نغمة شاذة *
كتب الأستاذ "أبو محمد" مقالاته المطولة في المحنة التي نستحي أن نسميها محنة. المغرب الأقصى وملكه وشعبه، لأنها محنتنا جميعًا، ولأنها امتحان لرجولتنا جميعًا، وغمز لكرامتنا وإبائنا جميعًا، فمهما كتبنا فيها وأطلنا، ومهما شرحنا من أسبابها وغاياتها وفصلنا، ومهما انتصرنا فيها لإخواننا المظلومين ودافعنا عنهم- نعد أنفسنا مقصرين عن غاية الانتصار والدفاع، وان منطقنا الصحيح في هذه القضية أن كل مسلم لم يتحرك له لسان ولا قلم فيها- متهم في إسلامه، وأن كل عربي لم يمتعض لها- ضنين في نسبه، وأن كل وطني لم ينتصر لإخوانه الوطنيين المقصودين بالشر فيها- كاذب في دعواه، وبسبب التأثر بهذه القاعدة مس أبو محمد- في ما مس- حزب الشورى والاستقلال، وواخذه بمواقف نظر إليها بغير العين التي ينظر بها الحزب، ولأبي محمد رأيه وفكره وقلمه ومقامه في السياسة، ولكن كثيرًا من إخواننا رجال الحزب تألموا لذلك فتظلموا، وكتبوا إلينا يستعدوننا على أبي محمد، ويستنكرون شدته على الحزب ويعدونه قد كتب من غير تثبت. وكتب إلينا جماعة أخرى من رجال الحزب ينكرون على الأستاذ الوزاني تصريحاته في الندوة الصحافية خاصة، وكل هذه الرسائل- وان اختلفت في أسلوب الاحتجاج- مهذبة مؤدبة اللهجة، مجمعة على إجلال "البصائر"، والتنويه بشرف مواقفها وقوتها في الدفاع، ومن بين تلك الرسائل رسالة من زعيم الحزب الأستاذ محمد بن الحسن الوزاني، خاطب فيها أبا محمد مخاطبة السياسي الأديب للسياسي الأديب، وظهر فيها مظهر الكيس المرتاض على آداب السلوك.
و"البصائر" ترحب بهذه الرسائل، ولا يضيق صدرها بهذا الاحتجاج، ما دام دفاعًا خالصًا من إخوان لنا نحبهم جميعًا ولا نفرق بين أحد منهم، ولكنها لا ترضى أبدًا- عن
стр. 807
رسالة واحدة ناشزة عن أخواتها، نابية كل النبو عن الأدب، كتبها أحد المحتجين، وأطال فعثر، وهو رجل من فاس، يدعى: التهامي ... واتهم فيها أبا محمد في صراحة، بأنه يبيع قلمه ... واتهمت "البصائر" بأنها اشتريت وما كفاه ذلك الافك حثى صرح بالمشتري.
كبرت كلمة ينطق بها هذا المغفل، ويجري بها قلمه. "البصائر" التي جاهدت في ميدانين، فصارعت دجاجلة الدين حتى صرعتهم، وقارعت فراعنة السياسة، وقاومت وحدها قوى الشر مجتمعة- تبيع شرف الجهاد بثمن، وتدافع عن المجاهدين بأجرة.
إن "البصائر" في دفاعها هذا إنما تدافع عن نفسها وعن دينها وعن قومها، وهل يتهم المدافع عن نفسه وعن دينه وقومه، بمثل هذه التهمة الآفكة؟
ولو كانت "البصائر" تتنزل للمطاعم الخبيثة، لباعت الجانب السلبي فقط- وهو السكوت- بالثمن الغالي، وصاحبنا التهامي المغفل ... يعرف الأيدي التي تملك ذلك الثمن، فهل سكتت؟
قولوا لهذا المغفل: ان "البصائر" وقفت موقف الدفاع عن إخوان أنت منهم ولكنك أبيت أن تكون منهم، فاخرج وحدك صاغرًا، وإنها لا تريد منك ولا منهم جزاء ولا شكورًا، لأنها قامت بواجب شكره وأجره عند الله، وبيعه ليس مما أحل الله ... دافعت عن ملك مظلوم، وشعب مغبون، وحزب مقصود بالشر والبلاء، ووطن مهدد بالضياع والابتلاع، وفي هذا كله دفاع عنك لو كنت تعقل، ولو كان الحزب الذي "تدعي" الانتماء إليه مقصودًا بالانتقام، مصرحًا باسمه في هذا الميدان- لوجدتنا سراعًا إلى نصرته، خفافًا إلى نجدته، ولرأيت "البصائر" تقذف بالحمم لا بالكلم، في الدفاع عنه.
لا عفا الله عنك يا تهامي ... لكأن فيك- والله- شعبة من سميك (١) - ... ولو كنت عاشر عشرة ممن يحمل هذا الإسم، وينطق بهذا الإثم- لاطردت القاعدة، وتواتر القياس، وهجر هذا الإسم، كما هجر "عبد العزى" في الإسلام، وانتقل الناس بأبنائهم من تهامة إلى نجران ...
إننا لا نعلم منزلتك في النباهة، ودرجتك في الحزب، فإن كنت تستحق هذا العتاب فهو تأديب لك، وإن كنت لا تستحقه لخمول قدرك، وخسوف بدرك، فأرجعه إلينا مشكورًا، واردده علينا معذورًا.
стр. 808
صحف الشرق العربي *
تصل إلى "البصائر" باسم المبادلة الصحفية أعداد متفرّقة من مجلات الشرق العربي وجرائده، فيصل إليها العدد الرابع مثلًا، ولا يصل ما قبله وما بعده، ثم السابع وهكذا، ويكون هذا الخلل سببًا في حرماننا من الاطلاع على أخبار الشرق متسلسلة، وتفوتنا فوائد علمية عظيمة نحن في أشدّ الحاجة إليها، وتفوتنا تفاصيل الأحداث التي تهمّنا والأحاديث التي تتعلّق بنا، ويفوتنا الاطلاع على سير الحركة العلمية والكتب القديمة والجديدة التي تُنشر، وتفوتنا أخبار وفيات العظماء من العلماء والأدباء، وبذلك كله أصبح اتصالنا بالشرق متقطعًا قليل الفائدة.
والسبب في هذا الخلل يرجع- في الأغلب الأعم- إلى إدارة البريد في الجزائر، ويرجع- في القليل النادر- إلى زملائنا أصحاب الجرائد الذين يقتصرون على كتابة العنوان بالعربية، ولا يكتبونه بالحروف الافرنجية غفلة منهم عن الواقع أو جهلًا به، وقد نبّهناهم إلى ذلك في "البصائر"، والواقع هو أن إدارة البريد في الجزائر مصابة بمس استعماري كأخواتها وبنات عمها من الإدارات الحكومية، فلا تعترف بالعربية، ولا تقيم لها وزنًا، ولا تشترط في موزّعيها أن تكون لهم معرفة بالحروف العربية، وكان الواجب أن تفعل ذلك، أو تضع- على الأقل- في إدارة التوزيع مترجمًا يترجم العناوين، لأن ما يرد عليها بالعربية ليس بالشيء القليل، وما إدارة البريد إلا مؤسسة تجارية، وما المتواصلون بواسطتها إلا زبائنها وعملاؤها يأخذون منها ويعطون، وينفعونها وينتفعون، ومن أصول التجارة، الأمانة والثقة والحرص على إرضاء العميل.
стр. 809
فإلى إدارة البريد الجزائري نوجّه هذه الكلمة المنصفة، راجين أن تسدّ هذا الخلل بإقامة مترجم رسمي للعربية في إدارتها، حرصًا على أداء الأمانات إلى أهلها، وأن لا تجاري السياسة في إهمال العربية والاستخفاف بها، وأن تتذكر المصالح التي تفوّتها علينا بهذا الضياع، والأموال التي تضيع على أصحاب الجرائد والمجلات الذين يبادلوننا.
وننبّه إدارة البريد إلى أنه كثيرًا ما تأتينا أشياء ليست لنا، فندفعها إلى أصحابها أو نردّها إلى البريد، ونعلم من ذلك أن كثيرًا مما هو لنا يُدفع إلى غيرنا، والسبب في ذلك هو أن عنوانها مكتوب بالعربية وإذا كانت الأمانة تحتّم علينا أن نردّ ما ليس لنا، فمن يضمن لنا أن غيرنا يفعل مثل فعلنا؟
стр. 810
الكتب المهداة إلى "البصائر " *
أُهديت إلينا في السنوات الماضية عدة كتب من مؤلفيها، أو من ناشريها، بعضها باسمنا، وبعضها باسم "البصائر"؛ وإهداء كتاب إلى صاحب جريدة معناه في
عُرف الناس طلب كلمة عن الكتاب، كأنها إعلان عنه، وهذه الكلمة يريدها صاحب الكتاب- دائمًا- كلمة خير تُلفت قرّاء الصحيفة إليه وإلى كتابه، ويريدها صاحب الصحيفة كلمة حقّ وإنصاف، إمّا للكتاب وإما عليه، ويريدها القراء تصويرًا حقيقيًا لا غشّ فيه، ويقف صاحب الجريدة بين اثنين، أحقهما بالارضاء القارئ؟ هذا إذا كان صاحب الجريدة أهلًا لأن يقول في الكتب هذا مفيد، وهذا غير مفيد؛ فإن لم يكن من أهل ذلك فحسبه الشكر على الهدية، وتكون معاملة بين اثنين: أهدى أحدهما كتابًا، فتقاضى الشكر ثوابًا، وأخذ الثاني هدية، فكافأ عنها بالثناء، ولا حظَّ للقارئ في شي من هذا.
و"البصائر" لم تقصر عن الرتبة الأولى، ولكنها لم ترزق من الأحوال المساعدة، والأقلام الناقدة، ما يحقّق رغبتها في أن تكون عارضة لهذه البضائع بقيمتها العلمية من غير غش ولا تدليس، ومرشدة لمواقع الإحسان والإجادة فيها بلا بخس للكتاب ولا تغرير لقارئه.
على أن شبابنا في حاجة إلى قراءة القديم النافع، والجديد العامر، وفي حاجة إلى الإرشاد الخالص إليهما؟ ومن حقهم علينا أن نرشدهم إلى تنظيم القراءة، وأن نبيّن لهم ما يُقرأ وما لا يُقرأ لأن أوقاتهم محدودة، ولأن ... دراهمهم معدودة ...
وصاحب "البصائر" مستغرق الأوقات في الأعمال العامة، وأبناؤه الكتّاب المتأهلون لهذا متفرقون في مراكز التعليم المتباعدة، فلم يبق إلا أن نسكت كما سكتنا، وهو ما لا تسعه
стр. 811
المروءة، ونحن في خجل من ماضيه، فكيف نقرّه أو نقيم عليه، أو نتنزّل إلى الرتبة الدنيا، فنكتفي بالشكر وهو أيسر الجزاء.
وقد كنا وضعنا الكتب المهداة على حدة، انتظارًا لفرصة قراءتها، فالكتابة عليها، فلم تتح الشواغل لنا فرصة، وسننشر في المستقبل على التوالي بعض تلك الهدايا، ومعذرة إلى أصحابها الأفاضل عما وراء ذلك.
стр. 812
اتحاد الأحزاب بالمغرب الأقصى *
(بيان موجه من أحزاب المغرب إلى الرأي العام
المغربي خاصة والرأي العام العربي عامة)
ــ
يسر أحزاب الاستقلال، الشورى والاستقلال، الإصلاح، الوحدة المغربية أن تعلن للشعب المغربي الكريم خاصة وللأمم العربية عامة أنها رأت، وقد بدأت قضية المغرب تأخذ مكانتها من الاهتمام الدولي وسيرها إلى الأمم المتحدة، ضرورة توحيد الصفوف وجمع الكلمة، فاجتمع لهذه الغاية السادة:
علال الفاسي، وعبد الخالق الطريس، والمكي الناصري، وأحمد بن سودة نائبًا عن محمد حسن الوزاني لعدم تمكنه من الحضور عند الشيخ المحترم محمود بك أبي الفتح (عضو مجلس الشيوخ المصري) ووقعوا ميثاقًا وطنيًا قوميًا، بحضور بعثة نقابة الصحافة المصرية ومندوب الجامعة العربية، وقد بني هذا الميثاق على ما يأتي:
أولًا: أن تعمل الأحزاب جميعًا لاستقلال المغرب استقلالًا تامًا فلا يقبل أي حزب مبدأ الانخراط في الوحدة الفرنسية، إنما تقوم العلاقات بين المغرب المستقل وبين فرنسا على أساس معاهدة جديدة.
