يسبق مثله. انتهى.
٥٦٥ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرو وَهُوَ ابنُ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ، قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ وَالعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَالمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ وَالعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاس عَجَّلَ وَإِنْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ وَالصُّبح بِغَلَسٍ) قد تقدَّم هذا الحديث في باب وقت المغرب عن قريب، رواه عن محمَّد بن بشار عن محمَّد بن جعفر عن شُعْبَة، قال العَيني: فانظر بينهما في التفاوت في الرُّواة ومتن الحديث، وقد مرَّ الكلام فيه هناك مستقصى.
(٢٢) (بَابُ فَضْلِ العِشَاءِ) أي هذا باب في بيان فضل العشاء ووجه المناسبة بين البابين ظاهرة.
٥٦٦ - قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ) أي الأنصار.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا اللِّيْثُ) أي ابن سعد.
قوله: (عَنْ عُقَيْلٍ) أي بضمِّ العين ابن خالد الأيلي، ترجمة هؤلاء في بدء الوحي.
قوله: (عَنِ ابنِ شِهَابٍ) أي محمَّد بن مسلم الزُّهْري، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
قوله: (عَنْ عُرْوَةَ) أي ابن الزُّبَيْر بن العوَّام.
قوله: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ) ترجمتها في بدء الوحي.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه الإخبار بتأنيث الفعل المفرد من الماضي، وفيه القول، وفيه عن عُرْوَة وعنه مسلم في رواية يُونُس عن ابن شهاب أخبرني عروة، وفيه رواية التَّابعي عن التابعية عن الصحابية. قلت: هكذا رأيته بخطِّ العيني، ورواية التَّابعي عن التابعية ولم أرَ في السند تابعية. انتهى.
قوله: (قَالَتْ: اعْتَمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ بِالعِشَاءِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوا الإِسْلَامُ، فَلَمْ يَخْرُجْ حتَّى قَالَ عُمَر ﵁: نَامَ النِّسَاءُ وَالصَّبْيَانُ، فَخَرَجَ فَقَالَ لِأَهْلِ المَسْجِدِ: مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ) قال شيخنا: لم أرَ من تكلَّم على هذه الترجمة فإنه ليس في الحديثين اللذين ذكرهما في هذا الباب ما يقتضي اختصاص العشاء بفضيلة ظاهرة، وكأنَّه مأخوذ من قوله: (مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ) فعلى هذا في الترجمة حذف تقديره باب فضل انتظار العشاء.
قال العَيني: هذا القائل نفى أوَّلًا كلام النَّاس على هذه الترجمة. ثمَّ ذكر شيئًا ادَّعى كأنَّه تفرَّد به، وهو ليس بشيء لأنَّ كلامه آل إلى الفضل لانتظار العشاء لا للعشاء، والترجمة في أنَّ الفضل للعشاء. فنقول: مطابقته للترجمة من حيث إنَّ العشاء عبادة قد اختصَّت بالانتظار لها من بين سائر الصَّلوات، وبهذا ظهر فضلها فحسن قوله: باب فضل العشاء.
قال شيخنا: عفل العَيني عن مراده وهو أنَّ العبادة إذا ثبت الفضل لمن ينتظر دخول وقتها ليؤدِّها ثبت لها الفضل بذلك إذ لولا وجود الفضل فيها ما ثبت الفضل لانتظارها وظاهر كلام العَيني أولًا أنَّ النَّاس تتكلَّم على هذا الترجمة وأني لم أنفرد بالمناسبة المذكورة ثمَّ لم يذكر شيء على ما أوهمه كلامه ثمَّ قال: مطابقة
стр. 177
الحديث للترجمة من حيث إلى آخره. وهذا يؤخذ من كلامي الذي عابه. انتهى.
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في باب النَّوم قبل العشاء لمن غلب وأخرجه مسلم أيضًا بإسناد الباب ولفظ مسلم: (أعتمَ رسولُ اللهِ ﷺ ليلةً من الليالي بصلاةِ العشاءِ وهي الَّتي تُدعى العتمةَ) قال ابن شهاب: وذُكر لي أنَّ رسول الله ﷺ قال: (وما كان لكم أن تَنْزُرُوا رسول الله ﷺ على الصَّلاة، وذلك حين صاح عُمَر رضي الله تعالى عنه)، قال ابن شهاب، ولا يصلَّى يومئذ إلَّا بالمدينة قال: وكانوا يصلُّون فيما بين أن يغيب الشَّفق إلى ثلث اللَّيل الأوَّل، وأخرج مسلم من حديث أمِّ كلثوم عن عائشة: (أعتمَ النَّبِيُّ ﷺ ، ذاتَ ليلةٍ حتَّى ذهبَ عامَّةُ اللَّيلِ، وحتَّى نامَ أهلُ المسجدِ ثمَّ خرجَ فصلَّى، وقالَ: إنَّه لوقتُها لولا أنْ أشقَّ على أمَّتي).
قوله: (أَعْتَمَ) : أي: دخل في العتمة، ومعناه: أخَّر صلاة العتمة، وذكر ابن سِيدَه: العتمة ثلث اللَّيل الأوَّل بعد غيبوبة الشَّفق، وقيل: عن وقت صلاة العشاء الآخرة، وقيل: هي بقيَّة اللَّيل، وفي «المصنَّف» : حدَّثنا وكيع حدَّثنا شريك عن أبي فَزارة عن ميمون بن مِهْران، قال: قلت لابن عُمَر: من أوَّل من سمَّاها العتمة؟ قال: الشيطان. قلت: هذا الأثر ذكره شيخنا في باب ذكر العشاء والعتمة لكن ذكره العَيني في هذا الباب وذكره هناك أنسب. انتهى.
قوله: (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُو الإِسْلَامُ) أي: قبل أن يظهر، يعني: في غير المدينة، وإنَّما فشا الإسلام في غيرها بعد فتح مكَّة.
قوله: (حَتَّى قَالَ عُمَر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:) قال شيخنا: زاد المُصَنِّف من رواية صالح عن ابن شهاب في باب النَّوم قبل العشاء ((حَتَّى نَادَاهُ عُمَر الصَّلَاةَ)) وهي بالنَّصب بفعل مضمر تقديره: مثلًا صلِّ الصَّلاة وشاع هذا الحذف لدلالة السِّياق عليه.
قوله: (نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ) أي الحاضرون في المسجد لا النائمون في بيوتهم، وإنما خصَّهم بالذكر لأنَّهم مظنَّة قلَّة الصَّبر على النَّوم ومحلُّ الشَّفقة والرحمة بخلاف الرجال، وسيأتي قريبًا في حديث ابن عُمَر في هذه القصَّة حتَّى رقدنا في المسجد ثمَّ استيقظنا، ونخوه في حديث ابن عبَّاس وهو محمول على أنَّ الذي رقد بعضهم لا كلُّهم، ونسب الرقاد إلى الجميع مجازًا، قال شيخنا: وسيأتي الكلام على بقيَّة هذا الحديث في باب النَّوم قبل العشاء لمن غلب.
قوله: (مَا يَنْتَظِرُهَا) أي الصَّلاة في هذه الساعة، وذلك إما أنَّه لا تصلَّى حينئذ إلَّا بالمدينة، وإما أنَّ سائر الأقوام ليست في أديانهم صلاة في هذا الوقت.
قوله: (غَيْرُكُمْ) بالرفع: صفة لأحد، ووَقَعَ صفة للنكرة لأنَّه لا يتعرَّف بالإضافة إلى المعرفة لتوغله في الإبهام، اللهم إلَّا إذا أضيف إلى المشتهر بالمغايرة، ويجوز أن يكون بدلًا من لفظ: أحد، ويجوز أن ينتصب على الاستثناء فيه.
قوله: (أَعْتَمَ لَيْلَةً) يدلُّ على أنَّ غالب أحوال النَّبِيِّ ﷺ كان تقديم العشاء. وفيه: جواز النَّوم قبل العشاء، وهو الذي بوَّب عليه البخاري: باب النَّوم قبل العشاء لمن غلب. قلت: لكن النَّوم قبلها مكروه والجواز لا ينافي الكراهة.
стр. 178
انتهى.
فيه الدلالة على فضيلة العشاء كما بيَّناها في أوَّل الباب. وفيه جواز الإعلام للإمام بأنَّ يخرج إلى الصَّلاة إذا كان في بيته، وفيه لطف النَّبِيِّ ﷺ وتواضعه حيث لم يقل شيئًا عند مناداة عُمَر رضي الله تعالى عنه.
قلت: وفيه إعلام الإمام بما حصل للمصلِّين بسبب انتظاره من المشقَّة وفيه شفقة الصَّحابة بعضهم على بعض وفيه شفقة القويِّ على الضعيف. وفيه ذكر ما يرويه المسؤول على المسؤول له وفيه جواز نظر الرجل إلى حركة شخص المرأة الأجنبيَّة إذا قلنا إنَّ إخبار عُمَر عن غير محارمه وزوجاته وهو الظاهر. انتهى.
٥٦٧ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ) أي أبو كُرَيب الهَمْداني، ترجمته في باب من عَلِمَ وعَلَّمَ.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَسَامَةَ) أي حمَّاد بن أسامة، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (عَنْ بُرَيْدٍ) أي بضمِّ الباء الموحَّدة والرَّاء بلفظ التصغير، ترجمته في باب أي الإسلام أفضل.
قوله: (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) أي عامر جدُّ بُريد هذا، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (عَنْ أَبِي مُوْسَى) أي عبد الله بن قَيْس الأشعري، ترجمته في الباب أيضًا.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه: القول، وفيه: رواية الرجل عن جدِّه، وفيه: ثلاثة بالكنى، وفيه: أنَّ رواته ما بين كوفي ومدني، وهذا الإسناد بعينه تقدَّم في باب من أدرك من العصر ركعة، غير أنَّ هناك ذكر محمَّد بن العلاء بكنيته وههنا باسمه.
قوله: (قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الَّذِيْنَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِيْنَةِ نُزُوْلًا فِي بَقِيْعِ بُطْحَانَ وَالنَّبِيُّ ﵇ بِالمَدِيْنَةِ فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةَ العِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَأَصْحَابِي وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ حتَّى ابْهَارَّ اللَّيل ثمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِهِمْ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: لِمَنْ حَضَرَ عَلَى رِسْلِكُمْ أَبْشِرُوا أَنَّ مِنْ نِعْمَتِ اللهِ عَلَيْكُمْ إنَّه لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاس يُصَلِّى هَذِهِ السَّاعة غَيْرُكُمْ، أَوْ قَالَ: مَا صَلَّى أَحَدٌ غَيْرُكُمْ لَا نَدْرِي أَيَّ الكَلِمَتَيْنِ قَالَ، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا فَفَرِحْنَا بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ .
مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث السَّابق وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصَّلاة أيضًا عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة وعبد الله بن بَرَّاد وأبي كُرَيب، ثلاثتهم عن أبي أسامة عنه به، وروى أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن خُزَيمَة وغيرهم، من حديث أبي سعيد الخُدْري رضي الله تعالى عنه: (صلِّينا معَ رسولِ اللهِ ﷺ صلاةَ العتمةِ فلمْ يخرجْ حتَّى مضى نحو مِنْ شطرِ اللَّيلِ، فقالَ: إنَّ النَّاس قد صلَّوا وأخذُوا مضاجعَهم، وإنَّكم لن تزالُوا في صلاةٍ ما انتظرْتُم الصَّلاة، ولولا ضعفُ الضعيفِ وسقمُ السقيمِ وحاجةُ ذي الحاجةِ لأخَّرْتُ هذهِ الصَّلاة إلى شطرِ اللَّيلِ).
وأخرجه ابن ماجَهْ عن أبي سعيد: (أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلَّى المغربَ ثمَّ لمْ يخرجْ حتَّى ذهبَ شطرُ اللَّيلِ، ثمَّ خرجَ فصلَّى
стр. 179
بهم، وقالَ: لولا الضعيفُ والسقيمُ لأحببْتُ أنْ أؤخِّرَ هذهِ الصَّلاة إلى شطرِ اللَّيلِ).
وروى التِّرْمِذي من حديث أبي هريرة: (لولا أنْ أشقَّ على أمَّتي لأمرْتُهم أنْ يؤخِّرُوا العشاءَ إلى ثلثِ اللَّيلِ أو نصفِه). وروى أبو داود من حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه يقول: (بَقَينا رسولَ اللهِ ﷺ في صلاةِ العتمةِ فتأخَّرَ حتَّى ظنَّ ظانٌّ إنَّه ليسَ بخارجٍ، والقائلُ منَّا يقولُ: صلَّى وأنا كذلك حتَّى خرجَ النَّبِيّ ﷺ فقالُوا له كما قالُوا، فقال: أعتمُوا بهذِه الصَّلاة فإنَّكم قد فُضِّلْتُمْ بها على سائرِ الأممِ، ولم تُصَلِّها أمَّة قبلَكم).
قوله في رواية أبي داود: (بَقَينا) -بفتح القاف- أي انتظرناه، يقال: بقيت الرجل أبقيته إذا انتظرته، وأخرج أبو داود أيضًا عن عبد الله بن عُمَر: ((مَكَثْنَا ذَاتَ ليلةٍ ننتظرُ رسولَ اللهِ ﷺ لصلاةِ العشاء: فخرجَ إلينا حينَ ذهبَ ثُلُثُ اللَّيلِ أو بعده، فلا ندري أشيء شغله أم غير ذلك؟ فقالَ حينَ خرجَ: أتنتظرون هذِه الصَّلاة؟ لولا أن تثقل على أمَّتي لصلَّيت بهم هذه الساعة، ثمَّ أمر المؤذِّن فأقام الصَّلاة)). وأخرجه مسلم والنَّسائي أيضًا.
قوله: (نُزُوْلًا) جمع: نازل، كشهود جمع شاهد.
قوله: (فِي بَقِيْعِ بُطْحَانَ) البقيع -بفتح الباء الموحَّدة وكسر القاف وسكون الياء آخر الحروف وبالعين المهملة- وهو من الأرض: المكان المُتَّسِع، ولا يسمَّى بقيعًا إلَّا وفيه شجر أو أصولها، و (بُطْحَانَ) -بضمِّ الباء الموحَّدة وسكون الطَّاء المهملة وبالحاء المهملة، غير منصرف-: وادٍ بالمدينة، وقال ابن قرقول: (بُطْحَانَ) بضمِّ الباء، يرويه المحدِّثون أجمعون، وحكى أهل اللغة فيه بُطحان، بفتح الباء وكسر الطاء، وكذلك قيَّده أبو المعالي في (تاريخه) وأبو حاتم، وقال البَكْري: بفتح أوَّله وكسر ثانيه، على وزن: فعلان، لا يجوز غيره.
قوله: (نَفَرٌ) مرفوع لأنَّه فاعل: يتناوب، والنَّفَر عدَّة رجال من ثلاثة إلى عشرة.
قوله: (فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﵇ بلفظ المتكلِّم.
قوله: (وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ) جملة حاليَّة، وجاء تفسير: بعض الشُّغل، في «معجم الطَّبَرَاني» من وجه صحيح عن الأَعْمَش عن أبي سُفْيان عن جابر: (كانَ في تجهيزِ جيش)، قال شيخنا: ففيه دلالة على أنَّ تأخير النَّبِيِّ ﷺ إلى هذه الغاية لم يكن قصدًا ومثله قوله في حديث ابن عُمَر الآتي قريبًا ((شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً)) وكذا قوله في حديث عائشة ﵂ ((فَاعْتَمَ بِالصَّلَاةِ لَيْلَةً)) يدلُّ على أنَّ ذلك لم يكن من شأنه. والفيصل في هذا حديث جابر: ((كَانُوا إِذَا اجْتَمَعُوا عَجَّلَ وَإِذَا أَبْطَؤُوا أَخَّرَ)). انتهى.
قوله: (فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةَ) أي: أخَّرها عن أوَّل وقتها.
قوله: (حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ) -بالموحَّدة وتشديد الرَّاء على وزن: إفعال إحمار- أي طلعت نجومه واشتبكت، والباهر الممتلئ نورًا، قاله أبو سعيد الضَّرير.
وعن سيبويه: ابهارَّ اللَّيل كثرة ظلمته، وابهارَّ القمر، كثر ضوؤه، ذكره في «الموعب» وفي «المحكم» : إبهار اللَّيل إذا تراكمت ظلمته، وقيل: إذا ذهبت عامَّته، وفي «الصِّحاح» : إبهار اللَّيل ابهيرارًا: إذا ذهب معظمه وأكثره، وإبهارَّ علينا اللَّيل أي: طال.
وعند مسلم من رواية أمِّ كلثوم عن عائشة: ((حتى ذهب عامَّة اللَّيل)) قال الأَصْمَعي: ابهارَّ انتصف، مأخوذ من بهور الشيء وهو وسطه ويؤيِّده أنَّ في بعض الروايات حتَّى إن كان قريبًا
стр. 180
من اللَّيل، وهو في حديث أبي سعيد كما سيأتي، وسيأتي في حديث أَنَس عند المٌصَنِّف ((إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ)).
وفي «الكتاب الواعي» : إبهيرار اللَّيل طلوع نجومه.
وقال الدَّاُودي: انهار اللَّيل، يعني بالنُّون، موضع الباء، تقول: كسر منه وانهزم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ١٠٩] قال العَيني: وفيه نظر، ولم يقله أحد غيره.
قوله: (عَلَى رِسْلِكُمْ) -بكسر الرَّاء وفتحها- قال العَيني: أي: على هيئتكم، -والكسر أفصح- وقال شيخنا: والمعنى تأنُّوا.
قوله: (أَبْشِرُوا) من: أبشر إبشارًا، يقال: بشَّرت الرجل وأبشرته وبشَّرته بالتشديد، ثلاث لغات بمعنى، ويقال: بشَّرته بمولود فأبشر إبشارًا أي: سُرَّ.
قوله: (إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ) كلمة: (مِنْ) للتبعيض، وهو اسم: إنَّ، قال شيخنا: إنَّ بالكسر، ووهم من ضبطها بالفتح.
وأما قوله: (أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ) فهو بفتح إنَّه للتعليل، قال العَيني: ليس كذلك على ما لا يخفى، أي ليس للتعليل. انتهى.
قوله: (فَفَرِحْنَا) بلفظ المتكلِّم، عطف على قوله: (فَرَجَعْنَا)، هذا في رواية الكُشْمِيهَني، وفي رواية غيره: <فَرَجَعْنَا فَرْحَى> على وزن: فعلى، قال شيخنا كذا عند مسلم. انتهى.
قال الكِرْماني: إما جمع الفريح على غير قياس، وإما مؤنَّث الأفرح، وهو نحو: الرجال فعلت. قال العَيني: بل هو جمع: فرحان، كعطشان يجمع على: عطشى، وسكران على سكرى، ويروى (فَرَجَعْنَا فَرَحًا) بفتح الرَّاء بمعنى الفرحين، وهو نحو: الرجال فعلوا، وعلى الوجهين أعني: فرحى وفرحًا، نصب على الحال من الضَّمير الذي في (رَجَعْنَا) فإن قلت: المطابقة بين الحال وذي الحال شرط في الواحد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، وفي رواية: (فَرَحًا) غير موجود. قلت: الفرح مصدر في الأصل ويستوي فيه هذه الأشياء.
قوله: (بِمَا سَمِعْنَا) الباء: تتعلَّق (بِفَرِحْنَا)، وكلمة: (مَا) موصولة، والعائد محذوف تقديره: بما سمعناه. فإن قلت: ما سبب فرحهم؟ أجيب: علمهم باختصاصهم بهذه العبادة الَّتي هي نعمة عظمى مستلزمة للمثوبة الحسنى، قاله الكِرْماني، وقال شيخنا: مع ما انضاف إلى ذلك من تجميعهم فيها خلف رسول الله ﷺ ، وقال العَيني: مع كونه مشغولًا بأمر الجيش خرج إليهم وصلَّى بهم، فحصل لهم الفرح بذلك، وازدادوا فرحًا ببشارته بتلك النعمة العظيمة. انتهى.
