← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 523

مزيد فتح الباري بشرح البخاري - مخطوط

إبراهيم بن علي النعماني

Полный текст (565 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

كالأعراض المرئية، فإنها ليست مقابلة للرائي؛ إذ العرض لا يكون مقابلًا للجسم، ولكنها حالة في الجسم المقابل للرائي، فكان في حكم المقابل، وألَّا يكون المرئي في غاية القرب ولا في غاية البعد، وألَّا يكون في غاية الصغر ولا في غاية اللطافة، وألَّا يكون بين الرائي والمرئي حجاب. قلنا: الشرائط الستُّ الأخيرة لا يمكن اعتبارها إلَّا في رؤية الأجسام، والله تعالى ليس بجسم، فلا يمكن اعتبار هذه الشرائط في رؤيته تعالى، ولا يعتبر في حصول الرؤية إلَّا الأمران: سلامة الحاسَّة، وكونه بحيث يصحُّ أن يرى، وهذان الشرطان حاصلان. فإن قلت: الكاف في (كَمَا تَرَوْنَ) للتشبيه، ولا بدَّ أن تكون مناسبة بين الرائي والمرئي، قال العَيني: معنى التشبيه فيه: أنَّكم ترونه رؤية محقَّقة لا شكَّ فيها ولا مشقة ولا خفاء كما ترون القمر كذلك، فهو تشبيه للرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي. انتهى. في حديث الباب أيضًا: زيادة شرف الصلاتين، وذلك لتعاقب الملائكة في وقتيهما، ولأنَّ وقت صلاة الصُّبح وقت لذَّة النَّوم كما قيل: ألذُّ الكَرى عند الصَّباح يطيبُ والقيامُ فيه أشقُّ على النَّفس من القيام في غيره، وصلاة العصر وقت الفراغ عن الصناعات وإتمام الوظائف، والمسلم إذا حافظ عليها مع ما فيه من التثاقل والتشاغل، فلأنْ يحافظ على غيرها بالطريق الأَولى. قلت: وفيه ترغيب النَّاس وحثُّهم على العبادة وضرب المثال بالشاهد على الغائب، وحضور الرغبة عند الإمام في اللَّيل وتعلُّمهم العلم باللَّيل، وفيه: أنَّ الأعمال الشاقَّة على النَّفس ينال بها العبد أعظم الثواب من الله. انتهى. ٥٥٥ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي التِّنِّيسي، ترجمته في كتاب الوحي. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا مَالِكٌ) أي ابن أنس، ترجمته في البدء أيضًا. قوله: (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) أي عبد الله بن ذكوان، ترجمته في باب حبِّ الرسول من الإيمان. قوله: (عَنِ الأَعْرَجِ) أي عبد الرحمن بن هُرمُز، ترجمته في الباب أيضًا. قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان. في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته مدنيُّون ما خلا عبد الله بن يوسف فإنه تِنِّيسي، وهو من أفراد البخاري. قوله: (أَنْ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: يَتَعَاقَبُوْنَ فِيْكُمْ: مَلَائِكَةٌ بِاللَّيل وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهار، وَيَجتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ، ثمَّ يَعرُجُ الَّذِيْنَ بَاتُوا فِيْكُمْ فَيَسْأَلُهُم وَهُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ، فَيَقُولُ: كَيفَ تَرَكتُم عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكنَاهُم وَهُم يُصَلُّونَ، وَأَتَينَاهُم وَهُم يُصَلُّونَ). مطابقته للترجمة في قوله: (وَيَجْتَمِعُوْنَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ) وقد ذكرنا أنَّ اقتصاره في الترجمة على العصر من باب الاكتفاء. هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في التوحيد عن إسماعيل وقتيبة، وأخرجه مسلم في الصَّلاة عن يحيى بن يحيى، وأخرجه النَّسائي فيه وفي البعوث عن قُتَيْبَة وعن الحارث بن مسكين عن ابن القاسم الكلُّ عن مالك. قوله: (يَتَعَاقَبُوْنَ) قال العَيني: فاعل (يَتَعَاقَبُوْنَ) مضمر، والتقدير: ملائكة يتعاقبون، وقوله: (ملائكة) بدل من الضَّمير الذي فيه أو بيان، كأنَّه

стр. 142

قيل: من هم؟ فقيل: ملائكة، وهذا مذهب سيبويه فيه وفي نظائره، وقال الأَخْفَش ومن تابعه: إنَّ إظهار ضمير الجمع والتثنية في الفعل إذا تقدَّم جائز وهي لغة بني الحارث، وقالوا: هو نحو أكلوني البراغيث، وكقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِيْنَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]، وقال القُرْطُبي: هذه لغة فاشية، ولها وجه من القياس صحيح، وعليها حمل الأَخْفَش قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِيْنَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]. وقيل: هذا الطريق المذكور هنا اختصره الراوي، وأصله: ((الملائكة يتعاقبون، ملائكة باللَّيل وملائكة بالنهار)) وبهذا اللَّفظ رواه البخاري في بدء الخلق من طريق شُعَيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد، وأخرجه النَّسائي أيضًا من طريق موسى بن عُقْبَة عن أبي الزناد بلفظ: ((إن الملائكة يتعاقبون فيكم))، فاختلف فيه على أبي الزناد، فالظاهر: إنَّه كان تارةً يذكره هكذا وتارةً هكذا، وهذا يقوِّي قول هذا القائل، ويؤيِّد ذلك: أنَّ غير الأعرج من أصحاب أبي هريرة قد رووه تامًا، فأخرجه أحمد ومسلم من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة مثل رواية موسى بن عُقْبَة لكن بحذف (إنَّ) من أوَّله، وأخرجه ابن خُزَيمَة والسرَّاج من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: ((إنَّ للهِ ملائكةً يتعاقبُونَ)) وهذه الطريقة أخرجها البزَّار أيضًا، وأخرجه أبو نُعَيم في «الحلية» بإسناد صحيح من طريق أبي يُونُس عن أبي هريرة بلفظ: ((إنَّ الملائكةَ فيكُم يعتقبُونَ)). وقال شيخنا: وتوارد جماعة من الشرَّاح على أنَّ حديث الباب من قبيل قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [الأنبياء: ٣]، ووافقهم ابن مالك، وناقشه أبو حيان زاعمًا أنَّ هذه الطريق اختصرها الراوي، واحتجَّ لذلك بما رواه البزَّار من وجه آخر عن أبي هريرة - أي كما تقدَّم - وقد شُوحح في العزو إلى «مسند البزار» مع أنَّ الحديث بهذا اللَّفظ في «الصحيحين» فالعزو إليهما أولى، وذلك أنَّ هذا الحديث رواه عن أبي الزناد مالك في «الموطَّأ» ولم يختلف عليه باللفظ المذكور، وهو قوله: (يتعاقَبون فيكُم)، وتابعه على ذلك عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه أخرجه سعيد بن مَنْصور عنه، ثمَّ ذكر شيخنا الأحاديث الَّتي تقدَّمت ثمَّ قال: وإذا عرف ذلك فالعزو إلى الطريق الَّتي تتحد مع الطريق الَّتي وَقَعَ القول فيها أولى من طريق مغايرة لها، فليعزُ إلى تخريج البخاري والنَّسائي من طريق أبي زناد كما أوضحته. انتهى. ومعنى: (يَتَعاقَبونَ) تأتي طائفة عقيب طائفة، ومنه تعقيب الجيوش، وهو أن يذهب قوم ويجيء آخرون، وقال ابن عبد البرِّ: وإنما يكون التعاقب بين طائفتين أو رجلين يأتي هذا مرَّة ويعقبه هذا، ومنه تعقيب الجيوش أن يجهز الأمير بعثًا إلى مدَّة، ثمَّ يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز غيرهم إلى مدَّة، ثمَّ يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز الأولين. فإن قلت: ما وجه تبكير ملائكة؟ قال العَيني: ليدلَّ على أنَّ الثانية غير الأولى لقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]. قوله: (فِيْكُمْ) أي المصلِّين أو مطلق المؤمنين، قال العَيني: الخطاب يعود في قوله: (يَتَعَاقَبُوْنَ فِيْكُمْ) للمصلِّين، ولا يصحُّ أن يكون لمطلق المؤمنين؛ لأن هذه الفضيلة للمصلِّين، والدليل على ذلك قوله: (يجتمعونَ في صلاةِ الفجرِ وصلاةِ العصرِ). انتهى. قلت: على قول من يقول: إنَّ المراد من الملائكة هنا الحفظة، يلزم من قول العَيني أنَّ غير المصلِّين من المؤمنين لا يكون معهم حفظة. انتهى. قوله: (مَلَائِكَةٌ)

стр. 143

قال العَيني: عند أكثر العلماء هم الحفظة، فسؤاله لهم إنَّما هو سؤال عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكتبهم إياها عليهم. وقال عياض: وقيل يحتمل أن يكونوا غير الحفظة، فسؤاله لهم إنَّما هو على جهة التوبيخ لمن قال: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، وإنَّه أظهر لهم ما سبق في علمه بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. قال القُرْطُبي: وهذه حكمة اجتماعهم في هاتين الصلاتين. أو يكون سؤاله لهم استدعاء لشهادتهم له، ولذلك قالوا: (أتيناهُم وهُم يصَلُّون، وتركناهُم وهُم يصَلُّون) وهذا من خفي لطفه وجميل ستره إذ لم يطلعهم إلَّا على حالة عبادتهم، ولم يطلعهم على حالة شهواتهم وما يشبهها. انتهى. قال العَيني: هذا الذي قاله يعطي أنَّهم غير الحفظة؛ لأنَّ الحفظة يطَّلعون على أحوالهم كلِّها، اللَّهمَّ إلَّا أن تكون الحفظة غير الكاتبين فيتجه ما قاله، والظَّاهر أنَّهم غيرهما؛ لأنَّه قد جاء في بعض الأحاديث: ((إذا ماتَ العبدُ جلسَ كاتباهُ عندَ قبرِهِ يستغفرانِ لهُ ويصلِّيانِ عليهِ إلى يومِ القيامةِ)) يوضحه ما روى ابن المنذر بسند له عن أبي عُبَيْدَة بن عبد الله عن أبيه أنَّه كان يقول: يتداول الحارسان من ملائكة الله تعالى حارس اللَّيل وحارس النَّهار عند طلوع الفجر. وعن الضَّحَّاك في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قال: تشهده ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار، يشهدون أعمال بني آدم. وفي «تفسير ابن أبي حاتم» : تشهده الملائكة والجنُّ. انتهى. قال شيخنا عقبه: كلام القاضي عياض: وفيه شيء؛ لأنَّه رجَّح أنَّهم الحفظة، ولا شكَّ أنَّ الذين يصعدون كانوا مقيمين عندهم مشاهدين لأعمالهم في جميع الأوقات، فالأولى أن يقال: الحكمة في كونه تعالى لا يسألهم إلَّا عن الحالة الَّتي تركوهم عليها ما ذُكر، ويحتمل أن يقال: إنَّ الله تعالى يستر عنهم ما يعملونه في هاتين الوقتين، لكنَّه بناء على أنَّهم غير الحفظة. وفيه إشارة إلى الحديث الآخر: أنَّ ((الصلاةَ إلى الصَّلاة كفارةٌ لما بينَهما)) فمن ثمَّ وَقَعَ السؤال من كلِّ طائفة عن آخر شيء فارقوهم عليه. انتهى. وتردَّد ابن بَزِيزَة: هل هم الحفظة أو غيرهم؟ وقال القُرْطُبي: الأظهر عندي أنَّهم غيرهم، ويقوِّيه: إنَّه لم ينقل أنَّ الحفظة يفارقون العبد، ولأنَّ حفظة اللَّيل غير حفظة النَّهار، وبأنَّهم لو كانوا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها في قوله: (كيف تركتم عبادي). قوله: (وَيَجْتَمِعُوْنَ) قال الزَّين بن المنيِّر: التعاقب مغاير للاجتماع، لكن ذلك منزل على حالتين. قال شيخنا: وهو ظاهر، وقال ابن عبد البرِّ: الأظهر أنَّهم يشهَّدون معهم الصَّلاة في الجماعة، واللفظ محتمل للجماعة وغيرها، كما يحتمل أنَّ التعاقب يقع بين طائفتين دون غيرهم، وأن يقع التعاقب بينهم في النوع لا في الجنس. قلت: وقد تقدَّم آنفًا أنَّ اجتماعهم في هاتين الصلاتين من لطف الله تعالى بعباده المؤمنين أن جعل اجتماعهم عندهم ومفارقتهم لهم في أوقات عبادتهم واجتماعهم على طاعة ربِّهم، فتكون شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير. وقال ابن حبَّان في «صحيحه» : فيه بيان أنَّ ملائكة اللَّيل تنزل والنَّاس في صلاة العصر، وحينئذ تصعد ملائكة النَّهار، وهذا ضدُّ قول من زَعَمَ أنَّ ملائكة اللَّيل تنزل بعد غروب الشَّمس.

стр. 144

قوله: (ثُمَّ يَعَرُجُ الَّذِيْنَ بَاتُوا فِيْكُمْ) من: عرج يعرُج عروجًا، من باب قصر يقصُر، والعروج: الصعود، ويقال: عرج يعرج عروجًا إذا عجز من شيء أصابه، وعرج يعرج عرجًا إذا صار أعرج أو كان خِلقةً فيه، وعرَّج بالتشديد تعريجًا إذا قام. وقد تقدَّم الكلام على قوله: (الَّذِيْنَ بَاتُوا فِيْكُمْ) قال شيخنا: اختلف في الاقتصار على سؤال الذين باتوا دون الذين ظلوا أي أقاموا في النَّهار فقيل هو من باب الاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر كقوله تعالى ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩] أي وإن لم تنفع وقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي والبرد وإلى هذا أشار ابن التِّين وغيره قيل الحكمة في الاقتصار على هذا الشقِّ دون الآخر أنَّ ملائكة اللَّيل مظنة المعصية فلما لم يقع منه عصيان مع إمكان دواعي الفعل مع إمكان الإخفاء ونحوه واشتغلوا بالطاعة كان النَّهار أولى بذلك فكان السؤال عن اللَّيل أبلغ من السؤال عن النَّهار لكون النَّهار محلِّ الاشتهار وقيل: الحكمة في ذلك أنَّ ملائكة اللَّيل إذا صلَّوا الفجر عرجوا في الحال وملائكة النَّهار إذا صلَّوا العصر لبثوا إلى آخر النَّهار لضبط بقيَّة عمل النَّهار. قال شيخنا: وهذا ضعيف؛ لأنَّه يقتضي أنَّ ملائكة النَّهار لا يسألون عن وقت العصر، وهو خلاف ظاهر الحديث كما سيأتي. قال العَيني: هذا الذي ذكره ضعيف؛ لأنَّ لبث ملائكة النَّهار لضبط بقيَّة عمل النَّهار لا يستلزم عدم السؤال. انتهى. ثمَّ هو مبني على أنَّهم الحفظة، وفيه نظر؛ لما سنبيِّنه، وقيل: بناء أيضًا على أنَّهم الحفظة أنَّهم ملائكة النَّهار فقط، وهم لا يبرحون عن ملازمة بني آدم، وملائكة اللَّيل هم الذين يعرجون ويتعاقبون، ويؤيِّده ما رواه أبو نُعَيم في «كتاب الصلاة» له من طريق الأسود بن يزيد النَّخَعي قال: يلتقي الحارسان - أي ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار- عند صلاة الصُّبح، فيسلِّم بعضهم على بعض، فتصعد ملائكة اللَّيل وتلبث ملائكة النَّهار. وقيل: يحتمل أن يكون العروج إنَّما يقع عند صلاة الفجر خاصَّة، وأمَّا النُّزول فيقع في الصَّلاتين معًا وفيه التَّعاقب، وصورته: أن تنزل طائفة عند العصر وتبيت، ثمَّ تنزل طائفة ثانية عند الفجر، فتجتمع الطائفتان في صلاة الفجر، ثمَّ يعرج الذين باتوا فقط، ويستمرُّ الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر، فتنزل الطائفة الأخرى فيحصل اجتماعهم عند العصر أيضًا، ولا يصعد منهم أحد، بل تبيت الطائفتان أيضًا، ثمَّ تعرج إحدى الطائفتين ويستمرُّ ذلك، فتصحُّ صورة التَّعاقب مع اختصاص النُّزول بالعصر والعروج بالفجر، فلهذا خصَّ السؤال بالذين باتوا. والله أعلم. وقيل: إنَّ قوله في هذا الحديث: (وَيَجْتَمِعُوْنَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ) وهمٌ؛ لأنَّه ثبت من طرق كثيرة: أنَّ الاجتماع في صلاة الفجر من غير ذكر صلاة العصر كما في «الصحيحين» من طريق سعيد بن المُسَيَّب عن أبي هريرة في أثناء حديث فإن فيه: ((ويجتمع ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار في صلاة الفجر))، قال أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وفي التِّرْمِذي والنَّسائي من وجه آخر بإسناد صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ

стр. 145

الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] قال: تشهَّده ملائكة اللَّيل والنهار. وروى ابن مردويه من حديث أبي الدرداء مرفوعًا نحوه، قال ابن عبد البرِّ: ليس في هذا دفع للرواية الَّتي فيها ذكر العصر؛ إذ لا يلزم من عدم ذكر العصر في الآية والحديث الآخر عدمُ اجتماعهم في العصر؛ لأنَّ السكوت فيه قد يكون في حكم المذكور بدليل آخر، قال: ويحتمل أن يكون الاقتصار وَقَعَ في الفجر لكونها جهريَّة. قال شيخنا: وبحثه الأوَّل متَّجه؛ لأنَّه لا سبيل إلى ادعاء توهُّم الرَّاوي الثِّقة مع إمكان التوفيق بين الروايات، ولا سيَّما أنَّ الزيادة من العدل الضابط مقبولة، ولم لا يقال: إنَّ رواية من لم يذكر سؤال الذين أقاموا في النَّهار وَقَعَ من تقصير بعض الرواة، أو يحتمل قوله: (ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِيْنَ بَاتُوا) على ما هو أعمُّ من المبيت باللَّيل والإقامة بالنَّهار، فلا يختص ذلك بليل دون نهار ولا عكسه، بل كلُّ طائفة منهم إذا صعدت سئلت، وغاية ما فيه إنَّه استعمل لفظ (باتَ) في (أقامَ) مجازًا، ويكون قوله: (فيسألُهم) أي كلُّ من الطائفتين في الوقت الذي يصعد فيه، ويدلُّ على هذا الحمل رواية موسى بن عُقْبَة عن أبي الزناد عند النَّسائي ولفظه: ((ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِيْنَ كَانُوا))، فعلى هذا لم يقع في المتن اختصار ولا اقتصار، وهذا أقرب الأجوبة. وقد وَقَعَ لنا هذا الحديث من طريق أخرى واضحًا، وفيه التصريح بسؤال كلٍّ من الطائفتين، وذلك فيما رواه ابن خُزَيمَة في «صحيحه» وأبو العبَّاس السراج جميعًا عن يوسف بن موسى عن جرير عن الأَعْمَش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((تجتمعُ ملائكةُ اللَّيلِ وملائكةُ النَّهار في صلاةِ الفجرِ وصلاةِ العصرِ، فيجتمعُونَ في صلاةِ الفجرِ، فتصعدُ ملائكةُ اللَّيلِ وتبيتُ ملائكةُ النهارِ، ويجتمعُونَ في صلاةِ العصرِ، فتصعدُ ملائكةُ النَّهار وتبيتُ ملائكةُ الليلِ، فيسألُهم ربهُّم: كيفَ تركْتُم عبادِي؟)) الحديث، وهذه الرواية تزيل الإشكال وتغني عن كثير من الاحتمالات المتقدمة، فهي المعتمدة، ويحمل ما نقص منها على تقصير بعض الرواة. انتهى. قوله: (فَيَسْأَلُهُمْ) قيل الحكمة فيه: استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير، واستنطاقهم لما يقتضي التعطف عليهم بذلك، وذلك لإظهار الحكمة في خلق نوع الإنسان في مقابلة من قال من الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] أي قد وجد فيهم من يسبِّح ويقدِّس مثلكم بنصِّ شهادتكم. وقال عياض: هذا السؤال على سبيل التعبُّد للملائكة كما أمروا أن يكتبوا أعمال بني آدم، وهو أعلم من الجميع بالجميع. قوله: (كَيْفَ تَرَكْتُمْ) قال ابن أبي حمزة: وَقَعَ السؤال عن آخر الأعمال بخواتيمها، قال: والعباد المسؤول عنهم هم الذين ذكروا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥]. انتهى. قلت: اعلم أنَّ العبد هو القائم إلى أوامر سيِّده على حدِّ النَّشاط حيث جعله محلَّ أمره وقد كثرت عبارات القوم في حدِّ العبد والعبوديَّة والعبودة بألفاظ مختلفة ومعاني متقاربة وقد أشبعت الكلام فيها في كتابي «السراج الوهَّاج في حقائق المعراج» فمن أراد تحقيقها فليراجعه. انتهى. قوله: (تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّوْنَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّوْنَ) قال شيخنا: لم يراعوا