ثانيًا: إنه ليس لواحد منهم غاية يسعى إليها قبل الاستقلال.
ثالثًا: لا مفاوضة قبل إعلان الاستقلال.
رابعًا: لا مفاوضة مع المستعمر في الجزئيات ضمن النظام الحاضر.
خامسًا: كل عمل يؤيد توجيهات الإقامة العامة ضد جلالة الملك محمد الخامس يعتبر خرقًا لمبادئ الميثاق.
стр. 813
سادسًا: تعاون مراكش مع الجامعة العربية وفي دائرتها قبل الاستقلال وبعده واجب قومي. سابعًا: يلتزم الموقعون ألا يقبلوا تركيب جبهة مع الحزب الشيوعي المغربي.
ثامنًا: تؤسس الأحزاب الموقعة لجنة اتصال وتشاور مع الاحتفاظ لكل حزب بحريته ضمن نظام هذا الميثاق.
والأحزاب الموقعة على هذا الميثاق تنتهز هذه الفرصة السعيدة لتعبر لسعادة الشيخ محمود أبي الفتح بك عن شكرها وامتنانها للمجهودات التي بذلها في تقريب وجهات النظر والمساعدة والوصول لهذه الغاية المنشودة. كما تشكر حضرات أعضاء بعثة نقابة الصحافة المصرية: الأساتذة محمد عبد القادر حمزة، ومحمد زكي عبد القادر، وحبيب جاماتي، وزكريا لطفي جمعة، وحضرة مندوب الجامعة العربية الأستاذ صالح أبي رقيق.
والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.
طنجة في التاسع من أبريل سنة ١٩٥١.
"البصائر": هذه هي الأمنية التي كنا نتمناها على الله، ونعمل لها بأقوالها وأعمالنا. لعلمنا أن الاتحاد هو السلاح الوحيد الذي نستطيع أن نفل به سلاح الاستعمار.
في أمتنا حظ مقسوم للاستعمار، من المرتزقة والأئمة والعلماء والموظفين ومشائخ الطرق، فإذا اختلفت العناصر الصالحة، كان ذلك مزيدًا في حظه. فهذا الاتحاد العتيد الذي هيأ الله أسبابه فكانت كلها عجبًا- يُعَدُّ تفسيرًا لحظ الاستعمار وتوفيرًا لحقوق الوطن، فقد كان الاستعمار يعتمد على الأشخاص من الطوائف المذكورة وعلى المعاني التي يقررها الخلاف في الأمة، فخسر المعاني وأصبح لا يعتمد إلّا على الأشخاص، وهي أوهى العمادين.
وإذا كان هذا الاتحاد نعمة من الله لا يكافئها شكر، فلبعض مخلوقاته فيها يد لا تقابل بالنكر، ومن مخلوقاته الجنرال جوان، فقد كان لظلمه وعتوه وغطرسته الأثر الواضح في جمع الشمل المتشتت، وتعاطف الاخوة المتقاطعين.
أما إخواننا العرب الذين هبوا للتحقيق والبحث، فأصبحوا عاملين للاحياء والبعث، وجرت على أيديهم المعجزة ... مقرونة بالتحدي للاستعمار- فقد قاموا بواجب تفرضه الاخوة والإنسانية، وأرادوا أمرًا فأراد الله ما هو خير وأنفع.
طالما وجهت جمعية العلماء الدعوة إلى الاتحاد، عامة لأحزاب الشمال الافريقي وخاصة لحزبي الجزائر القوميين، وما زالت دائبة على ذلك، تعده من الفروض التي لا تبرأ
стр. 814
ذمتها إلا بتحقيقها: وعن قريب- بعون الله- تزف "البصائر" البشرى الثانية، فالثالثة، كما زفت أولاهن اليوم.
نزف التهاني العاطرة بأزهار الربيع إلى إخواننا الذين أضناهم الخلاف، باستقرار القلوب الواجفة في حناياها، وإلى الشيخ المحترم الأستاذ محمود أبي الفتح، بهذا الفتح القريب الذي هيأه الله له، وإلى مندوب الجامعة العربية، بما جمع الله من القلوب على يديه، وإلى زملائنا رجال الصحافة المصرية، بهذا الرزق الدسم الذي سناه الله لأقلامهم حين ينقلبون إلى أهليهم، فينيرون القضية، وينصرون الحق، وينشرون الحقيقة، ويفخرون بما تم على أيديهم وأقلامهم من خير عميم لإخوانهم، وإلى الأستاذ سعيد رمضان، بما أضاف إلى "إخوانه" من إخوان، وفي الأخير- نهنئ إخواننا: علال والوزاني والطريس والناصري، بهذه الفرصة التي نقلتهم من مقام الرجولة إلى مقام البطولة.
نسوق إليهم هذه التهنئة الخالصة مقرونة بالإجلال، باسم "البصائر"، واسم جمعية العلماء، واسم الأحزاب الوطنية في الجزائر، واسم الأمة الجزائرية المقاسمة للمغرب في أفراحه وأحزانه، متمنين على الله- تمنيًا مقرونًا بالعمل- أن يقدر للجزائر وتونس ما قدر للمغرب من اتحاد وأنصار، وأن يتم نعمته بتوفيق أحزاب هذا الشمال إلى اتحاد عام، يساير حكمة الله في خلقه وطنًا واحدًا، وأن يهدي علماء الدين، فيكونوا أعوانًا على الحق، لا إخوانًا للشياطين، وقادة للأحرار لا عبيدًا للعبيد؟ وأن يكونوا- كما كان سلفهم- أعلام هداية في الدين والدنيا.
стр. 815
تنصّل من تهمة *
"نحن الذين يوقعون أسفله عقب تاريخه (مقدّم الزاوية التجانية بالرباط محمد بن العياشي، والمدرّس بها وببعض مساجد الرباط عبد الواحد بن عبد الله، وإمامها المكي الاعتابي) باسمنا واسم التجانين بالرباط نكذب ما نسبته صحيفة فرنسية إلى التجانين بالرباط من أنهم تبرّأوا من حزب الاستقلال، ونصرّح بأن الدين الإسلامي يحرّم على المسلم أن يتبرّأ من المسلم ونؤكد بهذه المناسبة تعلّقنا بالعرش العلوي المجيد وصاحبه جلالة السلطان سيدنا محمد الخامس- نصره الله-. وننبّه أيضا على أن عريضة علماء الرباط المؤرّخة بعاشر ربيع الثاني الفارط المرفوعة إلى الجلالة الشريفة أول من وقّعها عبد الواحد بن عبد الله المذكور وبعده المقدّم والإمام المذكوران وغيرهما من علماء الرباط تجانين وغير تجانين، وأن الذي رفع هذه العريضة إلى الجلالة الشريفة هو المقدّم محمد بن العياشي المذكور مع بعض علماء الرباط ".
وحرّر في خامس وعشرين جمادى الثانية عام ٠٧٣١هـ.
محمد بن العياشي- عبد الواحد بن عبد الله- المكي الاعتابي.
ــ
"البصائر"، نشرنا هذا التبرّؤ بألفاظه، وأسماء أصحابه، لاعتقادنا أن أصحابه صادقون في دعواهم، وأن كل مسلم صحيح الإسلام في المغرب الأقصى، بل في الشمال الإفريقي المتلاصق الأجزاء، المتقارب الميول والأفكار. يستحيل أن ينطوي على خلاف لجلالة السلطان، أو مشاقة للرجال الأحرار العاملين على تحرير الوطن، وأن غاية ضعفاء الإيمان والإرادات منّا أن يقعدوا، وقلوبهم مملوءة ببغض الاستعمار وجوارحهم كلها مع الأحرار، يعاونونهم ولو بما لا كلفة فيه، وهو الدعاء، وقد يكون هذا الدعاء- لفرط الضعف- سريًا، وقد يكون غير مقبول عند الله لأن دعاء الجبناء في ضلال.
стр. 816
أما هذه الشراذم المجاهرة بولاء الاستعمار، والتنكر للوطن وبنيه، فهي فئة انتهى بها فساد الفطرة إلى دركة لا تزيد على العجماوات إلا بأن فيها خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
ثم نقول لهؤلاء الإخوان المتبرّئين: ما هذه النسبة التي خصصتم أنفسكم بها حتى أصبحت مناطًا لأحكام خاصة بكم، ومنها هذا الاتهام؟ ... وان العقلاء ليحكمون بأن هذه الجريدة لم تظلمكم، لأنكم بهذه النسبة الخاصة أوقفتم أنفسكم هذا الموقف ولأن الاستعمار عهد منكم هذا أو من أسلافكم، أو من أمثالكم من أصحاب هذه النسب الشاذة في الإسلام، ولو لم تنفردوا بهذه النسبة وبقيتم في غمار المسلمين لما علقت بكم هذه التهمة.
إنهم ما علقوا بكم هذه التهمة لأنكم مسلمون، بل لأنكم تيجانيون، وشرّ الخصائص خصوصية جرت إلى صاحبها التهم، ووصمته بما يشذّ به عن قومه، أو بما يصيّره خصمًا لهم. وانهم لم يرموكم هذه المرّة بهذه التهمة إلا ليشغلوكم بالسلب عن الإيجاب وبالدفاع عن أنفسكم عن الدفاع عن دينكم ومليككم وعن المظلومين من أبناء وطنكم. وليس هذا النوع من توزيع القوى في النفس الواحدة، وتشتيتها في الأمّة الواحدة، إلا من خصائص الاستعمار، ومما امتاز بالحذق فيه والبراعة في استعماله.
إنهم رأوا تفرّقنا في النسب، وغلوّنا فيها، فوسّعوا الشقّ، فهلّا رجعنا إلى النسبة المحمدية الجامعة، وسددنا في وجوههم هذه المنافذ.
إن العاقل لا ينتحل نسبة أو وصفًا إلا إذا اعتقد أنه يكتسب بذلك شرفا لم يكن له، وأنتم- قبل أن تكونوا تيجانيين- كنتم مسلمين، أفلم يكفكم شرف الإسلام حتى التمستم ما يكمّله من هذه النسب المفرّقة؟ أم أن الإسلام- في نظركم- قاصر عن أنْ يصل بأهله إلى درجات الشرف الرفيعة، فجئتم تلتمسون الشرف والرفعة في غيره؟ فاحذروا ... فإن من النتائج اللازمة لصنيعكم هذا نتيجة قبيحة جدًا في حكم الشرع وفي حكم العقل وهي أن أصحاب هذه النسب يعتقدون أنهم أرفع قدرًا من العاطلين منها، ومن العاطلين منها أبو بكر وعمر وجميع أصحاب رسول الله ﷺ ...
لا نريد أن نحرجكم بجدل ديني فرغنا منه، ودهمنا ودهمكم من عوادي الدهر ما شغلنا عنه، ولكننا نقول لكم قول الناقد البصير، المشفق من المصير: انه لولا هذه النسب المفرّقة لشمل المسلمين، لما وجد الاستعمار منفذًا يلج منه إلى أوطاننا، ولما وجد من المطايا الذلل أمثال عبد الحي ... فإن هذا الرجل لم يعتزّ بالإسلام ولم يعتزّ بالعلم، وابتغى العزّة من غيرهما فذلّ وأذلّ قومه، وما امتطاه الاستعمار لأنه مُحَدِّث، وإنما امتطاه من حيث أنه شيخ
стр. 817
طريقة، وإذا كان من الأساطير أن يركب الجن القنافذ، فمن الحقائق أن يفتح الاستعمار ببعض الرجال، كوى ومنافذ.
أما والله، لولا هذه النسب التي فرّقت كلمة المسلمين وباعدت بين قلويهم، لما جعل الاستعمار من الأمّة الواحدة أممًا يضرب بعضها ببعضها، ويسلّط بعضها على بعضها، ويرهب بعضها ببعضها، ولولا هذه المعاني الدخيلة في الإسلام لما ثبتت للاستعمار في أرضنا قدم.