فيه جواز الحديث بعد صلاة العشاء، قلت: مذهبنا كراهة النَّوم قبل العشاء والحديث بعدها كما يأتي. انتهى. وفيه إباحة تأخير العشاء إذا علم أنَّ بالقوم قوَّة على انتظارها ليحصل لهم فضل الانتظار، ولأنَّ المنتظر للصلاة في الصلاة. وقال ابن بطَّال: وهذا لا يصلح اليوم لأئمَّتنا، لأنَّه ﵇ لما أمر الأئمَّة بالتخفيف وقال: ((إنَّ فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة)) كان ترك التطويل عليهم في انتظارها أولى، وقال مالك: تعجيلها أفضل للتخفيف، قلت: والتعجيل عند الشَّافعي أفضل أيضًا. انتهى.
وقال ابن قُدامة ـ أي من الحنابلة ـ يستحبُّ تأخيرها للمنفرد، ولجماعة يرضون بذلك، وإنما نقل التأخير عنه ﵇ مرَّة أو مرَّتين لشغل حصل له. وقال
стр. 181
العَيني: قال أصحابنا ـ أي الحنفيَّة ـ: إن كان القوم كسالى يستحبُّ التعجيل، وإن كانوا راغبين يستحبُّ التأخير. انتهى. وفيه: أنَّ التأنِّي في الأمور مطلوب، وفيه: أنَّ التبشير لأحد بما يسره محبوب لأنَّ فيه إدخال السرور في قلب المؤمن، قلت: وفيه انتظار الإمام الراتب، وفيه التذكير بنعم الله على عباده وفيه أنَّ الانفراد بالعمل له فضيلة ولهذا وَقَعَ الترغيب في إحياء ما بين المغرب والعشاء لأنَّه وقت غفلة. انتهى.
(٢٣) (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّوم قَبْلَ العِشَاءِ) أي هذا باب في بيان كراهة النَّوم قبل صلاة العشاء.
٥٦٨ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ سَلَامٍ) ترجمته في باب قول النَّبِيِّ ﷺ أنا أعلمكم بالله.
قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) أي ابن عبد الحميد بن الصَّلْت بن عُبَيْد الله بن الحكم بن أبي العاص، أبو محمَّد الحافظ أحد أشراف البصرة، روى عن أيُّوب ويُونُس وحُمَيْد وعنه أحمد وإِسْحاق وابن عَرَفَة، وثَّقه ابن معين وقال: اختلط بأخرة، ولد سنة (١٠٨) مات سنة (١٩٤).
قوله: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ) أي ابن مِهْران، ترجمته في باب قول النَّبِيِّ ﷺ اللَّهمَّ علِّمه الكتاب.
قوله: (عَنْ أَبِي المِنْهَالِ) -أي بكسر الميم- واسمه سيَّار بن سلامة الرِّياحي، بالياء آخر الحروف، ترجمته في باب وقت العصر.
قوله: (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ) -أي بفتح الباء الموحَّدة وسكون الرَّاء وفتح الزاي المعجمة- اسمه نَضْلَة بن عُبَيْد الأَسْلَمي، ترجمته في باب أيُّ الإسلام أفضل؟
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه: العنعنة في موضعين، وفيه: محمَّد بن سلَام كذا وَقَعَ بذكر أبيه في رواية أبي ذرٍّ ووافقه ابن السَّكَن أنَّه: ابن سلام، ووَقَعَ في أكثر الروايات: ((حدَّثنا محمَّد)) غير منسوب، وقد تعيَّن من رواية أبي ذرٍّ وابن السَّكَن، وقال أبو نصر: إنَّ البخاري يروي في «الجامع» عن محمَّد بن سلَام ومحمَّد بن بشَّار ومحمَّد بن المثنَّى عن عبد الوهَّاب، قال العَيني: وسلام، هذا بتخفيف اللام. انتهى.
قوله: (أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ النَّوم قَبْلَ العِشَاءِ وَالحَدِيْثَ بَعْدَهَا) مطابقته للترجمة ظاهرة.
قوله: (قَبْلَ العِشَاءِ) أي قبل صلاة العشاء.
قوله: (وَالحَدِيْثَ) بالنَّصب عطف على قوله: (النَّوْمَ) أي وكان يكره الحديث، أي: المحادثة بعدها، أي بعد العشاء، وهذا محمول على المحادثة الَّتي لا مصلحة فيها والتي فيها المصلحة الدينية أو الدنيوية فلا كراهة فيه، وبهذا يندفع الاعتراض عليه بما ورد أنَّه ﵇: (كَانَ يُحدِّث بعدَ العشاءِ). وأما سبب كراهة النَّوم قبلها فلأنَّ فيه تعرُّضًا لفوات وقتها باستغراق النَّوم، ولئلَّا يتساهل النَّاس في ذلك فيناموا عن صلاتها جماعة. وأمَّا كراهة الحديث بعدها فلأنَّه يؤدِّي إلى السَّهر، ويخاف منه غلبة النَّوم عن قيام اللَّيل أو الذِّكر فيه، أو عن صلاة الصُّبح، ولأنَّ السَّهر سبب الكسل في النَّهار عمَّا يتوجَّه من حقوق الدِّين ومصالح الدنيا، وقال الترمذي: كره أكثر أهل العلم النَّوم قبل صلاة العشاء ورخَّص فيه بعضهم، ورخَّص بعضهم فيه في رمضان خاصَّة، وحمل الطَّحاوي الرُّخصة على ما قبل دخول وقت العشاء، والكراهة على ما بعد
стр. 182
دخوله. وفي «التَّوضيح» : واختلف السَّلف في ذلك، فكان ابن عُمَر يسبُّ الذي ينام قبلها فيما حكاه ابن بطَّال، ولكن رُوي عنه إنَّه كان يرقد قبل، وذكر عنه إنَّه كان ينام ويوكِّل من يوقظه. روى مَعْمَر عن أيُّوب عن نافع عنه: إنَّه كان ربَّما ينام عن العشاء الآخرة ويأمر أن يوقظوه. وعن أَنَس رضي الله تعالى عنه: إنَّا نجتنب الفرش قبل العشاء. وكتب عُمَر ﵁: لا ينام قبل أن يصلِّيها، فمن نام لا نامت عينه. وكره ذلك أبو هريرة وابن عبَّاس وعطاء وابراهيم ومجاهد وطاوس ومالك والكوفيون، وروي عن علي رضي الله تعالى عنه إنَّه ربَّما أغفى قبل العشاء، وعن أبي موسى وعبيدة ينام ويوكل من يوقظه، وعن عُرْوَة وابن سيرين والحكم: أنَّهم كانوا ينامون نومة قبل الصَّلاة، وكان أصحاب عبد الله يفعلون ذلك، وبه قال بعض الكوفيين، واحتجَّ لهم بأنه إنَّما كره ذلك لمن خشي الفوات في الوقت والجماعة، أما من وكَّل به من يوقظه لوقتها فمباح، فدلَّ على أنَّ النَّهي ليس للتحريم لفعل الصحابة، لكن الأخذ بظاهر الحديث أحوط، قال شيخنا: وسيأتي بعد أبواب شيء يتعلَّق بهذا. انتهى.
(٢٤) (بَابُ النَّوم قَبْلَ العِشَاءِ لِمَنْ غُلِبَ) أي هذا باب في بيان حكم النَّوم قبل صلاة العشاء، لمن غُلِب، على صيغة المجهول، أي لمن غلب عليه النَّوم، وتمام الكلام مقدَّر، يعني: لا بأس به، والحديث الثَّاني في هذا الباب يدلُّ على هذا، في الترجمة إشارة إلى أنَّ الكراهة مختصَّة بمن تعاطى ذلك مختارًا وقيل: ذلك مستفاد من ترك إنكاره ﵇ على من رقد من الذين كانوا ينتظرون خروجه لصلاة العشاء، ولو قيل: بالفرق بين من غلبه النَّوم في مثل هذه الحالة وبين من غلبيه وهو في منزله مثلًا لكان متَّجهًا. انتهى.
٥٦٩ - قوله: (حَدَّثَنَا أَيُّوْبُ بنُ سُلَيْمَان بنِ بِلَالٍ) أي مولى عبد الله بن أبي عَتيق، واسمه: محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق، مات سنة أربع وعشرين ومائتين.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ) أي عبد الحميد بن أبي أُوَيس، واسمه: عبد الله أخو إسماعيل، شيخ البخاري، ويعرف بالأَعْشَى.
قوله: (عَنْ سُلَيمان هُوَ ابنُ بِلَالٍ) أي أبو أيُّوب، ويقال: أبو محمَّد القُرَشي التَّميمي، مولى عبد الله بن أبي عَتيق المذكور آنفًا، ترجمته في باب أمور الإيمان.
قوله: (قَالَ: أَبُو مُحَمَّدٍ) ويقال: الحارث الغفاري مولاهم، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي بنُ شِهَابٍ) أي محمَّد ين مسلم بن شهاب الزُّهْري، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
قوله: (عَنْ عُرْوَةَ) أي ابن الزُّبَيْر، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي أمُّ المؤمنين ﵂، ترجمتها في البدء أيضًا.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد من الماضي في موضع، وبصيغة الإخبار المفردة من الماضي، وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه: شيخ البخاري من الأفراد، وفيه: رواية الرجل
стр. 183
عمَّن روى عن أبيه، وفيه: رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصحابيَّة، وفيه: القول في أربعة مواضع.
قوله: (قَالَتْ: أَعْتَمَ الرَّسُوْلُ ﷺ بِالعِشَاءِ حتَّى نَادَاهُ عُمَر ﵁: الصَّلاة، نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ فَقَالَ: مَا يَنْتَظِرُهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ، قَالَ: وَلَا تُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إلَّا بِالمَدِيْنَةِ، قَالَ: وَكَانُوا يُصَلُّوْنَ فِيْمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيْبَ الشَّفق إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ).
مطابقته للترجمة في قوله نام النِّساء والصِّبيان فإنَّه ﵇ لم ينكر على من نام من الذين كانوا ينتظرون صلاة العشاء، ولم يكن نومهم إلَّا حين غلب النَّوم عليهم.
قوله: (أَعْتَمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ قد مرَّ معناه في باب فضل العشاء لأنَّ الحديث قد تقدَّم فيه، رواه عن يحيى بن بكير عن اللَّيث عن عقيل عن ابن شهاب.
قوله: (الصَّلَاةَ) نصب على الإغراء.
قوله: (نَامَ النِّسَاءُ) من تتمَّة كلام عُمَر ﵁.
قوله: (وَلَا تُصَلَّى) على صيغة المجهول، أي: بالتاء المُثَنَّاة الفوقانيَّة المشدَّدة، ومعناه لا تصلَّى الصَّلاة بالهيئة المخصوصة بالجماعة إلَّا بالمدينة، وبه صرَّح الدَّاُودي، لأنَّ من كان بمكَّة من المستضعفين لم يكونوا يصلُّون إلَّا سرًّا، وأما غير مكَّة والمدينة من البلاد فلم يكن الإسلام دخلها.
قوله: (قَالَ) أي الرَّاوي، ولم يقل: قالت، نظرًا إلى الرَّاوي سواء كان القائل به عائشة أو غيرها.
قوله: (وَكَانُوا) أي النَّبِيُّ ﷺ وأصحابه.
قوله: (بَيْنَ أَنْ يَغِيْبَ الشَّفَقُ) لا بدَّ من تقدير أجزاء المغيب حتَّى يصحَّ دخول: بين عليه، و (الشَّفَقُ) البياض دون الحمرة عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمَّد والشافعي هو: الحمرة.
قوله: (الأَوَّلِ) بالجرِّ صفة الثلث، وفي رواية مسلم عن يُونُس عن ابن شِهاب زيادة في هذا الحديث، وهي: قال ابن شِهاب: (وذكرَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: وما كانَ لكُمْ أنْ تنزرُوا رسولَ اللهِ ﷺ للصلاةِ، وذلكَ حينَ صاحَ عُمَرُ).
قوله: (تَنْزُرُوا) -بفتح التَّاء المُثَنَّاة من فوق وسكون النُّون وضمِّ الزاي بعدها راء- أي: تلحُّوا عليه، وروي بضمِّ أوَّله بعدها باء موحَّدة ثمَّ راء مكسورة ثمَّ زاي أي: تحرجوا.
في هذا الحديث ما ذكرنا في الحديث الأوَّل في باب فضل العشاء، قال شيخنا: وفي هذا بيان الوقت المختار لصلاة العشاء لما يشعر به السِّياق من المواظبة على ذلك.
وقد ورد بصيغة الأمر في هذا الحديث عند النَّسائي من رواية إبراهيم بن أبي عبلة عن الزُّهْري ولفظه: ثمَّ قال: صلُّوها فيما بين أن يغيب الشَّفق إلى ثلث اللَّيل، وليس بين هذا وبين قوله في حديث أَنَس إنَّه أخَّر الصَّلاة إلى نصف اللَّيل معارضة لأنَّ حديث عائشة محمول على الأغلب من عادته ﷺ . انتهى.
قال العَيني: فيه تذكير الإمام، وفيه إنَّه إذا تأخَّر عن أصحابه أو جرى منه ما يظنُّ إنَّه يشقُّ عليهم، يعتذر إليهم ويقول لهم: لكم فيه مصلحة من جهة كذا، وكان لي عذر ونحوه. انتهى. قلت: ليس في هذا الحديث ما يدلُّ على أنَّه اعتذر لتأخُّره. انتهى.
стр. 184
٥٧٠ - قوله: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) أي ابن غَيْلان -بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف- الحافظ المَرْوَزي، قلت: أبو أحمد الهروي مولاهم سمع أبا أسامة وأبا أحمد الزُّبَيْري وسعيد بن عامر وشَبَابَة عند البخاري، وأبا النَّصر هاشم والنَّضر بن سُهَيل والفضل بن موسى وبشر بن السَّرِي عند مسلم، وعبد الرزَّاق عندهما، قال الذَّهَبي: روى عن الفضل الشَّيباني وابن عُيَيْنَة، وعند ابن خُزَيمَة والبَغَوي: مات في رمضان سنة تسع وثلاثين ومائتين. انتهى.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) أي اليماني بن همَّام، تقدَّم أي في باب حسن إسلام المرء.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) أي عبد الملك، ترجمته في باب غسل المرأة رأس زوجها وترجيله.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ) أي مولى ابن عُمَر، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب، ترجمته في كتاب الإيمان.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد من الماضي في موضع، وفيه القول في أربع مواضع، وفيه: أنَّ رواته ما بين مروزي ويماني ومكِّي ومدني.
قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً، فَأَخَّرَهَا حتَّى رَقَدْنَا فِي المَسْجِدِ، ثمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثمَّ رَقَدْنَا، ثمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ ، ثمَّ قَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يَنْتَظِرُ الصَّلاة غَيْرُكُمْ). وكان ابنُ عُمَر لَا يُبَالِي أَقَدَّمَهَا أَمْ أَخَّرَهَا، إِذَا كَانَ لَا يَخْشَى أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوم عَنْ وَقْتِهَا، وَقَدْ كَانَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا. قَالَ ابنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: يُقَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عبَّاس يَقُولُ: (أَعْتَمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً بِالعِشَاءِ حتَّى رَقَدَ النَّاس وَاسْتَيْقَظُوا، فَقَامَ عُمَر بنُ الخَطَّابِ، فَقَالَ: الصَّلَاةَ. قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَخَرَجَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الآنَ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا. فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً: كَيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَأْسِهِ يَدَهُ كَمَا أَنْبَأَهُ ابنُ عَبَّاسٍ؟ فَبَدَّدَ لِي عَطَاءٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا مِنْ تَبْدِيدٍ، ثمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ، ثمَّ ضَمَّهَا يُمِرُّهَا كَذَلِكَ عَلَى الرَّأْسِ، حتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الأُذُنِ مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ عَلَى الصُّدْغِ وَنَاحِيَةِ اللِّحْيَةِ، لَا يُقَصِّرُ وَلَا يَبْطُشُ إلَّا لِذَلِكَ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوها هَكَذَا)
مطابقته للترجمة في قوله: (حَتَّى رَقَدْنَا فِي المَسْجِدِ) وفي قوله: (رَقَدَ النَّاسُ) وفي قوله: (وَكَانَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا) أي كان ابن عُمَر يرقد قبل العشاء، وحمله البخاري على ما إذا غلبه النوم، وهو اللائق بحال ابن عُمَر ﵄.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصَّلاة عن محمَّد بن رافع، وأخرجه أبو داود في الطهارة عن أحمد بن حنبل إلى قوله: (لَيْسَ أَحَدٌ يَنْتَظِرُ الصَّلاة غَيْرُكُمْ) وأخرجه مسلم عن عطاء مفردًا مفصولًا من حديث نافع بلفظ: ((قلت لعطاء: أي حين أحبُّ إليك أن أصلِّي العشاء؟ فقال: سمعت ابن عبَّاس...)) الحديث. قلت
стр. 185
لعطاء: كم ذكر لك أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، أخَّرها ليلتئذ؟ قال: لا أدري. قال عطاء: وأحبُّ إليَّ أن تُصلِّيها إمامًا وخِلْوًا مؤخرة، كما صلَّاها النَّبِيُّ ﷺ ليلتئذ، فإن شقَّ ذلك عليك خلوا، أو على النَّاس في الجماعة وأنت إمامهم فصلِّها وسطًا لا معجَّلة ولا مؤخرة. وعند النَّسائي: عن عطاء عن ابن عبَّاس وعن ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عباس: (أخَّر النَّبِيُّ ﷺ العشاء ذات ليلة حتَّى ذهب من الليل، فقام عُمَر ﵁ فنادى: الصَّلاة يا رسول الله، رقد النِّساء والولدان. فخرج رسول الله ﷺ والماء يقطر من رأسه، فقال: إنَّه للَوَقْتُ، لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ).
قوله: (شُغِلَ) بلفظ المجهول، قال الجوهري: يقال: شغلت عنك بكذا، على ما لم يسمَّ فاعله.
قوله: (عَنْها) أي عن وقتها، أي متجاوزًا عنه.
قوله: (لَيْلَةً فَأَخَّرَهَا) قال شيخنا: هذا التأخير متغاير للتأخير المذكور في حديث جابر وغيره، المقيَّد بتأخير اجتماع المصلِّين، وسياقه يُشعر بأنَّ ذلك لم يكن من عادته.
قوله: (حَتَّى رَقَدْنَا فِي المَسْجِدِ) قلت: سيأتي في فقه الحديث الكلام على هذا.
قوله: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) أي عبد الله.
قوله: (لَا يُبَالِي) أي لا يكترث.
قوله: (أَقَدَّمَ العِشَاءَ أَمْ أَخَّرَهَا) عند عدم خوفه من غلبة النَّوم عن وقت العشاء، (وَقَدْ كَانَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا) أي قبل العشاء، قلت: وقد تقدَّم تفصيل الكلام على هذا.
٥٧١ - قوله: (قَالَ ابنُ جُرَيْجٍ) أي عبد الملك بن جُرَيج بالإسناد الذي قبله، وهو محمود بن غيلان عن عبد الرزَّاق عن ابن جُرَيج، وليس هو بتعليق، قال شيخنا: ووهم من زَعَمَ إنَّه معلَّق، وقد أخرجه عبد الرزَّاق في «مصنَّفه» بالإسنادين، وأخرجه من طريقه الطبراني، وعند أبو نُعَيم في «مستخرجه».
قوله: (فَقَامَ عُمَر فَقَالَ: الصَّلَاةَ) وفي رواية للبخاري زاد: ((رَقدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ)) كما في حديث عائشة الماضي، قال العَيني: والصلاةَ منصوبة على الإغراء.
قوله: (يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً) جملة فعليَّة مضارعة وقعت حالًا بدون الواو، والمعنى: يقطر ماء رأسه، لأنَّ التمييز في حكم الفاعل.