стр. 146

الترتيب الوجودي؛ لأنَّهم بدؤوا بالترك قبل الإتيان، والحكمة فيه: أنَّهم طابقوا السؤال؛ لأنَّه قال: (كَيْفَ تَرَكْتُمْ) ولأن المُخبَر به صلاة العباد والأعمالُ بخواتيمها، فناسب ذلك إخبارهم عن آخر أعمالهم قبل أوَّله. قوله: (تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ) ظاهره أنَّهم فارقوهم عند شروعهم في الصلاة، سواء تمَّت أو منع مانعٌ من إتمامها، وسواء شرع الجميع فيها أم لا؛ لأنَّ المنتظر في حكم المصلِّي، ويحتمل أن يكون المراد بقولهم: (وَهُمْ يُصَلُّوْنَ) أي ينتظرون صلاة المغرب. وقال ابن التِّين: الواو في قوله: (وهم يصلُّون) واو الحال، أي تركناهم على هذه الحال، ولا يقال: يلزم منه أنَّهم فارقوهم قبل انقضاء الصَّلاة فلم يشهَّدوها معهم، والخبر ناطق بأنَّهم يشهَّدوها؛ لأنَّا نقول هو محمول على أنَّهم شهدوا الصَّلاة مع من صلَّاها في أوَّل وقتها، وشهِّدوا من دخل فيها بعد ذلك ومن شرع في أسباب ذلك. انتهى. فإن قيل: ما الفائدة في قولهم: (وَأَتَيْنَاهُمْ) وكأنَّ السؤال عن كيفية الترك؟ وأجيب بأنَّهم زادوا في الجواب إظهارًا لبيان فضيلتهم، وحرصًا على ذِكر ما يوجب مغفرتهم كما هو وظيفتهم فيما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]. انتهى. قال شيخنا: ووَقَعَ في «صحيح ابن خُزَيمَة» من طريق الأَعْمَش عن أبي صالح عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث: ((فاغفرْ لهُمْ يوم الدين)). نكتة: استنبط منه بعض الصُّوفيَّة: إنَّه يستحبُّ ألَّا يفارق الشخص شيئًا من أموره إلَّا وهو على طهارة؛ كشعره إذا حلقه، وظفره إذا قلَّمه، وثوبه إذا أبدله، ونحو ذلك. قال ابن خُزَيمَة: ويستفاد من الحديث أنَّ الصَّلاة أعلى العبادات؛ لأنَّها عليها وَقَعَ السؤال والجواب، وفيه الإشارة إلى عظم هاتين الصلاتين؛ لكونهما يجتمع فيهما كلا الطائفتين وفي غيرهما طائفة واحدة، وفيه الإشارة إلى شرف الوقتين المذكورين، وقد ورد: أنَّ الرزق يُقسم بعد صلاة الصُّبح، وأنَّ الأعمال تُرفع آخر النَّهار، فمن كان في طاعة بورك في رزقه وفي عمله، والله أعلم. ويترتب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما والاهتمام بهما، وفيه تشريف هذه الأمَّة على غيرها، ويستلزم تشريف نبيها عليه أفضل الصَّلاة والسَّلام على غيره من الأنبياء، وفيه الإخبار بالغيوب ويترتَّب عليه زيادة الإيمان وفيه الإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتَّى نتيقَّظ ونتحفَّظ في الأوامر والنَّواهي، ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رسل ربِّنا وبسؤال ربِّنا عنَّا. قلت: وقد كنت أسمع شيخي وقدوتي السيِّد الشريف أحمد النُّعْماني ﵀ يقول عند صلاة الفجر: مرحبًا بملائكة النَّهار، مرحبًا برسل ربِّي، السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. انتهى. وفيه إعلامنا بحبِّ ملائكة الله لنا؛ لنزداد فيهم حبًّا ونتقرَّب إلى الله بذلك، وفيه كلام الله تعالى مع ملائكته، وغير ذلك من الفوائد. قال شيخنا: استدلَّ بالحديث بعض الحنفيَّة على استحباب تأخير صلاة العصر؛ ليقع عروج الملائكة إذا فرغ منها آخر النَّهار، وتُعُقِّب بأن ذلك غير لازم؛ إذ ليس في الحديث ما يقتضي أنَّهم لا يصعدون إلَّا ساعة الفراغ من الصلاة، بل جائز أن تفرغ الصَّلاة ويتأخَّروا

стр. 147

بعد ذلك إلى آخر النَّهار، ولا مانع أيضًا من أن تصعد ملائكة النَّهار وبعضُ النَّهار باقٍ ويقيم ملائكة اللَّيل، ولا يردُّ على ذلك وصفهم بالمبيت بقوله: (بَاتُوا فِيْكُمْ) لأنَّ اسم المبيت صادق عليهم ولو تقدَّمت إقامتَهم باللَّيل إقامتُهم قطعةً من النَّهار، ويحتمل أن يكون أنَّهم لا يصعدون حتَّى يفرغ الوقت؛ ليعلموا من صلَّى ومن لم يصلِّ، وهو ظاهر. انتهى. قال العَيني: هذا القائل ذكر في هذا الموضع ناقلًا عن البعض أنَّ ملائكة اللَّيل إذا صلَّوا الفجر عرجوا في الحال، وملائكة النَّهار إذا صلَّوا العصر لبثوا إلى آخر النَّهار لضبط بقيَّة عمل النَّهار، ثمَّ قال: وهذا ضعيف؛ لأنَّه يقتضي أنَّ ملائكة النَّهار لا يُسألون، وهو خلاف ظاهر الحديث، فالعجب منه إنَّه ناقَضَ كلامَه الذي ذكره في التَّعَقُّب على ما لا يخفى، وبمثل هذا التَّصرُّف لا يتوجَّه الردُّ على المستدلِّين بقوله: (ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِيْنَ بَاتُوا فِيْكُمْ) على استحباب تأخير صلاة العصر. انتهى. قلت: لم يناقض شيخُنا كلامَه؛ لأنَّه ناقل في الموضعين، واعترض على أحد القولين وردَّ العَيني اعتراضَه، فقد قوَّى قول المُتَعَقِّب هنا، والله أعلم. انتهى. قال شيخنا: وسيأتي الكلام على فوائد الحديث في باب قوله: (ثُمَّ يَعْرُجُ) في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى. انتهى. (١٧) (بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ الغُرُوْبِ) أي هذا باب في بيان حكم من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل غروب الشَّمس، قيل: جواب (مَنْ) الَّتي تضمَّن معنى الشرط محذوف، قال العَيني: لا نسلِّم أنَّ (مَنْ) هذه شرطيَّة، ولكنَّها موصولة، يوضح ذلك ما قدَّرناه. انتهى. قلت: للعَيني في هذا التقدير غرضٌ، وسيتَّضح ذلك فيما في الحديث من الأحكام. انتهى. وقال شيخنا: أورد فيه حديث أبي سلمة عن أبي هريرة: ((إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمس فَلْيُتِمَّ صَلَاتُهُ))، فكأنه أراد تفسير الحديث، وأن المراد بقوله فيه: (سَجْدَةً) أي ركعة، وقد رواه الإسماعيلي من طريق حُسَين بن محمَّد بن شَيْبان بلفظ: ((مَنْ أدركَ مِنْكُم ركعةً)) فدلَّ على أنَّ الاختلاف في اللَّفظ وَقَعَ من الرواة، وستأتي رواية مالك في أبواب وقت الصُّبح بلفظ: ((مَنْ أَدْرَك َرَكْعَةً)) ولم يختلف على راويها في ذلك، فكان عليها الاعتماد. وقال الخطَّابيُّ: المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إنَّما يكون تمامها بسجودها، فسمِّيت على هذا المعنى سجدة. انتهى كلام الخطابي. وقد روى البَيْهَقي هذا الحديث من طريق محمَّد بن الحسين بن الحنفي عن الفَضْل بن دُكَين، وهو أبو نُعَيم شيخ البخاري فيه، بلفظ: ((إذا أدركَ أحدُكم أوَّلَ سجدةٍ منْ صلاةِ العصرِ)) وإنَّما لم يأتِ المُصَنِّف في الترجمة بجواب الشرط؛ لما في لفظ المتن الذي أورده من الاحتمال، وهو قوله: (فليُتِمَّ صَلَاتُهُ) لأن الأمر بالإتمام أعمُّ من أن يكون ما يتمُّه أداءً أو قضاءً، فحذف جواب الشرط لذلك، ويحتمل أن تكون (مَنْ) في الترجمة موصولة، وفي الكلام حذف تقديره: باب حكم من أدرك إلى آخره، لكن سيأتي من حديث مالك بلفظ: ((قَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ)) وهو يقتضي أن تكون أداءً، وستأتي مباحثه هناك إن شاء الله تعالى. انتهى. قال العَيني: لا بدَّ للشرط من جواب، سواء كان ملفوظًا أو مقدَّرًا، والجواب

стр. 148

في الحديث مذكورٌ، وكون الأمر بالإتمام أعمَّ ليست قرينةً لترك جواب الشرط في الترجمة، وكان ينبغي أن يقول: جواب الشرط في الترجمة محذوف تقديره: فليتمَّ، يبيِّنه جواب الشرط الذي في متن الحديث، ولكن التقدير الذي قدَّرناه لا يحوجنا إلى تقدير جواب الشرط ولا إلى القول بأنَّ مَن شرطيَّة. انتهى. ٥٥٦ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفَضْل بن دُكَين، ترجمته في باب من استبرأ لدينه في كتاب الإيمان. قوله: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) أي ابن عبد الرحمن التَّميمي، ترجمته في باب كتابة العلم. قوله: (عَنْ يَحْيَى) أي ابن أبي كثير، ترجمته في الباب أيضًا. قوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي عبد الله بن عبد الرحمن بن عَوْف، ترجمته في بدء الوحي. قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان. في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه القول، وفيه أنَّ رواته ما بين كوفي وبصري ومدني. قوله: (قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ، قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَليُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدرَكَ سَجدَةً مِنْ صَلَاةِ الصبحِ، قَبلَ أَن تَطلُعَ الشمسُ، فَليُتِمَّ صَلَاتَهُ). مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله: (إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ) فإن قلت: المذكور في الترجمة ركعة وفي الحديث سجدة، والترجمة في الإدراك في العصر، والحديث في العصر والصُّبح، فلا تطابق! قال العَيني: المراد من السجدة الركعة على ما يجيء إن شاء الله تعالى، وترك الصُّبح فيها من باب الاكتفاء. وقد وَقَعَ في ألفاظ هذا الحديث اختلاف، أخرج البخاري أيضًا عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبح رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمس فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تغْرُبَ الشَّمس فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ))، أخرجه في باب من أدرك من الفجر ركعة، وفي رواية النسائي: ((إذا أدركَ أحدُكم أوَّلَ السجدةِ مِن صلاةِ العصرِ قبلَ أنْ تغربَ الشَّمس فليتمَّ صلاتَه))، وكذا أخرجه ابن حبَّان في «صحيحه»، ورواه أحمد بن مَنِيع، ولفظه: ((مَن أدركَ منكم أوَّلَ ركعةً مِن صلاةِ العصرِ قبلَ أنْ تغربَ الشَّمسُ فليتمَّ صلاتَه، ومَنْ أدركَ ركعةً مِنْ صلاةِ الصُّبح قبلَ أنْ تطلعَ الشَّمسُ فقدْ أدركَ))، وفي رواية أبي داود: ((إذا أدركَ أحدُكم أوَّلَ السجدةِ مِنْ صلاةِ العصرِ)). وعند السَّرَّاج: ((مَنْ صلَّى سجدةً واحدةً مِن العصرِ قبلَ غروبِ الشَّمسِ، ثمَّ صلَّى ما بقي بعدَ غروبِ الشَّمسِ فلمْ يفُتْه العصرَ، ومَن صلَّى سجدةً واحدةً مِن الصُّبح قبلَ طلوعِ الشمسِ، ثمَّ صلَّى ما بقي بعدَ طلوعِها فلمْ يفُتْه الصُّبحَ))، وفي لفظٍ: ((مَن أدركَ ركعةً مِن الفجرِ قبلَ أنْ تطلعَ الشَّمسُ، وركعةً بعدَ ما تطلعُ فقدْ أدركَ))، وفي لفظٍ: ((منْ أدركَ ركعةً منْ صلاةِ الصُّبحِ ثمَّ طلعَتِ الشَّمسُ فليتمَّ صلاتَه))، وفي لفظٍ: ((منْ أدركَ ركعةً منَ الجمعةِ فليضمَّ إليها أخرى))، وفي لفظٍ: ((منْ صلَّى سجدةً واحدةً منَ العصرِ قبلَ غروبِ الشَّمسِ، ثمَّ صلَّى ما بقي بعدَ الغروبِ فلمْ تفُتْه العصرَ))، وفي لفظٍ: ((منْ أدركَ قبلَ طلوعِ الشَّمسِ

стр. 149

سجدةً فقدْ أدركَ الصَّلاةَ، ومنْ أدركَ قبلَ غروبِ الشَّمسِ سجدةً فقدْ أدركَ الصلاةَ))، وفي لفظٍ: ((منْ أدركَ ركعةً أو ركعتينِ منْ صلاةِ العصرِ))، وفي لفظٍ: ((ركعتين)) من غير تردُّد، غير إنَّه موقوف، وهو عند ابن خُزَيمَة مرفوع بزيادة: ((أو ركعةً منْ صلاةِ الصُّبحِ)). وعند الطَّيالِسي: ((منْ أدركَ منَ العصرِ ركعتينِ أو ركعةً - الشكُّ من أبي بشر- قبل أنْ تغربَ الشَّمسُ فقدْ أدركَ، ومنْ أدركَ منَ الصُّبحِ ركعةً قبلَ أنْ تطلعَ الشَّمسُ فقدْ أدركَ))، وعند أحمد: ((منْ أدركَ ركعةً منْ صلاةِ الصُّبحِ قبلَ أنْ تطلعَ الشَّمسُ فقدْ أدركَ، ومنْ أدركَ ركعةً أو ركعتينِ منْ صلاةِ العصرِ قبلَ أنْ تغربَ الشَّمسُ فقدْ أدركَ))، وفي رواية النَّسائي: ((منْ أدركَ منْ صلاةٍ ركعةً فقدْ أدركَ))، وعند الدَّارَقُطْني: ((قبلَ أنْ يقيمَ الإمامُ صُلْبَه فقدْ أدركَها))، وعنده أيضًا: ((فقدْ أدركَ الفضيلةَ، ويتمُّ ما بقي)) وضعَّفه. وفي «سنن الكَجِّي» : ((منْ أدركَ منْ صلاةٍ ركعةً فقدْ أدركَها))، وفي «الصلاة» لأبي نعَيم: ((منْ أدركَ ركعتينِ قبلَ أنْ تغربَ الشَّمسُ وركعتينِ بعدما غابَتِ الشَّمسُ فلمْ تفتْه العصرَ))، وعند مسلم: ((منْ أدركَ ركعةً منَ الصَّلاةِ معَ الإمامِ فقدْ أدركَ الصَّلاةَ))، وعند النَّسائي بسند صحيح: ((منْ أدركَ ركعةً منَ الصَّلاةِ معَ الإمامِ فقدْ أدركَ الصَّلاةَ كلَّها إلَّا أنَّه يقضي ما فاتَه))، وعند الطَّحاوي: ((منْ أدركَ ركعةً منَ الصَّلاةِ فقدْ أدركَ الصَّلاة وفضلَها)) قال: وأكثر الرُّواة لا يذكرون فضلَها، قال: وهو الأظهر، وعند الطَّحاوي في حديث عائشة نحوُ حديث أبي هريرة. وأخرجه النَّسائي وابن ماجَهْ أيضًا. انتهى. قوله: (إِذَا أَدْرَكَ) كلمة إذا تتضمَّن معنى الشرط، فلذلك دخلت الفاء في جوابها وهو قوله: (فَليُتِمَّ صَلَاتَهُ). قوله: (سَجْدَةً) أي ركعة، تدلُّ عليه الرواية الأخرى للبخاري: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبح رَكْعَةً)) وكذلك فسَّرها في رواية مسلم: حدَّثني أبو الطَّاهر وحَرْمَلَة، كلاهما عن ابن وَهْب، والسِّياق لحرملة قال: أخبرني يُونُس عن ابن شهاب، أنَّ عُرْوَة بن الزُّبَيْر حدَّثه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((منْ أدركَ منَ العصرِ سجدةً قبلَ أنْ تغربَ الشَّمسُ، أو منَ الصُّبحِ قبلَ أنْ تطلعَ فقدْ أدركَها)) والسجدة إنَّما هي الركعة، وفسَّرها حَرْمَلَة، وكذا فسَّر في «الأم» لأنَّه يعبَّر بكلِّ واحد منهما عن الآخر، وأيًّا ما كان فالمراد بعضُ الصَّلاة وإدراك شيءٍ منها، وهو يطلق على الركعة والسجدة وما دونها مثل تكبيرة الإحرام. فإن قلت: ما الفرق بين قوله: (مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبح سَجْدَةً) و (مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنَ الصُّبْحِ)؟ قال العَيني: رواية تقديم السجدة هي السبب الذي به الإدراك، ومن قدَّم الصُّبح أو العصر قبل الركعة فلأنَّ هذين الاسمين هما اللذان يدلَّان عن هاتين الصلاتين دلالةً خاصة تتناول جميع أوصافها، بخلاف السجدة فإنَّها تدلُّ على بعض أوصاف الصلاة، فقُدِّم اللَّفظ الجامع. انتهى. فيه دليل صريح أنَّ من صلَّى ركعة من العصر، ثمَّ خرج الوقت قبل سلامه لا تبطل صلاته، بل يتمُّها، قال العَيني: وهذا بالإجماع. وأمَّا في الصُّبح فكذلك

стр. 150

عند الشَّافعي ومالك وأحمد، وعند أبي حنيفة تبطل صلاة الصُّبح بطلوع الشَّمس فيها، وقالوا: الحديث حجَّة على أبي حنيفة، وقال النَّوَوي: أبو حنيفة يبطل صلاة الصُّبح بطلوع الشَّمس فيها؛ لأنَّه دخل وقت النَّهي عن الصَّلاة بخلاف الغروب، والحديث حجَّة عليه. قال العَيني: من وقف على ما أسس عليه أبو حنيفة عرف أنَّ الحديث ليس بحجَّة عليه، وعرف أنَّ غير هذا من الأحاديث حجَّة عليهم، فنقول: لا شكَّ أنَّ الوقت سبب للصلاة وظرف لها، ولكن لا يمكن أن يكون كلُّ الوقت سببًا؛ لأنَّه لو كان كذلك يلزم تأخير الأداء عن الوقت، فتعيَّن أن يجعل بعض الوقت سببًا، وهو الجزء الأوَّل؛ لسلامته عن المزاحم، فإن اتصل به الأداء تقرَّرت السَّببيَّة، وإلَّا تنتقل إلى الجزء الثَّاني والثالث والرابع وما بعده إلى أن يتمكَّن فيه من عند التحرية إلى آخر جزء من آخر الوقت، ثمَّ هذا الجزء إن كان صحيحًا بحيث لم ينسب إلى الشيطان، ولم يوصف بالكراهة كما في الفجر وجب عليه كاملًا، حتَّى لو عرض له الفساد في الوقت بطلوع الشَّمس في خلال الصَّلاة فسد خلافًا لهم؛ لأنَّ ما وجب كاملًا لا يتأدَّى بالناقص كالصَّوم المنذور المطلق أو صوم القضاء لا يتأدَّى في أيَّام النَّحْر والتَّشريق، وإن كان هذا الجزء ناقصًا كان منسوبًا إلى الشَّيطان كالعصر وقت الاحمرار وجب ناقصًا؛ لأنَّ نقصان السبب مؤثِّر في نقصان المتسبِّب، فيتأدَّى بصفة النقصان؛ لأنَّه أُدّي كما لزم، كما إذا أنذر صوم النَّحْر وأداه فيه، فإذا غربت الشَّمس في أثناء الصَّلاة لم يفسد العصر؛ لأنَّ ما بعد الغروب كامل فيتأدَّى فيه؛ لأنَّ ما يجب ناقصًا يتأدَّى كاملًا بالطريق الأولى. فإن قلت: يلزم أن تفسد العصر إذا شرع فيه في الجزء الصحيح ومدَّها إلى أن غربت. قلت: لما كان الوقت مُتَّسِعًا جاز له شغل كلِّ الوقت، فيعفى الفساد الذي يتصل به بالبناء؛ لأنَّ الاحتراز عنه مع الإقبال على الصَّلاة متعذِّر. وأمَّا الجواب عن الحديث المذكور: فهو ما ذكره الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي ﵀، وهو أنَّه يحتمل أن يكون معنى الإدراك في الصبيان الذين يدركون -يعني يبلغون قبل طلوع الشَّمس- والحيِّض اللاتي يطهرن، والنَّصارى الذين يسلمون؛ لأنَّه لما ذكر في هذا الإدراك ولم يذكر الصَّلاة فيكون هؤلاء الذين سمَّيناهم ومن أشبههم مدركين لهذه الصَّلاة، فيجب عليهم قضاؤها وإن كان الذي بقي عليهم من وقتها أقلُّ من المقدار الذي يصلُّونها فيه. فإن قلت: ما تقول فيما رواه أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمسُ فليُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبح قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمسُ فليُتِمَّ صَلَاتَهُ)) رواه البخاري والطَّحاوي أيضًا، فإنه صريح في ذكر البناء بعد طلوع الشَّمس. قلت: قد تواترت الآثار عن النَّبِيِّ ﷺ بالنَّهي عن الصَّلاة عند طلوع الشَّمس ما لم تتواتر بإباحة الصَّلاة عند ذلك، فدلَّ ذلك أنَّ ما كان فيه الإباحة كان منسوخًا بما فيه التواتر بالنَّهي. فإن قلت: ما حقيقة النَّسخ في هذا