ومن العجب أنكم منسوبون إلى العلم، ثم أنتم توثرون على هذه النسبة الشريفة ضرة تضيمها، وتضرب عليها الذل والمهانة.
احذفوا هذه الزوائد، وكونوا من أمّتكم الواحدة تندفع عنكم هذه التهمة وتصبحوا في غنية عن هذا التنصل.
стр. 818
بيانات للأمّة من المكتب الإداري لجمعية
العلماء في قضية الصوم والإفطار *
١ - ثبت هلال شعبان ثبوتًا شرعيًا، ليلة الاثنين (مساء الأحد) في مصر وفي تونس، وأخبرت هيئاتهما العلمية بذلك وعمّمته بجميع وسائل التعميم كالجرائد وغيرها، وجرت الحكومات والصحف في التاريخ اليومي على اعتبار يوم الاثنين أول يوم من شعبان، كما ثبت ذلك بالرؤية هنا في عدة جهات من القطر الجزائري ولم يبلغنا ذلك إلا مؤخرًا، ولكن الخبر لم يعمّم، لزهد العامة في التبليغ إلى القضاة، لأنها لم تر منهم العناية بمثل هذه القضية.
٢ - الأقطار الإسلامية كلها دار واحدة، فحيثما ثبتت الرؤية وعلمت على وجهها الشرعي الصحيح، قامت بها الحجة على الجميع، وتعلّق بهم الحكم صومًا وإفطارًا، ولا عبرة بما هو شائع من اختلاف المطالع، فإن القواعد الفلكية اليقينية تنقضه.
٣ - وظيفة القضاة في هذا الباب لا تتجاوز سماع الشهادات بالرؤية وتعديلها وتسجيلها (بشرط أن لا يكون القاضي نفسه مسلوب العدالة)، أما الحكم بالصوم أو الإفطار فهو من الله ورسوله، إذا تحقّق موجبه، فكل من سمع خبر الرؤية من عدلين تعلّق به الحكم.
٤ - المذاييع كافية في الأخبار إذا كان للمسلمين فيها يد، لأنها لا تستطيع الاختلاق في هذا الباب، فإن اختلفت فالمثبت منها مقدّم على النافي، لأن عدم رؤية الهلال في جهة لا يقتضي عدم رؤيته في جهة أخرى، ولكن يحسن أن يذفع الخبر اثنان، حتى يكون تبليغ الشهادة كأدائها بواسطة اثنين، وما يقال في المذيعين يقال في المستمعين لهما إذا أريد نقل الخبر، وما يقال في خبر الإذاعة يقال في خبر التلفون.
٥ - رؤية الهلال صباحًا قبل طلوع الشمس يمنع من رؤيته مساء بعد غروبها، بل هو محال في القواعد الفلكية القطعية، إذ لا بدّ في كل شهر قمري من ليلة محاق لا يقابل القمر
стр. 819
الشمس فيها بجانب من جوانبه فيقتبس الجزء المقدّر له من نورها، وهو نصف سبع، بل يطلع مغمورًا بنورها، ويغرب مغمورًا بنورها، فلا يراه أحد في الصباح ولا في المساء، وهو معنى المحاق، فإذا طلع قبلها، فلا بدّ من غروبه قبلها، كما هي سنته في جميع أيام الشهر، وإذا جوزنا رؤيته صباحًا ومساءً في اليوم الأخير من الشهر، لزمنا تجويز ذلك في جميع أيام الشهر، وهذا محال في عالم الواقع، ومما يمنع ذلك وينقضه أن الهلال الذي يرى صباحًا هو هلال الشهر الماضي، والهلال الذي يُرى في المساء هو هلال الشهر الآتي، ولا يجتمع هلالا شهرين في يوم واحد، ولا يوزّع يوم واحد بين شهرين، إلا إذا كان هناك هلالان، أو كان في النظام الشمسي اختلال، وإن هذا كله لمحال في سنّة من قدر القمر منازل، وجعل الشمس والقمر بحسبان، وحاش سنن الله في الدين والكون أن تتناقض هذا التناقض، وكلام الفقهاء في هذه القضية كلام فقهي، ومن محاسن الفقهاء أنهم يرجعون في كل شيء إلى أهله، كما رجعوا إلى الأطباء في أشياء، والحكم في هذه القضية علماء الفلك، وقواعد الفلك كقواعد الحساب والهندسة، كلها قطعية، والرجوع إلى القطعيات اليقينية من مقاصد الدين الإسلامي.
٦ - اختلاف المسلمين في الصوم والإفطار بعد عموم الخبر بالرؤية قبيح جدًا، ولو مع التأول، لأنه يذهب بجمال الشعيرة، ويطمس أعلام الحكمة فيها، ويغطي على روعة الاتحاد، ويباعد بين القلوب، ويغرس فيها بذور النفرة، ويعين شياطين الفتنة من الإنس والجن على تقطيع الروابط بين المسلمين، ويجلب استخفاف الأجانب بالمسلمين وبدينهم، ولأنه- مع ذلك كله- نوع شنيع من التفرّق في الدين، الذي أمر الله نبيّه بالبراءة من فاعليه والمتسبّبين فيه.
٧ - من أقبح القبائح اعتبار التقسيمات السياسية أو الجغرافية بين الأقطار الإسلامية في قضية دينية كهذه، فيصبح للمغرب صوم وعيد، وللجزائر صوم وعيد، وهكذا، وأي دليل يأخذه الاستعمار على أننا أمم شتّى لا أمّة واحدة أكبر من هذا؟ إنها أكبر حجّة علينا، نقدّمها بأنفسنا.
٨ - الإنصاف أن نعمل برؤية الأقطار الإسلامية، وتعمل هي برؤيتنا، ولكن ليس من الإنصاف أن يعطينا إخواننا شهادات مبنية على أصول إسلامية واعتبارات شرعية، ومؤهلات دينية، ويأخذوا منا شهادات على يد لجنة كوّنتها حكومة استعمارية لغايات ليس منها الدين، وما أحقّنا بقول القائل:
وَلِي كَبِدٌ مَقْرُوحَةٌ مَنْ يَبِيعُنِي ... بِهَا كَبِداً لَيْسَتْ بِذَاتِ قُرُوحِ؟
أَبَاهَا عَلَيَّ النَّاسُ لَا يَشْتَرُونَهَا ... وَمَنْ يَشْتَرِي ذَا عِلَّةٍ بِصَحِيحِ؟
стр. 820
٩ - الحج عرفة، ويوم عرفة وأيام منى التي يتشوق إليها حجّاجنا إنما تتحقّق برؤية الحجاز، وكثيرًا ما يكون يوم العيد عندهم هو يوم العيد عندنا، وكثيرًا ما يكون يوم الصوم هو يوم النحر، وقد أصبحت أخبار الحجاز تصلنا في لحظة بواسطة الإذاعة، فما هو هذا العقل السخيف الذي يتردّد في العمل برؤية الحجاز، أو في عمل الحجاز برؤيتنا لو كانت تنتهي إليهم بواسطة (سالمة)؟
١٠ - جمعية العلماء تعمل لإرجاع المسلمين إلى الحق في دينهم، وجمعهم على الحق فيه، فهي تدعو إلى ترك الخلاف في الصوم والإفطار لما بيّنته من شروره، وهي- حين تدعو إلى ذلك- إنما تدعو إلى الرجوع إلى الحق في الدين، وإذا كانت تنكر على لجنة الأهلة أمرها، فإن ذلك الإنكار موجّه إلى تشكيلها، وإلى اليد التي تسيّرها، وإلى الغاية التي تراد منها، لا إلى أشخاصها، ولو أننا سألنا رئيس اللجنة اليوم، وأجابنا بالصدق، لأخبرنا من الآن بيوم الصوم ويوم الفطر، كأن الحديث عن شهر جوان، لا عن شهر رمضان، وقد أخبر م. نايجلان في وقت مضى عن يوم عيد إسلامي قبل دخول شهره، ومن يستطيع أن يخبر بأسماء النواب، قبل يوم الانتخاب، لا يبعد عليه أن يخبر بيوم عيد يتوقف على الهلال، قبل ظهور هلاله.
١١ - تدخل الحكومة في شؤوننا الدينية باطل، وكل ما بُني على الباطل فهو باطل، والمعدوم شرعًا كالمعدوم حسًّا.
١٢ - حيث أن المرجع الديني التنفيذي مفقود في الجزائر، فالمرجع هو جماعة المسلمين، وهي تتمثّل في جمعية العلماء وشُعَبِها وأنصارها، وبناءً على هذا فجمعية العلماء ترى من الواجب عليها، ومن طبيعة عملها الخيري، أن تكون واسطة بين أطراف القطر في تحمل الشهادة بالرؤية، وفي أدائها، وفي تعميم الأخبار بها بكل الوسائل التي تدخل في إمكانها.
١٣ - مركز جمعية العلماء في الجزائر يبقى مفتوحًا إلى الساعة الواحدة بعد نصف الليل، لتلقّي الأخبار، والإجابة عنها، وتوزيعها، فعلى الأمّة كلها، وعلى شعب جمعية العلماء ومعلّميها وجمعياتها المحلية بالخصوص، أن يرقبوا هلال رمضان مساء الاثنين رابع شهر جوان الآتي، ومن رأى الهلال فليبلغّ الخبر حالًا بأية وسيلة إلى المركز القريب إليه من المراكز الآتي ذكرها، وعليه أن يبلّغه إلى ما يجاوره ويحيط به من المنازل والقرى.
١٤ - تجربة سنوات دلّتنا على أن الطلبات التلفونية- مستخبرة أو مخبرة- تتزاحم على إدارة بريد العاصمة فيتعطل المتأخر منها، لذلك رأت الجمعية أن تنظّم الاتصال في هذه السنة تنظيمًا يمنع التعطيل، وذلك بأن لا يتصل المخبرون والسائلون بمركز الجمعية في
стр. 821
العاصمة رأسًا، بل يتصل كل واحد منهم بالمركز القريب منه من المراكز المذكورة في آخر هذه الكلمة، وذلك المركز يتصل بمركز العمالة، وهو يتصل بمركز العاصمة.
...
فعلى الإخوان والمشائخ المعلّمين أن يقوموا في هذه القضية المقام المحمود، وأن يبذلوا جهدهم في تبليغ خبر الرؤية إن ثبتت ثبوتًا شرعيًا، وأن يسعوا في الحصول على الغاية الشريفة، وهي توحيد الأمّة على الصوم والإفطار، ونسأل الله أن يمدّ العاملين المخلصين بعونه.
стр. 822
أكبر زلّة تقترفها لجنة الأهلة *
لم تتحرّك هذه اللجنة إلا بعد أن صدر العدد ١٥٧ من "البصائر" وفيه كلمة عن رؤية هلال رمضان، وما قرّرته جمعية العلماء في قضية الصوم، وقضية الصوم هذه هي (العمل) الذي تحتكره اللجنة، وتعدّه من حقوقها، أو من خصائصها على الأقل، بحكم القانون الجمهوري الفرنساوي، لا بحكم الإسلام، ولا بحكم جماعة المسلمين.
ولكن رئيس هذه اللجنة التي تدّعي استحقاق هذا الحق، لم يتحرّك لإثبات حقه إلا حين بقي بيننا وبين رمضان ثلاثة أيام، ولولا أننا (افتتنا على حقه) وأزعجناه بما كتبنا لاسترسل في سكونه وسكوته إلى الساعة التاسعة من ليلة الشك، كما تسمّيها اللجنة لا كما يعرفها الفقه، وفيها يجمع الرَّئِيسُ لجنته الاجتماع التقليدي الذي ينتهي بانتهاء الساعة العاشرة من تلك الليلة، والنتيجة دائمًا هي هي: توفد اللجنة الشيخين المفتيين (١) إلى راديو الجزائر الموضوع تحت تصرفها، ليذيعا على مستمعيه جملتين تقليديتين، إحداهما: لم يثبت رمضان، والأخرى: لا تسمعوا للمشوّشين، والمشوّشون- بالطبع- هم هذه "الأمّة" التي تسمّى جمعية العلماء.
