهم بالسؤال من كل وارد، والتحية مع كل صادر، ومن إخلاصه تفانيه في نشر مبادئ جمعية العلماء، وإنفاق الفضل من أوقاته في التبشير بها والدعوة إليها. يشغل الأستاذ اليعلاوي من وظائف جمعية العلماء رئاسة شعبتها بباريس منذ سنين وهو معتمدها الوحيد ومرجعها في كل ما لها من علائق وشؤون وراء البحر، والجمعية تثق الثقة التامة برأيه وأمانته، كما تثق بعلمه وعقيدته، وتركن إلى عقله وأناته، كما تركن إلى صدقه وإخلاصه، وتفخر بأن يكون مثله في استكمال التجارب وسعة الاطلاع على رأس حركتها في فرنسا. والأستاذ اليعلاوي- مع ذلك كله- دائب الحركة، جمّ النشاط، دقيق النظام، منسّق المواعيد، لا تلمّ الفوضى بساحته، ولا تضيّع حزمه بساطة المظهر وهدوء الطبع. وهو لذلك، يتمتع بالاحترام من كل من عرفه، وبسمعة عاطرة هي حلية المسامع والأفواه. وقد شارك الأستاذ التبسي في كل خطوة خطاها في تمهيد السبيل لتنظيم حركة التعليم والإرشاد بباريس وضواحيها، ونظم الاجتماعات وعلا صوته فيها، بارك الله فيه وأعانه، وسدّد خطاه. ... والشيخ سعيد البابي واسطة الطبقات الوسطى من تلامذة الأستاذ الرَّئِيسُ المرحوم عبد الحميد بن باديس، الذين ربّاهم على هدي القرآن، وأعدّهم لخدمة هذه الأمّة، وراضهم على الصبر وتحمّل المكاره في سبيلها، وسلّحهم بالفضائل الإسلامية لتأخذ الأمّة عنهم بالقدوة في أعمالهم ما يحملها على التصديق بأقوالهم، طريقة في التربية المثلى كان- ﵀ يأخذ بها تلامذته، حتى إذا عاقهم الزمن عن أن يصدروا عنه بعلم غزير، صدروا عنه بفكر نيّر وإرادة قوية وعزيمة شديدة، ومنهج سديد للعمل.

стр. 803

والشيخ السعيد مثال نادر في التضحية ونكران الذات، يتصف بكل ما يتصف به الجندي المخلص المطيع في جيش جمعية العلماء فلا يحفظ عنه أنه كلّف بأمر من شؤونها فكانت له فيه كبوة أو تردّد، بل كان يمضي فيه مضي السهم، لا يلوي على مصلحة خاصة، بل بلونا منه أنه يكلف بعمل ما من أعمال الجمعية، وهو في حالة تشفع فيها المعاذير من مرض قريب أو موته فلا يتلكّأ ولا يعتذر. باشر التعليم مع العاملين في ميدانه فظفر باحترام الأبناء وثقة الآباء، وتكشف عن صبر وحزم وقناعة ودؤب على العمل، قلّ أن تراها مجموعة في غيره؟ وهو الآن مدير لمدرسة التربية والتعليم ببلدة (باتنه)، لا تراه إلا عاملًا في المدرسة، أو عاملًا لجمعية المدرسة، يقوم بما تعجز عنه الجماعة من الأعباء الثقيلة. عمل قبيل الحرب الأخيرة في حركة جمعية العلماء بباريس معلّمًا في أحد نواديها. فلما عزمت الجمعية في هذه الأيام على تجديد تلك الحركة، اختارته ليكون عونًا تشدّ به عضد الأستاذ اليعلاوي في هذا الطور الأول، طور التمهيد والتحضير فيتفقد الفروع التابعة للشعبة المركزية داعية وواعظًا، حتى إذا تمّ التمهيد عزّزته الجمعية بثان وثالث وبكل ما تتطلبه الحركة، فهو طليعة يتبعها أمداد، ورائد تعقبه رواد.

