← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 523

مزيد فتح الباري بشرح البخاري - مخطوط

إبراهيم بن علي النعماني

Полный текст (565 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وفيه أنَّ المراد من قوله: (فأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ) هو صلاة الظُّهر كما ذكرناه. قلت: وفيه أنَّ النَّار مؤمنة؛ لقولها: (رَبِّ)، وفيه ردٌّ على من يقول بقدم العالم؛ لتصريح النَّار بأنَّ لها ربًّا ربَّاها. انتهى. ٥٣٨ - قوله: (حَدَّثَنا عُمَر بنُ حَفْص بنِ غِيْاثُ) أي ابن طَلْق بن معاوية، أبو حَفْص النَّخَعي الكوفي. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي) أي حَفْص المذكور. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) أي سُلَيمان بن مِهْران. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبو صَالِحٍ) أي ذكوان. قوله: (عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ) أي سعد بن مالك ﵁. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في أربع مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه القول، وفيه رواية الابن عن الأب. قوله: (قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ). مطابقته ظاهرة. قال العَيني: اختلف العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث المذكورة وبين حديث خباب: ((شَكَوْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا)) رواه مسلم، فقال بعضهم: الإبراد رخصة والتقديمُ أفضل، وقال بعضهم: حديث خباب منسوخ بالإبراد، وإلى هذا مال أبو بكر الأثرم في كتابه «الناسخ والمنسوخ» وأبو جعفر الطَّحاوي وقال: وجدنا ذلك في حديثين، أحدهما حديث المغيرة: ((كُنَّا نُصَلِّي بَالهَاجِرَةِ، فَقَاَل لَنَا ﵇: أَبْرِدُوا)) فبيَّن هذا أنَّ الإبراد كان بعد التهجير، وحديث أَنَس ﵁: ((إِذَا كَانَ البَرْدُ بَكِّرْ، وَإِذَا كَاَن الحَرُّ أَبْرِدْ)). قال شيخنا: يُحمل حديث خباب على أنَّهم طلبوا تأخيرًا زائدًا على قدر الإبراد. وقال أبو عُمَر في قول خباب: ((فَلَمْ يَشْكُنَا)) : يعني لم يحوجنا إلى الشكوى، وقيل: لم يُزِلْ شكوانا، ويقال: حديث خَبَّاب كان بمكَّة، وحديث الإبراد بالمدينة، فإن فيه من رواية أبي هريرة، وقال الخلَّال في «عِلَلِه» عن أحمد: آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الإبرادُ. قوله: (تَابَعَهُ سُفْيَانُ) أي الثوري. قال شيخنا: وقد وصفه المصنِّف في صفة النَّار من بدء الخلق ولفظه: (بِالصَّلَاةِ)، ولم أره من طريق سُفْيان بلفظ: (بِالظُّهْرِ)، وفي إسناده اختلاف على الثَّوْري، رواه عبد الرزَّاق عنه بهذا الإسناد فقال: عن أبي هريرة بدل أبي سعيد، أخرجه أحمد عنه والجَوْزَقي من طريق عبد الرزَّاق أيضًا، ثمَّ روي عن الذُّهْلي قال: هذا الحديث رواه أصحاب الأَعْمَش عنه عن أبي صالح عن أبي سعيد، وهذه الطريق أشهر، ورواه زائدة - وهو متقن - عنه فقال: عن أبي هريرة، قال: والطريقان عندي محفوظان؛ لأنَّ الثَّوْري رواه عن الأَعْمَش بالوجهين. انتهى. قال العَيني: قوله: (تَابَعَهُ سُفْيَانُ) أي تابع حَفْص بن غياث والد عُمَر المذكور سُفْيان الثَّوْري، وقد وصله المصنِّف في صفة الصَّلاة عن الفِرْيابي عن سُفْيان بن سعيد. قوله: (وَيَحْيَى) أي تابع حفصًا أيضًا يحيى بن سعيد القطَّان، وقد وصله أحمد في «مسنده» عنه بلفظ: (بالصَّلَاةِ)، ورواه الإسماعيلي عن أبي يعلى عن المُقَدَّمي عن يحيى بلفظ: (بِالظُّهْرِ)، وروى الخلال عن الميموني عن أحمد عن يحيى ولفظه: (فَوْحِ)، قال أحمد: ما أعرف أحدًا قال بالواو غير الأعمش. قوله: (وَأَبُو عَوَانَةَ) أي تابع حفصًا أيضًا أبو عَوانة الوضَّاح بن عبد الله، قال شيخنا: لم أقف على من وصله

стр. 107

عنه، وقد أخرجه السرَّاج من طريق محمَّد بن عُبَيْد، والبَيْهَقي عن وكيع كلاهما عن الأَعْمَش أيضًا بلفظ: (الظهر). انتهى. قال العَيني: وأراد بمتابعة سُفْيان الثَّوْري ويحيى القطَّان وأبي عَوانة لحفص بن غياث في روايتهم عن الأَعْمَش في لفظ: (أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ). انتهى. قال شيخنا: فائدةٌ: رتبَّ المصنِّف أحاديث الباب ترتيبًا حسنًا، فبدأ بالحديث المطلق، وثنَّى بالحديث الذي فيه الإرشاد إلى غاية الوقت الَّتي ينتهي إليها الإبراد، وهو ظهور فيء التلول، وثلَّث بالحديث الذي فيه بيان العلَّة في كون ذلك المطلق محمولًا على المقيد، وربَّع بالحديث المفصح بالتقييد، والله الموفق. (١٠) (بَابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ) أي هذا باب في بيان الإبراد بصلاة الظُّهر في حالة السَّفر، وأشار بهذا إلى أنَّ الإبراد بالظهر لا يختصُّ بالحضر، قال شيخنا: لكن محلَّ ذلك ما إذا كان المسافر نازلًا، أما إذا كان سائرًا أو على سير ففيه جمع التقديم أو التأخير كما سيأتي في بابه. انتهى. ٥٣٩ - قوله: (حَدَّثَنَا آدَمُ) أي ابن أبي إِيَاس، وهو من أفراد البخاري. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ). قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا مُهاجِرٌ أَبو الحَسَنِ مَولَىً لِبَني تَيمِ اللهِ). قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بنَ وَهْبٍ). قوله: (عَنْ أَبي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ في سَفَرٍ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلْظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَبْرِدْ، ثمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقالَ لَهُ: أَبرِدْ، حتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذا اشتَدَّ الحَرَّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ). هذا الحديث مضى في الباب الذي قبله، غير أنَّ هناك أخرجه عن محمَّد بن بشَّار عن غُنْدَر عن شُعْبَة، وههنا عن آدم عن شُعْبَة، وفي هذا من الزِّيادة ما ليست هناك فاعتبرها، وهذا مقيَّد بالسَّفر، وذلك مطلق، وأشار بذلك إلى أنَّ المطلق محمول على المقيَّد؛ لأنَّ المراد من الإبراد التسهيل ودفع المشقَّة، فلا تفاوت بين السَّفر والحضر. انتهى. قلت: بل السَّفر من باب أولى لأنَّ فيه مشقَّة أيضًا. انتهى. قوله: (فَأَرَادَ المؤَذِّنُ) في رواية أبي بكر بن أبي شَيْبَة عن شَبَابَة ومُسَدَّد عن أميَّة بن خالد، والتِّرْمِذي من طريق أبي داود الطَّيالِسي، وأبو عَوانة من طريق حَفْص بن عُمَر ووَهْب بن جرير، والطَّحاوي والجَوْزَقي من طريق وَهْب أيضًا، كلُّهم عن شُعْبَة التصريحُ بأنَّه بلال. قوله: (ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: أَبْرِدْ) وفي رواية أبي داود عن أبي الوليد عن شعبة: مرَّتين أو ثلاثًا، وفي رواية البخاري عن مسلم بن إبراهيم في باب الأذان للمسافرين في هذا الحديث: ((فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: أَبْرِدْ، ثمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: أَبْرِدْ، ثمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: أَبْرِدْ، حتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُوْلَ)). قال شيخنا: فإن قيل: الإبراد للصلاة، فكيف أمر المؤذِّن به للأذان؟ فالجواب: أنَّ ذلك يبنى على أنَّ الأذان هل هو للوقت أو للصلاة؟ وفيه خلاف مشهور، والأمر المذكور يقوِّي القول بأنَّه للصلاة. وقال الكِرْماني: فإن قلت: الإبراد إنَّما هو في الصَّلاة لا في الأذان، قلت: كانت عادتهم أنَّهم لا يتخلَّفون عند سماع الأذان عن الحضور إلى الجماعة، فالإبراد بالأذان إنَّما هو لغرض الإبراد بالصلاة، أو المراد بالتأذين الإقامة. انتهى. ويشهَّد للجواب الثَّاني

стр. 108

رواية التِّرْمِذي حيث قال: حدَّثنا محمود بن غيلان قال: حدَّثنا أبو داود قال: أنبأنا شُعْبَة عن مهاجر أبي الحسن عن زيد بن وَهْب عن أبي ذرٍّ: ((أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ في سفرٍ ومعَه بلالٌ فأرادَ أنْ يقيمَ فقالَ: أبردْ، ثمَّ أرادَ أنْ يقيمَ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أبردْ في الظُّهرِ، قال: حتَّى رأينا فيء التُّلُولِ، ثمَّ أقامَ فصلَّى فقالَ رسول ُاللهِ ﷺ : إنَّ شدَّة الحرِّ منْ فيحِ جهنَّم فأبردُوا عنِ الصَّلاة)) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. فإن قلت: في «صحيح أبي عوانة» من طريق حَفْص بن عُمَر عن شُعْبَة: ((فأرادَ بلالٌ أنْ يؤذِّنَ بالظهرِ)) وفيه بعد قوله: فيء التُّلُول ((ثمَّ أمرَه فأذَّنَ وأقامَ)) فيجمع بينهما بأن إقامته ما كانت تتخلف عن الأذان، فرواية التِّرْمِذي: ((فأرادَ أنْ يقيمَ)) يعني بعد الأذان، ورواية أبي عَوانَة: ((فأرادَ بلالٌ أنْ يؤذِّنَ)) يعني أن يؤذِّن ثمَّ يقيم. قوله: (حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ) قال شيخنا: هذه الغاية متعلِّقة بقوله: (فَقاَلَ لَهُ: أَبْرِدْ) أي كان يقول له في الزَّمان الذي قبل الرؤية أبرد، أو متعلِّقة بأبرد، أي قال له: أبرد إلى أن ترى أو متعلِّقة بمقدار، أي قال له: أبرد إلى أن رأينا. والفيء: -بفتح الفاء وسكون الياء بعدها همزة- وهو ما بعد الزَّوال من الظلِّ، والتُّلُول: جمع تلٍّ -بفتح المُثَنَّاة وتشديد اللام-كلُّ ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل أو نحو ذلك، وهي في الغالب مسطحة غير شاخصة، فلا يظهر لها ظلٌّ إلَّا إذا ذهب أكثر وقت الظُّهر. وقد اختلف العلماء في غاية الإبراد، فقيل: حتَّى يصير الظلُّ ذراعًا بعد ظلِّ الزوال، وقيل: ربع قامة، وقيل: ثلثها، وقيل: نصفها، وقيل غير ذلك، ونزَّلها المَاوَرْدي على اختلاف الأوقات، والجاري على القواعد إنَّه يختلف باختلاف الأحوال بشرط ألَّا يمتدَّ إلى آخر الوقت، وأمَّا ما وَقَعَ عند المصنِّف في الأذان عن مسلم بن إبراهيم عن شُعْبَة بلفظ: ((حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُوْلَ)) فظاهره يقتضي إنَّه أخَّرها إلى أن صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، ويحتمل أن يُراد بهذه المساواة ظهور الظلِّ بجنب التَّلِّ بعد أن لم يكن ظاهرًا فساواه في الظهور لا في المقدار، أو يقال: قد كان ذلك في السَّفر، فلعله أخَّر الظهر حتَّى يجمعها مع العصر. انتهى. قال العَيني: وقال التِّرْمِذي في «جامعه» : وقد اختار قوم من أهل العلم تأخير صلاة الظُّهر في شدَّة الحرِّ، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق، وقال الشافعي: إنَّما الإبراد بصلاة الظُّهر إذا كان مسجدًا ينتاب أهله من البعد، فأمَّا المصلِّي وحدَه والذي يصلِّي في مسجد قومه فالذي أحبُّ له ألَّا يؤخِّر الصَّلاة في شدَّة الحرِّ. قال أبو عيسى: ومعنى من ذهب إلى تأخير الظُّهر في شدَّة الحرَّ هو أولى وأشبه بالاتباع، وأمَّا ما ذهب إليه الشَّافعي أنَّ الرخصة لمن انتاب من البعد والمشقَّة على النَّاس؛ فإنَّ في حديث أبي ذرٍّ ما يدلُّ على خلاف ما قال الشافعي: قال أبو ذرٍّ: ((كنَّا معَ رسولِ اللهِ ﷺ في سفرِ، فأذَّنَ بلال بصلاةِ الظُّهر فقالَ النَّبِيُّ ﷺ : يا بلال أبردْ)) فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشَّافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى؛ لاجتماعهم في السَّفر وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا

стр. 109

من البعد. وقال الكِرْماني: أقول: لا نُسلِّم اجتماعهم؛ لأنَّ العادة في القوافل سيَّما في العساكر الكثيرة تفرُّقهم في أطراف المنزل لمصالح مع التخفيف على الأصحاب وطلب المرعى وغيره، خصوصًا إذا كان فيه سلطان جليل القدر فإنهم يتباعدون عنه احترامًا وتعظيمًا له. قال العَيني: هذا ليس برد موجه لكلام التِّرْمِذي؛ فإنَّ كلامه على الغالب، والغالب في المسافرين اجتماعهم في موضع واحد؛ لأنَّ السَّفر مظنة الخوف، سيَّما إذا كان عسكر خرجوا لأجل الحرب مع الأعداء. انتهى. وقال شيخنا: وأيضًا فلم تجر عادتهم باتخاذ خباء كبير يجمعهم، بل كانوا يتفرَّقون في ظلال الشجر وليس هناك كنٌّ يمشون فيه، فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعي، وغايته إنَّه استنبط من النصِّ العامِّ معنى يخصَّصه. انتهى. قال العَيني: هذا أكثر بعدًا من كلام الكِرْماني؛ لأنَّ فيه إسقاط العمل بعموم النصوص الواردة في الإبراد بالظُّهر بأشياء ملفقة من الخارج، وقوله: وليس في سياق الحديث إلى آخره غيرُ صحيح؛ لأنَّ الخلاف لظاهر الحديث صريح لا يخفى لأنَّ ظاهره عامَّ، والتقييد بالمسجد الذي ينتاب أهله من البعد خلافُ ظاهرِ الحديث، والاستنباط من النصِّ العامِّ معنى يخصص لا يجوز عند الأكثرين، ولئن سلَّمنا فلا بدَّ من دليل للتخصيص ولا دليل لذلك ههنا. انتهى. قلت: غالب ما ذكره العَيني ههنا قد تقدَّم في باب الإبراد بالظُّهر في شدَّة الحرِّ، وكذا بعض ما ذكره شيخنا، وقول العَيني: ولا دليل لذلك ههنا غيرُ مُسَلَّم؛ لأنَّ الدِّليل مراعاة المعنى، فإن قال: أردت بالدَّليل النصَّ من الشَّارع قلنا: فإذًا لا يكون هذا من باب الاستنباط وإنما هو من حمل المطلق على المقيَّد. انتهى. قوله: (وَقالَ ابنُ عَبَّاسٍ) أي عبد الله. قوله: (في تَفسِيْرِ قَولِهِ تَعَالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ [النحل: ٤٨] : أنَّ مَعْنَاهُ تَتَمَيَّلُ) كأنَّه أراد أنَّ الفيء سُمِّي بذلك؛ لأنَّه ظلٌّ مالَ من جهة إلى أخرى، وقال الجَوْهَري: تفيأت الظِّلال، أي تقلَّبت، ويتفيأ بالياء آخر الحروف، أي وفاعله محذوف تقديره: يتفيأ الظِّلَّ، ويروى: ﴿تتفيأ﴾ بالتاء المُثَنَّاة من فوق، أي الظِّلال، قال شيخنا: في روايتنا بالمُثَنَّاة الفوقانيَّة، والقراءتان شهيرتان. وهذا التعليق في رواية المُسْتَمْلي وكريمة، وقد وصله ابن أبي حاتم في «تفسيره»، ومناسبته ذكر هذا عن ابن عبَّاس لأجل ما في حديث الباب من قوله: (حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ). (١١) (بَابُ وقت الظُّهر عِنْدَ الزَّوَالِ) أي هذا باب، ويجوز في باب التنوين على أنَّه خبر مبتدأ محذوف كما قدَّرنا، ويجوز أن يكون بالإضافة والتقدير: هذا باب يذكر فيه أنَّ وقت الظُّهر - أي ابتداؤه - عند زوال الشَّمس عن كبد السَّماء وميلها إلى جهة الغرب. قال شيخنا: وأشار بهذه الترجمة إلى الردِّ على من زَعَمَ من الكوفيين: أنَّ الصَّلاة لا تجب بأوَّل الوقت كما سيأتي. قوله: (وَقَالَ جَابِرٌ) أي ابن عبد الله ﵁ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالهَاجِرَةِ). هذا التعليق طرف من حديث جابر ذكره البخاري موصولًا

стр. 110

في باب وقت المغرب، رواه عن محمَّد بن بشَّار وفيه: ((فَسَأَلْنَا جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالهَاجِرَةَ)) والهَاجِرَةَ: نصف النَّهار عند اشتداد الحرِّ، ولا يعارض هذا حديث الإبراد؛ لأنَّه ثبت بالفعل، وحديثُ الإبراد بالفعل والقول فيرجَّح على ذلك، وقيل: إنَّه منسوخ بحديث الإبراد؛ لأنَّه متأخِّر عنه، وقال البَيْضاوي: الإبراد تأخير الظُّهر أدنى تأخير بحيث يقع الظلُّ، ولا يخرج بذلك عن حدِّ التهجير؛ فإن الهاجرة تُطلق على الوقت إلى أن تفوت العصر، قال العَيني: بأدنى التأخير لا يُحصل الإبراد، ولم يقل أحد: إنَّ الهاجرة تمتدُّ إلى قرب العصر. ٥٤٠ - قوله: (حَدَّثَنا أَبو اليَمَانِ) أي الحكم بن نافع. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة. قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمَّد بن مسلم. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَني أَنَس بنُ مَالِكٍ) أي خادم رسول الله ﷺ . قوله: (أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ خَرَجَ حِيْنَ زَاغَتِ الشَّمس فَصَلَّى الظُّهْرَ، فَقَامَ عَلى المِنْبَرِ فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيْهَا أُمُوْرًا عِظَامًا ثمَّ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَليَسْأَلْ، فَلَا تَسْأَلُوْنِي عَنْ شَيْءٍ إلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي. فَأَكْثَرَ النَّاس في البُكَاءِ، وَأَكثَرَ أَنْ يَقُوْلَ: سَلُوْنِي، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ ﵁ فَقالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ. ثمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُوْلَ: سَلُوْنِي، فَبَرَكَ عُمَر ﵁ عَلى رُكبَتَيهِ فَقالَ: رَضِيْنَا بِاللهِ رَبًّا وَبِالإِسلامِ دِيْنًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسَكَتَ ثمَّ قَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الجنَّة وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذا الحَائِطِ فَلَمْ أَرَ كَالخَيْرِ وَالشَّرِّ). مطابقته للترجمة في قوله: (خَرَجَ حِيْنَ زَاغَتِ الشَّمس فَصَلَّى الظُّهْرَ) وهذا الإسناد بعينه مضى في كتاب العلم في باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدِّث، ومتن الحديث أيضًا مختصرًا، والزيادة هنا من قوله: (خَرَجَ حِيْنَ زَاغَتِ الشَّمْسُ) إلى قوله: (فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بنُ حُذَافَةَ) وكذا قوله: (ثُمَّ قَالَ: عُرِضَتْ) إلى آخره. قال شيخنا: وسيأتي الكلام على فوائده مستوعَبًا إن شاء الله تعالى في كتاب الاعتصام. قوله: (حِيْنَ زَاغَتِ) أي حين مالت، وفي رواية التِّرْمِذي بلفظ: ((زالَتِ)) والغرض منه هنا صدر الحديث وهو قوله: (خَرَجَ حِيْنَ زَاغَتِ الشَّمس فَصَلَّى الظُّهْرَ) فإنَّه يقتضي أنَّ أوَّل زوال الشَّمس أوَّل وقت الظهر، إذ لم يُنقل إنَّه ﷺ صلَّى قبله، وهذا هو الذي استقر عليه الإجماع، وكان فيه خلاف قديم عن بعض الصحابة: إنَّه جوَّز صلاة الظُّهر قبيل الزوال، وعن أحمد وإسحاق مثله في الجمعة كما سيأتي في بابه. وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنَّ أوَّل وقت الظُّهر زوال الشمس، وذكر ابن بطَّال عن الكرخي عن أبي حنيفة: أنَّ الصَّلاة في أوَّل الوقت تقع نفلًا، قال: والفقهاء بأسرهم على خلاف قوله. قال العَيني: ذكر أصحابنا - أي الحنفيَّة - أنَّ هذا القول ضعيف نقل عن بعض أصحابنا وليس منقولًا عن أبي حنيفة، والصحيح عندنا: أنَّ الصَّلاة تجب بأوَّل الوقت وجوبًا موسَّعًا، وذكر القاضي عبد الوهَّاب