قوله: (وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ) أيضًا حال، كذا للأكثر وللكُشْمِيهَني: <عَلَى رَأْسي>، وهو وهم لما ذكر بعده من هيئة عصره ﷺ شعره من الماء، وكأنَّه كان اغتسل قبل أن يخرج.
قوله: (فَاسْتَثْبَتُّ) مقول ابن جُرَيج بلفظ المتكلِّم، والاستثبات: طلب التثبُّت، وهو التأكيد في سؤاله.
قوله: (عَطَاءً) منصوب بقوله: (فَاسْتَثْبَتُّ) وقد تردَّد الكِرْماني فيه بين عطاء بن يسار وعطاء بن أبي رباح، والحامل له عليه كون كلٍّ منهما يروي عن ابن عبَّاس. قال شيخنا: هو ابن أبي رباح، ووهم من زَعَمَ إنَّه ابن يسار. قال العَيني: أراد به الكِرْماني، ولكنَّه ما جزم إنَّه ابن يسار، بل قال: الظَّاهر أنَّه عطاء بن يسار، ويحتمل عطاء بن أبي رباح. قال شيخنا: انظر وتعجَّب من أين للعينيِّ الاطلاع على الإرادة مع توجيه احتمال أن يكون بعض من تكلَّم على البخاري أنَّه عطاء بن يسار على أنَّ ــ زَعَمَ ــ يشمل من يجزم ومن يتردَّد. انتهى.
قوله: (كَمَا أَنْبَأَهُ ابنُ عَبَّاسٍ) أي مثل ما أخبره ابن عبَّاس.
قوله: (فَبَدَّدَ) أي فرَّق، والتبديد: التفريق.
قوله: (عَلَى
стр. 186
قَرْنِ الرَّأْسِ) القرن -بسكون الرَّاء المهملة- جانب الرأس.
قوله: (ثُمَّ ضَمَّهَا) أي ضمَّ أصابعه، كذا للبخاري بالضاد المعجمة والميم، ولمسلم: وصبَّها -بالمهملة والموحدة-، وصوَّبه عياض، قال: لأنَّه يصف عصر الماء من الشعر باليد، قال شيخنا: ورواية البخاري موجهة لأن ضمَّ اليد صفة العاصر. انتهى.
قوله: (حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الأُذُنِ) فإبهامه مرفوع بالفاعليَّة، وطرف الأذن منصوب على المفعوليَّة. وهكذا وَقَعَ في رواية الكُشْمِيْهَني بإفراد الإبهام، وفي رواية غيره إبهاميه بالتثنية والنصب، ووجهها أن يكون قوله: إبهاميه منصوبًا على المفعوليَّة، وطرف الأذن مرفوعًا بالفاعليَّة، قال شيخنا: ويؤيِّد رواية الأكثرين رواية حجَّاج عن ابن جُرَيج عن النَّسائي وأبي نُعَيم: حتَّى مسَّت إبهاماه طرف الأذن. انتهى. فإن قلت: في رواية الأكثرين كيف أُنِّث الفعل المسند إلى الظرف وهو مذكَّر؟ قال العَيني: لأن المضاف اكتسب التأنيث من المضاف إليه لشدَّة الاتصال بينهما، فأُنِّث لذلك.
قوله: (لَا يُقَصِّرُ) بالقاف من التقصير، ومعناه لا يبطئ. وفي رواية الكُشْمِيهَني: <لا يعصر> بالعين، قال شيخنا: والأوَّل أصوب.
قوله: (وَلَا يَبْطُشُ) أي لا يستعجل.
قوله: (لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا) أي انتفاء الأمر لوجود المشقَّة، بُيِّن ذلك في كتاب التمنِّي عند المصنِّف من رواية سُفْيان بن عُيَيْنَة عن ابن جُرَيج وغيره في هذا الحديث، وقال: (إِنَّهُ لَلْوَقْتُ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي).
فائدة: وَقَعَ في الطَّبَرَاني من طريق طاوس عن ابن عبَّاس في هذا الحديث بمعناه، قال: وذهب النَّاس إلَّا عُثْمان بن مظعون في ستة عشر رجلًا فخرج النَّبِيُّ ﷺ ، فقال: (مَا صَلَّى هَذِهِ الصَّلاة أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ).
فيه إباحة النَّوم قبل العشاء لمن يغلب عليه النوم، ولمن تعرض له ضرورة لازمة، وفي الدلالة على فضيلة صلاة العشاء، وفيه تذكير الإمام والإعلام بالصلاة، وفيه استحباب حضور النساء والصبيان الصَّلاة بالجماعة، وفيه أنَّ النَّوم من القاعد لا ينقض الوضوء إذا كان مقعده مُمَكَّنًا، قال العَيني: وهذا هو محمل الحديث، وهو مذهب الأكثرين، والصحيح من مذهب الشافعي، والدليل عليه إنَّه لم يذكر أحد من الرُّواة أنَّهم توضَّؤوا من ذلك النوم، ولا يدلُّ لفظ: (ثُمَّ وَاسْتَيْقَظُوا) على النَّوم المستغرق الذي يزيل العقل، لأن العرب تقول: استيقظ من سنته وغفلته، وفيه ردٌّ على المزني حيث يقول: قليل النَّوم وكثيره حَدَثٌ ينقض الوضوء، لأنَّه محال أن يذهب على أصحابه أنَّ النَّوم حدث فيصلُّون به، ثمَّ اعلم أنَّ العلماء اختلفوا في النَّوم، فمذهب البعض أنَّ النَّوم لا ينقض الوضوء على أي حال كان، وهذا محكي عن أبي موسى الأشعري وسعيد بن المُسَيَّب وأبي مِجْلَز وحُمَيْد الأعرج والشيعة، ومذهب البعض إنَّه ينقض بكل حال، وهو مذهب الحسن البصري والمزني وأبي عُبَيْد القاسم بن سلَّام وإسحاق بن راهويه،
стр. 187
وهو قول غريب للشافعي، وقال ابن المنذر: وبه أقول. قال: وقد رُوي معناه عن ابن عبَّاس وأبي هريرة. ومذهب البعض أنَّ كثيره ينقض بكلِّ حال، وقليله لا ينقض بكلِّ حال، وهو مذهب الزُّهْري وربيعة والأوزاعي ومالك وأحمد في رواية. ومذهب البعض إنَّه إذا نام على هيئة من هيئات المصلِّين كالراكع والساجد والقائم والقاعد لا ينتقض وضوؤه سواء كان في الصَّلاة أو لم يكن، وإن نام مضطجعًا أو مستلقيًا على قفاه انتقض، وهو مذهب أبي حنيفة وداود وقول غريب للشافعي، ومذهب البعض أنَّه لا ينقض النَّوم إلَّا نوم الساجد، ورُوي هذا عن أحمد أيضًا، ومذهب البعض أنَّه لا ينقض النَّوم في الصَّلاة بكلِّ حال، وينقض خارج الصَّلاة، وهو قول ضعيف للشافعي، ومذهب البعض إنَّه إذا نام جالسًا مُمَكِّنًا مقعدته من الأرض لم ينقض، وإلا انتقض سواء قل أو كثر، وسواء كان في الصَّلاة أو خارجها، وهو مذهب الشَّافعي ﵀.
(٢٥) (بَاب وَقْتِ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ) أي هذا باب في بيان أنَّ وقت العشاء إلى نصف اللَّيل، وهذه الترجمة تدلُّ على أنَّ اختياره في آخر وقت العشاء إلى نصف اللَّيل، والدليل عليه حديث الباب، قال العَيني: وقد تكلَّمنا بما فيه الكفاية في باب وقت العصر فيما مضى. وقال الكِرْماني: ظاهر الترجمة تشعر بأن مذهب البخاري أنَّ وقت العشاء إلى النصف فقط، ولهذا لم يذكر حديثًا يدلُّ على امتداد وقته إلى الصبح. وقال العَيني: مُرَادُه من هذا وقت الاختيار لا وقت الجواز، وهو صرَّح به قبل كلامه هذا بأن المراد من الترجمة الوقت المختار من العشاء. وقال الكِرْماني أيضًا: فإن قلت: قد تقدَّم أنَّ الوقت المختار إلى الثلث، كما قال في الباب السابق: وكانوا يصلُّون فيما بين أن يغيب الشفق، إلى ثلث اللَّيل؟ قلت: لا منافاة بينهما إذ الثلث داخل في النصف. انتهى.
قال شيخنا: في هذه الترجمة حديث صريح أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص في بيان أوَّل الأوقات وآخرها وفيه: (فَإِذَا صَلَّيْتُمُ العِشَاءَ فَإِنَّهُ وَقَّتَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ)، قال النَّوَوي: معناه وقَّت لأدائها اختيارًا، وأما وقت الجواز فيمتدُّ إلى طلوع الفجر، لحديث أبي قَتَادَة عند مسلم: (إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلاة حتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلاة الْأُخْرَى) وقال الإِصْطَخْري: إذا ذهب نصف اللَّيل صارت قضاء. قال: ودليل الجمهور حديث أبي قَتَادَة المذكور، قال شيخنا أيضًا: وعموم حديث أبي قَتَادَة مخصوص بالإجماع في الصبح، وعلى قول الشَّافعي الجديد في المغرب أن يقول أنَّه مخصوص بالحديث المذكور وغيره من الأحاديث في العشاء، والله أعلم.
قوله: (وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَحِبُّ تَأْخِيْرَهَا) هذا طرف من حديث أبي برزة الذي تقدَّم في باب وقت العصر، وهو الذي رواه عن محمَّد بن مُقَاتل، وفيه: وكان يستحبُّ أن يؤخِّر العشاء الَّتي تدعونها العتمة. فإن قلت: هذا لا يطابق
стр. 188
الترجمة لأنَّه لم يذكر فيه (إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ)، قال العَيني: لما وردت أحاديث في هذا الباب بعضها مقيَّد بالثلث وبعضها بالنصف، كان النصف غاية التأخير، فدلَّ على الترجمة دلالةً لا تصريحًا، قال شيخنا: ولم أرَ في امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر حديثًا صريحًا يثبت.
٥٧٢ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ المُحَارِبِيُّ) أي ابن عبد الرحمن بن محمَّد الكوفي، يكنَّى أبا زياد، وهو من قدماء شيوخ البخاري، مات سنة إحدى عشرة ومائتين، وليس للبخاري في الصحيح عنه غير هذا الحديث الواحد، والمحاربي: بضمِّ الميم وإهمال الحاء وكسر الرَّاء وبالباء الموحدة، نسبة إلى محارب بن عَمْرو بن وديعة بن لُكيز بن أفصى بن عبد القيس.
قوله: (قَالَ حدَّثنا زَائِدَةُ) أي ابن قُدامة بضمِّ القاف، ترجمته في باب غسل المذي والوضوء منه.
قوله: (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيْلِ) أي بضمِّ الحاء، ترجمته في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر في كتاب الإيمان.
قوله: (عَنْ أَنَسِ) أي ابن مالك ﵁، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول في موضعين، وفيه أنَّ شيخ البخاري ليس [له] (١) ههنا إلَّا هذا الحديث، وفيه أنَّ رواته ما بين كوفي وبصري، قال شيخنا: وفيه أنَّ في رواية أبي ذرٍّ: <حَدَّثَنا حُمَيْدٌ>، وفي رواية أبي الوقت وغيره: ((حُمَيْد)) بغير صيغة ((حدَّثنا)).
قوله: (قَالَ أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثمَّ صلَّى ثمَّ قَالَ: قَدْ صلَّى النَّاس وَنَامُوا أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا) مطابقته للترجمة ظاهرة صريحًا.
قوله: (صَلَاةَ الْعِشَاءِ) زاد مسلم: «لَيْلَةً» وفيه إشعار بأنه ﵇ لم يكن يواظب على ذلك.
قوله: (قَدْ صلَّى النَّاسُ) أي المعهودون من المسلمين إذ ذاك.
قوله: (أَمَا إِنَّكُمْ) بتخفيف الميم حرف التنبيه.
قوله: (مَا انْتَظَرْتُمُوْهَا) أي مدَّة انتظاركم، والمعنى أنَّ الرجل إذا انتظر الصَّلاة فكأنَّه في نفس الصلاة.
قوله: (وَزَادَ ابنُ أَبِي مَرْيَمَ) أي سعيد بن الحكم المصري، ترجمته في باب البصاق والمخاط ونحوه في الثَّوب في كتاب الصلاة.
قوله: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) أي المصري، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (قَالَ: حدَّثني حُمَيْدٌ) أي الطويل.
قوله: (سَمِعَ أَنَسًا) أي ابن مالك.
قوله: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ) قال شيخنا: مراده بهذا التعليق بيان سماع حُمَيْد للحديث من أَنَس، وذكر هذا التعليق أيضًا في اللباس بلفظ: وقال يحيى بن أيُّوب عن حُمَيْد فذكره، وأخرجه مسلم. قال شيخنا: ووَقَعَ لنا هذا التعليق موصولًا عاليًا من طريق أبي طاهر المخلص في الجزء الأوَّل من فوائده، قال: حدَّثنا البَغَوي حدَّثنا أحمد بن مَنْصور حدَّثنا ابن أبي مريم بسنده، وأوَّله: سئل أَنَس، هل اتخذ النَّبِيُّ ﷺ خاتمًا؟ قال: نعم، أخَّر العشاء فذكره وفي آخره: وكأني أنظر إلى وبيص خاتمه ليلتئذ. انتهى. والوَبِيص -بفتح الواو وكسر الباء الموحدة وبالصاد المهملة-:
стр. 189
البريق واللمعان، والخاتم فيه أربع لغات: كسر التَّاء وفتحها وخاتام وخيتام.
قوله: (لَيْلَتَئِذٍ) أي ليلة إذ أخَّر الصَّلاة، والتنوين عوض عن المضاف إليه، قال شيخنا: وسيأتي الكلام على فضل انتظار الصَّلاة في أبواب الجماعة، وعلى الخاتم ولبسه في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى.
(٢٦) (بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ وَالحَدِيثُ) أي هذا باب في بيان فضل صلاة الفجر.
قوله: (وَالحَدِيْثُ) قال شيخنا: كذا وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ ولم يظهر لقوله: (وَالحَدِيْثُ) توجيه في هذا الموضع، ووجهه الكِرْماني بأن الغرض منه باب كذا وباب الحديث الوارد في فضل صلاة الفجر، قال شيخنا: ولا يخفى بُعْدُهُ، ولم أر هذه الزيادة في شيء من المستخرجات، ولا عرج عليها أحد من الشرَّاح، فالظاهر إنَّها وهم، ويدلُّ لذلك إنَّه ترجم لحديث جرير أيضًا: باب فضل صلاة العصر، من غير زيادة، ويحتمل أنَّه كان فيه: باب فضل صلاة الفجر والعصر، فتحرَّفت الكلمة الأخيرة، والله أعلم. قال العَيني: استبعاد كلام الكِرْماني بعيد، لأنَّه لا يبعد أن يقال: تقدير كلامه: باب في بيان فضل الفجر وفي بيان الحديث الوارد فيه، وهذا أوجه من ادِّعاء الوهم، ولا يلزم من تركه لفظ الحديث في باب صلاة الفجر، كذا وَقَعَ في خطِّ العيني: صلاة الفجر، والذي ذكره شيخنا إنَّما هو صلاة العصر. انتهى. أن تكون هذه اللفظة ههنا وهمًا، والاحتمال الذي ذكره بعيد جدًّا، فإن قلت: فما وجه خصوصيَّة هذا الباب بهذه اللفظة دون سائر الأبواب الَّتي يذكر فيها فضائل الأعمال؟ قال العَيني: يحتمل أن يكون وجه ذاك أنَّ صلاة الفجر إنَّما هي عقيب النوم، والنوم أخُ الموت، إلَّا ترى كيف ورد أن يقال عند الاستيقاظ من النوم: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور. فإذا كان كذلك ينبغي أن يجتهد المستيقظ على أداء صلاة الفجر شكرًا لله على حياته وإعادة روحه إليه، ويعلم أنَّ لإقامتها فضلًا عظيمًا لورود الأحاديث فيه، فنبَّه على ذلك بقوله: والحديث، وخصَّ هذا الباب بهذه الزيادة. انتهى. قلت: ولا يخفى أنَّ هذا الذي ذكره العَيني أبعد مما قاله شيخنا ﵀، والذي ظهر لي أنَّ لفظة والحديث صحيحة ليس فيها تحريف، وإنَّما نصَّ عليها المصنِّف للتنبيه على عظم الحديث المحثِّ على المحافظة على صلاة الفجر، فإن فيه رؤية الله تعالى الَّتي هي قرَّة أعين العارفين وأقصى مراد المحبِّين، فالتقدير: باب فضل صلاة الفجر والحديث العظيم الوارد فيه. انتهى.
٥٧٣ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسَرْهَد، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي القطَّان، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) أي ابن أبي خالد، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا قَيْسٌ) أي ابن أبي حازم، ترجمته في باب الدين النصيحة.
قوله: (قَالَ: قَالَ لِي جَرِيْرُ بنُ عَبْدِ اللهِ) ترجمته في الباب أيضًا.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه القول في ثلاثة مواضع، وفيه أنَّ هنا قال: قال لي جرير وفي باب فضل
стр. 190
صلاة العصر: عن جرير.
قوله: (كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُّونَ أَوْ لَا تُضَاهُوْنَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ثمَّ قَالَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]).
مطابقته للترجمة في قوله: (عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) وقد مرَّ هذا الحديث في باب فضل صلاة العصر، رواه هناك عن الحميد عن مروان بن معاوية عن إسماعيل عن قيس عن جرير، وههنا عن مُسَدَّد عن يحيى عن إسماعيل عن قيس عن جرير، وقد ذكرنا هناك متعلَّقات الحديث كلِّها، قوله: (أَوْ لَا تُضَاهُوْنَ) من المضاهاة وهي المشابهة، قال النَّوَوي: معناه لا يُشَبَّه عليكم ولا ترتابون فيه.
٥٧٤ - قوله: (حَدَّثَنَا هُدْبَة بْنُ خَالِدٍ) أي -بضمِّ الهاء وسكون الدال المهملة وبالباء الموحدة- ابن خالد القيسي البصري الحافظ، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) أي ابن يحيى، ترجمته في باب ترك النَّبِيِّ ﷺ والناس الأعرابي حتَّى يفرغ من بوله في المسجد.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ) أي -بالجيم والراء- نصر بن عِمْران الضبعي البصري، ترجمته في باب أداء الخمس من الإيمان.
قوله: (عَنْ أَبِي بَكْرِ بنِ أَبِي مُوسَى) أي الأشعري.
قوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري، ترجمته في باب أي الإسلام أفضل.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد من الماضي في موضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول في موضعين، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصحابي، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ثلاثة بصريون بالتوالي، وفيه في أبي بكر اختلفوا فقال الدَّارَقُطْني قال بعض أهل العلم: هو أبو بكر بن عُمارة بن رُؤَيبة الثَّقَفي، وهذا الحديث محفوظ عنه، وقال البزَّار: لا نعلمه يروى عن أبي موسى إلَّا من هذا الوجه، وإنما يعرف عن أبي بكر بن عُمارة بن رُؤَيبة عن أبيه، ولكن هكذا قال همَّام، يعنيان بذلك حديث أبي بكر بن عُمارة بن رُؤَيبة المخرَّج عند مسلم، بلفظ قال عُمارة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لَنْ يَلِجَ النَّار أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) يعني الفجر والعصر، وروى الطَّبَرَاني من حديث السَّرِي بن إسماعيل عن الشَّعْبي عن عُمارة بن رُؤَيبة: ((لَنْ يَدْخُلَ النَّار مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاللهِ شَيْئًا، وَكَانَ يُبَادِرُ بِصَلَاتِهِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)). انتهى.
ولنرجع إلى حديث الباب، قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ صلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ) مطابقته للترجمة ظاهرة، لأنَّ أحد البَرْدَين صلاة الفجر.