стр. 804

الدكتور عبد الكريم جرمانوس * الدكتور عبد الكريم جرمانوس، مسلم مجري الأرومة، شرقي النزعة، نشأ جبار الذهن، سليم الفطرة، نيّر الفكر، فحدت به نزعته الشرقية إلى ثعلّم أمهات لغات الشرق الإسلامي: التركية والفارسية والعربية، وتعاونت هذه اللغات المتشابكة الأدب والفلسفة، المترابطة التاريخ والمواطن على تكوينه تكوينا شرقيًا جديدًا، ووجّهته بطبيعتها إلى دراسة الإسلام في أصوله الأولى، وانضاف إليها عامل آخر هو فطرته السليمة وفكره النير، فهدته إلى الإسلام، فأسلم إسلامًا صحيحًا مكينًا مبنيًا على الاقتناع الموصل إلى اليقين، والدراسة العميقة المفضية إلى الحق، لا ذلك الإسلام المبني على التقليد المريب، أو على الحيل السياسية المخادعة. فالدكتور عبد الكريم جرمانوس مستشرق من ذلك الطراز الذي ينفذ إلى لباب اللغات والمبادئ فيتأثّر بها تأثرًا وجدانيًا صادقًا، لا من هذا الطراز الذي عرفنا بعض أفراده ذوي الملكات القاصرة في اللغات الشرقية، والأنظار السطحية فيها، فغاية هؤلاء، الاتجار بالاستشراق وجعله ذريعة لخدمة ركاب السياسيين وسلّمًا للوصول إلى الوظائف. ما كنا نجهل هذا الأخ المسلم، والمستشرق الصادق، قبل اليوم، فقد عرفناه من مقالاته التي حرّرها بالعربية الفصحى، وقرأنا عن مؤلفاته في كثير من المجلات العربية، وقدرنا من ذلك كله قيمته ووزنه. وقد اتصل بنا في هذه الأيام، اتصال المسلم بأخيه المسلم، بهذه الرسالة القيّمة التي ننشرها عقب هذا الكلام، فعرفنا فيها بنفسه وبالبواعث الأولى التي حبّبت إليه الإسلام،

стр. 805

وببعض نظراته فيه، وبشيء عن نشأة الإسلام في المجر، وشكا شكوى المسلم الغيور على دينه من عوائق انتشار الإسلام في وطنه (هنغاريا). ونحن نغتبط بهذه الرسالة، ونعدّها عامل اتصال بين الأجزاء المتباعدة من أهل هذا الدين، ونفحة من نفحات الإسلام العاطرة في أوروبا، ونوجّه إلى أخينا عبد الكريم- على بعد الدار- ثناءً خالصًا على هذه التحفة اللطيفة وتحيات تحمل من الربيع روحه وريحانه، ومن الشباب اقتباله وريعانه (١).

стр. 806

نغمة شاذة * كتب الأستاذ "أبو محمد" مقالاته المطولة في المحنة التي نستحي أن نسميها محنة. المغرب الأقصى وملكه وشعبه، لأنها محنتنا جميعًا، ولأنها امتحان لرجولتنا جميعًا، وغمز لكرامتنا وإبائنا جميعًا، فمهما كتبنا فيها وأطلنا، ومهما شرحنا من أسبابها وغاياتها وفصلنا، ومهما انتصرنا فيها لإخواننا المظلومين ودافعنا عنهم- نعد أنفسنا مقصرين عن غاية الانتصار والدفاع، وان منطقنا الصحيح في هذه القضية أن كل مسلم لم يتحرك له لسان ولا قلم فيها- متهم في إسلامه، وأن كل عربي لم يمتعض لها- ضنين في نسبه، وأن كل وطني لم ينتصر لإخوانه الوطنيين المقصودين بالشر فيها- كاذب في دعواه، وبسبب التأثر بهذه القاعدة مس أبو محمد- في ما مس- حزب الشورى والاستقلال، وواخذه بمواقف نظر إليها بغير العين التي ينظر بها الحزب، ولأبي محمد رأيه وفكره وقلمه ومقامه في السياسة، ولكن كثيرًا من إخواننا رجال الحزب تألموا لذلك فتظلموا، وكتبوا إلينا يستعدوننا على أبي محمد، ويستنكرون شدته على الحزب ويعدونه قد كتب من غير تثبت. وكتب إلينا جماعة أخرى من رجال الحزب ينكرون على الأستاذ الوزاني تصريحاته في الندوة الصحافية خاصة، وكل هذه الرسائل- وان اختلفت في أسلوب الاحتجاج- مهذبة مؤدبة اللهجة، مجمعة على إجلال "البصائر"، والتنويه بشرف مواقفها وقوتها في الدفاع، ومن بين تلك الرسائل رسالة من زعيم الحزب الأستاذ محمد بن الحسن الوزاني، خاطب فيها أبا محمد مخاطبة السياسي الأديب للسياسي الأديب، وظهر فيها مظهر الكيس المرتاض على آداب السلوك. و"البصائر" ترحب بهذه الرسائل، ولا يضيق صدرها بهذا الاحتجاج، ما دام دفاعًا خالصًا من إخوان لنا نحبهم جميعًا ولا نفرق بين أحد منهم، ولكنها لا ترضى أبدًا- عن