стр. 111

في «الكتاب الفاخر» فيما ذكره ابن بطَّال وغيره عن بعض الناس: يجوز أن يفتتح الظهر قبل الزوال. وقال شمس الأئمَّة في «المبسوط» : لا خلاف أنَّ أوَّل وقت الظُّهر يدخل بزوال الشَّمس إلَّا شيء نقل عن بعض النَّاس إنَّه يدخل إذا صار الفيء بقدر السِّراج، وصلاة النَّبِيِّ ﷺ حين زاغت الشَّمس دليل على أنَّ ذلك من وقتها. قوله: (فَلْيَسْأَلْ) أي فليسألني عنه. قوله: (فَلَا تَسْأَلُونِي) بلفظ النَّفي، وحذف نون الوقاية منه جائز. قوله: (إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ) أي إلَّا أخبركم، فاستعمل الماضي موضع المستقبل إشارةً إلى تحققه وإنَّه كالواقع، وقال المُهَلَّب: إنَّما خطب النَّبِيُّ ﷺ بعد الصَّلاة وقال: سلوني؛ لأنَّه بلغه أن قومًا من المنافقين يسألون منه ويعجزونه عن بعض ما يسألونه فتغيَّظ وقال: لا تسألوني عن شيء إلَّا أنبأتكم به. قوله: (وَأَكْثَرَ النَّاس في البُكَاءِ) إنَّما كان بكاؤهم خوفًا من نزول عذاب لغضبه ﵇ كما كان ينزل على الأمم عند ردِّهم على أنبيائهم ﵈، والبكاء يُمدُّ ويُقصر، إذا مددت أردت الصَّوت الذي يكون مع البكاء، وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها. قوله: (وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُوْلَ) وكلمة أن مصدرية تقديره: وأكثر ﵇ القولَ بقوله: (سَلُوْنِي)، وأصله: اسألوني، فنقلت حركة الهمزة إلى السين فحذفت، واستغني عن همزة الوصل فقيل: سلوني على وزن فلوني. قوله: (فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بنُ حُذَافَةَ) قال الواقدي: إن عبد الله بن حذافة كان يُطعن في نسبه، فأراد أن يُبين له ذلك فقالت له أمُّه: أما خشيت أن أكون قد قارفت بعض ما كان يُصنع في الجاهليَّة أكنتَ فاضحي عند رسول الله ﷺ ؟! فقال: والله لو ألحقني بعبد للحقت به. قلت: ترجمة عبد الله بن حُذَافة في باب ما يذكر في المناولة في كتاب العلم. انتهى. قوله: (آنِفًا) أي في أوَّل وقت يقرب منِّي، ومعناه هنا: الآن، وانتصابه على الظرفيَّة لأنَّه متضمِّن معنى الظَّرف. قوله: (فِي عُرْضِ هَذَا الحَائِطِ) -بضمِّ العين المهملة- يقال: عُرض الشيء بالضمِّ ناحيتُه من أيِّ وجه جئته، وقال شيخنا: أي جانبه أو وسطه. قوله: (فَلَمْ أَرَ كَالخَيْرِ) أي ما أبصرت قط مثل هذا الخير الذي هو الجنَّة وهذا الشرُّ الذي هو النَّار، أو ما أبصرت شيئًا مثل الطاعة والمعصية في سبب دخول الجنَّة والنَّار، وقال شيخنا: كالخير والشرِّ، أي المرئي في ذلك المقام. ٥٤١ - قوله: (حَدَّثَنَا حَفْص بنُ عُمَرَ) أي ابن غياث. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج. قوله: (عَنْ أَبِي المِنْهَالِ) -أي بكسر الميم وسكون النون- واسمه سيَّار بن سلامة الرياحي -بكسر الرَّاء وتخفيف الياء آخر الحروف وبالحاء المهملة- البصري. قوله: (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ) أي -بفتح الباء الموحَّدة وسكون الرَّاء ثمَّ بالزاي- الأَسْلَمي، واسمه نَضْلَة -بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة- ابن عُبَيْد مصغَّر، أسلَّم قديمًا وشهد فتح مكَّة، ولم يزل يغزو مع رسول الله ﷺ حتَّى قُبض، فتحوَّل ونزل البصرة، ثمَّ غزا خراسان، ومات بمرو أو بالبصرة أو بمفازة سجستان سنة أربع وستين، روى له البخاري أربعة أحاديث. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة

стр. 112

في موضعين، وفيه القول، وفي رواية الكُشْمِيهَني: <حَدَّثنا أَبُو المِنْهَالِ>، وفيه أنَّ رواته ما بين بصري وواسطي، قال العَيني: ويجوز أن يقال: كلُّهم بصريون؛ لأنَّ شُعْبَة وإن كان من واسط فقد سكن البصرة ونُسب إليها. قوله: (قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الصُّبح وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيْسَهُ، وَيَقْرَأُ فِيْهَا مَا بَيْنَ السِّتِّيْنَ إِلَى المَائَةِ، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى المَدِيْنَةِ وَيَرجِعُ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيْتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِي بِتَأَخِيْرِ العِشَاءِ إِلى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثمَّ قَالَ: إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، وكَانَ يَكْرَهُ النَّوم قَبْلَهَا وَالحَدِيْثَ بَعَدَهَا، وَقَالَ مُعَاذٌ: قَالَ شُعْبَةُ: ثمَّ لَقِيْتُهُ مَرَّةً فَقَالَ: أَوْ ثُلُثَ اللَّيْلِ). مطابقته للترجمة في قوله: (وَيصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ). هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا عن آدم بن أبي إِياس عن شُعْبَة، وعن محمَّد بن مُقاتل عن عبد الله، وعن مُسَدَّد عن يحيى كلاهما عن عَوْف نحوه، وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن حبيب وعن عُبَيْد الله بن معاذ عن أبيه كلاهما عن شعبة، وعن أبي كُرَيب عن سُوَيد بن عَمْرو الكلبي، وأخرجه أبو داود فيه عن حفض بن عُمَر بتمامه وفي موضع آخر ببعضه، وأخرجه النَّسائي فيه عن محمَّد بن عبد الأعلى وعن محمَّد بن بشَّار وعن سُوَيد بن نَصْر، وأخرجه ابن ماجَهْ فيه عن محمَّد بن بشَّار بُنْدار به. قوله: (وَأَحَدُنَا) الواو فيه للحال. قوله: (جَلِيْسَهُ) الجليس على وزن فعيل بمعنى المجالس، وأراد به الذي إلى جنبه، وفي رواية الجَوْزَقي من طريق وَهْب بن جرير عن شُعْبَة: ((فينظرُ الرجلُ إلى جليسِهِ إلى جنبِهِ فيعرفُ وجهَهُ))، وفي رواية أحمد: ((فينصرفُ الرجلُ فيعرفُ وجهَ جليسِهِ))، وفي رواية لمسلم: ((فينظرُ إلى وجهِ جليسِه الذي يعرفُ فيعرفُهُ))، وله في أخرى: ((وينصرفُ حينَ يعرفُ بعضُنا وجهَ بعضٍ)). قوله: (مَا بَيْنَ السِّتِّيْنَ إِلَى المائَةِ) يعني: من آيات القرآن الكريم، قال الكِرْماني: فإن قلت: لفظ (بَيْنَ) يقتضي دخوله على متعدد، فكان القياس أن يقال: والمائة، بدون حرف الانتهاء، قلت: تقديره ما بين الستين وفوقها إلى المائة، فحذف لفظ فوقها لدلالة الكلام عليه. قوله: (وَالعَصْرَ) بالنَّصب، أي ويصلِّي العصر، والواو في (وَأَحَدُنَا) للحال. قوله: (إِلَى أَقْصَى المَدِيْنَةِ) أي إلى آخرها. قوله: (رَجَعَ) كذا وَقَعَ بلفظ الماضي بدون الواو، في رواية أبي ذرٍّ والأَصِيلي وفي رواية غيرهما: <وَيَرْجِعُ> بواو العطف وصيغة المضارع، وعليها شرح الخطَّابي، ومحلُّه الرَّفع على أنَّه خبر للمبتدأ الذي هو قوله: (وَأَحَدُنَا) فعلى هذا يكون لفظ (يَذْهَبُ) حالًا بمعنى ذاهبًا، ويجوز أن يكون (يَذْهَبُ) في محلِّ الرَّفع على أنَّه خبر لقوله: (أَحَدُنَا) وقوله: (رَجَعَ) يكون في محلِّ النَّصب على الحال، وقَدْ فيه مقدَّرة؛ لأن الجملة الفعليَّة الماضية إذا وقعت حالًا فلا بدَّ فيها من كلمةِ قَدْ إما ظاهرة وإما مقدَّرة كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوْكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] أي قد حصرت، ولكن تكون حالًا منتظرة مقدَّرة والتقدير: وأحدنا يذهب إلى أقصى المدينة حال كونه مُقدرًا الرجوع إليها والحالُ أنَّ الشَّمس حيَّة. وقال شيخنا: يحتمل أن تكون الواو في قوله: (وَأَحَدُنَا) بمعنى ثمَّ على قول من قال: إنَّها ترد للترتيب

стр. 113

مثل ثمَّ، وفيه تقديم وتأخير والتقدير: ثمَّ يذهب أحدنا، أي ممن صلَّى معه، وأما قوله: (رَجَعَ) فيحتمل أن يكون بمعنى يرجع ويكون بيانًا لقوله: (يَذْهَبُ). قال العَيني: هذا فيه ارتكاب المحذور من وجوهٍ: الأوَّل: كون الواو بمعنى ثمَّ لم يقل به أحد، الثاني: إثبات التقديم والتأخير من غير احتياج إليه، والثالث قوله: (يَرْجِعُ) بيان لقوله: (يَذْهَبُ) فلا يصحُّ ذلك؛ لأنَّ معنى يرجع ليس فيه غموض حتَّى يبيِّنه بقوله: يذهب، ومحذور آخر وهو أنَّ المعنى يكون: وأحدنا يرجع إلى أقصى المدينة، وهو مخلٌّ بالمقصود. انتهى. قلت: مراد شيخنا بقوله: الواو بمعنى ثمَّ أي أنَّ الواو تُفيد الترتيب مثل ثمَّ، فإن قلت: قال السِّيرافي: إنَّ النَّحويين واللُّغويين أجمعوا على أنَّ الواو لا ترد للترتيب، فنقول: قال قُطْرُب والفَرَّاء وثعلب وأبو عُمَر الزَّاهد وهشام والشافعي وغيرهم: إنَّها تفيده. انتهى. قال العَيني: وزَعَمَ الكِرْماني أنَّ فيه وجهًا آخر، وفيه تعسُّف جدًّا، وهو أن رجع بمعنى يرجع عطف على يذهب، والواو مقدَّرة، وفيه محذور آخر أقوى من الأوَّل، وهو أنَّ المراد بالرجوع هو الرجوع إلى أقصى المدينة لا الرجوع إلى المسجد، فعلى هذا التقدير يكون الرجوع إلى المسجد، والدليل على أنَّ المراد هو الذهاب إلى أقصى المدينة والرجوع إليها رواية عَوْف الأعرابي عن سَيَّار بن سلامة الآتية عن قريب: (ثَمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى المَدَيْنَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ)، واقتصر ههنا على ذكر الرجوع لحصول الاكتفاء به؛ لأنَّ المراد بالرجوع الذهاب إلى المنزل، وإنما سُمِّي رجوعًا؛ لأن ابتداء المجيء كان من المنزل إلى المسجد، فكان الذهاب منه إلى المنزل رجوعًا. قوله: (وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) وحياة الشَّمس عبارة عن بقاء حرِّها لم يفتر وبقاء لونها لم يتغيَّر، وإنما يدخلها التغيُّر بدنو المغيب، كأنَّه جعل مغيبها لها موتًا. قوله: (وَنَسِيْتُ) أي قال أبو المِنْهال: نسيت ما قال أبو بَرزَة في المغرب. قوله: (وَلَا يُبَالِي) عطف على قوله: (يُصَلِّي) أي ولا يبالي النَّبِيُّ ﷺ ، وهو من المبالاة وهو الاكتراثُ بالشيء. قوله: (إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ) أي نصفه، ولا يقال: إنَّ الذي يفهم منه أنَّ وقت العشاء لا يتجاوز النِّصف؛ لأنَّ الأحاديث الأخر تدلُّ على بقاء وقتها إلى الصُّبح، وإنما المراد بالنِّصف ههنا هو الوقت المختار، وقد اختلف فيه، والأصحُّ الثلث. قوله: (قَبْلَهَا) أي قبل العشاء. قوله: (قَالَ مُعَاذٌ) هو معاذ بن معاذ بن نصر بن حسَّان العَنْبَري التَّميمي قاضي البصرة، سمع شُعْبَة وغيره، مات سنة ست وتسعين ومائة. قال الكِرْماني: هذا تعليق قطعًا؛ لأنَّ البخاري لم يدركه، قال العَيني: هو مسند في «صحيح مسلم» قال: حدَّثنا عُبَيْد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة، فذكره. قوله: (ثُمَّ لَقِيْتُهُ) أي أبا المِنْهال مرَّةً أخرى بعد ذلك. قوله: (فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ) ردَّد بين الشَّطر والثلث، قال شيخنا: وجزم حمَّاد بن سلمة عن أبي المِنْهال عند مسلم بقوله: (إلى ثُلُثِ اللَّيلِ) وكذا لأحمد عن حمَّاد عن شعبة. قال العَيني: فيه الحجَّة للحنفيَّة؛ لأنَّ قوله: (وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلَيْسَهُ) يدلُّ على الإسفار، ولفظ النَّسائي والطَّحاوي فيه: ((كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم

стр. 114

ينصرفُ من الصُّبح فينظرُ الرجلُ إلى الجليسِ الذي يعرفه فيعرفه))، ولكن قوله: (وَيَقْرَأُ فِيْهَا مَا بَيْنَ السِّتِّيْنَ إِلَى المَائَةِ) يدلُّ على أنَّه كان يشرع في الغلس ويمدُّها بالقراءة إلى وقت الإسفار، وإليه ذهب الطَّحاوي. انتهى. قلت: قد أجاب العَيني عن مذهبنا، وقد تقدَّمَتْ عن ذلك أجوبة لنا. انتهى. وفيه أنَّ وقت الظُّهر من زوال الشَّمس عن كبد السَّماء. وفيه أنَّ الوقت المستحبَّ للعصر أن يُصَلَّى ما دامت الشَّمس حيَّة، وهذا يدلُّ على أنَّ المستحبَّ تعجيلها كما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد، وفي رواية أبي داود: ((كانَ يصلِّي العصرَ والشَّمسُ بيضاءُ مرتفعةٌ حيَّةٌ، ويذهبُ الذاهبُ إلى العوالي والشَّمسُ مرتفعةٌ)) والعوالي: أماكن بأعلى أراضي المدينة، قال ابن الأثير: وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية، ولكن في رواية الزهري: أدناها من المدينة على ميلين كما ذكره أبو داود. وقال النَّوَوي: وأراد بهذا الحديث المبادرة بصلاة العصر أوَّل وقتها؛ لأنَّه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين وثلاثة والشَّمسُ بعدُ لم تتغير، ثمَّ قال: وفيه دليل لمالك والشافعي وأحمد والجمهور: أنَّ وقت العصر يدخل إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، وقال أبو حنيفة: لا يدخل حتَّى يصير ظلُّ كلِّ شيء مثليه، وهذا حجَّة للجماعة عليه. قال العَيني: والجواب من جهة أبي حنيفة: أنَّه ﵇ أمر بإبراد الظهر بقوله: (أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ) يعني: صلُّوها إذا سكنت شدَّة الحرِّ، واشتداد الحرِّ في ديارهم يكون في وقت صيرورة ظل ُّكلِّ شيء مثله، ولا يفتر الحرُّ إلَّا بعد المثلين، فإذا تعارضت الآثار يبقى ما كان على ما كان، ووقت الظهر ثابت بيقين فلا يزول بالشكِّ، ووقت العصر ما كان ثابتًا فلا يدخل بالشك. انتهى. قلت: قوله: (وَاشْتِدَادُ الحَرَّ...) إلى آخره، فيه نظر؛ لأنَّ الشَّمس كلما كانت إلى المشرق والمغرب أقرب كان حرُّها أنقص، وهذا أمر محسوس، وإذا كان الأمر كذلك بطل ما قاله؛ لأنَّ مراده أنَّ وقت الظُّهر يبقى إلى أن يذهب اشتداد الحرِّ، فعلى ما قرّره يمتدُّ إلى مصير ظلِّ كلِّ الشيء مثليه؛ لأنَّه ﵇ أمر بالإبراد، والإبراد لا يحصل إلَّا أن يؤخِّر المصلِّي إلى ذلك الوقت، يعلم أنَّ وقت الظُّهر باقٍ لم يخرج، ولو لم يكن الوقت باقٍ لم يأمر بالتأخير إليه. انتهى. وفيه أنَّ الوقت المستحبَّ للعشاء تأخيره إلى ثلث اللَّيل أو إلى شطره، وهو حجَّة على من فضَّل التقديم، وقال الطَّحاوي: تأخير العشاء إلى ثلث اللَّيل مستحبٌّ، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتَّابعين ومن بعدهم، قاله الترمذي، وإلى النِّصف مباح وما بعده مكروه، وحكى ابن المنذر: أنَّ المنقول عن ابن مسعود وابن عبَّاس إلى ما قبل ثلث الليل، وهو مذهب إِسْحاق واللَّيث أيضًا، وبه قال الشَّافعي في كتبه الجديدة، وفي «الإملاء» والقديم تقديمها، وقال النَّوَوي: وهو الأصحُّ. وفيه كراهة النَّوم قبل العشاء؛ لأنَّه يعرض لفواتها باستغراق النوم، قلت: وسمعت بعض مشايخي يقول: إنَّه إذا تيقَّن الفوات بالنَّوم يحرم عليه. انتهى. وفيه كراهة الحديث بعدها؛

стр. 115

وذلك لأنَّ السهر في اللَّيل سبب للكسل في النَّوم عمَّا يتوجَّه من حقوق الدِّين والطاعات ومصالح الدين، قالوا: المكروه منه ما كان في الأمور الَّتي لا مصلحة فيها، أمَّا ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه، وذلك كمدارسة العلم وحكايات الصالحين، ومحادثة الضَّيف والعروس للتأنيس، ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة، ومحادثة المسافرين لحفظ متاعهم أو أنفسهم، والحديث في الإصلاح بين النَّاس والشَّفاعة إليهم في خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإرشاد إلى مصلحة ونحو ذلك، وكلُّ ذلك لا كراهة فيه. ٥٤٢ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ) أي -بضمِّ الميم- أبو الحسن المَرْوَزي. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) أي ابن المبارك الحنظلي المَرْوَزي. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن بكير السُّلَمي البصري. قلت: قال الحافظ أبو نصر أحمد بن محمَّد بن الحسين الكَلاباذي، والحافظ محمَّد بن طاهر المَقْدِسي: خالد بن عبد الرحمن حدَّث عن غالب القطَّان، روى عنه عبد الله غيرَ منسوب وهو ابن المبارك في الصلاة، وقد تابعه محمَّد بن يحيى الذُّهْلي فرواه عن عُبَيْد الله بن موسى عن إسرائيل عن خالد بن عبد الرحمن عن غالب نحوه. انتهى ما قالاه، وهذه مبالغة ناقضة، وقال الذَّهَبي: خالد بن عبد الرحمن عن الحسين ومحمَّد وعنه ابن مهدي وأبو الوليد صدوقٌ مُقِلٌّ. انتهى. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي غَالِبٌ القَطَّانُ) أي -بالغين المعجمة- ابن خطَّاب المشهور بابن أبي غيلان -بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف- تقدَّم في باب السُّجود على الثوب. قوله: (عَنْ بَكْرِ بنِ عَبْدِ اللهِ المُزَنيِّ) تقدَّم في باب عرق الجنب. قوله: (عَنْ أَنَس بنِ مَالِكٍ ﵁ تقدَّم في باب من الإيمان أن يحبَّ. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإفراد، وبصيغة الماضي في موضع واحد، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه محمَّد بن مقاتل من أفراد البخاري، ووَقَعَ للأَصِيلي وغيره: <حَدَّثَنا مُحَمَّدُ> من غير نسبة، وفي رواية أبي ذرٍّ: <حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ> بنسبته إلى أبيه، وفيه وَقَعَ خالد بن عبد الرحمن على هذه الصورة، وهو السُّلَمي، واسم جدِّه بُكَير كما ذكرنا، قال شيخنا: وثبت الأمران في «مستخرج الإسماعيلي»، وفي طبقته خالد بن عبد الرحمن الخراساني نزيل دمشق، وخالد بن عبد الرحمن الكوفي العبدي، ولم يخرج لهما البخاري شيئًا، وأما خالد السُّلَمي المذكور هنا فليس له ذكر في هذا الكتاب إلَّا في هذا الموضع، وهو من أفراد البخاري. وفيه أنَّ رواته مروزيَّان والبقيَّة بصريُّون. قوله: (قَالَ: كُنَّا إِذا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ بِالظَّهَائِرِ سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الحَرِّ). مطابقته للترجمة من حيث إنَّ صلاتهم خلف رسول الله ﷺ بالظهائر تدلُّ على أنَّهم كانوا يصلُّون الظهر في أوَّل وقته، وهو وقت اشتداد الحرِّ عند زوال الشَّمس كما مرَّ في أوَّل الباب عن جابر قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالهَاجِرَةِ) ولا يعارض حديث الأمر بالإبراد؛ لأن هذا لبيان الجواز وحديث الأمر بالإبراد لبيان الفضل.

