في باب لا يستقبل القبلة بغائط.
قوله: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيْدٍ الخُدْري ﵁ أي سعد بن مالك، ترجمته في باب من الدين الفرار من الفتن.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه: العنعنة في موضعين، وفيه: السماع في موضعين، وفيه: القول في ثلاثة مواضع، وفيه: أن رواته كلُّهم مدنيُّون، وفيه: أنَّ شيخ البخاري من أفراده، وفيه: رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصحابي ﵁ قوله: (يقولُ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يقولُ: لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبح حتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمس ولَا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ.).
مطابقته للترجمة بطريق الإشارة لأنَّه يلزم من نفي الصَّلاة بعد الصُّبح قبل ارتفاع الشَّمس، وبعد العصر قبل غروبها أن لا يتحرَّاها في هذين الوقتين.
هذا الحديث أخرجه مسلم في الصَّلاة أيضًا عن حَرْمَلَة عن ابن وَهْب عن يُونُس؛ وأخرجه النَّسائي فيه عن عبد الحميد بن محمَّد الحرَّاني عن مَخْلَد بن يزيد وعن محمود بن خالد.
قوله: (لَا صَلَاةَ) كلمة (لا) لنفي الجنس، أي لا صلاة حاصلة بعد الصُّبح، أي بعد صلاة الصُّبح، ويقال: هذا نفي بمعنى النَّهي، والتقدير: لا تصلُّوا؛ ثمَّ قيل: إنَّ النَّهي للتحريم، والأصحُّ أنَّه للكراهة؛ وبالنظر إلى صورة نفي الجنس قال أبو طلحة: المراد بذلك كلُّ صلاة، ولا يثبت ذلك عنه؛ قال الحنفيَّة: ولا بأس أن يصلِّي في هذين الوقتين الفوائت، ويسجد للتلاوة، ويصلِّي على الجنازة.
وقال ابن دقيق العيد: صيغة النَّهي في ألفاظ الشَّارع إذا دخلت على فعل كان الأولى حملها على نفي الفعل الشرعي لا الحسي، لأنَّا لو حملناه على نفي الحسِّي لاحتجنا في تصحيحه إلى إضمار، والأصل عدَمُه؛ واذا حملناه على الشَّرعي لم يحتج إلى إضمار؛ فهذا وجه الأولوية وعلى هذا فهو نفي بمعنى النَّهي والتقدير: لا تصلُّوا.
وحكى أبو الفتح اليَعْمري عن جماعة من السَّلف أنَّهم قالوا: أن النَّهي عن الصَّلاة بعد الصُّبح وبعد العصر إنَّما هو إعلام بأنها لا يتطوَّع بعدهما، ولم يقصد الوقت بالنَّهي كما قصد به وقت طلوع ووقت الغروب، ويؤيِّد ذلك ما رواه أبو داود والنَّسائي بإسناد حسن عن علي عن النَّبِيِّ ﷺ قال: ((لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الصُّبح وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الشَّمس نَقِيَّةً)) وفي رواية: ((مُرتَفِعَةً)) فدلَّ على أنَّ المراد بالتعدية ليس على عمومه، وإنَّما المراد وقت الطُّلوع ووقت الغروب وما قرابهما، والله أعلم.
٥٨٧ - قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ أَبَانَ) أي بفتح الهمزة وتخفيف الباء الموحدة، البلخي أبو بكر مستملي وكيع المعروف بحَمْدويه، مات سنة أربع وأربعين ومائتين؛ وقال بعضهم: هو محمَّد بن أبان الواسطي لا المذكور، ولكلٍّ من القولين مرجِّح، وكلاهما ثقة.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) أي محمَّد بن جعفر، ترجمته في باب ظلم دون ظلم.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان.
стр. 212
قوله: (عَنْ أَبِي التَيَّاحِ) أي بفتح التَّاء المُثَنَّاة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة، واسمه يزيد بن حُمَيْد الضُّبَعي البصري، ترجمته في باب ما كان النَّبِيُّ ﷺ يتخوَّلهم.
قوله: (سَمِعْتُ حُمْرَانَ بنَ أَبَانَ يُحَدِّثُ) أي بضمِّ الحاء المهملة وسكون الميم، مرَّ في باب الوضوء أي ثلاثًا ثلاثًا.
قوله: (عَنْ مُعَاوِيَةَ) أي ابن أبي سُفْيان، ترجمته في باب من يُرِدِ الله به خيرًا يفقِّه في الدين.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد من الفعل المضارع في موضع واحد، وفيه: العنعنة في موضعين، وفيه: السماع، وفيه: القول في أربعة مواضع، وفيه: أنَّ شيخ البخاري من أفراده، وفيه: أنَّ رواته ما بين بلخي وواسطي وبصري ومدني، وفيه: عن معاوية، وفي رواية الإسماعيلي: من طريق معاذ وغيره عن شعبة: خطبنا معاوية ﵁، وخالفهم عُثْمان بن عَمْرو وأبو داود الطَّيالِسي فقالا: عن أبي التيَّاح عن مَعْبَد الجُهَني عن معاوية، وطريق البخاري أرجح، ويجوز أن يكون لأبي التيَّاح شيخان: أحدهما: حُمران، والآخر: معبد الجُهَني.
قوله: (قَالَ: إنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةَ لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُوْلَ اللهِ ﷺ فَمَا رَأينَاهُ يُصَلِّيهَا وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ).
قوله: (لَتُصَلُّوْنَ) : اللَّام فيه مفتوحة للتأكيد، وكذلك اللام في كلمة لقد.
قوله: (يُصَلِّيْهِمَا) -بضمير التثنية- أي يصلِّي الركعتين، وللحموي: ((يُصَلِّيها)) بإفراد الضَّمير أي يصلِّي تلك الصَّلاة، وكذا وَقَعَ الخلاف بين الرُّواة في قوله: (عَنْهَا) أو (عَنْهُمَا)، قال شيخنا: وكلام معاوية مشعرٌ بأنَّ من خاطبهم كانوا يصلُّون بعد العصر ركعتين على سبيل التطوعُّ الراتب لها، كما يصلِّي بعد الظهر، وما نفاه من رؤيته صلاة النَّبِيِّ ﷺ لهما قد أثبته غيره، والمثبت مقدَّم على النافي؛ وسيأتي في الباب الذي بعده قول عائشة: ((كَانَ لَا يُصَلِّيْهِمَا فِي المَسْجِدِ))، لكن ليس في رواية الإثبات معارضة للأحاديث الواردة في النَّهي، لأنَّ رواية الإثبات لها سبب، كما سيأتي في الباب الذي بعده، فألحق بها ما له سبب وبقي ما عدا ذلك على عمومه والنهي فيه محمول على ما لا سبب له؛ وأما من يرى عموم النَّهي ولا يخصُّه بما له سبب فيحمل إنكار معاوية على من يتطوَّع، ويحمل الفعل على الخصوصية، ولا يخفي رجحان الأوَّل؛ والله أعلم. انتهى.
قال العَيني: نفي معاوية يرجع إلى صفة النَّبِيِّ ﷺ لا إلى ذاتها، لأنَّه ﵇ كان يصلِّيهما على وجه الخصوصية له، كما قد ذكرناه عن قريب؛ وهؤلاء كانوا يصلُّون على سبيل التطوُّع الراتب لهما، كما كانوا يصلُّون بعد الظهر، فأنكر معاوية عليهم من هذا الوجه، لأنَّه ثبت عنده ورُود النَّهي عن النَّبِيِّ ﷺ عن ذلك، كما ورد عن غيره عن جماعة من الصحابة ﵃، على ما قد ذكرناه، وقول هذا القائل يعني شيخنا: لكن ليس في رواية الإثبات معارضة إلى
стр. 213
آخره؛ قلت: الأحاديث الواردة في النَّهي عامَّة فلا يترك العمل بعمومها للأحاديث الواردة الَّتي لها سبب الَّتي لا تقاومها، على أنَّا نقول: إنَّ أحاديث النَّهي متأخِّرة، فالعمل للمتأخِّر دون المتقدِّم. انتهى.
قال شيخنا: ولا يخفى أن حمل إنكار معاوية على هذا بعيد جدًّا، أي على سبيل التطوُّع الراتب لها، كما كانوا يصلُّون بعد الظهر. انتهى.
٥٨٨ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ سَلَّامٍ) أي بتشديد اللَّام، السَّكَندَري، ترجمته في باب قول النَّبِيِّ ﷺ أَنَا أَعلَمُكُمْ بِاللهِ.
قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ خُبَيْبٍ عَنْ حَفْص بنِ عاصمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: نَهَى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ عَنْ صَلَاَتَيْنِ بَعْدَ الفَجْرِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمس وبعْدَ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) هذا الحديث قد تقدَّم بأتمِّ سياق في الباب الذي قبله، أخرجه عن عبد بن سُلَيمان عن عُبَيْد الله بن عُمَر بن حَفْص عن خُبيب بضمِّ الخاء المعجمة... إلى آخره.