هذا هو التقليد المتّبع في هذه اللجنة، وإن خالفته هذه السنة ببقائها حصة زائدة في الانتظار تمويهًا وتضليلًا، ولعلّ هذه المخالفة من آثار إزعاجنا لها، فمعذرة- أيتها اللجنة- فإن الأعمال بالنياّت، وما نوينا قط الإساءة ولا الإزعاج، وما نتمنى لك إلا النوم الهادئ والأحلام اللذيذة.
...
стр. 823
كانت حركة رئيس اللجنة في هذه المرّة بمعنى آخر من معاني الحركة في اللغة وهو الاضطراب وعدم الاستقرار على رأي، فقد أعلن في ثلاثة أيام إعلانات متناقضة في قضية واحدة: أعلن في الجرائد الفرنسية أن شعبان ثبت بالاثنين، بعد أن لم يبق من شعبان إلا ثلاثة أيام، فأين كان حضرة الرَّئِيسُ؟ أم أين كان شهر شعبان؟ أم انقطعت الصلة بين الموجود والزمان؟ أم أن حضرة الرَّئِيسُ ليس بـ"موجود"؟ وأذاع أنه سيتصل بالمغرب وتونس، وأنه سيعمل برؤية الأقطار الإسلامية، ثم أعلن في الجرائد أنه لا يعتمد إلا على رؤية القطر الجزائري على أيدي قضاته ... وأنه سيصعد إلى "بوزريعة" ليستقبل هلال رمضان بنفسه.
وذهب الفضوليون مذاهب شتى في اقدام رئيس اللجنة على ذكر الأقطار الإسلامية فقال قوم: إنها شجاعة، وقال قوم: إنها رجوع إلى الحق، وقال العقلاء والعارفون: إنها نزوة عابرة، وفلتة عارضة، اعترت صاحبها في فترة الوحي، فلما هبط الوحي نسخها بما يناقضها، والوحي الحقيقي الذي لا يلقى فيه الشيطان، هو ما جاء في البلاغ الأخير، وفحواه: (إن رمضان الجزائري، لا يثبت إلا برؤية جزائرية يعدلها قضاة جزائريون)، وإنها لنزعة "استقلالية" تشكر عليها اللجنة ورئيسها، لو بقي في الجزائر من يشكر الإحسان، ولو رزق الله الوطن بمن يفهم هذه المنازع الدقيقة لأنزل أصحابها منزلة الأئمة لدعاة الاستقلال، لأن مغزى هذه النزعة بدء الاستقلال من السماء ... ونسخ كلمة "فصاعدًا" المبتذلة بكلمة "فهابطًا" ... ولكن أين من يفهم؟
يُستنتج من هذا الاضطراب المتدلّي أنه لو حبس رمضان ركائبه يومين آخرين واتسع الوقت لبلاغ آخر لكان نصّه قريبًا من هذه الصورة: (تعلن لجنة الأهلة أنها لا تعتمد إلا على الرؤية التي تثبت في العاصمة وأحوازها المحدودة بالحراش شرقًا، وبوزريعة والأبيار غربًا، والمرسى شمالًا، والجنوب معروف، مع ملاحظة أن من رآه من البحر لا يُعدّ في حكم المرسى، وأن ابن عكنون لا يدخل في الأحواز).
يشهد لصدق هذه الصورة تتبّع أحوال هذه اللجنة وأعمالها، فكلها تدلّ على أنها لا صلة لها بالقطر ولا بقضاته، وأن همها كله منحصر في العاصمة، كأنها تريد أن تجعل منها دائرة نفوذ خاصة، أو ميدان تجربة لقوّتها، لذلك نراها تعتني بها كثيرًا، ولا تكتفي بإعلان رأيها في الصوم والإفطار في الراديو، بل يتفقد بعض أعضائها المقاهي والمجتمعات ليروا بأعينهم ثمرة نفوذهم، وقد شاهد الناس منهم يوم الثلاثاء (أول رمضان) ما يقضي بالعجب، وشاهدوا في ذلك اليوم إمامًا من أنصار اللجنة متنكرًا في هيئة "باش آغا"، وطالما التبس على الناس بذلك، وقد ظلّ جالسًا في مقهى بحي "العقيبة" ساعات وهو يحتسي القهوة أمام المفطرين والصائمين، وكأنه يحرس شعبان أن تنتهك حرماته ... وإننا لا نعجب من هذا ما
стр. 824
دامت اللجنة من أدوات العاصمة، وما دامت تكميلًا لأجهزة لازمة للعاصمة، وتعميرًا لركن خال من "دار العجائب" (٢) فيها.
إن السماجة التي لا يستسيغها ذوق هي اعتبار القطر الجزائري وحدة دينية بحدوده الجغرافية، وأسمج من هذا وأسخف، اعتباره وحدة (هلالية)، فإن أطرافه الشرقية هي أقرب إلى تونس منها إلى الجزائر، وكذلك يقال في الأطراف الغربية بالنسبة إلى فاس، ولا أسمج من هذين إلا اعتبار لجنة الأهلة للعاصمة وحدة (صومية) أو (إفطارية).
...
وثبت رمضان بالثلاثاء في مصر وتونس وبلغتنا أخبار الرؤية بالطرق الشرعية فعممناها بما نستطيع، وأصبحت عمالة قسنطينة على صوم، إلا شراذم من المكابرين لايصومون لله وإنما يتبعون أهواءهم ويعاكسون أهل الحق، وصام على أخبارنا معظم العمالة الوهرانية، ولم تتخلّف إلا طائفة من الجامدين، أو ممن لم يبلغهم الخبر، ثم ثبتت رؤية الهلال في معسكر وفي سيق، وعمّ الخبر بها في صباح الثلاثاء فأمسك كل من كان مفطرًا، وأعلنها مفتي وهران رسميًا فأمسك أصحاب الصوم الحكومي، وأصبح معظم العمالة الجزائرية صائمًا إلا من لم يبلغه الخبر، أو لم يفارقه الجمود، وبقيت العاصمة ... وهي ميدان العراك ونقطة الاشتراك، في نظر اللجنة، وفي العاصمة خصائص، وفيها تيارات، وفيها الشطر الأول من هذا البيت: تسقط الطير حيث ينتثر الحب، وفيها مناخ القوافل التي ترد مثقلة، وتصدر مخفة، وفيها ملتقى أسباب الرغبة والرهبة، ومع ذلك فقد كان مركز الجمعية ومراكز الإصلاح خلايا نحل، أو قرى نمل. وما انصرف الناس حتى ثبت الصوم فبلغوا وعمّموا ما استطاعوا، وأصبح غالب سكان العاصمة صائمًا، ولم يفطر إلا المتساهلون المسترسلون في شهواتهم، يتخذون من بلاغ اللجنة في الراديو رخصة لأهوائهم، وحسب هذه اللجنة زللًا أن تكون قدوة لأصحاب الأهواء، وإننا لنعرف أن في هذا الجراد المنتشر في العاصمة، الذي نقله الاستعمار من الرقاع الخصيبة، إلى الرباع الجديبة، طوائف تكون دائمًا آخر من يصوم، وأول من يفطر، فلا تغترن اللجنة بأنهم أكلوا على ندائها، وشربوا على غنائها، ولا تغترن بأصحاب المقاهي وأصحاب المطابخ، فأولئك يعلمون من أمر هذه اللجنة ما يجهله كثير من الناس يعلمون أن البوليس السرّي والعلني من ورائها ومن أمامها، وأن كل من يخالف رأي اللجنة فقد خالف أمر الحكومة، وإنْ وافق أمر الله، وأن من وراء تلك المخالفة نزع الرخصة وانتحال الأسباب للتغريم، فهم مكرهون، في صورة مختارين.
стр. 825
وأفعال العقلاء تصان عن العبث ... فما الحكمة في تكدير راحة رئيس اللجنة ساعة أو ساعتين من العام؟ وما الحكمة في اجتماع اللجنة ساعة أو ساعتين من السنة؟ ولا ندري ماذا تنتظر في تلك الساعات؟ فإن كانت تنتظر أخبار العالم الإسلامي فهي قد أعلنت أنها مقطوعة الصلة به، ولا تعمل برؤيته، وإن كانت تنتظر الأخبار من داخل القطر، فهذا تعب ضائع، إِنَّ تسعين من المائة من قضاة القطر يكونون نائمين ملء عيونهم في تلك الساعة، أو منهمكين في أعمال ليلية حرّة، ولا يهمهم من أمر رمضان شيء، ولأجل هذه المعاني فيهم انقطعت صلة الجمهور بهم إلا في الخصومات الضرورية، وكوّنت العوائد السيئة بين الفريقين نفرة، فأصبح الناس يرون الهلال ولا يشهدون بالرؤية أمام القاضي، وقد يراه جار المحكمة أو من تجمعهم بالقاضي بلدة، ولكن لا يبلغون ولا يشهدون. ويرجع بعض السبب إلى أنهم لم يروا منهم العناية بالشؤون الدينية، ومنهم من لا يفتح المحكمة ليلًا لأن ذلك مخالف للقانون، ومنهم من لا يشارك المسلمين في مساجدهم وشعائرهم، ومنهم من يقارف- على أعين الناس- أمورًا منكرة في الدين قادحة في المنصب، منافية للشرف.
... أسباب بعضها من بعضها، تراكمت فأثمرت هذه الحالة التي نأسف لها، ونحمل القضاة تبعتها، وإن كنا نعتقد أن البريء منهم أخذ بذنب المجرم، ولكن المسلم الفطري له منطق مخصوص، ولا لوم عليه إذا اعتقد أن القاضي الذي لا يشارك المسلمين في صلاتهم، لا يشاركهم في صومهم، وهو- لذلك- لا يكون أهلًا لتعديل الشهادة وهو مجروح.
...
وهل أتى لجنة الأهلة أن هلال رمضان رُئِي في (معسكر) وفي (سيق) وأن مفتي وهران عمل بتلك الرؤية؟ ونسأل اللجنة- في إحراج وإزعاج- لو بلغك خبر الرؤية نهارًا مثل يوم الثلاثاء بدء رمضاننا هذا، فهل تثبتينه، وتعممين الخبر به، وتسعين إلى الراديو لإذاعته، ليمسك الناس، كما هو واجب شرعًا؟ أم تسكتين وتصرّين على الإثم؟
أجابت اللجنة أو لم تجب فإننا على يقين من أن الأخبار تبلغها فتسكت حياء من الشريك أو "المعلم"، لأن الرأي الذي أعطته متفق عليه مبتوت فيه من قبل أن يخلق الهلال، ولا تستطيع أن تخرق الإجماع وحدها، وآية الليل عند هذه اللجنة تمحو آيه النهار ...
***
стр. 826
وبورك هلال هذا الشهر في الأهلة، لكأنه كان جبارًا عنيدًا، لم يعترف به الجاحدون فأراهم نفسه في الليلة الثانية ومعه شهادة الميلاد. فما قول لجنة الأهلة فيه؟
ألم يخجلها بجماله ونوره وترعرعه؟ أما العجائز فقد رأينه وأكبرنه وحكمن أنه ابن ثلاث، وهن أعرف بالمواليد ... ولَعَنَّ من كان سببًا في إفطارهن، وأما اللجنة فستقول: إن الكبر والارتفاع لا عبرة بهما ... ومن أين لها أن تعلم أن ما زاد على نصف السبع فهو من ليلة ماضية؟ ...
...
والزلّة التي لا تغفر لهذه اللجنة، هي أنها تسبّبت لطائفة من المسلمين في انتهاك حرمة رمضان بالإفطار في يوم من أيامه الثابتة التي لا ينازعه فيها شعبان، بعذر أقبح من الذنب، وهو أن الرؤية خارجية، ثم ثبتت الرؤية الداخلية فلم تخبر الناس بها ليمسكوا، ورضيت لهم أن يتمادوا على الإفطار، وباءت بآثامهم جميعًا.
إن هذا لأعظم غشّ للمسلمين في ركن من أركان الدين، فليتنبه المسلمون وليحذروا هؤلاء الغشاشين المتسترين بالألقاب، وليعلموا أنهم مسخَّرون لهذا الغش، مأجورون بأموال المسلمين، على هدم الإسلام، والتفرقة بين المسلمين.