стр. 807

رسالة واحدة ناشزة عن أخواتها، نابية كل النبو عن الأدب، كتبها أحد المحتجين، وأطال فعثر، وهو رجل من فاس، يدعى: التهامي ... واتهم فيها أبا محمد في صراحة، بأنه يبيع قلمه ... واتهمت "البصائر" بأنها اشتريت وما كفاه ذلك الافك حثى صرح بالمشتري. كبرت كلمة ينطق بها هذا المغفل، ويجري بها قلمه. "البصائر" التي جاهدت في ميدانين، فصارعت دجاجلة الدين حتى صرعتهم، وقارعت فراعنة السياسة، وقاومت وحدها قوى الشر مجتمعة- تبيع شرف الجهاد بثمن، وتدافع عن المجاهدين بأجرة. إن "البصائر" في دفاعها هذا إنما تدافع عن نفسها وعن دينها وعن قومها، وهل يتهم المدافع عن نفسه وعن دينه وقومه، بمثل هذه التهمة الآفكة؟ ولو كانت "البصائر" تتنزل للمطاعم الخبيثة، لباعت الجانب السلبي فقط- وهو السكوت- بالثمن الغالي، وصاحبنا التهامي المغفل ... يعرف الأيدي التي تملك ذلك الثمن، فهل سكتت؟ قولوا لهذا المغفل: ان "البصائر" وقفت موقف الدفاع عن إخوان أنت منهم ولكنك أبيت أن تكون منهم، فاخرج وحدك صاغرًا، وإنها لا تريد منك ولا منهم جزاء ولا شكورًا، لأنها قامت بواجب شكره وأجره عند الله، وبيعه ليس مما أحل الله ... دافعت عن ملك مظلوم، وشعب مغبون، وحزب مقصود بالشر والبلاء، ووطن مهدد بالضياع والابتلاع، وفي هذا كله دفاع عنك لو كنت تعقل، ولو كان الحزب الذي "تدعي" الانتماء إليه مقصودًا بالانتقام، مصرحًا باسمه في هذا الميدان- لوجدتنا سراعًا إلى نصرته، خفافًا إلى نجدته، ولرأيت "البصائر" تقذف بالحمم لا بالكلم، في الدفاع عنه. لا عفا الله عنك يا تهامي ... لكأن فيك- والله- شعبة من سميك (١) - ... ولو كنت عاشر عشرة ممن يحمل هذا الإسم، وينطق بهذا الإثم- لاطردت القاعدة، وتواتر القياس، وهجر هذا الإسم، كما هجر "عبد العزى" في الإسلام، وانتقل الناس بأبنائهم من تهامة إلى نجران ... إننا لا نعلم منزلتك في النباهة، ودرجتك في الحزب، فإن كنت تستحق هذا العتاب فهو تأديب لك، وإن كنت لا تستحقه لخمول قدرك، وخسوف بدرك، فأرجعه إلينا مشكورًا، واردده علينا معذورًا.

стр. 808

صحف الشرق العربي * تصل إلى "البصائر" باسم المبادلة الصحفية أعداد متفرّقة من مجلات الشرق العربي وجرائده، فيصل إليها العدد الرابع مثلًا، ولا يصل ما قبله وما بعده، ثم السابع وهكذا، ويكون هذا الخلل سببًا في حرماننا من الاطلاع على أخبار الشرق متسلسلة، وتفوتنا فوائد علمية عظيمة نحن في أشدّ الحاجة إليها، وتفوتنا تفاصيل الأحداث التي تهمّنا والأحاديث التي تتعلّق بنا، ويفوتنا الاطلاع على سير الحركة العلمية والكتب القديمة والجديدة التي تُنشر، وتفوتنا أخبار وفيات العظماء من العلماء والأدباء، وبذلك كله أصبح اتصالنا بالشرق متقطعًا قليل الفائدة. والسبب في هذا الخلل يرجع- في الأغلب الأعم- إلى إدارة البريد في الجزائر، ويرجع- في القليل النادر- إلى زملائنا أصحاب الجرائد الذين يقتصرون على كتابة العنوان بالعربية، ولا يكتبونه بالحروف الافرنجية غفلة منهم عن الواقع أو جهلًا به، وقد نبّهناهم إلى ذلك في "البصائر"، والواقع هو أن إدارة البريد في الجزائر مصابة بمس استعماري كأخواتها وبنات عمها من الإدارات الحكومية، فلا تعترف بالعربية، ولا تقيم لها وزنًا، ولا تشترط في موزّعيها أن تكون لهم معرفة بالحروف العربية، وكان الواجب أن تفعل ذلك، أو تضع- على الأقل- في إدارة التوزيع مترجمًا يترجم العناوين، لأن ما يرد عليها بالعربية ليس بالشيء القليل، وما إدارة البريد إلا مؤسسة تجارية، وما المتواصلون بواسطتها إلا زبائنها وعملاؤها يأخذون منها ويعطون، وينفعونها وينتفعون، ومن أصول التجارة، الأمانة والثقة والحرص على إرضاء العميل.