стр. 151

والذي تذكره احتمال، وهل يثبت النَّسخ بالاحتمال؟ قلت: حقيقة النَّسخ هنا إنَّه اجتمع في هذا الموضع محرِّم ومبيح، وقد تواترت الأخبار والآثار في باب المحرِّم ما لم تتواتر في باب المبيح، وقد عرف من القاعدة: أنَّ المحرِّم أو المبيح إذا اجتمعا يكون العمل للتحريم، ويكون المبيح منسوخًا؛ وذلك لأنَّ الناسخ هو المتأخِّر، ولا شكَّ أنَّ الحرمة متأخِّرة عن الإباحة؛ لأنَّ الأصل في الأشياء الإباحةُ والتحريمُ عارضٌ، ولا يجوز العكس؛ لأنَّه يلزم النَّسخ مرَّتين، فافهم؛ فإنَّه كلام دقيق قد لاح لي من الأنوار الإلهيَّة. فإن قلت: إنَّما ورد النَّهي المذكور عن الصَّلاة في الطُّلوع خاصَّة، وليس بنهي عن قضاء الفرائض. قلت: دلَّ حديث عِمْران بن حُصَين الذي خرجه البخاري ومسلم وغيرهما على أنَّ الصَّلاة الفائتة قد دخلت في النَّهي عن الصَّلاة عند طلوع الشَّمس وعند غروبها، وعن عِمْران أنَّه قال: ((سَرَيْنَا مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، أَوْ قَالَ: فِي سَرِيْةٍ، فَلَمَا كَانَ آخِرُ السَّحَرِ عَرَّسْنَا، فَمَا اسْتَيْقَظْنَا حتَّى أَيْقَظَنَا حَرُّ الشَّمْسِ)) الحديث، وفيه أنَّه ﵇ أخَّر صلاة الصُّبح حين فاتت عنهم إلى أن ارتفعت الشَّمس، ولم يصلِّها قبل الارتفاع، فدلَّ ذلك أنَّ النَّهي عامٌّ يشمل الفرائض والنوافل، والتخصيص بالتطوع ترجيح بلا مرجح. هذا كلُّه كلام العيني. قلت: وفي هذا الحديث الذي استدلَّ به على أنَّ النَّهي عامٌّ ما يبطل قوله، وهو قول عِمْران: (فَمَا اسْتَيْقَظَنَا حتَّى أَيْقَظَنَا حَرُّ الشَّمْسِ) وحرُّها لا يكون إلَّا بعد ارتفاعها، وهو لا يقول: إنَّ النَّهي يكون في حالة الارتفاع، وتأخيره ﵇ لم يكن لأجل طلوع الشَّمس، إنَّما هو لأجل الشَّيطان الذي في ذلك الوادي، وقول العَيني: كالصَّوم المنذور المطلق إلى آخره، معارضّةٌ لنصٍّ بالقياس، وفي غالب ما قاله نظر، ولا شكَّ أنَّ حديث الباب حجَّةٌ عليه كما قاله النَّوَوي وغيره؛ لأنَّه ﵇ أمر بإتمامها بعد طلوع الشَّمس، ونهيه عن الصَّلاة عند الطلوع هو أن يبتدئ المصلِّي الصَّلاة في حالة الطُّلوع، لا أن يبتدئ قبل الطُّلوع، فقد روى مسلم عن عُقْبَة بن عامر ﵁ قال: ((ثلاثُ ساعاتٍ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ ينهَانا أنْ نصلِّي فيهنَّ أو نقبُرَ فيهنَّ موتَانا: حينَ تطلعُ الشَّمسُ بازغةً حتَّى ترتفعَ، وحينَ يقومُ قائمُ الظهيرةِ حتَّى تميلَ الشَّمسُ، وحينَ تضيَّفُ للغروبِ)) فالظهيرة: شدَّة الحرِّ، وقائمها: البعير يكون باركًا فيقوم من شدَّة حرِّ الأرض، وتضيّف للغروب: أي مالت إليه، ومنه الضيف؛ لميله إلى المضيف وميلِ المضيف إليه، والله أعلم. قال العَيني: وفيه أنَّ أبا حنيفة ومن تبعه استدلُّوا بالحديث المذكور أنَّ آخر وقت العصر هو غروب الشَّمس؛ لأنَّ من أدرك منه ركعة أو ركعتين مدركٌ له، فإذا كان مدركًا يكون ذلك الوقت من وقت العصر؛ لأنَّ معنى قوله: (فَقَدْ أَدْرَكَ) وجوبها، حتَّى إذا أدرك الصبي قبل غروب الشمس، أو أسلَّم الكافر أو أفاق المجنون أو طهرت الحائض تجب عليه صلاة العصر ولو كان الوقت الذي أدركه جزأ يسيرًا لا يسع فيه الأداء، وكذلك الحكم قبل طلوع الشَّمس. انتهى. قلت: هذا الذي قاله العَيني معناه صحيح، وأمَّا تفسيره الحديث بذلك فغير مسلَّم. انتهى. قال: وقال زُفَر رحمه

стр. 152

الله: لا يجب ما لم يجد وقتًا يسع الأداء فيه حقيقةً، وعن الشَّافعي ﵀ قولان فيما إذا أدرك دون ركعة كتكبيرة مثلًا، أحدهما: لا يلزمه، والآخر: يلزمه، وهو أصحُّهما. انتهى. وفيه: أنَّهم اختلفوا في معنى الإدراك، هل هو للحكم أو للفضل أو للوقت من أقلِّ من ركعة؟ فذهب مالك وجمهور الأئمة، وهو أحد قولي الشافعي، إلى أنَّه لا يدرك شيئًا من ذلك بأقلِّ من ركعة، متمسكين بلفظ الركعة، وبما في «صحيح ابن حبَّان» عن أبي هريرة: ((إذا جئتم إلى الصَّلاة ونحن سجود فاسجدوها ولا تعدُّوها شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصَّلاة))، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي في قولٍ إلى إنَّه يكون مدركًا لحُكم الصَّلاة. فإن قلت: قيَّد في الحديث ركعة، فينبغي ألَّا يعتبر أقلَّ منها، قال العَيني: قيَّد الركعة فيه خرج مخرج الغالب، فإنَّ غالب ما يمكن معرفة الإدراك به ركعة ونحوها، حتَّى قال بعض الشافعيَّة: إنَّما أراد رسول الله ﷺ بذكر الركعة البعض من الصَّلاة؛ لأنَّه رُوي عنه: ((منْ أدركَ ركعةً منَ العصرِ)) و ((منْ أدركَ ركعتينِ منَ العصرِ)) و ((منْ أدركَ سجدةً منَ العصرَ)) والتكبيرة في حكم الركعة؛ لأنَّها بعض الصَّلاة، فمن أدركها فكأنَّه أدرك ركعة. انتهى. قلت: هذا التفسير يوافق مذهبه، وقد علمت ما فيه مما تقدَّم. انتهى. وقال القُرْطُبي: واتَّفق هؤلاء - يعني أبا حنيفة وأبا يوسف والشافعي في قول - على إدراكهم العصر بتكبيرة قبل الغروب، واختلفوا في الظُّهر، فعند الشَّافعي في قول: هو مدرك بالتكبيرة لها؛ لاشتراكهما في الوقت، وعنه: إنَّه بتمام القيام للظُّهر يكون قاضيًا لها، واختلفوا في الجمعة، فذهب مالك والثَّوْري والأوزاعي واللَّيث وزُفَر ومحمَّد والشافعي وأحمد إلى أنَّ من أدرك ركعة منها أضاف إليها أخرى، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أحرَّم في الجمعة قبل سلام الإمام صلَّى ركعتين، وهو قول النَّخَعي والحكم وحمَّاد، وأغرب عطاء ومكحول وطاوس ومجاهد فقالوا: من فاتته الخطبة يوم الجمعة يصلِّي أربعًا؛ لأنَّ الجمعة إنَّما قصرت من أجل الخطبة. وحمل أصحاب مالك قوله: ((منْ أدركَ ركعةً منَ العصرِ)) على أصحاب الأعذار كالحائض والمغمى عليه وشبههما. ثمَّ هذه الركعة الَّتي يدركون بها الوقت هي بقدر ما يكبِّر فيها للإحرام، ويقرأ أمَّ القرآن قراءة معتدلة، أو يركع ويسجد سجدتين يفصل بينهما ويطمئن في كلِّ ذلك على قول من أوجب الطمأنينة، وعلى قول من لا يوجب قراءة أمِّ القرآن في كلِّ ركعة يكفيه تكبيرة الإحرام والوقوف لها، وأشهب لا يراعي إدراك السجدة بعد الركعة. وسبب الخلاف: هل المفهوم من اسم الركعة الشرعيَّةُ أو اللغويَّةُ. وأمَّا الَّتي يدرك بها فضيلة الجماعة، فحكمها بأن يكبِّر لإحرامها، ثمَّ يركع ويمكِّن يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه، وهذا مذهب الجمهور، ورُوي عن أبي هريرة: إنَّه لا يعتدُّ بالركعة ما لم يدرك الإمام قائمًا قبل أن يركع. ورُوي معناه عن أَشْهَب، وروى جماعة من السَّلف: إنَّه متى أحرم والإمام راكع أجزأه وإن لم

стр. 153

يدرك الركوع وركع بعد الإمام، وقيل: تجزئه وإن رفع الإمام رأسه ما لم يرفع النَّاس، ونقله ابن بَزيزَة عن الشَّعْبي قال: وإذا انتهى إلى الصَّف الآخر ولم يرفعوا رؤوسهم، أو بقي منهم واحد لم يرفع رأسه وقد رفع الإمام رأسه فإنَّه يركع وقد أدرك الصَّلاة؛ لأنَّ الصَّف الذي هو فيه إمامه. وقال ابن أبي ليلى وزُفَر والثَّوْري: إذا كبَّر قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك، وإن رفع الإمام قبل أن يضع يديه على ركبتيه فإنه لا يُعتد بها. وقال ابن سيرين: إذا أدرك تكبير يدخل فيها في الصَّلاة وتكبيرة للركوع فقد أدرك تلك الركعة، وقال القُرْطُبي: وقيل: تجزئه إن أحرم قبل سجود الإمام. وقال ابن بَزيزَة: قال أبو العالية: إذا جاء وهم سجود يسجد معهم، فإذا سلَّم الإمام قام فركع ركعة ولا يسجد، ويعتدُّ بتلك الركعة. وعن ابن عُمَر ﵄: إنَّه كان إذا جاء والقوم سجود سجد معهم، فإذا رفعوا رؤوسهم سجد أخرى ولا يعتدُّ بها. وقال ابن مسعود: إذا ركع ثمَّ مشى فدخل في الصفِّ قبل أن ترفعوا رؤوسكم اعتدَّ بها، وإن رفعوا رؤوسهم قبل أن يصل إلى الصفِّ فلا يعتدُّ بها. وأمَّا حكم هذه الصَّلاة، فالصحيح: إنَّها كلُّها أداء، قال بعض الشافعية: كلُّها قضاء، وقال بعضهم: تلك الركعة أداء وما بعدها قضاء، وتظهر فائدة الخلاف في مسافر نوى القصر وصلَّى ركعة في الوقت، فإن قلنا: الجميع أداءٌ، فله قصرها، وإن قلنا: كلُّها قضاء أو بعضها، وجب إتمامها أربعًا إن قلنا: إنَّ فائتة السَّفر إذا قضاها في السَّفر يجب إتمامها، وهذا إن أدرك ركعة في الوقت، فإن كان دون ركعة فقال الجمهور: كلُّها قضاء. ٥٥٧ - قوله: (حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ عَبْدِ اللهِ) أي الأويسيُّ -بضمِّ الهمزة- نسبة إلى أويس أحد أجداده، مرَّ في كتاب الحرص على الحديث. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي إِبراهِيْمُ بنُ سَعْدٍ) أي ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف أبو إِسْحاق الزُّهْري القُرَشي المدني، ترجمته في باب تفاضل أهل الإيمان. قوله: (عَنِ ابنِ شِهَابٍ) أي محمَّد بن مسلم بن شهاب الزُّهْري، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة. قوله: (عَنْ سَالمِ بنِ عَبْدِ اللهِ) أي ابن عُمَر بن الخطَّاب، ترجمته في باب الحياء من الإيمان. قوله: (عَنْ أَبِيْهِ إنَّه أَخْبَرَهُ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان. في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد من الماضي في موضع، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه الإخبار بصيغة الماضي، وفيه القول، وفيه السَّماع، وفيه أنَّ رواته كلُّهم مدنيُّون، وفيه أنَّ شيخ البخاري من أفراده، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي وهما ابن شهاب وسالم. قوله: (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: إنَّما بَقَاؤُكُمْ فِيْمَا سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ كَمَا بَينَ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التورَاةِ التورَاةَ، فَعَمِلُوا بها حتَّى إِذَا انتَصَفَ النَّهار عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثمَّ أُوْتِيَ أَهْلُ الإِنجِيلِ الإِنجِيلَ، فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ العَصرِ، ثمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثمَّ أُوتِيْنَا

стр. 154

القُرآنَ، فَعَمِلنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعطِينَا قِيرَاطَينِ قِيرَاطَينِ، فَقَالَ: أَهلُ الكِتَابَينِ: أَي رَبُّ، أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَينِ قِيرَاطَينِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيْرَاطًا قِيْرَاطًا، وَنَحنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا؟ قَالَ اللهُ : هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجرِكُم مِنْ شَيءٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: هُوَ فَضْلِي أُوتِيْهِ مَنْ أَشَاءُ). مطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله: (إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ) فدلَّ على أنَّ وقت العصر إلى غروب الشمس، وأنَّ من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب فقد أدرك، وفيها فليتمَّ ما بقي. قال العَيني: وهذا المقدار بطريق الاستئناس الإقناعي، لا بطريق الأمر البرهاني، ولهذا قال ابن المنيِّر: هذا الحديث مثال لمنازل الأمم عند الله تعالى، وإنَّ هذه الأمَّة أقصرها عمرًا وأقلُّها عملًا وأعظمها ثوابًا. ويستنبط منه للبخاري بتكلُّف في قوله: (فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ) فدلَّ أنَّ وقت العمل ممتدٌّ إلى غروب الشَّمس، وإنَّه لا يفوت، وأقرب الأعمال المشهور بهذا الوقت صلاة العصر، وهو من قبيل الأخذ بالإشارة، لا من صريح العبارة، فإن الحديث مثال، وليس المراد عملًا خاصًا بهذا الوقت، بل المراد سائر أعمال الأمَّة من سائر الصَّلوات وغيرها من سائر العبادات في سائر مدَّة بقاء الأمَّة إلى قيام السَّاعة، وكذا قال أبو المعالي الجُوَيني: فإن الأحكام لا تتعلَّق بالأحاديث الَّتي تأتي لضرب الأمثال، فإنه موضع تجوُّزٍ. قال شيخنا: وما أبداه مناسب لإدخال هذا الحديث في أبواب أوقات العصر لا بخصوص الترجمة، وهي: (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ الغُرُوْبِ) بخلاف ما أبداه المُهَلَّب. وقال المُهَلَّب: إنَّما أدخل البخاري هذا الحديث والحديث الذي بعده في هذا الباب لقوله: (ثُمَّ أُوْتِيْنَا القُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِيْنَا قِيْرَاطَيْنِ) ليدلَّ على أنَّه يستحقُّ بعمل البعض أجر الكلِّ مثل الذي أعطي من العصر إلى اللَّيل أجر النَّهار كلِّه، فمثله كالذي أعطي على ركعة أدرك وفيها أجر الصَّلاة كلِّها في آخر الوقت. قال شيخنا: وتكملة ذلك أن يقال: إنَّ فضل الله الذي أقام به عمل ربع النَّهار مقام عمل النَّهار كلِّه هو الذي اقتضى أن يقوم إدراك الركعة الواحدة من الصَّلاة الرباعيَّة الَّتي هي العصر مقامَ إدراك الأربع في الوقت، فاشتركا في كون كلٍّ منهما ربع العمل، وحصل بهذا التقرير الجواب عمَّن استشكل وقوع الجميع أداءً مع أنَّ الأكثر إنَّما وَقَعَ خارج الوقت، فيقال في هذا ما أجيب به أهل الكتابين: ذلك فضل الله يُؤتيه من يشاء. انتهى. وقال صاحب «التلويح» فيه بعدٌ: فإنه لو قال: إنَّ هذه الأمَّة أعطيت ثلاثة قراريط لكان أشبه، ولكنها ما أعطيت إلَّا بعض أجر جميع النَّهار، نعم عملت هذه الأمَّة قليلًا فأخذت كثيرًا، ثمَّ هو أيضًا منفك عن محلِّ الاستدلال؛ لأنَّ عمل هذه الأمَّة آخر النَّهار كان أفضل من عمل المتقدِّمين قبلها، ولا خلاف أنَّ صلاة العصر متقدِّمة أفضل من صلاتها متأخِّرة، ثمَّ هذا من الخصائص المستثناة عن القياس، فكيف يقاس عليه؟ ألا ترى أن صيام آخر النَّهار لا يقوم مقام جملته؟ وكذا سائر العبادات. انتهى. قال العَيني: كلُّ ما ذكروا ههنا لا يخلو عن تعسُّف، وقوله: لا خلاف، غير موجَّه؛ لأنّ الخلاف موجود في تقديم صلاة العصر وتأخيرها، وقياسه على الصَّوم

стр. 155

كذلك؛ لأنَّ وقت الصَّوم لا يتجزَّأ بخلاف الصَّلاة. انتهى وقال شيخنا: استبعد غير مستبعد، وليس في كلام المُهَلَّب ما يقتضي أنَّ إيقاع العبادة في آخر وقتها أفضل من إيقاعها في أوَّله، وأمَّا إجزاء عمل البعض عن الكلِّ فمن قبيل الفضل، فهو كالخصوصيَّة سواء. انتهى. هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في باب الإجارة إلى نصف النَّهار، عن سُلَيمان بن حرب عن حمَّاد عن أيُّوب عن نافع به، وأخرجه أيضًا في باب فضل القرآن، عن مُسَدَّد عن يحيى عن سُفْيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وأخرجه أيضًا في التوحيد عن أبي اليمان عن شُعَيب عن الزُّهْري عن سالم بن عبد الله، وأخرجه أيضًا في باب ما ذكر عن بني إسرائيل، عن قُتَيْبَة عن ليث عن نافع به، وأخرجه مسلم والتِّرْمِذي أيضًا. قوله: (إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيْمَا سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ) ظاهره ليس؛ لأنَّ ظاهره أنَّ بقاء هذه الأمَّة وَقَعَ في زمان الأمم السَّالفة، وليس كذلك، وإنَّما معناه: أنَّ نسبتكم إليهم كنسبة وقت العصر إلى تمام النَّهار، وفي رواية التِّرْمِذي: ((إنَّما أجلكم في أجلِ منْ خلا منَ الأممِ كما بينَ صلاةِ العصرِ إلى غروبِ الشَّمسِ))، قال شيخنا: وحاصله: أنَّ (فِي) بمعنى (إلى) وحذف المضاف وهو لفظ (نسبة)، وقد أخرج المُصَنِّف هذا الحديث، وكذا حديث أبي موسى الآتي بعده في أبواب الإجارة، ويقع استيفاء الكلام عليهما هناك إن شاء الله تعالى، والغرض هنا بيان مطابقتهما للترجمة والتوفيق بين ما ظاهره الاختلاف منهما. انتهى. قوله: (إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ) كان القياس أن يقال: وغروب الشَّمس بالواو؛ لأن بين يقتضي دخوله على متعدد، ولكن المراد من الصَّلاة وقت الصَّلاة وله أجزاء، فكأنَّه قال: بين أجزاء وقت صلاة العصر. قوله: (أُوْتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ) قال العَيني: (أُوْتِيَ) على صيغة المجهول، أي أُعطي، فالتوراة الأولى مجرورة بالإضافة والثانية منصوبة على مفعول ثانٍ، قيل اشتقاق التوراة من الوَرْي ووزنها تفعلة، وقال الزَّمَخشَري: التوراة والإنجيل اسمان أعجميان، وتكلَّف اشتقاقهما من الوَرْي والنَّجْل ووزنهما بتَفْعلة وإفعيل إنَّما يصحُّ بعد كونهما عربيين. وقرأ الحسن: ﴿الأنجيل﴾ بفتح الهمزة، وهو دليل على العجمة؛ لأنَّ أفعيل بفتح الهمزة عديم في أوزان العرب. انتهى. قال شيخنا: ظاهره أنَّ هذا كالشرح والبيان لما تقدَّم من تقريره مدَّة الزَّمانين، وقد زاد المُصَنِّف في رواية عبد الله بن دينار عن ابن عُمَر في فضائل القرآن هنا: ((مَثَلُكُمْ مَثَلُ اليَهُوْدِ والنَّصَارَى)) إلى آخره، وهو يُشعر بأنهما قضيتان. قوله: (قِيْرَاطًا قِيْرَاطًا) قال العَيني: القيراط نصف دانق، والمراد منه النَّصيب والحصة، وقد استوفينا الكلام فيه في باب اتباع الجنائز من الإيمان. قال شيخنا: كرَّر (قِيْرَاطًا) ليدلَّ على تقسيم القراريط على جميعهم؛ لأنَّ العرب إذا أرادت تقسيم الشيء على متعدِّد كررته كما يقال: اقسم هذا المال على بني فلان درهمًا درهمًا. قوله: (عَجِزُوا) قال الدَّاوُدي: هذا مشكل؛ لأنَّه إن كان المراد من مات منهم مسلِّمًا فلا يوصف بالعجز لأنَّه عمل ما أمر به، وإن كان ممن مات بعد التغيير والتبديل