قوله: (البَرْدَيْنِ) تثنية بَرْد، بفتح الباء الموحدة وسكون الرَّاء، والمراد صلاة الفجر والعصر، وقال القُرْطُبي: قال كثير من العلماء: البردان الفجر والعصر، وسُمِّيا بذلك لأنَّهما يفعلان في وقت البرد، وقال الخطَّابيُّ: لأنهما يصلِّيان في بردي النَّهار، وهما طرفاه حين يطيب الهواء ويذهب سورة الحرِّ، وقال السَّفَاقُسي
стр. 191
عن أبي عُبيد: المراد الصُّبح والعصر والمغرب، وفيه نظر لأنَّ المذكور تثنية، ومع هذا لم يتابعه على هذا أحد، وقال البزَّار في توجيه اختصاص هاتين الصلاتين بدخول الجنَّة دون غيرهما من الصَّلوات ما محصَّله: إنَّ لفظة (مَنْ) في الحديث موصولة لا شرطيَّة، والمراد الذين صلُّوهما أوَّل ما فرضت الصَّلاة ثمَّ ماتوا قبل فرض الصَّلوات الخمس، لأنَّها فرضت أوَّلًا ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، ثمَّ فرضت الصَّلوات الخمس، فهو خبر عن ناس مخصوصين لا عموم فيه، قال شيخنا: ولا يخفى ما فيه من النظر، والأوجه أنَّ (مَنْ) في الحديث شرطيَّة، وقوله: (دَخَلَ) جواب الشرط، وعُدل عن الأصل وهو فعل المضارع كأن تقول: يدخل الجنَّة إرادة للتأكيد في وقوعه بجعل ما سيقع كالواقع، قال العَيني: كلامه يؤدِّي إلى أنَّ هذا مخصوص لأناس معينين ولا عموم فيه وإنَّه منسوخ، وليس كذلك من وجوه: الأوَّل: أنَّ راويه أبا موسى سمعه في أواخر الإسلام، وإنَّه فهم العموم وكذا غيره فهم ذلك، لأنَّه خير فضل لمحمَّد ﵇ ولأمَّته، والثاني: أنَّ الفضائل لا تنسخ، والثالث: أنَّ كلمة (مَنْ) شرطيَّة، وقوله: (دَخَلَ الجَنَّةَ) جواب الشرط، فكلُّ من أتى بالشرط فقد استحقَّ المشروط لعموم كلمة الشرط، ولا يقال إنَّ مفهومه يقتضي أنَّ من [لم] (١) يصلِّيهما لم يدخل الجنَّة، لأنا نقول المفهوم ليس بحجَّة، وأيضًا إنَّ قوله: (دَخَلَ الجَنَّةَ) خرج مخرج الغالب، لأن الغالب من صلَّاهما وراعاهما. انتهى. عمَّا ينافيهما من فحشاء ومنكر، لأنَّ الصَّلاة تنهى عنهما، أو يكون آخر أمره دخول الجنَّة، وأمَّا وجه التخصيص بهما فهو لزيادة شرفهما وترغيبًا في حفظهما لشهود الملائكة فيهما كما تقدَّم، وقد مضى ما رواه الطَّبَرَاني فيه، وروى أبو القاسم الجَوْزي من حديث ابن مسعود ﵁ موقوفًا: ((يُنَادِي مُنَادِي عِنْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ، يا بَنِي آدَم قُومُوا فَأَطْفِئوا مَا أَوْقَدْتُّم عَلَى أَنْفُسِكُم، ويُنَادَى عِنْدَ العَصْرِ كَذَلِكَ، فَيَتَطَهَّرونَ وَيَنامُونَ وَلَا ذَنْبَ لَهُمْ)) ثمَّ ذكر العَيني ما ذكره شيخنا في توجيه العدول عن الأصل، وقال: كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤]
قوله: (وَقَالَ ابنُ رَجَاءٍ) أي -بفتح الرَّاء والجيم والمد- عبد الله البصري الغُداني، وهو أحد شيوخه.
قوله: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بنِ قَيْسٍ أَخْبَرَهُ بِهَذَا) تقدَّم الكلام على هؤلاء الثلاثة في السند السابق، وأفاد البخاري بإيراد هذا التعليق أنَّ نسبة أبي بكر إلى أبيه أبي موسى الأشعري، لأنَّ النَّاس اختلفوا فيه، كما ذكرناه عن قريب، قال شيخنا: وقد وصله محمَّد بن يحيى الذُّهْلي: حدَّثنا عبد الله بن رجاء، ورُوِّيناه عاليًا من طريقه في الجزء المشهور المروي عنه من طريق السلفي ولفظ المتن واحد، وقال العَيني: وقد وصله الطَّبَرَاني في معجمه، فقال: حدَّثنا عُثْمان بن عُمَر الضَّبِّي، قال: حدَّثنا عبد الله بن رجاء، فذكره.
قوله: (أَخْبَرَهُ بِهَذَا) أي بهذا الحديث، وهو مرسل لأنَّه لم يقل عن أبيه، إلَّا أن يقال: المراد بالمشار إليه الحديث وبقيَّة الإسناد كلاهما.
قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن منصور، وقال أبو علي الغسَّاني في «كفاية التقييد» : لعلَّه إِسْحاق بن مَنْصور الكوسج، وقال
стр. 192
في موضع آخر منه: قال ابن السكن: كلُّ ما في كتاب البخاري عن إِسْحاق غير منسوب فهو ابن راهويه، قال شيخنا: ولم يقع منسوبًا في شيء من الروايات، واستدلَّ الغسَّاني على أنَّه ابن مَنْصور بأن مسلمًا روى عن إِسْحاق بن مَنْصور عن حبَّان بن هلال حديثًا غير هذا. قال شيخنا: ورأيت في رواية أبي علي الشَّبُّوِيِّ عن الفربري في باب البيعان بالخيار: حدَّثنا إِسْحاق بن منصور، حدَّثنا حبَّان بن هلال، فذكر حديثًا، فهذه القرينة أقوى من القرينة الَّتي في رواية مسلم. وقال العَيني: الأصحُّ إنَّه إِسْحاق بن منصور. انتهى.
قوله: (حَدَّثَنَا حَبَّانُ) أي بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة، ابن هلال الباهلي، مات سنة ست عشرة ومائتين.
قلت: فائدة يعرف بها الفتح والكسر في الحاء من حبَّان، قال شيخنا في المقدِّمة: حِبَّان بالكسر وباء موحَّدة مثقَّلة، حِبَّان بن موسى، وأحمد بن سُفْيان بن حِبَّان القطَّان، وهما من شيوخ البخاري، وأما حِبَّان بن عطيَّة، وحِبَّان بن العَرِقَة فلهما ذكر بلا رواية، وبفتح الحاء واسع بن حَبَّان، وابن أخيه محمَّد بن يحيى بن حَبَّان، وحَبَّان بن هلال، ومن عدا هؤلاء بالياء المُثَنَّاة من تحت، وكلُّ ما فيه أبو حيَّان، فهو بالياء المُثَنَّاة من تحت. انتهى.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ) أشار البخاري بهذا أيضًا بأنَّ شيخ أبي جَمْرَة هو أبو بكر بن عبد الله بن قيس، وهو أبو موسى الأشعري ردًّا على من زَعَمَ إنَّه ابن عُمارة رُؤَيبة، وقد ذكرنا أنَّ حديث عُمارة أخرجه مسلم وغيره، فظهر من هذا أنَّهما حديثان، أحدهما عن أبي موسى والآخر عن عُمارة بن رُؤَيبة، قال شيخنا: فاجتمعت الروايات عن همام، بأن شيخ أبي جمرة هو أبو بكر بن عبد الله بخلاف من زَعَمَ إنَّه عن عُمارة، وحديث عُمارة أخرجه مسلم وغيره من طرق عن أبي بكر بن عُمارة عن أبيه، لكن لفظه: (لَنْ يَلِجَ النَّار أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) وهذا اللَّفظ مغاير للفظ حديث أبي موسى وإن كان معناهما واحدًا، فالصَّواب أنَّهما حديثان.
قوله: (مِثْلَهُ) أي مثل الحديث المذكور، ويروى: بمثله بزيادة الباء.
(٢٧) (بَاب وَقْتِ الفَجْرِ) أي هذا باب في بيان وقت صلاة الفجر، قال شيخنا: ذكر فيه حديث (تَسَحَّرَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ من وجهين عن أَنَس، فأمَّا رواية همَّام عن قَتَادَة، فهي عن أَنَس، أنَّ زيد بن ثابت حدَّثه، فجعله من مسند زيد بن ثابت، ووافقه هشام عن قتادة، كما سيأتي في الصيام، وأما رواية سعيد: وهو ابن أبي عروبة عن قَتَادَة عن أنس: (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا) وفي رواية السَّرَخْسي والمُسْتَمْلي «تَسَحَّرُوا» فجعله من مسند أَنَس، وأمَّا قوله: «تَسَحَّرُوا» بصيغة الجمع فشاذَّة، قلت: وستأتي تتمَّة لهذا من كلام
стр. 193
شيخنا قريبًا إن شاء الله تعالى.
٥٧٥ - قوله: (حَدَّثَنَا عَمْرو بنُ عَاصِمٍ) أي بفتح العين وفي آخره واو، الحافظ البصري، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) أي ابن يحيى المتقدِّم.
قوله: (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دعامة، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ.
قوله: (عَنْ أَنَسِ) أي ابن مالك، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (أَنَّ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ) أي الأنصاري، ترجمته في باب استقبال الرجل الرجل وهو يصلِّي.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد من الفعل الماضي في موضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول في موضع واحد، وفيه رواية الصحابي عن الصحابي، وفيه أنَّ رواته بصريون.
قوله: (أَنَّهُمْ تَسَحَّرُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلاة، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ يَعْنِي آيَةً) مطابقته للترجمة من حيث أنَّهم قاموا إلى الصَّلاة بعد أن تسحَّروا بمقدار خمسين آية أو نحوها، وذلك أوَّل ما يطلع الفجر، وهو أوَّل وقت الصبح، واستدلَّ البخاري بهذا أن أوَّل وقت الصُّبح هو طلوع الفجر، فحصل التطابق بين الحديث والترجمة.
وهذا الحديث أخرجه البخاري في الصَّوم عن مسلم بن إبراهيم عن هشام الدَّسْتُوائي عن قَتَادَة، وأخرجه مسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة عن وكيع عن هشام به، وعن عَمْرو النَّاقد عن يزيد بن هارون عن همَّام به، وعن محمَّد بن المثَّنى عن سالم بن نوح عن عَمْرو بن عامر عن قَتَادَة به. وأخرجه التِّرْمِذي فيه، عن يحيى بن موسى عن أبي داود الطَّيالِسي وعن هنَّاد عن وكيع عن همَّام به. وأخرجه النَّسائي فيه عن إِسْحاق بن إبراهيم عن وكيع به، وعن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث عن همَّام به. وأخرجه ابن ماجَهْ فيه عن علي بن محمَّد الطَّنَافِسي عن وكيع به.
قولهم: (أَنَّهُمْ) أي إنَّه وأصحابه (تَسَحَّرُوا) أي أكلوا السحور وهو بفتح السين، اسم ما يتسحَّر به من الطعام والشراب، وبالضمِّ المصدر، والفعل نفسه. وأكثر ما يُروى بالفتح، وقيل: إن الصَّواب بالضمِّ، لأنَّه بالفتح الطعام والبركة والأجر والثَّواب في الفعل لا في الطعام.
قوله: (إِلَى الصَّلَاةِ) أي صلاة الفجر.
قوله: (قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟) سقط لفظ كَان من رواية السَّرَخْسي والمُسْتَمْلي، ووَقَعَ عند الإسماعيلي من رواية عفَّان، عن همام: قلنا لزيد. ومن رواية خالد بن الحارث عن سعيد قال خالد: أَنَس القائل: كم كان بينهما. ووَقَعَ عند المُصَنِّف، من رواية روح عن سعيد: قلت لأنس، فهو مقول قَتَادَة. قال الإسماعيلي: والروايتان صحيحتان، بأن يكون أَنَس سأل زيدًا، وقتادة سأل أنسًا. قال العَيني: فاعل قلت هو أَنَس، والضمير في بينهما يرجع إلى التسحُّر، والقيام إلى الصَّلاة، من قبيل: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
قوله: (قَالَ) أي زيد بن ثابت.
قوله: (قَدْرُ خَمْسِيْنَ) مرفوع على الابتداء، وخبره محذوف تقديره قدر خمسين آية بينهما، والتمييز محذوف أشار إليه بقوله: (يَعْنِي آيَةً).
ومما يستفاد منه: استحباب التسحُّر وتأخيره إلى قريب طلوع الفجر.
٥٧٦ - قوله: (حَدَّثَنَا
стр. 194
الحَسَنُ بنُ صبَّاحِ) -بتشديد الباء- الفرَّار، بالراء ثمَّ الرَّاء، أحد الأعلام، وقد تقدَّم في باب زيادة الإيمان ونقصانه.
قوله: (سَمِعَ رَوْحَ بنَ عُبَادَةَ) أي بفتح الرَّاء من روح، وضمِّ العين، وتخفيف الباء الموحدة من عبادة، ترجمته في اتباع الجنائز من الإيمان.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيْدٌ) أي ابن أبي عَرُوبة -بفتح العين المهملة- ترجمته... (١).
قوله: (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة، تقدَّم ذكره في السند السابق.
قوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابن مالك، تقدَّم قريبًا.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه السماع، وفيه العنعنة في موضعين، والفرق بين سند هذا الحديث وسند الحديث السَّابق أن هذا الحديث من مسانيد أَنَس، وذاك من مسانيد زيد بن ثابت كما تقدَّم؛ قال شيخنا: وترجَّح عند مسلم رواية همام فإنَّه أخرجها وأعرض عن رواية سعيد، ويدلُّ على رجحانها أيضًا أنَّ الإسماعيلي أخرج رواية سعيد من طريق خالد بن الحارث عن سعيد فقال: ((عَنْ أَنَس عَنْ زيدِ بنِ ثابتٍ)) والذي يظهر لي في الجمع بين الروايتين أنَّ أنسًا حضر ذلك لكنَّه لم يتسحَّر معهما، ولهذا سأل زيدًا عن مقدار وقت السحور؛ ثمَّ وجدت ذلك صريحًا في رواية النَّسائي وابن حبَّان، ولفظهما: ((عَنْ أَنَس بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا أَنَس إنِّيْ أُرِيْدُ الصِّياَمَ أَطْعِمنِيْ شَيْئًا، فَجِئْتُهُ بِتَمْرٍ وَإِنَاءٍ فِيْهِ مَاء وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَذَّنَ بِلَالٌ قَالَ: يَا أَنَس انظُرْ رَجُلًا يَأْكُلُ مَعِيْ، فَدَعَوْتُ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ فَجَاءَ فَتَسَحَّرَ مَعَهُ ثمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ))؛ فعلى هذا فالمراد بقوله: (كمْ كانَ بينَ الأذانِ والسحورِ؟) أي أذان ابن أمِّ مكتوم، لأنَّ بلالًا كان يؤذِّن قبل الفجر، والآخر يؤذِّن إذا طلع. انتهى.
قال العَيني: خرَّج الطَّحاوي من حديث هشام الدستوائي عن قَتَادَة عن أَنَس وزيد بن ثابت قالا: (تسحَّرنا...) الحديث، فكيف يقول هذا القائل أنَّ أنسًا حضر ذلك لكنَّه لم يتسحَّر معهما. انتهى. قال شيخنا: في تأليفه المسمَّى «بانتقاض الاعتراض» قول العيني: أنَّ الطَّحاوي رواه غلط منه، وإنَّما رواه الطَّحاوي كما رواه غيره من الأئمَّة، فقد أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والدَّارمي والطَّيَالسي والتِّرْمِذي والنَّسائي وأبو عَوانة وابن خُزَيمَة وابن ماجه، كلُّهم من طريق هشام عن قَتَادَة عن أَنَس عن زيد بن ثابت قال: (تَسَحَّرْنَا)، والقائل (تَسَحَّرْنَا) هو زيد بن ثابت، تحرَّفت عن إلى الواو فلم يتأمَّل لما ظفر بشيء يعترض به، فصار هو المعترض عليه. انتهى.
стр. 195
قوله: (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ وَزَيْدَ بنَ ثَابِتٍ: تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا، قَامَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ إِلَى الصَّلاة، فَصَلَّيَا، قُلْتُ لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِيْنَ آيَةً). مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث السابق.
قوله: (سَمِعَ رَوْحَ بنَ عُبَادَةَ) جملة وقعت حالًا، وكلمة قد مقدَّرة فيه كما في قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، أي قد حصرت.
قوله: (تَسَحَّرَا) بالتثنية، وفي رواية السَّرَخْسي والمُسْتَمْلي <تَسَحَّرُوا> بالجمع.
قوله: (فَصَلِّيْنَا) بصيغة الجمع عند الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِيْهَني بصيغة التثنية؛ ويُروى (فَصَلَّى) بالإفراد.
قوله: (قُلْتُ لَأَنَسٍ) القائل قَتَادَة، ويُروى: (قُلْنَا) بصيغة الجمع.
فيه بيان أوَّل وقت الصبح، وهو طلوع الفجر، لأنَّه الوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب للصائم، والمدَّة الَّتي بين الفراغ من السُّحور والدخول في الصَّلاة هي قراءة الخمسين أية أو نحوها، وهي قدر ثلث خمس ساعة، قال شيخنا: ولعلَّها مقدار ما يتوضَّأ.
واختلفوا في آخر وقت الفجر؛ فذهب الجمهور إلى أنَّ آخره طلوع أوَّل جرم الشمس، وهو مشهور مذهب مالك، وروى عنه ابن القاسم وابن عبد الحكم أنَّ آخر وقتها الإسفار الأعلى؛ وعن الإصطخري من صلَّاها بعد الإسفار الشديد يكون قاضيًا لا مؤدِّيًا، وإن لم تطلع الشمس؛ قال شيخنا: وسيأتي الكلام على بقيَّة فوائد هذا الحديث في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى.
٥٧٧ - قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ أَبِي أُوَيْسٍ) واسم أبي أويس عبد الله الأصبحي المدني، ابن أخت أَنَس بن مالك ﵁، ترجمته في باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.
قوله: (عَنْ أَخِيْهِ) أي عبد الحميد بن أبي أويس، يكنَّى أبا بكر، ترجمته في باب حفظ العلم.
قوله: (عَنْ سُلَيْمَاْنَ) أي ابن بلال أبو أيُّوب، ترجمته في باب أمور الإيمان.
قوله: (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) أي سلمة بن دينار الأعرج من عبَّاد أهل المدينة، ترجمته في باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه.
قوله: (أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ) أي ابن مالك الأنصاري، ترجمته في الباب أيضًا.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه السماع، وفيه أن رواته كلُّهم مدنيون، وفيه رواية الأخ عن الأخ.
قوله: (كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي ثمَّ يَكُوْنُ لِي سُرْعَةٌ بِي أَنْ أُدْرِكَ صلاةَ الفَجْرِ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ مطابقته الترجمة بطريق الإشارة أن أوَّل وقت صلاة الفجر طلوع الفجر، وقال شيخنا: وسيأتي الكلام على حديث سهل بن سعد في الصيام، والغرض منه الإشارة إلى مبادرة النَّبِيِّ ﷺ بصلاة الصُّبح في أوَّل الوقت، قال العَيني: الترجمة في بيان وقت الفجر، لا فيما قاله: يعني شيخنا، فلا تطابق حينئذٍ بين الترجمة والحديث، وأيضًا لا يستلزم سرعة سهل لإدراك
стр. 196
الصَّلاة مبادرة النَّبِيِّ ﷺ بها. انتهى. قلت: هذا التَّعقُّب لا يستحقُّ تضييع الزَّمان في ردِّه، وتأمَّل قوله: في المطابقة أنَّه قال بطريق الإشارة، أنَّ أوَّل وقت صلاة الفجر طلوع الفجر، وأيضًا لولا مبادرة النَّبِيِّ ما كان سهل يسرع. انتهى.