(٣٢) (بَابُ مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلاة إلَّا بَعْدَ العَصْرِ وَالفَجْرِ) أي هذا باب في بيان رواية من لم يكره الصَّلاة إلَّا بعد صلاة العصر وبعد صلاة الصبح، ثمَّ بيَّن هؤلاء الذين لم يكرهوا الصَّلاة إلَّا في الوقتين المذكورين بقوله: (رَوَاهُ عُمَر وابنُ عُمَر وأَبُو سَعِيْدٍ وأَبُو هُرَيْرَةَ ﵃ أَجْمَعِيْنَ)
قال شيخنا: قيل: آثر البخاري الترجمة بذكر المذاهب على ذكر الحكم، للبراءة من عهدة بتِّ القول في موضع كَثُرَ فيه الاختلاف، ومحصَّل ما ورد من الأخبار في تعيين الأوقات الَّتي يكره فيها الصَّلاة إنَّها خمسة: عند طلوع الشَّمس وعند غروبها، وبعد صلاة الصُّبح وبعد صلاة العصر، وعند الاستواء، ويرجع بالتحقيق إلى ثلاثة من بعد صلاة الصُّبح إلى أن ترتفع الشَّمس فيدخل فيه الصَّلاة عند طلوع الشَّمس، وكذا من بعد صلاة العصر إلى أن تغرب، ولا يُعكِّر على ذلك أنَّ من لم يُصلِّ الصُّبح مثلًا حين بزغت الشَّمس يكره له التنفُّل حينئذٍ، لأنَّ الكلام إنَّما هو جار على الغالب المعتاد، وأمَّا هذه الصور النادرة فليست مقصودة، وفي الجملة عدّها أربعة أجود وبقي خامس وهو الصَّلاة وقت استواء الشَّمس، وعلَّه لم يصحَّ عند المؤلِّف على شرطه فترجم لنفيه، وفيه أربعة أحاديث: حديث عُقْبَة بن عامر وهو عند مسلم ولفظه: ((وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حتَّى تَرْتَفِعَ))، وحديث عَمْرو بن عَبَسَة وهو عند مسلم أيضًا ولفظه: ((حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، فَإِذَا أَقْبَلَ الفَيْءُ فَصَلِّ)) وفي لفظ لأبي داوود: ((حَتَّى يَعْدِلَ الرُّمْحَ ظِلُّهُ))، وحديث أبي هريرة وهو عند ابن ماجَهْ والبَيْهَقي ولفظه: ((حَتَّى تَسْتَوِيَ الشَّمس عَلَى رَأْسِكَ كَالرُّمْحِ فَإِذَا زَالَتْ فَصَلِّ))، وحديث الصُّنابِحي وهو في «الموطأ» ولفظه: ((ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ فارَقهَا فَإِذَا زَالَتْ قارَنهَا))، وَفِي آخِرِهِ: ((وَنَهَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنِ الصَّلاة فِي تِلْكَ السَّاعَة))، وهو حديث مرسل مع قوَّة رجاله، وفي الباب أحاديث أُخر ضعيفة، وبقضية هذه الزيادة قال عُمَر بن الخطَّاب: منهي عن الصَّلاة
стр. 214
نصف النَّهار، وعن ابن مسعود قال: كنا نُنهى عن ذلك، وعن أبي سعيد المَقْبُرِيّ قال: أدركت النَّاس وهم يتَّقون ذلك، وهو مذهب الأئمَّة الثلاثة والجمهور، وخالف مالك فقال: ما أدركت أهل الفضل إلَّا وهم يجتهدون ويصلُّون نصف النَّهار، قال ابن عبد البرِّ: وقد روى مالك حديث الصُّنابِحي، فإما إنَّه لم يصحَّ عنده، وإمَّا أنَّه ردَّه بالعمل الذي ذكره. انتهى. وقد استثنى الشَّافعي ﵁ ومن وافقه كأبي يوسف من ذلك يوم الجمعة، أي خاصَّة، لأنَّ جهنَّم لا تسجر فيه، وفيه حديث لأبي داود أن جهنَّم تسجر فيه إلَّا يوم الجمعة، وفيه انقطاع واستثنى مكحول المسافر، قال شيخنا: وحجَّة الشَّافعي ومن وافقه أنَّه ﷺ ندب النَّاس إلى التبكير يوم الجمعة ورغَّب في الصَّلاة إلى خروج الإمام كما سيأتي في بابه، وجعل الغاية خروج الإمام وهو لا يخرج إلَّا بعد الزوال، فدلَّ على عدم الكراهة، وجاء فيه حديث عن أبي قَتَادَة مرفوعًا أنَّه ﵇ كره الصَّلاة نصف النَّهار إلَّا يوم الجمعة، في إسناده انقطاع، وقد ذكر له البَيْهَقي شواهد ضعيفة، إذا ضُمَتْ قَوِيَ الخَبَرُ، والله أعلم. انتهى.
قال العَيني: وكانت الصحابة يتنفلون يوم الجمعة في المسجد حتَّى يخرج عُمَر ﵁، وكان لا يخرج حتَّى تزول الشمس، وروى ابن أبي شَيْبَة عن مَسْروق إنَّه كان يصلِّي نصف النَّهار، فقيل له: إن الصَّلاة في هذه السَّاعة تُكره، فقال: ولمَ؟ قال: قالوا: إنَّ أبواب جهنَّم تُفتح نصف النَّهار، فقال: الصَّلاة أحقُّ ما أستعيذ به من جهنَّم حين تفتح أبوابها. انتهى.
قال شيخنا: فرَّق بعضهم بين حكمة النَّهي عن الصَّلاة بعد الصُّبح والعصر، وعن الصَّلاة عند طلوع الشَّمس وعند غروبها فقال: يكره في الحالتين الأوليتين، ويحرم في الحالتين الأخيرتين، وممن قال بذلك: محمَّد بن سيرين ومحمَّد بن حريث الطبري، واحتجَّ بما ثبت عنه ﷺ إنَّه صلَّى بعد العصر، فدلَّ على أنَّه لا يحرم، وكأنَّه حمل فعله على بيان الجواز، وسيأتي ما فيه في الباب الذي بعده، وروي عن ابن عُمَر تحريم الصَّلاة بعد الصبح، حتَّى تطلع الشَّمس، وأباحها بعد العصر حتَّى تصفرَّ، وبه قال ابن حزم واحتجَّ بحديث علي إنَّه ﷺ نهى عن الصَّلاة بعد العصر إلَّا والشَّمس مرتفعة، رواه أبو داود بإسناد صحيح قوي، والمشهور إطلاق الكراهة في الجميع، فقيل: هي كراهة تحريم، وقيل: كراهة تنزيه، وقوله: (رواه عُمَر) ... إلى آخره، يريد أنَّ أحاديث هؤلاء الأربعة وهي الَّتي قُدِّمَ إيرادها في البابين السابقين، ليس فيها تعرُّض للاستواء، لكن لمن قال به أن يقول إنَّه زيادة من حافظ ثقة، فيجب قبولها. انتهى.
٥٨٩ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) أي محمَّد بن الفضل السَّدُوسي، ترجمته في باب قول النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
стр. 215
الدين النصيحة.
قوله: (حَدَّثَنَا حمَّاد بنُ زَيْدٍ) وفي بعض النُّسخ: ((حمَّاد)) غير منسوب، ترجمته في باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩].
قوله: (عَنْ أَيُّوْبَ) أي كَيْسان السِّخْتِياني، ترجمته في باب حلاوة الإيمان.
قوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي مولى ابن عُمَر، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد.
قوله: (عَنِ ابنِ عُمَرَ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه القول في موضعين، وفيه أنَّ رواته الثلاثة بصريون ونافع مدني، وفيه رواية المولى عن سيِّده.
قوله: (قَالَ: أُصَلِّي كَما رَأيتُ أصْحَابي يُصَلُّونَ لَا أَنْهَى أحَدًا يصلِّي بِلَيْلٍ أو نَهَارٍ مَا شاءَ غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوا طُلُوعَ الشَّمس ولَا غُرُوبَهَا).
مطابقته للترجمة في قوله: (غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوا...) إلى آخره، قال في «التوضيح» : غرض البخاري بهذا الباب ردُّ قول من منع الصَّلاة عند الاستواء، وهو ظاهر.
قوله: (لَا أَمْنَعُ أَحَدًا يُصَلِّي بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) وقال العَيني: عدم منع ابن عُمَر عن الصَّلاة عام في جميع اللَّيل والنَّهار، غير إنَّه منع التحرِّي في هذين الوقتين. انتهى.
قوله: (أُصَلِّي) زاد الإسماعيلي في أوَّله من وجهين عن حمَّاد بن زيد: (كانَ لا يصلِّي من أوَّل النَّهارِ حتَّى تزولَ الشَّمسُ، ويقول: أصلِّي...) إلى آخره.
قوله: (أَصْحَابِي) قال الكِرْماني: فإن قلت: ما وجه الدلالة فيه؟ قلت: إمَّا تقرير رسول الله ﵇ أصحابه عليه إن أراد الرؤية في حياته ﵇، وإمَّا إجماعهم إن أراد بعد وفاته، إذ الإجماع لا يتصوَّر حجِّيته إلَّا بعد وفاته، وإلَّا فقوله وحده حجَّة قاطعة.
قوله: (بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) ويُروى: ((بليل ولا نهارٍ))، ويُروى: ((بليلٍ ونهارٍ)) بالواو فقط.
قوله: (غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوا) أصله: أن لا تتحرَّوا، فحذفت إحدى التاءين، أي غير أن لا تقصدوا، وزاد عبد الرزَّاق في آخر هذا الحديث عن ابن جُرَيج عن نافع: ((فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلكَ، وقال: إنَّه يَطلُعُ قَرنُ الشَّيطان مَعَ طُلُوعِ الشَّمسِ))، وقال الكِرْماني: فيه دليل لمالك حيث قال: لا بأس بالصلاة عند استواء الشَّمس؛ وقال الشَّافعي ﵁: الصَّلاة عند الاستواء مكروهة إلَّا يوم الجمعة، لما ثبت أنَّه ﵇ كره الصَّلاة نصف النَّهار، وعن الحسن وطاوس: مثله؛ والذين منعوا الصَّلاة عند الاستواء: عُمَر وابن مسعود والحكم؛ وقال الكوفيون: لا يصلَّى فيه فرض ولا نفل، واستثنى الشَّافعي وأبو يوسف يوم الجمعة خاصَّة لأنَّ جهنَّم لا تسجر فيه، وقد تقدَّم هذا اتفاقًا، قال شيخنا: قال بعض العلماء: المراد بحصر الكراهة في الأوقات الخمسة، إنَّما هو بالنسبة إلى الأوقات الأصلية، وإلا فقد ذكروا أنَّه يكره التنفُّل وقت إقامة الصَّلاة، ووقت صعود الإمام لخطبة الجمعة، في حالة الصَّلاة المكتوبة جماعة لمن يصلِّيها، وعند المالكيَّة كراهة التنفُّل بعد الجمعة حتَّى ينصرف النَّاس، وعند الحنفيَّة كراهة التنفُّل قبل صلاة المغرب، وسيأتي ثبوت الأمر به في هذا
стр. 216
الجامع الصحيح. انتهى.
(٣٣) (بَابُ مَا يُصَلَّى بَعْدَ العَصْرِ مِنَ الفَوَائِتِ وَغَيْرِهَا) أي هذا باب في بيان الذي يُصَلَّى بعد العصر، و (يُصَلَّى) على صيغة المجهول، و (بَعْدَ العَصْرِ)، أي من بعد صلاة العصر، وكلمة (مِنَ) بيانيَّة.
قوله: (وغيرها) في بعض النُّسخ: ((ونحوها))، وقال الزَّين بن المنيِّر: السرُّ في قوله: ((ونحوها)) ليدخل فيه رواتب النوافل وغيرها؛ وقال أيضًا: ظاهر الترجمة إخراج النافلة المحضة الَّتي لا سبب لها. انتهى.
قال العَيني: لا نسلِّم أنَّ قوله: (ونحوها) لدخول رواتب النَّفل، بل المراد من ذلك دخول مثل صلاة الجنازة إذا حضرت في ذلك الوقت، وسجدة التلاوة، والنَّهي الوارد في هذا الباب عام يتناول النَّوافل الَّتي لها سبب، والتي ليس لها سبب، وقد ذكرنا أن حديث عُقْبَة بن عامر يمنع الكلَّ.
قوله: (وَقَال: كُرَيْبٌ) أي -بضمِّ الكاف- مولى ابن عبَّاس؛ ترجمته في باب التخفيف في الوضوء.
قوله: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أي هند بنت أبي أميَّة بن المغيرة بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخزُوم القُرَشيَّة المَخزُوميَّة، زوج النَّبِيِّ ﷺ ؛ ترجمتها في باب العلم والعظة باللَّيل؛ وقد أعاد العَيني ترجمتها ههنا.