стр. 156

فكيف يعطى القيراط من حبط عمله بكفره؟! وأورده ابن [التِّين] (١) قائلًا: قال بعضهم: ولم ينفصل عنه، وأجيب بأنَّ المراد من مات منهم مسلمًا قبل التبديل والتغيير، وعبَّر بالعجز لكونهم لم يستوفوا عمل النَّهار كلِّه وإن كانوا قد استوفوا عمل ما قدِّر لهم، فقوله: (عَجِزُوا) أي عن إحراز الأجر الثَّاني دون الأوَّل، لكن من أدرك منهم النَّبِيَّ ﷺ وآمن به أعطي الأجر مرَّتين كما سبق مصرَّحًا به في كتاب الإيمان. قوله: (ثُمَّ أُوْتيَ أَهْلُ الإِنْجِيْلِ الإِنْجِيْلَ) الأوَّل مجرور بالإضافة، والثاني منصوب على المفعوليَّة. قوله: (فَقَالَ أَهلُ الكِتابَينِ) أي التوراة والإنجيل. قوله: (أَيْ رَبَّنَا) كلمة (أَيْ) من حروف النِّداء، يعني: يا ربَّنا، ولا تفاوت في إعراب المنادى بين حروفه. قوله: (وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا) قال الإسماعيلي: إنَّما قالت النَّصارى: نحن أكثر عملًا؛ لأنَّهم آمنوا بموسى وعيسى ﵉. قال العَيني: النَّصارى لم يؤمنوا بموسى ﵇، على ذلك جماعة الإخباريين، وأيضًا قوله: (وَنَحْنُ أَكْثَرَ عَمَلًا) حكاية عن قول أهل الكتابين. وقال الكِرْماني: قول اليهود ظاهر؛ لأنَّ الوقت من الصُّبح إلى الظهر أكثر من وقت العصر إلى المغرب، وقول النَّصارى لا يصحُّ إلَّا على مذهب الحنفيَّة حيث يقولون: العصر هو مصير ظلِّ الشيء مثليه، وهذا من جملة أدلَّتهم على مذهبهم. قال العَيني: هذا الذي ذكره هو قول أبي حنيفة وحدَه، وغيره من أصحابه يقولون: مثله. انتهى. قال شيخنا: تمسَّك به بعض الحنفيَّة كأبي زيد - أي الدَّبُوسي - في «كتاب الأسرار» إلى أنَّ وقت العصر من مصير ظلِّ كلِّ شيء مثليه؛ لأنَّه إذا كان كذلك كان قريبًا من أوَّل العاشرة، فيكون إلى الغروب ثلاثة ساعات غير شيء يسير، ويكون النَّصارى عملوا أيضًا ثلاث ساعات وشيئًا يسيرًا، وهو من أوَّل الزَّوال إلى أوَّل السَّاعة العاشرة، وهو إذا صار ظلُّ الشيء مثله؛ لأنَّه لو كان من مصير ظلِّ كلِّ شيء مثله لكان مساويًا لوقت الظُّهر وقد قالوا: (كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا) فدلَّ على أنَّه دون وقت الظُّهر، وأجيب بمنع المساواة، وذلك معروف عند أهل العلم بهذا الفن، وهو أنَّ المدَّة الَّتي بين الظُّهر والعصر أطول من المدَّة الَّتي بين العصر والمغرب. قال العَيني: لا يخفى على كلِّ أحدٍ أنَّ وقت العصر لو كان بمصير ظلِّ كلِّ شيء مثله يكون وقت الظُّهر الذي إلى مصير ظلِّ كلِّ شيء مثليه وقت العصر الذي يقول وقته بمصير ظل ِّكلِّ شيء مثله، ومع هذا أبو زيد ما ادَّعى المساواة بالتحقيق. انتهى. قال شيخنا: وأمَّا ما نقله بعض الحنابلة عن الإجماع على أنَّ وقت العصر ربع النَّهار، فمحمول على التقريب إذا فرعنا على أنَّ وقت العصر مصير الظلِّ مثله كما قال الجمهور، فأما على قول الحنفيَّة فالذي من الظُّهر إلى العصر أطول قطعًا، وعلى التنزل لا يلزم من التمثيل والتشبيه التسوية من كلِّ جهة. قال العَيني: ما ادعي هو التسوية من كلِّ جهة حتَّى يعترض عليه. قال شيخنا: وبأن الخبر إذا ورد في معنىً مقصودٍ لا يؤخذ منه المعارضة لما ورد في ذلك

стр. 157

المعنى بعينه مقصودًا في أمر آخر وبأنَّه ليس في الخبر نصَّ على أنَّ كلًّا من الطائفتين أكثر عملًا؛ لصدقَ أنَّ كلَّهم مجتمعين أكثر عملًا من المسلمين، وباحتمال أن يكون أطلق ذلك تغليبًا، وباحتمال أن يكون ذلك قول اليهود خاصَّة، فيندفع الاعتراض من أصله كما جزم به بعضهم، ويكون نسبة ذلك للجميع في الظَّاهر غيرَ مرادةٍ، بل هو عموم أريد به الخصوص، وبأنه لا يلزم من كونهم أكثر عملًا أن يكونوا أكثر زمانًا؛ لاحتمال كون العمل في زمهم كان أشقَّ، ويؤيده قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. انتهى. في حديث الباب تفضيل هذه الأمَّة وتوقير أجرها مع قلَّة العمل، وإنَّما فُضِّلت لقوَّة يقينها ومراعاة أصل دينها، فإن زلَّت فأكثر زلَلِها في الفروع بخلاف من كان قبلهم، كقولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨] وكامتناعهم من أخذ الكتاب حين نتق الجبل فوقهم، و ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٥٤]. قال شيخنا: ومما يؤيِّد كون المراد كثرة [العمل] (١) وقلَّته لا بالنسبة إلى طول الزَّمان وقصره، كون أهل الأخبار متفقين على أنَّ المدَّة الَّتي بين عيسى ونبينا ﵇ دون المدَّة الَّتي بين نبينا وقيام [السَّاعة] (٢) لأنَّ جمهور أهل المعرفة قالوا: إنَّ مدَّة الفترة بين عيسى ونبيِّنا ستمائة سنة وسيأتي الخلاف فيه، وهذه مدَّة المسلمين بالمشاهدة أكثر من ذلك، فلو تمسَّكنا بأن المراد التمثل بطول الزمانين وقصرهما للزم أن يكون وقت العصر أطول من وقت الظُّهر ولا قائل به، فدلَّ على المراد كثرة العمل وقلَّته، والله أعلم. انتهى. وفيه ما استنبطه بعضهم: أنَّ مدَّة المسلمين من حين ولد سيدنا رسول الله ﷺ إلى قيام السَّاعة ألف سنة، وذلك أنَّه جعل النَّهار نصفين، الأوَّل لليهود فكانت مدَّتهم ألف سنة وستمائة سنة وزيادة في قول ابن عبَّاس رواية أبي صالح عنه، وفي قول ابن إِسْحاق ألف سنة وتسعمائة سنة وتسع عشرة سنة، وللنصارى كذلك، فكانت مدَّة النصارى الَّتي لا يختلف النَّاس إنَّه كان بين عيسى ونبيِّنا ﵇ ستمائة سنة، فبقي للمسلمين ألف سنة وزيادة. قال شيخنا: قال جمهور أهل المعرفة بالأخبار: إنَّ مدَّة الفترة بين عيسى ونبيِّنا ﵈ ستمائة سنة، وثبت ذلك في صحيح البخاري عن سلمان، وقيل: إنَّها دون ذلك، حتَّى جاء عن بعضهم: إنَّه مائة وخمس وعشرون سنة. انتهى. قال العَيني: وفيما قاله: أي من قوله: (التي لا تختلف الناس) إلى آخره، نظر من حيث إنَّ الخلاف في مدَّة الفترة، فذكر الحاكم في «الإكليل» : إنَّها مائة وخمس وعشرون سنة، وذكر: إنَّها أربعمائة سنة، وقيل: خمسمائة وأربعون سنة، وعن الضَّحَّاك: أربعمائة وبضع وثلاثون سنة، وقد ذكر السُّهَيلي أنَّ جعفر بن عبد الواحد الهاشمي حدَّث بحديث مرفوع: ((إنْ أحسنَت أمَّتي فبقاؤها يومٌ من أيَّام الدُّنْيا وذلك ألف سنة، وإنْ أساءت فنصف يوم))، وفي حديث زمل الخزاعي قال: ((رأيتك يا رسول الله على منبر له سبع

стр. 158

درجات، إلى جنبك ناقة عجفاء كأنَّك تبعتَها، ففسَّر له النَّبِيُّ ﷺ الناقة بقيام السَّاعة الَّتي أنذر بها، ودرجات المنبر عدة الدُّنْيا سبعة آلاف سنة، بعُث في آخرها ألفًا)) قال السُّهَيلي: والحديث وإن كان ضعيف الإسناد فقد روي موقوفًا على ابن عبَّاس من طرقٍ صحاح إنَّه قال: ((الدنيا سبعة أيَّام كلُّ يوم ألف سنة))، وصحح الطَّبَري هذا الأصل وعضده بآثار. قال العَيني: وفيه ما استدلَّ به بعض أصحابنا على أنَّ آخر وقت الظُّهر ممتد إلى أن يصير ظلُّ كلِّ شيء مثليه، وذلك إنَّه جعل لنا من الزَّمان من الدُّنْيا في مقابلة مَن كان قبلنا من الأمم بقدر ما بين صلاة العصر إلى غروب الشَّمس، وهو يدُّل أنَّ بينهما أقل من ربع النَّهار؛ لأنَّه لم يبق من الدُّنْيا ربع الزمان؛ لقوله ﵇: ((بُعِثْتُ أَنَا والسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ)) وأشار بالسبَّابة والوسطى، فشبَّه ما بقي من الدُّنْيا إلى قيام السَّاعة مع ما انقضى بقدر ما بين السبَّابة والوسطى من التفاوت، قال السُّهَيلي: وبينهما نصف سبع؛ لأنَّ الوسطى ثلاثة أسباع، كلُّ مفصل منها سبع، وزيادتها على السبَّابة نصف سبع، والدُّنْيا على ما قدَّمناه عن ابن عبَّاس سبعة آلاف سنة، فلكل سبع ألفا سنة، وفضلت الوسطى على السبَّابة بنصف الأَنملة، وهو ألف سنة فيما ذكره أبو جعفر الطَّبَري وغيره، وزَعَمَ السُّهَيلي أنَّ بحساب الحروف المقطَّعة أوائل السور تكون تسعمائة سنة وثلاث سنين، وهل هي من مبعثه أو هجرته أو وفاته؟ والله أعلم. ٥٥٨ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ) أي بضمِّ الكاف، واسمه محمَّد بن العلاء، ترجمته في باب فضل من عَلِمَ وعَلَّمَ. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) أي حمَّاد بن أسامة، ترجمته في الباب أيضًا. قوله: (عَنْ بُرَيْدٍ) أي بضمِّ الباء الموحدة، ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي، يكنَّى أبا بردة، ترجمته في باب أيُّ الإسلام أفضل. قوله: (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) أي عامر، وهو جدُّ بريد المذكور، ترجمته في الباب أيضًا. قوله: (عَنْ أَبِي مُوْسَى) أي عبد الله بن قيس ﵁، ترجمته في الباب أيضًا. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في أربع مواضع، وفيه القول، وفيه رواية الرجل عن جدِّه ورواية الابن عن أبيه، وفيه أنَّ رواته ما بين كوفي وبصري، وفيه ثلاثة بالكُنى. قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : مَثَلُ المُسلِمِينَ، وَاليَهُودِ، وَالنَّصَارَى، كَمَثَلِ رَجُلٍ استَأجَرَ قَومًا يَعمَلُونَ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهار، وقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ، فاسْتَأجَرَ آخَرِيْنَ، فَقَالَ: أَكْمِلُوا بقيَّة يَومِكُمْ وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ، فَعَمِلُوا حتَّى إِذَا كَانَ حِينُ صَلَاةِ العَصْرِ، قَالُوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا، فاسْتَأجَرَ قَومًا عَمَلُوا بقيَّة يَومِهِم، حتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الفَرِيْقَيْنِ). مطابقة هذا الحديث للترجمة بطريق الإشارة لا بالتصريح، بيان ذلك: أنَّ وقت العمل ممتد إلى غروب الشمس، وأقرب الأعمال المشهورة بهذا الوقت صلاة العصر، وإنما قلنا: بطريق الإشارة؛ لأن هذا الحديث قصد

стр. 159

به بيان الأعمال لا بيان الأوقات. هذا الحديث أخرجه البخاري في الإجارة أيضًا. قوله: (مَثَلُ المُسْلِمِيْنَ) المَثل -بفتح الميم- في الأصل بمعنى المِثل -بكسر الميم- وهو النظير، يقال: مِثل ومَثَل ومَثيل كشِبه وشَبَه وشبيه، ثمَّ قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده مِثل، ولم يضربوا مثلًا إلَّا لقول فيه غرابة، وهذا تشبيه المركب بالمركب، فالمشبه والمشبه به هما المجموعان الحاصلان من الطرفين، وإلا كان القياس أن يقال: كمثل أقوام استأجرهم رجل، ودخول كاف التشبيه على المشبه به في تشبيه المفرد بالمفرد، وهذا ليس كذلك. قوله: (لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجرِكَ) الخطاب إنَّما هو للمستأجر، والمراد منه لازم هذا القول، وهو ترك العمل. قوله: (فَقَالَ: أَكْمِلُوا) كذا للأكثر بهمزة القطع، وبالكاف من الإكمال، وكذا وَقَعَ في رواية البخاري في الإجارة، ووَقَعَ هنا في رواية الكُشْمِيهَني: <اعْمَلُوا> بهمزة الوصل وبالعين من العمل. قوله: (حِيْنَ) منصوب بأنه خبر كان؛ أي كان الزَّمان زمان الصلاة، ويجوز أن يكون مرفوعًا بأنَّه اسم كان وتكون تامة. وحاصل المعنى من قوله: (وَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي أَجْرِكَ...) إلى آخره، لا حاجة في أجرتك الَّتي شرطت لنا وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا، اعملوا بقيَّة يومكم وخذوا أجرتكم كاملًا، فأبوا وتركوا ذلك كلَّه، فاستأجر قومًا آخرين فقال لهم: اعملوا بقيَّة يومكم ولكم الذي شرطت لهؤلاء من الأجر، فعملوا حتَّى حان العصر قالوا: لك ما عملنا، باطل ذلك الأجر الذي جعلت لنا، لا حاجة لنا فيه، فقال لهم: اكملوا بقيَّة عملكم، فإنما بقي من النَّهار شيء يسير وخذوا أجركم، فأبوا عليه فاستأجر قومًا آخرين، فعملوا بقيَّة يومهم، حتَّى إذا غابت الشَّمس واستكملوا أجر الفريقين كلَّه، مثل اليهود والنصارى تركوا ما أمرهم الله ومثل المسلمين الذين قبلوا هدى الله وما جاء به رسول الله ﷺ . والمقصود من هذا الحديث: ضرب المثل للنَّاس الذين شرع لهم دين موسى ﵇ ليعملوا الدهر كلَّه بما يأمرهم به وينهاهم، إلى أن بعث الله عيسى ﵇ فأمرهم باتباعه، فأبوا وتبرؤوا مما جاء به، وعمل آخرون بما جاء به عيسى على أن يعملوا بما يؤمرون به باقي الدَّهر، فعملوا حتَّى بُعِث سيِّدنا رسول الله ﷺ ، فدعاهم إلى العمل بما جاء به فأبوا وعصوا، فجاء الله تعالى بالمسلمين فعملوا بما جاء به وتكملوا إلى قيام السَّاعة، فلهم أجر من عمل الدَّهر كلَّه بعبادة الله تعالى كإتمام النَّهار الذي استؤجر عليه كلَّه أوَّل طبقة. وفي حديث ابن عمر: قدَّر لهم مدَّة أعمال اليهود، ولهم أجرهم إلى أن نسخ الله تعالى شريعتهم بعيسى ﵇، وقال عند مبعث عيسى ﵇: من يعمل إلى مدَّة هذا الشَّرع وله أجر قيراط؟ فعملت النَّصارى حتَّى نسخ الله تعالى ذلك بمحمَّد ﷺ ، ثمَّ قال متفضلًا على المسلمين: من يعمل بقيَّة النَّهار إلى اللَّيل وله قيراطان؟ فقال المسلمون: نحن نعمل إلى انقطاع الدَّهر، فمن عمل من اليهود إلى أن آمن بعيسى ﵇ وعمل بشريعته له أجره مرَّتين، وكذلك النَّصارى إذا آمنوا بمحمَّد ﷺ كما جاء في الحديث: ((وَرَجُلٌ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِي يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ)).