стр. 809

فإلى إدارة البريد الجزائري نوجّه هذه الكلمة المنصفة، راجين أن تسدّ هذا الخلل بإقامة مترجم رسمي للعربية في إدارتها، حرصًا على أداء الأمانات إلى أهلها، وأن لا تجاري السياسة في إهمال العربية والاستخفاف بها، وأن تتذكر المصالح التي تفوّتها علينا بهذا الضياع، والأموال التي تضيع على أصحاب الجرائد والمجلات الذين يبادلوننا. وننبّه إدارة البريد إلى أنه كثيرًا ما تأتينا أشياء ليست لنا، فندفعها إلى أصحابها أو نردّها إلى البريد، ونعلم من ذلك أن كثيرًا مما هو لنا يُدفع إلى غيرنا، والسبب في ذلك هو أن عنوانها مكتوب بالعربية وإذا كانت الأمانة تحتّم علينا أن نردّ ما ليس لنا، فمن يضمن لنا أن غيرنا يفعل مثل فعلنا؟

стр. 810

الكتب المهداة إلى "البصائر " * أُهديت إلينا في السنوات الماضية عدة كتب من مؤلفيها، أو من ناشريها، بعضها باسمنا، وبعضها باسم "البصائر"؛ وإهداء كتاب إلى صاحب جريدة معناه في عُرف الناس طلب كلمة عن الكتاب، كأنها إعلان عنه، وهذه الكلمة يريدها صاحب الكتاب- دائمًا- كلمة خير تُلفت قرّاء الصحيفة إليه وإلى كتابه، ويريدها صاحب الصحيفة كلمة حقّ وإنصاف، إمّا للكتاب وإما عليه، ويريدها القراء تصويرًا حقيقيًا لا غشّ فيه، ويقف صاحب الجريدة بين اثنين، أحقهما بالارضاء القارئ؟ هذا إذا كان صاحب الجريدة أهلًا لأن يقول في الكتب هذا مفيد، وهذا غير مفيد؛ فإن لم يكن من أهل ذلك فحسبه الشكر على الهدية، وتكون معاملة بين اثنين: أهدى أحدهما كتابًا، فتقاضى الشكر ثوابًا، وأخذ الثاني هدية، فكافأ عنها بالثناء، ولا حظَّ للقارئ في شي من هذا. و"البصائر" لم تقصر عن الرتبة الأولى، ولكنها لم ترزق من الأحوال المساعدة، والأقلام الناقدة، ما يحقّق رغبتها في أن تكون عارضة لهذه البضائع بقيمتها العلمية من غير غش ولا تدليس، ومرشدة لمواقع الإحسان والإجادة فيها بلا بخس للكتاب ولا تغرير لقارئه. على أن شبابنا في حاجة إلى قراءة القديم النافع، والجديد العامر، وفي حاجة إلى الإرشاد الخالص إليهما؟ ومن حقهم علينا أن نرشدهم إلى تنظيم القراءة، وأن نبيّن لهم ما يُقرأ وما لا يُقرأ لأن أوقاتهم محدودة، ولأن ... دراهمهم معدودة ... وصاحب "البصائر" مستغرق الأوقات في الأعمال العامة، وأبناؤه الكتّاب المتأهلون لهذا متفرقون في مراكز التعليم المتباعدة، فلم يبق إلا أن نسكت كما سكتنا، وهو ما لا تسعه
следующие страницы →