стр. 116

هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الصَّلاة عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك ومسدَّد فرقهما كلاهما عن بشر بن المُفَضَّل، وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى، وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل، وأخرجه التِّرْمِذي فيه عن أحمد بن محمَّد عن ابن المبارك، وأخرجه النَّسائي فيه عن سُوَيد بن نصر عن ابن المبارك، وأخرجه ابن ماجَهْ فيه عن إِسْحاق بن إبراهيم عن بشر بن المفضل. قوله: (بِالظَّهَائِرِ) جمع ظهيرة، وهي الهاجرة، وأراد بها الظهر، وجمعَها نظرًا إلى ظهر الإمام. قوله: (سَجَدْنَا عَلى ثِيَابِنَا) كذا في رواية أبي ذرٍّ والأكثرين، وفي رواية كريمة: <فَسَجَدْنَا> بالفاء العاطفة على مقدَّر نحو: فرشنا الثياب فسجدنا عليها. قوله: (اتِّقَاءَ الحَرِّ) أي لأجل اتقاء الحرِّ، وانتصابه على التعليل والاتقاء مصدر من اتقى يتقي، وأصله اوتقى؛ لأنَّه مِن وقى، فنقل إلى باب الافتعال فقلبت الواو تاء وأدغمت التَّاء في التَّاء فصار اتقى، وأصل الاتقاء الاوتقاء ففُعل به ما فعل بفعله، وقال الكِرْماني: والاتقاء مشتقٌّ من الوقاية، أي وقاية لأنفسنا من الحرِّ، أي احترازًا منه. قال العَيني: المصدر يشتقُّ منه الأفعال ولا يقال له: مشتقٌّ؛ لأنَّه موضع صدر الفعل كما تقرر في موضعه. انتهى. قلت: هذا على الصحيح، فليعلم أنَّ المسألة مختلف فيها. انتهى. قال شيخنا: وقد روى هذا الحديث بشر بن المُفَضَّل عن غالب القطَّان كما مضى، ولفظه مغاير للفظه لكن المعنى متقارب، وقد تقدَّم الكلام عليه في باب السُّجود على الثَّوب في شدة الحرِّ وفيه الجواب عن استدلال من استدلَّ به على جواز السُّجود على الثَّوب ولو كان يتحرَّك. وفيه المبادرة لصلاة الظُّهر ولو كان في شدة الحرِّ. انتهى. وقد تقدَّم آنفًا الجواب عن حديث الأمر بالإبراد. (١٢) (بَابُ تَأْخِيْرِ الظُّهْرِ إِلَى العَصْرِ) أي هذا باب في بيان تأخير صلاة الظُّهر إلى أوَّل وقت العصر. والمراد إنَّه لما فرغ عن صلاة الظُّهر دخل وقت صلاة العصر، وليس المراد إنَّه جمع بينهما في وقت واحد كما سيأتي عن أبي الشَّعثاء راوي الحديث، وقال الزَّين بن المنيِّر: أشار البخاري إلى إثبات القول باشتراك الوقتين، لكن لم يُصرِّح بذلك على عادته في الأمور المحتملة؛ لأنَّ لفظ الحديث يحتمل ذلك ويحتمل غيره، قال: والترجمة مشعرة بانتفاء المفاصلة بين الوقتين، وقد نقل ابن بطَّال عن الشَّافعي وتبعه غيره فقالوا قال الشافعي: بين وقت الظُّهر وبين وقت العصر فاصلة لا تكون وقتًا للظُّهر ولا للعصر. انتهى. قال شيخنا: ولا يعرف ذلك في كتب المذهب عن الشافعي، وإنما المنقول عنه: إنَّه كان يذهب إلى أنَّ آخر وقت الظُّهر ينفصل عن أوَّل وقت العصر، ومراده نفيُ القول بالاشتراك، ويدلُّ عليه إنَّه احتجَّ بقول ابن عبَّاس وقت الظُّهر إلى العصر والعصر إلى المغرب، وكما إنَّه لا اشتراك بين العصر والمغرب فكذا لا اشتراك بين الظهر والعصر. انتهى. قلت: لعلَّهم نظروا إلى أن من لم يدرك ركعة من صلاة الظُّهر قبل دخول وقت العصر يصير ظُهره قضاء، ولو أحرم بصلاة العصر في ذلك الزمن الذي لم يسع ركعة من الظُّهر لم يصحَّ له العصر، فرأوا ذلك الوقت لا يصحُّ فيه أداء الظهر ولا الإحرام بصلاة العصر، جعلوه فاصلة بهذا الاعتبار، والله أعلم. انتهى. ٥٤٣ - قوله: (حَدَّثَنا أَبُو النُّعْمَانِ) أي محمَّد بن الفَضْل، ترجمته في باب قول النَّبِيِّ ﷺ : الدِّين النصيحة. قوله: (حَدَّثَنا حَمَّاد بنُ زَيدٍ) أي ابن درهم، ترجمته في باب:

стр. 117

﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] في كتاب الإيمان. قوله: (عَنْ عَمْرو وَهُوَ ابنُ دِيْنَارٍ) أي أبو محمَّد أحد الأئمَّة، ترجمته في باب كتابة العلم. قوله: (عَنْ جَابِرِ بنِ زَيْدٍ) أي أبو الشَّعثاء الأزدي، تقدَّم في باب الغسل بالصاع. قوله: (عَنِ ابنِ عبَّاس ﵄ ترجمته في بدء الوحي. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه أنَّ رواته بصريُّون ما خلا عَمْرو بن دينار فإنَّه مكِّي، قلت: وَقَعَ في «شرح العيني» بخطِّه: عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس في سند الحديث، ولمَّا تكلَّم على رجال السند أبدل ابن عبَّاس بأنس بن مالك، وهو سهو منه ﵀. قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِالمَدِيْنَةِ سَبْعًا وَثَمانِيًا الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ. فقالَ أَيُّوْبُ: لَعَلَّهُ في لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ؟ قَالَ: عَسَى) أيُّوب هو السِّخْتياني. مطابقته للترجمة في قوله: (سَبْعًا وثَمَانِيًا) لأنَّ المراد من (سَبْعًا) المغرب والعشاء، ومن (ثَمَانِيًا) الظُّهر والعصر على ما نذكره إن شاء الله تعالى، وذلك إنَّه أخَّر المغرب إلى آخر وقته، فحين فرغ منه دخل وقت العشاء، وكذلك أخَّر الظُّهر إلى آخر وقته، فلمَّا صلَّاها وخرج وقته ودخل وقت العصر صلَّى العصر، قال العَيني: فهذا الجمع الذي قاله أصحابنا - أي الحنفيَّة - إنَّه جمع فعلًا لا وقتًا، وقيل: أشار البخاري إلى إثبات القول باشتراك الوقتين، قال: لا نُسلِّم ذلك؛ لأن تأخير الظُّهر إلى العصر لا يُفهم ذلك ولا يستلزمه. انتهى. قلت: أشار العَيني بهذا إلى قول ابن المنيِّر الذي قدَّمناه، وكل منهما راعى في قوله مذهبه. انتهى. قوله: (سَبْعًا) أي سبع ركعات، ثلاثة للمغرب وأربعة للعشاء. قوله: (وَثَمَانِيًا) أي أربعة للظُّهر وأربعة للعصر، وفي الكلام لفٌّ ونشر، قال شيخنا: (سَبْعًا وَثَمَانِيًا)، أي سبعًا جميعًا وثمانيًا جميعًا كما صرَّح به في باب وقت المغرب من طريق شُعْبَة عن عَمْرو بن دينار. انتهى. قوله: (الظُّهْرَ) وما عطف عليه منصوبات، إما بدل أو بيان، أو على الاختصاص، أو على نزع الخافض، أي الظُّهر والعصر. قوله: (قَالَ أَيُّوبُ: لَعَلَّهُ...) إلى آخره (قَالَ: عَسَى) القائل الثَّاني هو جابر بن زيد؛ لأنَّه المقول له، وقول الأوَّل: (لَعَلَّهُ) أي لعل هذا التأخير كان في ليلة مَطيرة -بفتح الميم- أي كثيرة المطر. (قَالَ جَابِرُ: عَسَى) أي قال: عسى ذلك كان في اللَّيلة المطيرة، فاسم عسى وخبره محذوفان. قلت: وسيأتي أنَّ أبا الشَّعثاء قال بخلاف هذا القول، لكنَّه لم يجزم بواحد منهما ولا استمرَّ. انتهى. قال العَيني: تكلمت العلماء في هذا الحديث، فأوَّله بعضهم على أنَّه جمعَ بعذر المطر، ويؤيد هذا ما رواه أبو داود: حدَّثنا القَعنَبي عن مالك عن أبي الزُّبَيْر المكَّي عن سعيد بن جُبَير عن عبد الله بن عبَّاس قال: ((صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ الظهرَ والعصرَ جميعًا، والمغربَ والعشاءَ جميعًا في غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ))، قال مالك: أرى ذلك كان في مطر، وأخرجه مسلم والنَّسائي وليس فيه كلام مالك ﵀. وقال الخطَّابيُّ: وقد اختلف النَّاس في جواز الجمع بين الصَّلاتين في المطر وفي الحضر، فأجازه جماعة من السَّلف، روي ذلك عن ابن عمر، وفعله عُرْوَة بن الزُّبَيْر وابن المُسَيَّب وعمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن عبد الرحمن وأبو سلمة وعامة فقهاء المدينة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن

стр. 118

حنبل، غير أنَّ الشَّافعي اشترط في ذلك أن يكون المطر قائمًا في وقت افتتاح الصلاتين معًا، وكذلك قال أبو ثور، ولم يشترط ذلك غيرهما، وكان مالك يرى أن يجمع الممطور في الطين وفي حال الظلماء، وهو قول عُمَر بن عبد العزيز، وقال الأوزاعي وأصحاب الرأي: يصلِّي الممطور كلَّ صلاة في وقتها. قال العَيني: هذا التأويل تردُّه الرواية الأخرى: ((مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ)) وأوَّله البعض على أنَّه كان في غيم، فصلَّى الظهر ثمَّ انكشفت وبان أنَّ أوَّل وقت العصر دخل فصلَّاها، قال النَّوَوي: وهذا باطل؛ فإنَّه وإنْ كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء. انتهى. قال شيخنا: وكأنَّ نفيه الاحتمال مبنيٌّ على أنَّه ليس للمغرب إلَّا وقت واحد، والمختار عنده خلافه، وهو أنَّ وقتها يمتد إلى العشاء، فعلى هذا فالاحتمال قائم. انتهى. وأوَّله آخرون على أنَّه كان بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار، وقال النَّوَوي: وهو قول أحمد بن حنبل والقاضي الحسين من أصحابنا، واختاره الخطَّابي والمتولِّي والروياني من أصحابنا، وهو المختار لتأويله لظاهر الحديث، ولأنَّ المشقَّة فيه أشقُّ من المطر. انتهى. قال العَيني: هذا أيضًا ضعيف؛ لأنَّه مخالف لظاهر الحديث، وتقييده بعذر المطر ترجيح بلا مرجح وتخصيص بلا مخصص، وهو باطل. انتهى. وقال شيخنا: وجوَّز بعضهم أنَّ الجمع لعذر المرض، وقوَّاه النووي، وفيه نظر؛ لأنَّه لو كان جمعه ﵇ بين الصلاتين لعارض المرض لما صلَّى معه إلَّا من له نحو ذلك العذر، والظَّاهر أنَّه ﵇ جمع بأصحابه، وقد صرَّح بذلك ابن عبَّاس في روايته. انتهى. قال النَّوَوي: ومنهم من تأوَّله على أن الجمع المذكور صوريٌّ بأن يكون أخَّر الظهر إلى آخر وقتها وعجَّل العصر في أوَّل وقتها، قال: وهو احتمال ضعيف أو باطل؛ لأنَّه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل. انتهى. قال شيخنا: وهذا الذي ضعفه استحسنه القُرْطُبي ورجَّحه قبله إمام الحرمين، وجزم به من القدماء ابن الماجِشُون والطَّحاوي، وقوَّاه ابن سيِّد النَّاس بأن أبا الشَّعثاء - وهو راوي الحديث عن ابن عبَّاس - قد قال به، وذلك فيما رواه الشيخان من طريق ابن عُيَيْنَة عن عَمْرو بن دينار، فذكر هذا الحديث وزاد: قلت: يا أبا الشعثاء، أظنُّه أخَّر الظُّهر وعجَّل العصر وأخَّر المغرب وعجَّل العشاء، قال: وأنا أظنُّه. قال ابن سيَّد النَّاس: وراوي الحديث أدرى بالمراد من غيره. قلت لكن لم يجزم بذلك، بل لم يستمرَّ عليه، فقد تقدَّم كلامه لأيُّوب، وتحريره: أن يكون الجمع بعذر المطر، لكن يقوي ما ذكره من الجمع الصُّوري أنَّ طرق الحديث كلِّها ليس فيها صفة الجمع، فإمَّا أن تُحمل على مطلقها فتستلزم إخراج الصَّلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإمَّا أن تُحمل على صفة مخصوصة ولا تستلزم الإخراج، ويجمع بها بين مفترق الأحاديث، والجمع الصُّوري أولى. انتهى. قال العَيني: وأحسن التأويلات في هذا وأقربها إلى القبول إنَّه على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلَّاها فيه، فلمَّا فرغ منها دخلت الثانية فصلَّاها، ويؤيِّد هذا التأويل ويُبطل غيره ما رواه البخاري ومسلم من حديث

стр. 119

عبد الله بن مسعود قال: ((ما رأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ صلَّى صلاةَ لغيرِ وقتِها إلَّا بجمعٍ، فإنَّه جمعَ بينَ المغربِ والعشاءِ بجمعٍ، وصلَّى صلاةَ الصُّبح منَ الغدِ قبلَ وقتِها))، وهذا الحديث يبطل العمل بكلِّ حديث فيه جواز الجمع بين الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء، سواء كان في حضر أو سفر أو غيرهما. انتهى. قلت: لم ينفِ عبد الله إلَّا الرؤية، فكيف يقال: إنَّ قوله: يبطل العمل بقول من أثبته؟!. انتهى. وقال العَيني أيضًا: فإن قلت: في حديث ابن عمر: ((إذا جَدَّ بهِ السَّيرُ جمعَ بينَ المغربِ والعشاءِ بعدَ أنْ يغيبَ الشَّفقِ)) رواه أبو داود وغيره، وهذا صريح في الجمع في وقت إحدى الصَّلاتين، وقال النَّوَوي: وفيه إبطال تأويل الحنفيَّة في قولهم: إنَّ المراد بالجمع تأخير الأولى إلى آخر وقتها وتقديم الثانية إلى أوَّل وقتها، ومثله في حديث أنس: ((إذا ارتحلَ قبلَ أنْ تزيغَ الشَّمسُ أخَّرَ الظهرَ إلى وقتِ العصرِ ثمَّ نزلَ فجمعَ بينَهما))، وهو صريح في الجمع بين الصَّلاتين في وقت الثانية، والرواية الأخرى أوضح دلالة وهي قوله: ((إذا أرادَ أنْ يجمعَ بينَ الصلاتَين في السَّفر أخَّرَ الظهرَ حتَّى يدخلَ أوَّلُ وقتِ العصرِ ثمَّ يجمعُ بينَهما))، وفي الرواية الأخرى: ((ويؤخِّرُ المغربَ حتَّى يجمعَ بينَها وبينَ العشاءِ حتَّى يغيبَ الشَّفقُ))، قلت: الجواب عن الأوَّل أنَّ الشَّفق نوعان: أحمر وأبيض، كما اختلف العلماء من الصحابة وغيرهم فيه، ويحتمل أنَّه جمع بينهما بعد غياب الأحمر، فتكون المغرب في وقتها على قول من يقول: الشَّفق هو الأبيض، وكذلك العشاء تكون في وقتها على قول من يقول: الشَّفق هو الأحمر، ويطلق عليه إنَّه جمع بعد غياب الشَّفق، والحال إنَّه صلَّى كلَّ واحدة منهما في وقتها على اختلاف القولين في تفسير الشَّفق، وهذا مما فُتح لي من الفيض الإلهي! وفيه إبطال لقول من ادعى بطلان تأويل الحنفيَّة. انتهى. قلت: يلزم على قول من يقول: الشَّفق هو الأبيض إخراجُ المغرب عن وقتها إن أوقعها بعد غيابه، وكذلك على قول من يقول: الشَّفق هو الأحمر، ويلزم على قول من يقول: الشَّفق هو الأبيض إخراج العشاء عن وقتها إن أوقعها قبل غيابه، ولا يتأتَّى لأحد أن يعتقد صحَّة المذهبين، فما هذا التأويل؟! ولهذا قال شيخنا: لا يشكُّ من تأمَّل كلام العَيني وفهمه بمقدار فهمه في تصرُّفه أنَّ هذا الفيض مختصٌّ به، فلذلك لا يرضى به من له أدنى تمييز. انتهى. ثم قال: والجواب عن الثاني: أنَّ معنى قوله: ((أخَّرَ الظهرَ إلى وقتِ العصرِ)) أخَّره إلى آخر وقته الذي متصل به وقت العصر، فيصلِّي الظُّهر في آخر وقته، ثمَّ يصلِّي العصر متصلًا به في أوَّل وقت العصر، فيطلق عليه إنَّه جمع بينهما، لكنَّه فعلًا وقتًا، والجواب عن الثالث: أنَّ أوَّل وقت العصر مختلف فيه، وهو إمَّا بصيرورة ظلِّ كلِّ شيء مثله أو مثليه، فيحتمل أنَّه أخَّر الظُّهر إلى أن صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، ثمَّ صلَّاها وصلَّى عقبها العصر، فيكون قد صلَّى الظُّهر في وقتها على قول من يرى أنَّ آخر وقت الظُّهر بصيرورة ظلِّ كلِّ شيء مثليه، ويكون قد صلَّى العصر في وقتها على قول من يرى أنَّ أوَّل وقتها بصيرورة ظلِّ كلِّ شيء مثله، ويصدق على من فعل هذا إنَّه جمع بينهما في أوَّل وقت العصر، والحال إنَّه قد صلَّى كلَّ واحدة منهما في وقتها على اختلاف القولين في أوَّل وقت العصر، ومثل هذا لو فعل المقيم يجوز فضلًا عن المسافر الذي يحتاج إلى التخفيف.

стр. 120

انتهى. قلت: يقال ههنا ما قلناه بعد جوابه الأوَّل. انتهى. قال: فإن قلت: قد ذكر البَيْهَقي في باب الجمع بين الصلاتين في السَّفر عن حمَّاد بن زيد عن أيُّوب عن نافع عن ابن عُمَر: ((أنَّه سارَ حتَّى غابَ الشَّفق فنزلَ فجمعَ بينَهما)) رواه أبو داود وغيره، وفيه: ((أخَّرَ المغربَ بعدَ ذهابِ الشَّفق حتَّى ذهبَ هُوِيٌّ منَ الليلِ، ثمَّ نزلَ فصلَّى المغربَ والعشاءَ)) قلت: لم يذكر سنده حتَّى ننظر فيه، وروى النَّسائي بخلاف هذا، وفيه: ((كانَ ﵇ إذا جدَّ بهِ أمرٌ أو جدَّ بهِ السيرُ جمعَ بينَ المغربِ والعشاءِ))، قال: فإن قلت: قد قال البَيْهَقي: ورواه يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع، فذكر: إنَّه سار قريبًا من ربع اللَّيل ثمَّ نزل فصلَّى، قلت: أسنده في «الخلافيات» من حديث يزيد بن هارون بسنده المذكور، ولفظه: ((فسرْنا أميالًا، ثمَّ نزلَ فصلَّى)) قال يحيى: فحدَّثني نافع هذا الحديث مرَّة أخرى فقال: ((سرْنا حتَّى إذا كانَ قريبًا مِنْ ربعِ اللَّيلِ نزلَ فصلَّى)) فلفظه مضطرب كما ترى قد رُوي على وجهين، فاقتصر البَيْهَقي في «السنن» على ما يوافق مقصوده. واستدلَّ جماعة من الأئمَّة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث على جواز الجمع في الحضر للحاجة مطلقًا، لكن بشرط ألَّا يُتخذ عادة، وممن قال به ابن سيرين وربيعة وأشهب وابن المنذر والقفَّال الكبير، وحكاه الخطَّابي عن جماعة من أصحاب الحديث، واستدلَّ لهم بما وَقَعَ عند مسلم في هذا الحديث من طريق سعيد بن جُبَير قال: فقلت لابن عبَّاس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد ألَّا يحرج أحدًا من أمَّته. وللنَّسائي من طريق عَمْرو بن هَرِم عن أبي الشَّعثاء: أنَّ ابن عبَّاس صلَّى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شُغل، وروى مسلم من طريق عبد الله بن شَقيق: أنَّ شُغل ابن عبَّاس ﵄ المذكور كان بالخطبة، وإنَّه خطب بعد صلاة العصر إلى أن بدت النُّجوم، ثمَّ جمع بين المغرب والعشاء. والذي ذكره ابن عبَّاس من التعليل بنفي الحرج جاء مثله عن ابن مسعود مرفوعًا أخرجه الطَّبَرَاني ولفظه: ((جمعَ رسولُ اللهِ ﷺ بينَ الظهرِ والعصرِ، وبينَ المغربِ والعشاءِ، فقيلَ لهُ في ذلك فقالَ: صنعْت هذا لئلَّا تُحرجَ أمَّتِي))، قال شيخنا: وإرادة نفي الحرج تقدح في حمله على الصُّوري؛ لأنَّ القصد إليه لا يخلو عن حرج. انتهى. قال العَيني: قال الخطَّابي في الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عبَّاس: هذا حديث لا يقول به أكثر الفقهاء. وقال الترمذي: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمم على ترك العمل به إلَّا حديث ابن عبَّاس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر، وحديث قتل شارب الخمر في المرَّة الرابعة، وأمَّا الذي أخرجه الطَّبَرَاني فيردُّه ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود: ((ما رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ صلَّى صلاةً لغيرِ وقتِها)) الحديث، وقد ذكرناه عن قريب. انتهى. قلت: وقد ذكرنا جوابنا للعَيني هناك. انتهى. (١٣) (بَابُ وَقْتِ العَصْرِ) أي هذا باب في بيان وقت صلاة العصر، والمناسبة بين هذه الأبواب ظاهرة خصوصًا بين هذا الباب والذي قبله. ٥٤٤ - قوله: (حَدَّثَنا إِبْرَاهِيْمُ بنُ المُنْذِرِ) أي ابن عبد الله القُرَشي، ترجمته في باب من سُئل علمًا. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَنَس بنُ عِيَاضٍ) أي أبو ضمرة اللَّيثي، ترجمته في باب التبرُّز في البيوت. قوله: (عَنْ هِشَامٍ) أي ابن عُرْوَة. قوله: (عَنْ أَبِيْهِ)

