إلّا بعد تنقية الأرض وتمهيدها وإثارتها، فلما تم لنا من ذلك شيء في بعض الجهات ووجدت القابلية- انتقلنا إلى المرحلة الثانية، وهي التعليم، بعزيمة المؤمن المنتصر المقدر لمواقع الخطى، المستفيد من الصواب والخطأ، ولم يبق لنا من أعمال الطور الأول إلّا مواقف حراسة ودفاع لئلا يعاود الباطل كرته، على نحو من دفاع الجندي الظافر في أطراف الميدان.
كان الطور الأول طور هدم ورفع أنقاض، وكان الطور الثاني طور بناء وتشييد ... بناء للعقول والأرواح والنفوس بمواد العلم والحكمة والفضيلة وتشييد للحياة الفاضلة الحافلة بالسعادة والنضرة، المبنية على المثل العليا من الرجولة والبطولة والنبوغ، ولا تذكروا مع هذا تشييد المباني، فهي في المحل الأول وهو في المحل الثاني، وأين بناء الجدران، من بناء مقومات الإنسان؟ إن في بناء العقول والأرواح والنفوس والأذهان لمحاكاة لصنع الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وإن في فتق لسانه على البيان المنمق، وتشقيقه على الكلام المشقق، لتحقيقًا لحكمة الذي خلق الإنسان علمه البيان، وأين يقع ذلك من هذا؟
استغرق هذا الطور سبع سنوات تخللتها نكسة الحرب وتعطيل التعليم في سنوات منها، وكان الربح الذي أفاءته علينا سنوات التعطيل أربى من الخسارة، فقد تنبهت مشاعر الأمة في حقبة التعطيل، وكمل استعدادها، فما كادت الحوائل تزول حتى تأججت الرغبات المكبوتة، وانفجر الاستعداد الكامن، وأقبلت الأمة تبني المدارس وتعلي، سائرة على هدي جمعية العلماء، وجارينا ذلك التيار على ما في مجاراته من أخطار، وفتحت عشرات المدارس فيما بين سنة ١٩٤٣ وسنة ١٩٤٥، وجاءت حوادث ٨ ماي فأعادت النكسة وشلت الهمم والعزائم، ورمت الأمة بالداء العياء الذي ما زالت تعاني عقابيله، وهو الخوف والرهبة.
وجاء الطور الثالث يعدو سابقًا في صيف ١٩٤٦ متسمًا بالحزم والتصميم والنظام والترامي إلى الكمال، والرمي إلى هدف واحد، والإيمان الجازم بالغاية وجمع القوى المتفرقة في سبيل الوصول إليها، وإن هذا الطور كيوم من أيام الله في جمعيتكم، لا يقدر بالساعات، وإنما هو هيكل من الأعمال متعدد الأجزاء لا يتم بتمام جزء منها، وإنما يتم بتمام جميعها، وقد استعددنا للقيام بإتمام هذا الهيكل، وصاحبنا من توفيق الله ما شهدنا آثاره، فلم ننقطع يومًا عن الأعمال المتممة لهذا الهيكل في السنوات الخمس، وإنما انقطعنا عن شيء عرفي، قرره الاصطلاح والقانون، وسمياه (الاجتماع العام) فلم يُفَوِّتْ علينا هذا الانقطاع إلّا اجتماعًا محدودًا في مكان محدود في ساعات محدودة، تلقى فيه كلمات معدودة، وأبخس بهذا كله فائتًا في جنب ما تم وحصل في هذه السنوات الخمس من الأعمال الإيجابية الباهرة التي لولا عون الله وتيسيره، وسر الإخلاص لما تم بعضها في
стр. 842
عشرات السنين، ولو قارنا بين ما أجدى علينا هذا الانقطاع وما رزأنا لوجدنا الجدوى أرجح من الإضاعة، فلم تمر في تاريخ جمعية العلماء سنوات أبرك على الأمة وأعود عليها بالخير من هذه السنوات، فكأنهن البقرات السمان أو السنبلات الخضر في رؤيا يوسف غير أنهن خمس ....
على أن انقطاع الاجتماع العام لم يكن مخالفًا للقانون العرفي كما يتوهمه بعض الناس. بل كان مستندًا على أسناد قانونية متينة، فإن كثيرًا من أهل الرأي من الأعضاء العاملين والمؤيدين كانوا مجمعين في أول كل سنة من هذه السنوات على عدم لزوم الاجتماع العام محتجين بأن المجلس الإداري قائم بمشاريع عظيمة واسعة النطاق، تملك عليه وقته وتفكيره وجهده، ويستدعي إتمامها سنين من الوقت وملايين من المال، ومجهودًا متواصلًا من الأعمال، ويقتضي جمعًا بين أول الرأي وآخره، وبدء العمل وتمامه، فليس من سداد الرأي ولا من صواب التدبير تشويه الهيكل بتشويش العمل- وهو في انتظام أمره واطراد سيره- باجتماعات آلية يعطل اعدادها وقتًا غير قصير، ويستنفد مالًا غير يسير، بل من لباب الحكمة أن لا تختلف الأيدي المسيرة كيلا يختلف الرأي، وأن يبقى المجلس الإداري قائمًا على تلك المشاريع، حتى يقدم للأمة عملًا كاملًا، فما أضر الجمعيات والحكومات، وما عطل بناء الأعمال العظيمة فيها حسية ومعنوية إلّا هذه السنة السيئة، وهي أن يبدأ الأعمال ويضع لها البرامج والتخطيطات غير من يوكل إليه إتمامها، وما شل عبقريات الرجال إلّا عروض هذا الخيال، وهو أنهم يبدأون العمل على تدبير وتقدير، ثم يخلفهم عليه من لا يرى فيه رأيهم، ولا يفكر تفكيرهم ولا يوافق ذوقه ذوقهم، ولا يكون له من الهمّة في إنجازه ما لهم من الهمّة فيه، والأعمال همم وذمم وقيم.
أيها الإخوان:
تنقسم الأعمال التي باشرها المجلس الإداري لجمعيتكم في السنوات الخمس الماضية إلى قسمين: مشروعات ومواقف، وأهم المشروعات- المدارس و"البصائر" والمعهد الباديسي، وتضاف إليها حركة باريس ومكتب مصر، وأهم المواقف موقف الدفاع عن حرية الدين، والدفاع عن حرية التعليم العربي، ويتبع ذلك موقفه من قضايا العروبة والإسلام، وها نحن أولاء نتحدث إليكم عن هذا الأهم من المشاريع، مجملين في بعضها حيث لا فائدة في التفصيل، مفصلين في بعضها حيث يحسن اطلاعكم عليه. فإذا انتهينا من ذلك تقدمنا بإرشادات إلى المجلس الجديد فيما يجب عليه لاتصال العمل في هذه المشاريع وتقويتها والمحافظة عليها، وزودناه بخلاصة التجارب التي حصلنا عليها من المراس للحوادث، والمراس على المكاره والمصاعب، وان هذا لخير زاد يقدمه سلف لخلف، وأنفع ميراث يرثه خلف عن سلف.
стр. 843
المدارس
يتكلم بعض الأدباء والمتألهة عن عدد الثلاثة، ويتخيلون له من بين الأعداد سرًا يحومون عليه ولا يكشفون عنه، ويطرقون بابه ولا يلجون، ويعدون اعتباره في العادات والأديان، والإكثار من ذكره والتحديد به ظاهرة قديمة في العادات متفشية في الأديان واردة على ألسنة الرسل المعصومين، فالثلاثيات أو الثواليث هي أكثر شيوعًا من كل ما اشتق من الأعداد أو تصرف منها، ففي الإسلام التثليث في الطهارة، والثلاث في العصمة، والثلاثة والثلاثون في الذكر، وفي العادات تكرير اللفظ ثلاثًا للتأكيد، وفي كثير من أطوار الأدب العربي ثواليث من الشعراء تنتهي إليهم الشهرة في جيلهم وتقف، وفي الأخلاق ثواليث تتقارب في الأثر اشتراكًا، أو تتباعد تضادًا، وتتماثل حتى في الوزن وأشكال الحروف كالجهل والجبن والجفاء أو كالجدب والجرد والجفاف، والحقيقة أنه لا سر في هذا وإنما فيه غرابة، لأن الثلاثة هي أول عدد يجمع درجتي العدد، وهما الشفع والوتر، ولكنهم مع هذه الحيرة في الثلاثيات لا يستغربون الثنائيات، والكون كله مملوء بها وقائم عليها، والتقسيم كله راجع إليها، فهي محل السر وإن لم تكن محل الغرابة لكثرتها، كالليل والنهار والظلمة والنور، والخير والشر والحق والباطل، وفي الكون سماء وأرض وفي الاحياء ذكر وأنثى، وفي جوارحهم كثرة مزدوجة كالعينين واليدين، وفيما يختلفون فيه العفة والطمع، وفيما يقتتلون عليه الجوع والشبع، وفيما يتدافعون عليه الحرية والعبودية، وفي أخراهم النار والجنة، وفي دنياهم المدرسة والسجن ...
هذه فلسفة فارغة، ولكن في بعض جوانبها مجالي للعبر، وجوالب للتفكير، فالدنيا أخت الآخرة أو ضرتها وفي كليهما متقابلات يؤدي بعضها إلى بعضها، أو يدل بعضها على بعضها، فالمدرسة هي جنة الدنيا والسجن هو نارها ... والأمة التي لا تبني المدارس تبنى لها السجون، والأمة التي لا تصنع الحياة يصنع لها الموت، والأمة التي لا تعمل لنفسها ما ينفعها ويسعدها، يعمل لها غيرها ما يضرها ويشقيها، والأمة التي لا تحك جسمها بظفرها فترفق وتلتذ، تحكها الأظفار الجاسية فتدمى وتتألم، والأمة التي لا تغضب للعز الذاهب ترضى بالذل الجليب، والأمة التي تتخذ الخلاف مركبًا يغرقها في اللجة، والأمة التي لا تكرم شبابها بالعلم والتثقيف مضيعة لرأس مالها، والأمة التي لا تجعل الأخلاق ملاكها، أمة تتعجل هلاكها، والأمة التي تلد لغيرها- أمة تلد العبيد، لا أمة تلد الأحرار الصناديد، والأمة التي تعتمد في حياتها على غيرها طفيلية على موائد الحياة حقيقة بالقهر والنهر وقصم الظهر، والحياة بلا علم متاع مستعار، والوطن بلا علم عورة مكشوفة، ونهب مقسم، سنة من سنن الله كسنته في تكوير الليل على النهار.
стр. 844
لطالما قرعنا أسماع أمتنا بهذه الحقائق في المجتمعات الحاشدة بالكبار والصغار والنساء والرجال، في دروس الوعظ الديني، وفي محاضرات الإرشاد الاجتماعي، وعلى منابر الجمع والأعياد، وضربنا لها الأمثال بالأمم حاضرة وغابرة، وأفهمناها أنه إذا كانت الدار مقبرة فالحياة فيها موت، وإذا كان الشارع ملهى فهو طريق إلى السجن، وأن المدرسة هي طريق الحياة وطريق النجاة وطريق السعادة، وان الوطن أمانة الإسلام في أعناقنا، ووديعة العرب في ذممنا، فمن بعض حقه علينا أن نحفظ دينه من الضياع، وأن نحفظ لسانه من الانحراف، وأنه لا سبيل إلى ذلك إلّا بالمدرسة التي تبنيها الأمة بمالها، وتحوطها برعايتها، وتجعلها حصونًا تقي أبناءها الانحلال الديني والانهيار الخلقي وتحفظهم من ترف الغنى وذل الفقر، وتربيهم على الرجولة والقوة، وتوحيد النزعات، وتصحيح الفطرة، وتقويم الألسنة وتمتين الإرادات والعزائم، وتغرس الفضيلة في نفوسهم، وتصلح فيهم ما أفسده المنزل والشارع، وتروضهم على حب الوطن وبنائه طبقًا عن طبق.
وكأنما تلاقت كلماتنا الواعظة وآذان الأمة الواعية، في غمرة من غمرات التأثر والانفعال، والامتعاض للحال، والتشاؤم من المآل، فكان أثر ذلك تلك الهبَّة التي وضعت حجر الأساس لهذه النهضة، وأنتجت عدة مدارس في نواحي القطر المتفرقة، ثم تضاعفت الهبة من آثار الحرب المتناقضة في النفوس، فاشتد الإقبال على إنشاء المدارس، وسرت العدوى فولدت التنافس المحمود بين الجماعات والقرى، حتى أن المؤرخ ليعد- صادقًا- سنة ١٩٤٣ وما بعدها موسم حمى فائرة، أعراضها تأسيس المدارس، وهذيانها الحديث عن المدارس، وكان تشجيع جمعية العلماء لهذه الحركة المباركة- على ما فيها من أخطار الاندفاع- مبنيًّا على حكمة، وهي أن تثبيط الهمم المتوثبة تبريد للحمية الفائرة، وفي التبريد من الأضرار ما ان أيسره- في مثل أمتنا- معاودة الهجوع وهي قريبة عهد به، مع كثرة الأيدي المهدئة، وتجاوب النغمات المهدهدة، لإعادة النائم إلى نومه.