قوله: (ثُمَّ يَكُوْنُ سُرْعَةٌ) يجوز في (سُرْعَةٌ) الرَّفع والنصب، أمَّا الرَّفع فعلى أنَّ كان تامَّة، يعني يوجد سرعة، ولفظة (بِي) : يتعلَّق به؛ وأمَّا النَّصب فعلى أن يكون: كان ناقصة، ويكون اسم كان مضمرًا فيه، و (سُرْعَةً) خبره، والتقدير: يكون السرعة سرعةً حاصلة بي، وهكذا قدَّره الكِرْماني، وقال: والاسم ضمير يرجع إلى ما يدلُّ عليه لفظ السرعة؛ قال العَيني: فيه تعسُّف، والأوجه أن يقال أَنَّ كان ناقصة و (سُرْعَةً) بالنَّصب اسمها، وقوله: (بِي) في محلِّ الرَّفع على إنَّها صفة (سُرْعَةٌ)، وقوله: (أَنْ أُدْرِكَ) خبر كان، وكلمة (أَنْ) مصدريَّة، والتقدير: وتكون سرعة حاصلة بي لإدراك صلاة الفجر مع النَّبِيِّ ﷺ ، وأما نصب (سُرْعَةً) فقد ذكر الكِرْماني فيه وجهين: أحدهما: ما ذكرناه، والآخر: إنَّه نصب على الاختصاص، فالأوَّل فيه التَّعسُّف لما ذكرناه، والثاني لا وجه له يظهر بالتأمُّل. انتهى.
قلت: بل ما قاله الكِرْماني موجَّه، لأنَّه لما قال (سُرْعَةٌ) وهي نكرة شملتَ القائل وغيره، فلمَّا قال (بِي) خُصِّصت. انتهى.
٥٧٨ - قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ) أي الأنصاري، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعد، ترجمته في البدء أيضًا.
قوله: (عَنْ عُقَيْلٍ) أي -بضمِّ العين- ابن خالد الأَيْلي، ترجمته فيه أيضًا.
قوله: (عَنِ ابنِ شِهَابٍ) أي محمَّد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَة بنُ الزُّبَيْرِ) أي ابن العوَّام.
قوله: (أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ) أي أمُّ المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، والإِخبار بصيغة الإفراد من الماضي المذكور في موضع، ومثله في موضع، لكن بالتأنيث.
قوله: (قالت: كُنَّ نِسَاءُ المُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثمَّ يَنْقَلِبْنَ إلى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلاة لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الغَلَسِ)، قال العَيني: ذكر هذا الحديث ههنا لا يطابق الترجمة؛ فإن قلت فيه دلالة على استحباب المبادرة بصلاة الصُّبح في أوَّل الوقت، قلت: سلَّمنا هذا، ولكن لا يدلُّ هذا على أن وقت الفجر عند طلوع الفجر، لأنَّ المبادرة تحصل ما دام الغلس باقيًا. انتهى. قلت: هذا من العَيني محاماة لمذهبه؛ قال شيخنا: في الحديث السابق: أنَّ الغرض منه الإشارة إلى مبادرة النَّبِيِّ ﷺ بصلاة الصُّبح في أوَّل الوقت، وحديث عائشة تقدَّم في أبواب ستر العورة، ولفظه أصرح
стр. 197
في مراده في هذا الباب من جهة التغليس بالصبح، ولأنَّ سياقه يقتضي المواظبة على ذلك، وأصرح منه ما أخرجه أبو داود من حديث ابن مسعود: ((أنَّه ﵇ أسفر بالصُّبح مرَّة ثمَّ كانت صلاته بعدُ بالغلس، حتَّى مات لم يعد إلى أن يسفر))؛ أمَّا ما رواه أصحاب السُّنن وصحَّحه غير واحد من حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ : ((أَسْفِرُوا بَالفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأجْرِ))، فقد حمله الشَّافعي وغيره على أنَّ المراد الأمر بذلك تحقق طلوع الفجر، وحمله الطَّحاوي على أنَّ المراد الأمر بتطويل القراءة فيها حتَّى يخرج من الصَّلاة مسفرًا، وأبعد من زَعَمَ إنَّه ناسخ للصلاة في الغلس، وأما حديث ابن مسعود الذي أخرجه المُصَنِّف وغيره إنَّه قال: ((مَا رَأيتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ صَلَّاها فِي غَيْرِ وَقْتِهَا غَيْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ يَعنِي الفَجْرَ يَوْمَ المُزْدَلِفَةِ))، فمحمول على أنَّه دخل فيها مع طلوع الفجر من غير تأخير، فإنَّ في حديث زيد بن ثابت وسهل بن سعد ما يُشعر بتأخير يسير، لا أنَّه صلَّاها قبل أن يطلع الفجر؛ والله أعلم. انتهى. روى البَغَوي التفصيل بين الشِّتاء والصَّيف، فيغلس في الشِّتاء.
هذا الحديث أخرجه البخاري في باب كم تصلِّي المرأة من الثياب، عن أبي اليمان عن شُعَيب عن الزُّهْري، وتكلَّمنا هناك بما فيه الكفاية في جميع متعلّقات الحديث؛ ولنتكلَّم هنا بعض شيء زيادة الإيضاح قوله: (كُنَّ) أي النِّساء، والقياس أن يقال كانت نساء المؤمنات؛ ولكن هو من قبيل أكلوني البراغيث، في أنَّ البراغيث إمَّا بدل وإمَّا بيان، وإضافة النِّسَاءِ إلى المؤمنات مُؤَوَّلة، لأنَّ إضافة الشيء إلى نفسه لا يجوز، والتقدير نساء لأنفس المؤمنات أو الجماعة المؤمنات، وقيل: إنَّ النِّسَاءَ ههنا بمعنى الفاضلات أي فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم أي فضلاهم ومقدَّموهم.
قوله: (يَشْهَدُوْنَ) أي يحضرون.
قوله: (صَلَاةَ الفَجْرِ) بالنَّصب إمَّا مفعول به أو مفعول فيه، وكلاهما جائزان لأنَّها مشهودة ومشهود فيها.
قوله: (مُتَلَفِّعَاتٍ) حال أي متلحِّفات من التلفُّع، وهو شدُّ اللفاع، وهو ما يُغطِّي الوجه ويُتلحَّف به.
قوله: (بِمُرُوْطِهِنَّ) يتعلَّق بـ (مُتَلَفِّعَاتٍ) وهو جمع مِرْط بكسر الميم، وهو كساء من صوف أو خزٍّ يُؤتزر به، قال شيخنا: يعلَّم من صوف أو خزٍّ أو غير ذلك، وقيل لا يُسمَّى مِرْطًا إلَّا إذا كان أخضر ولا يلبسه إلَّا النِّساء وهو مردود بقوله: (مِرْط شعر أسود). انتهى.
قوله: (لَمْ يَنْقَلِبْنَ) أي يرجعن إلى بيوتهن.
قوله: (لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ) قال الدَّاوُدي: معناه لا يعرف أنساء أم رجال؟ يعني لا يظهر للرَّائي إلَّا الأشباح خاصَّة، وقيل لا يعرف أعيانهنَّ، فلا يفرّق بين فاطمة وعائشة؛ وقال النَّوَوي: فيه نظر، لأنَّ المتلفِّعة بالنَّهار لا ُيعرف عينها فلا يبقى في الكلام فائدة؛ قال العَيني: ورد بأنَّ المعرفة
стр. 198
إنَّما تتعلَّق بالأعيان فلو كان المراد غيرها لنفى الرؤية بالعلم، قال شيخنا: وما ذكره من أنَّ المتلفِّعة بالنَّهار لا يُعرف عينها فيه نظر، لأنَّ لكلِّ امرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب، ولو كان بدنها مُغطَّى؛ وقال الباجي: هذا يدلُّ على أنَّهنَّ كنَّ سافرات؛ إذ لو كنَّ متنقِّبات لمنع تغطية الوجه من معرفتهنَّ لا الغلس؛ قال العَيني: قوله: لأنَّ لكلِّ امرأة هيئة غير هيئة الأخرى... إلى آخره، هذا غير موجَّه لأنَّ الرَّائي من أين يعرف هيئة كلِّ امرأة حين كنَّ مغطَّاة، والرجل لا يعرف هيئة امرأته اذا كانت بين المغطِّيات إلَّا بدليل من الخارج. انتهى.
قلت بل يعرف الرجل النبيه المرأة ولو كانت مغطَّاة وهي بين النِّساء، وكلُّ من عنده هذا التمييز يعرف ذلك، حتَّى إنِي لأعرف المرأة الَّتي كانت لها هيئة وتغيَّرت هيئتها في حالة التغيُّر، كما كنت أعرفها قبل التغيير هذا، والصحابة أصحاب المعرفة التامَّة، والذكاء المفرط، والفراسة البالغة، ومنهم العامَّة، ولهم في هذا النمط من الحكايات الأشياء المشهورة. انتهى.
قوله: (مِنَ الغَلَسِ) كلمة (مِنَ) ابتدائية أو تعليلية، ولا معارضة بين هذا الحديث وبين حديث أبي برزة الذي مضى أنَّه كان ينصرف من الصَّلاة حين يعرف الرجل جليسه، لأنَّ هذا إخبار عن رؤية المتلفِّعة على بعد، وذاك إخبار عن رؤية الجليس.
قال شيخنا: وفي الحديث استحباب المبادرة بصلاة الصُّبح في أوَّل الوقت، وجواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصَّلاة في الليل، ويؤخذ منه جوازه في النَّهار من باب أولى لأن اللَّيل مظنَّة الريبة أكثر من النَّهار، ومحلُّ ذلك إذا لم يخشَ عليهنَّ أو بهنَّ فتنة، واستَدلَّ به بعضهم على جواز صلاة المرأة مخمَّرة الأنف والفم، فكأنَّه جعل التلفُّع صفة لشهود الصَّلاة، وتعقَّبه عياض: بأنَّها إنَّما أخبرت عن هيئة الانصراف، والله أعلم.
(٢٨) (بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الفَجْرِ رَكْعَةً) أي هذا باب بيان حكم من أدرك ركعة من صلاة الفجر، وقد أشبعنا الكلام فيه في بيان من أدرك ركعة من العصر فليراجع إليه، وتقدَّم أيضًا الكلام على الحكمة في حذف جواب الشرط من الترجمة.
٥٧٩ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ) أي القَعنَبي، ترجمته في باب من الدين الفرار.
قوله: (عَنْ مَالِكٍ) أي ابن أَنَس، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ) أي أبو أسامة مولى عُمَر بن الخطَّاب، ترجمته في باب كفران العشير.
قوله: (عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ) أي القاضي المدني الهلالي، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (وَعَنْ بُسْرِ بنِ سَعِيْدٍ) أي بضمِّ الباء الموحدة وسكون السين المهملة وبالراء، ترجمته في باب إثم المارِّ بين يدي المصلِّي.
قوله: (وَعَنِ الأَعْرَجِ) أي عبد
стр. 199
الرحمن بن هُرْمُز، ترجمته في باب حبِّ الرسول من الإيمان.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الأفراد في موضع، والعنعنة في ستَّة مواضع منها خمسة المراد بها التَّحديث في قوله: (يُحَدِّثُوْنَهُ)، والضمير فيه يرجع إلى زيد بن أسلم، ورجاله كلُّهم مدنيون.
قوله: (أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قال: مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبح رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ العَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ).
قوله: (مِنَ الصُّبْحِ) أي من وقت الصُّبح؛ أو من نفس صلاة الصُّبح.
قوله: (رَكْعَةً) أي قدر ركعة، والإدراك الوصول إلى الشيء، قاله العَينيُّ، وقد ذكرنا المراد من الإدراك في باب من أدرك ركعة من العصر، واستوفينا الكلام فيه هناك.
قال شيخنا: قوله: (فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ) ظاهره إنَّه يكتفي بذلك، وليس ذلك مرادًا بالإجماع؛ فقيل يُحمل على أنَّه أدرك الوقت فإذا صلَّى ركعة أخرى فقد كملت صلاته، وهذا قول الجمهور وقد صرَّح بذلك في رواية الدَّراوَرْدي عن زيد بن أسلم أخرجه البَيْهَقي من وجهين، ولفظه (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبح قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَرَكْعَةً بَعدَ مَا تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ)، وأصرح منه رواية أبي غسَّان محمَّد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن عطاء وهو ابن يسار عن أبي هريرة بلفظ: ((مَنْ صلَّى رَكْعَةً مِنَ العَصرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، ثمَّ صلَّى مَا بَقِيَ بَعدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَلَمْ تَفُتُهُ العَصْرُ))، وقال مثل ذلك في الصبح، وقد تقدَّمت رواية المُصَنِّف في باب من أدرك من العصر ركعة من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة وقال فيها (فَلْيُتِمَّ صَلاتَهُ)، وللنَّسائي من وجه آخر: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاة فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاة إلَّا إنَّه يَقْضِي مَا فَاتَهُ))، وللبَيْهَقي من وجه آخر: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبح قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمس فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى))، ويُؤخذ من هذا الردُّ على الطَّحاوي، حيث خصَّ الإدراك باحتلام الصبي، وطهر الحائض، وإسلام الكافر ونحوها، وأراد بذلك نصرة مذهبه في أنَّ من أدرك من الصُّبح ركعة تفسد صلاته، لا يكملها إلَّا في وقت الكراهة، وهو مبني على أنَّ الكراهة تتناول الفرض والنفل وهي خلافية مشهورة؛ قال التِّرْمِذي: وبهذا يقول الشَّافعي وأحمد وإِسْحاق، وخالف أبو حنيفة فقال: من طلعت عليه الشَّمس وهو في صلاة الصُّبح بطلت صلاته، واحتجَّ كذلك بالأحاديث الواردة في النَّهي عن الصَّلاة عند طلوع الشمس، وادَّعى بعضهم أن أحاديث النَّهي ناسخة بهذا الحديث، وهو دعوى تحتاج إلى دليل فإنَّه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن بأن تحمل أحاديث النَّهي على ما لا سبب له من النَّوافل، ولا شكَّ أنَّ التخصيص أولى من ادِّعاء النسخ، ومفهوم الحديث أنَّ من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركًا للوقت، وللفقهاء في ذلك تفاصيل بين أصحاب الأعذار، كمن أفاق من إغماء، أو طهرت من حيض وغيرهم، وبين مدرك الجماعة ومدرك الوقت، وكذا مدرك الجمعة، ومقدار هذه الركعة قدر ما يكبر للإحرام، ويقرأ القرآن، ويركع ويرفع، ويسجد سجدتين، بشروط كلِّ ذلك، قال الرَّافِعي: المعتبر فيها أخفُّ ما يقدر عليه أحد، ونقل بعضهم الاتِّفاق على أنَّه لا يجوز لمن ليس له عذرٌ تأخير الصَّلاة حتَّى لا يبقى منها إلَّا هذا القدر؛
стр. 200
وقد قال قوم: يكون ما أدرك في الوقت أداء وبعده قضاء، وقيل: يكون كذلك لكنَّه يلتحق بالأداء حكمًا والمختار أنَّ الكلَّ أداء.
لطيفة: أورد المُصَنِّف في باب من أدرك من العصر طريق أبي سلمة عن أبي هريرة، وفي هذا الباب طريق عطاء بن يسار ومن معه عن أبي هريرة، لأنَّه قدَّم في طريق أبي سلمة ذكر العصر، وقدَّم في هذا ذكر الصُّبح، فناسب أن يذكر في كلِّ منها ما قدَّم، لما يشعر به التقديم بالاهتمام؛ والله الهادي للصواب. انتهى.
قلت: وفيه لطيفة أخرى، وهو تقديم العصر على الصُّبح في فعل جبريل ﵇، فناسب أن يذكر في ذلك الباب الحديث الذي فيه تقديم العصر على الصُّبح، وذكر ههنا ما فيه تقديم الصُّبح على العصر، لأنَّ الصُّبح أوَّل الصَّلوات النَّهاريَّة، ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في كونه ﵇ قدَّم هذا مرَّة وهذا مرَّة، على تقدير أن يكون ذلك القول وَقَعَ منه في زمنين، فإن لم يكن ففيه إشارة لأحد المعنيين، فإن كان المقدَّم العصر فلأنَّه الأوَّل من فعل جبريل، وإن كان الصُّبح فلأنه أوَّل صلوات النَّهار، والله أعلم. انتهى.
(٢٩) (بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلاة رَكْعَةً) أي هذا باب في بيان حكم من أدرك من الصَّلاة ركعة؛ وقال الكِرْماني: الفرق بين البابين أعني هذا الباب والذي قبله، أن الأوَّل فيمن أدرك من الوقت قدر ركعة، وهذا فيمن أدرك من نفس الصَّلاة ركعة، قال العَيني: ذلك الباب أخصُّ، وهذا الباب أعمُّ لأنَّ قوله: (مِنَ الصَّلَاةِ) يشمل الصَّلوات الخمس، وأورد البخاري في الباب السَّابق عن عطاء ومن معه عن أبي هريرة، وأورد في هذا الباب عن سلمة عن أبي هريرة، وكذا باب من أدرك من العصر عن سلمة عن أبي هريرة، والأحاديث الثلاثة عن أبي هريرة، والرواية مختلفة، ولما كان ذكر العصر مقدَّمًا على الصُّبح في حديث باب من أدرك من العصر، قال في الترجمة باب من أدرك من العصر، وفي الباب السَّابق لما كان ذكر الصُّبح مقدَّمًا في الحديث الذي فيه، قال في الترجمة: باب من أدرك من الفجر، فراعى المناسبة في التقديم والتأخير، وكذلك في هذا الباب لما كان ذكر الصَّلاة غير مقيَّدة بشيء.
ذكر الترجمة بقوله: (بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصّلَاةِ) وهذه نكتة مليحة تدلُّ على إمعان نظره في التصرُّفات.
٥٨٠ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوْسُفَ) أي التِّنِّيسي، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ) أي الإمام، ترجمته فيه أيضًا.
قوله: (عَنِ ابنِ شِهَاب) أي محمَّد بن مسلم، ترجمته فيه أيضًا.
قوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عَوْف، ترجمته فيه أيضًا.
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر ﵁، ترجمته في باب أمور الإيمان.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضع، وفيه الإخبار كذلك، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع.
قوله: (أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاة فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ). مطابقته للترجمة ظاهرة.
قال العَيني: قد ذكرنا في باب
стр. 201
من أدرك من العصر اختلاف الألفاظ والرُّواة في هذا الحديث، وذكرنا ما يتعلَّق به هناك من جميع التعلُّقات. انتهى.
قال شيخنا: سياق الحديث بلفظ (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاة فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ)، وقد رواه مسلم من رواية عُبَيْد الله العُمَري عن الزُّهْري، وأحال به على حديث مالك، وأخرجه البَيْهَقي وغيره من الوجه الذي أخرجه مسلم، ولفظه كلفظِ ترجمة هذا الباب، قدَّم قوله: (مِنَ الصَّلَاةِ) على قوله: (رَكْعَةً)، وقد وضح لنا بالاستقراء أن جميع ما يقع في تراجم البخاري مما يترجم بلفظ الحديث لا يقع فيه شيء مغاير للفظ الحديث الذي يورده إلَّا وقد وردَ من وجه آخر بذلك اللَّفظ المغاير فلِلَّهِ درُّه ما أكثر اطلاعه. والظاهر أنَّ هذا أعمّ من حديث الباب الماضي قبل عشرة أبواب، ويحتمل أن تكون اللَّام عهديَّة فَيَتَّحِدَا، ويؤيِّده أنَّ كلًّا منهما من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة، وهذا مطلق وذاك مقيَّد، فيحمل المطلق على المقيَّد؛ وقد تقدَّم كلام الكِرْماني في الفرق بين الحديثين، وقال بعد ذلك وفي الحديث: أنَّ من دخل الصَّلاة فصلَّى ركعة، وخرج الوقت كان مدركًا لجميعها، وتكون كلُّها أداء، وهو الصحيح. انتهى. وهذا يدلُّ على اتحاد الحديثين عنده لجعلهما متعلِّقين بالوقت، بخلاف ما قال أوَّلًا. وقال التيمي: معناه أنَّ من أدرك مع الإمام ركعة فقد أدرك فضل الجماعة. وقيل: المراد بالصلاة الجمعة، وقيل: غير ذلك.