стр. 121

أي عُرْوَة بن الزُّبَيْر، ترجمتهما في بدء الوحي. قوله: (أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ) أي أمُّ المؤمنين ﵂، ترجمتها في البدء أيضًا. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول، وفيه أنَّ رواته كلُّهم مدنيُّون. قولها: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ لَم تَخرُجْ مِنْ حُجْرَتِهَا). مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الحديث مضى في باب مواقيت الصَّلاة في آخر حديث المغيرة بن شُعْبَة معلقًا حيث قال: قال عروة: ولقد حدَّثتني عائشة ﵂: ((أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يصلِّي العصرَ والشَّمسُ في حجرتِها قبلَ أنْ تظهرَ)) وقد ذكرنا هناك معنى الحديث. قوله: (وَالشَّمْسُ) الواو فيه للحال. قوله: (مِنْ حُجْرَتِهَا) أي من حُجرة عائشة، قال العَيني: وكأنَّ القياس أن يقال: من حُجرتي. انتهى. قال شيخنا: زاد أبو أسامة - أي كما سيأتي - التقييد بقعر الحجرة، وهو أوضح في تعجيل العصر من الرواية المطلقة، وقد وصل الإسماعيلي طريق أبي أسامة في «مستخرجه» لكن لفظه: ((والشَّمسُ واقعةٌ في حجرتِي)) وعُرف بذلك أنَّ الضَّمير لعائشة، وفيه نوع التفات. انتهى. قال العَيني: ليس التفات هنا ولا يصدق عليه حدُّ الالتفات، وإنَّما هو من باب التجريد، فكأنَّها جردت واحدة من النِّساء وأثبتت لها حجرة، وأخبرت: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يصلِّي العصر والشَّمس لم تخرج من حجرتها، وفيه المجاز أيضًا؛ لأنَّ المراد من الشَّمس ضوؤها؛ لأنَّ عين الشَّمس لا تدخل حتَّى تخرج. انتهى. ٥٤٥ - قوله: (قُتَيبَةُ) أي ابن سعيد، ترجمته في باب السَّلام من الإسلام. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعد، ترجمته في بدء الوحي. قله (عَنِ ابنِ شِهَابٍ) أي محمَّد بن مسلم الزُّهْري. قوله: (عَنْ عُرْوَةَ) أي [ابن] (١) الزُّبَيْر بن العوَّام. قوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي زوج النَّبِيِّ ﷺ ، ترجمة هؤلاء في بدء الوحي. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه أنَّ رواته ما بين بلخي ومصري ومدني. قوله: (أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ صَلَّى العَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا لَم يَظْهَرِ الفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا). مطابقته للترجمة ظاهرة. قوله: (وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا) أي باقية، والواو فيه للحال. قوله: (لَمْ يَظْهَرِ الفَيْءُ) أي الظل في الموضع الذي كانت الشَّمس فيه، وقد مرَّ في باب المواقيت: ((والشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ)) معنى الظهور هنا: الصعود، يقال: ظهرت على الشيء إذا علوته، وحجرة عائشة كانت ضيِّقة الرقعة والشمس تَقلص عنها سريعًا، وما كان ﵇ يصلِّي العصر قبل أن تصعد الشَّمس عنها. فإن قلت: ما المراد بظهور الشَّمس وبظهور الفيء؟ أجيب: بأن المراد بظهور الشَّمس خروجها من الحجرة، وبظهور الفيء انبساطه في الحجرة، وليس بين الروايتين اختلاف؛ لأن انبساط الفيء لا يكون إلَّا بعد خروج الشمس. قوله: (وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ) أي حمَّاد بن أسامة اللَّيثي، ترجمته في باب فضل من عَلِمَ وعَلَّمَ. قوله: (عَنْ هِشَامٍ) أي ابن عُرْوَة المذكور في الباب. قوله: (فِي قَعْرِ حُجْرَتِهَا) قال العَيني: هذا التعليق وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ والأَصِيلي وكريمة على رأس الحديث الذي عقب الباب، والصَّواب وقوعه ههنا، وأسنده الإسماعيلي عن ابن ناجية وغيره عن أبي عبد الرحمن قال: حدَّثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: ((كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يصلِّي العصرَ والشَّمسُ في قعرِ

стр. 122

حجرتِي)). انتهى. قال شيخنا: والصَّواب تأخير التعليق عن الإسناد الموصول كما جرت به عادة البخاري، والحاصل: أنَّ أَنَس بن عياض وأبا أسامة رويا الحديث عن هشام عن أبيه عن عائشة. والمراد بالحُجرة، وهي -بضمِّ المهملة وسكون الجيم-: البيت. انتهى. ٥٤٦ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفَضْل بن دُكَين، ترجمته في باب فضل من استبرأ لدينه في كتاب الإيمان. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا ابنُ عُيَيْنَةَ) أي سُفْيان، ترجمته في بدء الوحي. قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمَّد بن مسلم بن شِهاب، وفي «مسند الحُمَيدي» عن ابن عُيَيْنَة: حدَّثنا الزُّهْري، أي عكس ما ههنا، وفي رواية محمَّد بن مَنْصور عند الإسماعيلي عن سُفْيان: سمعته أذناي ووعاه قلبي عن الزُّهْري. قوله: (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِي لَمْ يَظْهَرِ الفَيءُ بَعْدُ). قوله: (وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ) أي ظاهرة، والواو فيه للحال. قوله: (بَعْدُ) بالضمِّ بلا تنوين، قال العَيني: (بَعْدُ) مبني على الضمِّ؛ لأنَّه من الغايات المقطوع عنها الإضافة المنويِّ بها، ولو لم تنوِ الإضافة لقلت: من بعد بالتنوين. قوله: (قَالَ أَبُو عَبْدَ اللهِ) أي البخاري نفسُه. قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ) أي ابن أَنَس الإمام. قوله: (وَيحَيَى بنُ سَعِيْدٍ) أي الأنصاري. قوله: (وَشُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة بالمهملة. قوله: (وَابنُ أَبِي حَفْصَةَ) أي محمَّد بن ميسرة. قوله: (وَالشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ) قال شيخنا: يعني أنَّ الأربعة المذكورين رووه عن الزُّهْري بهذا الإسناد، فجعلوا الظُّهور للشَّمس، وابن عُيَيْنَة جعله للفيء، وقد قدَّمنا توجيه ذلك وطريق الجمع بينهما، وأنَّ طريق مالك وصلها المؤلِّف في أوَّل المواقيت، وأمَّا طريق يحيى بن سعيد فوصلها الذُّهْلي في «الزُّهْريات»، وأمَّا طريق سعيد - هو ابن أبي حمزة - فوصلها الطَّبَرَاني في «مسند الشَّاميين»، وأمَّا طريق ابن أبي حفصة فرُوِّيناها من طريق ابن عَدِي في نسخة إبراهيم بن طَهْمان عن ابن أبي حفصة. والمستفاد من هذا الحديث تعجيلُ صلاة العصر في أوَّل وقتها، وهذا هو الذي فهمته عائشة وكذا الرَّاوي عنها عروةُ، واحتجَّ به على عُمَر بن عبد العزيز في تأخِّيره صلاة العصر كما تقدَّم، وشذَّ الطَّحاوي فقال: لا دلالة فيه على التعجيل؛ لاحتمال أنَّ الحجرة كانت قصيرة الجدار فلم تكن تحتجب عنها إلَّا بقرب غروبها، فيدلُّ على التأخير لا على التعجيل؟ وتُعُقِّب بأنَّ الذي ذكره من الاحتمال إنَّما يتصوَّر مع اتِّساع الحجرة، وقد عُرف بالاستفاضة والمشاهدة أنَّ حُجر أزواج النَّبِيِّ ﷺ لم تكن متَّسعة، ولا يكون ضوء الشَّمس باقيًا في قعر الحجرة الصغيرة إلَّا والشَّمس قائمة مرتفعة، وإلَّا متى مالت جدًا ارتفع ضوؤها عن قاع الحجرة ولو كانت الجُدُر قصيرة، قال النَّوَوي: كانت الحُجَر ضيِّقة العَرَصَة قصيرة الجدار بحيث كان طول جدارها أقلَّ من مسافة العَرَصَة بشيء يسير، فإذا صار ظلُّ الجدار مثله كانت الشَّمس بعد في أواخر العَرَصَة. انتهى. قال العَيني: لا وجه للتعقُّب فيه؛ لأنَّ الشَّمس لا تحتجب عن الحجرة القصيرة الجدار إلَّا بقرب غروبها، وهذا يُعلم بالمشاهدة فلا يحتاج إلى المكابرة، ولا دخل هنا لاتساع الحجرة ولا لضيقها، وإنما الكلام في قِصَرِ جُدُرِها، بالنظر على هذا فالحديث حُجَّة على من يرى بتعجيل العصر في أوَّل وقتها. انتهى. قلت: التحقيق ما قاله شيخنا، وهذا الكلام هو

стр. 123

المكابرة؛ لأنَّ الحسَّ يشهد على أنَّ ساحة الحجرة إذا كانت تقارب مسافة الجدار، فإنَّ الشَّمس لا تكون في ذلك القدر الزائد على مسافة الجدار إلَّا عند ارتفاع الشمس، فقول العيني: وهذا يُعلم بالمشاهدة، غير مسلَّم؛ لأنَّ المعلوم بالمشاهدة خلاف ما قاله، فالحديث حُجَّة على من خالف ذلك، والله أعلم. انتهى. فإن قلت: عقد البخاري بابًا لوقت العصر، وذكر فيه أحاديث لا يدلُّ واحد منها على أنَّ أوَّل وقته بماذا يكون؟، بصيرورة ظلِّ كلِّ شيء مثليه أو مثله. قال شيخنا: كأنَّ المؤلف لما لم يقع له حديث على شرطه من تعيين أوَّل وقت العصر، وهو مصير ظلِّ كلِّ شيء مثله، استغنى بهذا الحديث الدال على ذلك بطريق الاستنباط. انتهى. وقد أخرج مسلم عدة أحاديث مصرحة بالمقصود، ولم ينقل عن أحد من أهل العلم مخالفة في ذلك إلَّا عن أبي حنيفة، فإنَّ المشهور عنه أنَّه قال: أوَّل وقت العصر مصير ظلِّ كلِّ شيء مثليه بالتثنية، قال القُرْطُبي: خالفه النَّاس كلَّهم في ذلك حتَّى أصحابه - يعني الآخذين عنه - وإلَّا فقد انتصر جماعة ممن جاء بعدهم فقالوا: ثبت الأمر بالإبراد، ولا يحصل إلَّا بعد ذهاب اشتداد الحرِّ، ولا يذهب في تلك البلاد إلَّا بعد أن يصير ظلُّ الشيء مثله، فيكون أوَّل وقت العصر عند مصير ظلِّ الشيء مثليه. وحكاية مثل هذا يُغني عن ردِّه. انتهى. وقال العَيني: لا يلزم من عدم وقوعه له ألَّا يقع لغيره في تعيين ذلك. وقد روى جماعة من الصحابة في هذا الباب منهم ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أمَّني جبريلُ ﵇ عندَ البيتِ مرَّتَين)) الحديث، وفيه: ((صلَّى بِي العصرَ حينَ كانَ ظلُّه مثلَه)) هذا في المرَّة الأولى، وقال في الثانية: ((وصلَّى بي العصرَ حينَ كانَ ظلُّه مثليه)) أخرجه أبو داود والتِّرْمِذي وقال: حديث حسن، وأخرجه ابن حبَّان في «صحيحه» والحاكم في «مستدركه» وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ورواه ابن خُزَيمَة في «صحيحه»، وقال ابن عبد البرِّ في «التمهيد» : وقد تكلَّم بعض النَّاس في حديث ابن عبَّاس هذا بكلام لا وجه له، ورواته كلُّهم مشهورون بالعلم، قال العَيني: هذا الحديث هو العمدة في هذا الباب. وقوله: ((حِيْنَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ)) بالتثنية، وهذا آخر وقت الظُّهر عند أبي حنيفة؛ لأنَّ عنده إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثليه سوى فيء الزوال يخرج وقت الظُّهر ويدخل وقت العصر، وعند أبي يوسف ومحمَّد: إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثله يخرج وقت الظُّهر ويدخل وقت العصر، وهي رواية الحسن بن زياد عنه، وبه قال مالك والشافعي وأحمد والثوري وإسحاق، ولكن قال الشافعي: آخر وقت العصر إذا صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله لمن ليس له عذر، وأما أصحاب العذر والضرورات فآخر وقتها لهم غروب الشَّمس. وإذا كان استدلال أبي حنيفة بالحديث فما يضرُّه مخالفة النَّاس له، ويؤيِّد ما قاله أبو حنيفة حديث علي بن شَيْبان قال: ((قدمْنا على رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ، فكانَ يؤخِّر العصرَ ما دامَتِ الشَّمس بيضاءٌ نقيةٌ)) رواه أبو داود وابن ماجه، وهذا يدلُّ على أنَّه كان يصلِّي العصر عند صيرورة ظلِّ كلِّ شيء مثليه، وهو حُجَّة على خصمه، وحديث جابر: ((صلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ العصرَ حينَ صارَ

стр. 124

ظلُّ كلِّ شيءٍ مثليه قدرَ ما يسيرُ الراكبُ إلى ذي الحليفةِ العَنَقَ)) رواه ابن أبي شَيْبَة بسند لا بأس به. انتهى. قلت: ما استدلَّ به العَيني من الأحاديث لا يقاوم الأحاديث الذي استدلَّ الخصم عليه، ولو فعل هذا مخالفه لاستصرخ عليه. انتهى. ٥٤٧ - قوله: (حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ) أي أبو الحسن، ترجمته في باب ما يذكر في المناولة في كتاب العلم. قوله: (قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ) أي ابن مبارك، ترجمته في بدء الوحي. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ) أي الأعرابي، ترجمته في باب اتباع الجنائز من الإيمان. قوله: (عَنْ سَيَّارِ بنِ سَلَامَةَ) أي أبو المِنْهال الرِّياحي البصري عن أبيه وأبي زرعة، وعنه شُعْبَة وحمَّاد بن سلمة. قوله: (قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي) أي سلمة، قال شيخنا: سلامة حكى عنه ولده هنا، ولم أجد من ترجمه، وقد بعث لابنه رواية عنه في «الطَّبَراني الكبير» في ذكر الحوض. انتهى. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضعين، وفيه ذكر فعل الرَّاوي ورفيقه، وفيه سؤال الراوي. قوله: (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ) -أي بفتح الباء الموحدة- واسمه نَضْلَة، وترجمته في باب وقت الظُّهر عند الزَّوال. قوله: (فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي المَكْتُوْبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الهَجِيْرَ الَّتي تَدْعُوْنَهَا الأُوْلَى حِيْنَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي العَصْرَ ثمَّ يَرجِعُ أَحَدُنَا إِلى رَحْلِهِ في أَقْصَى المَدِيْنَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيْتُ مَا قَالَ في المَغْرِبِ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ الَّتي تَدْعُوْنَهَا العَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوم قَبْلَهَا وَالحَدِيْثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ حِينَ يَعرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلى المائَةِ). مطابقته للترجمة في قوله: (وَيُصَلِّي العَصْرَ ثمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى المَدِينَةِ) وأخرج البخاري هذا الحديث أيضًا في باب وقت الظُّهر عند الزوال عن حَفْص بن عُمَر عن شُعْبَة عن أبي المِنْهال وهو سيَّار بن سلامة، وههنا عن محمَّد بن مقاتل عن عبد الله بن المبارك عن عَوْف الأعرابي عن سَيَّار بن سلامة عن أبي بَرزَة نَضْلَة بن عُبَيْد، وفيه تقديم وتأخير وزيادة ونقصان يظهر ذلك بالمقابلة، وقد ذكرنا هناك بما فيه الكفاية، ونذكر ههنا ما لم نذكر هناك. قوله: (قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي) القائل هو سَيَّار وأبوه سلامة، وكان دخولهما على أبي بَرزَة زمن أُخرج ابن زياد من البصرة، قال شيخنا: وكان ذلك في سنة أربع وستين كما سيأتي في كتاب العتق، وقال الإسماعيلي: لما كان زمن أخرج ابن زياد من البصرة ووثب مروان بالشام، قال أبو المِنْهال: انطلق بي أبي إلى أبي بَرزَة وانطلقت معه، فإذا هو قاعد في ظل عُلوٍ له من قصب في يوم شديد الحرِّ، فذكر الحديث. قوله: (المَكْتُوْبَةَ) أي الصَّلاة المفروضة الَّتي كتبها الله على عباده، قال شيخنا: استدلَّ به على أنَّ الوتر ليس من المكتوبة؛ لكون أبي بَرزَة لم يذكره، وفيه بحث. انتهى. قال العَيني: عدم ذكره إياه لا يستلزم نفي وجوب الوتر، وقد ثبت وجوبه بدلائل أخرى. قوله: (يُصَلِّي الهَجِيْرَ) وهو الهاجرة؛ أي صلاة الهجير، وهو وقت شدَّة الحرِّ، وسمِّي الظُّهر بذلك لأنَّ وقتها يدخل حينئذ.

стр. 125

قوله: (الَّتِي تَدْعُوْنَهَا الأُوْلَى) وتأنيث الضَّمير إما باعتبار الهاجرة، وإمَّا باعتبار الصَّلاة، ويروى: (يُصَلِّي الهَجِيْرَةَ) وإنما قيل لها: الأولى؛ لأنَّها أوَّل صلاة صلِّيت عند إمامة جبريل ﵇ حين بيَّن له الصَّلاة الخمس، وقال البَيْضاوي: لأنَّها أوَّل صلاة النَّهار. قوله: (حِيْنَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ) أي حين تزول عن وسط السَّماء إلى جهة المغرب، من الدحض، وهو الزلق، ومقتضى ذلك: إنَّه كان يُصلِّي الظهر في أوَّل وقتها، ولكن لا يعارض حديث الإبراد؛ لما ذكرنا وجه ذلك مستقصىً. قال شيخنا: وفي رواية لمسلم: ((حينَ تزولُ الشمسُ)) ومقتضى ذلك: إنَّه كان يصلِّي الظُّهر في أوَّل وقتها ولا يخالف ذلك الأمر بالإبراد لاحتمال أن يكون زمن البرد وقبل الأمر بالإبراد، أو عند فقد شروط الإبراد؛ لأنَّه لا يختصُّ بشدَّة الحرِّ، أو لبيان الجواز، وقد تمسَّك بظاهره من قال: إنَّ فضيلة الوقت لا تحصل إلَّا بتقديم ما يمكن تقديمه من طهارةٍ وسترٍ وغيرها قبل دخول الوقت، ولكن الذي يظهر أنَّ المراد بالحديث التقريب، فتحصل الفضيلة لمن لم يتشاغل عند دخول الوقت بغير أسباب الصَّلاة. انتهى. قوله: (إِلَى رَحْلِهِ) -بفتح الرَّاء وسكون الحاء المهملة- وهو مسكن الرجل وما يستصحبه من الأثاث. قوله: (فِي أَقْصَى المَدِيْنَةِ) صفة لرحل، وليس ظرف للفعل. قوله: (وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) أي بيضاء نقية، والواو فيه للحال، قال شيخنا: قال الزَّين ابن المنيِّر: المراد بحياتها قوة أثرها حرارةً ولونًا وشعاعًا وإنارةً، وذلك لا يكون بعد مصير ظلِّ كلِّ شيءٍ مثليه، وفي «سنن أبي داود» بإسناد صحيح عن خيثمة أحد التَّابعين قال: حياتها أن تجد حرَّها. انتهى. قوله: (وَنَسِيْتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ) قائل ذلك هو سَيَّار، بيَّنه أحمد في روايته عن حجَّاج عن شُعْبَة به. قوله: (وَكَانَ) أي رسول الله ﷺ . قوله: (يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ) أي صلاة العشاء، قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على استحباب التأخير قليلًا؛ لأنَّ التنصيص يدلُّ عليه، وتُعُقِّب بأنَّه بعضٌ مطلقٌ لا دلالة فيه على قلَّةٍ ولا كثرة، وسيأتي من باب وقت العشاء من حديث جابر: أنَّ التأخير إنَّما كان لانتظار من يجيء لشهود الجماعة. انتهى. قوله: (الَّتِي تَدْعُوْنَهَا العَتَمَةَ) -بفتح العين المهملة والتاء المُثَنَّاة من فوق- والعتمة من الليل: بعد غيبوبة الشَّفق، وقد عتم اللَّيل؛ أي أظلم، وفيه إشارة إلى ترك تسميَّتها بذلك، قال شيخنا: وسيأتي الكلام عليه في باب مفرد. قال الطِّيبي: ولعل تقييده الظُّهر والعشاء دون غيرهما للاهتمام بأمرهما، فتسمية الظهر بالأولى يشعر بتقديمها، وتسمية العشاء بالعتمة يشعر بتأخيرها. قوله: (وَالحَدِيثَ بَعدَهَا) أي التحديث، قال شيخنا: وسيأتي الكلام على كراهة النَّوم قبلها في باب مفرد. انتهى. قوله: (وَكَانَ يَنْفَتِلُ) أي ينصرف من الصَّلاة، أو يلتفت إلى المأمومين. قوله: (مِنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ) أي الصبح، وفيه: إنَّه لا كراهة في تسمية الصُّبح بذلك. قوله: (حِيْنَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيْسَهُ) تقدَّم الكلام على اختلاف ألفاظ الرُّواة فيه، واستدلَّ بذلك على التعجيل بصلاة الصبح؛ لأنَّ ابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه يكون في أواخر الغلس، وقد صرَّح بأنَّ ذلك كان عند فراغ الصلاة، ومن المعلوم من عادته ﷺ ترتيل القراءة وتعديل الأركان، بمقتضى ذلك إنَّه كان يدخل