ثم تضاعفت الهبة لأوائل هذا الطور وهو سنة ١٩٤٦ وكانت في هذه المرة مستكملة البواعث، وضاعف رجال الجمعية جهودهم في التنشيط، وكان من آثار هذا المزيج من النشاط والتنشيط أن تم في هذه السنوات الخمس عدد من المدارس هي مفخرة الفاخر، وملجمة الساخر، ولئن كان من مفاخر الطور الأول للجمعية مدرسة دار الحديث بتلمسان ومدرسة تهذيب البنين بتبسة، وكان من مفاخر الطور الثاني مدرسة الحياة بجيجل، ومدرسة شاطودان، فمن مفاخر هذا الطور الأخير مدرسة ندرومة، ومدرسة سيق، ومدرسة وهران ومدرسة أبي العباس، ومدرسة تيهرت، ومدرسة الأصنام، ومدرسة الأغواط، ومدرسة بوفريك، ومدرسة سانت أوجين، ومدرسة حي بيلكور في الجزائر، ومدرسة قنزات، ومدرسة سطيف، ومدرسة العلمة، ومدرسة بسكرة، ومدرسة سكيكدة، ومدرسة عنابة، ومدرسة
стр. 845
خطاب بالميلية، فهذه أمهات المدارس التي شيدتها الأمة وأعلتها على مقدار من همتها وأنفقت فيها عشرات الملايين، وتداعت فيها إلى البذل على بصيرة وإيمان ويقين، ومن وراء هذا الطراز المشرف والنموذج الكامل من المدارس، نموذج هو دونه في الضخامة، تمثله مدارس مغنية والحنايا والغزوات والطهير، وعقارات اشتريت بقصد الإصلاح والتجديد، ومساحات من الأرض حيزت بقصد البناء ولئن تمت ليكونن بعضها أضخم وأعظم مما تم تشييده، كمدرسة خنشلة، ومدرسة الشريعة، ومدرسة البنات بجيجل، وغيرها.
ومما يسترعي الانتباه أن هذه المدارس شيدت كلها على طراز متقارب الهندسة والمظهر، وهو شيء مقصود أشرنا به ونفذناه، وأبعدنا النجعة في تطلب سره، وهو أن تفهم الأجيال الآتية أن هذا الجيل الذي بنى وشيد، كان جيلًا منسجم الذوق، موحد اللمحات الذهنية، متقارب النظرات الفنية، وانتقل من ذلك إلى أنه جيل ينظر إلى الحياة نظرة واحدة، ولا يصمنا باختلاف الذوق، واختلال الذهن، وانطماس النظرة، وما زال اتحاد الذوق في أمة دليلًا على وحدة تفكيرها، وسداد نظرتها، وما زلنا نرى الطراز الأندلسي موحد التقسيم والتخطيط، فنشهد لأصحابه بوحدة الذوق وانسجام اللمحة، والتواطؤ على فنون الحياة، ونستدل بذلك على أشياء أخرى من شؤونهم في غير المعمار، ونحن بهذا التقارب البادي في طراز مدارسنا والذي سيتم تمامه في المستقبل نكون قد سجلنا لجيلنا الحاضر منقبة، وفرضنا على الأجيال الآتية نوعًا من الإكبار لنا، والتقدير لأعمالنا فائدته لنا حسن الذكر وطيب الأحاديث من بعدنا، وتزيين صحائفنا السوداء بلمحة من جمال، وفائدته لأجيالنا الآتية متاع من الفخر الصادق بنا، وخطة من التأسي الصالح بأعمالنا وآثارنا، وحفز لهم إلى تكميلها والمحافظة عليها، ولو أننا تركنا لهم صورًا شوهاء مختلفة المظاهر والأشكال لأضللناهم، ولنبت عيونهم وأذواقهم عن آثارنا، فكان ذلك مدرجة لنسيانهم لنا، وعقوقهم إيانا، وإذًا لأضعنا عليهم سبب فخر، وفوتنا على أنفسنا مناط ذكر، فلتكن هذه النكتة عظة لبناة المدارس من أبناء هذا الجيل، فإليهم سقنا الحديث، وإياهم عنينا بالتذكرة.
...
بلغ عدد المدارس الابتدائية، مائة وخمسًا وعشرين مدرسة، (بإسقاط المعطل منها إداريًّا)، وتشتمل هذه المدارس على أكثر من ثلاثمائة فصل.
وبلغ عدد التلاميذ النهاريين:
الملازمين ................... ١٦٢٨٦
الذكور منهم ................ ١٠٥٩٠
والإناث .................... ٥٦٩٦
стр. 846
وبلغ عدد التلامذة الليليين الذين تشغلهم المكاتب الفرنسية:
بالنهار .......... ٢٠٠٠٠
(وهذا الإحصاء خاص بمن شارك في امتحانات هذه السنة).
فمجموع التلامذة الذين تضمهم مدارسنا قريب من سبعة وثلاثين ألف تلميذ وقد يجاوزون الأربعين ألفًا في بعض الأوقات.
ولكن الانقطاع في أثناء السنة كثير، لأن أسبابه كثيرة في أمتنا، فإذا أسقطنا هذا العدد القليل من ذلك الرقم الهائل المحروم من التعليم بجميع أنواعه، وهو مليونان من شباب الأمة وأطفالها- وجدنا أنفسنا لم نزل في مبتدإ المرحلة، وسمعنا الواجب ينادينا ويحثّنا على مضاعفة الجهد لإنقاذ هذا الجيل البائس من الأمية والجهل، فإذا لم نفعل أضعنا جيلًا كاملًا، وحققنا أمنية الاستعمار فيه.
وبلغ عدد المعلمين .......... ٢٧٥ معلمًا يتقاضون أجورًا لا تكاد تكفي لضرورياتهم، تبلغ سبعة وثلاثين مليونًا في السنة تقريبًا.
وبلغت قضايا المحاكمات للمعلمين (بتهمة التعليم) سبعًا وعشرين قضية، حكم في جميعها بالتغريم، وفي ثلاث منها بالتغريم والحبس ... وفي واحدة منها بالسجن والتغريم المضاعف واستؤنفت عدة قضايا منها إلى المحاكم العليا في باريس فأيدت أحكام الجزائر في جميعها، ولم تنقض منها حكمًا، مما يدل على أن "العلة في الرأس"، وأن بين أيدينا سجلًا جامعًا لهذه المحاكمات سوف ننشره في العالمين تشنيعًا على الاستعمار، وكشفًا لسيئاته.
ومن آيات الله في هذه المدارس أنها حية في حكمه، تعلم وتؤدي واجبها، ولكنها ميتة في حكم الاستعمار، لأنها مخالفة لقوانينه الجائرة، وأغراضه الخبيثة، مناهضة لوجوده، ففي حياتها وموتها خلاف بين الله وبين الاستعمار، وفي استمرارها وتعطيلها غلاب بين أحكم الحاكمين، وأظلم الظالمين، ومغالب الله مغلوب.
أيها الاخوان:
إن الاستعمار ينظر إلى مدارسكم بعين الغضب، فهل أنتم ناظرون إليها بعين الرضا (١)، ومقدمون إليها ما ينشأ عن الرضا من تأييد والتفاف واستماتة في الدفاع عنها؟
إنه جاد في قتل لغتكم، فهل أنتم جادون في إحيائها؟ (٢) وإنه ينظر إليكم بالعين النافذة إلى السرائر، وقد جسَّ مواقع الضعف منكم فوجدها في التفرق والتخاذل والبخل، فاتخذ منها دلائل على موت مشاريعكم، فهو يغفل ويتصامم لتموت بأيديكم لا بيده، فيكون له
стр. 847
بذلك بلوغ غرض وإقامة دليل، وانه ليحاكم مدرسة بعينها ويترك ما بين أيديها وما خلفها من المدارس، ليذكرنا دائمًا أنه هو هو وأنه بالمرصاد وأنه إذا شاء فعل، ومن مكره الكُبَّار أنه يفحش في المحاكمة ويغلظ فيحاكم المعلمين على الصورة التي يحاكم بها المجرمين في مجلس واحد، وينادي مناديه على متهم بسرقة وعلى متهم بتعليم القرآن، أو بفتح مدرسة بلا رخصة، وكثيرًا ما يكون يوم المحاكمة هو يوم الجمعة فاسمعوا وعوا ...
أيها الإخوان:
هذه المدارس التي تعتمد ماديًّا على الأمة وحدها، وأدبيًّا على جمعية العلماء وحدها مفتقرة إلى مدد متلاحق من المال والنظام، وان الأول لألزم من الثاني ومقدم عليه، فإن النظام لا تطمئن قواعده إلّا بالمال، وان قلة المال هي السبب الوحيد فيما يبدو على مدارسنا من اضطراب وخلل، وخذوا مثلًا جزئية واحدة وهي لجنة التعليم والتفتيش، فإن عددًا ضخمًا من المدارس والمعلمين والتلامذة مثل هذا يحتاج إلى إدارة خاصة بمديرها وكتابها ومفتشيها ولوائحها وملفاتها تكون مرجعًا للجمعيات المحلية فيما يخصها، وللمديرين والمعلمين فيما يخصهم، وفيصلًا في الخلاف الذي ينجم، والإشكال الذي يطرأ، ومسؤولة عن كل كبيرة وصغيرة من أمر المدارس، وعن التفتيش والمراقبة للامتحانات، وقد تنبه المجلس الإداري لهذا كله، وتبين فائدته ولزومه، من أول هذا الطور، فكون لجنة التعليم من قدماء المديرين، وبعض أعضاء المجلس الإداري، وأسند إليها كل ما يتعلق بالتعليم، وزودها بالأدوات اللازمة، فقامت بأعمال نافعة ووضعت اللوائح والنظم، ونظمت التفتيش، وبدأت التجربة بواحد، وقطعت سنتين في تجربة كانت مشجعة في الجملة، ثم استأنفت العمل، ونقَّحَتْ كل ما لم يظهر صلاحه من اللوائح، وقد مضت عليها أربع سنوات ولم يقع فيها تجديد، ولم يظهر على أعمالها تقدم، بسبب فقد الأموال اللازمة، وحسبكم أنها كلفت الجمعية قريبًا من مليون فرنك في سنتها الأولى، وقد قدمت للمجلس الإداري بعد اجتماعها الأخير، وبعد إنجازها لأعمالها، تقريرًا وافيًا عن حالة التعليم مستقاة معانيه من تقارير المفتشين والمديرين، واقترحت مقترحات مفيدة ضرورية، وقدرت لتنفيذها. على أكمل وجه مليونين ونصف مليون من الفرنكات، وانه لمبلغ نزر بالنسبة إلى ما يترتب على تلك المقترحات من الفوائد، ولكن أين هذا المبلغ من المال؟
أصارحكم بأن من الموارد المالية التي خصصناها للجنة- اشتراكات سنوية فرضناها على المدارس بنسب متفاوتة بحسب ضعفها وقوّتها، وأشرنا عليها أن تحتسبها من نفقاتها العامة، ولكن كثيرًا من المدارس لم يدفع ذلك المبلغ التافه سنتين، تعللا بالأزمة، مع تكرر الطلب وان هذا لأحد الأسباب في كثير من التقصير والخلل الذي نعترف به منصفين، ولكننا لا نرضى أن نتحمل مسؤوليته وحدنا بل المسؤولية ملقاة على الجمعيات المحلية ومن ورائها الأمة.
стр. 848
أيها الإخوان:
كلمة صريحة مريحة، إن كنتم جادين في هذه النهضة، مؤمنين بنتائجها وغاياتها، فكونوا مؤمنين بأنه لا يتم لها تمام بالأقوال وتخطيط البرامج على الورق، وإنما يتوقف كل شيء فيها على المال، وان المطلع على بواطن الحالة عندنا ليأخذه العجب من سير هذه الحركة العتيدة بهذه المبالغ الطفيفة من المال، أما غير المطلع فقد يظن الظنون، وقد تطايرت منذ سنوات أخبار عن جمعيتكم عرفنا مصدرها ومغزاها، وبلغت إلى مصر والعالم الشرقي، وتقول هذه الأخبار ان جمعية العلماء تملك خمسمائة مليون من الفرنكات، وانحط بها بعضهم إلى ثمانين مليونًا، وكأن ناقلي هذه الأخبار ومصدقيها يعتقدون أن جمعية العلماء شركة تتجر في المواد الرائجة، وما علموا أنّه لو اجتمع لجمعية العلماء هذا المبلغ من المال لأنفقته في سنة واحدة على تشييد المدارس لهذا الجيش المتشرد من أبناء الأمة، لأن ادخار المال، لا يكون إلّا بعد استكمال الأعمال، ونحن لم نصل بعد هذا الجهد المضني في عشرين سنة إلّا إلى تحقيق جزء من رغائب الأمة، وإخراج نحو مائة ألف من سجن الأمية، ولكننا نقوم بواجبنا، على قدر حالنا، ونذر المتخرصين ينطقون عن الهوى، ويخوضون في ضحضاح الأوهام.