стр. 827
ونعود إلى لجنة الأهلة *
حملنا على هذه اللجنة حملة صادقة، وحملناها ما حملت من أوزار المفطرين على شهادتها الباطلة، ولم نكن في شيء من ذلك متحاملين ولا مبالغين، فكل ما قلناه فيها من يوم نشأت ونقوله فيها ما دامت، فهو حق، وقد نقصر أحيانًا فيما يجب لها من إنكار لوجودها واستنكار لأعمالها، وتسفيه لآرائها، وتحذير للأمّة من دخائلها ومظاهرها.
عددنا تكوين الحكومة لهذه اللجنة تدخلًا جديدًا في ديننا، ونعد قبول أعضاء هذه اللجنة لهذه الوظيفة المبتدعة تحديًا لإرادة الأمّة، وتثبيتًا للتدخل الحكومي في وقت تحاول فيه الأمّة قطع دابر هذا التدخل، وان تدخل الحكومة في ديننا لا يكون إلا إفسادًا له، حكم الدين بهذا، وأيّده العقل وأيّدتهما الوقائع المفضوحة التي لا يعمى عنها إلا عُمي "البصائر".
فكل ما نظهره من الإنكار الشديد، والاستنكار الشنيع فهو مصروف إلى هذا المعنى، وهو معدود عند الله في أعمالنا الصالحة، وحسناتنا المتقبلة إن شاء الله، وهو معدود عند المؤمنين الصادقين في دفاعنا عن الدين، ووقوفنا للغاشين فيه بالمرصاد.
وما زالت الحوادث في كل سنة تؤيّد رأينا في هذه اللجنة، وأنها أُنشئت لغشّ المسلمين في دينهم وإفساد صومهم وإفطارهم، وإبعادهم عن الأسباب التي تجمعهم بإخوانهم في الأقطار الأخرى.
وغفلة الأمّة عن هؤلاء الغشاشين هي التي أطمعتهم فيها، وأوهمتهم أن الأمر لهم من دون المؤمنين، فتجاوزوا حدود الإخبار إلى الحكم، فأصبحت اللجنة (تحكم) بالصوم أو
стр. 828
بالإفطار، كأنهما قضيتا نكاح وطلاق، وهي في ذلك مفترية على الله ودينه، جاهلة بحكم شريعته، ولو أن هذه اللجنة كانت تعتني كما يعتني غيرها في الأقطار الإسلامية، فتتبع ثلاثة أهلة أو أربعة قبل رمضان، وتعلن في الجرائد العربية، ثم تقيم إلى الفجر تنتظر الأخبار، وتوصي القضاة والمفتين بأن ينتظروا إلى الفجر، ويسجّلوا الشهادات ويوافوها بها ولو في نهار الغد فإذا تأدّت إليها الشهادات في اليوم التالي عملت بها، ونقضت خبر الليل بخبر النهار. لو أنها فعلت ذلك لاستطاعت أن تغطي بعض عيبها الأكبر وهو أنها حكومية، وأن تستر شيئًا قبيحًا بشيء حسن، ولكن هذه اللجنة واقفة تحت المثل (سكت ألفًا ونطق خلفًا)، فهي تنام طول العام، وتمرّ عليها شهور العبادة فلا تعيرها التفاتًا، حتى إذا بقيت لرمضان أيام معدودة أثارت التشويش ببلاغاتها الفرنسية كأن لغة رمضان فرنسية، وبهذا الراديو الذي أصبح- بسببها- يذيع الفتنة والغشّ للمسلمين ويشيعهما، ثم لا تلتفت لما يأتي من الشهادات المثبتة بعد الساعة الحادية عشرة ليلًا، كأن هذه القضية الدينية المهمة مؤقتة بساعة إن لم تثبت فيها الشهادة عند هذه اللجنة سقط الصوم عن المسلمين.
...
في كل عام تقع من هذه اللجنة زلّة فاضحة، تكفي وحدها دليلًا على غشّها للمسلمين، ولبسها الحق بالباطل، ولكن زلة هذا العام أنست ما تقدّمها، وجاءت صلعاء سافرة في زلّات اللجنة ...
أعلنت اللجنة تنكرها للعالم الإسلامي، وتسفيهها لآرائه، وقدحها في شهاداته ثم أعلنت مع نصف الليل في الإذاعة بلسان مُفْتيَيْها، الحكم القاطع بعدم الصوم، بغير استثناء ولا احتياط لما عسى أن يظهر من شهادات الرؤية، ولا نصيحة للمسلمين بأن من ثبتت عنده الرؤية وجب عليه تبييت الصوم، أو الإمساك نهارًا ولو بقيت للمغرب دقائق، بل (حكمت) بالصوم وسدّت المنافذ، وعطّلت أحكام الشرع، كأنَّ صوم المسلمين متاع لهذه اللجنة تتصرف فيه كما تشاء ولم يزد الفتيان أو (البَرَّاحان) (١) كلمة على الحكم بالإفطار، سوى ما كرّره المفتي (ذو المذهبين)، مع شدة في اللهجة وضغط في النبرات، من التحذير من المشوّشين ... فهل من المشوّشين في نظره مسلمو مصر وتونس؟ وهل من المشوّشين تلك الجماعة المستفيضة التي رأت الهلال في "تيغنيف" قرب معسكر؟ وهل من المشوّشين من رأوه في "سيق" وفي "حمام بوحجر" وفي "جبال زواوة"؟ ... وهل من المشوّشين مفتي معسكر الذي عدل شهادة الرؤية وعمل بها وأعلن الصوم؟ وهل من المشوّشين مفتي وهران؟
стр. 829
جاء في تقرير المكتب العَمَالِي (٢) لجمعية العلماء بوهران. أن المفتي بلغه خبر الرؤية من معسكر بعد نصف الليل، فأخبر به رئيس لجنة الأهلة، فأصرّ الرَّئِيسُ على الضلال وغشّ المسلمين، وقال: (انه حكم على يوم الثلاثاء بأنه ليس من رمضان حكمًا نهائيًا، وانه ألحقه بشعبان)، وانه لا يرجع في هذا الحكم الذي حكم به، وأن مفتي وهران بعد أن بلغ، أعلن الصوم بالبراح، ثم أعلنه في الصباح بالمدفع، فأصبحت وهران كلها صائمة، إلا فقيهًا معروفًا بمذهب خاص في الخلاف والفتنة ...
فالرؤية- إذن- ثبتت في عدة نواح من القطر الجزائري ثبوتًا مستفيضًا، والشهادة بذلك بلغت إلى اللجنة ليلًا ونهارًا فلم تعمل بها، ولم يزدها ذلك إلا إصرارًا على العناد والضلال.
واللجنة- إذن- متعمدة لغشّ المسلمين في دينهم، لا شك عندنا في ذلك ولا مراء بعد الذي ذكرنا، وهل يبقى بعد هذا عذرٌ للذين أفطروا على أخبار هذه اللجنة، بعد أن تبيّن غشّها وافتُضح أمرها؟ ... لا عذر مع هذا، ولا عذر بعد هذا، ولا يعد المعتمد عليها- بعد الآن- متأولًا، بل يعد متعمدًا.
واللجنة- إذن- غير صادقة في دعواها العمل بالرؤية الداخلية، فمعسكر وسيق، وحمام بوحجر كلها من الجزائر ... وعليه، فقد نهضت حجتنا عليها، أنها لأمر ما، لا تبالي برؤية القطر ولا غيرها، ولا تبالي أصام الناس أم أفطروا؟ وأن همها كله منصرف إلى العاصمة وحدها، لتجعل منها وحدة ... في أمر ما ...
...
يقول المثل: (خرقاء وجدت صوفًا) ونقول نحن: (لجنة وجدت مذياعًا) ... لجنة ركبت من الغشّ وللغشّ، وجدت مذياعًا تذيع فيه غشها، وتستهوي به الغافلين والمستهترين، ولو كان هذا المذياع حرًّا أو على شيء من الحرية لما رضي بإذاعة الغشّ، بل لو كان يحترم شعور المسلمين لما سمح بنشر الغشّ لدينهم، وهو يعلم أنه غش، ولكن الراديو واللجنة سلالة رحم واحدة، أو صنعة يد واحدة، فلا عجب إذا كان كل واحد منهما مكملًا لصاحبه.
من لقي أعضاء هذه اللجنة مجتمعين في أنديتهم، أو هائمين في أوديتهم، فليلق عليهم هذه الأسئلة، ولا ينتظر الجواب:
هل رُئِيَ الهلال في عدة جهات من القطر؟
стр. 830
هل بلغكم الخبر ليلًا؟
فإن لم يبلغكم ليلًا فهل بلغكم نهارًا؟
فإن بلغكم ليلًا فلماذا لم تخبروا مقلّديكم ليبيتوا؟
وإن بلغكم نهارًا فلماذا لم تخبروهم ليمسكوا؟
فإن لم تفعلوا فأنتم غشاشون للمسلمين.
وإن قلتم إن الخبر لم يبلغنا ليلًا ولا نهارًا، غير صادقين.
أيتها الأمّة:
قد دلّتك هذه اللجنة على نفسها، وفضحها الله في هذه السنة بسوء أعمالها. قالت: إنها لا تعمل بشهادة الأقطار الإسلامية، ثم تبيّن أنها لا تعمل بشهادة القطر الجزائري، ولا معنى لهذا إلا أنها متعمدة لإفساد صوم المسلمين وإفطارهم ...
لا معنى لعملها إلا هذا.
لا تصدّقوها بعد الآن.
لا تثقوا بها.
لا تثقوا بهذا البوق الذي يذيع غشّها.
لا عذر لكم بعد الآن ...
стр. 831
هلال رمضان: معلومات وتنبيهات *
١ - جاءنا في التقرير الأخير من المكتب العمالي لجمعية العلماء بوهران ما خلاصته:
زيادة على رؤية هلال رمضان ليلة الثلاثاء رؤية مستفيضة بقرية "تيغنيف" وقرية "سيق" وقرية "حمام بو حجر" فقد ثبتت رؤيته تلك الليلة في القرى الآتية: "تيزي" و"عيون افكان" و"مسرقين"و"بطيوه".
فهذه سبع بلدان رُئِي فيها هلال رمضان ليلة الثلاثاء، أما رؤية "تيزي" فقد بلغت إلى محكمة معسكر، وسجلها عدل المحكمة بحضرة مفتي البلدة وجماعة، وبلغها العدل إلى مفتي وهران، وأبلغت إلى رئيس اللجنة فلم يقبلها ... ويشاع أن هذا الرَّئِيسُ علل عدم القبول بأن "الواجب" أن تكون الشهادة أمام القاضي لا العدل، وهذا شرط جديد شرعه رئيس اللجنة، ولو جاءته وثيقة الرؤية من قاض لما عدم عذرًا آخر، ولو شهد الإنس والجن لوجدت هذه اللجنة في كل شهادة قادحًا، حتى لا يبقى إلّا الأمر المدبر بليل ....
وأما رؤية "بطيوه" فقد كانت مسلسلة بالرسميين، من إمام "بطيوه" الرسمي إلى مفتي وهران إلى رئيس اللجنة، ولكن هذا كله لم يشفع لها عند اللجنة أو عند رئيسها.
وأما القريتان الأخريان فإنهما لم تخبرا جمعية العلماء لبعد مكان الرؤية عن مركز التيليفون، ولم تخبرا المحاكم للعلة التي ذكرناها في الكلمات السابقة، ولكن القرى كلها عممت الخبر لكل من يمكن الاتصال به.
٢ - أصبح ثبوت رمضان بالثلاثاء أمرًا لا يكابر فيه حتى الذين يريدون أن يكون للجزائر هلال خاص.
стр. 832
٣ - نرجو أن يكون الشهر كاملًا، فيكون العيد بالخميس، فتفطر الأمة كلها في يوم واحد، ونتقي شر الخلاف والعناد.