стр. 126

فيها مُغلسًا، وادعى الزَّين ابن المنيِّر: إنَّه مخالف لحديث عائشة الآتي حيث قالت فيه: (لَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ) وتعقِّب بأن الفرق بينهما ظاهر، وهو أنَّ حديث أبي برزة متعلِّق بمعرفة من هو مستقرٌّ جالس إلى جنب المصلِّي فهو ممكن، وحديث عائشة متعلِّق بمن هو متلفِّف مع إنَّه على بعد فهو بعيد. قوله: (وَيَقْرَأُ) أي في الصُّبح (بِالسِّتِّيْنَ إِلَى المَائَةِ) أي من الآي، وقدَّرها في الطَّبَرَاني بسورة الحاقَّة ونحوها، وتقدَّم في باب وقت الظُّهر بلفظ: (مَا بَيْنَ السِّتِيْنَ إِلَى المَائَةِ) وأشار الكِرْماني إلى أنَّ القياس أن يقول: ما بين الستين والمائة؛ لأنَّ لفظ (بَيْنَ) يقتضي الدخول على متعدِّد، قال: ويحتمل أن يكون التقدير: ويقرأ ما بين الستين أو فوقها إلى المائة، فحذف لفظ (فوقها) لدلالة الكلام عليه. وفي السِّياق تأدب الصغير مع الكبير، ومسارعة المسؤول بالجواب إذا كان عارفًا به. وقال النَّوَوي: هذا الحديث حُجَّة على الحنفيَّة حيث قالوا: لا يدخل وقت العصر حتَّى يصير ظلُّ الشيء مثليه. قال العَيني: لا نسلِّم أنَّ الحنفيَّة قالوا ذلك، وإنما هو روايةُ أسد بن عَمْرو عن أبي حنيفة وحدَه، وروى الحسن عنه: أنَّ أوَّل وقت العصر إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، وهو قول أبي يوسف وزُفر واختاره الطَّحاوي، وروى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: إذا صار الظلُّ أقلُّ من قامتين يخرج وقت الظُّهر، ولا يدخل وقت العصر حتَّى يصير قامتين. وصحَّحه الكَرْخي، وفي رواية الحسن أيضًا: إذا صار ظلُّ كلِّ شيءٍ قامة خرج وقت الظُّهر، ولا يدخل وقت العصر حتَّى يصير قامتين، وبينهما وقت مهمل وهو الذي يسمِّيه الناس: بين الصلاتين. وحكى ابن قُدامة في «المغني» عن ربيعة: أنَّ وقت الظُّهر والعصر إذا زالت الشَّمس، وعن عطاء وطاوس: إذا صار كلُّ شيءٍ مثله دخل وقت الظُّهر، وما بعده وقتٌ لهما على سبيل الاشتراك حتَّى تغرب الشَّمس. وقال ابن راهويه وأبو ثور والمُزَني والطَّبَرني: إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثله دخل وقت العصر، ويبقى وقت الظُّهر قدرَ ما يصلِّي أربع ركعات، ثمَّ يتمحَّض الوقت للعصر، وبه قال مالك. انتهى. ٥٤٨ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ) أي القَعنَبي، ترجمته في باب من الدِّين الفرار من الفتن. قوله: (عَنْ مَالِكٍ) أي الإمام، ترجمته في بدء الوحي. قوله: (عَنْ إِسْحاق بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي طَلْحَةَ) واسمه: زيد بن سهل الأنصاري، ابنُ أخي أَنَس بن مالك، يكنَّى أبا يحيى، مات سنة أربع وثلاثين ومائة، قال الواقدي: كان مالك لا يُقَدَّمُ عليه أحدًا في الحديث. قلت: أعاد العَيني ترجمة إسحاق، وقد تقدَّمت في باب من قعد حيث ينتهي به المجلس. قوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابن مالك ﵁، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه. في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه القول. قوله: (قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ، ثمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلى بَنِي عَمْرو بنِ عَوْف فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّوْنَ العَصْرَ). مطابقته هذا الحديث ومطابقة بقيَّة أحاديث هذا الباب للترجمة من حيث إنَّ دلالتهما على تعجيل العصر، وتعجيله لا يكون إلَّا في أوَّل وقته، وهو عند صيرورة ظلِّ كلِّ شيء مثله، قال العَيني: أو مثليه على الخلاف. هذا الحديث أخرجه

стр. 127

البخاري أيضًا عن عبد الله بن يوسف، وأخرجه مسلم في الصَّلاة أيضًا عن يحيى بن يحيى، وأخرجه النَّسائي فيه عن سُوَيد بن نصر عن ابن المبارك. فإن قلت: هذا الحديث مسند أو موقوف؟ قال شيخنا: وإخراج المُصَنِّف لهذا الحديث مشعر بأنَّه كان يرى أنَّ قول الصحابي: كنَّا نفعل كذا، مسندٌ ولو لم يصرِّح بإضافته إلى زمن النَّبِيِّ ﷺ ، وهو اختيار الحاكم، وقال الدَّارَقُطْني والخطيب وغيرهما: هو موقوف، والحقُّ: إنَّه موقوف لفظًا مرفوع حُكمًا؛ لأنَّ الصحابي أورده في مقام الاحتجاج، فيُحمل على أنَّه أراد كونه في زمن النَّبِيِّ ﷺ . وقد روى ابن المبارك هذا الحديث عن مالك فقال فيه: ((كانَ النَّبِيُّ ﷺ يصلِّي العصر)) الحديث أخرجه النسائي. قوله: (إِلَى بَنِي عَمْرو بنِ عَوْفٍ) -بفتح العين وسكون الواو وبالفاء- وكانت منازلهم على ميلين من المدينة بقباء، قال النَّوَوي: وكانوا يصلُّون العصر في وسط الوقت؛ لأنَّهم كانوا يشتغلون بأعمالهم وحروثهم، فدلَّ الحديث على تعجيل النَّبِيِّ ﷺ بصلاة العصر في أوَّل وقتها. وسيأتي في طريق الزُّهْري عن أنس: أنَّ الرجل كان يأتيهم والشمس مرتفعة. قال العَيني: إنَّما يدلُّ ذلك على ما ذكره إذا كان الحديث مرفوعًا قطعًا، وقد ذكرنا أنَّ في مثل هذا خلافًا: هل هو موقوف أو في حكم المرفوع؟ ٥٤٩ - قوله: (حَدَّثَنَا ابنُ مُقَاتِلٍ) أي محمَّد أبو الحسن المَرْوَزي المجاور بمكَّة شرَّفها الله تعالى، وقد تقدَّم عن قريب. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا عَبْدُ اللهِ) أي ابن المبارك المتقدِّم قريبًا أيضًا. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا أَبُو بَكْرِ بنُ عُثْمَانَ) أي ابن سهل بن حُنيف -بضمِّ الحاء المهملة وفتح النُّون وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره فاء- الأنصاريُّ الأوسيُّ، سمع عمَّه أبا أمامة، مات سنة مائة. قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ) -أي بضمِّ الهمزة- واسمه: أسعد بن سهل، المولود في عهد النَّبِيِّ ﷺ ، وهو صحابي على الأصحِّ. في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك في موضعين، وفيه القول والسَّماع، وفيه رواية الصَّحابي عن الصَّحابي، وفيه راويان مروزيان والبقية مدنيون. قوله: (يَقُوْلُ: صَلَّيْنَا مَعَ عُمَر بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ الظُّهْرَ) ترجمته في كتاب الإيمان. قوله: (ثُمَّ خَرَجْنَا حتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَس بنِ مَالِكٍ) أي خادم رسول الله ﷺ ، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ. قوله: (فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي العَصْرَ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ، مَا هَذِهِ [الصَّلَاةُ] (١) الَّتي صَلَّيتَ؟ قَالَ: العَصْرُ، وَهَذِهِ صَلاةُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ الَّتي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ) مطابقته للترجمة ظاهرة. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصَّلاة عن مَنْصور بن أبي مُزاحم، وأخرجه النَّسائي فيه عن سُوَيد بن نصر كلاهما عن عبد الله بن المبارك. قوله: (دَخَلْنَا عَلَى أَنَس بنِ مَالِكٍ) وداره كانت بجنب المسجد. قوله: (يَا عَمِّ) بكسر الميم، وأصله: يا عمي، فحذفت الياء، وهذا من باب التوقير والإكرام لأنس، ولكونه أكبر سنًّا منه، مع أنَّ نسبهما يجتمع في الأنصار، ولكنَّه ليس عمَّه على الحقيقة. قوله: (مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ) أي ما هذه الصَّلاة في هذا الوقت؟ والإشارة فيه بحسب

стр. 128

تلك الصَّلاة لا بحسب شخصها، قال النَّوَوي: هذا الحديث صريح في التبكير لصلاة العصر في أوَّل وقتها؛ فإن وقتها يدخل بمصير ظلِّ كلِّ شيء مثله، ولهذا كان الآخرون يؤخِّرون الظهر إلى ذلك الوقت، وإنما أخَّرها عُمَر بن عبد العزيز ﵁ على عادة الأمراء قبله قبل أن تبلغه السنَّة في تقديمها، ويحتمل أنَّه أخَّرها لعذرٍ عرضَ له، وهذا كان حين ولي عُمَر المدينة نيابةً، لا في خلافته؛ لأنَّ أنسًا توفي قبل خلافته بنحو تسع سنين. انتهى. قال العَيني: ليس فيه تصريح في التبكير لصلاة العصر، ومثل عُمَر بن عبد العزيز كان يتبع الأمراء ويترك السنَّة. انتهى. قلت: لم يقل: إنَّه تبع الأمراء وترك السنَّة، وإنما قال: قبل أن تبلغه السنَّة في تقديمها، وإن لم يكن فيه صراحةً بالتبكير، لكن يلزم من كون صلاتهم مع عُمَر ثمَّ دخولهم على أَنَس ودارُه بجنب المسجد فوجدوه يصلِّي العصر إنَّه بكَّر بها. انتهى. قال شيخنا: وفي القصَّة دليل على أنَّ عُمَر بن عبد العزيز كان يصلِّي الصَّلاة في آخر وقتها تبعًا لسلفه إلى أن أنكر عليه عُرْوَة فرجع إليه كما تقدَّم، وإنما أنكر عليه عُرْوَة في العصر دون الظهر؛ لأن وقت الظُّهر لا كراهةَ فيه بخلاف وقت العصر، وفيه دليل على صلاة العصر في أوَّل وقتها أيضًا، وهو عند انتهاء وقت الظهر، ولهذا تشكَّك أبو أمامة في صلاة أَنَس أهي الظهر أو العصر، فيدلُّ أيضًا على عدم المفاصلة بين الوقتين. (١٣ م) (بَابُ وَقْتِ العَصْرِ) كذا في رواية المُسْتَمْلي دون غيره، قال شيخنا: وهو خطأ؛ لأنَّه تكرار بلا فائدة. انتهى. ٥٥٠ - قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) أي الحكم بن نافع البَهراني الحمصي، ترجمته في كتاب الوحي. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة، ترجمته في بدء الوحي أيضًا. قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمَّد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَس بنُ مَالِكٍ) تقدَّم آنفًا ﵁. في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإفراد من الماضي في موضع آخر، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع، وفيه العنعنة في موضع، وفيه القول، وفيه من الرُّواة حمصيَّان ومدني. قوله: (قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلى العَوَالِي فَيَأْتِيْهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ العَوَالِي مِنَ المَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ ونَحْوِهِ). مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الحديث أخرجه مسلم عن هارون بن سعيد عن ابن وَهْب عن عَمْرو بن الحارث عن الزُّهْري عن أَنَس، وأخرجه أيضًا عن قُتَيْبَة ومحمَّد بن رمح، وأخرجه أبو داود والنَّسائي عن قتيبة، وأخرجه ابن ماجَهْ عن محمَّد بن رمح. قوله: (وَالشَّمْسُ) الواو فيه للحال، وقد مرَّ في تفسير قوله: (حَيَّةٌ). قال شيخنا: وقوله بعد ذلك: (فَنَأْتِيْهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) أي دون ذلك الارتفاع، ولكنها لم تصل إلى الحدِّ الذي توصف به لأنَّها منخفضة، وفي ذلك دليل على تعجيله ﷺ بصلاة العصر لوصف الشَّمس بالارتفاع بعد أن تمضي مسافة أربعة أميال. وروى النَّسائي والطَّحاوي واللفظ له من طريق أبي الأبيض عن

стр. 129

أَنَس قال: ((كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يصلِّي بنا العصرَ والشَّمسُ بيضاءٌ محلقةٌ، ثمَّ أرجعُ إلى قومي في ناحيةِ المدينةِ فأقولُ لهم: قومُوا فصلُّوا؛ فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَدْ صلَّى)) قال الطَّحاوي: نحن نعلم أنَّ أولئك - يعني قوم أنس- لم يكونوا يصلُّونها إلَّا قبل اصفرار الشَّمس، فدلَّ ذلك على أنَّه ﷺ كان يعجلها. انتهى. قوله: (العَوَالِي) جمع عالية، وهي القرى الَّتي حول المدينة من جهة البحر، وأما من جهة تهامة فيقال لها: السافلة. قوله: (وَبَعْضُ العَوَالِي مِنَ المَدِيْنَةِ...) إلى آخره، قال الكِرْماني: إما كلام البخاري وإما كلام أنس، قال العَيني: الظَّاهر إنَّه من الزهري. وجزم شيخنا إنَّه مدرج من كلام الزهري، في حديث أَنَس بيَّنه عبد الرزَّاق عن مَعْمَر عن الزُّهْري في هذا الحديث فقال فيه بعد قوله: (والشَّمْسُ حَيَّةٌ) قال الزُّهْري: والعوالي من المدينة على ميلين أو ثلاثة، ولم يقف الكِرْماني على هذا فقال ذلك على عادته. انتهى. وروى البَيْهَقي حديث الباب من طريق أبي بكر الصَّغاني عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه، وقال في آخره: ((وبُعْدُ العَوَالِي)) -بضمِّ الباء الموحدة وبالدال المهملة- وكذلك أخرجه المُصَنِّف في الاعتصام تعليقًا، ووصله البَيْهَقي من طريق اللَّيث عن يُونُس عن الزُّهْري لكن قال: ((أربعة أميال أو ثلاثة)). وروى هذا الحديث أبو عَوانة في «صحيحه» وأبو العبَّاس السَّرَّاج جميعًا عن أحمد بن الفَرَج أبي عُتْبَة عن محمَّد بن حِمير عن إبراهيم بن أبي عَبْلة عن الزُّهْري ولفظه: ((والعوالي منَ المدينةِ على ثلاثةِ أميالٍ))، وأخرجه الدَّارَقُطْني عن المُحاملي عن أبي عُتْبَة المذكور بسنده المذكور، فوقع عنده: ((على ستَّة أميالٍ))، ورواه عبد الرزَّاق عن مَعْمَر عن الزُّهْري فقال فيه: ((على مِيلَين أو ثلاثة))، فيحصل من ذلك أنَّ أقرب العوالي من المدينة مسافة ميلين، وأبعدها مسافة ستَّة أميال إن كانت رواية المُحاملي محفوظة، ووَقَعَ في «المدونة» عن مالك: أبعد العوالي مسافة ثلاثة أميال، قال عياض: كأنَّه أراد تعظيم عمارتها، وإلا ما بعدها ثمانية أميال. انتهى. وبذلك جزم ابن عبد البرِّ وغير واحد آخرهم صاحب «النِّهاية»، ويحتمل أنَّه يكون أراد إنَّه أبعد الأمكنة الَّتي يذهب إليها الذاهب في هذه الواقعة. قال العَيني: عُلِمَ من هذه الاختلافات أنَّ أقرب العوالي من المدينة مسافة ميلين، وأبعدها ثمانية أميال، وأمَّا الثلاثة والأربعة والستَّة باعتبار القرب والبعد من المدينة، وبهذا الوجه يحصل التوفيق بين هذه الرِّوايات. والميل: ثلث فرسخ، أربعة آلاف ذراع بذراع محمَّد بن فرج الشَّاشي، طولها أربعة وعشرون إصبعًا بعدد حروف (لا إله إلَّا الله محمَّد رسول الله) وعرض الإصبع ستّ حبات شعير ملصقة ظهرًا لبطن وزنة الحبة من الشعير سبعون حبَّة خردل، وفسَّر أبو شجاع الميل بثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة دراهم إلى أربعة آلاف ذراع، وفي «الينابيع» : الميل ثلث الفرسخ، أربعة آلاف خطوة، كلُّ خطوة ذراع ونصف بذراع العامَّة، وهو أربعة وعشرون إصبعًا. ٥٥١ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوْسُفَ) أي التَّنِّيسي، ترجمته في بدء الوحي. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا مَالِكٌ) أي ابن أنس، ترجمته في البدء أيضًا. قوله: (عَنِ ابنِ شِهَابٍ) أي محمَّد بن مسلم،

стр. 130

تقدَّم عن قريب. قوله: (عَنْ أَنَس بنِ مَالِكٍ) تقدَّم عن قريب أيضًا. في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول. قوله: (كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ، ثمَّ يَذهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءٍ فَنَأْتِيْهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ). قوله: (كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ) أي مع النَّبِيِّ ﷺ كما يظهر ذلك من الطرق الأخرى، وقد رواه خالد بن مَخْلَد عن مالك كذلك مصرحًا به، أخرجه الدَّارَقُطْني في «غرائبه». قوله: (ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى) وكأنَّ أنسًا أراد بالذاهب نفسَه كما تُشعر بذلك رواية أبي الأبيض المتقدِّمة، وقال ابن عبد البرِّ: لم يختلف على مالك أنَّه قال في هذا الحديث: (إلى قباء)، ولم يتابعه أحد من أصحاب الزُّهْري، بل كلُّهم يقولون: ((إِلَى العَوَالِي))، وهو الصَّواب عند أهل الحديث، قال: وقول مالك: (إِلَى قُبَاءٍ) وَهْمٌ لا شكَّ فيه، وتعقِّب بأنَّه روي عن ابن أبي ذئب عن الزُّهْري: ((إِلَى قُبَاءٍ)) كما قال مالك، نقله الباجي عن الدَّارَقُطْني، فنسبة الوهم فيه إلى مالك منتفي؛ فإنَّه إن كان وهمًا احتمل أن يكون منه، واحتمل أن يكون من الزُّهْري حين حدَّث به مالكًا، وقد رواه خالد بن مَخْلَد عن مالك فقال فيه: ((إِلَى العَوَالِي)) كما قال الجماعة، فقد اختلف فيه على مالك، وتوبع عن الزُّهْري، بخلاف ما جزم به ابن عبد البرِّ، وأما قوله: الصَّواب عند أهل الحديث: (العَوَالِي) فصحيح من حيث اللفظ، ومع ذلك فالمعنى متفاوت، لكن رواية مالك أخصُّ؛ لأنَّ قباء من العوالي وليس العوالي كلَّ قباء، ولعل مالكًا لما رأى في رواية الزُّهْري إجمالًا حملها على الرواية المفسِّرة، وهي روايته المتقدِّمة عن إِسْحاق حيث قال فيها: ((ثُمَّ يَخْرُجُ الإنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرو بنِ عَوْفٍ)) وقد تقدَّم أنَّهم أهل قباء، فبنى مالك على أنَّ القصَّة واحدة؛ لأنَّهما جميعًا حدَّثاه عن أَنَس والمعنى متقارب. قال شيخنا: فهذا الجمع أولى من الجزم بأن مالكًا وهم فيه وأمَّا استدلال ابن بطَّال على أنَّ الوهم فيه ممن دون مالك برواية خالد بن مَخْلَد المتقدِّمة الموافقة لرواية الجماعة عن الزُّهْري ففيه نظرٌ لأن مالك أثبته في «الموطأ» باللَّفظ الذي رواه عنه كافة أصحابه، فرواية خالد بن مَخْلَد عنه شاذَّة، فكيف تكون دالة على أنَّ رواية الجماعة وهمٌ؟! بل إن سلَّمنا إنَّها وهمٌ فهو من مالك كما جزم به البخاري والدَّارَقُطْني ومن تبعهما، أو من الزُّهْري حين حدَّث به، والأولى سلوك طريق الجمع الَّتي أوضحناها، والله الموفق. قال ابن رُشْد: قضى البخاري بالصَّواب لمالك بأحسن إشارة وأوجز عبارة؛ لأنَّه قدَّم أولًا المجمل ثمَّ أتبعه بحديث مالك المفسِّر المُعَيِّن. قوله: (إِلَى قُبَاءٍ) تقدَّم ضبطه في باب ما جاء في القبلة. قوله: (فَنَأْتِيْهِمْ) أي فيأتي أهل قُباء، وهو على حدِّ قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَة﴾ [يوسف: ٨٢] والله أعلم. قوله: (وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) الواو فيه للحال، قال النَّوَوي: في الحديث المبادرة بصلاة العصر في أوَّل وقتها؛ لأنَّه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين أو أكثر والشمس لم تتغير، ففيه دليل للجمهور في أنَّ أوَّل وقت العصر مصير كلِّ شيء مثله خلافًا لأبي حنيفة ﵀، وقد مضى ذلك في الباب