وقوله: (فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ) ليس على ظاهره بالإجماع لما قدَّمناه، من إنَّه لا يكون بالركعة الواحدة مدركًا لجميع الصَّلاة، بحيث يحصل براءة ذمَّته من الصَّلاة، فإذًا فيه إضمار تقديره: فقد أدركا وقت الصَّلاة، أو حكم الصَّلاة، أو نحو ذلك، ويلزمه إتمام بقيَّتها.
وقد تقدَّم بقيَّة مباحثه في الباب الذي قبله، ومفهوم التقييد بالركعة: أنَّ من أدرك دون الركعة لا يكون مدركًا لها، وهو الذي استقرَّ عليه الاتفاق، وكان فيه شذوذ قديم منها: إدراك الإمام راكعًا يُجزئ ولو [لم] (١) يدرك معه الركوع، ولو رفع الإمام رأسه ما لم يرفع بقيَّة من ائتمَّ به رؤوسهم ولو بقي واحد، وعن الثَّوْري وزفر: إذا كبَّر قبل أن يرفع الإمام رأسه أدرك إن وضع يديه على ركبتيه قبل رفع الإمام، وقيل: من أدرك تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع أدرك الركعة، وعن أبي العالية: اذا أدرك السُّجود وأكمل بقيَّة الركعة معهم، ثمَّ يقوم فيركع فقط وتُجزئه، والله أعلم.
(٣٠) (بَابُ الصَّلاة بَعْدَ الفَجْرِ حتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ) أي هذا باب في بيان حكم الصَّلاة بعد صلاة الصُّبح إلى أن ترتفع الشمس، قال الزَّين بن المنيِّر: لم يثبت حكم النَّهي لأنَّ تعيين المنهي عنه في هذا الباب مما كثر فيه الاختلاف، وخصَّ الترجمة بالفجر مع اشتمال الأحاديث على الفجر والعصر، لأنَّ الصُّبح هي المذكورة أوَّلًا في سائر أحاديث الباب؛ قال شيخنا: أو لأنَّ العصر ورد فيها كونه ﵇ صلَّى بعدها بخلاف الفجر. انتهى.
٥٨١ - قوله: (حَدَّثَنَا حَفْص بنُ عُمَرَ) أي الحَوْضي، ترجمته في باب التيمُّن في الوضوء.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي الدَّسْتُوائي،
стр. 202
ترجمته في باب زيادة الإيمان ونقصانه.
قوله: (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة؛ ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه.
قوله: (عَنْ أَبِي العَالِيَةِ) أي الرِّياحي، بالياء آخر الحروف، واسمه رُفَيع -بالتصغير-، ووَقَعَ مصرَّحًا به عند الإسماعيلي من رواية غُنْدَر عن شُعْبَة، ترجمته في أوَّل كتاب العلم.
قوله: (عَنِ ابنِ عبَّاسٍ) أي عبد الله، ترجمته في بدء الوحي.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه القول في موضعين؛ وفيه أن شيخ البخاري من أفراده، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصحابي.
قوله: (قَالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مرضِيُّونَ، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَر أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلاة بَعْدَ الصُّبح حتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ). مطابقته للترجمة ظاهرة.
وهذا الحديث أخرجه مسلم وأخرجه أبو داود: ((حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حدَّثنا أَبَانُ حدَّثنا قَتَادَة عَنْ أَبِي العَالِيَةِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مرضِيُّونَ وفِيهِمْ عُمَر بن الخطَّاب وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَر أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبح حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ))، وأخرجه التِّرْمِذي: ((حَدَّثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ قَالَ: حدَّثنا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَنْصور وَهُوَ ابنُ زَاذَانَ عَنْ قَتَادَة قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو العَالِيَةِ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَال: سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ عُمَر بنُ الخَطَّابِ، وكَانَ مِنْ أَحَبِّهِمْ إِلَيَّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلاة بَعْدَ الفَجْرِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلاة بَعْدَ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ))، وأخرجه النَّسائي: ((أَنبأنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، قَالَ: حَدَّثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنبأنا مَنْصُورٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثنا أَبُو العَالِيَةِ وَاسْمُهُ رُفَيْعٌ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ)) نحو حديث التِّرْمِذِي، وأخرجه ابن ماجه: ((حَدَّثَنَا محمَّد بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا محمَّد بنُ جَعْفَرٍ حدَّثنا شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ؛ ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَة حدَّثنا عَفَّانُ حدَّثنا هَمَّامٌ حدَّثنا قَتَادَة عَنْ أَبِي العَالِيَةِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ)) نحو حديث أبي داود، ورواه مُسَدَّد في «مسنده»، ومن طريقه رواه البَيْهَقي ولفظه: ((حَدَّثني ناسٌ أعجبُهم إليَّ عُمَر ﵁)، ولما رواه التِّرْمِذي قال: وفي الباب عن علي وابن مسعود وأبي سعيد وعُقْبَة بن عامر وأبي هريرة وابن عُمَر وسَمُرَة بن جُندُب وسَلَمَة بن الأكوع وزيد بن ثابت وعبد الله بن عُمَر ومعاذ بن عَفْراء و الصُّنابِحي ولم يسمع من النَّبِيِّ ﷺ وعائشة وكعب بن مرَّة وأبي أمامة وعَمْرو بن عَبَسَة ويَعْلى بن أميَّة ومعاوية ﵃؛ قال العَيني: وفي الباب أيضًا عن سعد بن أبي وقَّاص وأبي ذرِّ الغفاري وأبي الدرداء وحفصة، فحديث علي ﵁ أخرجه إِسْحاق بن راهويه في «مسنده»، ثمَّ البَيْهَقي من جهته عنه: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي رَكعَتَيْنِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ إلَّا الفَجْرَ وَالعَصْرَ))، وحديث ابن مسعود أخرجه إِسْحاق بن
стр. 203
راهويه أيضًا بإسناده عن ابن مسعود قال: ((بينما نحنُ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ ) الحديث، وفيه: ((إِذَا صَلَّيْتَ المَغْرِبَ فَالصَّلَاةُ مَقْبُولَةٌ مَشْهُودَةٌ حتَّى تُصَلِّيَ الفَجْرَ، ثمَّ اجْتَنِبِ الصَّلاة حتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمس وَتَبْيَضَّ؛ فَإِنَّ الشَّمس تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ))، وفيه: ((إِذَا مَالَتِ الشَّمس فَالصَّلَاةُ مَقْبُولَةٌ مَشْهُودَةٌ حتَّى تَصْفَرَّ الشَّمْسُ؛ فَإِنَّ الشَّمس تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ))، وحديث أبي مسعود (١) الخُدْري أخرجه البخاري ومسلم عنه قال: ((سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: لا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبح حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ))، وحديث عُقْبَة بن عامر أخرجه مسلم عنه يقول: ((ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمس بَازِغَةً حتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمس لِلْغُرُوبِ حتَّى تَغْرُبَ))، وحديث أبي هريرة أخرجه البخاري على ما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى، وحديث ابن عُمَر أخرجه البخاري عنه قال: ((قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَتَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمس وَلَا غُرُوبَهَا)) الحديث، وحديث سَمُرَة بن جُندُب أخرجه عنه أحمد في «مسنده» عنه: ((عن النَّبِيِّ ﷺ : لَا تُصَلُّوا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَلَا حين تغرُبُ؛ فَإِنَّهَا تَغْيبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ))، وحديث سلمة بن الأكوعٍ أخرجه عنه إِسْحاق بن راهويه في «مسنده» قال: ((كُنْتُ أُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَمَا رَأيتُهُ صلَّى بَعْدَ العَصْرِ وَلَا بَعْدَ الصُّبْحِ))، وحديث زيد بن ثابت أخرجه عنه أبو يعلى المَوْصلي: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهى عَنِ الصَّلاة إِذا طَلَعَ قَرْنُ الشَّمس أَو غَابَ قرنُهَا فَإِنَّهَا تَطلُعُ بَين قَرْني شَيْطَانٍ))، وحديث عبد الله بن عُمَر أخرجه عنه ابن أبي شَيْبَة قال: ((قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لَا صَلَاة بعدَ الفَجْر إلَّا رَكْعَتَيْنِ))، وحديث معاذ بن عَفْراء أخرجه عنه [البخاري على ما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى] (٢)، وحديث الصُّنابِحي، ولم يسمع من النَّبِيِّ ﷺ ... (٣)، وحديث عائشة ﵂ أخرجه عنها أبو يعلي الموصلي، قالت: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ينْهَى عَن الصَّلاة حِين تطلع الشَّمس حتَّى ترْتَفع فَإِنَّهَا تطلع بقرن الشَّيْطَان، وَينْهى عَن الصَّلاة حِين تقَارب الغُرُوب حتَّى تغيبَ))، وحديث كعب بن مرَّة أخرجه عنه... (٤)؛ وحديث أبي أمامة أخرجه عنه الحارث بن محمَّد بن أبي أسامة عن النَّبِيِّ ﷺ قال: ((لَا تصلُّوا عِنْد طُلُوع الشَّمس فَإِنَّهَا تطلعُ بينَ قَرْني شَّيْطَان فَيسْجُدُ لَهَا كل ُّكَافِر)) الحديث؛ وَحَدِيث عَمْرو بن عبسة أخرجه عَنهُ عبد بن حُمَيْد فِي حَدِيث طَوِيل، وَفِيه: ((إِذا صلَّيتَ الفَجْرَ فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلاة حتَّى تطلعَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تطلعُ فِي قَرْني الشَّيْطَان، فَإِنَّ الكفَّارَ يُصَلُّونَ لَهَا)) الحَدِيث؛ وَحَدِيث أَبُو يعلى بن أميَّة أخرجه عَنهُ [(ذكر معناه)] (٥).
قوله: (شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ) يعني بيَّنوا لي وأعلموني به، قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ إنَّه لَا إِلَهَ
стр. 204
إلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] قال الزَّجَّاج: معناه بيَّن، وقال شيخنا: أي أعلمني أو أخبرني، ولم يُرد شهادة الحكم، وقال الكِرْماني: المراد من الشَّهادة لازمها وهو الإعلام، أي أعلمني رجال عدول، قلت: والرجال جمع رجل، وقد مرَّ الكلام عليه في بدء الوحي عند قوله: (فيَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا). انتهى.
قوله: (مَرْضِيُّوْنَ) أي لا شكَّ في صدقهم ودينهم.
قوله: (وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ) أفعَل التفضيل للمفعول، قال شيخنا: لم يقع لنا تسمية الرجال المرضيون الذين حدَّثوا ابن عبَّاس بهذا الحديث، وبلغني أنَّ بعض من تكلَّم على العمدة تجاسر، وزَعَمَ أنَّهم المذكورون فيها عند قول مصنِّفها، وفي الباب عن فلان وفلان، ولقد أخطأ هذا المتجاسر خطأً بينًا فلا حول ولا قوَّة إلَّا بالله. انتهى.
قوله: (بَعْدَ الصُّبْحِ) أي بعد صلاة الصبح، لأنَّه لا جائز أن يكون الحكم فيه معلَّقًا بالوقت، إذ لا بدَّ من أداء الصبح.
قوله: (حَتَّى تُشْرِقَ) -بضمِّ التاء- من الإشراق، يقال: أشرقت الشَّمس ارتفعت وأضاءت؛ ويؤيِّده حديث أبي سعيد الآتي في الباب بعده بلفظ: (حَتَّى تَرتَفِعَ الشَّمسُ)، ويرُوى بفتح أوَّله وضمِّ ثانيه بوزن تغرب؛ يقال: شَرقت الشَّمس أي طلعت؛ ويؤيِّده رواية البَيْهَقي من طريق أخرى عن ابن عُمَر شيخ البخاري منه بلفظ: ((حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمس أَوْ تَطْلُعُ)) على الشكِّ، وقد ذكرنا أن في رواية مُسَدَّد: ((حَتَّى تَطْلُعَ)) بغير شكَّ، وكذا هو في حديث أبي هريرة الآتي آخر الباب بلفظ: (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) بالجزم، ويُجمع بين الحديثين بأنَّ المراد بالطلوع طلوع مخصوص، أي حتَّى تطلع مرتفعة، وفي «المحكم» : أشرقت الشَّمس أضاءت وانبسطت، وقيل: شرقت وأشرِقت أضاءت، وشرقت بالكسر دنت للغروب، وكذا حكاه ابن القطَّاع في أفعاله، وزَعَمَ إنَّه قول الأصمعي، وابن خالويه في كتاب «ليس»، وقطرب في كتاب «الأزمنة»، وقال عياض: المراد من الطلوع ارتفاعها وإشراقها وإضاءتها، لا مجرَّد طلوع قرصها، قال العَيني: احتجَّ به أبو حنيفة على أنَّه يكره أن يتنفَّل بعد صلاة الفجر حتَّى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتَّى تغرب الشمس، وبه قال الحسن البصري وسعيد بن المُسَيَّب والعلاء بن زياد وحُمَيْد بن عبد الرحمن، وقال النخعي: كانوا يكرهون ذلك، وهو قول جماعة من الصحابة، وقال ابن بطَّال: تواترت الأحاديث عن النَّبِيِّ ﷺ : ((أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلاة بَعْدَ الصُّبح وَبَعْدَ العَصْر))، وكان عُمَر ﵁ يضرب على الركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة من غير نكير، فدلَّ أنَّ صلاته ﵇ مخصوصة به دون أمَّته، وكره ذلك علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبو هريرة وسَمُرَة بن جُندُب وزيد بن ثابت وسَلَمَة بن عُمَر وكعب بن مرَّة وأبو أمامة وعَمْرو بن عبسة وعائشة و الصُّنابِحي واسمه عبد الرحمن بن عقيلة وعبد الرحمن بن عُمَر وعبد الله بن عمرو،
стр. 205
وفي «مصنَّف» ابن أبي شَيْبَة عن أبي العالية قال: ((لَا تَصلحُ الصَّلاة بعد العَصْرِ حتَّى تغيبَ الشَّمس وَبَعْدَ الصُّبح حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ))، قال: وكان عُمَر يضرب على ذلك، وعن الأَشْتَر قال: كان خالد بن الوليد يضرب النَّاس على الصَّلاة بعد العصر، وكرهها سالم ومحمَّد بن سيرين، وعن ابن عُمَر قال: صلِّيت مع النَّبِيِّ ﷺ ومع أبي بكر وعمر وعثمان، فلا صلاة بعد الغداة حتَّى تطلع الشمس، وقال أبو سعيد: تمر يأتي بزبد أحبُّ إليَّ من صلاة بعد العصر، وعن ابن مسعود: كنا نُنهى عن الصَّلاة عند طلوع الشَّمس وعند غروبها، وقال بلال: لم ينه عن الصَّلاة إلَّا عند غروب الشمس، لأنَّها تغرب في قرن شيطان؛ ورأى أبو مسعود رجلًا يصلِّي عند طلوع الشَّمس فنهاه، وكذا شُرَيح، وقال الحسن: كانوا يكرهون الصَّلاة عند طلوع الشَّمس حتَّى ترتفع، وعند غروبها حتَّى تغيب، وحكاه ابن حزم عن أبي بكرة، وفي «فوائد أبي الشيخ» رأى حُذَيفة رجلًا يصلِّي بعد العصر فنهاه، فقال: أَوَ يعذِّبني الله عليها، قال: يعذِّبك على مخالفة السنَّة، فإن قلت: أخرج البخاري ومسلم عن الأسود عن عائشة قالت: ((لم يكنْ رَسُول اللهِ ﷺ يدعهما سرًّا وَلَا عَلَانيَةً رَكْعَتَانِ قبل الصُّبح وركعتان بعد العَصْرِ))، وَفِي لفظ لَهما: ((مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يأتيني فِي يَوْم بعد العَصْر إلَّا صلَّى رَكْعَتَيْنِ))، وروى أبو داوود من حديث قيس بن عَمْرو قال: ((رأى رسولُ اللهِ ﷺ رجلًا يٌصلِّي بعدَ صلاةِ الصُّبح ركعتينِ، فقال ﵇: الصُّبح رَكْعَتَانِ، فقال الرجل: إنِّي لمْ أكنْ صلِّيتُ الركعتين اللتين قبلها فصلَّيتهما الآن، فسكتَ رسولُ اللهِ ﷺ )، هكذا رواه أبو داود وقال: قيس بن عمرو، وفي رواية: قيس بن قَهْد بالقاف؛ قال العَيني: استقرَّت القاعدة أنَّ المبيح والحاظر إذا تعارضا جُعِل الحاظر متأخِّرًا، وقد وَرَد نهي كثير في أحاديث كثيرة، وأمَّا حديث الأسود عن عائشة فإن صلاته ﵇ فيه مخصوصة به، والدليل عليه ما ذكرنا أنَّ عُمَر ﵁ كان يضرب على الركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة من غير نكير، وذكر الماوَرْدي من الشافعيَّة وغيره أيضًا أن ذلك من خصوصياته ﵇، وقال الخطَّابي أيضًا: كان النَّبِيُّ ﷺ مخصوصًا بهذا دون الخلق، وقال ابن عقيل: لا وجه له إلَّا هذا الوجه، وقال الطَّبَرِي: فعل ذلك تنبيهًا لأمَّته، أنَّ نهيه كان على وجه الكراهة لا التحريم، وقال الطَّحاوي: الذي يدلَّ على الخصوصيَّة أنَّ أمَّ سلمة ﵂ هي الَّتي روت صلاته إيَّاهما، قيل لها: أفنقضيهما إذا فاتتنا بعد العصر، قالت: لا.
وأما حديث قَيْس بن عَمْرو فقال في «الإمام» : إسناده غير متَّصل، ومحمَّد بن إبراهيم لم يسمع من قَيْس، وقال ابن حبَّان لا يحلُّ الاحتجاج به، وقد أكَّد النَّهي حديث علي بن أبي طالب ﵁، وقال أبو حفص: ((حدَّثنا محمَّد بن نُوح حدَّثنا شُعَيب بن أيُّوب حدَّثنا أَسْباط بن محمَّد وأبو نُعَيم عن سُفْيان عن أبي إِسْحاق عن عاصم بن ضُمرة عن علي ﵁، قال: كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يصلِّي صَلَاة مَكْتُوبَة إلَّا صلَّى بعْدهَا رَكْعَتَيْنِ
стр. 206
إلَّا الفجْر وَالعصر))، وزَعَمَ ابن العَرَبي: أنَّ الصَّلاة في هذين الوقتين تؤدَّى الفريضة دون النافلة، وعند مالك وعند الشافعي: تؤدَّى فيهما الفريضة والنافلة الَّتي لها سبب، ومذهب آخر: لا يصلِّي فيهما بحال لا فريضة ولا نافلة، ومذهب آخر: يجوز بمكَّة دون غيرها، وقال الشَّافعي في كتاب «اختلاف الحديث» : وذكر الصَّلاة الَّتي لها سبب وعددها، ثمَّ قال: وهذه الصَّلوات وأشباهها تصلَّى في هذه الأوقات بالدلالة عن رسول الله ﷺ ، حيث قال: ((مَنْ نَسِيَ [صَلَاةً] (١) فَلْيُصَلِهَا إِذا ذكرهَا، وَصلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ يُصَلِّيهمَا بعد الظّهْر شُغِل عَنْهُمَا بعد العَصْر، وَأمر أَن لَا يُمْنَع أحد طَاف بِالبَيْتِ أي سَاعَة شَاءَ))، والاستثناء الوارد في حديث عُقْبَة إلَّا بمكَّة، وله في الجمعة حديث أبي سعيد: ((أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنِ الصَّلاة فِي نِصْفِ النَّهار إلَّا يَومَ الجُمُعَةِ))، قال العَيني: والجواب عن الحديث من نسي أنَّه مخصوص بحديث عُقْبَة، وعن قوله: ((صلَّى ركعتين كان يصلِّيهما))، أنَّه من خَواصه ﵇ كما ذكرناه،
وقوله: (إِلَّا بِمَكَّةَ) غريب لم يرد في المشاهير، أو كان قبل النَّهي، ثمَّ قال: فإن قلت: رُوي عن أَنَس، كان المؤذِّن إذا أذَّن قام ناس من أصحاب رسول الله ﷺ يبتدرون السَّواري، حتَّى يخرج النَّبِيُّ ﷺ ، وهم كذلك يصلُّون ركعتين قبل المغرب، ولم يكن قبل الأذان والإقامة شيء، قلت: حمل ذلك أوَّل الأمر قبل النَّهي، وقبل أن يعلم ذلك رسول الله ﷺ ، وقال أبو بكر بن العَرَبي: اختلفت [الصحابة] (٢) فيهما ولم يفعله بعدهم أحد، وقال النَّخَعي: بدعة، قال شيخنا: وقال أبو حنيفة: تحرم الفرائض والنوافل سوى عصر يومه، وتحرم المنذورة أيضًا، وقال مالك: تحرم النوافل دون الفرائض ووافقه أحمد، لكن استثنى ركعتي الطَّواف. انتهى.