قوله: (صلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ العَصْرِ رَكْعَتَيُنِ، وقال: شَغَلَنِي ناسٌ مِنْ عَبْد القَيْسِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بعْدَ الظُّهْرِ)، هذا التعليق أخرجه مسندًا في السَّهو في باب إذا تكلَّم وهو يصلِّي فأشار بيده، قبيل كتاب الجنائز؛ وفي وفد عبد القيس عن يحيى بن سُلَيمان عن ابن وَهْب عن عَمْرو بن الحارث عن بكير عن كُرَيب أنَّ ابن عبَّاس والمِسْوَر وعبد الرحمن بن أَزْهَر أرسلوه إلى عائشة؛ الحديث بطوله وفيه قال: (يَا بنتَ أبي أُميَّةَ، سَأَلتِ عَن الرَّكْعَتَيْنِ بعدَ العَصْرِ، وإنَّه أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ فَشَغَلُونِيْ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعدَ الظّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ)، وعند مسلم: ((نَاسٌ مِنْ عبدِ القَيْسِ بِالإِسْلَامِ من قَومِهِمْ))، وعند البَيْهَقي: ((قَدِمَ عَليَّ وَفدُ بَنِي تَمِيمٍ أَو صَدَقَةٍ شَغَلُونِيْ عَنْهُمَا، هما هَاتَانِ الرَّكعَتَانِ)).
قوله: (بَعْدَ الظّهْرِ) صفة رَكْعَتَيْنِ أي المندوبتين بعد الظّهْر؛ قَالَ الكِرْماني: وَهَذَا دليل الشَّافعي فِي جَوَاز صَلَاة لَهَا سَبَب بعد العَصْر بِلَا كَرَاهَة؛ قال العَيني: هَذَا لَا يصلح أَن يكون دليلًا، لِأَنَّ صلَاته ﵇ هَذِه كَانَت من خَصَائِصه كَمَا ذكرنَا، فَلَا يكون حجَّة لذلك. انتهى.
قلت: قال البَيْهَقي: الذي اختصَّ به المداومة على ذلك لا أصل القضاء، وأمَّا [ما] (١) روي عن ذكوان عن أمِّ سلمة في هذه القصَّة إنَّها قالت: ((فقلتُ يا رسولَ اللهِ أنقضيهما إذا فاتتنا؟ قالَ: لا)) فهي رواية ضعيفة لا تقوم بها حجَّة. انتهى.
٥٩٠ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفضل بن دُكَيْن، ترجمته في باب فضل من استبرأ لدينه في كتاب الإيمان.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ أَيْمَنَ) أي بفتح الهمزة، تقدَّم أي في باب الاستعانة بالنجَّار والصنَّاع في أعواد المنبر.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي) أي أيمن الحبشي مولى ابن أبي عَمْرو المخزومي القُرَشي المكِّي، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ) أي أم
стр. 217
المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه السماع، وفيه القول في ثلاثة مواضع؛ وفيه أن أيمن من أفراد البخاري، وفيه أن رُواته ما بين كوفي ومكِّي.
قوله: (قَالَتْ: والَّذِي ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حتَّى لَقِيَ الله، وَمَا لَقِيَ الله حتَّى ثَقُلَ عنِ الصَّلاة، وكَانَ يصلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلَاتِهِ قاعِدًا، يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، وكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهِمَا ولَا يُصَلِّيهِمَا فِي المَسْجِدِ مَخَافَةَ أنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ، وكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُمْ)؛ مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر اختلاف الألفاظ في هذا الحديث وفي لفظ للبخاري: (مَا ترك السَّجْدَتَيْنِ بعد العَصْر عِنْدِي قطّ)، وفي لفظ: (رَكْعَتَانِ لم يكن يدعهما سرًا وَلَا عَلَانيَة: رَكْعَتَانِ قبل الصُّبْح، وركعتان بعد الْعَصْر)، وَفِي لفظ: (مَا كَانَ يأتيني فِي يَوْم بعد العَصْر إلَّا صلَّى رَكْعَتَيْنِ)، وَعند مُسلم: ((كَانَ يُصَلِّيهمَا قبل العَصْرِ ثمَّ إنَّه شغل عَنْهُمَا أَو نسيهما فصلَّاهما بعد العَصْر، ثمَّ أثبتهما؛ وكَانَ إِذا صلَّى صَلَاةً أثبتها))، وَعند الدَّارَقُطْني: ((كَانَ لَا يدع رَكْعَتَيْنِ قبل الفجْر وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر))، وَفِي لفظ: ((دَخَلَ عَلَيْهَا بَعدَ العَصْرِ فصلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقلت: يَا رَسُول اللهِ أحدث بِالنَّاسِ شَيْء؟ فقالَ: لَا، إلَّا أَن بِلَالًا عَجَّلَ الْإِقَامَة فَلم أصلِ الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْعَصْرِ فَأَنا أقضيهما الآن؛ قلت: يَا رَسُول الله! أفنقضيهما إِذا فاتتا؟ قَالَ: لَا))؛ وقد تقدَّم آنفًا أن هذا حديث ضعيف، قال شيخنا: أخرجه الطَّحاوي واحتجَّ بها على أن ذلك كان من خصائصه ﷺ وفيه ما فيه وَفِي لفظ: ((كَانَ يصلِّي الرَّكْعَتَيْنِ بعد العَصْر وَينْهى عَنْهُمَا))، وَفِي لفظ: ((وَلم أره عَاد لَهما))، وَفي لَفظ محمَّد بن عَمْرو بن عَطاء عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سُفْيَان: أَن مُعَاوِيَة أرسل إِلَيْهَا يسْأَلهَا عَن هَاتين الرَّكْعَتَيْنِ، فَقَالَت: لَيْسَ عِنْدِي صَلَّاهُمَا، وَلَكِنَّ أمَّ سَلمَةَ حَدَّثتنِي، فَذكره.
قوله: ((والَّذِي ذَهَبَ بِهِ))، وفي رواية الإسماعيلي والبَيْهَقي: ((والذي ذَهَبَ بنفسِهِ))، أي برسول الله ﷺ ، حلفت عائشة بالله على أنَّ رسول الله ﷺ ما ترك الركعتين بعد العصر حتَّى مات.
قوله: (ثَقُلَ) بضمِّ القاف.
قوله: (قَاعِدًا) نصب على الحال.
قوله: (مَخَافَةَ) نصب على التعليل أي لأجل المخافة، وهو مصدر ميمي بمعنى: الخوف. وكلمة: (أَنْ) في: (أَنْ يُثقِّلَ) مصدريَّة أي مخافة التثقيل على أمَّته، و (يُثقِّلَ)، بضمِّ الياء وتشديد القاف المكسورة من التثقيل، ويروى بفتح الياء وضمِّ القاف.
قول: (مَا يُخَفِّفُ عَنْهُمْ)، أي عن أمَّته، و (يُخفِّفُ) [بضمِّ الياء] (١) وكسر الفاء المشددة من التخفيف، هذه رواية المُسْتَمْلي، وغيره روى: ما خفَّف، بصيغة الماضي؛ وسيأتي الكلام على ذلك في أعلام النُّبوَّة إن شاء الله تعالى.
قالوا: احتجَّ بهذا الأحاديث من أجاز التنفُّل بعد العصر مطلقًا ما لم يقصد الصَّلاة عند غروب الشمس، وأورده البخاري في قضاء الفائتة بعد العصر، ولهذا ترجم عليه به، قال العَيني: ونحن نقول أي الحنفيَّة كما قلنا غير مرة: إن هذا كان من خصائصه ﵇، ومن الدليل عليه ما رواه أبو داود من حديث ذكوان مولى عائشة أنَّها حدَّثته أنَّه ﵇: ((كَانَ يصلِّي بعد العَصْر وَينْهى عَنْهَا، ويواصل وَيُنْهِي عَن الوِصَال))، وروى التِّرْمِذي من طريق جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبَّاس قال: ((إِنَّمَا صلَّى النَّبِيُّ ﷺ الرَّكْعَتَيْنِ بعد العَصْرِ لأنَّه أَتَاهُ مَالٌ فَشَغلهُ عَن الرَّكْعَتَيْنِ بعد الظّهْر فصلَّاهما بعد العَصْرِ، ثمَّ لم يَعدْ))، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيث حسن. قال شيخنا: هو من رواية جرير عن عطاء، وقد سمع منه
стр. 218
بعد اختلاطه، وإن صحَّ فهو شاهد لحديث أمِّ سلمة لكن ظاهر قوله: (ثمَّ لم يعد)، معارض لحديث عائشة المذكور في هذا الباب، فيحمل النَّفي على علم الرَّاوي فإنَّه لم يطلِّع على ذلك، والمثبت يقدَّم على النافي، وكذا ما رواه النَّسائي من طريق أبي سلمة عن أمِّ سلمة: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صلَّى فِي بَيْتِهَا بَعْدَ العَصْرِ رَكْعَتَيْنِ مرةً وَاحِدَةً)) الحديث، وفي رواية له عنها: ((لم أره يصلِّيها قبل ولا بعد))، فيجمع بين الحديثين بأنَّه ﵇ لم يكن يصلِّيهما إلَّا في بيته، فلذلك لم يرَه ابن عبَّاس ولا أمُّ سلمة، ويشير إلى ذلك قول عائشة في الرواية الأولى، وكان لا يصلِّيهما في المسجد مخافة أن يُثقل على أمَّته، قَالَ: وَقد روي عن غير وَاحِد: ((عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : إنَّه صلَّى بَعدَ العَصْرِ رَكْعَتَيْنِ))، وَهَذَا خلاف مَا رُوِيَ أَنه نهى عَن الصَّلاة بعد العَصْر حتَّى تغرب الشَّمْس، وحديث ابن عبَّاس أصحُّ، حَيْثُ قَالَ: لم يعد لَهما.
قال شيخنا: وقد تقدَّم نقل المذاهب في ذلك، وأجاب عنه من أطلق الكراهة بأنَّ فعله هذا يدلُّ على جواز استدراك ما فات من الرواتب من غير كراهة، وأمَّا مواظبته ﵇ على ذلك فهو من خصائصه، والدليل عليه رواية ذكوان مولى عائشة أي المتقدِّمة، قال شيخنا أيضًا قوله: (أنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ...) إلى آخره، وللإسماعيلي من طريق أبي زُرْعَة عن أبي نُعَيم شيخ البخاري فيه: إنَّه دخل عليها فسألها عن ركعتين بعد العصر، فقالت: والذي ذهب بنفسه يعني رسول الله ﷺ ، وزاد فيه أيضًا فقال لها أيمن: أنَّ عُمَر كان ينهى عنهما ويضرب عليهما، فقالت: صدقت، ولكن كان رسول الله ﷺ يصلِّيهما فذكره؛ والخبر بذلك عن عُمَر أيضًا ثابت في رواية كُرَيب عن أمِّ سلمة؛ الَّتي ذكرنا أنَّها في باب اذا كلَّم وهو يصلِّي؛ ففي أوَّل الخبر عن كُرَيب: أنَّ ابن عبَّاس والمِسْوَر بن مَخرَمَة وعبد الرحمن بن أَزْهَر أرسلوه إلى عائشة فقال: ((اقرأْ ﵍ منَّا جميعًا، وسلْها عنِ الركعتينِ بعدَ صلاةِ العصرِ، وقلْ لها أُخبرنا أنَّكِ تصلِّيهما، وقدْ بلغَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عنهما))، وقال ابن عبَّاس: وقدْ كنتُ أضربُ النَّاس معَ عُمَر عليها الحديث.