стр. 131

الذي قبله. (١٤) (بَابُ إِثْمِ مَنْ فَاتَهُ العَصْرُ) أي هذا باب في بيان إثم من فاتته صلاة العصر، والمراد بفواتها: تأخيرها عن وقت الجواز بغير عذر؛ لأنَّ ترتب الإثم على ذلك، وسيأتي البحث في ذلك. ٥٥٢ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنا مَالِكٌ) تقدَّم التنبيه عليهما في الباب السابق. قوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي ابن جرجس مولى ابن عمر، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد. قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب، ترجمته في كتاب الإيمان. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك، وفيه العنعنة في موضعين. قوله: (أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: الَّذِي تَفُوْتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ). هذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائي أيضًا من طريق مالك، وأخرجه الكَشِّي من حديث حمَّاد بن سلمة عن نافع وزاد في آخره: ((وهو قاعدٌ))، وكذا رواه النَّسائي عن نَوفَل بن معاوية كرواية ابن عُمَر، وفي «الأوسط» للطَّبَراني: أنَّ نوفلًا رواه عن أبيه معاوية بلفظ: ((لأنْ يوتَر أحدُكم أهلَه ومالَه خيرٌ له من أن تفوتَه صلاةُ العصرِ))، وقال الذَّهَبي: نَوفَل بن معاوية الدِّيلي شهد الفتح، وتوفِّي بالمدينة زمن يزيد، روى عنه جماعة، وقال في باب الميم: معاوية بن نَوفَل الدِّيلي صحابي روى عنه أبيه. قوله: (الَّذِي تَفُوْتُهُ) قال ابن بَزبزَة: فيه ردٌّ على من كره أن يقول: فاتتنا الصلاة. قوله: (صَلَاةُ العَصْرِ) في رواية الكُشْمِيهَني، وفي رواية غيره:<يَفُوْتُهُ العَصْرُ>. قوله: (كَأَنَّمَا) كذا هو في رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِيهَني: <فَكَأَنَّمَا> بالفاء، قال العَيني: والمبتدأ إذا تضمَّن معنى الشرط جاز في خبره الفاء وتركها. انتهى. قوله: (وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ) بنصب اللَّامين في رواية الأكثرين؛ لأنَّه مفعول ثان لقوله: (وُتِرَ) وهو على صيغة المجهول، والضمير فيه يرجع إلى قوله: (الَّذِي تَفُوْتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ) وهو المفعول الأوَّل، قلت: قول العيني: والضمير فيه يرجع إلى قوله: (الَّذِي) إذا نظر إليه من ليس له إلمام كبير بتراكيب الكلام يظنُّ أنَّ الضَّمير يرجع إلى الجملة الداخل عليها (إِلَى) وليس كذلك، وإنما الضَّمير يرجع إلى (الَّذِي) فقط، وقد سلم شيخنا من ذلك، فإنَّه قال: وأضمر في (وُتِرَ) مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعلُه، وهو عائد على الذي فاتته، فالمعنى: أصيب بأهله وماله، وهو متعدٍّ إلى مفعولين، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] وإلى هذا أشار المُصَنِّف فيما وَقَعَ في رواية المُسْتَمْلي، قال أبو عبد الله: (يَتِرَكُمْ). انتهى. فإن قلت: الفعل الذي يقتضي مفعولين يكون من أفعال القلوب، و (وُتِرَ) ليس منها، قال العَيني: إذا كان أحد المفعولين غير صريح يأتي أيضًا من غير أفعال القلوب وههنا كذلك، و (وُتِرَ) ههنا متعدٍّ إلى مفعولين بهذا الوجه، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] أي لن ينقصكم أعمالكم، فعلى هذا المعنى في (وُتِرَ) نُقِصَ، من: وترته إذا نقصته، فكأنَّك جعلته وترًا بعد أن كان كثيرًا، وقيل: معناه هنا: سُلب أهلَه وماله فبقي وترًا ليس له أهل ولا مال، وقال النَّوَوي: روي برفع اللامين. قال العَيني: هي رواية المُسْتَمْلي ووجها: إنَّه لا يضمر شيء في (وُتِرَ)، بل يقوم الأهل مقام ما لم يُسم فاعله، وماله عطف عليه. وقال ابن الأثير: مَن ردَّ النقصَ

стр. 132

إلى الرجل نصبها، ومن رده إلى الأهل والمال رفعهما، وقيل: معناه: وتر في أهله، فلمَّا حذف الخافض انتصب، وقيل: إنَّه بدل اشتمال أو بدل بعض، ومعناه: انتزع منه أهله وماله. وقال الجوهري: الموتَر: الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول منه: وتَره يتِره وَترًا ووِترًا وتِرَةً. قال العَيني: أصل تِرة وِترة، فحذفت منها الواو تبعًا لفعله المضارع وهو يَتِر؛ لأنَّ أصله يوتر، فحذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة، فلما حذفت الواو في المصدر عوض عنها التَّاء كما في عدة. وتكلَّموا في معنى هذا الحديث، فقال الخطَّابيُّ: نقص هو وأهله وماله وسلبهم فبقي بلا أهل ولا مال، فالتحذر من تفويتها كحذره من ذهاب أهله وماله. وقال أبو عُمَر: معناه: كالذي يصاب بأهله وماله إصابة يطلب بها وترًا، وهي الجناية الَّتي تطلب ثأرها، فيجتمع عليه غمّان: غمُّ المصيبة ومقاساة طلب النَّار. وقال الداودي: يتوجَّه عليه من الاسترجاع ما يتوجَّه على من فقد أهله وماله، فيتوجَّه عليه النَّدم والأسف لتفويته الصَّلاة. وقيل: معناه: فاته من الثواب ما يلحقه من الأسف كما يلحق من ذهب أهله وماله. ثم اختلفوا في المراد بفوات العصر في هذا الحديث، فقال ابن وَهْب وغيره: هو فيمن لم يصلِّها في وقتها، وقال الأَصِيلي وسَحْنون: هو أن تفوته بغروب الشَّمس، وقيل: أن يفوتها إلى أن تصفرَّ الشَّمس، قال العَيني: وقد ورد مفسَّرًا من رواية الأوزاعي في هذا الحديث، قال: وفواتها أن تدخل الشَّمس صفرةٌ. قال شيخنا: ومما يدلُّ على أنَّ المراد بتفويتها إخراجها عن وقتها ما وَقَعَ في رواية عبد الرزاَّق، فإنَّه أخرج هذا الحديث عن ابن جُرَيج عن نافع فذكر نحوه وزاد: قلت لنافع: حتَّى تغيب الشَّمس؟ قال: نعم. وتفسير الرَّاوي إذا كان فقيهًا أولى من غيره. انتهى. وروى سالم عن أبيه إنَّه قال: هذا فيمن فاتته ناسيًا. وقال الدَّاوُدي: هو في العامد، وكأنَّه أظهرُ؛ لما في البخاري: ((مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ))، وهذا ظاهر في العمد. قلت: تعليل العَيني بهذا الحديث فيه نظر؛ لأنَّ معناه غير معنى حديث الباب، فلا شكَّ أنَّ فقد الأهل والمال أهون من أن يحبط العمل، والله أعلم. انتهى. وقال المُهَلَّب: هو فواتها في الجماعة؛ لما يفوته من شهود الملائكة اللَّيلية والنَّهاريَّة، ولو كان فواتها بغيبوبة أو اصفرار لبطل الاختصاص؛ لأنَّ ذهاب الوقت كلِّه موجود في كلِّ صلاة. وقال أبو عُمَر: يحتمل أن يكون تخصيص العصر لكونه جوابًا لسائل سأل عن صلاة العصر، وعلى هذا يكون حكم من فاته الصُّبح بطلوع الشَّمس والعشاء بطلوع الفجر كذلك. وخصَّت العصرُ لفضلها ولكونها مشهودة، وقيل: خُصَّتْ بذلك تأكيدًا وحضًّا على المثابرة عليها؛ لأنَّها تأتي في وقت اشتغال الناس، وقيل: يحتمل إنَّها خُصَّتْ بذلك لأنَّها على الصحيح إنَّها الصَّلاة الوسطى وبها تختم الصلوات، واعترض النَّوَوي لابن عبد البرِّ في قوله: فعلى هذا يكون حكم من فاته الصُّبح إلى آخره؛ أنَّ غير المنصوص إنَّما يلحق بالمنصوص إذا عرفت العلَّة واشتركا فيها، قال: والعلَّة في هذا الحكم لم تتحقق فلا يلحق غير العصر بها. انتهى. قال العَيني: لقائل أن يحتجَّ لابن

стр. 133

عبد البرِّ بما رواه ابن أبي شَيْبَة وغيره من طريق أبي قِلابة عن أبي الدرداء مرفوعًا: ((مَنْ تركَ صلاةً مكتوبةً حتَّى تفوتَهُ)) الحديث، قال شيخنا: في إسناده انقطاع؛ لأن أبا قِلابة لم يسمع من أبي الدرداء، وقد روى أحمد حديث أبي الدرداء بلفظ: ((مَنْ تركَ العصرَ)) فرجع حديث أبي الدرداء إلى تعيين العصر. قلت: روى ابن حبَّان وغيره عن نَوفَل بن معاوية مرفوعًا: ((مَنْ فاتتَهُ الصَّلاة فكأنَّما وترَ أهلَه ومالَه)) وهذا يشمل جميع الصَّلوات المكتوبات، ولكن روى الطَّبَرَاني هذا الحديث - أعني حديث الباب- من وجه آخر وزاد فيه عن الزُّهْري: قلت لأبي بكر - يعني ابن عبد الرحمن -وهو الذي حدَّثه به: ما هذه الصلاة؟ قال: العصر. ورواه ابن أبي خيثمة من وجه آخر، فصرَّح بكونها العصر في نفس الخبر، ورواه الطَّحاوي والبَيْهَقي من وجه آخر، وفيه أنَّ التفسير من قول ابن عُمَر ﵄. واعترض ابن التِّين على قول المُهَلَّب المذكور عن قريب: بأنَّ الفجر أيضًا فيها شهود الملائكة اللَّيليَّة والنَّهاريَّة، فلا يختصُّ العصر بذلك، قال: والحقُّ أنَّ الله تعالى يخصُّ ما شاء من الصَّلوات بما شاء من الفضيلة. وبوَّب التِّرْمِذي على حديث الباب: ما جاء في السَّهو عن وقت العصر، فحمله على السَّاهي، قال العَيني: لا تطابق بين ترجمته وبين الحديث؛ فإنَّ لفظ الحديث (الَّذِي تَفُوْتُهُ) أعمُّ من أن يكون ساهيًا أو عامدًا، وتخصيصه بالساهي لا وجه له، بل القرينة دالة على أنَّ المراد بهذا الوعيد في العامد دون السَّاهي. قال شيخنا: ويؤخذ منه التنبيه على أنَّ أسف العامد أشدُّ؛ لاجتماع فقد الثواب وحصول الإثم. قال ابن عبد البرِّ: في هذا الحديث إشارة إلى تحقير الدُّنْيا وأنَّ قليل العمل خير من كثير منها وقال ابن بطَّال: لا يوجد حديث يقوم مقام هذا الحديث؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] قال: ولا يوجد حديث فيه تكييف المحافظة غير هذا الحديث. انتهى. قوله: (قَالَ: أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي البخاري نفسه، ترجمته في مقدِّمة الشَّرح. قوله: (يَتِرَكُمْ) وترت الرجل إذا قتلت له قتيلًا وأخذت ماله، وقد تقدَّم أنَّ البخاري أشار بهذا إلى لفظة (يَتِرَكُمْ) في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُم﴾ [محمد: ٣٥] حيث نصب (يَتِرَ) مفعولين أحدهما كاف الخطاب والثاني لفظ: (أعمالَكم) وإنَّه متعدٍّ إلى مفعولين، وهذا يؤيِّد نصب اللَّامين في الحديث، وأشار بقوله: وترت الرجل، إلى أنَّه يتعدَّى إلى مفعول واحد، وهو يؤيِّد رواية المُسْتَمْلي. (١٥) (بَابُ إِثْمِ مَنْ تَرَكَ العَصْرَ) أي هذا باب في بيان إثم من ترك صلاة العصر، قيل: لا فائدة في هذا التبويب؛ لأنَّ الباب السَّابق يغني عنه، وكان ينبغي أن يذكر حديث هذا الباب في الباب الذي قبله؛ لأنَّ كلًّا منهما في الوعيد، قال العَيني: بينهما فرَّق دقيق، وهو أنَّهم قد اختلفوا في المراد في معنى التفويت. قال ابن رُشَيد: أجاد البخاري ﵀ حيث اقتصر على صدر الحديث فأبقى فيه محلًّا للتأويل. انتهى. قلت: أي اقتصر في الترجمة على صدر الحديث. انتهى. ٥٥٣ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ) أي الأَزْدي الفراهيدي البصري القصَّاب، يكنَّى أبا عَمْرو، ترجمته.

стр. 134

في باب زيادة الإيمان قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي ابن أبي عبد الله الدَّسْتُوائي، ترجمته في الباب أيضًا. قوله: (قالَ: أَخْبَرَنا يَحْيَى بنُ أَبِي كَثِيْرٍ) أي صالح بن المتوَّكل، ترجمته في باب كتابة العلم. قوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) أي -بكسر القاف- عبد الله بن زيد الجَرْمي، ترجمته في باب حلاوة الإيمان. قوله: (عَنْ أَبِي المَلِيْحِ) -أي بفتح الميم وكسر اللَّام وبالحاء المهملة- واسمه عامر بن أسامة الهُذَلي، مات سنة ثمان وتسعين. قوله: (قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ) أي -بضمِّ الباء الموحَّدة وفتح الرَّاء وسكون الياء آخر الحروف، وبالدَّال المهملة- ابن الحُصَيب -بضمِّ الحاء المهملة وفتح الصَّاد المهملة وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره باء موحَّدة- الأَسْلمي، رُوي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، للبخاري منها ثلاثة، مات غازيًا بمرو وهو آخر من مات من الصحابة بخراسان سنة اثنتين وستين. في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع باتفاق الرُّواة عن مسلم بن إبراهيم، وفيه التَّحديث بصيغة الجمع عن هشام عند أبي ذرٍّ، وعند غيره: (أَخْبَرَنَا) بصيغة الجمع، وفيه الإخبار بصيغة الجمع عن يحيى عند أبي ذرٍّ، وعند غيره: (حَدَّثَنَا) وفيه العنعنة عن أبي قِلابة عن أبي المليح، وعند ابن خُزَيمَة من طريق أبي داود الطَّيالِسي عن هشام عن يحيى: أنَّ أبا قِلابة حدَّثه، وعند البخاري في باب التبكير بالصلاة في يوم الغيم عن حمَّاد بن فَضَالة عن هشام عن يحيى عن أبي قِلابة: (أنَّ أَبَا المَلِيْحِ حَدَّثَهُ). قال شيخنا: وسقط عند الأَصِيلي ابن إبراهيم من قوله: حدَّثنا مسلم بن إبراهيم. وفيه ثلاثة من التَّابعين على الولاء، وفيه أنَّ الرُّواة كلُّهم بصريون، وفيه القول في ثلاثة مواضع. قوله: (فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِيْ غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلَاةِ العَصْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ). هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا عن معاذ بن فَضَالة، وأخرجه النَّسائي في الصَّلاة أيضًا، عن عُبَيْد الله بن سعيد عن يحيى عن هشام به، ورواه ابن خُزَيمَة كما رواه البخاري، وأخرجه ابن ماجَهْ وابن حبَّان من حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قِلابة عن أبي المهاجر عنه، قال ابن حبَّان: وهم الأوزاعي في تصحيفه عن يحيى فقال: عن أبي المهاجر، وإنما هو أبو المُهَلَّب عمُّ أبي قِلابة عن عمِّه عنه على الصَّواب. واعترض عليه أيضًا المقدسي فقال: الصَّواب أبو المَليح عن أبي بُرَيدة. قوله: (ذِيْ غَيْمٍ) صفة يوم، ومحلُّ (فِي غَزْوَةٍ) و (فِي يَوْمٍ) نصب على الحال، وإنَّما خصَّ يوم الغيم لأنَّه مظنَّة التأخير؛ لأنَّه ربَّما يشتبه عليه فيخرج الوقت بغروب الشَّمس. قال شيخنا: قيل: خُصَّ يوم الغيم بذلك لأنَّه مظنَّة التأخير، أمَّا المتنطع يحتاط لدخول الوقت فيبالغ في التأخير حتَّى يخرج الوقت أو لمتشاغل بأمر آخر فيظنُّ بقاء الوقت فيسترسل في سلعة إلى أن يخرج الوقت. انتهى. قلت: المتنطع: المتغالي في الأمور، المشدِّد في غير موضع التشديد. انتهى. قوله: (بَكِّرُوا) أي أسرعوا وعجِّلوا وبادروا، وكلَّ من بادر إلى الشيء فقد بكَّر وأبكَّر إليه أيَّ وقت كان، فقال بكِّروا بصلاة المغرب؛ أي صلُّوها عند سقوط القرص. قال شيخنا: التبكير

стр. 135

يطلق لكلِّ من بادر بأيِّ شيء ٍكان في أي وقت كان، وأصله المبادرة بالشيء أوَّل النَّهار. قوله: (فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ الفاء للتعليل، وقد استُشكل معرفة تيقن دخول الوقت مع وجود الغيم؛ لأنَّهم لم يكونوا يعتمدون فيه إلَّا على الشَّمس، وأجيب باحتمال أنَّ بريدة قال ذلك عند معرفة الوقت؛ لأنَّه لا مانع في يوم الغيم من أن تظهر الشَّمس أحيانًا، ثمَّ إنَّه لا يشترط إذا احتجبت الشَّمس اليقين، بل يكفي الاجتهاد. انتهى. قوله: (مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ) زاد مَعْمَر في روايته: ((متعمدًا)) وكذا أخرجه أحمد من حديث أبي الدرداء، قال العَيني: كلمة (مَنْ) موصولة تتضمَّن معنى الشرط في محل الرَّفع على الابتداء، وخبره (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) ودخول الفاء فيه لأجل تضمُّن المبتدأ الشرط. قوله: (فَقَدْ حَبِطَ) سقط من رواية المُسْتَمْلي، وفي رواية مَعمَر: ((أَحْبَطَ اللهُ عملَهُ)). انتهى. وقال العَيني: و (حَبِطَ) -بكسر الباء الموحدة- أي بطل، يقال: حَبِط يَحبَط من باب عَلِم يَعلَم، فقال: حبط عملُه وأَحبَطه غيرُه، وهو من قولهم: حَبِطَت الدابة حَبَطًا بالتحريك إذا أصابت مرعىً طيبًا فأفرطت في الأكل حتَّى تنتفخ فتموت. انتهى. احتجَّ الحنفيَّة بهذا الحديث على أنَّ المستحبَّ تعجيل العصر يوم الغيم، واحتجَّ به الخوارج وجماعة من غيرهم على تكفير أهل المعاصي، قالوا: وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُه﴾ [المائدة: ٥]، وردَّ عليهم أبو عُمَر بن عبد البرِّ بأن مفهوم الآية: أنَّ من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله، فيتعارض مفهوم الآية ومنطوق الحديث، فإذا كان كذلك يتعيَّن تأويل الحديث؛ لأنَّ الجمع إذا كان ممكنًا كان أولى من الترجيح. قال شيخنا: فتأوَّل الجمهور الحديث وافترقوا في تأويله فرقًا؛ فمنهم من أوَّل سبب الترك، ومنهم من أوَّل الحبط، ومنهم من أوَّل العمل، فقيل: المراد من تركها جاحدًا لوجوبها أو معترفًا لكن مستخفًّا مستهزئًا لمن أقامها، وتعقِّب بأن الذي فهمه الصحابي إنَّما هو التفريط، وبهذا أمر بالمبادرة إليها، وفهمه أولى من فهم غيره كما تقدَّم، وقيل: المراد مِن تركها متكاسلًا، لكن خرج الوعيد مخرج الزَّجر الشديد وظاهره غير مراد كقوله: ((لا يزني الزَّاني حينَ يزني وهوَ مؤمنٌ))، وقيل: هو من مجاز التشبيه، كأنَّ المعنى: فقد أشبه من حبط عمله. وقيل: معناه كاد أن يحبط عمله. وقيل: المراد بالحبط نقصان العمل في ذلك الوقت الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله، وكأنَّ المراد بالعمل الصَّلاة خاصة، أي لا يحصل على أجر من صلَّى العصر ولا يرتفع له عملها حينئذ، وقيل: المراد بالحبط الإبطال، أي يبطل انتفاعه بعمله في وقتٍ ما ثمَّ ينتفع به، كمن رجحت سيئاته على حسناته فإنَّه موقوف في المشيئة، فإن غفر له فمُجَرَّد الوقوف إبطال نفع الحسنة إذ ذاك، وإن عدت ثمَّ غفر له فكذلك، قال معنى ذلك القاضي أبو بكر بن العربي، وقد تقدَّم مبسوطًا في كتاب الإيمان في باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله، ومحصَّل ما قال: أنَّ المراد بالحبط في الآية غير المراد بالحبط في الحديث. وقال في «شرح الترمذي» : الحبط على قسمين: حبط إسقاط، وهو إحباط الكفر للإيمان وجميع الحسنات، وحبط موازنة، وهو إحباط المعاصي للانتفاع بالحسنات عند رجحانها عليها إلى أن تحصل النَّجاة فيرجع إليه جزاء حسناته. وقيل: المراد بالعمل في الحديث