المعهد الباديسي
من غرر أعمال المجلس الإداري في هذه السنوات الخمس إنشاء المعهد الباديسي بقسنطينة، بحيث إذا عدت أعمال جمعيتكم كان درة تاجها، ونكتة انتاجها، وذبالة سراجها والمرقاة العليا في معراجها، والبرهان القاطع على بلوغ الجمعية رشدها، والأمة أشدها.
قضينا عن الأمة بإنشاء هذا المعهد حاجتين في النفس: إحياء اسم أخينا واضع الأس في بناء النهضة التعليمية في الجزائر الإمام الرَّئِيسُ عبد الحميد بن باديس بنسبة المعهد إليه، وتسجيل الاعتراف بفضله علينا وعلى الأمة، وان الاعتراف بفضل الرجال، من دلائل الكمال، ومن أوثق ما يربط الأجيال بالأجيال.
والثانية إقامة قنطرة يمر منها أبناء الأمة الذين قطعوا مرحلة التعليم الابتدائي- إلى التعليم الثانوي، وهو النتيجة الطبيعية لنهضة التعليم الابتدائي إذا طرد سيرها، ولم تقف العوائق في طريقها.
стр. 849
وان بين هذا المعهد وبين من أطلقنا عليه اسمه- لصلة من الأمل، تجسمت فكانت كالعمل، حتى كأنه- ﵀ أنشأه بيده، فقد نبتت في ذهن الإمام المرحوم فكرة شغلت عليه فكره، فكان يكثر من ذكرها، ويجعلها منتهى آماله في الحياة، ويقربها منه الرجاء، فكأنها منه في قبضة المتناول، تلك الفكرة هي إنشاء كلية إسلامية عربية في الجزائر تدرس فيها أسرار البيان العربي، وحقائق القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي، والفضائل الإسلامية مفصلة على الغاية التي ترمي إليها حركة الإصلاح الديني والاجتماعي التي استفحل أمرها في الجزائر، لتخرج للإسلام- الرجل المصلح السلفي الكامل وتنبت للعروبة من جديد ألسنة تخب في الدعاية وتضع، وتطير في آفاقها وتقع، وكنا نشركه في هذه الفكرة فنتجاذب أطراف الحديث عنها إذ اجتمعنا، ويغمرنا الرجاء بتحقيقها، وكان- ﵀ أوسعنا استرسالًا مع الخيال في تشييد الكلية، حتى أنه ليطوي مراحل التمهيد الطبيعية ووسائل الإعداد الضرورية، كأنها طويت بالفعل، وإنا لنتحدث ذات غداة عن التعليم الابتدائي، والشوط الذي قطعناه فيه، ولم يكن لنا إذ ذاك إلّا بضع عشرة مدرسة فقفز بنا إلى الكلية، ولزوم المبادرة بالدعوة والترويج لها في أوساط الأمة، فعارضناه بأن تحقيق هذا الأمل يتوقف على مرحلتين تسبقانه طبعًا ووضعًا، وهما تعليم ابتدائي متقن واسع، فإذا تم وانتشر وكثر الحاملون لشهادته تطلب بطبيعته تعليمًا ثانويًّا، فإذا توجهت الأمة إليه، وجدت وآمنت بضرورته لحياتها اندفعت إلى تأسيس مدارسه، لأن العلم إذا انتشرت تباشيره في الأمة، وخالطت بشاشته أرواحها، أصبح كالسيل المتدافع، يقذف تيارًا بتيار، وحينئذٍ يجب التفكير في الكلية والتعليم العالي، وستكون الأمة إذ ذاك مندفعة إلى هذه المرحلة بما سبقها منساقة إليها بطبيعة الحال، ولم يكن- ﵀ ممن ينكر هذا بذوقه وشعوره، وإنما كان لقوّة أمله، وفيضان إحساسه، وصدق ثقته بنفسه وبربه وبأمته- يسمو إلى النهايات، ثقة منه بتكامل البدايات.
بقي ذلك الأمل عالقًا بأذهاننا، مستوليًا على شعورنا، حتى لحق الأستاذ الرَّئِيسُ بربه وخلفناه- معشر إخوانه- على حمل هذه الأمانة العظيمة، فوضعنا نصب أعيننا ذلك الأمل، وأخذنا في إعداد وسيلته الطبيعية الأولى وتقويتها، وهي تكثير المدارس الابتدائية، وترقية برامجها، بما يحتمله الوسع، وأعاننا على ذلك إقبال الأمة على العلم، وشعورها بضرورته، تأثرًا بالدعاية التي اضطلعت بها الجمعية، حتى بلغت المدارس وتلامذتها إلى الحد الذي سمعتم، فكان هذا مما عجل التفكير في إنشاء المعهد لنسد به بعض الحاجة ولنجعله نواة للتعليم الثانوي الذي ما زلنا لا نملك أسبابه الكاملة، ولنرضى به رغبات طائفة من أبنائنا الذين أتموا الدراسة الابتدائية، حتى لا تنتكس النهضة وتتراجع ولنمتحن به صدق الأمة وجدّها في النهضة، وقدرتنا على اقتحام المرحلة الثانية في التعليم، وقد أسفر الامتحان من
стр. 850
جهة الأمة عن تشجيع مؤثر، له خطره وستسمعون مصداقه من أخينا الأستاذ أمين المال، في فصل المعهد ومؤسساته ونفقاته، ولو اتسع المجال، ولم تتوال الأزمات على الأمة في السنوات الأخيرة، لتقدمنا إليكم اليوم بثلاثة معاهد للذكور، وبمعهد على الأقل للإناث، وإنني لا أخرج من العهدة إلّا بمصارحتكم بأن الأمة لا تستبرىء لدينها، وأمانة الله عندها إلّا بخطوة ثابتة سديدة إلى تعليم ثانوي منظّم، فإن غاية التعليم الابتدائي رفع الأمية وتكثير القارئين، وإثارة الشوق إلى العلم، فإذا لم تفتح في وجوه تلامذة هذا النوع أبواب التعليم الثانوي- انكسرت رغباتهم، وفتر شوقهم، وأدى ذلك إلى موت الأمل في نفوسهم، ثم إلى نوع خطير من الزهد في العلم، والرجوع إلى الأمية المريحة، ولا عذر للأمة في هذا بفقر ولا قلة، فإنها باجتماعها كثيرة غنية غير فقيرة، وان الحجة قائمة عليها بما تنفقه في اللهو وتبدده في الكماليات المباحة، والشهوات المحرمة.
إن أمة تنفق مآت الملايين في الشهر على القهوة والدخان، وتنفق مثلها على المحرمات، وتنفق مثلها في السنة على البدع الضارة، وتنفق أمثال ذلك كله على الكماليات التي تنقص الحياة ولا تزيد فيها، ثم تدعي الفقر إذا دعاها داعي العلم لما يحييها- لأمة كاذبة على الله سفيهة في تصرفاتها، ومن عدل الله فيها أن لا يغير ما بها، حتى تنوب وتثوب، وقد ضربنا لها الأمثال، وسقنا العبر، وحذرناها من التمادي في الغي، وبشرناها بابتسام الحياة لها إن هي رجعت إلى الله، ولبت داعيه، وأقمنا لها الدليل من هذه البواكير الطيبة لحركتنا التعليمية وإننا نبرأ إلى الله من أمانة مغشوشة ونصيحة مدخولة وبلاغ خاطىء.
والمعهد الآن يستقبل سنته الخامسة يحنو على سبعمائة تلميذ من أبناء الأمة واثني عشر مدرسًا من علمائها، ويسير بخطوات وئيدة، ولكنها سديدة، معتمدًا في حياته على الأمة متوكلًا على فضل الله.
" البصائر "
كان من أعمال المجلس الإداري لجمعيتكم في أوائل هذه الحقبة- إنجازًا للوعد الذي قطعه على نفسه في اجتماع سنة ١٩٤٦ - إصدار "البصائر" في طورها الجديد، ولقي في إصدارها ما لا يدركه إلّا المباشرون لمثل هذه الأعمال، وأصعبها وأثقلها محملًا- المطبعة- ولكنه صمم وعزم، فخرجت من أول يوم مولودًا كاملًا، واحتلت من أول يوم مكان الصدارة من بين الجرائد العربية في الشمال الافريقي، ودخلت الشرق العربي فرحبت
стр. 851
بها المحافل العلمية والأدبية التي اتصلت بها، وانهالت على إدارتها رسائل الإعجاب والتقدير من أئمة الكلام وحملة الأقلام، واعتبروها نموذجًا فنيًّا راقيًا، ثم دخلت الشرق الإسلامي فتفتحت لها القلوب المؤمنة، وتهللت لها وجوه المسلمين وعدوها لسانًا من ألسنة الإسلام، نطق حين أجرت المطامع الألسنة، وسيف من سيوف الإسلام انتضى حين أغمدت الرغبة والرهبة سيوفه، ودخلت النوادي العربية في الأميركتين فكانت سفيرًا موفق السفارة بين الجزائر وبين أبناء العروبة في تلك البلاد التي حيزت إليها الدنيا بحذافيرها، وزويت لها الأرض من أطرافها، وأَعْدَتْ كل داخل إليها بجنون المادة فكانت "البصائر" هناك قبسًا من روحانية الشرق ودعوة محبوبة إليه، تتداول الأيدي العدد الواحد منها حتى يبلى، ولو أن الناس هناك كانوا يقرأون العربية لأحدثت انقلابًا يكون مآله الرجوع إلى أحكام الروح.
ثم دخلت أوروبا وتغلغلت إلى أقاصيها الشمالية، فكأنما طلعت منها على الجاليات الإسلامية هناك شمس ثانية، وكأنما امتد منها حبل واصل بين المسلمين هنا إلى إخوانهم النازحين الغرباء هناك، وقد بلغت من المكانة عندهم أن جملها أصبحت نماذج تنتزع منها الدروس الدينية والخطب الجمعية.
وقفت "البصائر" في القضايا الجزائرية وفي قضايا العروبة والإسلام مواقف شريفة لم تقفها صحيفة عربية ولا أعجمية، وقاومت الاستعمار بالتشنيع عليه وهتك أستاره وكشف سرائره، ولم يثنها عن ذلك وقوع المكروه فضلًا عن توقعه، وكانت شجًا في حلقه وغصة في لهاته، وغيظًا في صدره، وخصمًا لا تلين قناته.
ووقفت في قضية فصل الدين عن الحكومة مواقف صادقة فضحت فيها نيات الاستعمار المبيتة، وكشفت عن مقاصده الخبيثة، وواجهته بحقائق لم يستطع لها إنكارًا ولا ردًا، وسكت سكتة السارق الذي فضحه نور الفجر، وإذا لم تحصل الأمة بعد تلك الحملات الصادقة على طائل، فذلك راجع إلى عناد الاستعمار المعروف، ,وإلى علة أخرى في الأمة ما زلنا نطب لها، ولم نصل إلى نهاية العلاج بعد، وهي أن إيمانها بحقها ما يزال ضعيفًا، ولو أنها عوفيت من هذه العلة، وتم برؤها منها- لأجرت ألسنتنا وأقلامنا بعزمة مصممة، تفصل القضية في يوم أو بعض يوم، ولتركت الاستعمار يقول ما قاله إمامه الأول فرعون: آمنت أنه لا إله إلّا الذي خلق الأمة الجزائرية.
ووقفت في قضية حرية التعليم العربي مواقف مشهودة، سيحفظها التاريخ وتحمدها العربية فيما تحمد، من مواقف النصرة لها، والدفاع عنها، وسيحمدها المنصفون من العرب وأنصار العروبة يوم تجتمع أطراف الأخبار، وتتجلى الحقائق، وبعلم أولئك الأنصار أن
стр. 852
عصابة قليلة العدد في الجزائر قامت بمكرمة عرفت عند العرب فأحيت الموءودة ... أحيت البيان العربي في ألسنة أدارها الاستعمار على رطانات غريبة ومكن لها فيها، ليسقط الضاد من مخارجها، وأنها أرجعت طائفة من أبناء العروبة إلى حظيرة العروبة.
ووقفت من قضية فلسطين موقف المجاهد المستبسل الكرار وأتت في القضية بما لم تأته صحيفة عربية، وجلت من وجوه الرأي الصريح ما لم يجله مفكر عربي، وسددت سهام النقد إلى المتخاذلين من قادة العرب، فكشفت دخائلهم وقبحت سيرهم وأعمالهم وانخداعهم لدسائس أوروبا وأحيت معهم سنن السلف الناصحين من نصيحة صادعة، وكلمة حق قارعة، وقالت لهم ما يغضبهم ولكنه يرضي الله.