تنبيه: روى عبد الرزَّاق من حديث زيد بن خالد: سبب ضرب عُمَر النَّاس على ذلك، فقال عن زيد بن خالد: أنَّ عُمَر رآه وهو خليفة ركع بعد العصر فضربه، فذكر الحديث، وفيه فقال عمر: يا زيد لولا أنَّي أخشى أن يتخذها النَّاس سُلَّمًا إلى الصَّلاة حتَّى اللَّيل لم أضرب فيهما، فلعلَّ عُمَر كان يرى أن النَّهي عن الصَّلاة بعد العصر إنَّما هو خشية إيقاع الصَّلاة عند غروب الشَّمس، وهو موافق قول ابن عُمَر الماضي، وما نقلناه عن ابن المنذر وغيره، وقد روى يحيى بن بكير عن اللَّيث عن أبي الأسود عن عُرْوَة عن تميم الدَّاري نحو رواية زيد بن خالد وجواب عُمَر له وفيه: ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلُّون ما بين العصر إلى الغروب، حتَّى يمرُّوا بالسَّاعة الَّتي نهى رسول الله ﷺ أن يصلَّى فيها، وهذا أيضًا يدلُّ لما قلناه والله أعلم.
٥٩١ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي
стр. 219
ابن مُسَرْهَد، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي ابن سعيد القطَّان، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هشام) أي ابن عُرْوَة بن الزُّبَيْر، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي) أي عُرْوَة بن الزُّبَيْر بن العوَّام، ترجمته في البدء أيضًا.
قوله: (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) أي أمُّ المؤمنين ﵂، ترجمتها فيه أيضًا.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه القول في ثلاثة مواضع، وفيه الإِخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد.
قوله: (ابنَ أُخْتِي: مَا تَرَكَ رسولُ اللهِ ﷺ السَّجْدَتَينِ بَعْدَ العَصْرِ عِنْدِي).
مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث أخرجه النَّسائي أيضًا في الصَّلاة عن أبي قدامة عبيد بن سعيد عن يحيى القطَّان.
قوله: (ابنَ أُخْتِي) حذف حرف النِّداء منه، يعني: يا ابن أختي، وأثبته الإسماعيلي في روايته؛ وهو عُرْوَة، لأنَّ أمَّ عُرْوَة أسماء بنت أبي بكر الصِّدِّيق ﵂.
قوله: (السَّجْدَتَيْنِ) يعني: الركعتين، من باب إطلاق اسم الجزء على الكلِّ.
٥٩٢ - قوله: (حَدَّثَنَا مُوْسَى بنُ إِسْمَاعِيْلَ) أي المِنقَري؛ ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) أي ابن زياد، ترجمته في باب الجهاد من الإيمان.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) أي سُلَيمان بن أبي سُلَيمان؛ ترجمته في باب مباشرة الحائض.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ الأَسْوَدِ) أي أبو حَفْص النَّخَعي، ترجمته في باب لا يستنجى بروث.
قوله: (عَنْ أَبِيْهِ) أي الأسود بن يزيد النَّخَعي الكوفي، ترجمته في باب من ترك بعض الاختيار في كتاب العلم.
قوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي أمُّ المؤمنين ﵂.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، وفيه القول في أربعة مواضع، وفيه العنعنة في موضعين.
قوله: (قالت: رَكْعَتَانِ لَمْ يَكُنْ رسُولُ اللهِ ﷺ يَدَعُهُمَا سِرًّا وَلَا عَلَانِيَّةً رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاة الصُّبح ورَكْعَتَانِ بَعْدَ العَصْرِ) هذا طريق آخر، وأخرجه مسلم في الصَّلاة أيضًا عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة وعلي بن حجر كلاهما عن علي بن مُسْهِر كلاهما عن الشَّيباني، وأخرجه النَّسائي فيه عن علي بن حجر به.
قوله: (رَكْعَتَانِ) أي صلاتان، لأنَّه فسَّرها بأربع ركعات، وهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكلِّ؛ أو: هو من باب الإضمار، أي وكذا ركعتان بعد العصر، والوجهان جائزان بلا تفاوت، لأن المجاز والإضمار متساويان؛ أو المراد بالركعتين جنس الركعتين الشامل للقليل والكثير.
قوله: (لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا فِي بَيْتِي) قال الصرفيُّون: لم يستعمل: ليدع ماض، وكذا: ليذر، وأورد عليهم قراءة: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف. قال شيخنا: فهمت عائشة ﵂ من مواظبته ﵇ على الركعتين بعد العصر، أن نهيه عن الصَّلاة بعد العصر حتَّى تغرب الشَّمس مختصٌّ بمن قصد الصَّلاة عند غروب الشَّمس لا إطلاقه، فلهذا قالت ما تقدَّم نقله عنها، وكانت تتنفَّل بعد العصر، وقد أخرج المصنِّف في الحجِّ من طريق عبد العزيز بن رفيع قال: ((رأيت ابن الزُّبَيْر يصلِّي ركعتين بعد العصر، ويخبر أن عائشة حدَّثته: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ : لم يدخل بيتها إلَّا صلَّاهما، وكأنَّ ابن الزُّبَيْر فهمِ منْ ذلكَ ما فهمته خالته عائشة)) والله أعلم.
وقد روى النَّسائي أنَّ معاوية سأل ابن الزُّبَيْر عن ذلك،
стр. 220
فردَّ الحديث إلى أمِّ سلمة، فذكرت أمُّ سلمة قصَّة الركعتين، حيث شُغل عنهما، فرجع الأمر إلى ما تقدَّم.
٥٩٣ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ) أي بالمهملتين، ترجمته في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله في كتاب الإيمان.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان.
قوله: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) أي عمرو، وربَّما يلبس على القارئ تمييز هذا عن أبي إِسْحاق المذكور في السند السابق، فإن هذا أبو إِسْحاق السَّبيعي وذاك أبو إِسْحاق الشَّيباني؛ وترجمته في باب الصَّلاة من الإيمان.
قوله: (قَالَ: رَأَيْتُ الأَسْوَدَ) أي ابن يزيد المذكور في السند السابق.
قوله: (وَمَسْرُوْقًا) أي ابن الأجدع، ترجمته في باب علامات المنافق في كتاب الإيمان، وزيد في ترجمته في باب التيمُّن في الوضوء.
قوله: (شَهِدَا عَلَى عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ العَصْرِ إلَّا صلَّى رَكْعَتَيْنِ)، هذا طريق آخر، وأخرجه أيضًا مسلم في الصَّلاة عن محمَّد بن مثنَّى ومحمَّد بن بشَّار، كلاهما عن غُنْدَر؛ وأبو داود أيضًا عن حَفْص بن عُمَر؛ والنَّسائي أيضًا عن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث أربعتهم عن شُعْبَة به.
قوله: (إلَّا صَلَّى) أي بعد الإتيان، وهو الاستثناء، أي ما كان يأتيني بوجه أو حاله إلَّا بهذا الوجه أو بهذه الحالة.
وقال الكِرْماني: فإن قلت: ما وجه الجمع بين هذه الأحاديث وما تقدَّم أنَّه ﵇ نهى عن الصَّلاة بعد صلاة العصر؟
قلت: أجيب عنه بأنَّ النَّهي كان في صلاة لا سبب لها، وصلاة رسول الله ﷺ كانت بسبب قضاء فائتة الظهر، وبأن النَّهي هو فيما يتحرَّى فيها، وفعله كان بدون التحرِّي؛ وبأنَّه كان من خصائصه، وبأنَّ النَّهي كان للكراهة فأراد ﵇ بيان ذلك ودفع وهم التحريم، وبأنَّ العلَّة في النَّهي هو التشبيه بعبدة الشَّمس، والرسول منزَّه عن التشبيه بهم. وبأنَّه ﵇ لما قضى فائتة ذلك اليوم وكأنَّ في فواته نوع تقصير واظب عليها مدَّة عمره جبرًا لما وَقَعَ منه؛ والكلُّ باطل.
أمَّا أوَّلًا: فلأن الفوات كان في يوم واحد، وهو يوم اشتغاله بعبد القيس، وصلاته بعد العصر كانت مستمرَّة دائمًا.
وأمَّا ثانيًا: فلأن رسول الله ﷺ كان يداوم عليها، ويقصد أداءها كلَّ يوم، وهو معنى التحرِّي.
وأمَّا ثالثًا: فلأن الأصل عدم الاختصاص ووجوب متابعته ﵇ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وأمَّا رابعًا: فإن بيان الجواز يحصل بمرَّة واحدة، ولا يحتاج في دفع وهم الحرمة إلى المداومة عليها.
وأمَّا خامسًا: فلأنَّ العلَّة في كراهة صلاة بعد فرض العصر ليس للتشبُّه بهم، بل هي العلَّة لكراهة الصَّلاة عند الغروب فقط.
وأمَّا سادسًا: فلأنَّا لا نسلِّم أنَّه كان تقصيرًا، لأنَّه كان مشتغلًا في ذلك الوقت بما هو أهم، وهو إرشادهم إلى الحقِّ؛ أو لأنَّ الفوات كان بالنسيان، ثمَّ إنَّ الجبر يحصل بقضائه مرَّة واحدة على ما هو حكم أبواب القضاء في جميع العبادات؛ بل الجواب الصحيح أنَّ النَّهي قول، وصلاته فعل، والقول والفعل إذا تعارضا يقدَّم القول ويعمل به. انتهى.
قال العَيني: قول الكِرْماني والكلُّ باطل لا يمشي في الكلِّ، بل فيه شيءٌ موجَّهٌ،
стр. 221
وشيءٌ غير موجَّهٍ، وكذلك في كلامه ودعواه ببطلان الكلِّ؛ أما الذي هو غير موجَّه فهو قوله: أنَّ النَّهي كان في صلاة لا سبب لها وهذا غير صحيح، لأنَّ النَّهي عام وتخصيصه بالصلاة الَّتي لا سبب لها تخصيص بلا مخصص وهذا باطل، وقد استقصينا الكلام فيه فيما مضى.
وأمَّا الذي هو غير موجَّه من كلام الكِرْماني فهو قوله: لأنَّ الأصل عدم الاختصاص وهذا غير صحيح على إطلاقه، لأنَّه إذا قام الدليل على الاختصاص فلا يُنكر، وههنا قد قامت دلَّائل من الأحاديث وأفعال الصحابة في أنَّ هذا الذي صلَّى ﵇ بعد العصر كان من خصائصه، وقد ذكرناها فيما مضى.
وقول الكِرْماني وصلاته ﵇ بعد العصر كانت مستمرة، يردُّه دعواه عدم التخصيص، إذ لو لم يكن من خصائصه لأمر بقضائها إذا فاتت، ولم يأمر ذلك، ألا ترى في حديث أمِّ سلمة المذكور قالت: (قُلْتُ يا رَسُوْلَ اللهِ أفنقضيهما إذا فاتَتَا؟ قَالَ: لا) فدلَّ ذلك على أن حكم غيره فيهما إذا كانتا خلاف حكمه، فليس لأحد أن يصلِّيهما بعد العصر، وههنا شيء آخر يلزمهم وهو أنَّه ﵇ يداوم عليهما، وهم لا يقولون به في الأصحِّ الأشهر، فإن عورضوا يقولون هذا من خصائص رسول الله ﷺ ، ثمَّ في الاستدلال بالحديث يقولون الأصل عدم التخصيص، وهذا كما يقال فلان مثل الظليم، يستحمل عند الاستطارة، ويستطير عند الاستحمال.