стр. 160

فإن قلت: حديث أبي موسى دلَّ على أنَّ الفريقين لم يأخذوا شيئًا، وحديث ابن عُمَر دلَّ على أنَّ كلًّا منهما أخذ قيراطًا، قال العَيني: ذلك فيمن ماتوا منهم قبل النسخ، وهذا فيمن حرَّف أو كفر بالنَّبِيِّ الذي بعث بعد نبيِّه. وقال ابن رُشَيد ما محصَّله: إنَّ حديث ابن عُمَر ذكر مثالًا لأهل الأعذار؛ لقوله: ((فعجزوا)) فأشار إلى أنَّ من عجز عن استيفاء العمل من غير أن يكون له صنيع في ذلك أنَّ الأجر يحصل له تامًّا فضلًا من الله، وذكر حديث أبي موسى مثالًا لمن أخَّر من غير عذر، وإلى ذلك الإشارة بقوله عنهم: (لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ) فأشار بذلك إلى أنَّ من أخَّر عامدًا لا يحصل له ما حصل لأهل الأعذار. وقال الخطَّابي: دلَّ حديث ابن عُمَر أنَّ مبلغ أجرة اليهود بعمل النَّهار كلِّه قيراطان، وأجرة النصارى للنصف الثَّاني من النَّهار إلى اللَّيل قيراطان، ولو تمَّموا العمل إلى آخر النَّهار لا يستحقوا تمام الأجرة وأخذوا قيراطين، إلَّا أنَّهم انخزلوا ولم يفوا بما ضمنوه فلم يصيبوا إلَّا ما خصَّ كلَّ فريق منهم من الأجرة وهو قيراط، ثمَّ إنَّ المسلمين لما استوفوا أجرة الفريقين معًا حاسدوهم وقالوا... إلى آخره، يعني قولهم: (أَيْ رَبَّنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيْرَاطَيْنِ...) إلى آخره، ولو لم تكن صورة الأمر على هذا لم يصحَّ هذا الكلام، ومن طريق أبي موسى زيادة بيان له، وقولهم: (لَا حَاجَةَ لَنَا) إشارة إلى تحريفهم الكتب وتبديلهم الشرائع وانقطاع الطريق بهم عن بلوغ الغاية، فحرموا تمام الأجرة لجنايتهم على أنفسهم حين امتنعوا من تمام العمل الذي ضمنوه. (١٨) (بابُ وَقْتِ المَغْرِبِ) أي هذا باب في بيان وقت صلاة المغرب، ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله ظاهر لا يخفى. قوله: (وَقَالَ عَطَاءٌ) أي ابن أبي رباح، ترجمته في باب عظة الإمام النساء. قوله: (يَجْمَعُ المَرِيْضُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ) هذا التعليق وصله عبد الرزَّاق في «مصنَّفه» عن ابن جُرَيج عنه. قال شيخنا: وأشار - أي البخاري - بهذا الأثر في هذه الترجمة إلى أنَّ وقت المغرب يمتدُّ إلى العشاء، وذلك إنَّه لو كان مضيَّقًا لانفصل عن وقت العشاء، ولو كان منفصلًا لم يجمع بينهما كما في الصُّبح والظهر، وبهذه النكتة ختم الباب بحديث ابن عبَّاس الدال على أنَّه ﷺ جمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما، وأما الأحاديث الَّتي أوردها في الباب فليس فيها ما يدلُّ على أنَّ الوقت مضيّق؛ لأنَّه ليس فيها إلَّا مجرد المبادرة إلى الصَّلاة في أوَّل وقتها، وكانت تلك عادته ﷺ في جميع الصَّلوات إلَّا فيما ثبت فيه خلاف ذلك كالإبراد وتأخير العشاء إذا أبطؤوا كما في حديث جابر والله أعلم. واختُلِفَ في المريض، هل يجوز له أن يجمع بين الصلاتين كالمسافر لما فيه من الرفق به أو لا؟ فجوَّزه أحمد وإسحاق مطلقًا، وأجازه بعض الشافعيَّة، وجوزه مالك بشرطه، والمشهور عن الشَّافعي وأصحابه المنع، ولم أر في المسألة نقلًا عن أحد

стр. 161

من الصحابة. انتهى. قال العَيني: وقال عياض: الجمع بين الصَّلوات المشتركة في الأوقات يكون تارة سنَّة وتارة رخصة، فالسنَّة الجمع بعرفة والمزدلفة، وأمَّا الرُّخصة فالجمع في المرض والسَّفر والمطر، فمن تمسَّك بحديث صلاة النَّبِيِّ ﷺ مع جبريل ﵇ وقدَّمه لم يرَ الجمع في ذلك، من خصَّه أثبت جواز الجمع في السَّفر بالأحاديث الواردة فيه وقاس المرض عليه، فنقول: إذا أبيح للمسافر الجمع لمشقَّة السَّفر فأحرى أن يباح للمريض، وقد قرن الله المريض بالمسافر في الترخيص له في الفطر والتيمم، وأمَّا الجمع في المطر فالمشهور من مذهب مالك إثباته في المغرب والعشاء، وعنه قولةٌ شاذةٌ: إنَّه لا يجمع إلَّا في مسجد الرسول ﵇، ومذهب المخالف جواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في المطر. انتهى. قلت: الجديد من قولي الشَّافعي جواز الجمع بالمطر تقديمًا ومنعه تأخيرًا، وشرط في التقديم وجود المطر أوَّل الصَّلاة الأولى وعند سلامها ليُصلِّ بأوَّل الثانية، ولا يضرُّ انقطاعه في أثناء الأولى أو الثانية أو بعدها، وسواء قويُّ المطر وضعيفُه إذا بل الثَّوب، والثلج والبرد كمطر إن ذابا لبلهما الثَّوب، والأظهر من قولي الشَّافعي تخصيص الرُّخصة بالمصلِّي جماعة بمسجد بعيد يتأذَّى بالمطر في طريقه، بخلاف من يصلِّي في بيته منفردًا أو جماعة أو يمشي في كُنٍّ أو كان المسجد بباب داره فلا يترخص؛ لانتفاء المشقة، والثاني يترخص لإطلاق الحديث، روى الشيخان عن ابن عبَّاس ﵄: ((أنَّه ﵇ صلَّى بالمدينة سبعًا جميعًا وثمانيًا جميعًا الظهر والعصر والمغرب والعشاء)) وفي رواية لمسلم: ((منْ غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ))، قال الإمام مالك: أرى ذلك بعذر المطر. انتهى. ٥٥٩ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ مِهْرَانَ؟) أي الجمَّال -بالجيم- الحافظ الرَّازي أبو جعفر، مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيْدِ) أي ابن مسلم -بكسر اللام الخفيفة- أبو العبَّاس الأموي، عالم أهل الشام، مات سنة خمس وتسعين ومائة. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) أي عبد الرحمن بن عُمَر، وقد مرَّ في باب الخروج في طلب العلم. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ مَوْلَى رَافِعٍ) هو عطاء بن صُهَيب النَّجَاشيِّ -بفتح النُّون وتخفيف الميم وبالشين من المعجمة- وصُهَيب بضمِّ الصَّاد المهملة، ورافع بن خُدَيج شيخ عطاء، قال ابن حبَّان: صحبه ستَّ سنين. قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بنَ خَدِيْجٍ يَقُوْلُ) رافع بالفاء، وخَدِيج -بفتح الخاء المعجمة وكسر الدَّال المهملة وبالجيم- الأنصاري الأوسي المدني ﵁. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه التَّحديث بصيغة الإفراد من الماضي في موضع واحد، وفيه القول في خمس مواضع، وفيه السَّماع، وفيه أنَّ رواته ما بين رازي وشامي ومدني. قوله: (كُنَّا نُصَلِّي المَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وإنَّه لَيُبْصِرُ مَواقِعَ نَبْلِهِ). مطابقته للترجمة من حيث إنَّه يدلُّ بالإشارة لا بالتصريح، فإنَّ المفهوم منه ليس إلَّا مُجَرَّد المبادرة إلى صلاة المغرب خوفًا أن يتأخَّر إلى اشتباك النُّجوم، وقد روى ابن خُزَيمَة والحاكم من حديث

стр. 162

العبَّاس بن عبد المطلب: ((لَا تَزَالُ أُمْتَي عَلَى الفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤْخِّرُوا المَغْرِبَ إِلَى النُّجُوْمِ)). هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصَّلاة عن محمَّد بن مِهْران به، وعن إِسْحاق بن إبراهيم عن شُعَيب بن إِسْحاق عن الأوزاعي به، وأخرجه ابن ماجَهْ فيه عن دُحَيم عن الوليد به. قوله: (لَيُبْصِرُ) -بضمِّ الياء آخر الحروف- من الإبصار، واللام فيه للتأكيد. قوله: (مَوَاقِعَ نَبْلِهِ) المواقع: جمع موقع، وهو موضع الوقوع، والنَّبْل -بفتح النُّون وسكون الباء الموحَّدة-: السِّهام العربيَّة، قال شيخنا: وروى أحمد في «مسنده» من طريق علي بن بلال عن ناس من الأنصار قالوا: ((كنَّا نصلِّي مع رسول الله ﷺ المغربَ، ثمَّ نرجع فنترامى حتَّى نأتي ديارنا فما يخفى علينا مواقع سهامنا)) إسناده حسن. قال العَيني: النَّبْل مؤنَّثة، وقال ابن سِيدَه: لا واحد له من لفظه، وقيل: واحدتها نَبْلة مثل تمر وتمرة، وفي «المغيث» لأبي موسى: هو سهم عربي لطيف غير طويل لا كسهام النُّشَّاب، والحُسبان أصغر من النَّبْل يرمي بها على القِسي الكِنانة في مجاري الخشب. ومعنى الحديث: أنَّه ﵇ يبكر بالمغرب في أوَّل وقتها بمُجَرَّد غروب الشَّمس، حتَّى ينصرف أحدنا ويرمي النَّبْل عن قوسه ويبصر موقعه لبقاء الضَّوء. فيه: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلَّى المغرب عند غروب الشَّمس، وبادر بها بحيث إنَّه لما فرغ منها كان الضوء باقٍ، وهو مذهب الجمهور، وذهب طاوس وعطاء ووَهْب بن مُنَبِّه إلى أنَّ أوَّل وقت المغرب حين طلوع النجم، واحتجُّوا في ذلك بحديث أبي بَصْرة الغفاري قال: ((صلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ العصر بالمَحْمَض فقال: إنَّ هذه الصَّلاة عرضت على من كان قبلكم فضيَّعوها، فمنْ حافظَ عليها كانَ لهُ أجره مرَّتين، ولا صلاة بعدها حتَّى يطلع الشاهد))، والشاهد: النَّجم. أخرجه مسلم والنَّسائي والطَّحاوي، وأجاب الطَّحاوي ﵀ عنه بأن قوله: (ولا صلاةَ بعدها حتَّى يرى الشاهد) يحتمل أن يكون هو آخر قول النَّبِيِّ ﷺ كما ذكره اللَّيث، ولكن الذي رواه غيره تأوَّل أنَّ الشاهد هو النَّجم، فقال ذلك برأيه لا عن النَّبِيِّ ﷺ ، على أنَّ الآثار قد تواترت عن النَّبِيِّ ﷺ : ((أنَّهُ كانَ يصلِّي المغربَ إذا توارَتِ الشَّمسُ بالحجابِ)). و (أَبُو بَصْرَةَ) -بفتح الباء الموحَّدة وسكون الصَّاد المهملة- واسمه: حُميل -بضمِّ الحاء المهملة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف- وقيل: جُميل -بالجيم-، قال العَيني: والأوَّل أصحُّ، و (المَحْمَض) -بفتح الميمين وسكون الحاء المهملة وفي آخره ضاد معجمة- وهو الموضع الذي ترعى فيه الإبل الحمض، وهو ما حمض وملح وأمر من النبات كالرمث والأثل والطرفاء ونحوها، والخُلَّة من النبت ما كان حلوًا، تقول العرب: الخُلَّة خبز الإبل والحمض فاكهتها. وقد وَقَعَ اختلاف في ألفاظ هذا الحديث ورواته، رواه أبو داود من حديث أَنَس ﵁: ((كنا نصلِّي المغربَ ثمَّ نرمي فيرى أحدُنا موضعَ نَبْلِه))، وعن كعب بن مالك: ((كان النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم

стр. 163

يصلِّي المغربَ، ثمَّ يرجع النَّاس إلى أهليهم ببني سلمة وهم يبصرون مواقع النَّبْل حين يُرمى بها))، قال أبو حاتم: الصحيح مرسل. وعن أبي طَريف: ((كنتُ معَ النَّبِيِّ ﷺ حينَ حاصرَ الطائفَ، فكانَ يصلِّي بنا صلاةَ البصر، حتَّى لو أنَّ رجلًا رمى بسهمٍ لرأى موضعَ نَبْلِه))، قال أحمد بن حنبل: صلاة البصر المغربُ. وعند أحمد من حديث جابر ﵁ ولفظه: ((نأتي بني سلمةَ ونحنُ نبصرُ مواقعَ النَّبْل))، وعند الشَّافعي من حديثه عن إبراهيم: ((ثمَّ نخرجُ نتناضل حتَّى ندخل بيوت بني سلمة فننظر مواقعَ النَّبْل من الإسفار))، وعند النَّسائي بسند صحيح عن رجل من أسلَّم: ((أنَّهم كانوا يصلُّون مع النَّبِيِّ ﷺ المغرب، ثمَّ يرجعون إلى أهليهم إلى أقصى المدينة، ثمَّ يرمون فيبصرون مواقع نَبْلِهم))، وعند الطَّبَرَاني في «المعجم الكبير» من زيد بن خالد: ((كنَّا نصلِّي معَ النَّبِيِّ ﷺ المغربَ ثمَّ ننصرف حتَّى نأتي السوقَ وإنَّا لنرى مواضعَ النَّبْل))، وعن أمِّ حبيبة بنت أبي سُفْيان نحوه، ذكره أبو علي الطُّوسي في «الأحكام». فإن قلت: وردت أحاديث تدلُّ على تأخيره إلى قرب سقوط الشَّفق. قال العَيني: هذه لبيان جواز التأخير. ثمَّ اختلفوا في خروج وقت المغرب، فقال الثَّوْري وابن أبي ليلى وطاوس ومَكْحول والحسن بن حيٍّ والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإِسْحاق وداود: إذا غاب الشَّفق، وهو الحمرة، خرج وقتها. وممن قال ذلك أبو يوسف ومحمَّد، وقال عُمَر بن عبد العزيز وعبد الله بن المبارك والأوزاعي في رواية، ومالك في رواية، وزُفَرُ بن الهُذَيل وأبو ثور والمبرِّد والفرَّاء: لا يخرج حتَّى يغيب الشَّفق الأبيض، ورُوي ذلك عن أبي بكر الصِّدِّيق ﵁ وعائشة وأبي هريرة ومعاذ بن جبل وأُبَي بن كعب وعبد الله بن الزُّبَيْر ﵃، وإليه ذهب أبو حنيفة، وقال ابن المنذر: كان مالك والأوزاعي والشافعي يقولون: لا وقت لها إلَّا وقتًا واحدًا إذا غابت الشَّمس. وقد رُوِّينا عن طاوس إنَّه قال: لا تفوت المغرب والعشاء حتَّى الفجر، ورُوِّينا عن عطاء إنَّه قال: لا تفوت المغرب والعشاء حتَّى النَّهار. ٥٦٠ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ) أي بُنْدَار، ترجمته في باب ما كان النَّبِيُّ ﷺ يتخوَّلهم بالموعظة كيلا ينفروا. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ) أي غُنْدَر، ترجمته في باب ظلم دون ظلم. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان. قوله: (عَنْ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ) أي ابن عبد الرحمن بن عَوْف، ترجمته في باب الرجل يوصي صاحبه. قوله: (عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرو بنِ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ) أي أبو عبد الله ﵃ أجمعين، ترجمته في باب (١). قوله: (قَدِمَ الحَجَّاجُ) أي -بفتح الحاء المهملة وتشديد الجيم وآخره جيم- ابن يوسف الثَّقَفي والي العراق. قال شيخنا: وصدَّر الكِرْماني كلامه أنَّ الرواية بضمِّ أوَّله، قال: وهو حاجٌّ، وهو تحريف بلا خلاف؛ فقد وَقَعَ في رواية أبي عَوانة في «صحيحه» من طريق أبي النَّضر عن شُعْبَة: سألنا جابر بن عبد الله في زمن الحجَّاج وكان يؤخِّر الصَّلاة عن وقت الصلاة. وفي رواية مسلم من طريق معاذ

стр. 164

عن شُعْبَة: كان الحجَّاج يؤخِّر الصَّلوات. انتهى. قال العَيني: لم يقل الكِرْماني: إنَّ الرواية بضمِّ أوَّله، وإنما قال: الحجَّاج بضمِّ الحاء جمع الحاجِّ، وفي بعضها بفتحها، وهو ابن يوسف الثَّقَفي، وهذا أصحُّ ذكره مسلم، ولم يقف الكِرْماني على الضمِّ، بل نبَّه على الفتح ثمَّ قال: وهذا أصحُّ. انتهى. قال شيخنا: أخذ العَيني كلامي بعينه - أي في الكلام على هذا المحل - ونسبه لنفسه، وتعقَّب كلامي بما يضحك منه؛ لأنَّ حاصله: لم يقل الكِرْماني إنَّ الرواية بالضمِّ، بل نبَّه على الفتح ثمَّ قال: وهذا أصحُّ، فكأن العَيني لا يدري أنَّ من قال الحجَّاج بضمِّ الحاء جمع حاج، وفي بعضها بالفتح، قال: إنَّ الرواية وقعت بالضمِّ وبالفتح، وهي بالفتح أصحُّ، وإلَّا فما معنى أصحُّ؟! والرواية في هذا الحديث بالضمِّ لا تؤخذ عن موثوق به من أهل الرواية ولا غير موثوق به إلَّا ما وَقَعَ في عبارة الكِرْماني، أفما يستحي العَيني من هذا الانتصار البارد، ثمَّ لا يكتفي بالردِّ على السَّابق حتَّى يجعل مصحوبًا بالإغارة على كلام من نبَّه على ما يقع في كلام غيره من الخطأ؟! فإذا كان عنده لا يوثق به فكيف يأخذ كلامه بعينه ويرتضيه ويجزم به وينسبه لنفسه؟! وإن كان يوثق به فكيف يبالغ في التَّعسُّف في ردِّ كلامه مع ظهور صوابه؟! ومن أراد العجب فليتأمَّل ما استعلنه في هذا الشرح خصوصًا في هذا الباب. انتهى. وكان قدوم الحجَّاج المذكور ههنا إلى المدينة واليًا من قِبل عبد الملك بن مروان سنة أربع وسبعين، وذلك عُقيب قتل ابن الزُّبَيْر ﵄، فأمَّره عبد الملك على الحرمين، ثمَّ نقله بعد هذا إلى العراق. قوله: (فَسَأَلَنا جَابرُ بنُ عَبْدِ اللهِ) أي ابن زيد، ترجمته في بدء الوحي، قال العَيني: لم يبيِّن المسؤول ما هو تقديره، فسألنا جابر بن عبد الله عن وقت الصلاة، وقد فسَّره في حديث أبي عَوانة في «صحيحه» من طريق أبي النصر عن شعبة: سألنا جابر بن عبد الله في زمن الحجَّاج وكان يؤخِّر وقت الصلاة. قوله: (بِالهَاجِرَةِ) الهاجرة: شدَّة الحرِّ، والمراد بها نصف النَّهار بعد الزوال، سمِّيت بها لأنَّ الهجرة هي الترك، والناس يتركون التصرف حينئذ لشدَّة الحرِّ لأجل القيلولة وغيرها، فإن قلت: ظاهره يعارض حديث الإبراد؛ لأنَّ قوله: (كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ) يشعر بالكثرة والدوام عرفًا. قال ابن دقيق العيد: ويُجمع بين الحديثين بأن يكون أطلق الهاجرة على الوقت بعد الزوال مطلقًا لأن الإبراد كما تقدَّم مفيد بحال شدَّة الحرِّ وغير ذلك كما تقدَّم، فإن وُجِدَتْ شروط الإبراد أبرد، وإلا عجَّل، فالمعنى: كان يصلِّي الظهر بالهاجرة إلَّا إنَّ احتاج إلى الإبراد. قال شيخنا: وتعقِّب بأنَّه لو كان ذلك مُرَاده لفصَّل كما فصَّل في العشاء، والله أعلم. انتهى. قوله: (وَالعَصْرَ) بالنَّصب، أي ويصلِّي العصر. قوله: (وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ) أي بالنُّون، جملة اسميَّة وقعت حالًا على الأصل بالواو، ومعنى نقيَّة: أي خالصة صافية لم يدخلها بعدُ صفرة وتغيَّر. قلت: قال ابن الأثير في «النهاية» : والنقي المخ، يقال: نقيِّت العظم وانتقيته

стр. 165

ونقوته، قال: وفيه: ((المدينة كالكير تنفي خبثها)) الرواية المشهورة بالفاء، وقد جاء في رواية بالقاف، فلو كانت مخفَّفة فهو من إخراج المخ، أي يستخرج خبثها، وإن كانت مشدَّدة فهو من التنقية، وهو إفراد الجيد من الرديء. انتهى. قوله: (وَالمَغْرِبَ) أي بالنَّصب أيضًا، والتقدير: وكان يصلِّي المغرب. قوله: (إِذا وَجَبَتْ) أي إذا غابت الشَّمس، وأصل الوجوب السقوط، والمراد سقوط قرص الشَّمس، وفاعل وجبت مستتر وهو الشَّمس، وفي رواية أبي داود عن مسلم بن إبراهيم: ((والمغرب إذا غربت الشَّمس))، ولأبي عَوانة من طريق أبي النَّضر عن شُعْبَة: ((والمغرب حين تجب الشَّمس)) أي حين تسقط، وفيه دليل على أنَّ سقوط قرص الشَّمس يدخل به وقت المغرب، ولا يخفى أنَّ محلَّه ما إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربة وبين الرائي حائل، والله أعلم. انتهى. قوله: (وَالعِشَاءَ) بالنَّصب أيضًا، أي وكان يصلِّي العشاء. قوله: (أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا) أي منصوبان على الظرفيَّة، والأحيان جمع حين، وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير من الزمان، وهو المشهور، وهو المراد ههنا وإن كان جاء بمعنى أربعين سنة وبمعنى ستَّة أشهر، والمعنى: كان يصلِّي العشاء في أحيان بالتقديم وفي أحيان بالتأخير، قال شيخنا: وسيأتي الكلام على حكم وقت العشاء في بابه. قوله: (إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ) هذا بيان لقوله: (أَحْيَانًا) يعني: إذا رأى الجماعة اجتمعوا عجَّل بالعشاء؛ لأنَّ في تأخيرها تنفيرهم. قوله: (وَإِذَا رَآهُم أَبطَؤُوا أَخَّرَ) هذا بيان لقوله: (وَأَحْيَانًا) يعني: إذا رأى الجماعة تأخُّروا أخَّر العشاء لإحراز فضيلة الجماعة، وأبطؤوا على وزن أفعلوا بفتح الطاء وضم الهمزة، قال الكِرْماني: والجملتان الشرطيتان في محلِّ النَّصب حالًا من الفاعل. أي يصلِّي العشاء معجِّلًا إذا اجتمعوا ومؤخِّرًا إذا تباطؤوا، ويحتمل أن يكونا من المفعول والراجع إليه محذوف؛ إذ التقدير: عجَّلها وأخّرها، قال العَيني: لا نسلِّم أنَّ إذا ههنا للشرط بل على أصلها للوقت، والمعنى: كان يصلِّي العشاء أحيانًا بالتعجيل إذا رآهم اجتمعوا، وكان يصلِّي أحيانًا بالتأخير إذا رآهم تأخَّروا، والجملتان بيانيتان كما ذكرنا، وكل واحد من عجَّل وأخَّر جواب إذا. قوله: (وَالصُّبْحَ) أي بالنَّصب أيضًا، والتقدير كما تقدم. قوله: (كَانُوا أَوْ كَانَ) أي بكلمة الشك، قال الكِرْماني: الشك من الرَّاوي عن جابر، ومعناهما متلازمان؛ لأنَّ أيهما كان يدخل فيه الآخر، إن أراد النَّبِيُّ ﷺ فالصحابة في ذلك كانوا معه، وإن أراد الصحابة ﵃ فالنَّبِيُّ ﵇ كان إمامهم، وخبر (كَانُوا) محذوف يدلُّ عليه (يُصَلِّيْها) أي كانوا يصلُّون، وقال ابن بطَّال: ظاهره أنَّ الصُّبح كان يصلِّيها بغلس اجتمعوا أو لم يجتمعوا، ولا يفعل فيها كما يفعل في العشاء، وهذا من فصيح الكلام، وفيه حذفان: حذف خبر كان وهو جائز كحذف خبر المبتدأ كقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] والمعنى: واللائي لم يحضن فعدَّتهنَّ مثل ذلك ثلاثة أشهر، والحذف الثَّاني حذف الجملة الَّتي هي الخبر لدلالة ما تقدَّم عليه، وحذف الجملة الَّتي بعد أو مع كونها مقتضية لها، وقال السَّفَاقُسي: تقديره: أَوَلم يكونوا مجتمعين، ويصحُّ أن تكون كان تامة غير ناقصة، فتكون بمعنى الحضور والوقوع، ويكون المحذوف