стр. 136

عمل الدُّنْيا الذي سبَّب الاشتغال به ترك الصَّلاة، بمعنى: إنَّه لا ينتفع به ولا يُمتع، وأقرب هذه التأويلات قول من قال: إنَّ ذلك خرج مخرج الزَّجر الشديد، وظاهره غير مراد، والله أعلم. انتهى. قال العَيني: وهو قول ابن بَزيزَة. وعلَّله العَيني بأنَّ الأعمال لا يحبطها إلَّا الشرط، كذا رأيته بخطه، وصوابه: إلَّا الشِّرك. انتهى. واحتجَّ به بعض الحنابلة من أنَّ تارك الصَّلاة يكفر، وردَّ بأنَّ ظهره متروك، والمراد به التغليظ والتهديد، والكفر ضدُّ الإيمان، وتارك الصَّلاة لا ينفى عنه الإيمان، وأيضًا: لو كان الأمر كما قالوا لما اختُصَّتِ العصر بذلك، ووجه اختصاص العصر بذلك فلأنه وقت ارتفاع الأعمال، ووقت اشتغال النَّاس بالبيع والشِّراء في هذا الوقت بأكثر من وقت غيره، ووقت نزول ملائكة اللَّيل. قلت: ويمكن أن يقال: اختصاص العصر بذلك لأنَّه وقت تجلِّي؛ لأنَّ الله ينظر إلى أهل الدُّنْيا في هذا الوقت، وعلى هذا يكون المراد بحبط العمل سقوط عمله لصلاة العصر في هذا الوقت من نظر الله، والله أعلم. انتهى. (١٦) (بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ العَصْرِ) أي هذا باب في بيان فضل صلاة العصر، والمناسبة بين هذه الأبواب ظاهرة. قال شيخنا: فضل صلاة العصر، أي على جميع الصَّلوات إلَّا الصُّبح، وإنَّما حملته على ذلك؛ لأنَّ حديثي الباب لا يظهر منهما رجحان العصر عليها، ويحتمل أن يكون المراد: أنَّ العصر ذات فضيلة لا ذات أفضليَّة. انتهى. قال العَيني: هذا التقدير فيه تَعَسُّف، ولأنَّ جميع الصَّلوات منزلة في الفضل، غاية ما في الباب: أنَّ لصلاة الفجر والعصر مزية على غيرهما، وإنما خُصَّ العصر بالذكر للاكتفاء كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيْلَ تَقِيْكُمُ الحَرَ﴾ [النحل: ٨١] أي والبرد أيضًا. ٥٥٤ - قوله: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) -أي بضمِّ الحاء المهملة- واسمه عبد الله بن الزُّبَيْر بن عيسى بن عبد الله بن الزُّبَيْر بن عبد الله بن حُمَيْد، ونسبه إلى جدِّه حُمَيْد القُرَشي المكِّي، مات سنة تسع عشرة ومائتين. قلت: تقدَّمت ترجمته في بدء الوحي، وأعاد العَيني بعضها ههنا. انتهى. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا مَرَوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ) أي ابن الحارث الفَزَاري، مات بدمشق سنة ثلاث وتسعين ومائة. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ) أي ابن أبي خالد -بالخاء المعجمة- ترجمته في باب يتلو باب أمور الدِّين. قوله: (عَنْ قَيْسٍ) أي ابن أبي حازم -بالحاء المهملة- ترجمته في باب الدين النصيحة. قوله: (عَنْ جَرِيْرِ بنِ عَبْدِ اللهِ) أي ابن جابر البجلي ﵁، ترجمته في الباب أيضًا. في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، والعنعنة في موضعين، وفيه القول، ووَقَعَ عند ابن مردويه من طريق شُعْبَة عن إسماعيل التصريح بسماع إسماعيل من قيس وسماع قيس عن جرير، وفيه ذكر الحُميدي فنسبه إلى أحد أجداده، وإنَّه من أفراد البخاري، وفيه أنَّ رواته ما بين مكي وكوفي، وفيه رواية التَّابعي عن التابعي، وهما إسماعيل وقيس، وفيه أنَّ أحد الرُّواة من المخضرمين. قلت: تقدَّم الكلام على الخضرمة في باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] في كتاب الإيمان. انتهى. قوله: (قَالَ: كُنَّا

стр. 137

عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَظَرَ إِلى القَمَرِ لَيلَةً فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَونَ هَذَا القَمَرَ لَا تُضَامُوْنَ في رُؤيَتِهِ، فِإِنِ استَطَعْتُمْ إلَّا تُغلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوْعِ الشَّمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافعَلُوا. ثمَّ قَرَأَ: ﴿فسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمس وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]) قَالَ إِسْمَاعِيْلُ: افْعَلُوا لا تَفُوْتَنَّكُمْ. مطابقته للترجمة تأخذ من قوله (قَبْلَ غُرُوْبِهَا) أي قبل غروب الشَّمس، والصَّلاة في هذا الوقت هي صلاة العصر، قال العَيني: ولو قال باب فضل صلاة الفجر والعصر لكان أولى؛ لأنَّ المذكور في الحديث والآية صلاة الفجر والعصر. هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا عن مُسَدَّد عن يحيى بن سعيد في الصَّلاة أيضًا، وأخرجه في التفسير عن إِسْحاق بن إبراهيم عن جرير، وفي التَّوحيد عن عَمْرو بن عَوْف عن خالد وهُشَيم، وعن يوسف بن موسى عن عاصم، وعن عَبْدَة بن عبد الله، وأخرجه مسلم في الصَّلاة عن زُهَير بن حرب عن مروان به، وعن أبي بكر بن أبي شَيْبَة عن عبد الله بن نُمَير وأبي أسامة ووكيع ثلاثتهم عن إسماعيل به، وأخرجه أبو داود في السنَّة عن عُثْمان بن أبي شَيْبَة عن جرير ووكيع وأبي أسامة به، وأخرجه النَّسائي عن يحيى بن كثير وعن يعقوب بن إبراهيم، وأخرجه ابن ماجَهْ في السُّنَّة عن محمَّد بن عبد الله بن نُمَير عن أبيه ووكيع، وعن علي بن محمَّد عن خالد يعلى بن عُبَيْد ووكيع وأبي معاوية أربعتهم عن إسماعيل به. قوله: (فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً) زاد مسلم: ((ليلة البدر))، وكذا للمُصَنِّف من وجه آخر، وهو حال من العنعنة أيضًا كما سيأتي في باب صلاة الفجر، وسنذكر اختلاف الروايات فيه. قال العَيني: الظَّاهر أنَّ (لَيْلَةً) نصب على الظرفية، والتقدير: نظر إلى القمر في ليلة من الليالي. قال الكِرْماني: الظَّاهر إنَّه من باب تنازع الفعلين عليه. قوله: (لَا تُضَامُونَ) رُوي بضمِّ التَّاء وتخفيف الميم من الضَّيم وهو التعب، وبتشديدها من الضمِّ، وفتح التَّاء وتشديد الميم، قال الخطَّابيُّ: يروى على وجهين: أحدهما مفتوحةَ التَّاء مشددة الميم، وأصله: تتضامون، حذفت إحدى التاءين، أي لا يضام بعضكم بعضًا كما يفعله النَّاس في طلب الشيء الخفي الذي لا يسهل دركه، فيتزاحمون عنده يريد أنَّ كلَّ واحد منهم دارع مكانه لا ينازعه في رؤيته أحد، والآخر: لا تضامون من الضيم، أي لا يضيم بعضكم بعضًا في رؤيته. وقال التَّيْمي: (لا تُضَامُّونَ) -بتشديد الميم- مراده أنَّكم لا تختلفون إلى بعض فيه حتَّى تجتمعوا للنظر وينضم بعضكم إلى بعض فيقول واحد: هو ذاك، ويقول الآخر: ليس كذلك كما يفعله النَّاس عند النظر إلى الهلال أوَّل الشَّهر، وبتخفيفها معناه: لا يضيم بعضكم بعضًا بأن يدفعه عنه أو يستأثر به دونه، وقال ابن الأَنْباري: أي لا يقع لكم في الرؤية ضَيم وهو الذلُّ، وأصله: تضيمون، فألقيت حركة التَّاء على الضاد، فصارت الياء ألفًا لانفتاح ما قبلها. وقال ابن الجوزي: لا تضامون بضمِّ التَّاء المُثَنَّاة من فوق وتخفيف الميم، وعليه أكثر الرواة، والمعنى: لا ينالكم ضيم، والضيم أصله الظلم، وهذا الضيم يلحق الرائي من وجهين: أحدهما من مزاحمة الناظرين له، أي لا تزدحمون في رؤيته فيراه بعضكم دون بعض، ولا يظلم بعضكم بعضًا، والثاني من تأخره

стр. 138

عن مقام الناظر المحقق، فكأنَّ المتقدِّمين ضاموه، ورؤية الله يستوي فيها الكلُّ بلا ضيم ولا ضرر ولا مشقَّة. وفي رواية: ((لَا تُضَامُوْنَ أَوْ لَا تُضَاهون)) يعني على الشكِّ، أي لا يشتبه عليكم وترتابون فيعارض بعضكم بعضًا في رؤيته، وقيل: لا تسهونه في رؤيته بغيره من المرئيات، وروي: ((تُضَارُّوْنَ)) -بالرَّاء المشدَّدة والتَّاء مفتوحة ومضمومة- قال الزَّجَّاج: معناهما لا تتضارون، أي لا يضار بعضكم بعضًا بالمخالفة. وعن ابن الأَنْباري: هو تتفاعلون من الضرار، أي لا تتنازعون وتختلفون، ورُوي: ((تُضَارُوْنَ)) -بضمِّ التَّاء وتخفيف الراء- أي لا يقع للمرء في رؤيته ضير ما بالمخالفة والمنازعة أو الخفاء، وروي: ((تُمَارُوْنَ)) براء مخفَّفة، يعني تجادلون، أي لا يدخلكم شكٌّ. قوله: (فَإِنِ استَطَعْتُمْ إلَّا تُغْلَبُوا) بلفظ المجهول، وكلمة أن مصدريَّة، والتقدير: من إلَّا تغلبوا، أي من الغلبة بالنَّوم والاشتغال بشيء من الأشياء المانعة عن الصلاة. قوله: (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمس وَقَبْلَ غُرُوْبِهَا) زاد مسلم: ((يعني العصر والفجر))، ولابن مردويه من وجه آخر عن إسماعيل: ((قبل طلوع الشَّمس صلاة الصبح، وقبل غروبها صلاة العصر)). قال شيخنا: فيه إشارة إلى قطع أسباب الغلبة المنافية للاستطاعة كالنَّوم والشغل ومقاومة ذلك بالاستعداد له. وقال ابن بطَّال: قال المُهَلَّب: قوله: (فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ ألَّا تُغْلَبُوا عَنْ صَلَاةِ) أي في الجماعة، قال وخصَّ هذين الوقتين لاجتماع الملائكة فيهما ورفعهم أعمال العباد؛ لئلَّا يفوتهم هذا الفضل العظيم. قال شيخنا: وعرف بهذا مناسبة إيراد حديث: (يَتَعَاقَبُونَ) عقب هذا الحديث، لكن لم يظهر لي وجه تقييد ذلك بكونه في جماعة من سياق الحديث وإن كان فضل الجماعة معلومًا من أحاديث أخر، بل ظاهر الحديث يتناول من صلاهما ولو منفردًا؛ إذ مقتضاه التحريض على فعلهما أعمُّ من كونه في جماعة أو لا. قوله: (افْعَلُوا لَا تَفُوْتَنَّكُمْ) أي افعلوا هذه الصَّلاة لا تفوتنَّكم، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى الصلاة، وهو بنون التوكيد، وهو مدرج من كلام إسماعيل، وكذا (ثمَّ قرأ) مدرج. قال الكِرْماني: فإن قلت: ما المراد بلفظ (افْعَلُوا) إذ لا يصحُّ أن يراد: افعلوا الاستطاعة أو افعلوا عدم المغلوبيَّة؟ قلت: عدم المغلوبيَّة كناية عن الإتيان بالصَّلاة؛ لأنَّه لازم الإتيان، فكأنَّه قال: فأتوا بالصلاة فاعلين لها. انتهى. قال العَيني: لو قُدِّر مفعول (افْعَلُوا) مثل ما قدَّرنا لكان استغنى عن هذا السؤال والجواب. قال الخطَّابيُّ: هذا يدلُّ على أنَّ الرؤية يُرتجى نَيلُها بالمحافظة على هاتين الصلاتين. انتهى. قال شيخنا: وقد يستشهد لذلك بما أخرجه التِّرْمِذي من حديث ابن عُمَر رفعه قال: ((إنَّ أدنى أهلِ الجنَّةِ منزلةً)) فذكر الحديث، وفيه: ((وأكرمُهم على اللهِ مَنْ ينظرُ إلى وجهِه غدوةً وعشيةً)) وفي سنده ضعف. انتهى. قوله: (ثُمَّ قَرَأَ) قال شيخنا: كذا في جميع روايات الجامع، وأكثر الروايات في غيره بإبهام فاعل (قَرَأَ) وظاهره أنَّه النَّبِيُّ ﷺ ، وحمله عليه جماعة من الشرَّاح، لكن لم أر ذلك صريحًا، ووَقَعَ عند مسلم عن زُهَير بن حرب

стр. 139

عن مروان بن معاوية بإسناد حديث هذا الباب: (ثمَّ قرأَ جريرُ) أي الصحابي، وكذا أخرجه أبو عَوانة في «صحيحه» يعلى بن عُبَيْد عن إسماعيل بن خالد، فظهر إنَّه وَقَعَ في سياق حديث الباب وما وافقه إدراج. قال العلماء: وجه مناسبة ذكرها بين الصلاتين عند ذكر الرواية أنَّ الصَّلاة أفضل الطاعات، وقد ثبت لها بين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما ذكر من اجتماع الملائكة فيهما ورفع الأعمال وغير ذلك، فهما أفضل الصلوات، فناسب أن يجازى المحافظ عليهما بأفضل العطايا وهو النَّظر إلى الله تعالى. وقيل: لما حقق رؤية الله تعالى برؤية القمر والشَّمس، وهما آيتان عظيمتان شرعت لكسوفهما الصَّلاة والذكر، ناسب من يحب رؤية الله أن يحافظ على الصَّلاة عند غروبها. انتهى. قوله: (فَسَبَّحْ) التلاوةُ: ﴿وَسَبِّحْ﴾ بالواو لا بالفاء. قلت: وقد اختلف المحدِّثون في أنَّه إذا رُوي شيء على خلاف الصَّواب هل يصلح أو يقرأ كما هو؟ الأكثرون على أنَّه يقرأ على الصواب، وهذه المسألة لم يتعرض لها شيخنا ولا العَيني ههنا، وكان ينبغي التنبيه عليها. انتهى. والمراد بالتسبيح الصلاة. وهذا ما سبق الوعد به من ذكر اختلاف الروايات في قوله: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ لَا تُضَامُوْنَ فِي رُؤْيَتِهِ)، وفي لفظ للبخاري: ((إِذْ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ فَقَالَ: أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ)) وفي التفسير: ((فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشَرَةَ))، وعند اللالكائي عن البخاري: ((إِنَّكُمْ سَتُعْرَضُوْنَ عَلَى رَبِّكُمْ وَتَرَوْنَهُ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ))، وعند الدَّارَقُطْني: وقال زيد بن أبي أُنَيْسَة: ((فتنظرُونَ إليهِ كما تنظرُونَ إلى هذا القمرِ))، وقال وكيع: ((ستعاينُونَ))، وسيأتي عند البخاري عن أبي هريرة وأبي سعيد: ((هَلْ تُضَارُّوْنَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمس فِي الظَّهِيْرَةِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: هَلْ تُضَارُّوْنَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ فِيْهِ سَحَابَةٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تُضَارُّوْنَ فِي رُؤْيَتِهِ إلَّا كَمَا تُضَارُّوْنَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا))، وعن أبي موسى عنده بنحوه. وعن أبي رَزِين العُقَيلي: ((قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَكُلُّنَا يرى ربَهُ مَخليًّا بهِ يومَ القيامةِ؟ قالَ: نعم، قالَ: وما آيةُ ذلكَ في خلقهِ؟ قالَ: يا أبا رَزِين، أليس كلُّكم يرى القمرَ ليلةَ البدرِ مَخليًّا بهِ؟ قالَ: فاللهُ أعظمُ وأجلُّ، وذلكَ آيتهُ في خلقهِ)). وعند ابن ماجَهْ عن جابر: ((بينا أهلُ الجنَّةِ في نعيمِهم إذ سطعَ لهمْ نورٌ فرفعُوا رؤوسَهم، فإذا الربُّ قدْ أشرفَ عليهم، فينظر إليهم وينظرون إليه))، وعن صُهَيب عند مسلم فذكر حديثًا فيه: ((فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله تعالى شيئًا أحبُّ إليهم من النظر إليه)). وفي «سنن اللَّالَكائي» عن أَنَس وأُبَي بن كعب وكعب بن عُجْرَة: ((سئلَ رسولُ اللهِ ﷺ عنِ الزيادةِ في كتابِ اللهِ تعالى، قالَ: النَّظرُ إلى وجهِه)). انتهى. استدلَّ بهذه الأحاديث وبالقرآن وإجماع الصحابة ومن بعدهم على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، وقد روى أحاديث الرؤية أكثر من عشرين صحابيًا، وقال أبو القاسم: روى رؤية المؤمنين لربِّهم في القيامة: أبو بكر، وعلي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وابن مسعود، وأبو موسى، وابن عباس، وابن عمر، وحذيفة، وأبو أُمامة،

стр. 140

وأبو هريرة، وجابر، وأنس، وعمَّار بن ياسر، وزيد بن ثابت، وعبادة بن الصَّامت، وبُرَيدة بن حَصِيب، وجُنادة بن أبي أُميَّة، وفَضَالة بن عُبَيْد، ورجل له صحبة من النَّبِيِّ ﷺ ، ثمَّ ذكر أحاديثهم بأسانيد غالبها جيدة. وذكر أبو نُعَيم الحافظ في كتاب «تثبيت النظر» : أبا سعيد الخدري، وعُمارة بن رُؤيبة، وأبا رَزِين العُقَيلي، وأبا بَرزة، وزاد الآجري في كتاب «الشريعة»، وأبو محمَّد عبد الله بن محمَّد المعروف بأبي الشيخ في كتاب «السنَّة الواضحة» تأليفِهما: عديَّ بن حاتم الطَّائي بسند جيد. والرؤية مختصَّة بالمؤمنين ممنوعة من الكفَّار، وقيل: يراه منافقو هذه الأمَّة، قال العَيني: وهذا ضعيف، والصحيح: أنَّ المنافقين كالكفَّار باتِّفاق العلماء، وعن ابن عُمَر وحُذَيفة: من أهل الجنَّة من ينظر إلى وجهه تعالى غدوة وعشيَّة. انتهى. قلت: فائدةٌ: رؤية الله تعالى في الدُّنْيا جائزة عقلًا وشرعًا لنبيِّنا ﵊، ولغيره عقلًا فقط، وفي الآخرة جائزة عقلًا وشرعًا له ولغيره. انتهى. ومنع من ذلك المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة، واحتجُّوا في ذلك بوجوه: الأوَّل: قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقالوا: يلزم من نفي الإدراك بالبصر نفي الرؤية. الثاني: قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، و (لن) للتأبيد بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ [الفتح: ١٥]، وإذا ثبت في حقِّ موسى عدم الرؤية ثبت في حقِّ غيره. الثالث: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولً﴾ [الشورى: ٥١] الآية، فالآية دلَّت على أنَّ كلَّ من يتكلَّم الله معه فإنَّه لا يراه، فإذا ثبت عدم الرؤية في وقت الكلام ثبت عدم الرؤية في غير وقت الكلام ضرورةَ إنَّه لا قائل بالفصل. الرابع: أنَّ الله تعالى ما ذكر في طلب الرؤية في القرآن إلَّا وقد استعظمه وذم عليه، وذلك في آيات، منها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥]. الخامس: لو صحَّت رؤية الله تعالى لرأيناه الآن، فالتالي باطل والمقدَّم مثله. لنا أهل السنَّة ما ذكرناه من الأحاديث الصحيحة، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا أنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ٥٥]، فهذا يدلُّ على أنَّ المؤمنين لا يكونون محجوبين. والجواب عن قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] : أنَّ المراد من الإدراك الإحاطةُ، ونحن أيضًا نقول به، وعن قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] : أنَّا لا نسلِّم أنَّ (لن) تدلُّ على التأبيد بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥]، مع أنَّهم يتمنَّونه في الآخرة، وعن قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] الآية: أنَّ الوحي كلام يسمع بالسرعة، وليس فيه دلالة على كون المتكلِّم محجوبًا عن نظر السامع أو غير محجوب عن نظره، وعن قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى﴾ [البقرة: ٥٥] الآية: أنَّ الاستعظام لم لا يجوز أن يكون لأجل طلبهم الرؤية على سبيل التعنُّت والعناد، بدليل الاستعظام في نزول الملائكة في قوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا المَلَائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١]، ولا نزاع في جواز ذلك. والجواب عن قولهم: لو صحَّت رؤية الله تعالى... إلخ، أنَّ عدم الوقوع لا يستلزم عدم الجواز، فإنَّ قالوا: الرؤية لا تتحقَّق إلَّا بثمانية أشياء: سلامة الحاسة، وكون الشيء بحيث يكون جائز الرؤية، وأن يكون المرئي مقابلًا للرائي أو في حكم المقابل، فالأوَّل كالجسم المحاذي للرائي، والثاني