وقوله: ليس التشبُّه بهم غير صحيح فإنَّ حديث أبي أمامة على التشبُّه بهم، وهو الذي رواه مسلم وفيه: ((فقلت يا رسول الله أخبرني عن الصَّلاة قال: صلِّ الصُّبح ثمَّ اقصرْ عَنِ الصَّلاة حِينَ تَطْلُعُ الشَّمس حتَّى ترْتَفعَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَينَ قَرْنَي الشَّيطان وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الكفَّارُ)) الحديث؛ وفيه أيضًا: ((فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَينَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ))، والشارع أخبر بأنَّ الشَّيطان يحاذي الشَّمس بقرنيه عند الطلوع وعند الغروب، والكفار يسجدون لها حينئذ، فنهى الشَّارع عن الصَّلاة في هذين الوقتين حتَّى لا يكون المصلُّون فيهما كالساجدين لها، وقوله: والقول والفعل إذا تعارضا يقدم القول ليس على إطلاقه، فإنَّ أحدهما إذا كان حاظرًا والآخر مبيحًا يقدم الحاظر على المبيح سواء كان قولًا أو فعلًا فافهم. انتهى.
قلت: وفيما قاله العَيني شيء غير موجه دعاه إليه الدفع عن مذهبه، وقد أجبنا عنه فيما تقدَّم، وهو أنَّ الاختصاص إنَّما هو المداومة لا أصل القضاء، وأنَّ الحديث المروي عن أم سلمة في النَّهي عن قضاء الركعتين إذا فاتتا ضعيف والله أعلم. انتهى.
(٣٤) (بَابُ التَّبْكِيْرِ فِي الصَّلاة فِي يَوْمِ غَيْمٍ) أي هذا باب في بيان التبكير أي المبادرة والإسراع إلى الصَّلاة في اليوم الذي فيه الغيم، خوفًا من وقوعها خارج الوقت.
٥٩٤ - قوله: (حَدَّثَنا مُعَاذُ بنُ فَضَالَةَ) أي بضمِّ الميم وفتح الفاء، ترجمته في باب النَّهي عن الاستنجاء باليمين.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي المتقدِّم.
قوله: (عَنْ يَحْيَى) هو ابن كثير، ترجمته في كتاب العلم.
قوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) أي بكسر القاف، هو عبد الله بن زيد الجَرميِّ، ترجمته في باب حلاوة الإيمان.
стр. 222
قوله: (أَنَّ أَبَا المَلِيْحِ حَدَّثَهُ) أي عامر بن أسامة الهذلي، ترجمته في باب إثم من ترك العصر.
قوله: (قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ) أي بضمِّ الباء الموحَّدة، ابن الحُصَيب -بضمِّ الحاء المهملة وفتح الصَّاد المهملة- الأَسْلَمي، ترجمته في الباب أيضًا.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين وفيه العنعنة في موضعين وفيه القول في ثلاثة مواضع، وفيه التَّحديث بصيغة الإفراد من الماضي في موضع.
قوله: (كُنَّا فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ فَقَالَ بِكِّرُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ).
هذا الحديث بعينه قد مرَّ في باب إثم من ترك العصر، غير أن هناك رواه عن مسلم بن إبراهيم عن هشام إلى آخره نحوه، وفيه لفظة زائدة، وهي: (كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ)، وقد استقصينا الكلام فيه هناك، فإن قلت: الترجمة في التبكير في الصَّلاة المطلقة في يوم الغيم، والحديث لا يطابقها من وجهين: أحدهما: أنَّ المطابقة لقول بريدة لا للحديث. والثاني: أن المذكور في الحديث صلاة العصر، وفي الترجمة مطلق الصلاة.
قال العَيني: دلَّت القرينة على أنَّ قول بُرَيدة: (بَكِّرُوا بِالصَّلَاةِ) كان في وقت دخول العصر في يوم غيم، فأمر بالتبكير حتَّى لا يفوتهم بخروج الوقت بتقصيرهم في ترك التبكير، وهذا الفعل كتركهم إيَّاها في استحقاق الوعيد، ويفهم إشارته أنَّ بقيَّة الصَّلوات كذلك، لأنَّها مستوية الإقدام في الفرضيَّة، فحينئذ يفهم التطابق بين الحديث والترجمة بطريق الإشارة لا بالتصريح. انتهى. وقال شيخنا: من عادة البخاري أن يترجم ببعض ما يشتمل عليه لفظ الحديث، ولو لم يوردها بل ولو لم يكن على شرطه فلا إيراد عليه. ورُوِّينا في سنن سعيد بن مَنْصور عن عبد العزيز بن رُفَيع قال: ((بلغَنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: عَجِّلُوا صَلَاةَ العَصْرِ فِي يَوْمِ الغَيْمِ)) إسناده قوي مع إرساله؛ قال العَيني: ليس هنا ما يشتمل على الترجمة من لفظ الحديث ولا من بعضه، وكيف لا يورد عليه إذا ذكر ترجمة ولم يورد عليها شيئًا، ولا فائدة في ذكر الترجمة عند عدم الإيراد بشيء. انتهى. قال شيخنا: في هذا الكلام مع ما فيه من القلق غفلة عما أوردته من رواية الإسماعيلي أي المذكورة، وكان العَيني لغلبة محبَّة الاعتراض لا يتأملَّ جميع الكلام والله المستعان. انتهى.
فإن قلت: ما فائدة ذكر بريدة الحديث الذي فيه العصر مع أنَّ غيره مثله؛ قال العَيني: كان أمره بالتبكير في وقت العصر كما ذكرنا وإلا فغيره مثله، وقد روى الأوزاعي من طريق أخرى عن يحيى بن أبي كثير بلفظ: ((بَكِرُوا بِالصَّلَاةِ فِي يَوْم الغَيْم فَإِنَّهُ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الفجْرِ حَبطَ عَمَلُهُ))؛ وأما فائدة تعيين العصر في الحديث فقد ذكرناه. انتهى.
قال شيخنا: المراد بالتبكير المبادرة إلى الصَّلاة في أوَّل الوقت وأصل التبكير فعل الشيء بكرة، والبكرة أوَّل النَّهار، ثمَّ استعمل في فعل الشيء في أوَّل وقته، وقيل: المراد تعجيل العصر وجمعها مع الظهر، ورُوي ذلك عن عُمَر قال: (إِذَا كَانَ يَوْمُ غَيْمٍ فَأَخِّرُوا الظُّهْرَ وَعَجِّلُوا العَصْر). انتهى.
(٣٥) (بَابُ الأَذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ) أي هذا باب في بيان
стр. 223
حُكم الأذان بعد خروج الوقت، وفي رواية المستملي: (بَابُ الأَذَانِ بَعْدَ الوَقْتِ)، وليس فيها لفظة (ذَهَابِ)، وهي مقدَّرة أيضًا، وهذه مسألة مختلف فيها على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى.
قال ابن المنيِّر: إنَّما صرَّح المؤلِّف بالحكم على خلاف عادته في المختلف فيه لقوَّة الاستدلال من الخبر على الحكم المذكور.
٥٩٥ - قوله: (حَدَّثَنَا عِمْران بنُ مَيْسَرَةَ) أي ضدُّ الميمنة، تقدَّم في باب رفع العلم.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ فُضَيْلٍ) أي بضمِّ الفاء وفتح الضاد المعجمة، تقدَّم في باب صوم رمضان إيمانًا.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ) أي -بضمِّ الحاء وفتح الصاد المهملتين، وسكون الياء آخر الحروف وبالنون- ابن عبد الرحمن السلمي الكوفي، مات سنة ست وثلاثين ومائة.
قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي قَتَادَةَ) تقدَّم في باب النَّهي عن الاستنجاء باليمين.
قوله: (عَنْ أَبِيْهِ) أي أبو قَتَادَة الحارث بن رِبْعي بن بَلْدَمة الأنصاري ﵁، ترجمته في الباب أيضًا.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول في ثلاثة مواضع؛ وفيه أنَّ رواته ما بين كوفي ومدني؛ وفيه رواية الابن عن الأب، وفيه أنَّ شيخ البخاري من أفراده.
قوله: (قَالَ: سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً، فقالَ بَعْضُ القَوْمِ: لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رسولَ الله، قَالَ: أخافُ أنْ تَنَامُوا عنِ الصَّلاة، قَالَ بِلَالٌ: أَنا أُوقِظُكُمْ، فاضْطَجَعُوا، وأسْنَدَ بِلالٌ ظِهْرَهُ إلى رَاحِلَتِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ؛ فاسْتَيْقَظَ رسولُ اللهِ ﷺ وقَدْ طَلَعَ حاجِبُ الشَّمس فَقَالَ: يَا بِلَالُ أين مَا قُلْتَ؟ قَالَ: مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَط! قالَ: إنَّ الله قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِين شاءَ وَرَدَّها عَلَيْكُمْ حِينَ شاءَ يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فَتَوَضَّأَ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمس وابْيَاضَّتْ قامَ فَصَلَّى).
مطابقته للترجمة في قوله: (يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ) هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في التوحيد عن محمَّد بن سلَام عن هُشَيم؛ وأخرجه أبو داود في الصَّلاة عن عَمْرو بن عَوْن عن خالد بن عبد الله وعن هناد عن عَبْثَر بن القاسم؛ وأخرجه النَّسائي فيه عن هنَّاد به، وفي التفسير عن محمَّد بن كامل المَرْوَزي عن هشيم به.
قوله: (سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ لَيْلَةً) من: سار يسير سيرًا، وفي رواية عِمْران بن حُصَين: ((إنَّا أَسْرَينا))، ويروى: ((سَرَينا))، وقد مضى الكلام فيه في باب الصَّعِيد الطَّيِّب وَضُوء المُسْلِمِ مستوفىً، وذكرنا أنَّ هذه الليلة في أي سفرة؛ قال شيخنا: كان ذلك في رجوعه من خيبر، كذا جزم به بعض الشرَّاح معتمدًا على ما وَقَعَ عند مسلم من حديث أبي هريرة، وفيه نظر لما بيَّنه في باب الصَّعِيد الطَّيِّب وَضُوء المُسْلِمِ من كتاب التيمم، ولأبي نعيم في «المستخرج» من هذا الوجه في أوَّله: ((كنَّا مع النَّبِيِّ ﷺ وهو يسير بنا))، وزاد مسلم: من طريق عبد الله بن رباح عن أبي قَتَادَة في أوَّل الحديث قصَّة له في مسيره مع النَّبِيِّ ﷺ ، وأنَّه ﷺ نعس حتَّى مال عن راحلته، وأنَّ أبا قَتَادَة دعمه ثلاث مرَّات، وأنَّ في الصخرة مال عن الطريق فنزل في سبعة أنفس، فوضع رأسه ثمَّ قال: احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاتَنَا، ولم يذكر ما وَقَعَ عند البخاري من قول
стр. 224
بعض القوم: (لو عرَّسْتَ بِنَا)، ولا قول بلال: (أَنَا أُوْقِظُكُمْ)، ولم أقف على تسمية هذا السائل.