٥٨٢ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسَرْهَد.
قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي القطَّان.
قوله: (عَنْ شُعْبَةَ) أي ابن الحجَّاج.
قوله: (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة.
قوله: (سَمِعْتُ أَبَا العَالِيَةَ) أي الرِّياحي.
قوله: (عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ) أي عبد الله.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي نَاسٌ بِهَذَا).
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه الإِخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد، هذا طريق آخر في الحديث المذكور عن مًسَدَّد عن يحيى القطَّان إلى آخره، وذكر هذه الطريقة ليبيِّن أن قَتَادَة سمع هذا الحديث من أبي العالية، ولم يصرِّح بالسَّماع في طريق الحديث الأوَّل، ولمتابعة شُعْبَة هشامًا، فإن قلت: كان ينبغي أن يبدأ بالحديث الذي فيه سماع قَتَادَة من أبي العالية، قال العَيني: إنَّما قدَّم ذلك الحديث لعلُّوه، انتهى.
قوله: (حَدَثَنَا مُسَدَّد قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيْدٍ عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أخبرَني أَبِي ـ أَي عُرْوَة بنُ الزُّبَيْر ـ قَالَ أَخْبرنِي ابنُ عُمَر ـ أَي عَبْدَ اللهِ ـ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمس ولَا غُرُوبَهَا). مطابقته
стр. 207
للترجمة ظاهرة.
وفيه التَّحديث بِصِيغَة الجمع في موضِعين، وفيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد، وفيه الإِخبار بصيغة الإفراد في موضعين، وفيه القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، وفيه رواية الابن عن الأب.
هذا الحديث أخرجه البُخَارِيُّ أيضًا فِي صفة إِبْلِيس عن محمَّد بن عَبدة.
وأخرجه مسلم فِي الصَّلاة مُقَطَّعًا عَن أبي بكر بن أبي شَيْبَة عن وَكِيع وعن محمَّد بن عبد الله بن نُمَير عن أَبِيه وَمحمَّد بن بشر، وأخرجه النَّسائي فيه أيضًا مُقَطَّعًا أيضًا عن عَمْرو بن عليّ عن يحيى.
قوله: (لَا تَحَرَّوا) أَصله: لَا تتحرَّوا، بالتاءين، فحُذفت إِحْدَاهمَا والمعنى لا تقصدوا؛ قَالَ الجَوْهَرِي: فلَان يتحَرَّى الأَمر، أي يتوخَّاه ويقصده، وتحرَّى فلَان بِالمَكَانِ أي مكث، قَالَ التَّيْمِيّ: قَالَ قوم: أَرَادَ بِهِ: لَا تقصدوا وَلَا تبتدروا بهَا ذَلِك الوَقْت. وَأما من انتبه من نَومه وذكر مَا نَسيَه فَلَيْسَ بقاصد إِلَيْهَا وَلَا مُتَحَرًّ، وَإِنَّمَا المتحرِّي القاصد إِلَيْهَا، وَقيل: إِنَّ قومًا كَانُوا يتحرَّون طُلُوع الشَّمس وغروبها فيسجدون لَهَا عبَادَة من دون الله تَعَالى، فَنهى النَّبِيُّ ﷺ عَنهُ كَرَاهَة أَن يتشبَّهوا بهم.
قال العَيني: قوله: (لَا تحرَّوا) نهي مُسْتَقل فِي كَرَاهَة الصَّلاة فِي الوَقْتَيْنِ المَذْكُورين، سَوَاء قصد لَهَا أم لم يقْصد، وَمِنْهُم من جعل هَذَا تَفْسِيرًا للْحَدِيث السَّابق ومبيِّنًا للمراد بِهِ، فَقَالَ: لَا تكره الصَّلاة بعد الصُّبح وَلَا بعد العَصْر، إلَّا لمن قصد بِصَلَاتِهِ طُلُوع الشَّمس وغروبها، وَإِلَيْهِ ذهب الظَّاهِرِيَّة، وَمَال إِلَيْهِ ابن المُنْذر وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق طَاوُس عَن عَائِشَة قَالَت: ((وَهِمَ عُمَر ﵁، إنَّما نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يتحَرَّى طُلُوعَ الشَّمس وغروبِها))؛ ومنهم من قوَّى ذَلِك بِحَدِيث: ((منْ أدْركَ رَكْعَةً منَ الصُّبح قبلَ أَنْ تطلعَ الشَّمس فليضفْ إِلَيْهَا أُخْرَى))، فَأمر بِالصَّلَاةِ حِينَئِذٍ، فدلَّ على أَنَّ الكَرَاهَة مُخْتَصَّةٌ بِمن قصد الصَّلاة فِي ذَلِك الوَقْت لَا بِمن وَقَعَ لَهُ اتِّفَاقًا.
وَقال البَيْهَقي: إنَّما قَالَت ذَلِك عَائِشَة لأنَّها رَأَتِ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي بعد العَصْر، فحملت نَهْيَه على من قصد ذلك لَا على الإِطْلَاق؛ وأجِيب عن هذا: بأن صلاته ﵇ تلك كانت قضاء كما ذكرنَا، وقيل: كانت خُصُوصِيَّة لَهُ، وأما النَّهي مُطلقًا فقد ثَبت بأحادِيث كَثِيرَة عن جماعة من الصَّحَابَة ﵃، فلا اختصاص له بالوهم، والله أعلم.
٥٨٣ - قوله: (قَالَ: وَحَدَّثَنِي ابنُ عُمَر قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : إذَا طَلَعَ حاجِبُ الشَّمس فأخِّرُوا الصَّلاة حتَّى تَرْتَفِعَ وَإذَا غابَ حَاجِبُ الشَّمس فأخِّرُوا الصَّلاة حتَّى تَغِيْبَ)، أي قال عُرْوَة: وحدَّثني ابن عمر، فإن قلت: قال عُرْوَة في الحديث السابق: أخبرني ابن عُمَر، وفي هذا قال: حدَّثني، قال العَيني: رعاية للفرق الَّذِي بَينهمَا عنده، ولا فرق بين: حدَّثنا وأخْبرنَا عِنْد الأَكْثَرين، وجعل الخَطِيب: سمعت أرفعهما، وابن الصَّلاح دونهَا. انتهى.
وقال شيخنا: هذا حديث آخر، وقد أفرده الإسماعيلي وذكر أنَّه وَقَعَ له الحديثان معًا من رواية عليّ بن مُسْهِر وعِيسَى بن يُونُس وَمحمَّد بن بشر ووكيع وَمَالك بن سعيد ومحاضر
стр. 208
كلُّهم عَن هِشَام، وأنَّه وَقَعَ له الحديث الثَّاني فقط من رواية عبد الله بن نُمَير عَن هِشَام.
قوله: (حَاجِبَ الشَّمْسِ) قيل: هُوَ طرف قرص الشَّمس الَّذِي يَبْدُو عِنْد الطُّلُوع وَلَا يغيب عِنْد الغُرُوب، وَقيل: النيازك الَّتي تبدو إِذا حَان طُلُوعها، وَقَالَ الجَوْهَرِي: حواجب الشَّمس: نَوَاحِيهَا.
قوله: (حَتَّى تَرْتَفِعَ) جعل ارتفاعها غاية النهي، قال شيخنا: وهو يقوِّي رواية من روى الحديث الماضي بلفظ حتَّى تشرق من الإشراق؛ وهو الارتفاع كما تقدَّم. انتهى.
قوله: (تابَعَهُ عَبْدَةُ) يعني ابن سُلَيمان، أي تَابع عَبدة يحيى بن سعيد القطَّان على رِوَايته لهَذَا الحَدِيث عَن هِشَام، وَرواية عَبدة هذه أوصلها البخاري فِي بَدْء الْخلق، وَفِيه الحديثان مَعًا وَقَالَ فِيهِ: ((حَتَّى تَبْرُزَ)) بدل (ترْتَفِعَ)، وَقَالَ فِيهِ: ((لَا تَحَيَّنُوا)) بِاليَاءِ آخر الحروف المُشَدّدَة وبالنُّون، وَزَاد فِيهِ: ((فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنِي شَيْطَانٍ))، وَفِيه إِشَارَة إلى عِلّة النَّهي عَن الصَّلاة فِي هذَيْن الْوَقْتَيْنِ، وَزَاد مُسلم من حَدِيث عَمْرو بن عبسة وحِينَئِذٍ: ((تسْجدُ لَهَا الكفَّار))، فالنهي حِينَئِذٍ لترك مشابهة الكفَّار.
قال العَيني: وَفِيه ردٌّ على أبي محمَّد البَغَوي حَيْثُ قَالَ: إِن النَّهي عَن ذَلِك لَا يدْرك مَعْنَاهُ، وَجعله من قبيل الأُمُور التعبدية الَّتي يجب الإيمان بهَا.
٥٨٤ - قوله: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ) أي بضمِّ العين، تقدَّم في باب نقض المرأة شعرها.
قوله: (عَنْ أبِي أُسَامَةَ) أي حمَّاد بن أسامة؛ ترجمته في باب فضل من عَلِمَ وعَلَّمَ.
قوله: (عَنْ عُبَيْدِ الله) أي ابن عُمَر بن حَفْص العُمَري، ترجمته في باب الصَّلاة في مواضع الإبل.
قوله: (عَنْ خُبَيْبِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي -بضمِّ الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف- أبو الحارث الأنصاري الخزرجي؛ ترجمته في... (١)
قوله: (عَنْ حَفْص بنِ عَاصِمٍ) أي ابن عُمَر بن الخطَّاب جدُّ عُبَيْد الله المذكور آنفًا، ترجمته في... (٢).
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَة) أي عبد الرحمن بن صخر؛ ترجمته في باب أمور الإيمان.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه العنعنة في خمسة مواضع، وفيه شيخ البخاري من أفراده، واسمه في الأصل عبد الله، يكنَّى أبا محمَّد القُرَشي، وفيه أن رواته ما بين كوفي وهو عَبدة، ومدني وهو خُبَيب، والبقيَّة مدنيُّون، وفيه: رواية الرجل عن عمِّه وهو عُبَيْد الله فإنَّه ابن أخي خُبَيب.
قوله: (أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عنْ بَيْعَتَيْنِ وعنْ لِبْسَتَيْنِ وعَنْ صَلَاتَيْنِ نَهَى عنِ الصَّلاة بَعْدَ الفَجْرِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمس وبَعْدَ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمس وعَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وعنِ الاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ واحِدٍ يُفْضِي فَرْجِهِ إلى السَّماء وعَنِ المُنَابَذَةِ وَالمُلَامَسَةِ).
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قوله: (وَعَن صَلَاتَيْنِ) إلى قوله: (حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ).
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا عن محمَّد بن عَبدة بن سُلَيمان، وأخرجه في اللِّباس عن محمَّد بن بشَّار عن عبد الوهَّاب الثَّقَفي؛ وأخرجه مسلم في البيوع عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة وعن محمَّد بن عبد الله بن
стр. 209
نُمَير عن أبيه وعن محمَّد بن مثَّنى؛ وأخرجه النَّسائي فيه عن محمَّد بن عبد الأعلى؛ وأخرجه ابن ماجَهْ عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة به مُقَطَّعًا، في الصَّلاة وفي التِّجارات.
قوله: (عَنْ بَيْعَتَيْنِ) تثنية: بيعة -بفتح الباء الموحدة وكسرها-، والفرق بينهما أنَّ: فعلة، بالفتح للمرة، وبالكسر للهيئة، وأراد بهما: اللِّماس والنِّباذ -بكسر اللام وبكسر النون- وقد مرَّ تفسيرهما في باب ما يستر من العورة في حديث أبي هريرة ﵁.
قوله: (وَعَنْ لُبْسَتَيْنِ) -بكسر اللام-: الهيئة والحالة، وقال ابن الأثير: وروي بالضمِّ على المصدر، والأوَّل هو الوجه.
قوله: (وَعَنْ صَلَاتَيْنِ) قال شيخنا: محصَّل ما في الباب أربعة أحاديث، الأوَّل والأخير يتعلَّقان بالفعل، والثاني والثالث يتعلَّقان بالوقت، وقد تقدَّم اختلاف العلماء في ذلك، وسيأتي في الكلام على البيعتين في كتاب البيع، وعلى اللبستين في كتاب اللِّباس.
قوله: (بَعْدَ الفَجْرِ) أي بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر.
قوله: (وَعَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ) -بالصَّاد المهملة وبالمدِّ- قال ابن الأثير: هو التخلُّل بالثَّوب وإرساله من غير أن يرفع جانبه، وفي تفسيره اختلاف قد ذكرناه في باب ما يستر من العورة، وأمعنا الكلام فيه هناك.
قوله: (وَعَنِ الاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) قال الخطَّابيُّ: الاحتباء هو أن يحتبي الرجل بالثَّوب ورجلاه متجافيتان عن بطنه، فيبقى هناك إذا لم يكن الثَّوب واسعًا قد أسبل شيئًا منه على فرجه فرجة تبدو عورته منها، قال: وهو منهي عنه.
قوله: (يُفْضِي) من الإفضاء.
قوله: (فَرْجَهُ) ويروى: (بِفَرْجِهِ) بالباء.
قوله: (وَعَنِ المُنَابَذَةِ) -بالذال المعجمة- مُفاعلة، نابذ منابذة ونباذًا، وصورتها: أن يطرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلِّبه أو ينظر إليه.
قوله: (وَالمُلَامَسَةِ) مُفاعلة من: لامس ملامسة ولماسًا، وهو: أن يلمس الثَّوب بلا نظر إليه، قال العَيني: قال أصحابنا: الملامسة والمنابذة وإلقاء الحجر كانت بيوعًا في الجاهلية، وكان الرجلان يتساومان المبيع فإذا ألقى المشتري عليه حصاة أو نبذه البائع إلى المشتري أو لمسه المشتري لزم البيع، وقد نهى الشَّارع ﵇ عن ذلك كلِّه.
قال العَيني: استفيد منه: منع الشخص من عشرة أشياء وهي: البيعتان، واللبستان، والصلاتان في الوقتين المذكورين، واشتمال الصَّمَّاء، والاحتباء على الصُّورة المذكورة فيه، والمنابذة، والملامسة؛ وسيأتي مزيد الكلام فيه في باب البيوع واللِّباس إن شاء الله تعالى؛ كما أحال عليه شيخنا.
(٣١) (بَابُ لَا يُتَحَرَّى الصَّلاة قَبْلَ غُرُوْبِ الشَّمْسِ) أي هذا باب يذكر فيه أن الشخص لا يتحرَّى أي لا يقصد الصَّلاة قبل غروب الشَّمس، وفي بعض النُّسخ: باب لا تتحرَّوا.
وقوله: (لَا يتُحَرَّى) على صيغة المجهول، و (الصَّلَاةُ) بالرفع، لأنَّه نائب عن الفاعل، قال شيخنا: أو بفتح المُثَنَّاة التحتانيَّة، والصَّلاة بالنَّصب، والفاعل محذوف، أي المصلِّي.
стр. 210
انتهى. وهذا يشعر بأنه إذا وَقَعَ منه اتِّفاقًا لا بأس به، وقد وَقَعَ الكلام فيه في الباب السَّابق مُستَقصىً.
٥٨٥ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهُ بنُ يُوْسُفَ) أي التَّنِّيسي المصري.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي الإمام، ترجمتهما في بدء الوحي.
قوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي ابن جرجس مولى ابن عَمْر؛ ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد.
قوله: (عَنِ ابنِ عُمَرَ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك، وفيه العنعنة في موضعين.
قوله: (أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا يَتَحَرَّى أحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمس وَلَا عِنْدَ غُروبِهَا).
مطابقته للترجمة في قوله: (وَلَا عِنْدَ غُرُوْبِها)، قال الكِرْماني: فإن قلت: الترجمة قبل الغروب. والحديث عند الغروب؟، قال العَيني: المراد منهما واحد، والحديث مضى في الباب الذي قبله، قال شيخنا: ولا تنافي بين قوله في الترجمة: قبل الغروب، وبين قوله في الحديث: (عِنْدَ الغُرُوبِ) لما سنذكره قريبًا.
قوله: (لَا يَتَحَرَّى) كذا وَقَعَ بلفظ الخبر. قال السُّهَيلي: يجوز الخبر عن مستقرِّ أمر الشرع، أي لا يكون إلَّا هذا.
قوله: (فَيُصَلِّي) بالنَّصب وهو نحو: ما تأتينا فتحدَّثنا، في أن يُراد به نفي التحرِّي والصلاة كليهما، وأن يُراد به نفي الصَّلاة فقط، ويجوز الرَّفع من جهة النحو، أي لا يتحرَّى أحدكم الصَّلاة في وقت كذا، فهو يصلِّي فيه؛ وقال الطيبي: ((لَا يَتَحَرَّى)) وهو نفي بمعنى النهي، و (يُصَلِّي) هو منصوب بأنَّه جوابه، ويجوز أن يتعلَّق بالفعل المنهي أيضًا، فالفعل المنهي معلل في الأوَّل والفعل المعلل منهي في الثاني، والمعنى على الثاني: (لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ) فعلًا يكون سببًا لوقوع الصَّلاة في زمان الكراهة؛ وعلى الأوَّل كأنَّه قيل: لا يتحرَّى فقيل: لم ينهانا عنه؟ فأجيب: خيفة أن يصلُّوا، أو أنَّ الكراهة، ويحتمل أن يقدَّر غير ذلك، وقد وَقَعَ في رواية القَعنَبي في «الموطأ» : ((لا يتحرَّى أحدُكم أنْ يصلِّي)) ومعناها لا يتحرَّى الصلاة؛ وقال ابن حروف: يجوز في (فَيُصَلِّي)، ثلاثة أوجه: الجزم على العطف، أي لا تتحرَّ ولا تصلِّ، والرفع على القطع أي لا تتحرَّى فهو يصلِّي، والنَّصب على جواب النهي، والمعنى: لا تتحرَّى مصلِّيًا.
٥٨٦ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيْزِ) أي ابن عبد الله بن يحيى بن عَمْرو القُرَشي الأوسي المدني ترجمته في باب الحرص على الحديث.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْمُ بنُ سَعْدٍ) أي ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف الزُّهْري القُرَشي المدني، ترجمته في باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.
قوله: (عَنْ صَالِحٍ) أي ابن كَيْسان الغفاري، مؤدِّب ولد عُمَر بن عبد العزيز، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (عَنِ ابنِ شِهَابٍ) أي محمَّد بن مسلم الزُّهْري، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بنُ يزيدَ الجُنْدَعِيُّ) -بضمِّ الجيم وسكون النُّون وفتح الدَّال المهملة وضمِّها بعدها عين مهملة- نسبة إلى جُندَع بن ليث بن بكر بن عبد مَناة بن كنانة ترجمته
стр. 211
في باب لا يستقبل القبلة بغائط.