ووقفت مع المغرب الأقصى في محنته الأخيرة موقف الأخ الصادق الأخوة يظاهر ويناصر وكأنه يحامي عن داره، لا عن دار جاره، وحملت على الاستعمار وعلى أنصاره الحاطبين في حبله حملات شعواء أقلقت باله وأَقَضَّتْ مضجعه، فلم ينعم له صباح، حتى منع رواجها بالمغرب، وأوصد دونها أبوابه.
ووقفت من الشاب المسلم الجزائري موقف الأب المرشد الناصح المشفق تدعوه إلى تعاليم دينه، وبيان لغته، ومعرفة تاريخه، والمحافظة على ميراثه الجنسي وخصائصه وأخلاقه، وأن يفهم الحياة ويواجهها بحقائقها، وأن يجمع شمله على الشبيبة وحب الوطن ونفعه، وأن يزاحم الأجنبي في علمه وعمله بالمنكب القوي، وأن لا يكون فارغًا في هذا الزمان الملآن، ولا عابثًا في هذا العصر الجاد، وأن يكاثر شباب العالم علمًا بعلم وعملًا بعمل، وأن يتجه إلى سمت، ويعمل له في صمت، وأن يعمل بدستور شوقي للشباب:
هَلْ علمتم أمة في جهلها ... ظهرت في المجد حسناء الرداء
باطن الأمة من ظاهرها ... إنما السائل من لون الاناء
فخذوا العلم على أعلامه ... واطلبوا الحكمة عند الحكماء
واحكموا الدنيا بسلطان فما ... خلقت نضرتها للضعفاء
وَاقْرَأوا تاريخم واحتفظوا ... بفصيح جاءكم من فصحاء
وأما والله لو أن شبابنا كانوا على حظ من فهم لغتهم، وكانوا يقرأون "البصائر" لما تفرق لهم شمل، ولا ضل بهم سبيل، ولتلاقوا على حب دينهم وهوى وطنهم.
ووقفت من الشرق موقف المتعصب لأمجاده، الناشر لروحانيته وحكمه وفضائله، المردد لأصدائه وأصواته، الفاخر بأبطاله في الحرب، وعباقرته في العلم، ودهاته في السياسة، المثبت لإمامته للغرب وسيادته عليه.
стр. 853
ووقفت من الحضارة الغربية موقف المحترس الحذر، تدعو إلى ما فيها من علم وقوّة، وتنهى عما فيها من قشور وتوافه ورذائل.
كل هذه المواقف- ومثلها معها- وقفتها "البصائر" حتى استولت على أمد السبق في الشهرة، وانتزعت الاحترام لها والإعجاب بها، واستردت للجزائر ما كانت مغبونة فيه من حسن السمعة، وهي لا ترجو من وراء ذلك عوضًا ولا تسجل منة، وإنما هي في كل ذلك مؤدية لواجب، قائمة بحق.
إن مواقف "البصائر" هي مواقف جمعية العلماء لأنها لسان حالها، وترجمان أفكارها، وكل ما فيها من حسنات فهي من حسنات جمعية العلماء.
قضية فصل الدين عن الحكومة
هذه القضية هي أعضل ما تعانيه جمعية العلماء من القضايا، وأشدها مراسًا، وأكثرها تشعبًا وتعقيدًا، لأنها تقع من الاستعمار في المواقع الحساسة، فهي- في حقيقتها- صراع بين الحق والمصلحة، وأعقد ما تكون القضايا إذا جالت في هذا المجال، وتنازعها هذان العاملان: الحق ببرهانه، والهوى بطغيانه، وقضيتنا هذه من هذا القبيل، يصطرع فيها جهد جبار من جهتنا، وجهد جبار من جهة الحكومة، ويقوي جهدنا فيها أن من ورائه حقًا طبيعيا، وأمة كاملة تطالب به، وروحًا عالمية نزاعة إلى الحق من حيث انه حق، ومستقبلًا يسعى للتجرد من لبوس الماضي، ويقوي جهد الحكومة أن من ورائه مالًا وسلطة، وقصدًا جوهريًّا للاستعمار، وغاية له في إفساد معنويات الشعب الجزائري قد بلغها أو كاد.
ونحن نرى- حين نطالب ونشتد- أن الأمة الجزائرية المسلمة كلها من ورائنا متوافية على قصد واحد، وهو تحرير دينها، لا تختلف علينا في هذا إلّا طائفة قليلة العدد، أَذَلَّ الطمع أعناقها، وأوهمها أن في يد الحكومة أرزاقها، وبلغ بها فساد الفطرة أن أصبحت آلات لهدم هذا الدين، وعونًا عليه للمعتدين، وهذه الطائفة لا تخلو منها أمة ولا عصر، وكأن وجودها شيء من أمر الله يغر به المبطلين ويثبت به أهل الحق.
أما الاستعمار فهو يرى أن وجود هذه الطائفة- التي أوجدها بيده- هو بعض الشواهد على باطله، وأنها كافية لتصيير ذلك الباطل حقًا.
стр. 854
ومن المؤسف أن الاستعمار يفهم من معاني فصل الدين عن الحكومة أكثر مما نفهم، ويدرك من آثار القضية وخطرها أعظم مما يدرك جمهور المسلمين أصحاب الحق فيها- ولولا فهمه العميق للقضية، وإدراكه لخطرها لما تشدد هذا التشدد كله في الفصل بعد أن أفحمته الحجج، ولما داور هذه المداورة، بعد أن ضيقنا عليه الخناق، فنقل القضية من مجلسه الوطني ذي النفوذ، إلى مجلسه الجزائري الذي لا نفوذ له.
وعسى أن يأخذ الغافلون منا عن خطر هذه القضية- درسًا من تصلب الاستعمار فيها، فيعلموا أنه يدافع عن مصلحة قيمتها عدة مليارات ذهبية من أوقافنا، وعن جيش من الموظفين الدينيين يستخدمه في أغراض استعمارية، وعن سلطة واسعة لا حدّ لها في الميدان الديني.
إن بقاء الإسلام ومعابده ورجاله وشعائره وأوقافه في يد حكومة الجزائر- هو أعظم جريمة في هذا العصر، ولكنها جريمة يبوء بإثمها وسبتها في التاريخ فريقان: فرنسا بارتكابها، والأمة الجزائرية بالغفلة عنها والتساهل فيها، وإذا كانت فرنسا لا تستحي من الإصرار على مأثم، ومن تشويه سمعتها بهذه اللطخة، فإننا نستحي من الله أن يرانا مقصرين في حق دينه، نائمين عن العمل لتحريره، وقد قامت "البصائر" في مدى أربع سنوات بما يجب أن يقوم به المؤمن الصادق إذا مس دينه بسوء، فكتبت عشرات المقالات، وشهرت بالحكومة ونددت، وأقامت الحجج، وأبطلت المكائد، وان في تلك المقالات لتسجيلًا لمواقف جمعية العلماء في هذه القضية، وان فيها لبلاغًا لقوم يعقلون.
وما زلنا نطالب، وما زلنا نغالب، لا يهدأ لنا بال، ولا تكل لنا إرادة، ولا تفل لنا عزيمة، حتى يتحرر الإسلام في الجزائر، ويرجع الحق إلى أهله والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
ومن أعمال جمعية العلماء البارزة لهذه القضية في هذه الحقبة مباغتة المجلس الجزائري بتلك المذكرة التي قرأتموها، وقد أطارت صواب الحكومة ومجلسها، فحاصوا وماجوا، ثم لاذوا بالصمت والتظاهر بعدم المبالاة، ثم أتبعناها بتدبيرآخر محصناه حتى ترجح لنا الإقدام عليه، وهو السفر إلى فرنسا، والاتصال بجهات الاختصاص في القضية، فسافرنا وبسطنا القضية للرأي العام الفرنسي، وقابلنا رئيس الوزارة ووزير الداخلية ووزير العدل، واللجان السياسية للأحزاب، واللجنة البرلمانية، وشرحنا لهم الحقائق فما وجدنا إلا الكلام المعسول والوعود الواهية، وما استفدنا إلّا أن "العصية من العصا"، وان "زييدا هو ابن زيد": ورجعنا أقوى مما كنا، ثقة بالله وبأنفسنا، واستفدنا شيئًا آخر أعمق أثرًا، وهو نشر القضية في العالم بواسطة الجرائد وشركات الأخبار.
وقد تكفلت "البصائر" بخدمة هذه القضية كما ذكرناه في الحديث السابق عليها، فلا فائدة في التطويل به عليكم.
стр. 855
العمل في فرنسا
في فرنسا جالية عظيمة من المسلمين الجزائريين، تبلغ مآت الآلاف، متفرقة على مدن الصناعة، عاملة على كسب القوت، بعد أن أجلاهم الاستعمار عن وطنهم بأساليبه المعروفة، فخرجوا منه مكرهين كمختارين، وقد قضت عليهم الضرورة أن يعيشوا في وطن ليس فيه إسلام ولا عربية وأن تطول إقامتهم فيه أو تدوم، وقضت على بعضهم أن ينقل إليه زوجته المسلمة أو يتزوج فيه من أجنبية وينسل، وقد بلغ عدد أطفالهم في باريس وضواحيها نحوًا من عشرين ألف طفل.
هذه أمة كاملة لو اجتمعت لعمرت مدينة، أو كونت مملكة كمملكة شرق الأردن، حملها طلب القوت على النزوح من وطنها الأصلي إلى وطن آخر، وعلى العيش بين أمة قوية في العدد، قوية بالعلم والعمل، فمن الطبيعي أن تتحلل وتذوب فيها، ومن الطبيعي أن تنسى دينها ولغتها، وجميع مقوماتها، ومن الطبيعي أن يصير هذا العدد على مر السنين زيادة في تلك الأمة القابلة للامتزاج، بقدر ما يكون نقصانًا من الأمة الجزائرية، فمن المسؤول عن هذه الكارثة التي تنقص منا وتزيد في غيرنا؟
كانت جمعية العلماء فكرت في هذه القضية الخطيرة وتدبرت عواقبها، قبل أن يبلغ العدد إلى هذا الحد، فرأت من الواجب عليها، ومن الأشبه بها، ومن جنس عملها، أن تلتفت إلى هذه الطائفة وتهتم بها، وأن تتخذ الوسائل لإنقاذها من الكفر والذوبان والانسلاخ عن العروبة والإسلام، وبدأت عملها التجريبي سنة ١٩٣٦ على يد الأستاذ الفضيل الورتلاني، ذكره الله بخير الذكر، وأمدته بطائفة من المعلمين، يوجد منهم بينكم الآن أربعة أو خمسة، وكانت الأماكن متيسرة إذ ذاك، فاستطاع الشيخ الفضيل أن يفتح في مدة قصيرة أحد عشر ناديًا مقسمة على أحياء باريس، واستطاع بلباقته أن يجمع الناس فيها على دروس الدين وتعليم الصبيان، واستطاب المسلمون الجزائريون ذلك فأمدوه بالعون والتأييد، ونجحت الحركة أيما نجاح، ومدت مدها إلى عدة مدن في الجنوب، واطرد النجاح فيها، قريبًا من ثلاث سنوات، وخرج الورتلاني من فرنسا، وجاءت الحرب فقضت على تلك الحركة، فلم يبق لها أثر، إلّا بعضًا من رجال ذلك العهد يتحسرون عليه ويتعللون با ذكريات.
ولما انتهت الحرب فكرت الجمعية في إحياء الحركة، فأوفدت أحد رجالها الشيخ سعيد صالحي ليدرس الأحوال، ويمهد للأعمال، فوجد عقدة العقد هي قضية الأماكن، ومنذ سنتين كلفت الجمعية رئيس شعبتها في باريس، ومعتمدها في أوروبا الشيخ عبد الرحمن
стр. 856
اليعلاوي بأن يقدم لها تقريرًا عن القضية، ففعل، وبين أن أكبر الموانع من استئناف الحركة هو عدم وجود الأماكن، وفي أواخر السنة الماضية سافر أخوكم هذا مع الأستاذ التبسي إلى باريس، لغرضين: أحدهما خدمة قضية الفصل التي سمعتموها، والثاني الاتصال بإخواننا الجزائريين مباشرة والتفاهم معهم على إخراج هذه القضية من دور الكلام إلى دور التنجيز، فاجتمعنا بالكثير منهم، وخطبنا في عشرات الاجتماعات في باريس وفي الضواحي، وعقدنا اجتماعات عامة لذلك، وكانت أفراح إخواننا بهذه الحركة لا توصف، ولكن المانع القديم لما يزل قائمًا، والمساعي في إيجاد الأماكن مبذولة إلى الآن بصورة جدية، والتفكير متجه إلى شراء مركز ممتاز لجمعية العلماء بباريس، فإن تم اليوم فستبدأ الحركة غدًا، لأن كل عمل يتوقف على هذا المركز.
هذه مراحل الحركة قطعتها لكم بالإيجاز، لتفكروا في إخوانكم، وتهتموا بشأنهم كتفكيرنا واهتمامنا، وإن هذه المسألة لكبيرة وإن مسؤوليتها عند الله وعند الناس لثقيلة، وإنها ليست مسألة الأمة وحدها بل هي مسألة الإسلام.