قوله: (لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُوْلَ اللهِ) جواب: لو، محذوف تقديره: لكان أسهل علينا، أو هو للتمنِّي وعَرَّست - بتشديد الرَّاء - من التعريس، وهو نزول القوم في السَّفر آخر اللَّيل للاستراحة. قال شيخنا: والتعريس نزول المسافر لغير إقامة، وأصله نزول آخر الليل.
قوله: (أَنَا أَوْقِظُكُمْ) وفي رواية مسلم في حديث أبي هريرة: ((فمَنْ يوقظُنَا؟ قالَ بلالٌ: أَنا)).
قوله: (فَاضْطَجَعُوا) قال العَيني: يجوز أن يكون بصيغة الماضي، ويجوز أن يكون بصيغة الأمر.
قوله: (إِلَى رَاحِلَتِهِ) أي إلى مركبه.
قوله: (فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ) أي عينا بلال، وفي رواية السَّرَخْسي: ((فغلبَتْ)) بغير ضمير.
قوله: (فَنَامَ) أي بلال.
قوله: (فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ) أي طرفها، وحواجب الشَّمس نواحيها؛ وفي رواية مسلم: ((فكانَ أوَّلُ مَنِ استيقظَ النَّبِيُّ ﷺ والشمسُ في ظهرِهِ)).
قوله: (أَيْنَ مَا قُلْتَ؟) يعني: أين الوفاء بقولك أنا أوقظكم؟.
قوله: (مَا أُلْقِيَتْ) على صيغة المجهول.
وقوله: (نَوْمَةٌ) مفعول ناب عن الفاعل.
قوله: (مِثْلُهَا) أي مثل هذه النومة الَّتي كانت في هذا الوقت، ومثل لا يتعرف بالإضافة، ولهذا وَقَعَ صفة للنكرة.
قوله: (إِنَّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ) زاد مسلم إلَّا أنَّه ليس في النوم.
تقريظ الحديث، الأرواح: جمع روح يذَّكر ويؤنَّث، وهو: جوهر لطيف نوراني يكدره الغذاء والأشياء الرديئة الدنية، مدرك للجزئيَّات والكلِّيَّات، حاصل في البدن متصرِّف فيه غنى عن الاغتذاء، بريء عن التحلل والنماء، ولهذا يبقى بعد فناء البدن إذ ليست له حاجة إلى البدن، ومثل هذا الجوهر لا يكون من عالم العنصر، بل من عالم الملكوت، فمن شأنه أن لا يضرُّه خلل البدن ويلتذُّ بما يُلائمه ويتألَّم بما يُنافيه، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية، وقوله ﵇: (إِذَا وُضِعَ المَيِّتُ عَلَى نَعْشِهِ رَفْرَفَ رُوحُهُ فَوقَ َنعْشِهِ، وَيَقُول: يَا أَهلِيْ وَيَا وَلَّدِيْ) فإن قلت: كيف يُفَسِّرُ الرُّوحَ وقد قال يقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، قال العَيني: معناه من الإبداعات الكائنة: بكن من غير مادة وتولد من أصل، على السؤال كان من قدمه وحدوثه، وليس فيه ما ينافي جواز تفسيره. انتهى. قلت: وَقَعَ الاختلاف في أنَّه هل وَقَعَ جواب؟ فما قاله العَيني: هو على قول من قال وَقَعَ الجواب، وقد أشبعت الكلام على الروح في كتابي المسمَّى بـ «السراج الوهَّاج في حقائق المعراج» عند الكلام على لقيه لأرواح الأنبياء ﵈. انتهى. فإن قلت: إذا قبض الروح يكون الشخص ميتًا، لكنَّه نائم لا ميت؟ قالوا: المعنى من قبض الروح هنا قطع تعلُّقه عن ظاهر البدن فقط، والموت قطع تعلُّقه بالبدن ظاهرًا وباطنًا، فمعنى قوله: (إنَّ اللهَ قَبَضَ أرواحَكُمْ)، مثل قوله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ
стр. 225
مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].
قوله: (حِيْنَ شَاءَ) في الموضعين ليس لوقت واحد، فإنَّ نومَ القوم لا يتفق غالبًا في وقت واحد، بل يتتابعون فيكون حين الأولى جزأ من أحيان متعددة.
قوله: (قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بالصَّلَاةِ) قال شيخنا: كذا هو بتشديد ذال أذِّن بالموحدة فيهما، والكُشْمِيهَني: <فآذن> بالمد وحذف الموحدة من النَّاس، وآذن معناه أعلم، وسيأتي ما فيه بعد. انتهى.
قوله: (فَتَوَضَّأَ) أي النَّبِيُّ ﷺ ، زاد أبو نُعَيم في «المستخرج» : ((فتوضأَ الناسُ)).
قوله: (فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ) وفي رواية المصنِّف في التوحيد من طريق هشيم عن حصين فقضوا حوائجهم، فتوضؤوا إلى أن طلعت الشمس، وهو أبين سياقًا ونحوه، ولأبي داود من طريق خالد عن حصين ويستفاد منه أن تأخير الصَّلاة إلى أن طلعت الشَّمس وارتفعت، كان بسبب الشغل بقضاء حوائجهم لا لخروج وقت الكراهة.
قوله: (وابياضَّت) على وزن افعالَّ بتشديد اللَّام، مثل احمارَّ وانهارَّ من الابيضاض وهذه الصيغة تدلُّ على المبالغة، يقال: ابيضَّ الشيء اذا صار ذا بياض، ثمَّ اذا أرادوا المبالغة يثقِّلوه إلى باب الإفعلال، فيقولون ابيياض، وكذلك احمرَّ واحمارّ، قال شيخنا: وقيل إنَّما يقال ذلك في كلِّ لون بين لونين فأمَّا الخالص من البياض فإنَّما يقال له أبيض. قال العَيني: هذا القول صادر ممن ليس له ذوق في علم الصرف، ولا اطِّلاع فيه. انتهى. قلت: شيخنا لم يقله بل ساقه بصيغة التضعيف. انتهى.
قوله: (فَصَلَّى) زاد أبو داود بالنَّاس، وفي الحديث من الفوائد جواز التماس الأتباع ما يتعلَّق بمصالحهم الدنيوية وغيرها، لكن بصيغة العرض لا بصيغة الاعتراض، وأنَّ على الإمام أن يراعي المصالح الدينيَّة والاحتراز عما يحتمل فوات العبادة عن وقتها بسببه، وجواز التزام الخادم القيام بمراقبة ذلك، والاكتفاء في الأمور المهمَّة بالواحد، وقبول العذر ممن اعتذر بأمر شائع، وتسويغ المطالبة بالوفاء بالالتزام، وتوجَّهت المطالبة على بلال بذلك تنبيهًا له على اجتناب الدعوى، والثقة بالنفس وحسن الظنِّ بها، لا سيَّما في مظان الغلبة وسلب الاختيار، وإنَّما بادر بلال إلى قوله: (أَنَا أُوْقِظُكُمْ) اتِّباعًا لعادته في الاستيقاظ في مثل ذلك الوقت لأجل الأذان، وفيه خروج الإمام بنفسه في الغزوات والسرايا، وفيه الردُّ على منكري القدر، وإنَّه لا دافع في الكون إلَّا بقدر، وفيه الأذان للفائتة، ولأجله ترجم البخاري للباب.
واختلف العلماء فيه فقال العَيني: قال أصحابنا - أي الحنفيَّة -: يُؤَذَّنُ للفائتة ويقيم، واحتجُّوا في ذلك بحديث عِمْران بن حُصَين رواه أبو داود وغيره وفيه: ((ثمَّ أمَرَ مؤذِّنًا فأذَّن فصلَّى ركعتين قبلَ الفجرِ، ثمَّ أقامَ ثمَّ صلَّى الفَجْرَ))، وبه قال الشَّافعي في القديم وأحمد وأبو ثور وابن المنذر، وإن فاتته صلوات أذَّن للأولى وأقام، وهو مخيَّر في الباقي، إن شاء أذَّن وأقام لكلِّ صلاة من الفوائت، وإن شاء اقتصر على الإقامة، لما روى التِّرْمِذي عن ابن مسعود: ((أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فاتته يوم الخندقِ أربع صلوات حتَّى ذهبَ منَ اللَّيل ما شاءَ اللهُ، فأمرَ بلالًا فأذَّن ثمَّ أقام فصلَّى الظهر، ثمَّ أقام
стр. 226
فصلَّى العصر، ثمَّ أقام فصلَّى المغرب، ثمَّ أقامَ فصلَّى العشاء))، فإن قلت: إذا كان الأمر كذلك فمن أين التخيير؟، قال العَيني: جاء في روايةٍ قضاهنَّ ﵇ بأذان وإقامة، وفي روايةٍ بأذان وإقامة للأولى، وإقامة لكلِّ واحدة من البواقي، ولهذا الاختلاف خيرنا في ذلك؛ وفي «التحفة» وروي في غير رواية الأصول عن محمَّد بن الحسن: إذا فاتته صلوات يقضي الأولى بأذان وإقامة والباقي بالإقامة دون الأذان، وقال الشافعي: في الجديد يقيم لهنَّ ولا يؤذَّن، وفي القديم: يؤذِّن للأولى ويقيم ويقتصر في البواقي على الإقامة، وقال النَّوَوي في «شرح المهذب» : يقيم لكلِّ واحدة بلا خلاف ولا يؤذَّن لغير الأولى منهنَّ، وفي الأولى ثلاثة أقوال في الأذان، أصحُّها يؤذَّن؛ ولا يغترَّ بتصحيح الرافعي منع الأذان، والأذان للأولى مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور، وقال ابن بطَّال: لم يذكر في الأولى عن مالك والشافعي، وقال الثَّوْري والأوزاعي وإِسْحاق: لا يؤذَّن لفائتة. انتهى.
قال شيخنا: وقال الشَّافعي في الجديد: لا يؤذَّن لها، والمختار عند كثير من أصحابه أن يؤذَّن لصحَّة الحديث، وحمل الأذان هنا على الإقامة ضعيف، فإنه عقب الأذان بالوضوء، ثمَّ بارتفاع الشَّمس، فلو كان المراد به الإقامة لما أخَّر الصَّلاة عنها، نعم يمكن حمله على المعنى اللغوي وهو محض الإعلام، ولا سيَّما على رواية الكُشمِيهَني، وقد روى أبو داود وابن المنذر في حديث عِمْران بن حُصَين في نحو هذه القصة، فأمر بلالًا فأذَّن فصلِّينا ركعتين ثمَّ أمره فأقام فصلَّى الغداة، وسيأتي الكلام على الحديث الذي احتجَّ به، من لم يرَ التأذين في الباب الذي بعد هذا. انتهى.