قوله: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيْدٍ الخُدْري ﵁ أي سعد بن مالك، ترجمته في باب من الدين الفرار من الفتن.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه: العنعنة في موضعين، وفيه: السماع في موضعين، وفيه: القول في ثلاثة مواضع، وفيه: أن رواته كلُّهم مدنيُّون، وفيه: أنَّ شيخ البخاري من أفراده، وفيه: رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصحابي ﵁ قوله: (يقولُ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يقولُ: لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبح حتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمس ولَا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ.).
مطابقته للترجمة بطريق الإشارة لأنَّه يلزم من نفي الصَّلاة بعد الصُّبح قبل ارتفاع الشَّمس، وبعد العصر قبل غروبها أن لا يتحرَّاها في هذين الوقتين.
هذا الحديث أخرجه مسلم في الصَّلاة أيضًا عن حَرْمَلَة عن ابن وَهْب عن يُونُس؛ وأخرجه النَّسائي فيه عن عبد الحميد بن محمَّد الحرَّاني عن مَخْلَد بن يزيد وعن محمود بن خالد.
قوله: (لَا صَلَاةَ) كلمة (لا) لنفي الجنس، أي لا صلاة حاصلة بعد الصُّبح، أي بعد صلاة الصُّبح، ويقال: هذا نفي بمعنى النَّهي، والتقدير: لا تصلُّوا؛ ثمَّ قيل: إنَّ النَّهي للتحريم، والأصحُّ أنَّه للكراهة؛ وبالنظر إلى صورة نفي الجنس قال أبو طلحة: المراد بذلك كلُّ صلاة، ولا يثبت ذلك عنه؛ قال الحنفيَّة: ولا بأس أن يصلِّي في هذين الوقتين الفوائت، ويسجد للتلاوة، ويصلِّي على الجنازة.
وقال ابن دقيق العيد: صيغة النَّهي في ألفاظ الشَّارع إذا دخلت على فعل كان الأولى حملها على نفي الفعل الشرعي لا الحسي، لأنَّا لو حملناه على نفي الحسِّي لاحتجنا في تصحيحه إلى إضمار، والأصل عدَمُه؛ واذا حملناه على الشَّرعي لم يحتج إلى إضمار؛ فهذا وجه الأولوية وعلى هذا فهو نفي بمعنى النَّهي والتقدير: لا تصلُّوا.
وحكى أبو الفتح اليَعْمري عن جماعة من السَّلف أنَّهم قالوا: أن النَّهي عن الصَّلاة بعد الصُّبح وبعد العصر إنَّما هو إعلام بأنها لا يتطوَّع بعدهما، ولم يقصد الوقت بالنَّهي كما قصد به وقت طلوع ووقت الغروب، ويؤيِّد ذلك ما رواه أبو داود والنَّسائي بإسناد حسن عن علي عن النَّبِيِّ ﷺ قال: ((لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الصُّبح وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الشَّمس نَقِيَّةً)) وفي رواية: ((مُرتَفِعَةً)) فدلَّ على أنَّ المراد بالتعدية ليس على عمومه، وإنَّما المراد وقت الطُّلوع ووقت الغروب وما قرابهما، والله أعلم.
٥٨٧ - قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ أَبَانَ) أي بفتح الهمزة وتخفيف الباء الموحدة، البلخي أبو بكر مستملي وكيع المعروف بحَمْدويه، مات سنة أربع وأربعين ومائتين؛ وقال بعضهم: هو محمَّد بن أبان الواسطي لا المذكور، ولكلٍّ من القولين مرجِّح، وكلاهما ثقة.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) أي محمَّد بن جعفر، ترجمته في باب ظلم دون ظلم.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان.
стр. 212
قوله: (عَنْ أَبِي التَيَّاحِ) أي بفتح التَّاء المُثَنَّاة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة، واسمه يزيد بن حُمَيْد الضُّبَعي البصري، ترجمته في باب ما كان النَّبِيُّ ﷺ يتخوَّلهم.
قوله: (سَمِعْتُ حُمْرَانَ بنَ أَبَانَ يُحَدِّثُ) أي بضمِّ الحاء المهملة وسكون الميم، مرَّ في باب الوضوء أي ثلاثًا ثلاثًا.
قوله: (عَنْ مُعَاوِيَةَ) أي ابن أبي سُفْيان، ترجمته في باب من يُرِدِ الله به خيرًا يفقِّه في الدين.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد من الفعل المضارع في موضع واحد، وفيه: العنعنة في موضعين، وفيه: السماع، وفيه: القول في أربعة مواضع، وفيه: أنَّ شيخ البخاري من أفراده، وفيه: أنَّ رواته ما بين بلخي وواسطي وبصري ومدني، وفيه: عن معاوية، وفي رواية الإسماعيلي: من طريق معاذ وغيره عن شعبة: خطبنا معاوية ﵁، وخالفهم عُثْمان بن عَمْرو وأبو داود الطَّيالِسي فقالا: عن أبي التيَّاح عن مَعْبَد الجُهَني عن معاوية، وطريق البخاري أرجح، ويجوز أن يكون لأبي التيَّاح شيخان: أحدهما: حُمران، والآخر: معبد الجُهَني.
قوله: (قَالَ: إنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةَ لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُوْلَ اللهِ ﷺ فَمَا رَأينَاهُ يُصَلِّيهَا وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ).
قوله: (لَتُصَلُّوْنَ) : اللَّام فيه مفتوحة للتأكيد، وكذلك اللام في كلمة لقد.
قوله: (يُصَلِّيْهِمَا) -بضمير التثنية- أي يصلِّي الركعتين، وللحموي: ((يُصَلِّيها)) بإفراد الضَّمير أي يصلِّي تلك الصَّلاة، وكذا وَقَعَ الخلاف بين الرُّواة في قوله: (عَنْهَا) أو (عَنْهُمَا)، قال شيخنا: وكلام معاوية مشعرٌ بأنَّ من خاطبهم كانوا يصلُّون بعد العصر ركعتين على سبيل التطوعُّ الراتب لها، كما يصلِّي بعد الظهر، وما نفاه من رؤيته صلاة النَّبِيِّ ﷺ لهما قد أثبته غيره، والمثبت مقدَّم على النافي؛ وسيأتي في الباب الذي بعده قول عائشة: ((كَانَ لَا يُصَلِّيْهِمَا فِي المَسْجِدِ))، لكن ليس في رواية الإثبات معارضة للأحاديث الواردة في النَّهي، لأنَّ رواية الإثبات لها سبب، كما سيأتي في الباب الذي بعده، فألحق بها ما له سبب وبقي ما عدا ذلك على عمومه والنهي فيه محمول على ما لا سبب له؛ وأما من يرى عموم النَّهي ولا يخصُّه بما له سبب فيحمل إنكار معاوية على من يتطوَّع، ويحمل الفعل على الخصوصية، ولا يخفي رجحان الأوَّل؛ والله أعلم. انتهى.
قال العَيني: نفي معاوية يرجع إلى صفة النَّبِيِّ ﷺ لا إلى ذاتها، لأنَّه ﵇ كان يصلِّيهما على وجه الخصوصية له، كما قد ذكرناه عن قريب؛ وهؤلاء كانوا يصلُّون على سبيل التطوُّع الراتب لهما، كما كانوا يصلُّون بعد الظهر، فأنكر معاوية عليهم من هذا الوجه، لأنَّه ثبت عنده ورُود النَّهي عن النَّبِيِّ ﷺ عن ذلك، كما ورد عن غيره عن جماعة من الصحابة ﵃، على ما قد ذكرناه، وقول هذا القائل يعني شيخنا: لكن ليس في رواية الإثبات معارضة إلى
стр. 213
آخره؛ قلت: الأحاديث الواردة في النَّهي عامَّة فلا يترك العمل بعمومها للأحاديث الواردة الَّتي لها سبب الَّتي لا تقاومها، على أنَّا نقول: إنَّ أحاديث النَّهي متأخِّرة، فالعمل للمتأخِّر دون المتقدِّم. انتهى.
قال شيخنا: ولا يخفى أن حمل إنكار معاوية على هذا بعيد جدًّا، أي على سبيل التطوُّع الراتب لها، كما كانوا يصلُّون بعد الظهر. انتهى.
٥٨٨ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ سَلَّامٍ) أي بتشديد اللَّام، السَّكَندَري، ترجمته في باب قول النَّبِيِّ ﷺ أَنَا أَعلَمُكُمْ بِاللهِ.
قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ خُبَيْبٍ عَنْ حَفْص بنِ عاصمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: نَهَى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ عَنْ صَلَاَتَيْنِ بَعْدَ الفَجْرِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمس وبعْدَ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) هذا الحديث قد تقدَّم بأتمِّ سياق في الباب الذي قبله، أخرجه عن عبد بن سُلَيمان عن عُبَيْد الله بن عُمَر بن حَفْص عن خُبيب بضمِّ الخاء المعجمة... إلى آخره.
(٣٢) (بَابُ مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلاة إلَّا بَعْدَ العَصْرِ وَالفَجْرِ) أي هذا باب في بيان رواية من لم يكره الصَّلاة إلَّا بعد صلاة العصر وبعد صلاة الصبح، ثمَّ بيَّن هؤلاء الذين لم يكرهوا الصَّلاة إلَّا في الوقتين المذكورين بقوله: (رَوَاهُ عُمَر وابنُ عُمَر وأَبُو سَعِيْدٍ وأَبُو هُرَيْرَةَ ﵃ أَجْمَعِيْنَ)
قال شيخنا: قيل: آثر البخاري الترجمة بذكر المذاهب على ذكر الحكم، للبراءة من عهدة بتِّ القول في موضع كَثُرَ فيه الاختلاف، ومحصَّل ما ورد من الأخبار في تعيين الأوقات الَّتي يكره فيها الصَّلاة إنَّها خمسة: عند طلوع الشَّمس وعند غروبها، وبعد صلاة الصُّبح وبعد صلاة العصر، وعند الاستواء، ويرجع بالتحقيق إلى ثلاثة من بعد صلاة الصُّبح إلى أن ترتفع الشَّمس فيدخل فيه الصَّلاة عند طلوع الشَّمس، وكذا من بعد صلاة العصر إلى أن تغرب، ولا يُعكِّر على ذلك أنَّ من لم يُصلِّ الصُّبح مثلًا حين بزغت الشَّمس يكره له التنفُّل حينئذٍ، لأنَّ الكلام إنَّما هو جار على الغالب المعتاد، وأمَّا هذه الصور النادرة فليست مقصودة، وفي الجملة عدّها أربعة أجود وبقي خامس وهو الصَّلاة وقت استواء الشَّمس، وعلَّه لم يصحَّ عند المؤلِّف على شرطه فترجم لنفيه، وفيه أربعة أحاديث: حديث عُقْبَة بن عامر وهو عند مسلم ولفظه: ((وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حتَّى تَرْتَفِعَ))، وحديث عَمْرو بن عَبَسَة وهو عند مسلم أيضًا ولفظه: ((حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، فَإِذَا أَقْبَلَ الفَيْءُ فَصَلِّ)) وفي لفظ لأبي داوود: ((حَتَّى يَعْدِلَ الرُّمْحَ ظِلُّهُ))، وحديث أبي هريرة وهو عند ابن ماجَهْ والبَيْهَقي ولفظه: ((حَتَّى تَسْتَوِيَ الشَّمس عَلَى رَأْسِكَ كَالرُّمْحِ فَإِذَا زَالَتْ فَصَلِّ))، وحديث الصُّنابِحي وهو في «الموطأ» ولفظه: ((ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ فارَقهَا فَإِذَا زَالَتْ قارَنهَا))، وَفِي آخِرِهِ: ((وَنَهَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنِ الصَّلاة فِي تِلْكَ السَّاعَة))، وهو حديث مرسل مع قوَّة رجاله، وفي الباب أحاديث أُخر ضعيفة، وبقضية هذه الزيادة قال عُمَر بن الخطَّاب: منهي عن الصَّلاة
стр. 214
نصف النَّهار، وعن ابن مسعود قال: كنا نُنهى عن ذلك، وعن أبي سعيد المَقْبُرِيّ قال: أدركت النَّاس وهم يتَّقون ذلك، وهو مذهب الأئمَّة الثلاثة والجمهور، وخالف مالك فقال: ما أدركت أهل الفضل إلَّا وهم يجتهدون ويصلُّون نصف النَّهار، قال ابن عبد البرِّ: وقد روى مالك حديث الصُّنابِحي، فإما إنَّه لم يصحَّ عنده، وإمَّا أنَّه ردَّه بالعمل الذي ذكره. انتهى. وقد استثنى الشَّافعي ﵁ ومن وافقه كأبي يوسف من ذلك يوم الجمعة، أي خاصَّة، لأنَّ جهنَّم لا تسجر فيه، وفيه حديث لأبي داود أن جهنَّم تسجر فيه إلَّا يوم الجمعة، وفيه انقطاع واستثنى مكحول المسافر، قال شيخنا: وحجَّة الشَّافعي ومن وافقه أنَّه ﷺ ندب النَّاس إلى التبكير يوم الجمعة ورغَّب في الصَّلاة إلى خروج الإمام كما سيأتي في بابه، وجعل الغاية خروج الإمام وهو لا يخرج إلَّا بعد الزوال، فدلَّ على عدم الكراهة، وجاء فيه حديث عن أبي قَتَادَة مرفوعًا أنَّه ﵇ كره الصَّلاة نصف النَّهار إلَّا يوم الجمعة، في إسناده انقطاع، وقد ذكر له البَيْهَقي شواهد ضعيفة، إذا ضُمَتْ قَوِيَ الخَبَرُ، والله أعلم. انتهى.
قال العَيني: وكانت الصحابة يتنفلون يوم الجمعة في المسجد حتَّى يخرج عُمَر ﵁، وكان لا يخرج حتَّى تزول الشمس، وروى ابن أبي شَيْبَة عن مَسْروق إنَّه كان يصلِّي نصف النَّهار، فقيل له: إن الصَّلاة في هذه السَّاعة تُكره، فقال: ولمَ؟ قال: قالوا: إنَّ أبواب جهنَّم تُفتح نصف النَّهار، فقال: الصَّلاة أحقُّ ما أستعيذ به من جهنَّم حين تفتح أبوابها. انتهى.
قال شيخنا: فرَّق بعضهم بين حكمة النَّهي عن الصَّلاة بعد الصُّبح والعصر، وعن الصَّلاة عند طلوع الشَّمس وعند غروبها فقال: يكره في الحالتين الأوليتين، ويحرم في الحالتين الأخيرتين، وممن قال بذلك: محمَّد بن سيرين ومحمَّد بن حريث الطبري، واحتجَّ بما ثبت عنه ﷺ إنَّه صلَّى بعد العصر، فدلَّ على أنَّه لا يحرم، وكأنَّه حمل فعله على بيان الجواز، وسيأتي ما فيه في الباب الذي بعده، وروي عن ابن عُمَر تحريم الصَّلاة بعد الصبح، حتَّى تطلع الشَّمس، وأباحها بعد العصر حتَّى تصفرَّ، وبه قال ابن حزم واحتجَّ بحديث علي إنَّه ﷺ نهى عن الصَّلاة بعد العصر إلَّا والشَّمس مرتفعة، رواه أبو داود بإسناد صحيح قوي، والمشهور إطلاق الكراهة في الجميع، فقيل: هي كراهة تحريم، وقيل: كراهة تنزيه، وقوله: (رواه عُمَر) ... إلى آخره، يريد أنَّ أحاديث هؤلاء الأربعة وهي الَّتي قُدِّمَ إيرادها في البابين السابقين، ليس فيها تعرُّض للاستواء، لكن لمن قال به أن يقول إنَّه زيادة من حافظ ثقة، فيجب قبولها. انتهى.
٥٨٩ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) أي محمَّد بن الفضل السَّدُوسي، ترجمته في باب قول النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
стр. 215
الدين النصيحة.
قوله: (حَدَّثَنَا حمَّاد بنُ زَيْدٍ) وفي بعض النُّسخ: ((حمَّاد)) غير منسوب، ترجمته في باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩].
قوله: (عَنْ أَيُّوْبَ) أي كَيْسان السِّخْتِياني، ترجمته في باب حلاوة الإيمان.
قوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي مولى ابن عُمَر، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد.
قوله: (عَنِ ابنِ عُمَرَ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه القول في موضعين، وفيه أنَّ رواته الثلاثة بصريون ونافع مدني، وفيه رواية المولى عن سيِّده.
قوله: (قَالَ: أُصَلِّي كَما رَأيتُ أصْحَابي يُصَلُّونَ لَا أَنْهَى أحَدًا يصلِّي بِلَيْلٍ أو نَهَارٍ مَا شاءَ غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوا طُلُوعَ الشَّمس ولَا غُرُوبَهَا).
مطابقته للترجمة في قوله: (غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوا...) إلى آخره، قال في «التوضيح» : غرض البخاري بهذا الباب ردُّ قول من منع الصَّلاة عند الاستواء، وهو ظاهر.
قوله: (لَا أَمْنَعُ أَحَدًا يُصَلِّي بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) وقال العَيني: عدم منع ابن عُمَر عن الصَّلاة عام في جميع اللَّيل والنَّهار، غير إنَّه منع التحرِّي في هذين الوقتين. انتهى.
قوله: (أُصَلِّي) زاد الإسماعيلي في أوَّله من وجهين عن حمَّاد بن زيد: (كانَ لا يصلِّي من أوَّل النَّهارِ حتَّى تزولَ الشَّمسُ، ويقول: أصلِّي...) إلى آخره.
قوله: (أَصْحَابِي) قال الكِرْماني: فإن قلت: ما وجه الدلالة فيه؟ قلت: إمَّا تقرير رسول الله ﵇ أصحابه عليه إن أراد الرؤية في حياته ﵇، وإمَّا إجماعهم إن أراد بعد وفاته، إذ الإجماع لا يتصوَّر حجِّيته إلَّا بعد وفاته، وإلَّا فقوله وحده حجَّة قاطعة.
قوله: (بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) ويُروى: ((بليل ولا نهارٍ))، ويُروى: ((بليلٍ ونهارٍ)) بالواو فقط.
قوله: (غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوا) أصله: أن لا تتحرَّوا، فحذفت إحدى التاءين، أي غير أن لا تقصدوا، وزاد عبد الرزَّاق في آخر هذا الحديث عن ابن جُرَيج عن نافع: ((فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلكَ، وقال: إنَّه يَطلُعُ قَرنُ الشَّيطان مَعَ طُلُوعِ الشَّمسِ))، وقال الكِرْماني: فيه دليل لمالك حيث قال: لا بأس بالصلاة عند استواء الشَّمس؛ وقال الشَّافعي ﵁: الصَّلاة عند الاستواء مكروهة إلَّا يوم الجمعة، لما ثبت أنَّه ﵇ كره الصَّلاة نصف النَّهار، وعن الحسن وطاوس: مثله؛ والذين منعوا الصَّلاة عند الاستواء: عُمَر وابن مسعود والحكم؛ وقال الكوفيون: لا يصلَّى فيه فرض ولا نفل، واستثنى الشَّافعي وأبو يوسف يوم الجمعة خاصَّة لأنَّ جهنَّم لا تسجر فيه، وقد تقدَّم هذا اتفاقًا، قال شيخنا: قال بعض العلماء: المراد بحصر الكراهة في الأوقات الخمسة، إنَّما هو بالنسبة إلى الأوقات الأصلية، وإلا فقد ذكروا أنَّه يكره التنفُّل وقت إقامة الصَّلاة، ووقت صعود الإمام لخطبة الجمعة، في حالة الصَّلاة المكتوبة جماعة لمن يصلِّيها، وعند المالكيَّة كراهة التنفُّل بعد الجمعة حتَّى ينصرف النَّاس، وعند الحنفيَّة كراهة التنفُّل قبل صلاة المغرب، وسيأتي ثبوت الأمر به في هذا