стр. 166

ما بعد أو خاصَّة، وقال ابن المنيِّر: يحتمل أن يكون شكًّا من الرَّاوي هل قال: كان النَّبِيُّ ﷺ أو كانوا، ويحتمل أن يكون تقديره: والصُّبح كانوا مجتمعين مع النَّبِيِّ ﷺ ، أو كان النَّبِيُّ ﷺ وحدَه يصلِّيها بغَلَس. قال شيخنا: والتقدير الأوَّل أولى، أي تقدير الكِرْماني، والحقُّ إنَّه شكٌّ من الراوي، فقد وَقَعَ في رواية مسلم: والصُّبح كانوا أو قال: كان النَّبِيُّ ﷺ ، وفيه حذف واحد: والصُّبح كانوا يصلُّونها، أو كان النَّبِيُّ ﷺ يصلِّيها بغلس. قوله: (يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ) هذا إضمار على شريطة التفسير، قال العَيني: وقد علم أنَّ الإضمار على شريطة التفسير كلُّ اسم بعده فعل أو شبهه مشتغَل عنه بضميره أو متعلَّقه، لو سُلِّطَ عليه لنصبه، وههنا الاسم هو قوله: (والصُّبْحَ)، وقوله: (يُصَلِّيْها) فعل وَقَعَ بعده (قَالُوا)، وقوله: (بِغَلَسٍ) متعلق بقوله: (كَانُوا) أو (كَانَ) باعتبار الشكِّ، فإن علَّقها بقوله: (كَانُوا) لا يلزم منه ألَّا يكون النَّبِيَّ ﷺ معهم وإن علَّقها بـ (كَانَ) لا يلزم ألَّا يكون أصحابه معه. والغَلَس بفتحتين: ظلمة آخر اللَّيل. انتهى. فيه بيان معرفة أوقات الصَّلوات الخمس، وفيه بيان المبادرة إلى الصَّلاة في أوَّل وقتها إلَّا ما ورد فيه الإبراد بالظهر، قال العَيني: والإسفار بالصُّبح وتأخير العشاء عند تأخُّر الجماعة، قلت: قد علمت مما تقدَّم ما في قول العَيني والإسفار بالصُّبح. انتهى. قال ابن دقيق العيد: إذا تعارض في شخص أمران، أحدهما أن يقدِّم الصَّلاة في أوَّل الوقت منفردًا، أو يؤخُّرها في الجماعة، أيهما أفضل؟ والأقرب عندي أنَّ التأخير لصلاة الجماعة أفضل، وحديث الباب يدلُّ عليه لقوله: (وإذا رآهم أبطؤوا أخَّر) فيؤخِّر لأجل الجماعة مع إمكان التقديم. قال شيخنا: ورواية مسلم بن إبراهيم الَّتي تقدَّمت تدلُّ على أخصَّ من ذلك، وهو أنَّ انتظار تكثر بهم الجماعة أولى من التقديم، ولا يخفى أنَّ محلَّ ذلك إذا لم يفحش التأخير، والله أعلم. انتهى. وفيه السؤال عن أهل العلم، وفيه تعيَّن الجواب على المسؤول عنه إذا علم بالمسؤول. ٥٦١ - قوله: (حَدَّثَنا المكِيُّ بنُ إِبْرَاهِيْمَ) أي ابن بشير، ذكره في باب من أجابه المفتي بإشارة اليد. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيْدُ بنُ أَبِي عُبَيْدٍ) أي مولى سلمة، ترجمته في باب إثم من كذب على النَّبِيِّ ﷺ . قوله: (عَنْ سَلَمَةَ) أي ابن الأكوع الصحابي الذي ينسب ولاء يزيد الرَّاوي عنه إليه، ترجمته في باب إثم من كذب أيضًا. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه القول في موضعين، وفيه أنَّ هذا من ثلاثيَّات البخاري، وفيه اسم شيخ البخاري على صورة المنسوب، وربَّما يتوهَّم إنَّه شخص منسوب إلى مكَّة وليس كذلك. قوله قال: (كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ المَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالحِجَابِ). مطابقته للترجمة ظاهرة؛

стр. 167

لأنَّه يعلم منه أنَّ وقت المغرب بغيبوبة الشمس. وهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم في الصَّلاة عن قتيبة، وأبو داود عن عَمْرو بن علي، والتِّرْمِذي عن قتيبة، وابن ماجَهْ عن يعقوب بن حُميد. قوله: (المَغْرِبَ) أي صلاة المغرب. قوله: (إِذَا تَوَارَتْ) أي الشَّمس، قال الخطَّابيُّ: لم يذكرها اعتمادًا على أفهام السَّامعين، معنى (تَوَارَتْ) : استترت، ولا يقال: إنَّ الضَّمير فيه مبهم لا يعلم مرجعه؛ لأن قوله: (المَغْرِبَ) قرينة تدلُّ على أنَّ الضَّمير فيه يرجع إلى الشَّمس كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، قال العَيني: والظَّاهر أنَّ طي ذكر الفاعل فيه من شيخ البخاري، قال شيخنا: وقد رواه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عُبيد بلفظ: ((إذا غربَت وتوارَت بالحجابِ)) فدلَّ على أنَّ الاختصار في المتن من شيخ البخاري وقد صرَّح بذلك الإسماعيلي، ورواه عبد بن حُمَيْد عن صَفْوان بن عيسى، وأبو عَوانة والإسماعيلي من طريق صَفْوان أيضًا عن يزيد بن أبي عُبَيْد بلفظ: ((كانَ يصلِّي المغربَ ساعةَ تغربُ الشَّمسُ حينَ يغيبَ حاجبُها))، والرواية الَّتي فيها ((توارت)) أصرح في المراد، والمراد حاجبها الأعلى الذي يبقى بعد أن يغيب أكثرها. قال العَيني: وحاجب الشَّمس طرفُها الأعلى من قرصها، وحواجبها نواحيها، وقيل: سمِّي بذلك؛ لأنَّه أوَّل ما يبدو منها كحاجب الإنسان، فعلى هذا يختص الحاجب بالحرف الأعلى البادي أوَّلًا، ولا يسمَّى جميع نواحيها حواجب. وفي رواية أبي داود عن سلمة: ((كانَ النَّبِيُّ ﷺ يصلِّي المغربَ ساعةَ تغربُ الشَّمسُ إذا غاب حاجبُها)). قوله: (سَاعَةَ) نصب على الظرف، ومضاف إلى الجملة. قوله: (إِذا غَابَ حَاجِبُهَا) بدل من قوله: (سَاعَةَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ). ومما يستفاد منه: أنَّ أوَّل وقت المغرب حين تغرب الشمس، وفي خروج وقته اختلاف، وقد ذكرناه عن قريب. قلت: وفيه الاختصار في اللَّفظ إذا فهم المراد. انتهى. ٥٦٢ - قوله: (حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَة، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرو بنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ زَيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَاسٍ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ سَبْعًا جَمِيْعًا وَثَمَانِيًا جَمِيْعًا). مطابقته للترجمة إنَّما تأتي إذا حمل الجمع في هذا على جمع التأخير. قاله العَيني مراعاةً لمذهبه، وقد تقدَّم الكلام على هذا الحديث في باب الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، والله أعلم. قال شيخنا: واستدلَّ بهذه الأحاديث على ضعف حديث أبي بصرة - بالموحدة ثمَّ المهملة - رفعه في أثناء حديث: ((وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حتَّى يَرَى الشَّاهِدَ)) والشاهد: النَّجم، قال العَيني: وقد مرَّ حديث ابن عبَّاس في باب تأخير الظُّهر إلى العصر، رواه عن أبي النُّعْمان عن حمَّاد بن زيد عن عَمْرو بن دينار، فاعتبر التفاوت بينهما في المتن والسند. قوله: (سَبْعًا) أي سبع ركعات، وهي المغرب والعشاء. قوله: (وَثَمانِيًا) أي ثمان ركعات، وهي الظهر والعصر. (١٩) (بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلمَغْرِبِ: العِشَاءَ) أي هذا باب في بيان قول من كره أن يقال للمغرب: العشاء،

стр. 168

وإنما لم يجزم بقوله: باب كراهية كذا؛ لأن لفظ الحديث لا يقتضي نهيًا مطلقًا؛ لأن النَّهي فيه عن غلبة الأعراب على ذلك، فكأنَّه رأى جواز إطلاقه بالعشاء على وجه لا يترك التسمية الأخرى كما ترك الأعراب، والمشروع أن يقال لها: المغرب؛ لأنَّه اسم يُشعر بمسماها وبابتداء وقتها، ووجه كراهة إطلاق العشاء عليها لأجل الالتباس بالصَّلاة الأخرى، فعلى هذا لا يكره أن يقال للمغرب: العشاء الأولى، ويؤيُّده قولهم: ((العشاء الآخرة)) كما ثبت في الصحيح، ونقل ابن بطَّال عن بعضهم: إنَّه لا يقال للمغرب: العشاء الأولى، ويحتاج إلى دليل؛ لأنَّه لا حجَّة له من حديث الباب، وقال المُهَلَّب: إنَّما كره أن يقال للمغرب: العشاء؛ لأنَّ التسمية من الله تعالى ورسوله، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]. ٥٦٣ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، هُوَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو) أي -بفتح الميمين- ابن الحجَّاج المِنقَري المُقعَد البصري، ترجمته في باب قول النَّبيِّ: اللَّهمَّ علِّمه الكتاب. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الوَارِثِ) أي ابن سعيد التنُّوري، ترجمته في الباب أيضًا. قوله: (عَنِ الحُسَيْنِ) أي ابن ذكوان المُعَلِّم، ترجمته في... (١). قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ بُرَيْدَةَ) أي -بضمِّ الباء الموحَّدة وفتح الرَّاء وسكون الياء آخر الحروف، وبالدَّال المهملة- قاضي مرو، ومات بها سنة خمس عشرة ومائة. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ المزَنيُّ) أي ابن مُغَفَّل -بضمِّ الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء- من أصحاب الشجرة، قال: كنت أرفع أغصانها عن رسول الله ﷺ ، روي له ثلاثة وأربعون حديثًا، للبخاري منها خمسة، وهو أوَّل من دخل تستر وقت الفتح، مات سنة ستِّين ﵁. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد من الماضي في موضعين، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه القول في أربع مواضع، وفيه أنَّ رواته كلُّهم بصريُّون، وفيه إنَّه وَقَعَ عند الأكثرين عبد الله المزَني لم يذكر اسم أبيه، وفي رواية كريمة ابن مُغَفَّل، وكذلك وَقَعَ منسوبًا بذكر أبيه في رواية عبد الصَّمد بن عبد الوارث عن أبيه عند الإسماعيلي وغيره. قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ) قال وتقول الأعراب: هي العشاء. مطابقته للترجمة ظاهرة؛ لأنَّه ﵇ نهاهم أن يسمُّوا المغرب بالاسم الذي تسمِّيه الأعراب وهو العشاء، وهذا الحديث من أفراد البخاري. قوله: (لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ) قال الأزهري: معناه لا يغرنَّكم فعلهم هذا عن صلاتكم فتؤخِّروها، ولكن صلُّوها إذا كان وقتها، والعشاء: أوَّل ظلام الليل، وذلك من حين تكون غيبوبة الشَّفق، فلو قيل في المغرب: عشاء لأدَّى إلى اللَّبس بالعشاء الآخرة، والكراهة في ذلك إلَّا تتبع الأعراب في هذه التسمية، وقيل: إنَّ الأعراب يسمُّونها العتمة لكونهم يؤخِّرون الحلب إلى شدَّة الظلام، وقال القُرْطُبي: لئلَّا يُعدل بها عما سمَّاها الله تعالى، فهو إرشاد إلى ما هو الأولى، لا على التحريم ولا على أنَّه لا يجوز، ألا تراه ﵇ قد قال:

стр. 169

((ولو يعلمون ما في العتمةِ والصُّبحِ)) وقد أباح تسميتها بذلك أبو بكر وابن عبَّاس ﵃ فيما ذكره ابن أبي شَيْبَة. وقال الطِّيبي: يقال غَلَبه على كذا غَصَبه منه أو أخذه منه قهرًا، والمعنى: لا تتعرضوا لما هو من عادتهم من تسمية المغرب بالعشاء والعشاء بالعتمة، فيغصب منكم الأعراب اسم العشاء الَّتي سمَّاها الله تعالى بها، قال: فالنَّهي على الظَّاهر للأعراب وعلى الحقيقة لهم، وقال غيره: معنى الغلبة أنَّكم تسمُّونها اسمًا وهم يسمُّونها اسمًا، فإن سمِّيتموها بالاسم الذي يسمُّونها به وافقتموهم، وإذا وافق الخصم خصَمه صار كأنَّه انقطع له حتَّى غلبه، ولا يحتاج إلى تقدير غَصَب ولا أَخَذ. قال العَيني: لما فسَّر الطِّيبي الغلبة بالغصب يحتاج إلى هذا التقدير ليتَّضح المعنى. قلت: مراده إنَّه لا يفسِّر الغلبة بالغصب فلا يحتاج إلى هذا التقدير، ولكن يفسِّر الغلبة بما فسَّر به. انتهى. وقال التَّوْرِبِشْتي شارح «المصابيح» : المعنى: لا تطلقوا هذا الاسم على ما هو متداول بينهم، فيغلب مصطلحهم على الاسم الذي شرعته لكم. قوله: (الأَعرَابُ) قال القُرْطُبي: الأعراب مَن كان من أهل البادية وإن لم يكن عربيًا، والعربي من يُنسب إلى العرب ولو لم يسكن البادية. وقال ابن الأَثِير: الأعراب ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلَّا لحاجة، والعرب اسم لهذا الجيل من النَّاس ولا واحد له من لفظه، وسواء أقام بالبادية أو المدن، والنسبة إليهما أعرابي وعربي. انتهى. قلت: فعلى ما قاله القُرْطُبي تسمَّى الأعجام المقيمون بالبادية أعرابًا لا على ما قاله ابن الأثير. انتهى. قوله: (عَلى اسْمِ صَلَاتِكُمُ المَغْرِبِ) كلمة (عَلَى) تتعلَّق بقوله: (لَا يَغْلِبَنَّكُمْ)، و (المَغْرِبِ) بالجرِّ صفة الصلاة، وهذه اللفظة تردُّ تفسيرَ الأزهري: لا يغلبنَّكم الأعراب، وهو الذي ذكرناه عن قريب، قال شيخنا: وكذا قول ابن المنيِّر: السر في النَّهي سدُّ الذريعة لئلَّا تسمَّى عشاءًا، فيظن امتداد وقتها عن غروب الشَّمس أخذًا من لفظه، وكأنَّه أراد تقوية مذهبه في أنَّ وقت المغرب مضيق، وفيه نظر؛ إذ لا يلزم من تسمِّيتها المغرب أن يكون وقتها مضيقًا، فإن الظهر سمِّيت بذلك لأنَّ ابتداء وقتها عند الظهيرة وليس وقتها مضيقًا بلا خلاف. قوله: (قَالَ: وَتَقُوْلُ الأَعْرابُ: هِيَ العِشاءُ) قال الكِرْماني: أي قال عبد الله المزني: وكان الأعراب يقولون ويريدون به المغرب، فكان يشتبه ذلك على المسلمين بالعشاء الآخرة، فنهى عن إطلاق العشاء على المغرب دفعًا للالتباس، قال شيخنا: وقد جزم الكِرْماني بأن فاعل (قَالَ) هو عبد الله المزني راوي الحديث، ويحتاج إلى نقل خاص لذلك، وإلا فظاهر إيراد الإسماعيلي إنَّه من تتمة الحديث، فإنه أورد بلفظ: ((فَإِنَّ الأَعْرَابَ تُسَمِّيْهَا)) والأصل في مثل هذا أن يكون كلامًا واحدًا حتَّى يقوم دليل على إدراجه. قال العَيني: لم يجزم الكِرْماني بذلك، وإنما قال: قال عبد الله، بناءً على ظاهر الكلام، فإنه فصل بين الكلامين بلفظة: (قال) والظاهر أنَّه الراوي، على أنَّه يحتمل أن تكون هذه اللفظة مطوية في رواية الإسماعيلي.

стр. 170

قال شيخنا: انظر تحامله في قول الكِرْماني وقوله: لم يجزم الكِرْماني إلى آخره، فإذا لم يكن قول القائل: قال فلان كذا جزمًا بالنقل عن فلان مع عدم تجويز شيء آخر، فما هو الجزم؟!. انتهى. قوله: (هِيَ العِشَاءُ) -بكسر العين وبالمدِّ- وهو من المغرب إلى العتمة، وقيل: من الزوال إلى طلوع الفجر، قال شيخنا: سرُّ النَّهي عن موافقتهم على ذلك: أنَّ لفظة العشاء لغة وهو أوَّل ظلام الليل، وذلك من غيبوبة الشَّفق، فلو قيل للمغرب عشاء لأدى ذلك إلى أنَّ أوَّل وقتها غيبوبة الشفق. فائدة: لا يتناول النَّهي تسمية المغرب عشاءًا على سبيل التغليب كمن قال مثلًا: صلِّيت العشاءين، إذا قلنا: إنَّ حكمة النَّهي عن تسمِّيتها عشاءًا خوفُ اللبس؛ لزوال اللبس في الصيغة المذكورة، والله أعلم. تنبيه: أورد الإسماعيلي حديث الباب من طريق عبد الصَّمد بن عبد الوارث عن أبيه، واختلف عليه في لفظ المتن، فقال هارون الحمَّال عنه لرواية البخاري، قلت: وكذلك رواه أحمد بن حنبل في «مسنده»، وأبو خَيثَمَة زُهَير بن حرب عند أبي نُعَيم في «مستخرجه» وغير واحد عن عبد الصَّمد، وكذلك رواه ابن خُزَيمَة في «صحيحه» عن عبد الصَّمد بن عبد الوارث عن أبيه، وقال ابن مسعود الرَّاوي عن عبد الصَّمد: ((لا يغلبنَّكم الأعرابُ على اسمِ صلاتِكم، فإنَّ الأعرابَ تسمِّيها عتمة))، وكذلك رواه علي بن عبد العزيز البَغَوي عن أبي مَعْمَر شيخ البخاري فيه أخرجه الطَّبَرَاني عنه، وأخرجه أبو نُعَيم في «مستخرجه» عن الطَّبَرَاني كذلك، وجنح الإسماعيلي إلى ترجيح رواية أبي مسعود لموافقته حديث ابن عمر، يعني الذي رواه مسلم كما سنذكره في صدر الباب الذي يليه، والذي يتبيَّن لي أنهما حديثان أحدهما في المغرب والآخر في العشاء كانا جميعًا عند عبد الوارث بسند واحد، والله أعلم. قلت: فيه سدُّ الذريعة خوفًا من اللَّبس، وفيه مراعاة العرف الشَّرعي وإن خالفه العرف اللُّغوي. انتهى. (٢٠) (بَابُ ذِكْرِ العِشَاءِ وَالعَتَمَةِ وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا) أي هذا باب في بيان ذكر العشاء والعتمة في الآثار، ومَن رأى إطلاق اسم العتمة على العشاء واسعًا، أي جائزًا. قال شيخنا: غاير المصنِّف بين هذه الترجمة والتي قبلها مع أنَّ سياق الحديثين الواردين فيهما واحد، وهو النَّهي عن غلبة الأعراب عن التسميتين؛ وذلك لأنَّه لم يثبت عن النَّبِيِّ ﷺ إطلاق اسم العشاء على المغرب، وثبت عليه إطلاق اسم العتمة على العشاء، فتصرَّف المُصَنِّف في الترجمة بحسب ذلك، والحديث الذي ورد في العشاء أخرجه مسلم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عُمَر بلفظ: ((لا يغلبنَّكم الأعرابُ على اسمِ صلاتِكم؛ فإنَّها في كتابِ الله العشاء، وإنَّكم تعتمون بخلاف الإبل))، ولابن ماجَهْ نحوه من حديث أبي هريرة وإسناده حسن، ولأبي يعلى والبَيْهَقي من حديث عبد الرحمن بن عَوْف كذلك، زاد الشَّافعي في روايته في حديث ابن عمر:

стр. 171

وكان ابن عُمَر إذا سمعهم يقولون: العتمة صاح وغضب. وأخرج عبد الرزَّاق هذا الموقوف من وجه آخر عن ابن عمر. و (العَتَمَة) -بفتح العين المهملة والتاء المُثَنَّاة من فوق- وقت صلاة العشاء الآخرة، وقال الخليل: هي بعد غيبوبة الشَّفق، وأَعتَمَ: إذا دخل في العتمة، والعتم: الإبطاء، يقال: أعتم الشيءَ وعتَّمه إذا أخَّره، وعتمتِ الحاجةُ وأعتمت إذا تأخَّرت. قال شيخنا: ومعنى العتمة في الأصل: تأخير مخصوص، وقال الطَّبَرَاني: العتمة بقيَّة اللبن تغبق لها الناقة بعد هوي من اللَّيل، سمِّيت الصَّلاة بذلك لأنَّهم كانوا يصلُّونها في تلك السَّاعة، وروى ابن أبي شَيْبَة من طريق ميمون بن مِهْران قال: قلت لابن عُمَر: من أوَّل من سمَّى صلاة العشاء العتمة؟ قال: الشيطان. واختلف السَّلف في ذلك، فمنهم من كرهه كابن عُمَر راوي الحديث، ومنهم من أطلق جوازه، نَقَله ابن أبي شَيْبَة عن أبي بكر الصِّدِّيق وغيره، ومنهم من جعله خلاف الأولى وهو الرَّاجح وسيأتي للمُصَنِّف، وكذا نقله ابن المنذر عن مالك والشافعي واختاره، ونقل القُرْطُبي عن غيره: إنَّما نُهي عن ذلك تنزيهًا لهذه العبادة الشرعيَّة الدينيَّة من أن يطلق عليها ما هو اسم لفعلة دنيويَّة، وهي الحلبة الَّتي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت ويسمُّونها العتمة وذكر بعضهم أنَّ تلك الحلبة إنَّما كانوا يعتمدونها في زمان الجدب خوفًا من السؤال والصعاليك، فعلى هذا فهي فعلة دنيويَّة مكروهة لا تطلق على فعلة دينيَّة محبوبة. انتهى. قوله: (وَقالَ أَبو هُرَيرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان. قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَثْقَلُ الصَّلاة عَلَى المُنَافِقِيْنَ العِشَاءُ وَالفَجْرُ. وَقالَ: لَو تَعلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالفَجْرِ). قال شيخنا: شَرَع المُصَنِّف في إيراد أطراف أحاديث محذوفة الأسانيد كلَّها صحيحة في أمكنة أخرى، حاصلها ثبوت تسمية هذه الصَّلاة تارة عتمة وتارة عشاءًا، وأمَّا الأحاديث الَّتي لا تسمية فيها بل فيها إطلاق الفعل لقوله: أعتم النَّبِيُّ ﷺ ، ففائدة إيراده لها الإشارة إلى أنَّ النَّهي عن ذلك إنَّما هو لإطلاق الاسم لا لمنع تأخير هذه الصَّلاة عن أوَّل الوقت، وحديث أبي هريرة المذكور وصله المُصَنِّف باللَّفظ الأوَّل في باب صلاة العشاء جماعة، وباللَّفظ الثَّاني وهو العتمة في باب الاستهام في الأذان، قال العَيني: والشهادات. وقد أباح تسمِّيتها بالعتمة أيضًا أبو بكر وابن عبَّاس ﵃، ذكره ابن أبي شَيْبَة. انتهى. قوله: (وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي البخاري نفسه، ترجمته في مقدِّمة هذا الشَّرح. قوله: (وَالاختيارُ أَنْ يَقُولَ: العِشَاءُ؛ لِقُوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ العِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]) قال الزَّين بن المنيِّر: هذا لا يتناوله لفظ الترجمة، لأن لفظ الترجمة يُفهم التسوية، وهذا ظاهر في الترجيح، قال شيخنا: لا تنافي بين الجواز والأولويَّة، فالشيئان إذا كانا جائزي الفعل قد يكون أحدهما أولى من الآخر، وإنما صار عنده أولى منه لموافقته لفظ القرآن، ويترجَّح أيضًا بأنَّه أكثر ما ورد عن النَّبِيِّ ﷺ ، وبأنَّ تسميتها عشاء يُشعر بأول وقتها بخلاف تسميتها عتمة لأنَّه يُشعر بخلاف ذلك، وبأن لفظه في الترجمة

стр. 172

لا ينافي ما ذكر إنَّه الاختيار وهو واضح لمن نظره؛ لأنَّه قال: من كره، فأشار إلى الخلاف، ومن نقل الخلاف لا يمتنع عليه أن يختار. انتهى. قال العَيني: لا نسلِّم أنَّ لفظ الترجمة يُفهم التسوية، غاية ما في الباب إنَّها تفهم الجواز عند من رآه، والجواز لا يستلزم التسوية. قوله: (وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي مُوْسَى) أي الأشعري، ترجمته في باب أيُّ الإسلام أفضل. قوله: (كُنَّا نَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ، فَأَعتَمَ بِهَا) هذا التعليق وصله البخاري في باب فضل العشاء مطوَّلًا، وسيأتي بعد باب، ولفظه فيه: (وَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنهْمُ فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَأَصْحَابِي وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ) الحديث، فإن قلت: هذا صحيح عنده، فكيف ذكره بصيغة التمريض؟ قال شيخنا: وكأنَّه لم يجزم به؛ لأنَّه اختصر لفظه، نبَّه على ذلك شيخنا الحافظ أبو الفضل، وأجاب به عمَّن اعترض على ابن الصَّلاح حيث فرَّق بين الصِّيغتين، وحاصل الجواب: أنَّ صيغة الجزم تدلُّ على القوَّة، وصيغة التمريض لا تدلُّ، ثمَّ بيَّن مناسبة العدول في حديث أبي موسى عن الجزم مع صحَّته إلى التمريض: بأن البخاري قد يفعل ذلك لمعنى غير التضعيف، وهو ما ذكره من إيراد الحديث بالمعنى، وكذا الاقتصار على بعضه لوجود الاختلاف في جوازه وإن كان المُصَنِّف يرى الجواز. انتهى. قوله: (وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ) أي عبد الله، ترجمته في بدء الوحي. قوله: (وَعَائِشَةُ) أي أمُّ المؤمنين، ترجمتها في البدء أيضًا. قولهما: (أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالعَتَمَةِ بِالعِشَاءِ) هذا التعليق ذكره بصيغة التصحيح، وحديث ابن عبَّاس وصله في باب النَّوم قبل العشاء، وهو الباب الرابع بعد هذا الباب، ولفظه فيه: قلت لعطاء فقال: سمعت ابن عبَّاس يقول: ((أَعْتَمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً بِالعِشَاءِ حتَّى رَقَدَ النَّاسُ)) الحديث، وأما حديث عائشة فوصله في باب فضل العشاء، ولفظه: عن عُرْوَة أنَّ عائشة أخبرته قال: ((أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةً بِالعِشَاءِ)) الحديث. قال شيخنا: حديث عائشة بلفظ: ((أَعْتَمَ بِالعِشَاءِ))، فوصله في باب فضل العشاء من طريق عقيل، وفي الباب الذي بعده من طريق صالح بن كَيْسان، كلاهما عن الزُّهْري عن عُرْوَة عنها، وأما حديثها بلفظ: ((أعتم بالعتمة)) فوصله المُصَنِّف أيضًا في باب خروج النِّساء إلى المساجد باللَّيل بعد باب وضوء الصِّبيان من كتاب الصَّلاة أيضًا من طريق شُعَيب عن الزُّهْري بالسند المذكور، وأخرجه الإسماعيلي من طريق عقيل أيضًا، ويُونُس وابن أبي ذئب وغيرهم عن الزُّهْري بلفظ: ((أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ ليلة بالعشاء، وهي الَّتي تدعو النَّاس العتمة)) وهذا يشعر بأن السِّياق المذكور من تصرُّف الراوي. انتهى. قوله: (أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالعَتَمَةِ) أي أخَّر صلاة العتمة وأبطأ بها. قوله: (بِالعِشَاءِ) بدل اشتمال من قوله: (بَالعَتَمَةِ) قال شيخنا:

стр. 173

(أَعْتَمَ) دخل في وقت العتمة، ويطلق (أَعْتَمَ) بمعنى آخر، لكن الأوَّل هنا أظهر. انتهى. قوله: (وَقَالَ جَابِرٌ) أي ابن عبد الله الأنصاري ﵁، ترجمته في بدء الوحي. قوله: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي العِشَاءَ). قال العَيني: لما ذكر ثلاث تعليقات عن ثلاثة من الصحابة، وهم أبو موسى وابن عبَّاس وعائشة فيها ذكر العتمة وأعتم، شرع يذكر عن خمسة من الصحابة بالتعليق فيها ذكر العشاء الأوَّل عن جابر، وهذا التعليق طرف من حديث وصله البخاري في باب وقت المغرب عن محمَّد بن بشَّار عن محمَّد بن جعفر عن شُعْبَة عن سعد بن إبراهيم إلى آخره، وفيه: ((والعِشَاءُ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا)) الحديث، ووصله أيضًا في باب وقت العشاء الذي يلي الباب الذي نحن فيه. قوله: (وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ) أي نَضْلَة الأَسْلَمي، ترجمته في باب وقت الظُّهر عند الزوال. قوله: (كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يُؤَخِّرُ العِشَاءَ). هذا التعليق طرف من حديث وصله البخاري في باب وقت العصر الذي مضى قبل هذا الباب بستَّة أبواب من حديث سيَّار بن سلامة قال: دخلت أنا وأبي على أبي بَرزَة، الحديثَ، وفيه: وكان يستحبُّ أن يؤخِّر العشاء. قوله: (وَقَالَ أَنَسٌ) أي ابن مالك ﵁، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ لأخيه. قوله: (أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ العِشَاءَ الآخِرَةَ). هذا التعليق طرف من حديث وصله البخاري في باب وقت العشاء إلى نصف اللَّيل، وهو بعد الباب الذي نحن فيه بأربعة أبواب من حديث حُمَيْد الطَّويل عن أَنَس قال: ((أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللِّيْلِ)). قوله: (وَقَالَ ابنُ عُمَرَ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان. قوله: (وَأَبُو أَيُّوْبَ) أي خالد بن زيد الأنصاري، ترجمته في باب لا يستقبل القبلة بغائط. قوله: (وَابنُ عَبَّاسٍ) أي عبد الله، تقدَّم آنفًا قولهم ﵃: ((صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ)). هذا التعليق فيه ثلاثة من الصحابة، أمَّا حديث ابن عُمَر فوصله البخاري في الحجِّ بلفظ: ((صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ المَغْرِبَ والعِشَاءَ بِالمُزْدَلِفَةِ))، وأمَّا حديث أبي أيُّوب فوصله أيضًا بلفظ: ((جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بَيْنَ المَغْرِبِ وِالعِشَاءِ))، وأمَّا حديث ابن عبَّاس فوصله في باب تأخير الظُّهر إلى العصر، وكذا أسنده أبو داود وابن ماجَهْ. ٥٦٤ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) أي بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحَّدة، وهو لقب عبد الله بن عُثْمان المَروَزي، ترجمته في بدء الوحي. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا عَبْدُ اللهِ) أي ابن المبارك، ترجمته في البدء أيضًا. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ) أي ابن يزيد الأَيْلي، ترجمته في كتاب الوحي أيضًا. قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمَّد بن مسلم بن شِهاب، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة. قوله: (قَالَ سَالِمٌ) أي ابن عبد الله بن عُمَر بن الخطَّاب ﵁، ترجمته في باب الحياء من الإيمان. قوله: (أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ) أي أبو سالم هذا ترجمته تقدَّم آنفًا. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في

стр. 174

موضع، وبصيغة الإفراد من الماضي في موضع، وفيه العنعنة في موضع، وفيه القول في أربع مواضع، وفيه رواية الابن عن أبيه بذكر اسمه وهو قوله: قال سالم أخبرني عبد الله، فإنَّ سالمًا هو ابن عبد الله، وشيخه هنا هو أبوه عبد الله بن عمر، وفيه أنَّ رواته ما بين مروزي وأيلي ومدني، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصحابي. قوله: (قَالَ: صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةً صَلَاةَ العِشَاءِ، وَهِيَ الَّتي يَدْعُو النَّاس العَتَمَةَ، ثمَّ انْصَرَفَ فَأَقبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: أَرأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ رَأسَ مائة سَنَةٍ فِيْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ)، مطابقته للترجمة ظاهرة، فإن فيه ذكر العشاء والعتمة. هذا الحديث أخرجه البخاري في باب السَّمر بالعلم عن سعيد بن عُفَير عن اللَّيث عن عبد الرحمن بن خالد عن ابن شِهاب هو الزُّهْري عن سالم وأبي بكر بن سُلَيمان بن أبي حَثْمَة، أنَّ عبد الله بن عُمَر قال: ((صَلَّى لَنَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: أَرَأَيْتُكُمْ)) الحديث، وأخرجه عن أبي اليمان عن شُعَيب عن الزُّهْري، وأخرجه مسلم في الفضائل عن عبد الله بن عبد الرحمن عن شُعَيب به، وعن أبي رافع، وعند ابن حُمَيْد عن عبد الرزَّاق عن مَعمَر. قوله: (صَلَّى لَنَا) أي لأجلنا؛ إذ اللام بمعنى الباء، وقد رُوي: <صَلَّى بِنَا>، ومعنى اللام: صلَّى إمامًا لنا، وإلَّا فالصلاة لله لا لهم. قوله: (لَيْلَةً) أي في ليلة من اللَّيالي. قوله: (وَهِيَ الَّتي يَدْعُو النَّاس العَتَمَةَ) فيه إشعار بغلبة هذه التسمية عند النَّاس ممن لم يبلغهم النَّهي، وأما من عرف النَّهي عن ذلك يحتاج إلى ذكره لقصد التعريف، وقد مرَّ نظيره في حديث أبي بَرزَة في قوله: وكان يستحبُّ أن يؤخُّر من العشاء الَّتي يدعونها النَّاس العتمة. قال شيخنا: وقد تقدَّم الكلام على متن الحديث في باب السَّمر في العلم. قوله: (ثُمَّ انْصَرَفَ) قال العَيني: أي من الصَّلاة. قوله: (أَرَأَيْتَكُمْ) بفتح الرَّاء [وتاء] (١) الخطاب. قوله: (فَإِنَّ رَأْسَ) وفي رواية الأَصِيلي: <فإنَّ على رأسِ مائة سنة>. قوله: (مِنْهَا) أي من تلك اللَّيلة. قوله: (لَا يَبْقَى) خبر إنَّ، والتقدير: لا يبقى عنده أو فيه، وقال النَّوَوي: المراد أنَّ كلَّ من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مائة سنة، سواء قلَّ عمره بعد ذلك أو لا، وليس فيه نفي بعيش أحد بعد تلك اللَّيلة فوق مائة سنة، وقال ابن بطَّال: إنَّما أراد رسول الله ﷺ أنَّ هذه المدَّة تخرم الجيل الذي هم فيه، فوعظهم بقصر أعمارهم وأعلمهم أنَّ أعمارهم ليست كأعمار من تقدَّم من الأمم ليجتهدوا في العبادة، وقيل: أراد النَّبِيُّ ﷺ بالأرض البلدة الَّتي هو فيها، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] يريد المدينة. قوله: (مِمَّنْ هُوَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ) احتراز عن الملائكة، قال العَيني: وقد أمعنا الكلام فيه في باب السَّمر بالعلم. انتهى. احتجَّ بهذا الحديث البخاري ومن قال بقوله على موت الخضر، والجمهور على خلافه، وقال السُّهَيلي عن أبي عُمَر بن عبد البرِّ: قد ترادفت الأخبار باجتماع الخضر بسيِّدنا رسول الله ﷺ ،

стр. 175

وهذا يردُّ قول من قال: لو كان الخضر حيًّا لاجتمع بنبيِّنا ﵇، وأيضًا عدم إتيانه إلى النَّبِيِّ ﷺ ليس مؤثرًا في الحياة ولا غيرها؛ لأنَّا عهدنا جماعة آمنوا به ولم يروه مع الإمكان، قال العَيني: وزَعَمَ ابن عبَّاس ووهب أنَّ الخضر كان نبيًّا مرسلًا، وممن قال بنبوته أيضًا مقاتل وإسماعيل بن أبي زياد، وقيل: كان وليًّا، وقال أبو الفرج: والصحيح إنَّه نبيٌّ، ولا يعترض على الحديث بعيسى؛ لأنَّه ليس على وجه الأرض، ولا بالخضر؛ لأنَّه في البحر، ولا بهاروت وماروت؛ لأنَّهما ليسا ببشر، وكذا الجواب في إبليس. ويقال: معنى الحديث: لا يبقى ممن ترونه وتعرفونه، فالحديث عام أريد به الخصوص، والجواب الأوجه في هذا أن نقول: إنَّ المراد ممن هو على ظهر الأرض أُمَّتُه، وكلُّ من هو على ظهر الأرض أُمَّته، المسلمون أُمَّة إجابة، والكفَّار أمَّة دعوة، وعيسى والخضر ليسا داخلين في الأمَّة، والشَّيطان ليس من بني آدم. انتهى. (٢١) (بَابُ وَقْتِ العِشَاءِ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاس أَوْ تَأَخَّرُوا) أي هذا باب في بيان وقت العشاء عند اجتماع الجماعة وعند تأخُّرهم، فوقتها عند الاجتماع أوَّل الوقت، وعند التأخُّر التأخير، وأما حدُّ التأخير ففي حديث عَمْرو بن العاص وقتها إلى نصف اللَّيل الأوسط، وفي رواية بُرَيدة: إنَّه صلَّى في اليوم الثَّاني بعدما ذهب ثلث اللَّيل، وفي رواية: عندما ذهب ثلث اللَّيل، ومثله في حديث أبي موسى: حين كان ثلث اللَّيل، وفي حديث جبريل ﵇: حين ذهب ساعة من اللَّيل، وفي رواية ابن عبَّاس: إلى ثلث اللَّيل، وفي حديث أبي بَرزَة: إلى نصف اللَّيل أو ثلثه، وقال مرَّة: إلى نصف اللَّيل ومرَّة إلى ثلث اللَّيل، وفي حديث أنس: شطره، وفي حديث ابن عُمَر: حين ذهب ثلثه، وفي حديث جابر: إلى شطره، وعنه: إلى ثلثه، وفي حديث عائشة: حتَّى ذهب عامَّة اللَّيل. واختلف العلماء بحسب هذا، وقال عياض: وبالثلث قال مالك والشافعي في قول، وبالنصف قال أصحاب الرأي وأصحاب الحديث والشافعي في قول وابن حبيب من الحنفيَّة، وعن النَّخَعي الربع، وقيل: وقتها إلى طلوع الفجر، وهو قول داود، قال العَيني: وهذا عند مالك وقت الضرورة، ومذهب أبي حنيفة: التأخير أفضل إلَّا في ليالي الصيف، وفي «شرح الهداية» : تأخيرها إلى نصف اللَّيل مباح، وقيل: تأخيرها بعد الثلث مكروه، وفي «الغنية» : تأخيرها إلى النِّصف مكروه كراهة تحريم. قال شيخنا: أشار بهذه الترجمة إلى الردِّ على من قال: إنَّها تسمَّى العشاء إذا عُجِّلت والعتمةَ إذا أُخِّرت أخذًا من اللَّفظين، وأراد هذا القائل بوجه غير الأوجه المتقدِّمة، فاحتجَّ عليه المُصَنِّف بأنَّها قد سمِّيت في حديث الباب في حال التقديم والتأخير باسم واحد. انتهى. قال العَيني: هذا كلام واهٍ؛ لأنَّ الترجمة لا تدلُّ على هذا أصلًا، وإنَّما أشار بهذا إلى أنَّ اختياره في وقت العشاء التقديم عند الاجتماع، والتأخير عند التأخُّر، وهو نصَّ الشَّافعي أيضًا في «الأم» إنَّه إذا اجتمعوا عجَّل، وإذا أبطؤوا أخَّر. انتهى. قلت: ليس بكلام واهٍ، وإنما هو نظر دقيق أفاد فيه ما لم