٤ - الرجوع إلى الحق فريضة وفضيلة، فعلى مقلدي اللجنة في أول رمضان أن لا يقلدوها في الإفطار، إن ثبتت الرؤية ليلة الثلاثين من رمضان، وأصرت اللجنة على عنادها وعبثها، وستلبس على مقلديها بأنهم إذا خلعوا ربقة تقليدها فإن (رمضانهم) يكون ثمانية وعشرين يومًا، ولكن اللجنة هي التي سببت لهم الإفطار في اليوم الأول من رمضان، أفيرضون أن تتسبب لهم في صوم يوم العيد؟ فيبدَأُوا صومهم بمأثم ويختموه بمأثم، وشر أهون من شرين.
٥ - سنكون في رؤية شوال، كما كنا في رؤية رمضان- صلة حق، وواسطة خير في تبليغ خبر الرؤية إن ثبتت ليلة الثلاثين من رمضان، وهي ليلة الأربعاء، في داخل القطر أو في خارجه، ونحن مع المثبت إن صح خبره وتحققت رؤيته مع التشدد والاحتياط وعدم التساهل، فلا نعمل بالرؤية الضعيفة في أدائها أو تحملها، ولا برؤية نشم منها رائحة التساهل في تعديلها أو تبليغها، فإذا ادعيت الرؤية في قطر من الأقطار الإسلامية، ولم تثبت في سائرها ممن يساويه أو يفوقه في العناية والاهتمام ووجود المرجع الديني- فإننا مع الأكثر، فإذا كانت المحاكم الشرعية في مصر تبقى مفتوحة إلى الفجر لانتظار الشهادات، وفي تونس تبقى مفتوحة إلى نصف الليل مثلًا، فذلك تفوق في العناية والاهتمام يصير تقليد صاحبه أرجح وأقرب إلى الصواب، ومركز الجمعية مفتوح ليلة الثلاثين إلى نصف الليل، والمراكز الفرعية كلها متصلة به لهذا الغرض.
٦ - نرجو أن تتشدد تونس في تعديل الرؤية وتحتاط ولا تتساهل، فهي أقرب الأقطار الإسلامية- ذات القضاء الإسلامي المستند على إمارة شرعية- إلينا، فإن قبولها لشهادة الرؤية في عيد الفطر من العام الماضي يعد تساهلًا منها، بعدما رأت الألوف المؤلفة الهلال صباح ذلك اليوم قبل طلوع الشمس بثلاثة أرباع الساعة، وإذا كنا نقلد تونس لمكانة المجلس الشرعي الذي هو مرجع ديني نحن محرومون من مثله- فإنما نقلدها في المعقول المقبول، وإنما نقلدها لمعنى جليل يذهب التساهل بجلاله، فأما أن ننقض بهذا التقليد سنة من سنن الله في كونه برؤية أربع أعين قد تكون إحداهن عوراء، وقد تكون اثنتان منهن عمشاوين- فلا، لا ... لا سيما مع فساد الزمان، وإذا رُئِي الهلال صباحًا ومساءً في يوم واحد، فأحد الرأيين مخطئ لا محالة، ولا يسعنا أن نخطئ رؤية الألوف لرؤية اثنين، والاحتياط في هذه الأمور ألزم وأحزم.
стр. 833
٧ - كل عيد يصرف على هوى هذه اللجنة فهو عيد حكومي، لمسته يد الحكومة فجردته من المعاني الدينية والقومية والاجتماعية، وتعطيل المصالح فيه لا يعدو الحاقه بعيد (الكرنفال) وما أشبهه، وإن لم يكن فيه فرحه وطلاقته، ويد هذه الحكومة، يد مسمومة، ما لامست شيئا من ديننا إلّا أهدته السم، ونزعت منه الروح، وأبقت له الإسم ....
٨ - يضاعف جمال العيد وجلاله اتحاد المسلمين عليه، وكم لاتحاد المسلمين في أعيادهم من معان، وكم له من مزايا، أجلها أنه يغذي قوّة المسلمين الروحية، ويمد قوتهم المادية بأمداد التحابب والتعاطف، فالتعاون والتناصر، وقد حضرنا الأعياد في الأقطار الإسلامية التي لها مرجع ديني، تلقي إليه الأمة بالمقاليد ففهمنا تلك المعاني واستجلينا تلك المزايا، ولمسنا آثارها في اتحادهم على الأعياد، أما في الجزائر فكثيرًا ما تكون في القرية الواحدة ثلاث فرق، بثلاثة أعياد، في ثلاثة أيام متعاقبة، فكيف نطمع أن تكون للأعياد روعة؟ أم كيف نطمع أن تكون لها في نفوسنا تلك الآثار التي هي الحكمة العليا في الأعياد؟ ولا سبب لهذا البلاء إلّا فقد المرجع الديني الذي يجمع الأمة على الحق.
٩ - لعل قراء البصائر من إخواننا في الشرق والغرب ينكرون ولوعنا بهذه القضية ويعدونها أهون من هذا الترديد لها، وتكرار القول فيها، وينزل بمكانة البصائر في نفوسهم هذا الأنين المتصاعد من هذا القلم المتألم .... ويا ويح الشجي من الخلي، ويمينًا لو اطلعوا على الحقيقة، أو لو ابتلوا ببعض ما ابتلينا به- لقام لنا عندهم عذر، أو لكان لنا منهم شفيع.
стр. 834
شكر واعتذار
- ١ - *
قبل بضعة أسابيع أجرى علي القدر حادثة اصطدام بين سيارتين في الطريق بين مغنية وتلمسان، من نوع ما يتكرر وقوعه كل يوم فيذهب بالأرواح، أو يحدث العاهات الملازمة، ولكن حادثتي صاحبها لطف الله، فسببت آلامًا، وعطلت القلم أيامًا، وكانت عاقبتها سلامة وسلامًا.
غير أن إخوان الصدق في داخل القطر وخارجه تصوروا الحادثة كما يتصورها السامع، تصورًا يصحبه التهويل، فانهالت علي رسائلهم وبرقياتهم سائلة داعية متألمة.
وأنا أتقدم إلى هؤلاء الاخوان الصادقين بالثناء العاطر على هذه العواطف الأخوية السامية، وبالابتهال إلى الله أن يحفظ عليهم هذا الكنز الثمين من الفضائل التي حلاهم بها، في وقت تضاءلت فيه الفضيلة، ونزرت حظوظ الرجال منها.
وأتقدم بالاعتذار إلى الذين آلمهم احتجاب هذا القلم عنهم عدة أسابيع، مبشرًا لهم بأنه سيعود إلى الميدان، أمضى مما كان.
стр. 835
- ٢ - *
فُجعت في ولد أختى، بل ولدي تربية وتنشئة، فخفّ إخوان الصدق لمشاركتي في التوجع، وتعزيتي على المصيبة، وتواترت رسائلهم وبرقياتهم تحمل من معاني الأخوّة أطيبها وأعلاها. وأنا أشكر لجميع الإخوان هذه العاطفة الأخوية الشريفة، سواء منهم من حضر الدفن ومن عزّى بالمراسلة، وأخصّ بالثناء شعَب جمعية العلماء بالعاصمة وأحوازها، فقد خفّف حضورهم وقع الفجيعة. فأنا أسأل الله أن يكافئ جميع الإخوان عني بالإحسان وأُرسل إليهم هذه الكلمة محيية شاكرة مجيبة.
стр. 836
الإجتماع العام لجمعية العلماء *
أولًا: ينعقد الاجتماع يوم الأحد ٣٠ سبتمبر الجاري، على الساعة الثامنة والنصف صباحًا.
ثانيًا: بناء على تعذر التحصيل على قاعة كبيرة، فقد اضطررنا إلى عقد الاجتماع بقاعة سينما "دنيازاد".
ثالثًا: بما أن قاعة سينما دنيازاد لا تسع إلا عددًا محدودًا لا يجاوز ستمائة مقعد، فقد تحتم أن يكون عدد الحاضرين محدودًا، فالواجب على شُعَب الجمعية ان تسلك طريقة التمثيل، فترسل كل شعبة أفراد معينين يمثلونها ويمثلون الناحية التي تشملها أعمال تلك الشعبة، وتختارهم من أهل الرأي والسابقة والأثر في خدمة الجمعية والحمل الصحيح لفكرتها الإصلاحية ومبادئها، وتمكن لكل واحد منهم ورقة من أوراق الاستدعاء التي تصلهم من المركز بعد تعميرها باسمه، وتزودهم برسالة ممضاة من رئيس الشعبة ومتضمنة لعدد الممثلين وأسمائهم.
رابعًا: على هؤلاء الممثلين أن يمروا بمركز الجمعية في الجزائر يوم السبت ٢٩ سبتمبر الجاري ليسلموا أوراق الاستدعاء ويستلموا أوراق الدخول ليستظهروا بها عند مدخل القاعة لرجال التنظيم.
خامسًا: كل من ليس بيده شهادة التمثيل من شعبته الخاصة لا يؤذن له في الدخول، لأن هذا هو النظام العام المعمول به في جميع الجمعيات والأحزاب.
سادسًا: وجهت رسائل خاصة للأعضاء العاملين، فيجب على كل من بلغته الرسالة أن يحضروا بمركز الجمعية في اليوم الذي عين لهم ولا يتأخروا.
стр. 837
نظام الاجتماع
أعمال صباح يوم الأحد ٣٠ سبتمبر بقاعة سينما "دنيازاد"
ــ
أولًا: يفتتح الاجتماع بتلاوة آيات من كلام الله.
ثانيًا: كلمة ترحيب بالحاضرين يلقيها نائب رئيس الجمعية.
ثالثًا: التقرير الأدبي يلقيه رئيس الجمعية.
رابعًا: التقرير المالي يلقيه أمين مال الجمعية.
خامسًا: تنقيح مواد من القانون الأساسي لمناقشته والتصديق عليه.
سادسًا: وصايا ونصائح يقوم بها الرَّئِيسُ ونائبه، وبها تنتهي أعمال المجلس القديم.
أعمال مساء يوم الأحد المذكور بمركز جمعية العلماء
من الساعة الخامسة إلى السابعة: أحاديث متنوعة في الضواحي الاجتماعية التي تهم الجمعية، وتنفع الحاضرين بوجه عام، وتنير الطريق أمام المجلس الجديد بصفة خاصة، وهذا العمل غير رسمي ولكنه مفيد.
أعمال اليوم الثاني وهو غرة أكتوبر سنة ١٩٥١ في مركز جمعية العلماء
على الساعة السابعة صباحًا يجتمع الأعضاء العاملون في المركز ليشكلوا لجنة منهم لترشيح المجلس الجديد، ومكتبًا للاشراف على الانتخاب، وبعد ذلك مباشرة تجري عملية الانتخاب، بحيث يتم هذا كله على الساعة الثالثة عشرة، وبهذا تنتهي الأعمال الرسمية. وعلى الساعة الثالثة بعد الزوال يشترك الأعضاء العاملون والمؤيدون في اجتماع بالمركز يعرض المجلس الجديد فيه نفسه عليهم، ويتعاهد الجميع على ما فيه خير العروبة والاعلام، ويختم الاجتماع بتوديع المشائخ المعلمين لينصرفوا إلى مدارسهم التي تنتظر الفتح يوم خامس أكتوبر.
عن المكتب الإداري
محمد البشير الإبراهيمي
стр. 838
التقرير الأدبي *
الحمد لله الموفق المعين، إياه نعبد وإياه نستعين، منجز الوعد بالنصر لعباده المؤمنين، منزل السكينة على الصابرين المخلصين، والصلاة والسلام على رسوله الصادق
الأمين، القوي المكين، نبي الحرية، وعدو العبودية، ومطهر العقول من أدران الوثنية، وسائق ركب الإنسانية، إلى السعادة الأبدية، وعلى آله وأصحابه أحلاف السيوف، وقادة الزحوف، وأئمة الصفوف، وعلى التابعين لآثارهم في نصر الدين، إلى يوم الدين.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
اللهم هب لنا توفيقًا ينير الطريق، وهداية تقي العثرات، وعناية تأخذ باليد إلى الحق، ويقينًا يزيل اللبس في مواطن الشبهات، وتأييدًا يثبت الأقدام في مواقع الزلل، وثباتًا يعصم من الفرار في ميادين الصراع بين الخير والشر، وصبرًا يزع عن النكوص على الأعقاب، وشجاعة تفل الحديد، وتنسخ آية هذا العصر الجديد، وبيانًا يفحم الخصم في مواقف الجدل، وعفة تقهر الغرائز الجامحة، والشهوات العارمة، والمطامع المتعرضة بكل سبيل، وأفض علينا لطفًا يصحب خفايا الأقدار عند حلول المصائب، وأصحبنا ولاية منك تخرجنا من الظلمات إلى النور، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
стр. 839
اللهم جنبنا زلة الرأي، وزلزلة العقيدة، ودغل الضمير ورين البصيرة، وخيبة الرجاء، وطيش السهام، وجنبنا الخوف من غيرك، والجحود لخيرك والبخل عليك برزقك، والرهبة من عدوك، والضلال في معرفتك، والهجر لكتابك،- والشك في وعدك، والاستخفاف بوعيدك، والدخل في الانتساب إليك واجنبنا وقومنا أن نعبد هذه الأصنام التي أضلت كثيرًا من الناس.