وهناك طائفة أخرى من أبناء الجزائر، هم تلامذة الكليات في فرنسا، وإن التفكير في حالهم لحقيق بنا وبكم، وقد بدأنا بالتجربة والله المستعان.
العمل في مصر
مصر هي قلب العالم الإسلامي، والبرزخ الذي تهوي إليه الأفئدة ويلتقي فيه الأخ بأخيه حرًا طليقًا.
وهي كذلك منبع من منابع الثقافة، ومهجر لأبنائنا الطالبين للعلم، وفيها عدد وافر من أبناء الجزائر طلبوا العلم وحصلوا على درجات عالية فيه، وقد استدرجناهم ليرجعوا إلى وطنهم، وينضموا إلى صفوف العاملين فيه، ويعاونونا على خدمته في هذا الميدان العلمي الثقافي، فلم يرضوا أن يفارقوا بلد الحرية إلى بلد العبودية، فما عذرناهم، ولا شكرناهم، لأن من يحب وطنه يجب عليه أن يستهين في خدمته بكل شيء.
وبما أن مصر هي ملتقى المسلمين كلهم، فقد كونا في أخريات السنة الماضية مكتبًا رسميًّا متألفًا من ثلاثة من أبناء الجزائر المقيمين في القاهرة وقد عملوا في هذه الأشهر أعمالًا جليلة باسم الجمعية، ورفعوا ذكرها، وكانوا صلة بينها وبين العالم الإسلامي كله.
стр. 857
وان أشرف ما قام به المكتب- السعي في قبول بعثات من أبناء الجزائر باسم جمعية العلماء في المعاهد العلمية الكبرى، على نفقة الحكومة المصرية، وبعض الحكومات الشرقية، وقد سافر جماعة من أبنائنا لهذا الغرض، مزودين بشهادات منا، وستتكامل البعثة المكونة من عشرين تلميذا فتوزع على الأزهر والجامعة المصرية والمعاهد الأخرى، وإن هذا المكتب لم يزل في المرحلة الأولى، وهي مرحلة التكوين، وسيأتي من الأعمال الجليلة ما يقر أعينكم.
ذخر من النصائح للمجلس الجديد:
أيها الإخوة الكرام، أيها الأبناء البررة، هذه أمهات الأعمال التي قام بها المجلس الإداري لجمعيتكم، فأدى الأماتة، وبلغ بالسفينة إلى ساحل النجاة في بحر من الأحداث متلاطم الأمواج، وسبل من السياسة كثيرة الالتواء والاعوجاج، وهو اليوم يلقي الحمل فخورًا بأعماله التي إن لم يصب في بعضها النجاح فقد حفظ فيها الشرف، وإن لم يكتب له فيها النصر فلم تكتب عليه الهزيمة، وان في التجاريب لعلمًا ليس في الكتب، وان في مراس الحوادث لقتلًا لها، وكشفا لدخائلها واطلاعًا على حقائقها، وحقيق عليَّ أن لا أختم كلامي حتى أتقدم بنصائح وإرشادات للمجلس الجديد، ولمن يأتي بعده، وأن عسى أن يجد فيها النور والهداية، ويستفيد منها ما يستفيده الأواخر من تجاريب الأوائل.
أوصيه بتقوى الله فهي ملاك كل شيء، وأوصيه بالاعتماد عليه فهو ناصر المستضعفين، وأوصيه بالصبر فهو السلاح الذي يفل الأسلحة، وليقرنه بالحق فقد قرن الله بينهما- أوصيه بالصبر على جفاء الإخوان، وتجهم الزمان، وتنكر الأقوياء، ووقع الأحداث، وعلى تلكؤ الأمة في الاستجابة، وتصاممها عن صوت الحق، وليعذرها قبل أن تعتذر إليه، فإنها حديثة عهد بالإفاقة من نوم طويل ثقيل.
وأوصيه باستقبال الحوادث بالصدر الرحب والعزيمة الثابتة المصممة، والحزم النافذ الحاسم، فإن التردد مزلة قدم.
وأوصيه بالروية والرأي والاناة في الحكم على الأشياء، فإن الارتجال مجلبة ندم. وأوصيه بالمحافظة على هذه الجمعية فإنها أمانة الله والأمة عندنا فيجب أن تسلمها يد
قوية وذمة مؤتمنة إلى يد أقوى وذمة أكثر ائتمانًا.
стр. 858
وأوصيه بإتقان القديم وتصحيحه، قبل التفكير في الجديد، فإن تشعب الأعمال مضيعة لجميعها، وان إصلاح الموجود خير وأجدى من السعي للمفقود.
وأوصيه بالانسجام فإن لا يكن طبيعيًّا اكتسبه، وان لا يكن موجودًا اجتلبه.
وأوصيه بالتضامن في السراء والضراء، والتعاضد في الآراء والأعمال، فإن التخاذل أول مراتب الخيبة.
وأوصيه بالصدق في الحال وأن يكون ظاهره كباطنه فإن الأمة تنظر إليه نظرة الإجلال، فليكن أهلًا لهذا الإجلال.
وأوصيه بأبنائنا المعلمين خيرًا فهم جند الجمعية وحراسها، وهم قوة الجمعية وسلاحها، وهم القائمون بأشرف أعمالها، وهو التعليم، فليأخذهم بالنظام فهو أضبط لأحوالهم وأعون لهم على أعمالهم، وليكمل نقص ناقصهم بالإرشاد، وليكن وسيطًا حكيمًا بينهم وبين الجمعيات المشاركة لهم في العمل، فهما جناحا الجمعية اللذان تحلق بهما إلى الكمال.
وأوصيه بالشباب فإنهم ذخر الغد، وأمل الأبد، ورأس مال هذه الأمة، فليلابسهم، وليغرس فيهم حب دينهم ولغتهم ووطنهم وتاريخهم، وليقو فيهم ملكة الاعتزاز بها، وليبسط في آمالهم الوطنية، وليرضهم على الفضائل الشرقية، وليجمع قلوبهم على الإسلام وكتابه، وألسنتهم على لغته وآدابه، وليتألف شاردهم بالرفق والأناة، فإن للشباب نزوات، وليقو رجاءهم في الحياة، "فإن اليأس يخترم الشبابا": ولْيُرَبِّهم على التقليل من الأقوال، والتكثير من الأعمال، وليوجههم إلى حياة الشرف، حياة العلم مقرونًا بالعمل، فهذه سمة العصر وشبابه، وليربط حاضرهم بماضيهم، فقد أوشكت الصلة بينهما أن تنقطع عندهم، وأوشك الاستعمار والحضارة الغربية أن يتركاهم بلا ماض، فالقارىء منهم يعرف عن نابوليون أكثر مما يعرف عن عمر، والأمي منهم يجهلهما معًا، ولا ذنب لهم في ذلك، وإنما الذنب ذنب الزمن الغادر والعصر الفاجر، وليحملهم على التحابب فإن الحب رباط القلوب وإن الحب يثمر الاتحاد.
وأوصيه بالأمة الجزائرية المسلمة، فليكن لها تكن له.
أيها الإخوان أيها الأبناء:
أودعكم بمثل ما استقبلتكم به من التحيات المباركات الطيبات، تحية الأبوة للبنوة، وتحية القرابة والأخوة، وتحية الشيخوخة للفتوة، وتحية الضعف للقوة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 859
معهد عبد الحميد بن باديس
شراء دار عظيمة لسكنى تلامذته
فتح اكتتاب باثْنَيْ عشر مليونًا لقيمتها وإصلاحها*
ــ
المعهد الباديسي هو مفخرة الأمة الجزائرية، وهو غرة أعمال جمعية العلماء وأعظمها خطرًا، وأعلاها قدرًا وأكثرها نفعًا، فهو يؤوي سبعمائة تلميذ من أبناء الأمة، ويهيئهم لأن يصبحوا قادة لحركاتها، ومسيرين لنهضاتها في جميع الميادين الحيوية، ومنه تخرج البعثات العلمية والصناعية، ومن صفوفه يتخرج الوعاظ المرشدون والخطباء والكتاب والمعلمون.
هذا المعهد يعتمد في نفقاته الباهظة على الأمة وحدها، ولولاها لما سار خطوة واحدة في سبيله، ولما أدّى شيئًا من الواجبات التي تحملها، وقد قامت الأمة- إلى هذه الساعة- بالواجب المالي، على ما يسعه حالها وإمكانها.
وما زالت إدارة المعهد تعاني مشكلة كبرى، تعترضها في كل سنة، وهي مشكلة الأماكن: أماكن الدراسة، وأماكن السكنى، فبناية المعهد في حدّ ذاتها لا تتسع للدراسة فضلًا عن السكنى، ومع أن للمعهد ملحقين لتخفيف الضغط فإن أقسامه لا تكفي إلّا لسبعمائة تلميذ مع الضيق والرهق، وهذا هو أحد الأسباب في أن إدارة المعهد لا تقبل إلّا هذا العدد، وترفض في كل سنة مآت الطلبات، ولو لم تكن الأمة محرومة من مساجدها لكان لتلامذة المعهد فيها متسع للدراسة، لأن ذلك بعض ما تؤديه المساجد من الواجبات، ولأن ذلك بعض مقاصد محبسيها ومؤسسيها، ولكن هذه الحكومة الاستعمارية الظالمة المحاربة للإسلام مصرة على استخدام مساجدنا لإيواء الجواسيس الذين يخدمون الحكومة (كما شهد بذلك الأستاذ بيرك مدير الشؤون الأهلية سابقًا في مقال له منشور في مجلة "البحر المتوسط") لا لتخريج العلماء الذين ينفعون الأمة.
стр. 860
أما مساكن الطلبة فإن إدارة المعهد تلقى في كل سنة أنواعًا من التعب في إحضار المساكن الكافية لهذا العدد من التلامذة، ويتفرق مآت منهم على الفنادق والحمامات على حسابهم الخاص فيلجئهم غلاء الأسعار إلى مساكن رطبة ضيقة تقضي على صحتهم، ومع أن إدارة المعهد أنفقت في هذه السنوات ملايين في كراء أماكن السكنى، ولكنها أماكن غير صالحة من الوجهة الصحية، حتى أصبح التلامذة مهددين بالأمراض الصدرية وغيرها.
ويعز على إدارة المعهد أن تجهد هذا الجهد كله في تنوير عقول أبناء الأمة بالعلم ثم تعرض أبدانهم للأمراض المستعصية بسبب السكنى في أماكن رطبة محرومة من الشمس والهواء، ويصحب ذلك عيب آخر، وهو عدم تمكن الإدارة من مراقبتهم وضبطهم مع تفرقهم.
لذلك كله رأت في مستهل هذه السنة الدراسية أن تخطو خطوة حاسمة في الموضوع، فأقدمت على شراء دار واسعة ذات ثلاث طبقات، تتسع لإسكان خمسمائة تلميذ، واقعة في مكان يجمع بين الجمال والصحة، ويأخذ حظه من الشمس والهواء من ثلاث جهات.
إن محلا يجمع هذا العدد من الطلبة ويسهل على الإدارة مراقبة أخلاقهم وتنظيم أوقاتهم، وضبط أعمالهم- لقليل الوجود، حقيق بأن تبذل فيه الأموال والجهود.
وجمعية العلماء المسؤولة عن أبناء الأمة، الناظرة إلى مستقبلهم بعين بصيرة- ترى أن هذه النهضة العلمية التي تشرف عليها وتسيرها، يجب أن تساير عصرها ولا تتخلف عن قوافله المجدة، وأن من شروطها الضرورية إعداد ما يستطاع من أبناء هذا الجيل إعدادًا صحيحًا في عقولهم وفي أبدانهم، ومحو الفوارق الاجتماعية بينهم حتى يشعروا أنهم أبناء أمة واحدة يجب عليهم أن يعملوا لها كما عملت لهم، ولا يكون ذلك إلّا بتسويتهم في المعيشة والسكنى، كما هم متساوون في الدراسة والتلقي، فإذا لم تستطع إدارة المعهد جمع تلامذته في مطعم واحد، على غذاء واحد، فلا أقل من جمعهم في مسكن واحد، وإذا حققت إدارة المعهد هذا، فهي عاملة على تحقيق ذاك بعون الله وفضل الأمة.
لذلك ... فجمعية العلماء- بعد موافقتها لإدارة المعهد على هذا المشروع وتأييدها فيه، وشكرها عليه- تعلن من ساعة صدور هذه الكلمة فتح اكتتاب عام شامل بهذا المبلغ، يشترك فيه كل مسلم جزائري وكل مسلمة جزائرية، فلا يشذ عنه إلّا المدخول في عقيدته الدينية، لأن الإسلام للجميع، أو المدخول في عقيدته الوطنية، لأن هؤلاء التلامذة هم عماد الوطن في حياته المستقبلة.
ولتعلم الأمة أن هذا المال الذي تدفعه- قرض حسن لهذا الجيل، أنه سيرده لها أضعافًا مضاعفة.