стр. 141

كالأعراض المرئية، فإنها ليست مقابلة للرائي؛ إذ العرض لا يكون مقابلًا للجسم، ولكنها حالة في الجسم المقابل للرائي، فكان في حكم المقابل، وألَّا يكون المرئي في غاية القرب ولا في غاية البعد، وألَّا يكون في غاية الصغر ولا في غاية اللطافة، وألَّا يكون بين الرائي والمرئي حجاب. قلنا: الشرائط الستُّ الأخيرة لا يمكن اعتبارها إلَّا في رؤية الأجسام، والله تعالى ليس بجسم، فلا يمكن اعتبار هذه الشرائط في رؤيته تعالى، ولا يعتبر في حصول الرؤية إلَّا الأمران: سلامة الحاسَّة، وكونه بحيث يصحُّ أن يرى، وهذان الشرطان حاصلان. فإن قلت: الكاف في (كَمَا تَرَوْنَ) للتشبيه، ولا بدَّ أن تكون مناسبة بين الرائي والمرئي، قال العَيني: معنى التشبيه فيه: أنَّكم ترونه رؤية محقَّقة لا شكَّ فيها ولا مشقة ولا خفاء كما ترون القمر كذلك، فهو تشبيه للرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي. انتهى. في حديث الباب أيضًا: زيادة شرف الصلاتين، وذلك لتعاقب الملائكة في وقتيهما، ولأنَّ وقت صلاة الصُّبح وقت لذَّة النَّوم كما قيل: ألذُّ الكَرى عند الصَّباح يطيبُ والقيامُ فيه أشقُّ على النَّفس من القيام في غيره، وصلاة العصر وقت الفراغ عن الصناعات وإتمام الوظائف، والمسلم إذا حافظ عليها مع ما فيه من التثاقل والتشاغل، فلأنْ يحافظ على غيرها بالطريق الأَولى. قلت: وفيه ترغيب النَّاس وحثُّهم على العبادة وضرب المثال بالشاهد على الغائب، وحضور الرغبة عند الإمام في اللَّيل وتعلُّمهم العلم باللَّيل، وفيه: أنَّ الأعمال الشاقَّة على النَّفس ينال بها العبد أعظم الثواب من الله. انتهى. ٥٥٥ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي التِّنِّيسي، ترجمته في كتاب الوحي. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا مَالِكٌ) أي ابن أنس، ترجمته في البدء أيضًا. قوله: (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) أي عبد الله بن ذكوان، ترجمته في باب حبِّ الرسول من الإيمان. قوله: (عَنِ الأَعْرَجِ) أي عبد الرحمن بن هُرمُز، ترجمته في الباب أيضًا. قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان. في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته مدنيُّون ما خلا عبد الله بن يوسف فإنه تِنِّيسي، وهو من أفراد البخاري. قوله: (أَنْ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: يَتَعَاقَبُوْنَ فِيْكُمْ: مَلَائِكَةٌ بِاللَّيل وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهار، وَيَجتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ، ثمَّ يَعرُجُ الَّذِيْنَ بَاتُوا فِيْكُمْ فَيَسْأَلُهُم وَهُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ، فَيَقُولُ: كَيفَ تَرَكتُم عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكنَاهُم وَهُم يُصَلُّونَ، وَأَتَينَاهُم وَهُم يُصَلُّونَ). مطابقته للترجمة في قوله: (وَيَجْتَمِعُوْنَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ) وقد ذكرنا أنَّ اقتصاره في الترجمة على العصر من باب الاكتفاء. هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في التوحيد عن إسماعيل وقتيبة، وأخرجه مسلم في الصَّلاة عن يحيى بن يحيى، وأخرجه النَّسائي فيه وفي البعوث عن قُتَيْبَة وعن الحارث بن مسكين عن ابن القاسم الكلُّ عن مالك. قوله: (يَتَعَاقَبُوْنَ) قال العَيني: فاعل (يَتَعَاقَبُوْنَ) مضمر، والتقدير: ملائكة يتعاقبون، وقوله: (ملائكة) بدل من الضَّمير الذي فيه أو بيان، كأنَّه

стр. 142

قيل: من هم؟ فقيل: ملائكة، وهذا مذهب سيبويه فيه وفي نظائره، وقال الأَخْفَش ومن تابعه: إنَّ إظهار ضمير الجمع والتثنية في الفعل إذا تقدَّم جائز وهي لغة بني الحارث، وقالوا: هو نحو أكلوني البراغيث، وكقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِيْنَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]، وقال القُرْطُبي: هذه لغة فاشية، ولها وجه من القياس صحيح، وعليها حمل الأَخْفَش قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِيْنَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]. وقيل: هذا الطريق المذكور هنا اختصره الراوي، وأصله: ((الملائكة يتعاقبون، ملائكة باللَّيل وملائكة بالنهار)) وبهذا اللَّفظ رواه البخاري في بدء الخلق من طريق شُعَيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد، وأخرجه النَّسائي أيضًا من طريق موسى بن عُقْبَة عن أبي الزناد بلفظ: ((إن الملائكة يتعاقبون فيكم))، فاختلف فيه على أبي الزناد، فالظاهر: إنَّه كان تارةً يذكره هكذا وتارةً هكذا، وهذا يقوِّي قول هذا القائل، ويؤيِّد ذلك: أنَّ غير الأعرج من أصحاب أبي هريرة قد رووه تامًا، فأخرجه أحمد ومسلم من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة مثل رواية موسى بن عُقْبَة لكن بحذف (إنَّ) من أوَّله، وأخرجه ابن خُزَيمَة والسرَّاج من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: ((إنَّ للهِ ملائكةً يتعاقبُونَ)) وهذه الطريقة أخرجها البزَّار أيضًا، وأخرجه أبو نُعَيم في «الحلية» بإسناد صحيح من طريق أبي يُونُس عن أبي هريرة بلفظ: ((إنَّ الملائكةَ فيكُم يعتقبُونَ)). وقال شيخنا: وتوارد جماعة من الشرَّاح على أنَّ حديث الباب من قبيل قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [الأنبياء: ٣]، ووافقهم ابن مالك، وناقشه أبو حيان زاعمًا أنَّ هذه الطريق اختصرها الراوي، واحتجَّ لذلك بما رواه البزَّار من وجه آخر عن أبي هريرة - أي كما تقدَّم - وقد شُوحح في العزو إلى «مسند البزار» مع أنَّ الحديث بهذا اللَّفظ في «الصحيحين» فالعزو إليهما أولى، وذلك أنَّ هذا الحديث رواه عن أبي الزناد مالك في «الموطَّأ» ولم يختلف عليه باللفظ المذكور، وهو قوله: (يتعاقَبون فيكُم)، وتابعه على ذلك عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه أخرجه سعيد بن مَنْصور عنه، ثمَّ ذكر شيخنا الأحاديث الَّتي تقدَّمت ثمَّ قال: وإذا عرف ذلك فالعزو إلى الطريق الَّتي تتحد مع الطريق الَّتي وَقَعَ القول فيها أولى من طريق مغايرة لها، فليعزُ إلى تخريج البخاري والنَّسائي من طريق أبي زناد كما أوضحته. انتهى. ومعنى: (يَتَعاقَبونَ) تأتي طائفة عقيب طائفة، ومنه تعقيب الجيوش، وهو أن يذهب قوم ويجيء آخرون، وقال ابن عبد البرِّ: وإنما يكون التعاقب بين طائفتين أو رجلين يأتي هذا مرَّة ويعقبه هذا، ومنه تعقيب الجيوش أن يجهز الأمير بعثًا إلى مدَّة، ثمَّ يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز غيرهم إلى مدَّة، ثمَّ يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز الأولين. فإن قلت: ما وجه تبكير ملائكة؟ قال العَيني: ليدلَّ على أنَّ الثانية غير الأولى لقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]. قوله: (فِيْكُمْ) أي المصلِّين أو مطلق المؤمنين، قال العَيني: الخطاب يعود في قوله: (يَتَعَاقَبُوْنَ فِيْكُمْ) للمصلِّين، ولا يصحُّ أن يكون لمطلق المؤمنين؛ لأن هذه الفضيلة للمصلِّين، والدليل على ذلك قوله: (يجتمعونَ في صلاةِ الفجرِ وصلاةِ العصرِ). انتهى. قلت: على قول من يقول: إنَّ المراد من الملائكة هنا الحفظة، يلزم من قول العَيني أنَّ غير المصلِّين من المؤمنين لا يكون معهم حفظة. انتهى. قوله: (مَلَائِكَةٌ)

стр. 143

قال العَيني: عند أكثر العلماء هم الحفظة، فسؤاله لهم إنَّما هو سؤال عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكتبهم إياها عليهم. وقال عياض: وقيل يحتمل أن يكونوا غير الحفظة، فسؤاله لهم إنَّما هو على جهة التوبيخ لمن قال: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، وإنَّه أظهر لهم ما سبق في علمه بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. قال القُرْطُبي: وهذه حكمة اجتماعهم في هاتين الصلاتين. أو يكون سؤاله لهم استدعاء لشهادتهم له، ولذلك قالوا: (أتيناهُم وهُم يصَلُّون، وتركناهُم وهُم يصَلُّون) وهذا من خفي لطفه وجميل ستره إذ لم يطلعهم إلَّا على حالة عبادتهم، ولم يطلعهم على حالة شهواتهم وما يشبهها. انتهى. قال العَيني: هذا الذي قاله يعطي أنَّهم غير الحفظة؛ لأنَّ الحفظة يطَّلعون على أحوالهم كلِّها، اللَّهمَّ إلَّا أن تكون الحفظة غير الكاتبين فيتجه ما قاله، والظَّاهر أنَّهم غيرهما؛ لأنَّه قد جاء في بعض الأحاديث: ((إذا ماتَ العبدُ جلسَ كاتباهُ عندَ قبرِهِ يستغفرانِ لهُ ويصلِّيانِ عليهِ إلى يومِ القيامةِ)) يوضحه ما روى ابن المنذر بسند له عن أبي عُبَيْدَة بن عبد الله عن أبيه أنَّه كان يقول: يتداول الحارسان من ملائكة الله تعالى حارس اللَّيل وحارس النَّهار عند طلوع الفجر. وعن الضَّحَّاك في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قال: تشهده ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار، يشهدون أعمال بني آدم. وفي «تفسير ابن أبي حاتم» : تشهده الملائكة والجنُّ. انتهى. قال شيخنا عقبه: كلام القاضي عياض: وفيه شيء؛ لأنَّه رجَّح أنَّهم الحفظة، ولا شكَّ أنَّ الذين يصعدون كانوا مقيمين عندهم مشاهدين لأعمالهم في جميع الأوقات، فالأولى أن يقال: الحكمة في كونه تعالى لا يسألهم إلَّا عن الحالة الَّتي تركوهم عليها ما ذُكر، ويحتمل أن يقال: إنَّ الله تعالى يستر عنهم ما يعملونه في هاتين الوقتين، لكنَّه بناء على أنَّهم غير الحفظة. وفيه إشارة إلى الحديث الآخر: أنَّ ((الصلاةَ إلى الصَّلاة كفارةٌ لما بينَهما)) فمن ثمَّ وَقَعَ السؤال من كلِّ طائفة عن آخر شيء فارقوهم عليه. انتهى. وتردَّد ابن بَزِيزَة: هل هم الحفظة أو غيرهم؟ وقال القُرْطُبي: الأظهر عندي أنَّهم غيرهم، ويقوِّيه: إنَّه لم ينقل أنَّ الحفظة يفارقون العبد، ولأنَّ حفظة اللَّيل غير حفظة النَّهار، وبأنَّهم لو كانوا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها في قوله: (كيف تركتم عبادي). قوله: (وَيَجْتَمِعُوْنَ) قال الزَّين بن المنيِّر: التعاقب مغاير للاجتماع، لكن ذلك منزل على حالتين. قال شيخنا: وهو ظاهر، وقال ابن عبد البرِّ: الأظهر أنَّهم يشهَّدون معهم الصَّلاة في الجماعة، واللفظ محتمل للجماعة وغيرها، كما يحتمل أنَّ التعاقب يقع بين طائفتين دون غيرهم، وأن يقع التعاقب بينهم في النوع لا في الجنس. قلت: وقد تقدَّم آنفًا أنَّ اجتماعهم في هاتين الصلاتين من لطف الله تعالى بعباده المؤمنين أن جعل اجتماعهم عندهم ومفارقتهم لهم في أوقات عبادتهم واجتماعهم على طاعة ربِّهم، فتكون شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير. وقال ابن حبَّان في «صحيحه» : فيه بيان أنَّ ملائكة اللَّيل تنزل والنَّاس في صلاة العصر، وحينئذ تصعد ملائكة النَّهار، وهذا ضدُّ قول من زَعَمَ أنَّ ملائكة اللَّيل تنزل بعد غروب الشَّمس.

стр. 144

قوله: (ثُمَّ يَعَرُجُ الَّذِيْنَ بَاتُوا فِيْكُمْ) من: عرج يعرُج عروجًا، من باب قصر يقصُر، والعروج: الصعود، ويقال: عرج يعرج عروجًا إذا عجز من شيء أصابه، وعرج يعرج عرجًا إذا صار أعرج أو كان خِلقةً فيه، وعرَّج بالتشديد تعريجًا إذا قام. وقد تقدَّم الكلام على قوله: (الَّذِيْنَ بَاتُوا فِيْكُمْ) قال شيخنا: اختلف في الاقتصار على سؤال الذين باتوا دون الذين ظلوا أي أقاموا في النَّهار فقيل هو من باب الاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر كقوله تعالى ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩] أي وإن لم تنفع وقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي والبرد وإلى هذا أشار ابن التِّين وغيره قيل الحكمة في الاقتصار على هذا الشقِّ دون الآخر أنَّ ملائكة اللَّيل مظنة المعصية فلما لم يقع منه عصيان مع إمكان دواعي الفعل مع إمكان الإخفاء ونحوه واشتغلوا بالطاعة كان النَّهار أولى بذلك فكان السؤال عن اللَّيل أبلغ من السؤال عن النَّهار لكون النَّهار محلِّ الاشتهار وقيل: الحكمة في ذلك أنَّ ملائكة اللَّيل إذا صلَّوا الفجر عرجوا في الحال وملائكة النَّهار إذا صلَّوا العصر لبثوا إلى آخر النَّهار لضبط بقيَّة عمل النَّهار. قال شيخنا: وهذا ضعيف؛ لأنَّه يقتضي أنَّ ملائكة النَّهار لا يسألون عن وقت العصر، وهو خلاف ظاهر الحديث كما سيأتي. قال العَيني: هذا الذي ذكره ضعيف؛ لأنَّ لبث ملائكة النَّهار لضبط بقيَّة عمل النَّهار لا يستلزم عدم السؤال. انتهى. ثمَّ هو مبني على أنَّهم الحفظة، وفيه نظر؛ لما سنبيِّنه، وقيل: بناء أيضًا على أنَّهم الحفظة أنَّهم ملائكة النَّهار فقط، وهم لا يبرحون عن ملازمة بني آدم، وملائكة اللَّيل هم الذين يعرجون ويتعاقبون، ويؤيِّده ما رواه أبو نُعَيم في «كتاب الصلاة» له من طريق الأسود بن يزيد النَّخَعي قال: يلتقي الحارسان - أي ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار- عند صلاة الصُّبح، فيسلِّم بعضهم على بعض، فتصعد ملائكة اللَّيل وتلبث ملائكة النَّهار. وقيل: يحتمل أن يكون العروج إنَّما يقع عند صلاة الفجر خاصَّة، وأمَّا النُّزول فيقع في الصَّلاتين معًا وفيه التَّعاقب، وصورته: أن تنزل طائفة عند العصر وتبيت، ثمَّ تنزل طائفة ثانية عند الفجر، فتجتمع الطائفتان في صلاة الفجر، ثمَّ يعرج الذين باتوا فقط، ويستمرُّ الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر، فتنزل الطائفة الأخرى فيحصل اجتماعهم عند العصر أيضًا، ولا يصعد منهم أحد، بل تبيت الطائفتان أيضًا، ثمَّ تعرج إحدى الطائفتين ويستمرُّ ذلك، فتصحُّ صورة التَّعاقب مع اختصاص النُّزول بالعصر والعروج بالفجر، فلهذا خصَّ السؤال بالذين باتوا. والله أعلم. وقيل: إنَّ قوله في هذا الحديث: (وَيَجْتَمِعُوْنَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ) وهمٌ؛ لأنَّه ثبت من طرق كثيرة: أنَّ الاجتماع في صلاة الفجر من غير ذكر صلاة العصر كما في «الصحيحين» من طريق سعيد بن المُسَيَّب عن أبي هريرة في أثناء حديث فإن فيه: ((ويجتمع ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار في صلاة الفجر))، قال أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وفي التِّرْمِذي والنَّسائي من وجه آخر بإسناد صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ

стр. 145

الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] قال: تشهَّده ملائكة اللَّيل والنهار. وروى ابن مردويه من حديث أبي الدرداء مرفوعًا نحوه، قال ابن عبد البرِّ: ليس في هذا دفع للرواية الَّتي فيها ذكر العصر؛ إذ لا يلزم من عدم ذكر العصر في الآية والحديث الآخر عدمُ اجتماعهم في العصر؛ لأنَّ السكوت فيه قد يكون في حكم المذكور بدليل آخر، قال: ويحتمل أن يكون الاقتصار وَقَعَ في الفجر لكونها جهريَّة. قال شيخنا: وبحثه الأوَّل متَّجه؛ لأنَّه لا سبيل إلى ادعاء توهُّم الرَّاوي الثِّقة مع إمكان التوفيق بين الروايات، ولا سيَّما أنَّ الزيادة من العدل الضابط مقبولة، ولم لا يقال: إنَّ رواية من لم يذكر سؤال الذين أقاموا في النَّهار وَقَعَ من تقصير بعض الرواة، أو يحتمل قوله: (ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِيْنَ بَاتُوا) على ما هو أعمُّ من المبيت باللَّيل والإقامة بالنَّهار، فلا يختص ذلك بليل دون نهار ولا عكسه، بل كلُّ طائفة منهم إذا صعدت سئلت، وغاية ما فيه إنَّه استعمل لفظ (باتَ) في (أقامَ) مجازًا، ويكون قوله: (فيسألُهم) أي كلُّ من الطائفتين في الوقت الذي يصعد فيه، ويدلُّ على هذا الحمل رواية موسى بن عُقْبَة عن أبي الزناد عند النَّسائي ولفظه: ((ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِيْنَ كَانُوا))، فعلى هذا لم يقع في المتن اختصار ولا اقتصار، وهذا أقرب الأجوبة. وقد وَقَعَ لنا هذا الحديث من طريق أخرى واضحًا، وفيه التصريح بسؤال كلٍّ من الطائفتين، وذلك فيما رواه ابن خُزَيمَة في «صحيحه» وأبو العبَّاس السراج جميعًا عن يوسف بن موسى عن جرير عن الأَعْمَش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((تجتمعُ ملائكةُ اللَّيلِ وملائكةُ النَّهار في صلاةِ الفجرِ وصلاةِ العصرِ، فيجتمعُونَ في صلاةِ الفجرِ، فتصعدُ ملائكةُ اللَّيلِ وتبيتُ ملائكةُ النهارِ، ويجتمعُونَ في صلاةِ العصرِ، فتصعدُ ملائكةُ النَّهار وتبيتُ ملائكةُ الليلِ، فيسألُهم ربهُّم: كيفَ تركْتُم عبادِي؟)) الحديث، وهذه الرواية تزيل الإشكال وتغني عن كثير من الاحتمالات المتقدمة، فهي المعتمدة، ويحمل ما نقص منها على تقصير بعض الرواة. انتهى. قوله: (فَيَسْأَلُهُمْ) قيل الحكمة فيه: استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير، واستنطاقهم لما يقتضي التعطف عليهم بذلك، وذلك لإظهار الحكمة في خلق نوع الإنسان في مقابلة من قال من الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] أي قد وجد فيهم من يسبِّح ويقدِّس مثلكم بنصِّ شهادتكم. وقال عياض: هذا السؤال على سبيل التعبُّد للملائكة كما أمروا أن يكتبوا أعمال بني آدم، وهو أعلم من الجميع بالجميع. قوله: (كَيْفَ تَرَكْتُمْ) قال ابن أبي حمزة: وَقَعَ السؤال عن آخر الأعمال بخواتيمها، قال: والعباد المسؤول عنهم هم الذين ذكروا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥]. انتهى. قلت: اعلم أنَّ العبد هو القائم إلى أوامر سيِّده على حدِّ النَّشاط حيث جعله محلَّ أمره وقد كثرت عبارات القوم في حدِّ العبد والعبوديَّة والعبودة بألفاظ مختلفة ومعاني متقاربة وقد أشبعت الكلام فيها في كتابي «السراج الوهَّاج في حقائق المعراج» فمن أراد تحقيقها فليراجعه. انتهى. قوله: (تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّوْنَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّوْنَ) قال شيخنا: لم يراعوا
следующие страницы →