وفيه دليل على أن قضاء الفوائت بعذر ليس على الفور، وأمَّا الفائتة بلا عذر فالأصحُّ قضاؤها على الفور، وهو الصحيح لكن يستحبُّ قضاؤها على الفور، وحكى البَغَوي وجهًا عن الشَّافعي إنَّه على الفور، وأمَّا الفائتة بلا عذر فالأصحُّ قضاؤها على الفور، وقيل له التأخير كما في الأوَّل.
قال العَيني: وفيه أنَّ الفوائت لا تُقضى في الأوقات المنهي عن الصَّلاة فيها، واختلف أصحابنا أي الحنفيَّة في قدر الوقت الذي يُباح فيه الصَّلاة بعد الطلوع، قال في الأصل حتَّى ترتفع الشَّمس قدر رمح أو رمحين، وقال أبو بكر محمَّد بن الفضل: ما دام الإنسان يقدر على النظر إلى قرص الشَّمس لا تباح فيه الصَّلاة، فإذا عجز عن النظر يباح. انتهى. قلت: هذا على قاعدة مذهبه، وقدم البحث معه في ذلك. انتهى.
وفيه دليل على جواز قضاء الفائتة بالجماعة، واحتجَّ المُهَلَّب به على أنَّ الصَّلاة الوسطى هي صلاة الصُّبح، لأنَّه ﵇ لم يأمر أحدًا بمراقبة وقت صلاة غيرها، وفيه نظر لا يخفى، قلت: لأنَّ أمره بمراقبة وقتها ليس لذلك، إنَّما هو لأجل إنَّه يُوقظ للصلاة. انتهى. قال ويدلُّ على إنَّها هي المأمور بالمحافظة عليها، إنَّه ﷺ لم تفته صلاة غيرها
стр. 227
لغير عذر شغله عنها، قال شيخنا: وهو كلام متدافع فأي عذر أبين من النَّوم. انتهى.
وفيه دليل على قبول خبر الواحد، واستدلَّ به قوم على ذلك، وقال [ابن] (١) بَزِيزَةَ: وليس هو بقاطع فيه لاحتمال أنَّه ﵇ لم يرجع إلى قول بلال بمجرَّده، بل بعد النظر إلى الفجر لو استيقظ مثلًا، واستدلَّ به مالك ﵀ في عدم قضاء سنَّة الفجر، لأنَّه لم يذكر فيه أنَّهم صلَّوا ركعتي الفجر، قال شيخنا: ولا دلالة فيه لأنَّه لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع، لا سيَّما وقد ثبت إنَّه ركعهما في حديث أبي قَتَادَة هذا عند مسلم، وسيأتي في باب مفرد لذلك في أبواب التَّطوُّع، وقال أَشْهَب: سئل مالك هل ركع ﵇ ركعتي الفجر حين نام عن صلاة الفجر حتَّى طلعت الشمس، قال: ما بلغني؛ وقال أشهب: بلغني أنَّه ﵇ ركع، وقال علي بن زياد: وقاله غير مالك، وهو أحبُّ إليَّ أن يركع؛ وهو قول الكوفيين والثَّوْري والشافعي، وقد قال مالك إن أحبَّ أن يركعهما من فاتته بعد طلوع الشَّمس فعل؛ قال العَيني: مذهب محمَّد بن الحسن: إذا فاتته ركعتا الفجر يقضيهما إذا ارتفع النَّهار إلى وقت الزوال، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يقضيهما هذا إذا فاتت وحدها، وإذا فاتت مع الفرض يقضي اتفاقًا، قال العَيني أيضًا: وفيه أقوى دليل لنا على عدم جواز الصَّلاة عند طلوع الشَّمس، لأنَّه ﵇ ترك الصَّلاة حتَّى ابياضت الشَّمس، ولورود النَّهي فيه أيضًا. انتهى.
قال شيخنا: وفيه جواز تأخير قضاء الفائتة عن وقت الانتباه مثلًا، وقد تقدَّم ذلك مع بقيَّة فوائده في باب الصعيد الطَّيِّب من كتاب التيمم. انتهى.
(٣٦) (بَابُ مَنْ صَلَّى بالنَّاسِ جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ) أي هذا باب يذكر فيه من صلَّى بالنَّاس الفائتة بعد خروج الوقت.
قال شيخنا: قال الزَّين بن المنيِّر: إنَّما قال البخاري بعد ذهاب الوقت، ولم يقل مثلًا من صلَّى صلاة فائتة للإشعار بأن إيقاعها كان قرب خروج وقتها، لا كالفوائت الَّتي جهل يومها أو شهرها. انتهى.
قوله: (جَمَاعَةً) نصب على الحال من النَّاس يعني مجتمعين.
٥٩٦ - قوله: (حَدَّثَنَا مُعَاُذ بنُ فَضَالَةَ) أي بضمِّ الميم، الزَّهْراني، ويقال القُرَشي مولاهم البصري؛ ترجمته في النَّهي عن الاستنجاء باليمين.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَاٌم) أي ابن أبي عبد الله الدَّسْتُوائي، ترجمته في باب زيادة الإيمان ونقصانه.
قوله: (عَنْ يَحْيَى) أي ابن أبي كثير؛ ترجمته في باب كتابة العلم.
قوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرحمن، ترجمته في كتاب الوحي.
قوله: (عَنْ جَابِرَ بنِ عَبْدِ اللهِ) أي الأنصاري، ترجمته في الكتاب أيضًا.
قوله: (أَنَّ عُمَر بنَ الخَطَّابِ ﵁ ترجمته في البدء أيضًا.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه القول في موضع واحد، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده، وفيه أنَّ رواته ما بين كوفي ومدني، قال شيخنا: قد اتَّفق الرُّواة على أنَّ هذا الحديث من رواية جابر عن النَّبِيِّ ﷺ إلَّا حجَّاج بن نُصَير، فإنَّه رواه عن علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير، فقال فيه: عن جابر عن عُمَر؛ جَعْلُهُ من [مسند] (٢) عُمَر تفرَّد به حجَّاج وهو ضعيف. انتهى.
قوله: (جَاءَ يَوْمُ الخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمس فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ [قُرَيْشٍ] (٣)، قَالَ يَا رَسُول الله: مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ
стр. 228
حتَّى كَادَتِ الشَّمس تَغْرُبُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا؛ فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فصلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ).
مطابقته للترجمة استفيدت من اختصار الرَّاوي في قوله: (فَصَلَّى العَصْرَ) إذ أصله فصلَّى بنا العصر وكذا رواه الإسماعيلي من طريق يزيد بن زُرَيع عن هشام.
وقال الكِرْماني: فإن قلت: كيف دلَّ الحديث على الجماعة؟ قلت: إمَّا لأنَّ البخاري استفاده من بقيَّة الحديث الذي هذا مختصره، وإمَّا من إجراء الرَّاوي الفائتة الَّتي هي العصر، والحاضرة الَّتي هي المغرب مجرىً واحدًا، ولا شكَّ أنَّ المغرب كان بالجماعة كما هو معلوم من عادة رسول الله ﷺ .
قال العَيني: الوجه الأوَّل هو الذي ذكرناه، وهو الذي كان في نفس الأمر. وأمَّا الوجه الثَّاني فلا وجه له، لأنَّه يردُّه ما رواه أحمد في «مسنده» من حديث أبي سعيد قال: ((حُبِسْنَا يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنِ الصَّلاة حتَّى كَانَ بَعْدَ المَغْرِبِ بِهَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى كُفِيْنَا، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلَالًا فَأَقَامَ صلاة الظُّهر فَصلَّاها كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ العَصْرَ فَصلَّاها كَذَلِكَ ثمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ المَغْرِبَ فَصلَّاها كَذَلِكَ ثمَّ أَقَامَ العِشَاءَ فَصلَّاها كَذَلِكَ قَالَ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩])). انتهى. وقال شيخنا: الاحتمال الأوَّل أي في كلام الكِرْماني هو الواقع في نفس الأمر، فقد وَقَعَ في رواية الإسماعيلي ما يقتضي أنَّه ﵇ صلَّى بهم، أخرجه من طريق يزيد بن زريع عن هشام بلفظ: ((فصلَّى بنا العصر)). انتهى.
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا عن مسدَّد عن يحيى وعن أبي نُعَيم عن شيبان، وفي صلاة الخوف عن يحيى عن وكيع، وأخرجه في المغازي عن مكِّي بن إبراهيم، وأخرجه مسلم أيضًا في الصَّلاة عن أبي موسى وأبي غسان وأبي بكر بن أبي شَيْبَة، وأخرجه التِّرْمِذي فيه عن محمَّد بن بشَّار عن معاذ بن هشام، وأخرجه النَّسائي فيه عن إسماعيل بن مسعود ومحمَّد بن عبد الأعلى.
قوله: (يَوْمَ الخَنْدَقَ) : أي يوم حفر الخندق، وهو أعجمي تكلَّمت به العرب، وكان في السنة الرابعة من الهجرة، ويسمَّى بغزوة الأحزاب؛ قال شيخنا: وسيأتي شرح أمره في كتاب المغازي. انتهى.
قوله: (بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) وفي رواية البخاري عن شَيْبان عن يحيى: (بعدَما أفطرَ الصائمُ) والمعنى واحد.
قوله: (فَجَعَلَ) أي عُمَر، (يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ)، لأنَّهم كانوا السبب لاشتغال المسلمين بحفر الخندق الذي هو سبب في تأخيرهم الصَّلاة عن وقتها، إما المختار كما وَقَعَ لعُمَر، وإمَّا مطلقًا كما وَقَعَ لغيره.
قوله: (مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ) اعلم أنَّ كاد من أفعال المقاربة، وهي على ثلاثة أنواع:
نوع منها: وضع للدلالة على قرب الخبر وهو كاد وكرب وأوشك، فإذا قلت كاد زيد يقوم، فُهم منها: إنَّه قارب القيام ولم يقم، والراجح في كاد أن لا يقرن بأن عكس عسى، فإنَّ الراجح فيها أن تقرن، وقد وَقَعَ في رواية مسلم: ((حتَّى كادَتِ الشَّمْسُ أنْ تغربَ))؛ قال شيخنا: وفي البخاري في باب غزوة الخندق أيضًا، وهو
стр. 229
من تصريف الرواة. وهل يسيغ الرُّواة بالمعنى مثل هذا أو لا؟، الظَّاهر الجواز لأن المقصود الإخبار عن صلاته العصر كيف وقعت، لا الإخبار عن عُمَر هل تكلَّم بالراجحة أو المرجوحة. انتهى. قال اليعمري: وإذا تقرر أنَّ معنى كاد المقاربة، فقول عُمَر: مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ حتَّى كَادَتِ الشَّمس تَغْرُبُ، معناه: أنَّه صلَّى العصر قرب غروب الشَّمس، لأنَّ نفي الصَّلاة تقتضي إثباتها وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فيحصل من ذلك لعمر ثبوت الصَّلاة ولم يثبت الغروب. انتهى.
وقال الكِرْماني: لا يلزم من هذا السِّياق وقوع الصَّلاة في وقت العصر، بل يلزم منه أنَّ لا تقع الصَّلاة لأنَّه يقتضي أن كيدودته كانت عند كيدودتها؛ قال: وحاصله عرفًا ما صلِّيت حتَّى غربت الشمس. انتهى.