стр. 176

يسبق مثله. انتهى. ٥٦٥ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرو وَهُوَ ابنُ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ، قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ وَالعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَالمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ وَالعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاس عَجَّلَ وَإِنْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ وَالصُّبح بِغَلَسٍ) قد تقدَّم هذا الحديث في باب وقت المغرب عن قريب، رواه عن محمَّد بن بشار عن محمَّد بن جعفر عن شُعْبَة، قال العَيني: فانظر بينهما في التفاوت في الرُّواة ومتن الحديث، وقد مرَّ الكلام فيه هناك مستقصى. (٢٢) (بَابُ فَضْلِ العِشَاءِ) أي هذا باب في بيان فضل العشاء ووجه المناسبة بين البابين ظاهرة. ٥٦٦ - قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ) أي الأنصار. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا اللِّيْثُ) أي ابن سعد. قوله: (عَنْ عُقَيْلٍ) أي بضمِّ العين ابن خالد الأيلي، ترجمة هؤلاء في بدء الوحي. قوله: (عَنِ ابنِ شِهَابٍ) أي محمَّد بن مسلم الزُّهْري، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة. قوله: (عَنْ عُرْوَةَ) أي ابن الزُّبَيْر بن العوَّام. قوله: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ) ترجمتها في بدء الوحي. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه الإخبار بتأنيث الفعل المفرد من الماضي، وفيه القول، وفيه عن عُرْوَة وعنه مسلم في رواية يُونُس عن ابن شهاب أخبرني عروة، وفيه رواية التَّابعي عن التابعية عن الصحابية. قلت: هكذا رأيته بخطِّ العيني، ورواية التَّابعي عن التابعية ولم أرَ في السند تابعية. انتهى. قوله: (قَالَتْ: اعْتَمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ بِالعِشَاءِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوا الإِسْلَامُ، فَلَمْ يَخْرُجْ حتَّى قَالَ عُمَر ﵁: نَامَ النِّسَاءُ وَالصَّبْيَانُ، فَخَرَجَ فَقَالَ لِأَهْلِ المَسْجِدِ: مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ) قال شيخنا: لم أرَ من تكلَّم على هذه الترجمة فإنه ليس في الحديثين اللذين ذكرهما في هذا الباب ما يقتضي اختصاص العشاء بفضيلة ظاهرة، وكأنَّه مأخوذ من قوله: (مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ) فعلى هذا في الترجمة حذف تقديره باب فضل انتظار العشاء. قال العَيني: هذا القائل نفى أوَّلًا كلام النَّاس على هذه الترجمة. ثمَّ ذكر شيئًا ادَّعى كأنَّه تفرَّد به، وهو ليس بشيء لأنَّ كلامه آل إلى الفضل لانتظار العشاء لا للعشاء، والترجمة في أنَّ الفضل للعشاء. فنقول: مطابقته للترجمة من حيث إنَّ العشاء عبادة قد اختصَّت بالانتظار لها من بين سائر الصَّلوات، وبهذا ظهر فضلها فحسن قوله: باب فضل العشاء. قال شيخنا: عفل العَيني عن مراده وهو أنَّ العبادة إذا ثبت الفضل لمن ينتظر دخول وقتها ليؤدِّها ثبت لها الفضل بذلك إذ لولا وجود الفضل فيها ما ثبت الفضل لانتظارها وظاهر كلام العَيني أولًا أنَّ النَّاس تتكلَّم على هذا الترجمة وأني لم أنفرد بالمناسبة المذكورة ثمَّ لم يذكر شيء على ما أوهمه كلامه ثمَّ قال: مطابقة

стр. 177

الحديث للترجمة من حيث إلى آخره. وهذا يؤخذ من كلامي الذي عابه. انتهى. هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في باب النَّوم قبل العشاء لمن غلب وأخرجه مسلم أيضًا بإسناد الباب ولفظ مسلم: (أعتمَ رسولُ اللهِ ﷺ ليلةً من الليالي بصلاةِ العشاءِ وهي الَّتي تُدعى العتمةَ) قال ابن شهاب: وذُكر لي أنَّ رسول الله ﷺ قال: (وما كان لكم أن تَنْزُرُوا رسول الله ﷺ على الصَّلاة، وذلك حين صاح عُمَر رضي الله تعالى عنه)، قال ابن شهاب، ولا يصلَّى يومئذ إلَّا بالمدينة قال: وكانوا يصلُّون فيما بين أن يغيب الشَّفق إلى ثلث اللَّيل الأوَّل، وأخرج مسلم من حديث أمِّ كلثوم عن عائشة: (أعتمَ النَّبِيُّ ﷺ ، ذاتَ ليلةٍ حتَّى ذهبَ عامَّةُ اللَّيلِ، وحتَّى نامَ أهلُ المسجدِ ثمَّ خرجَ فصلَّى، وقالَ: إنَّه لوقتُها لولا أنْ أشقَّ على أمَّتي). قوله: (أَعْتَمَ) : أي: دخل في العتمة، ومعناه: أخَّر صلاة العتمة، وذكر ابن سِيدَه: العتمة ثلث اللَّيل الأوَّل بعد غيبوبة الشَّفق، وقيل: عن وقت صلاة العشاء الآخرة، وقيل: هي بقيَّة اللَّيل، وفي «المصنَّف» : حدَّثنا وكيع حدَّثنا شريك عن أبي فَزارة عن ميمون بن مِهْران، قال: قلت لابن عُمَر: من أوَّل من سمَّاها العتمة؟ قال: الشيطان. قلت: هذا الأثر ذكره شيخنا في باب ذكر العشاء والعتمة لكن ذكره العَيني في هذا الباب وذكره هناك أنسب. انتهى. قوله: (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُو الإِسْلَامُ) أي: قبل أن يظهر، يعني: في غير المدينة، وإنَّما فشا الإسلام في غيرها بعد فتح مكَّة. قوله: (حَتَّى قَالَ عُمَر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:) قال شيخنا: زاد المُصَنِّف من رواية صالح عن ابن شهاب في باب النَّوم قبل العشاء ((حَتَّى نَادَاهُ عُمَر الصَّلَاةَ)) وهي بالنَّصب بفعل مضمر تقديره: مثلًا صلِّ الصَّلاة وشاع هذا الحذف لدلالة السِّياق عليه. قوله: (نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ) أي الحاضرون في المسجد لا النائمون في بيوتهم، وإنما خصَّهم بالذكر لأنَّهم مظنَّة قلَّة الصَّبر على النَّوم ومحلُّ الشَّفقة والرحمة بخلاف الرجال، وسيأتي قريبًا في حديث ابن عُمَر في هذه القصَّة حتَّى رقدنا في المسجد ثمَّ استيقظنا، ونخوه في حديث ابن عبَّاس وهو محمول على أنَّ الذي رقد بعضهم لا كلُّهم، ونسب الرقاد إلى الجميع مجازًا، قال شيخنا: وسيأتي الكلام على بقيَّة هذا الحديث في باب النَّوم قبل العشاء لمن غلب. قوله: (مَا يَنْتَظِرُهَا) أي الصَّلاة في هذه الساعة، وذلك إما أنَّه لا تصلَّى حينئذ إلَّا بالمدينة، وإما أنَّ سائر الأقوام ليست في أديانهم صلاة في هذا الوقت. قوله: (غَيْرُكُمْ) بالرفع: صفة لأحد، ووَقَعَ صفة للنكرة لأنَّه لا يتعرَّف بالإضافة إلى المعرفة لتوغله في الإبهام، اللهم إلَّا إذا أضيف إلى المشتهر بالمغايرة، ويجوز أن يكون بدلًا من لفظ: أحد، ويجوز أن ينتصب على الاستثناء فيه. قوله: (أَعْتَمَ لَيْلَةً) يدلُّ على أنَّ غالب أحوال النَّبِيِّ ﷺ كان تقديم العشاء. وفيه: جواز النَّوم قبل العشاء، وهو الذي بوَّب عليه البخاري: باب النَّوم قبل العشاء لمن غلب. قلت: لكن النَّوم قبلها مكروه والجواز لا ينافي الكراهة.

стр. 178

انتهى. فيه الدلالة على فضيلة العشاء كما بيَّناها في أوَّل الباب. وفيه جواز الإعلام للإمام بأنَّ يخرج إلى الصَّلاة إذا كان في بيته، وفيه لطف النَّبِيِّ ﷺ وتواضعه حيث لم يقل شيئًا عند مناداة عُمَر رضي الله تعالى عنه. قلت: وفيه إعلام الإمام بما حصل للمصلِّين بسبب انتظاره من المشقَّة وفيه شفقة الصَّحابة بعضهم على بعض وفيه شفقة القويِّ على الضعيف. وفيه ذكر ما يرويه المسؤول على المسؤول له وفيه جواز نظر الرجل إلى حركة شخص المرأة الأجنبيَّة إذا قلنا إنَّ إخبار عُمَر عن غير محارمه وزوجاته وهو الظاهر. انتهى. ٥٦٧ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ) أي أبو كُرَيب الهَمْداني، ترجمته في باب من عَلِمَ وعَلَّمَ. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَسَامَةَ) أي حمَّاد بن أسامة، ترجمته في الباب أيضًا. قوله: (عَنْ بُرَيْدٍ) أي بضمِّ الباء الموحَّدة والرَّاء بلفظ التصغير، ترجمته في باب أي الإسلام أفضل. قوله: (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) أي عامر جدُّ بُريد هذا، ترجمته في الباب أيضًا. قوله: (عَنْ أَبِي مُوْسَى) أي عبد الله بن قَيْس الأشعري، ترجمته في الباب أيضًا. في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه: القول، وفيه: رواية الرجل عن جدِّه، وفيه: ثلاثة بالكنى، وفيه: أنَّ رواته ما بين كوفي ومدني، وهذا الإسناد بعينه تقدَّم في باب من أدرك من العصر ركعة، غير أنَّ هناك ذكر محمَّد بن العلاء بكنيته وههنا باسمه. قوله: (قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الَّذِيْنَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِيْنَةِ نُزُوْلًا فِي بَقِيْعِ بُطْحَانَ وَالنَّبِيُّ ﵇ بِالمَدِيْنَةِ فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةَ العِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَأَصْحَابِي وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ حتَّى ابْهَارَّ اللَّيل ثمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِهِمْ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: لِمَنْ حَضَرَ عَلَى رِسْلِكُمْ أَبْشِرُوا أَنَّ مِنْ نِعْمَتِ اللهِ عَلَيْكُمْ إنَّه لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاس يُصَلِّى هَذِهِ السَّاعة غَيْرُكُمْ، أَوْ قَالَ: مَا صَلَّى أَحَدٌ غَيْرُكُمْ لَا نَدْرِي أَيَّ الكَلِمَتَيْنِ قَالَ، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا فَفَرِحْنَا بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ . مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث السَّابق وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصَّلاة أيضًا عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة وعبد الله بن بَرَّاد وأبي كُرَيب، ثلاثتهم عن أبي أسامة عنه به، وروى أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن خُزَيمَة وغيرهم، من حديث أبي سعيد الخُدْري رضي الله تعالى عنه: (صلِّينا معَ رسولِ اللهِ ﷺ صلاةَ العتمةِ فلمْ يخرجْ حتَّى مضى نحو مِنْ شطرِ اللَّيلِ، فقالَ: إنَّ النَّاس قد صلَّوا وأخذُوا مضاجعَهم، وإنَّكم لن تزالُوا في صلاةٍ ما انتظرْتُم الصَّلاة، ولولا ضعفُ الضعيفِ وسقمُ السقيمِ وحاجةُ ذي الحاجةِ لأخَّرْتُ هذهِ الصَّلاة إلى شطرِ اللَّيلِ). وأخرجه ابن ماجَهْ عن أبي سعيد: (أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلَّى المغربَ ثمَّ لمْ يخرجْ حتَّى ذهبَ شطرُ اللَّيلِ، ثمَّ خرجَ فصلَّى

стр. 179

بهم، وقالَ: لولا الضعيفُ والسقيمُ لأحببْتُ أنْ أؤخِّرَ هذهِ الصَّلاة إلى شطرِ اللَّيلِ). وروى التِّرْمِذي من حديث أبي هريرة: (لولا أنْ أشقَّ على أمَّتي لأمرْتُهم أنْ يؤخِّرُوا العشاءَ إلى ثلثِ اللَّيلِ أو نصفِه). وروى أبو داود من حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه يقول: (بَقَينا رسولَ اللهِ ﷺ في صلاةِ العتمةِ فتأخَّرَ حتَّى ظنَّ ظانٌّ إنَّه ليسَ بخارجٍ، والقائلُ منَّا يقولُ: صلَّى وأنا كذلك حتَّى خرجَ النَّبِيّ ﷺ فقالُوا له كما قالُوا، فقال: أعتمُوا بهذِه الصَّلاة فإنَّكم قد فُضِّلْتُمْ بها على سائرِ الأممِ، ولم تُصَلِّها أمَّة قبلَكم). قوله في رواية أبي داود: (بَقَينا) -بفتح القاف- أي انتظرناه، يقال: بقيت الرجل أبقيته إذا انتظرته، وأخرج أبو داود أيضًا عن عبد الله بن عُمَر: ((مَكَثْنَا ذَاتَ ليلةٍ ننتظرُ رسولَ اللهِ ﷺ لصلاةِ العشاء: فخرجَ إلينا حينَ ذهبَ ثُلُثُ اللَّيلِ أو بعده، فلا ندري أشيء شغله أم غير ذلك؟ فقالَ حينَ خرجَ: أتنتظرون هذِه الصَّلاة؟ لولا أن تثقل على أمَّتي لصلَّيت بهم هذه الساعة، ثمَّ أمر المؤذِّن فأقام الصَّلاة)). وأخرجه مسلم والنَّسائي أيضًا. قوله: (نُزُوْلًا) جمع: نازل، كشهود جمع شاهد. قوله: (فِي بَقِيْعِ بُطْحَانَ) البقيع -بفتح الباء الموحَّدة وكسر القاف وسكون الياء آخر الحروف وبالعين المهملة- وهو من الأرض: المكان المُتَّسِع، ولا يسمَّى بقيعًا إلَّا وفيه شجر أو أصولها، و (بُطْحَانَ) -بضمِّ الباء الموحَّدة وسكون الطَّاء المهملة وبالحاء المهملة، غير منصرف-: وادٍ بالمدينة، وقال ابن قرقول: (بُطْحَانَ) بضمِّ الباء، يرويه المحدِّثون أجمعون، وحكى أهل اللغة فيه بُطحان، بفتح الباء وكسر الطاء، وكذلك قيَّده أبو المعالي في (تاريخه) وأبو حاتم، وقال البَكْري: بفتح أوَّله وكسر ثانيه، على وزن: فعلان، لا يجوز غيره. قوله: (نَفَرٌ) مرفوع لأنَّه فاعل: يتناوب، والنَّفَر عدَّة رجال من ثلاثة إلى عشرة. قوله: (فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﵇ بلفظ المتكلِّم. قوله: (وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ) جملة حاليَّة، وجاء تفسير: بعض الشُّغل، في «معجم الطَّبَرَاني» من وجه صحيح عن الأَعْمَش عن أبي سُفْيان عن جابر: (كانَ في تجهيزِ جيش)، قال شيخنا: ففيه دلالة على أنَّ تأخير النَّبِيِّ ﷺ إلى هذه الغاية لم يكن قصدًا ومثله قوله في حديث ابن عُمَر الآتي قريبًا ((شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً)) وكذا قوله في حديث عائشة ﵂ ((فَاعْتَمَ بِالصَّلَاةِ لَيْلَةً)) يدلُّ على أنَّ ذلك لم يكن من شأنه. والفيصل في هذا حديث جابر: ((كَانُوا إِذَا اجْتَمَعُوا عَجَّلَ وَإِذَا أَبْطَؤُوا أَخَّرَ)). انتهى. قوله: (فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةَ) أي: أخَّرها عن أوَّل وقتها. قوله: (حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ) -بالموحَّدة وتشديد الرَّاء على وزن: إفعال إحمار- أي طلعت نجومه واشتبكت، والباهر الممتلئ نورًا، قاله أبو سعيد الضَّرير. وعن سيبويه: ابهارَّ اللَّيل كثرة ظلمته، وابهارَّ القمر، كثر ضوؤه، ذكره في «الموعب» وفي «المحكم» : إبهار اللَّيل إذا تراكمت ظلمته، وقيل: إذا ذهبت عامَّته، وفي «الصِّحاح» : إبهار اللَّيل ابهيرارًا: إذا ذهب معظمه وأكثره، وإبهارَّ علينا اللَّيل أي: طال. وعند مسلم من رواية أمِّ كلثوم عن عائشة: ((حتى ذهب عامَّة اللَّيل)) قال الأَصْمَعي: ابهارَّ انتصف، مأخوذ من بهور الشيء وهو وسطه ويؤيِّده أنَّ في بعض الروايات حتَّى إن كان قريبًا

стр. 180

من اللَّيل، وهو في حديث أبي سعيد كما سيأتي، وسيأتي في حديث أَنَس عند المٌصَنِّف ((إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ)). وفي «الكتاب الواعي» : إبهيرار اللَّيل طلوع نجومه. وقال الدَّاُودي: انهار اللَّيل، يعني بالنُّون، موضع الباء، تقول: كسر منه وانهزم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ١٠٩] قال العَيني: وفيه نظر، ولم يقله أحد غيره. قوله: (عَلَى رِسْلِكُمْ) -بكسر الرَّاء وفتحها- قال العَيني: أي: على هيئتكم، -والكسر أفصح- وقال شيخنا: والمعنى تأنُّوا. قوله: (أَبْشِرُوا) من: أبشر إبشارًا، يقال: بشَّرت الرجل وأبشرته وبشَّرته بالتشديد، ثلاث لغات بمعنى، ويقال: بشَّرته بمولود فأبشر إبشارًا أي: سُرَّ. قوله: (إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ) كلمة: (مِنْ) للتبعيض، وهو اسم: إنَّ، قال شيخنا: إنَّ بالكسر، ووهم من ضبطها بالفتح. وأما قوله: (أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ) فهو بفتح إنَّه للتعليل، قال العَيني: ليس كذلك على ما لا يخفى، أي ليس للتعليل. انتهى. قوله: (فَفَرِحْنَا) بلفظ المتكلِّم، عطف على قوله: (فَرَجَعْنَا)، هذا في رواية الكُشْمِيهَني، وفي رواية غيره: <فَرَجَعْنَا فَرْحَى> على وزن: فعلى، قال شيخنا كذا عند مسلم. انتهى. قال الكِرْماني: إما جمع الفريح على غير قياس، وإما مؤنَّث الأفرح، وهو نحو: الرجال فعلت. قال العَيني: بل هو جمع: فرحان، كعطشان يجمع على: عطشى، وسكران على سكرى، ويروى (فَرَجَعْنَا فَرَحًا) بفتح الرَّاء بمعنى الفرحين، وهو نحو: الرجال فعلوا، وعلى الوجهين أعني: فرحى وفرحًا، نصب على الحال من الضَّمير الذي في (رَجَعْنَا) فإن قلت: المطابقة بين الحال وذي الحال شرط في الواحد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، وفي رواية: (فَرَحًا) غير موجود. قلت: الفرح مصدر في الأصل ويستوي فيه هذه الأشياء. قوله: (بِمَا سَمِعْنَا) الباء: تتعلَّق (بِفَرِحْنَا)، وكلمة: (مَا) موصولة، والعائد محذوف تقديره: بما سمعناه. فإن قلت: ما سبب فرحهم؟ أجيب: علمهم باختصاصهم بهذه العبادة الَّتي هي نعمة عظمى مستلزمة للمثوبة الحسنى، قاله الكِرْماني، وقال شيخنا: مع ما انضاف إلى ذلك من تجميعهم فيها خلف رسول الله ﷺ ، وقال العَيني: مع كونه مشغولًا بأمر الجيش خرج إليهم وصلَّى بهم، فحصل لهم الفرح بذلك، وازدادوا فرحًا ببشارته بتلك النعمة العظيمة. انتهى. فيه جواز الحديث بعد صلاة العشاء، قلت: مذهبنا كراهة النَّوم قبل العشاء والحديث بعدها كما يأتي. انتهى. وفيه إباحة تأخير العشاء إذا علم أنَّ بالقوم قوَّة على انتظارها ليحصل لهم فضل الانتظار، ولأنَّ المنتظر للصلاة في الصلاة. وقال ابن بطَّال: وهذا لا يصلح اليوم لأئمَّتنا، لأنَّه ﵇ لما أمر الأئمَّة بالتخفيف وقال: ((إنَّ فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة)) كان ترك التطويل عليهم في انتظارها أولى، وقال مالك: تعجيلها أفضل للتخفيف، قلت: والتعجيل عند الشَّافعي أفضل أيضًا. انتهى. وقال ابن قُدامة ـ أي من الحنابلة ـ يستحبُّ تأخيرها للمنفرد، ولجماعة يرضون بذلك، وإنما نقل التأخير عنه ﵇ مرَّة أو مرَّتين لشغل حصل له. وقال
следующие страницы →