стр. 861
العمل عظيم، ولكن الأمة أعظم منه، فعلى الموسح أن يبذل على قدر سعته، ولا يبخل على الله والوطن، ولا يتعلل بالأزمة، وأن يشكر نعمة الله عليه بالفعل لا بالقول، وعلى المقتر أن يعلي همته، ويعلن إيمانه، فإن درهمه عند الله يوازن الجبال.
نخاطب من الأمة ضمائرها، ومواقع الإيمان منها، ومكامن النخوة والغيرة فيها، ونعمم الخطاب إلى جميع الطبقات من تجار وفلاحين وأصحاب مهن حرة وصناع، وعمال، ونذكرهم بأن لله عليهم حقًا، وأن للوطن عليهم حقًا، وأن للعروبة والإسلام عليهم حقوقًا، وأن لهذا الجيل الناشىء المتطلع إلى حياة العلم والعز والسعادة- عليهم حقوقًا، فليعدوه لذلك كما تعد الذخائر للمستقبل، وليحدّوه بذلك كما تحد السيوف للنزال، ولا تهولنهم هذه الحقوق التي عددناها فهي- في غايتها- حق واحد.
ليذكروا أن له على بعضهم نعمًا متجددة من الرزق في كل يوم، وله على بعضهم نعم مما تنبت الأرض أو مما تنتج النعم في كل عام، وأنه يربيها بفضله، ويسلبها بعدله ... فليحصنوها بالبذل في مراضيه، وليصونوها "بتضييعها" في سبله، وان أكبر السبل المؤدية إلى رضاه نشر العلم بين عباده.
إن من الدين، نشر علم الدين وتثبيته، وإن من صميم الوطنية تعليم أبناء الوطن، وإن من أصول القومية، إحياء اللغة العربية، وإن المعهد الباديسي كفيل بهذه الثلاثة، وإنه- مع ذلك- لنموذج من صنعة، وخطوة من ميدان، وعنوان من كتاب، ومرحلة من شقة، فاقطعوها بشجاعة وثبات، يسهل عليكم ما بعدها من الوثبات ....
ها هوذا قائد الحركة، ومرسل هذه الصيحة، يضرب لكم المثل مع ضعفه وإقلاله، فيقتطع من مرتبه الذي يقوت منه عياله خمسة آلاف من كل شهر لمدة سنة، ثم يجمعها فتصير ستين ألف فرنك، فيحتم عليه الواجب أن يقدمها دفعة واحدة، فيستقرضها من المخلوق، ويقرضها الخالق، ويضعها باسمه في (شيك) المعهد.
стр. 862
بلاغ *
قرر المجلس الإدراي لجمعية العلماء في اجتماع أكتوبر الماضي- باقتراح من الرَّئِيسُ- إحداث منصب مدير للمركز، يعاون الرَّئِيسُ في مهمات الأعمال التي كثرت فشغلته عن أهمّها، واختار المجلس- بالإجماع- لهذا المنصب الشيخ عبد اللطيف سلطاني القنطري، ناظر معهد عبد الحميد بن باديس سابقًا، وأمين مال جمعية العلماء الآن.
وقد باشر الشيخ المذكور منصبه في المركز، وأسندتْ إليه جميع الأعمال التي كان المركز يتوقف فيها على الرَّئِيسُ من مقابلة الزوّار وأصحاب المصالح، وإنجاز ما يمكن إنجازه من مصالحهم، والإشراف على موظفي المركز ومراقبة أعمالهم، وتنفيذ مقرّرات المكتب الدائم، والاطلاع على البريد وتوزيعه على ذوي الاختصاص من الموظفين، والإجابة عن الرسائل في حينها، وقبض مالية الجمعية و"البصائر"، وإمضاء "الشيكات" اللازمة لإخراج المال على الشروط المقرّرة في القانون الأساسي واللوائح، إلى غير ذلك من الأعمال اليومية، بحيث لا يُرجع إلى الرَّئِيسُ الّا في الأمور والقضايا المهمة.
إن إحداث هذا المنصب شيء دعتْ إليه ضرورة كثرة الأعمال، واختيار هذا الرجل له شيء اقتضتْهُ الحكمة، فالمدير الآن هو المسؤول عن مركز الجمعية، فعلى موظّفي المركز أن يرجعوا إليه، وعلى أصحاب المصالح المرتبطة بالجمعية أن يعتمدوه، وعلى الجميع أن يعاونوه على إقرار النظام وسرعة الإنجاز للقضايا، والله يتولّى الجميع بعونه وتوفيقه.
стр. 863
التهنئة باستقلال ليبيا *
١ - نصّ البرقية التي أرسلها رئيس جمعية العلماء إلى الملك إدريس السنوسي:
الجزائر في ٢٤ ديسمبر ١٩٥١
جلالة الملك إدريس السنوسي ملك ليبيا- بنغازي
جمعية العلماء المسلمين المترجمة عن إحساسات الأمة الجزائرية تُعلن مشاركتها للشعب اللّيبي في ابتهاجه بتحقيق استقلاله، وترفع إلى جلالتكم تهانيها الأخوية راجية تتويج هذا الاستقلال بالوحدة الشاملة والتقدّم المطرد تحت رعايتكم الحكيمة.
الرَّئِيسُ: محمد البشير الإبراهيمي
٢ - نصّ البرقية التي بعث بها رئيس جمعية العلماء إلى سعادة بشير بك سعداوي، رئيس المؤتمر الوطني بطرابلس:
الجزائر في ٢٤ ديسمبر ١٩٥١
جمعية العلماء المسلمين المعَبِّرة عن عواطف الشعب الجزائري تشارككم في الفرح بإعلان الاستقلال، وتتقدم إلى شعب ليبيا بالتهنئة الأخوية، وتتمنّى أن تتضافر الجهود لتحقيق وحدة ليبيا.
الرَّئِيسُ: محمد البشير الإبراهيمي
стр. 864
الأستاذ محي الدين القليبي *
زارنا في هذا الأسبوع الأديب الكاتب المفكر الرحّالة الأستاذ محي الدين القليبي، زيارة تمكين للأخوة الصادقة، وإحياءً لعهد الصحبة القديم، ونزل ضيفًا على جمعية العلماء، فوجد هذا العدد الخاص بمصر في دور الإعداد، فرغبنا إليه أن يشارك فيه بكلمة، فكتب الكلمة المتينة التي ننشرها بعد هذه التوطئة، في نقطة من موضوع الحالة الحاضرة في مصر.
والأستاذ القليبي كاتب اختصاصي في مثل هذه الموضوعات، مرتاض القلم على الجري فيها طلق العنان، ومفكّر ألْمعي فيما يختلف فيه الرأي منها، فيأتي رأيه فيها كفلق الصبح، لكثرة ما درسها وبحث فيها نظريًا، ولما باشرها وساهم فيها عمليًا.
و"البصائر" تغتنم هذه الفرصة الغالية، فتتقدّم إلى الاستاذ القليبي، بترحيب الثابت على العهد، وتحية المقيم على الودّ، وشكر العارف بالمنّة، راجية له إقامة حميدة، وأوبة سعيدة، وصحّة تعين على أداء الأمانة وخدمة الوطن.
стр. 865
دار الطلبة بقسنطينة
- ١ - *
الخليون الفارغون يعتقدون أننا ما زلنا نتنقل بهذه الأمة من شديد إلى أشد. أما نحن فنعتقد أننا ما زلنا ننتقل بها من واجب أكيد إلى ما هو أوكد وأوجب.
واجب الساعة وفريضة الوقت هي دار الطلبة بقسنطينة، وإن من جمال الواجب إن لم يكن من كماله أن يكون أداؤه في وقته، فتبادر الأمة التي حركناها بالأقوال، وأيدنا أقوالنا بالأعمال، إلى المساهمة بأقصى ما يسعه الإمكان في هذا المشروع الجليل حتى تقطع هذه المرحلة التي هي أوسع المراحل إلى الغاية، فإذا قطعتها فستكون المرحلة الثانية إنشاء معهد الجزائر، ثم تأتي المرحلة الثالثة.
أيتها الأمة، إن خير ما يكون الإيجاف، في السنوات العجاف. فلا تتعللي بالسنين، فإنها تدول، ولا تعتذري بالأزمات فإنها تزول، وابني لنفسك ما يعود عليك نفعه ويبقى لك أجره وشكره.
стр. 866
- ٢ - *
فيها لكل تلميذ جزائري حق، فلها على كل مسلم جزائري حق
ــ
شباب الأمة هم عمادها، وهم مادة حياتها، وهم سر بقائها.
وخيرة شباب الأمة هم المتعلمون المثقفون، البانون لحياتهم وحياة أمتهم على العلم.
وصفوة الشباب المتعلم المثقف هم المتشبعون بالثقافة الإسلامية العربية، والمقدمون لها، لأنهم هم الحافظون لمقوماتها، والمحافظون على مواريثها، وهم المثبتون لوجودها، وهم المصححون لتاريخها، وهم الواصلون لمستقبلها بماضيها.
في تكوين هذا النوع من الشباب تسعى جمعية العلماء، وفي سبيله تجاهد وتجالد، وفي سبيله تلقى الأذى من القريب الضال، ومن الغريب العادي، ولأجل إحياء الإسلام في نفسه، وإحياء العربية في لسانه، أنشأت المدارس الأولية لتحقيق نقطة الابتداء، وأنشأت المعهد الباديسي لتحقيق نقطة التوسط، وإنها لعاملة- بعون الله- على البلوغ إلى نقطة النهاية، من هذه الغاية.
لا يحسن الشباب إلى أمته كلها إلّا إذا تبنته كلّه، حتى لا يقول كبير: حسبي ولدي، ولا يقول صغير: حسبي والدي.
ولا ينفع الشباب أمته إلّا إذا جمع بين صحة العقل، وبين صحة الجسم. أما صحة العقل فإن علينا بنيانها، وفي ذممنا ضمانها؛ وأما صحة الجسم فمن المسكن الصالح مبتداها، وإلى الغذاء النافع منتهاها، وكلا هذين دَين على الأمة واجب الأداء.
وإن "دار الطلبة" التي اشرتها إدارة المعهد الباديسي بقسنطينة لكفيلة بتحقيق تلك البداية، فشارك أيها الجزائري المسلم ببذل مالك في شرائها، تشارك في تصحيح أبدان،
стр. 867
ستعطيك غدها، وتمد إلى نصرتك يدها، وتكون سندك غدًا إذا كنت اليوم سندها، وأقرض الوطن في أبنائه قرضًا حسنًا يردده لك أضعافًا مضاعفة.
المال الذي تنفقه في المحرمات يسوقك إلى النار، والمال الذي تبدده في الشهوات يجلب لك العار، والمال الذي تدخره للورثة الجاهلين تهديه إلى الأشرار، وتبوء أنت بالتبار والخسار.
أما المال الذي تحي به العلم وتميت به الجهل فهو الذي يتوجك في الدنيا بتاج الفخار، وينزلك عند الله في منازل الأبرار.
стр. 868
- ٣ - *
يا طالب
لا تأس بعد اليوم "يا طالب" ... فالعلم غال شأنه، غالب
أنت بعين الرعي في أمة ... قد جلب الخير لها جالب
تبوأ "الدار"، وعذ بالحمى ... لا ضر بعد اليوم "يا طالب"
стр. 869
بلاغات *
- ١ -
قرر المكتب الدائم للمجلس الإداري لجمعية العلماء استبدال رؤساء المكاتب العمالية القديمة بمسؤولين، لأن الحالة تطورت، والأعمال كثرت وتنوعت، فلا تنضبط إلّا بالنظام وتحديد المسؤولية، وقد وضع المكتب لهؤلاء المسؤولين لائحة داخلية مُفصلة لأعمالهم، محددة لمسؤولياتهم، ضابطة لفروع تلك الأعمال، ووجه لكل مسؤول نسخة منها، ليعرف حدود أعماله، ويقوم بتنفيذها على بينة.
والمسؤولون لهذه السنة هم:
الشيخ العباس بن الشيخ الحسين- عن عمالة قسنطينة،
الشيخ علي الشرفي- عن عمالة الجزائر،
الشيخ السعيد الزموشي- عن عمالة وهران،
وهذه الوظيفة مرتبطة رأسًا بمدير المركز، فعلى المشائخ المسؤولين أن يكونوا على اتصال دائم به، لتتصل فروع الأعمال بأصولها، وعليهم أن يقوموا بواجباتهم بكل حزم، وأن يكونوا محققين للثقة التي وضعتها جمعيتهم فيهم. وفقهم الله وأعانهم، وسدد في خدمة العلم خطاهم.
стр. 870
- ٢ -
فتحت "البصائر" باب التهاني والتعازي لتشارك أنصارها المخلصين في أفراحهم وأتراحهم، ولكن بعض الدجالين دخلوا في هذه الصفحة من باب التدليس ليشوهوا خطتها، وليرفعوا أسماءهم المخفوضة بذكرها في صفحة القراء، كما وقع في خبر من مروانة بتهنئة نكرة لم يعرف إلا بالمناوأة الكاذبة لجمعية العلماء.