اللهم ارزق أمة محمد التفاتًا صادقًا إليك، والتفافًا محكمًا حول كتابك، واتباعًا كاملًا لنبيك، وعرفانًا شاملًا بأنفسهم فقد جهلوها، وتعارفًا نافعًا بين أجزائهم فإنهم أنكروها، وبصيرة نافذة في حقائق الحياة فقد اشتبهت عليهم سبلها الواضحة، وهب لهم من لدنك نفحة تصحح الأخوة السقيمة وتصل الرَّحِمَ المجفوة، وتمكن للثقة بينهم، واتحادًا يجمع الشمل الممزق ويعيد المجد الضائع، ويرهب عدوك وعدوهم، ورجوعًا إلى هديك يقربهم من رضاك، ويسبب لهم رحمتك ويزحزحهم عن عذاب الخزي، فإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت.
اللهم واحفظ هذه العصابة الذائدة عن حماك، المعظمة لحرماتك، الواقفة بالمرصاد لكل معتد عليها، الناصرة لدينك، والمدافعة- ولا مِنَّة- عن بيوتك، القائدة لرعيل الحق في سبيلك، فإنها كثيرة بك، معتزة بعزتك، قوية بتوفيقك، وإنها إن هلكت لم تعبد في هذه الأرض.
...
أيها الإخوان الكرام، أيها الأبناء الأعزة!
مرحبًا بالوفود غير خزايا ولا ندامى، وسلام لكم من أصحاب اليمين، وسلام عليكم بما صبرتم وأنفقتم من وقت ومال، وأضعتم من منافع وأعمال، وتحيات الله المباركات الطيبات تغشاكم في الحل والترحال، وتلقاكم في الغدوات والروحات، ما دمتم وفي سبيل الله مغداكم ومراحكم، وفي مرضاته قيدكم وسراحكم، قدمتم خير مقدم، ووقيتم المأثم والمندم، وبؤتم- إن شاء الله- بحسن المنقلب، وسلامة الغياب والاياب، وحيتكم ملائكة الله المسبحون الصافون، وعباده المحتشدون الحافون، بما نصرتم من حقه، وكثرتم من حزبه، ونضر هذه الوجوه التي تستبشر في مراضيه، وتبسر في مساخطه، وثبت هذه الأقدام التي اغبرت في سبيل العلم، وتأييد العاملين له، والناشرين للوائه بعد الطي.
فيكم يا وفود التكرمة، وبقايا سلائل المقداد وعكرمة، مخايل صادقة من أجدادكم العرب الذين كانوا إذا دعاهم الداعي لمنقبة تشاد، أو لمأثرة تبنى، خفوا إليه سراعًا، وإذا
стр. 840
استصرخهم المستنصر لضيم تأباه من ابن الحرة، نفسه الحرة، أقبلوا إليه شدًا، وأوسعوه نصرًا وعونًا، وقد جربناكم في الحالين فصدقت المخيلة.
...
أيها الإخوان، أيها الأبناء!
هذه نهاية خمس سنوات قضيناها- بمعونتكم- في العمل المثمر، وقطعناها- بتأييد الله ثم بتأييدكم- في الخير العام لهذه الأمة التي تنكر لها الزمان بما كسبت أيديها، وأشاح عنها وجهه، وأتاح لها الجار الذي لا يبيت جاره إلّا على وجل، والعدو الذي يسمي لها الشر باسم الخير فيغرها، ثم يبيعه لها ملفوفًا في غشاء الخير فيغشها، ثم يمن عليها بذلك فيحتقرها، ثم يفرض عليها أن تشكره على ذلك فيذلها.
هذه خمس سنوات وصلنا لياليها بأيامها في القيام بالعهد الذي عاهدنا الأمة عليه في صيف سنة ١٩٤٦ من النهوض بالجمعية والانتقال بها من طور الركود إلى طور الحركة، ومن حال الضعف إلى حال القوّة، حتى انتهيت إلى ما نعتقد أنه تمام طور، وكمال نصاب، فجئنا بكم اليوم لنعرض عليكم أعمال هذه السنوات الخمس التي هي طور كامل من أطوار جمعيتكم تم وكمل، ووجب الانتقال منه إلى طور جديد، ببرنامج جديد، وعزائم جديدة وأعوان جدد، وتفكير جديد، وتقدير جديد وهمم جديدة.
إن الأعمال العظيمة لا تقيد بالأيام، ولا تقدر بالسنوات ولا تشوش بالحساب الآلي، ولا تعطل بالأوضاع العرفية، وإنما هي أطوار يتم تمامها في زمن طويل أو قصير، وقد كانت جمعيتكم أطوارًا لا توزن بالأيام والليالي، وإنما توزن بتمام الأعمال وكمالها، واستجماع أجزاء هياكلها، وقد كان تمام طورها الأول في ست سنوات، هي سنوات الصراع بين الحق والباطل، هي السنوات التي قطعناها في إصلاح العقول التي أفسدها الضلال في الدين، وفي تصفية النفوس التي كدرتها الخرافات، واعدادها لفهم حقائق الدين والدنيا، وغرس القابليات الصحيحة فيها للخير، ودك الحصون التي كانت مانعة لنا من الاتصال بالجيل الناشىء حتى نستطيع تعليمه الحق، وتربيته على الحق، والحيلولة بينه وبين الفساد المتفشي في الآباء والأمهات، فقد كان الآباء الذين مردوا على الضلال لا يرتضون لأبنائهم إلّا أن يرثوا عنهم ذلك الضلال، فجاهدنا في تلك السنوات الست في تنقية الأشواك من طريقنا إلى الصغار، لنتمكن من تربية عقولهم على العقائد الصحيحة في الدين والدنيا، ونفوسهم على الفضائل الكاملة في الجسم والروح، وألسنتهم على البيان العربي، وأفكارهم على التأمل والإدراك علمًا وعملًا، وكنا جارين في ذلك كله على سنة الحارث الهمام ... لا يزرع البذر
стр. 841
إلّا بعد تنقية الأرض وتمهيدها وإثارتها، فلما تم لنا من ذلك شيء في بعض الجهات ووجدت القابلية- انتقلنا إلى المرحلة الثانية، وهي التعليم، بعزيمة المؤمن المنتصر المقدر لمواقع الخطى، المستفيد من الصواب والخطأ، ولم يبق لنا من أعمال الطور الأول إلّا مواقف حراسة ودفاع لئلا يعاود الباطل كرته، على نحو من دفاع الجندي الظافر في أطراف الميدان.
كان الطور الأول طور هدم ورفع أنقاض، وكان الطور الثاني طور بناء وتشييد ... بناء للعقول والأرواح والنفوس بمواد العلم والحكمة والفضيلة وتشييد للحياة الفاضلة الحافلة بالسعادة والنضرة، المبنية على المثل العليا من الرجولة والبطولة والنبوغ، ولا تذكروا مع هذا تشييد المباني، فهي في المحل الأول وهو في المحل الثاني، وأين بناء الجدران، من بناء مقومات الإنسان؟ إن في بناء العقول والأرواح والنفوس والأذهان لمحاكاة لصنع الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وإن في فتق لسانه على البيان المنمق، وتشقيقه على الكلام المشقق، لتحقيقًا لحكمة الذي خلق الإنسان علمه البيان، وأين يقع ذلك من هذا؟
استغرق هذا الطور سبع سنوات تخللتها نكسة الحرب وتعطيل التعليم في سنوات منها، وكان الربح الذي أفاءته علينا سنوات التعطيل أربى من الخسارة، فقد تنبهت مشاعر الأمة في حقبة التعطيل، وكمل استعدادها، فما كادت الحوائل تزول حتى تأججت الرغبات المكبوتة، وانفجر الاستعداد الكامن، وأقبلت الأمة تبني المدارس وتعلي، سائرة على هدي جمعية العلماء، وجارينا ذلك التيار على ما في مجاراته من أخطار، وفتحت عشرات المدارس فيما بين سنة ١٩٤٣ وسنة ١٩٤٥، وجاءت حوادث ٨ ماي فأعادت النكسة وشلت الهمم والعزائم، ورمت الأمة بالداء العياء الذي ما زالت تعاني عقابيله، وهو الخوف والرهبة.
وجاء الطور الثالث يعدو سابقًا في صيف ١٩٤٦ متسمًا بالحزم والتصميم والنظام والترامي إلى الكمال، والرمي إلى هدف واحد، والإيمان الجازم بالغاية وجمع القوى المتفرقة في سبيل الوصول إليها، وإن هذا الطور كيوم من أيام الله في جمعيتكم، لا يقدر بالساعات، وإنما هو هيكل من الأعمال متعدد الأجزاء لا يتم بتمام جزء منها، وإنما يتم بتمام جميعها، وقد استعددنا للقيام بإتمام هذا الهيكل، وصاحبنا من توفيق الله ما شهدنا آثاره، فلم ننقطع يومًا عن الأعمال المتممة لهذا الهيكل في السنوات الخمس، وإنما انقطعنا عن شيء عرفي، قرره الاصطلاح والقانون، وسمياه (الاجتماع العام) فلم يُفَوِّتْ علينا هذا الانقطاع إلّا اجتماعًا محدودًا في مكان محدود في ساعات محدودة، تلقى فيه كلمات معدودة، وأبخس بهذا كله فائتًا في جنب ما تم وحصل في هذه السنوات الخمس من الأعمال الإيجابية الباهرة التي لولا عون الله وتيسيره، وسر الإخلاص لما تم بعضها في
стр. 842
عشرات السنين، ولو قارنا بين ما أجدى علينا هذا الانقطاع وما رزأنا لوجدنا الجدوى أرجح من الإضاعة، فلم تمر في تاريخ جمعية العلماء سنوات أبرك على الأمة وأعود عليها بالخير من هذه السنوات، فكأنهن البقرات السمان أو السنبلات الخضر في رؤيا يوسف غير أنهن خمس ....
على أن انقطاع الاجتماع العام لم يكن مخالفًا للقانون العرفي كما يتوهمه بعض الناس. بل كان مستندًا على أسناد قانونية متينة، فإن كثيرًا من أهل الرأي من الأعضاء العاملين والمؤيدين كانوا مجمعين في أول كل سنة من هذه السنوات على عدم لزوم الاجتماع العام محتجين بأن المجلس الإداري قائم بمشاريع عظيمة واسعة النطاق، تملك عليه وقته وتفكيره وجهده، ويستدعي إتمامها سنين من الوقت وملايين من المال، ومجهودًا متواصلًا من الأعمال، ويقتضي جمعًا بين أول الرأي وآخره، وبدء العمل وتمامه، فليس من سداد الرأي ولا من صواب التدبير تشويه الهيكل بتشويش العمل- وهو في انتظام أمره واطراد سيره- باجتماعات آلية يعطل اعدادها وقتًا غير قصير، ويستنفد مالًا غير يسير، بل من لباب الحكمة أن لا تختلف الأيدي المسيرة كيلا يختلف الرأي، وأن يبقى المجلس الإداري قائمًا على تلك المشاريع، حتى يقدم للأمة عملًا كاملًا، فما أضر الجمعيات والحكومات، وما عطل بناء الأعمال العظيمة فيها حسية ومعنوية إلّا هذه السنة السيئة، وهي أن يبدأ الأعمال ويضع لها البرامج والتخطيطات غير من يوكل إليه إتمامها، وما شل عبقريات الرجال إلّا عروض هذا الخيال، وهو أنهم يبدأون العمل على تدبير وتقدير، ثم يخلفهم عليه من لا يرى فيه رأيهم، ولا يفكر تفكيرهم ولا يوافق ذوقه ذوقهم، ولا يكون له من الهمّة في إنجازه ما لهم من الهمّة فيه، والأعمال همم وذمم وقيم.
أيها الإخوان:
تنقسم الأعمال التي باشرها المجلس الإداري لجمعيتكم في السنوات الخمس الماضية إلى قسمين: مشروعات ومواقف، وأهم المشروعات- المدارس و"البصائر" والمعهد الباديسي، وتضاف إليها حركة باريس ومكتب مصر، وأهم المواقف موقف الدفاع عن حرية الدين، والدفاع عن حرية التعليم العربي، ويتبع ذلك موقفه من قضايا العروبة والإسلام، وها نحن أولاء نتحدث إليكم عن هذا الأهم من المشاريع، مجملين في بعضها حيث لا فائدة في التفصيل، مفصلين في بعضها حيث يحسن اطلاعكم عليه. فإذا انتهينا من ذلك تقدمنا بإرشادات إلى المجلس الجديد فيما يجب عليه لاتصال العمل في هذه المشاريع وتقويتها والمحافظة عليها، وزودناه بخلاصة التجارب التي حصلنا عليها من المراس للحوادث، والمراس على المكاره والمصاعب، وان هذا لخير زاد يقدمه سلف لخلف، وأنفع ميراث يرثه خلف عن سلف.
стр. 843
المدارس
يتكلم بعض الأدباء والمتألهة عن عدد الثلاثة، ويتخيلون له من بين الأعداد سرًا يحومون عليه ولا يكشفون عنه، ويطرقون بابه ولا يلجون، ويعدون اعتباره في العادات والأديان، والإكثار من ذكره والتحديد به ظاهرة قديمة في العادات متفشية في الأديان واردة على ألسنة الرسل المعصومين، فالثلاثيات أو الثواليث هي أكثر شيوعًا من كل ما اشتق من الأعداد أو تصرف منها، ففي الإسلام التثليث في الطهارة، والثلاث في العصمة، والثلاثة والثلاثون في الذكر، وفي العادات تكرير اللفظ ثلاثًا للتأكيد، وفي كثير من أطوار الأدب العربي ثواليث من الشعراء تنتهي إليهم الشهرة في جيلهم وتقف، وفي الأخلاق ثواليث تتقارب في الأثر اشتراكًا، أو تتباعد تضادًا، وتتماثل حتى في الوزن وأشكال الحروف كالجهل والجبن والجفاء أو كالجدب والجرد والجفاف، والحقيقة أنه لا سر في هذا وإنما فيه غرابة، لأن الثلاثة هي أول عدد يجمع درجتي العدد، وهما الشفع والوتر، ولكنهم مع هذه الحيرة في الثلاثيات لا يستغربون الثنائيات، والكون كله مملوء بها وقائم عليها، والتقسيم كله راجع إليها، فهي محل السر وإن لم تكن محل الغرابة لكثرتها، كالليل والنهار والظلمة والنور، والخير والشر والحق والباطل، وفي الكون سماء وأرض وفي الاحياء ذكر وأنثى، وفي جوارحهم كثرة مزدوجة كالعينين واليدين، وفيما يختلفون فيه العفة والطمع، وفيما يقتتلون عليه الجوع والشبع، وفيما يتدافعون عليه الحرية والعبودية، وفي أخراهم النار والجنة، وفي دنياهم المدرسة والسجن ...
هذه فلسفة فارغة، ولكن في بعض جوانبها مجالي للعبر، وجوالب للتفكير، فالدنيا أخت الآخرة أو ضرتها وفي كليهما متقابلات يؤدي بعضها إلى بعضها، أو يدل بعضها على بعضها، فالمدرسة هي جنة الدنيا والسجن هو نارها ... والأمة التي لا تبني المدارس تبنى لها السجون، والأمة التي لا تصنع الحياة يصنع لها الموت، والأمة التي لا تعمل لنفسها ما ينفعها ويسعدها، يعمل لها غيرها ما يضرها ويشقيها، والأمة التي لا تحك جسمها بظفرها فترفق وتلتذ، تحكها الأظفار الجاسية فتدمى وتتألم، والأمة التي لا تغضب للعز الذاهب ترضى بالذل الجليب، والأمة التي تتخذ الخلاف مركبًا يغرقها في اللجة، والأمة التي لا تكرم شبابها بالعلم والتثقيف مضيعة لرأس مالها، والأمة التي لا تجعل الأخلاق ملاكها، أمة تتعجل هلاكها، والأمة التي تلد لغيرها- أمة تلد العبيد، لا أمة تلد الأحرار الصناديد، والأمة التي تعتمد في حياتها على غيرها طفيلية على موائد الحياة حقيقة بالقهر والنهر وقصم الظهر، والحياة بلا علم متاع مستعار، والوطن بلا علم عورة مكشوفة، ونهب مقسم، سنة من سنن الله كسنته في تكوير الليل على النهار.
стр. 844
لطالما قرعنا أسماع أمتنا بهذه الحقائق في المجتمعات الحاشدة بالكبار والصغار والنساء والرجال، في دروس الوعظ الديني، وفي محاضرات الإرشاد الاجتماعي، وعلى منابر الجمع والأعياد، وضربنا لها الأمثال بالأمم حاضرة وغابرة، وأفهمناها أنه إذا كانت الدار مقبرة فالحياة فيها موت، وإذا كان الشارع ملهى فهو طريق إلى السجن، وأن المدرسة هي طريق الحياة وطريق النجاة وطريق السعادة، وان الوطن أمانة الإسلام في أعناقنا، ووديعة العرب في ذممنا، فمن بعض حقه علينا أن نحفظ دينه من الضياع، وأن نحفظ لسانه من الانحراف، وأنه لا سبيل إلى ذلك إلّا بالمدرسة التي تبنيها الأمة بمالها، وتحوطها برعايتها، وتجعلها حصونًا تقي أبناءها الانحلال الديني والانهيار الخلقي وتحفظهم من ترف الغنى وذل الفقر، وتربيهم على الرجولة والقوة، وتوحيد النزعات، وتصحيح الفطرة، وتقويم الألسنة وتمتين الإرادات والعزائم، وتغرس الفضيلة في نفوسهم، وتصلح فيهم ما أفسده المنزل والشارع، وتروضهم على حب الوطن وبنائه طبقًا عن طبق.
وكأنما تلاقت كلماتنا الواعظة وآذان الأمة الواعية، في غمرة من غمرات التأثر والانفعال، والامتعاض للحال، والتشاؤم من المآل، فكان أثر ذلك تلك الهبَّة التي وضعت حجر الأساس لهذه النهضة، وأنتجت عدة مدارس في نواحي القطر المتفرقة، ثم تضاعفت الهبة من آثار الحرب المتناقضة في النفوس، فاشتد الإقبال على إنشاء المدارس، وسرت العدوى فولدت التنافس المحمود بين الجماعات والقرى، حتى أن المؤرخ ليعد- صادقًا- سنة ١٩٤٣ وما بعدها موسم حمى فائرة، أعراضها تأسيس المدارس، وهذيانها الحديث عن المدارس، وكان تشجيع جمعية العلماء لهذه الحركة المباركة- على ما فيها من أخطار الاندفاع- مبنيًّا على حكمة، وهي أن تثبيط الهمم المتوثبة تبريد للحمية الفائرة، وفي التبريد من الأضرار ما ان أيسره- في مثل أمتنا- معاودة الهجوع وهي قريبة عهد به، مع كثرة الأيدي المهدئة، وتجاوب النغمات المهدهدة، لإعادة النائم إلى نومه.
ثم تضاعفت الهبة لأوائل هذا الطور وهو سنة ١٩٤٦ وكانت في هذه المرة مستكملة البواعث، وضاعف رجال الجمعية جهودهم في التنشيط، وكان من آثار هذا المزيج من النشاط والتنشيط أن تم في هذه السنوات الخمس عدد من المدارس هي مفخرة الفاخر، وملجمة الساخر، ولئن كان من مفاخر الطور الأول للجمعية مدرسة دار الحديث بتلمسان ومدرسة تهذيب البنين بتبسة، وكان من مفاخر الطور الثاني مدرسة الحياة بجيجل، ومدرسة شاطودان، فمن مفاخر هذا الطور الأخير مدرسة ندرومة، ومدرسة سيق، ومدرسة وهران ومدرسة أبي العباس، ومدرسة تيهرت، ومدرسة الأصنام، ومدرسة الأغواط، ومدرسة بوفريك، ومدرسة سانت أوجين، ومدرسة حي بيلكور في الجزائر، ومدرسة قنزات، ومدرسة سطيف، ومدرسة العلمة، ومدرسة بسكرة، ومدرسة سكيكدة، ومدرسة عنابة، ومدرسة
стр. 845
خطاب بالميلية، فهذه أمهات المدارس التي شيدتها الأمة وأعلتها على مقدار من همتها وأنفقت فيها عشرات الملايين، وتداعت فيها إلى البذل على بصيرة وإيمان ويقين، ومن وراء هذا الطراز المشرف والنموذج الكامل من المدارس، نموذج هو دونه في الضخامة، تمثله مدارس مغنية والحنايا والغزوات والطهير، وعقارات اشتريت بقصد الإصلاح والتجديد، ومساحات من الأرض حيزت بقصد البناء ولئن تمت ليكونن بعضها أضخم وأعظم مما تم تشييده، كمدرسة خنشلة، ومدرسة الشريعة، ومدرسة البنات بجيجل، وغيرها.
ومما يسترعي الانتباه أن هذه المدارس شيدت كلها على طراز متقارب الهندسة والمظهر، وهو شيء مقصود أشرنا به ونفذناه، وأبعدنا النجعة في تطلب سره، وهو أن تفهم الأجيال الآتية أن هذا الجيل الذي بنى وشيد، كان جيلًا منسجم الذوق، موحد اللمحات الذهنية، متقارب النظرات الفنية، وانتقل من ذلك إلى أنه جيل ينظر إلى الحياة نظرة واحدة، ولا يصمنا باختلاف الذوق، واختلال الذهن، وانطماس النظرة، وما زال اتحاد الذوق في أمة دليلًا على وحدة تفكيرها، وسداد نظرتها، وما زلنا نرى الطراز الأندلسي موحد التقسيم والتخطيط، فنشهد لأصحابه بوحدة الذوق وانسجام اللمحة، والتواطؤ على فنون الحياة، ونستدل بذلك على أشياء أخرى من شؤونهم في غير المعمار، ونحن بهذا التقارب البادي في طراز مدارسنا والذي سيتم تمامه في المستقبل نكون قد سجلنا لجيلنا الحاضر منقبة، وفرضنا على الأجيال الآتية نوعًا من الإكبار لنا، والتقدير لأعمالنا فائدته لنا حسن الذكر وطيب الأحاديث من بعدنا، وتزيين صحائفنا السوداء بلمحة من جمال، وفائدته لأجيالنا الآتية متاع من الفخر الصادق بنا، وخطة من التأسي الصالح بأعمالنا وآثارنا، وحفز لهم إلى تكميلها والمحافظة عليها، ولو أننا تركنا لهم صورًا شوهاء مختلفة المظاهر والأشكال لأضللناهم، ولنبت عيونهم وأذواقهم عن آثارنا، فكان ذلك مدرجة لنسيانهم لنا، وعقوقهم إيانا، وإذًا لأضعنا عليهم سبب فخر، وفوتنا على أنفسنا مناط ذكر، فلتكن هذه النكتة عظة لبناة المدارس من أبناء هذا الجيل، فإليهم سقنا الحديث، وإياهم عنينا بالتذكرة.
...
بلغ عدد المدارس الابتدائية، مائة وخمسًا وعشرين مدرسة، (بإسقاط المعطل منها إداريًّا)، وتشتمل هذه المدارس على أكثر من ثلاثمائة فصل.
وبلغ عدد التلاميذ النهاريين:
الملازمين ................... ١٦٢٨٦
الذكور منهم ................ ١٠٥٩٠
والإناث .................... ٥٦٩٦