وعليه فإننا نعلن- مرة ثانية- أن "البصائر" لا تنشر حرفًا بتهنئة ولا تعزية إلّا لمن تعرفه معرفة اليقين، فليقصر الدجالون وليقصر المتقربون المتبرعون بالتهنئة أو التعزية على لسان "البصائر". فليست "البصائر" كشكول تهان وتعاز، ولا سجل "أحوال شخصية" كما يتوهمون.
- ٣ -
تصلنا مقالات بدون إمضاء، أو بإمضاء مستعار من غير ذكر الإمضاء الحقيقي، أو بإمضاء مقتضب من غير توضيح.
إلى هؤلاء الكتاب نعلن أننا لا ننشر هذا النوع من المقالات وان توفرت فيها الشروط كلها، وإن الواجب على من يكتب أن يمضي إمضاء صريحًا واضحًا، وله أن يرمز أو يستعير اسمًا آخر بشرط أن يكتب اسمه الصحيح وإمضاءه الحقيقي في ورقة خاصة تحفظ في الإدارة.
- ٤ -
تجمعت في الإدارة مقالات كثيرة وقصائد، وتأخر نشر ما يستحق النشر منها بسبب الاضطراب الذي حصل في صدور الجريدة في الأشهر الأخيرة، وقد استعرضتها لجنة "البصائر" وستنشر الصالح منها وما لم يفت وقته تباعًا في الأعداد القادمة.
- ٥ -
"البصائر" ليست كتابًا ولا ديوانًا للشعر، ولا جريدة يومية، وانما هي جريدة أسبوعية وقد تعترضها العوائق المادية فتصدر مرتين في الشهر أو دون ذلك. فعلى الكتاب أن يقصروا المقالات فإن ذلك أسهل لنشرها وأنشط لقرائها، وعلى الشعراء أن يوافونا بالمقاطيع الجميلة فإن أطالوا فليلموا بمواضيع ذات عناولن محركة للشواعر، ومن لم يحرك المشاعر، فليس بشاعر.
стр. 871
- ٦ -
نحن أعلم الناس بمعنى "التشجيع" وبآثاره في نفوس ناشئتنا، ولكن من الأشياء ما لا يشجع، لأنه لا يشجع، وقد قدر الله أن لا تكون "البصائر" ميدانًا للتدريب، ووددنا- والله- لو اتسعت مقدرتنا لإنشاء جريدة "الناشئين" وتخصيصها لتدريبهم على الإنشاء.
الاحتجاج علينا "بالتشجيع" احتجاج في غير محله. لأن النمط الذي يقرأ "البصائر" في الغرب والشرق عرفها على صورة فلا نرضى لها أن تنحط عن تلك الصورة.
- ٧ -
كان المسؤول عن "البصائر" مديرها وحده، وحاله في عدم الاستقرار معروف، أما الآن فقد قضت الضرورة بأن تشكل لها لجنة، لا ينشر شيء إلا باتفاق أعضائها، فتوزعت المسؤولية بهذا، وقد عزمت اللجنة أن تنفذ لائحتها بكل دقة، ابتداء من أول السنة الخامسة، (أي من العدد الآتي).
- ٨ -
وفي الإدارة مقالات وقصائد، ما أكثرها وما أطولها، في حفلات المولد. وكم وددنا أن ننشر جميعها، لأنها من أعمال مدارسنا، ومن صوغ أبنائنا، ولكن ماذا تصنع جريدة أسبوعية - وقد تعطل عن أسبوعيتها- في هذه المقالات كلها.
إننا لا نملك إلّا الاعتذار لأصحابها بضيق الوقت وفوات المناسبة، وإن الحديث في غير وقته لممجوج.
стр. 872
خاتمة السنة الرابعة لـ"البصائر " *
بهذا العدد تنتهي السنة الرابعة لـ"البصائر"، وبه يتم المجلد الرابع المؤلف من خمسة وأربعين عددًا، وفاء بالميثاق الذي ارتبطت به، وواثقت مشتركيها عليه، وهو المعاملة على الأعداد، لا على الأيام.
وسنة "البصائر" غريبة في عالم الجرائد الأسبوعية، لأن هذه المعاملة مع المشتركين، غريبة ولكنها- مع غرابتها- عدل، التزمناه مختارين، وإن أدى إلى تشويش وعدم انضباط في السنة التاريخية.
فمن عادة الجرائد أنها تعد سنواتها بالأيام، لا بالأعداد، وتبدأها من اليوم الذي أنشئت فيه الجريدة، فإذا قدر لها من العوائق ما يقصر أعداد السنة كلها على عشرة، فتلك هي السنة، وفي هذا غبن للمشتركين طالما أطلق ألسنتهم بالشكوى، وطالما نقلهم تكرره من الشكوى إلى عدم الثقة بالجرائد وأصحابها، وعدم الثقة هنا معناه الإعراض عن الاشتراك فيها، فتعيش الجريدة مريضة معتلة ضيقة المدار، أو تموت في سنتها الأولى، وقد ازداد سوء الظن تمكنًا في نفوس القراء بهذا الصنف من الجرائد، الذي يعيش على الاشتراك، حتى أذى إلى الزهد فيها وعدم التفرقة بين الكامل وبين الناقص، وإن هذا لبعض السبب في ما نشاهده من تداعي الجرائد الأسبوعية للسقوط، وفي ما تعانيه الوفية الصادقة منها من أزمات مالية.
وقد شرحنا في فواتح السنوات الماضية من "البصائر" ما رمينا إليه من اعتبار السنة خمسة وأربعين عددًا، وإن صدرت في سنة ونصف أو أكثر من ذلك، كما وقع في هذه السنة التي هي أطول سني "البصائر"، لما جرى فيها من تأخر الجريدة في الأشهر الأخيرة أسبوعين
стр. 873
وثلاثة، وقد تألم القراء لذلك التأخر، وسألوا عن أسبابه فلم نجبهم، لأن الجواب معلوم ضرورة، وهو ارتفاع ثمن الطبع والورق، وزيادة الأداءات القانونية وأجور الموظفين، و"البصائر" لا تعتمد على مورد مالي غير قيمة الاشتراك وثمن البيع، وهما لا يفيان بهذه النفقات الثقيلة، وإنه لا يعرف حقيقة ما نعاني في هذا الباب إلّا من عانى مثله، ومن عذيرنا ممن لا يفهم؟ وممن إذا فهم لا يعذر؟ ومن لنا بمن يفهم أن "البصائر" جريدة الجهاد في سبيل الإسلام والعربية، فمن واجب كل مسلم عربي أن يجاهد في سبيلها؟ وأنها جريدة "الإعلان " عن وجود الجزائر، فمن واجب كل جزائري أن يدعو إليها، وكأن الجزائر لم تلد ممن يفهم هذا إلّا رجلًا واحدًا، وكم دعونا أن يكثر الله من أمثاله في هذه الأمة، فكان دعاؤنا في ضلال.
ولكن ... هل استفادت "البصائر" من هذه المعاملة "التجارية" التي أنصفت فيها مشتركيها ولم تنصف نفسها؟ لا ... إنها لم تستفد إلّا القيل والقال، وكثرة السؤال، وتوزع قرائها بين التمني لها والتجني عليها، فالذين يقرأونها إعجابًا ببيانها أو انتصارًا لمبدئها يتمنون، والذين يقرأونها تعميرًا لفراغ الوقت يتجنون، وكلا هذين لا يجلب لها نفعًا، ولا يملك لأزماتها دفعًا، ولا يفكر واحد منهما في أكثر من أن الاشتراك عقد بينه وبين الجريدة يوجب له التمتع الشخصي بقراءتها.
يضاف إلى هذا كله هذه العادة السيئة التي ركبت مشتركي الجرائد، وهي أنهم لا يدفعون قيمة الاشتراك من تلقاء أنفسهم فيخففوا عن الجريدة نفقات كانت في راحة منها، بل يكلفونها إرسال المتجولين، ويتردد المتجولون مرارًا فتتضاعف النفقات، وتتأخر الجريدة أسبوعًا فيسمع المتجولون عبارات في الانتقاد "مؤدبة" ودروسًا في التجنّي "مهذبة" ويقولون لنا: ان الدراهم بدون "بصائر" لا تدخل. فنقول لهم: وان "البصائر" بدون "دراهم " لا تخرج، وننتظر حتى يقيض الله لنا خارقًا يفك جهتي هذا الدور ...
إنما تقوم بالجرائد تبرعات سخية من أصحاب المبادئ، أو إعلانات غنية من أصحاب المتاجر والمصانع، وليس لـ"البصائر" شيء من هذا، وقد افتتحنا في أثناء العام الماضي اكتتابًا، ورجونا أن يسدد دين الجريدة، ويربو بما يسيرها عدة أشهر، حتى تدخر دخلها الاعتيادي للأزمات، ولكن الاكتتاب لم يزد على سداد الدين إلّا بما سيّر الجريدة في أشهر الاكتتاب، وعادت إلى دخلها العادي فلم يكفها، فعادت إلى الدين، إلى أن جاء الاجتماع العام، فرأينا- نزولًا على حكم الظروف- أن نصدرها في الأسبوعين مرة حتى تعتدل ميزانيتها فلم تعتدل، ونحن الآن بين أحد أمرين: إما أن نزيد في قيمة الاشتراك، أو ننزل بالسنة إلى أربعين عددًا، وسنطالع القراء في العدد الآتي بما تتفق عليه "لجنة البصائر".
стр. 874
ولعل الله خار "البصائر" في هذا التقدير، لتقتحم العقبات وتصارع الأزمات وحدها، فتسن للمسترشدين بها والسارين على نورها سنن الصبر والمجاهدة والتضحية، لأنها جريدة الجهاد، وهل يقوم الجهاد إلّا على هذه الصورة؟
و"البصائر"- مع هذا كله- تحمد الله على أن أصيبت في نظامها ومادياتها، ولم تصب في عقيدتها ومبدإها ومعنوياتها، فقد قطعت هذه السنة كما قطعت السنوات قبلها، أقوى ما تكون حرارة إيمان، وصلابة عقيدة وثبات صبغة، وشدة وطأة على الظلم والظالمين، وخفة خطى إلى غوث المنكوبين ونصر المظلومين، وان موقفها من قضية المغرب وقضية مصر لأصدق الشاهدين.
стр. 875
فاتحة السنة الخامسة لـ"البصائر " *
... وبهذا العدد تفتتح "البصائر" سنتها الخامسة مبتدئة باسم الله القوي المعين، مستعينة به، متوكلة عليه، صابرة على وعثاء السفر وبعد الشقة، ماضية في سبيل الدعوة إلى الحق، متحملة لما يصيبها في سبيله، واثقة بنصر الله الذي ينصر من ينصره، مغتبطة برضى قرائها عنها، وإعجابهم بها، وتألمهم لهذه الصدمات التي تعترض نشاطها أحيانًا فتخمده، راجية- بعد ذلك كله- أن تكون سنتها الخامسة أبرك عليها من السنوات الخالية، وأعمر بالنشاط والعمل، وأبعد عن العوائق والمثبطات.
تفتتح "البصائر" سنتها الخامسة بعهد وثيق تقطعه لقرائها أن لا يجدوها إلّا حيث يرضى الله وان سخط جميع الخلق: يجدونها في مواقف الدفاع عن الإسلام، والنضال عن العروبة، والذود عن الجزائر، ويجدونها في ميادين الانتصار للمسلمين والعرب وللشرق.
...
كان من أماني "البصائر" أن تكون لها مطبعة خاصة، وليس بكثير في جنبها أن تكون لها مطبعة، ولا بكثير على الأمة أن تنشئ لـ"البصائر" مطبعة. إنها لو فعلت لخدمت نفسها قبل أن تخدم "البصائر"، ولكن هذه الأمنية ما زالت تعترضها صعاب من شح الأيدي، وكزازة الأنفس، وقصور الهمم عن السمو، وجهل السواد المادي بوجوه المنفعة المادية، وكسلهم عن مجاراة الأحياء في أساليب الحياة.
وكان من أمانيها أن تخلع القديم من الأشكال والمواضيع، وأن تفتح أبوابًا فتحها ضروري لتطور الحركة العلمية، ولتغير الأوضاع العامة في الجزائر وغيرها، وأن تطوف على
стр. 876
صنوف القراء بصنوف الرغائب فيجد كل صنف منهم فيها ما يرضي نزعته، ويروي غلته، ولكن يحول بينها وبين هذه الغاية فقد الأعوان، وتزاحم الشواغل.
وكان من أمانيها أن ينصرها أهل العلم- في هذا الشمال كله- كما نصرتهم، ويرفعوا شأنها كما رفعت رؤوسهم، ولكنهم- سامحهم الله- اكتفوا بالثناء، والثناء ينعش ولا يغذي، وبالإعجاب، والإعجاب شهادة بالجمال لا زيادة فيه.
وكان من أمانيها أن تكون صحيفة الشمال الافريقي كله، تغشى نواديه وبواديه، تجلو الحقائق بالصدق، وتكشف عن النقائص بالأمانة والإخلاص، ولكن الاستعمار أبى عليها ذلك وضيق مجالها، فحجر عليها الدخول إلى المغرب الأقصى، والمغرب من بين أجزاء الشمال هو أكملها في الخير نصابًا، وأوفاها من الكمال نصيبًا.
...
إن السنوات مراحل سفر إلى غاية، تقطعها الكائنات الحية الدائبة، وفيها السهول، وفيها الحزون، وفيها الشعاف، وفيها الشعاب، وفيها من مشابه البر الفجاج، وفيها من خصائص البحر الأمواج؛ والحازم من يقدر ذلك، ولا يثنيه عن غايته شيء من ذلك. وكذلك كانت "البصائر" وكذلك تكون إن شاء الله.
стр. 877
خطاب أمام الوفود العربية والإسلامية
في الأمم المتحدة *
في مساء الثلاثاء٢٩ جانفي ١٩٥٢ أقامت شعبة جمعية العلماء بباريس مأدبة عشاء بنزل "العالَمين" (دو موند) في شارع الأوبرا على شرف الوفود العربية والإسلامية في منظمة الأمم المتحدة، وقد ألقيت في هذا الحفل ثلاث خطب: الأولى للأستاذ عبد الرحمن عزام الأمين العام لجامعة الدول العربية، والثانية للأستاذ محمد البشير الإبراهيمي رئيس علماء الجزائر، والثالثة للأستاذ فارس الخوري رئيس الوفد السوري.
وقد ألقى الأستاذ الإبراهيمي خطبته ارتجالًا ولخّصها الأستاذ أحمد بن سودة تلخيصًا وافيًا بحيث لم يند عنه إلا القليل من ألفاظها ومعانيها:
ــ
حضرات أصحاب المعالي الوزراء،
حضرات أصحاب السعادة والعزة،
حضرات الزملاء حملة الأقلام،
حضرات الإخوان:
هذه ليلة ارتفعت فيها الكلف، وغاب عنها العواذل، وغفل عنها الرقباء- إن شاء الله- فاسمحوا لي أن أخرج عن الوضع المتعارف في رسوم الخطاب، فأنا بصفتي رجلًا مسلمًا دينيًا أمثل الإسلام في بساطته وسماحته واعتباراته الروحية، يحلو لي أن أخاطبكم بما جاء به الإسلام في آدابه الراقية، ومثله العليا، وهو وصف الأخوة.
إن النبوّة هي أكمل الخصائص الإنسانية، وأشرف المواهب الإلهية، ولكن الله حين يرفع ذكر الأنبياء يضعهم في الدرجة الأولى من معارج الرقي، وهي درجة العبودية لله، فمحمد عبد الله قبل أن يكون رسوله، وفي القرآن: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾، ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾.
стр. 878
فأنا حين أخاطب إخواني الكرام الذين أتاح لي الحظ السعيد أن أقف أمامهم في هذه اللحظة، لا يحلو لي إلا أن أخاطبهم بهذا الوصف الجليل، وهو وصف الأخوة الذي منذ فقدناه لم نجد أنفسنا، وكأننا حبات انقطع سلكها فانتثرت فأصبحت كل حبة منها في كف لاقط، فمعذرة إلى إخواني الذين أعتزّ بأخوتهم ان خرجت عن النمط المألوف في رسوم الخطاب، وخاطبتهم بيا أيها الإخوان (تصفيق متواصل).
أيها الإخوان المتلاقون على هوى واحد هو هوى الوطن الجامع، المتعبّدون بعقيدة واحدة هي عقيدة تحرير هذا الوطن الجامع، الطالعون كالكواكب من أفق واحد هو هذا الشرق الذي اطلعت سماؤه الشمس والقمر، وأطلعت أرضه الأنبياء والحكماء.
أحييكم باسم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وباسم شعبتها المركزية بباريس، تحية العروبة التي هي أكرم ما أنجبت البشرية من سلائل، وتحية الإسلام الذي هو أصفى ما تشظت عنه صدفة الوحي من لآلئ، وتحية الشرق الذي أعتقد مخلصًا أنكم أزكى نباته، وأنكم الصفوة المختارة من بُناته. وأحييكم باسم الجزائر العربية المسلمة المجاهدة الصابرة، التي هي غصن فينان من دوحة الإسلام، وفرع ريّان من شجرة العروبة، وزهرة فوّاحة من رياض الشرق (تصفيق حاد)، تغرّبت هذه الزهرة كما تغربت قبلها نخلة عبد الرحمان الداخل، فلم تشنْها غربة، وما زالت متّصلة بالشرق العربي، تستمدّ منه القوّة والفتوّة، وما زالت متّصلة بالشرق الإسلامي، تستصبح بأنواره، وتتغنّى بأمجاده، وتعيش على ذكرياته، وهي على صلة بالشرق متينة، كانت وما زالت متمسّكة بحبله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها (تصفيق)، وما زالت قائمة على غرس عقبة والمهاجر وحسّان بن شريك، بالتعهّد والحفظ، وما زالت ناطقة بلسان هلال بن عامر بن صعصعة منذ طغت موجة أبنائه عليها ... تلك الموجة التي يسميها المؤرّخ المجحف إغارة على الأوطان، وتخريبًا للعمران، ويسمّيها المؤرّخ المنصف إنارة للأذهان وتعريبًا للسان، فحيثما حل هلال من سهولها حلّت العروبة، وأينما سار، سار في ركابه البيان العربي الذي من بقاياه ما تسمعون.
هذه هي الجزائر التي أحييكم باسمها، والتي ترون أبناءها أمامكم بين شيخة وشباب، يلتقيان في غاية واحدة، وإن نزغ بينهما الشيطان، فكما ينزغ بين الأخوين، ولكنهما في النهاية إلى التجمّع والاتحاد، وهؤلاء أبناء الجزائر الذين أحييكم باسمهم يا إخواننا، وأستحي أن أقول: يا ضيوفنا، فإننا جميعًا في دار غربة، وكم وددنا لو اجتمعت هذه الوفود في دارنا (الجزائر) فترون ما يشرح صدوركم، ويبهج خواطركم من ارتباط الجزائر بالشرق والعروبة والإسلام.
стр. 879
أيها الإخوان ... أيها الزملاء حملة الأقلام!
أحقيقة ما ترى عيناي أم خيال؟ إخوة طوّحت بهم الأقدار، وفرّقتهم صروف الدهر في الأقطار، حتى ما يلتقي رائح منهم بمبتكر، ثم يجتمعون في هذه الليلة وفي هذه البلدة على غرة وعلى غير ميعاد، كما تجتمع أشتات الزهر في إبّانها وفي مكانها، تختلف منها الألوان والأشكال، ويجمعها الشذى والطيب والجمال.
أحق أن باريس- وهي منبع شقائنا، وهي الصفحة العابسة في وجوهنا- تنزل لحظة عن عادتها فتتيح لنا أن نجتمع بين حناياها هذا الاجتماع الرائع؟ فلولا حقوق للأوطان في أعناقنا، ولولا عهود يجب أن نرعاها لديارنا، لكنّا نغفر لباريس جميع ما جرّته علينا من جرائر، ونمحو لها بهذه الحسنة جميع السيّئات، ولكن تأبى علينا ذلك دماء في تونس تسيل (تصفيق وتأثّر)، وشعب في المغارب الثلاثة يعذب، وشباب تفتح له السجون والمعتقلات، وتغلق في وجهه المدارس والمعابد، ودين في الجزائر ممتهن الكرامة، فهيهات أن نصفح عن باريس أو نصافحها بعد أن جنينا المر من ثمراتها، وهيهات أن يسمّيها دار العلم، من لم ير منها إلا الظلم، وهيهات أن يدعوها عاصمة النور من لم تغشَهُ منها إلا الظلمات، وهيهات أن يلقّبها دار المساواة من لم تعامله إلا بالإجحاف.
أيها الإخوان!
ها هو الشرق رمى باريس بأفلاذ كبده، يدافعون عن حماه بالحق، ويجادلون عن حقّه بالمنطق، وما منهم إلا السيف مضاء، والسيل اندفاعًا، وإن وراءهم لشبابًا سينطق يوم يسكتون، وسيتكلم بما يخرس الاستعمار ويسوءه، وان بعد اللسان لخطيبًا صامتًا هو السنان، وإننا لرجال، وإننا لأبناء رجال، وإننا لأحفاد رجال وإن أجدادنا دوّخوا العالم، ولكن بالعدل، وسادوه، ولكن بالإحسان، وإن فينا لقطرات من دماء أولئك الجدود، وإن فينا لبقايا مدّخرة سيجليها الله إلى حين.
رمى الشرق باريس بهذه الأفلاذ، فخاطبوا الأمم وخطبوا في منظمة الأمم، هذه المنظمة التي سمّيت بغير اسمها، وحليت بغير صفتها، وما هي إلا مجمع يقود أقوياؤه ضعفاءه، ويسوق أغنياؤه فقراءه، وما هي إلا سوق تُشترى فيه "الأصوات" بأغلى مما كانت تشترى به أصوات "الغريض" و "معبد"، غير أن الأصوات القديمة كانت فنًا يمتزج بالنفوس، وموسيقى تتسرّب إلى الخواطر، أما هذه الأصوات فإنها تنصر الظلم، وتؤيد الاستعلاء والطغيان، وشتّان ما بين الصوتين، وتباع فيه الذمم والهمم والأمم بيع البضائع في السوق السوداء، وما هي إلا مجلس نصبوه للشورى فكان للشر وعقدوه للعدل والتناصف، فكان فيه كل شيء إلا العدل والتناصف.
стр. 880
رمى الشرق باريس بأفلاذ كبده فعز على المغرب العربي أن يبقى بعيدًا مع قرب الدار، فرمى باريس بأفلاذ من كبده ليلقى الأخ أخاه فيتناجيان بالبر والتقوى، ويتطارحان الألم والشكوى. ويهش وجه لوجه، ويخفق قلب لقلب، وتصافح يد يدًا، وترد تحية عن تحية، ثم يقوى ساعد بساعد ويشتدّ عضد بعضد، ويمتزج ضعف بضعف فينبثقان عن قوّة، وضعيفان يغلبان قويًا (تصفيق).
أيها الإخوان!
لم يؤثر الفاتحون المتعاقبون على الشمال الأفريقي، ولا أثّرت الأديان الراحلة إليه، جزءًا مما أثر الإسلام، وأثرت العروبة، ذلك لأن الفاتحين لهذا الوطن قبل الإسلام إنما جاءوه بدين القوة وشريعة الاستغلال، أما الإسلام فقد جاء بالعدل والإحسان، وجاء وافيًا بمطالب الروح، ومطالب الجسم، وجاء لإقرار الإنسانية بمعناها الصحيح في هذه الأرض، لذلك كان سريع المدخل إلى النفوس، لطيف التخلّل في الأفكار، قوي التأثير على العقول، ولذلك طال في هذا الشمال أمدُه، وسيبقى ما دامت الفوارق قائمة بين الإنسان والحيوان.
وإن هذا الشمال الأفريقي كل لا يتجزأ (تصفيق) تربط بين أجزائه دماء الأجداد، ولسان العرب، ودين الإسلام، وسواحل البحر في الشمال، وحبال الرمال في الصحارى، وسلاسل الأطلس الأشم في الوسط، واتحاد الماء والهواء والغذاء، وإنها لخصائص تجمع الأوطان المتباينة، فكيف لا تجمع الوطن الواحد؟ إن تفرّق هذه الأجزاء لم يأت من طبيعتها وإنما جاء من طبائعنا الدخيلة، ومن تأثراتنا الغريبة بالدخلاء، وإنني متفائل بأن هذه الليلة ستكون فاتحة لعهد جديد واتحاد عتيد، ونور من الرحمة والإخاء ينتظم المغارب في سلك. إنني متفائل بما يتفاءل به السارون المدلجون من انبلاج الفجر، فعسى أن يتحقق هذا التفاؤل فتكون هذه الليلة أول خيط في نسيج الوحدة الأفريقية التي هي آخر أمل للمتفائلين مثلي، وإن العنوان الدال على ما وراءه هو اجتماع جميع حركات الشمال الأفريقي في هذا المحفل الزاهر، وان البشير بتحقّق هذا الأمل هو امتزاجنا بإخواننا الشرقيين حول هذه الموائد ومن بركاتهم أن تجتمع حركاتنا كلها في صعيد واحد، وكلها لسان يعبِّر، وقلب يفكّر، وآذان تسمع، وإنّا لنرجو أن تكون قلوينا غدًا غير قلوبنا بالأمس، وأن نفيء إلى الحق الذي أمر الله بالفيأة إليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (تصفيق متواصل).
...
أيها الإخوان!
يقول المستعمرون عنا: إننا خياليون، وإننا- حين نعتزّ بأسلافنا- نعيش في الخيال، ونعتمد على الماضي، ونتّكل على الموتى، يقولون هذا عنا في معرض الاستهزاء بنا، أو في