قال شيخنا: ولا يخفى ما بين التقريرين من الفرق، وما ادَّعاه من الفرق ممنوع وكذلك العنديَّة، للفرق الذي أوضحه اليَعْمري من الإثبات والنَّفي، لأنَّ كاد إذا أثبتت نفت، وإذا نفت أثبتت، كما قال فيها اليَعْمري ملغزًا: وإذا نفيت والله أعلم أثبتت، وإن أثبتت قامت مقام جحود؛ هذا إلى ما في تعبيره بلفظ كيدودة من الثقل والله الهادي إلى الصواب. انتهى.
قال العَيني: كلُّ ذلك لا يشفي العليل، ولا يروي الغليل، والتحقيق في هذا المقام أنَّ كاد إذا دخل عليه النَّفي فيه ثلاثة مذاهب:
الأوَّل: إنَّها كالأفعال إذا تجرَّدت من النَّفي كان معناه إثباتًا، وإن دخل عليها نفي كان معناها نفيًا، لأن قولك كاد زيد يقوم معناه إثبات قرب القيام لا إثبات نفس القيام، فإذا قلت: ما كاد زيد يفعل فمعناه نفي قرب الفعل.
الثاني: إنَّه إذا دخل عليها النَّفي كانت للإثبات.
الثالث: إذا دخل عليها حرف النَّفي نُظِرَ هل دخل على الماضي أو على المستقبل؟ فإن كان ماضيًا فهي للإثبات، وإن كان مستقبلًا فهي كالأفعال؛ والأصحُّ هو المذهب الأوَّل، نصَّ عليه ابن الحاجب، وإذا تقرر هذا فكاد ههنا دخل عليه النَّفي فصار معناه نفيًا يعني نفي قرب الصَّلاة، كما في قولك ما كاد زيد يفعل نفى قرب الفعل.
وقوله: (حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ) حال من النَّفي، فهي كسائر الأفعال؛ وقول اليَعْمري يشير إلى المذهب الثالث وهو غير صحيح، ولا يمشي هنا أيضًا؛ فإن قلت: قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] يساعد المذهب الثالث، لأنَّ كاد ههنا دخل عليها النَّفي وهو ماض فاقتضى الإثبات، لأنَّ فعل الذَّبح واقع بلا شكٍّ، قال العَيني: ليس فعل الذَّبح مستفادًا من كاد بل من قوله: ﴿فَذَبَحُوْهَا﴾ والمعنى فذبحوها مجبرين، وما قاربوا فعل الذَّبح مختارين، أو تقول: فذبحوها بعد التراخي وما كادوا يفعلون على الفور، بدليل أنَّهم سألوا سؤالًا بعد سؤال، ولم يبادروا إلى الذَّبح من حين أُمروا به. انتهى.
قال شيخنا: فإن قيل الظَّاهر أن عُمَر كان مع النَّبِيِّ ﷺ ، فكيف اختُصَّ بأن أدرك صلاة العصر قبل غروب الشَّمس بخلاف بقيَّة الصحابة، والنَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم
стр. 230
معهم، فالجواب: أنَّه يحتمل أن يكون الشغل وَقَعَ بالمشركين إلى غروب الشمس، وكان عُمَر حينئذ متوضِّأً فبادر، فأوقع الصَّلاة، ثمَّ جاء النَّبِيُّ ﷺ فأعلمه بذلك، في الحال الذي كان النَّبِيُّ ﷺ فيها قد شرع يتهيَّأ للصلاة، ولهذا قام عند الإخبار هو وأصحابه إلى الوضوء.
وقد اختلف في سبب تأخير النَّبِيِّ ﷺ الصَّلاة ذلك اليوم، فقيل: كان ذلك نسيانًا، واستبعد أن يقع ذلك من الجميع، ويمكن أن يستدلَّ له بما رواه أحمد من حديث أبي جمعة: ((أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلَّى المغرب يوم الأحزاب فلما سَلَّمَ قال: هَلْ عَلِمَ رَجُلٌ مُسلِمٌ أَنِّي صَلَّيْتُ الْعَصْرَ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، فصلَّى الْعَصْرَ ثمَّ صلَّى المَغْرِبَ)) وفي صحَّة هذا الحديث نظر، لأنَّه مخالف لما في الصحيحين من قوله: ( ﷺ لعُمَرَ: وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا))، ويمكن الجمع بينهما بتكلُّف. انتهى. قلت: هو أن يقال أن قوله هذا كان بعد أن سأل، وقالوا له: لا يا رسول الله. انتهى.
وقيل كان عمدًا، لأنَّهم شغلوه فلم يمكنوه من ذلك وهو أقرب؛ لا سيَّما وقد وَقَعَ عند أحمد والنَّسائي من حديث أبي سعيد: أنَّ ذلك كان قبل أن يُنزل الله في صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]؛ وقد اختُلِفَ في هذا الحكم هل نسخ أو لا؛ كما سيأتي في صلاة الخوف إن شاء الله تعالى. قال العَيني: اليوم لا يجوز تأخيرها عن وقتها بل نصلِّي صلاة الخوف وكان ذاك الاشتغال عذرًا في التأخير لأنَّه كان قبل نزول صلاة الخوف. انتهى.
قوله: (بُطْحَانَ) بضمِّ الباء الموحدة وسكون الطاء، وقيل بفتح أوَّله وكسر ثانيه، حكاه أبو عُبَيْد اليَشْكُري وهو وادٍ بالمدينة.
قوله: (فَصَلَّى العَصْرَ) : أي صلاة العصر، ووَقَعَ في «الموطأ» من طريق أخرى أنَّ الذي فاتهم الظهر والعصر، وفي حديث أبي سعيد الخُدْري الذي ذكرناه عن قريب: الظهر والعصر والمغرب؛ وفي لفظ للنَّسائي: حُبسنا في صلاة الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء، وعند التِّرْمِذي من حديث أبي عُبَيْدَة عن أبيه ((أنَّ المشركين شغلُوا النَّبِيَّ ﷺ عنْ أربعِ صلواتٍ يومَ الخندقِ)) الحديث.
قال شيخنا: وفي قوله: (أربع) يجوز لأنَّ العشاء لم تكن فاتت. انتهى. قال العَيني: معناه أنَّ العشاء فاتته عن وقتها الذي كان يصلِّيها فيه غالبًا، وليس معناه إنَّها فاتته عن وقتها المعهود؛ وقال ابن العَرَبي: الصحيح أنَّ الصَّلاة الَّتي شغل عنها واحدة وهي العصر، ويؤيِّد ذلك ما رواه مسلم من حديث علي ﵁: ((شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاة الوُسْطَى صَلَاةِ العَصْرِ))؛ قال ابن العَرَبي: ومنهم من جمع بأنَّ الخندق كانت وقعته أيَّامًا، فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيَّام، قال وهذا أولى.
فيه جواز سبِّ المشركين، ولكن المراد ما ليس بفاحش، إذ هو اللائق بمنصب عُمَر ﵁.
وفيه جواز الحلف من غير استحلاف، اذا ثبت على ذلك مصلحة دينيَّة؛ وقال النَّوَوي: هو مستحبٌّ إذا كان فيها مصلحة من توكيد الأمر، أو زيادة طمأنينة، أو نفي توهُّم نسيان، أو غير ذلك من المقاصد الصالحة؛ وإنَّما حلف النَّبِيُّ ﷺ تطييبًا لقلب عُمَر لما شقَّ عليه تأخيرها، وقيل: يحتمل أنَّه تركها نسيانًا لاشتغاله بالقتال، فلمَّا قال عُمَر ذلك تذكَّر، وقال: (واللهِ مَا صَلِّيْتُهَا)، وفي رواية مسلم: ((والله إن صلِّيتها))، وإن بمعنى (ما)، وفيه أنَّ الظَّاهر إنَّه صلَّاها بجماعة، فيكون فيه دلالة على مشروعيَّة الجماعة في الفائتة،
стр. 231
قال العَيني: وهذا بالإجماع، وشذَّ اللَّيث فمنع من ذلك، ويردُّ عليه هذا الحديث وحديث الوادي. انتهى.
قال شيخنا: مع أنَّ اللَّيث أجاز صلاة الجمعة جماعة إذا فاتت، والإقامة للصلاة الفائتة. انتهى. وفيه ما كان النَّبِيُّ ﷺ عليه من مكارم الأخلاق، وحسن التأنِّي مع أصحابه وبالفهم، وما ينبغي الاقتداء به في ذلك؛ قلت: جواز النسيان عليه في الفرائض إذا قلنا: إنَّه ترك الصَّلاة نسيانًا، وقد صرَّح بذلك كما سيأتي في قوله: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ). انتهى. وفيه دليل على عدم كراهة من يقول ما صلِّيت، وروى البخاري عن ابن سيرين: إنَّه كره أن يقال: فاتتنا وليقل لم يدرك، وقال البخاري: وقول النَّبِيِّ ﷺ أصحُّ.
وفيه احتجاج من يرى امتداد وقت المغرب إلى مغيب الشَّفق، لأنَّه قدَّم العصر عليها، ولو كان ضيِّقًا لبدأ بالمغرب لئلَّا يفوت وقتها أيضًا، قال العَيني: وهو حجَّة على الشَّافعي في قوله الجديد في وقت المغرب إنَّه مضيَّق. انتهى.
قلت: ليس فيه حجَّة عليه ﵁، فإنَّه يمكن أن يصلِّي بعد غروب الشَّمس العصر والمغرب وتكون المغرب أداءً، يعلم ذلك من يعرف من مذهبه ما يضيع وقت المغرب على الجديد من الأفعال. انتهى.
وفيه وجوب الترتيب بين الصَّلاة الوقتية والفائتة، وهو قول النَّخَعي والزُّهْرِي وربيعة ويحيى الأنصاري واللَّيث، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأحمد وإسحاق، وهو قول عبد الله بن عُمَر.
وقال طاوس: الترتيب غير واجب، وبه قال الشَّافعي وأبو ثور وابن القاسم وسَحْنُون، وهو مذهب الظاهريَّة.
ومذهب مالك: وجوب الترتيب كما قلنا، ولكن لا يسقط بالنسيان، ولا بضيق الوقت، ولا بكثرة الفوائت، كذا في شرح «الإرشاد»؛ وفي شرح «المجمع»، والصحيح المعتمد عليه من مذهب مالك سقوط الترتيب بالنسيان، كما نطقت به كتب مذهبه.
وعند أحمد: لو تذكَّر الفائتة في الوقتيَّة يتمُّها، ثمَّ يصلِّي الفائتة، ثمَّ يعيد الوقتيَّة، وذكر بعض أصحابه إنَّها تكون نافلة، وهذا يفيد وجوب الترتيب. وعند زُفَر: من ترك صلاة شهر بعد المتروكة لا تجوز الحاضرة. وقال ابن أبي ليلى: من ترك صلاة لا يجوز صلاة سنة بعدها.
واستدلَّ «صاحب الهداية» وغيره في مذهب الحنفيَّة بما رواه الدَّارَقُطْني ثمَّ البَيْهَقي في سننهما عن ابن عُمَر ﵄ قال: ((قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذكرهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الإِمَامِ فليتمَ صلَاتَهُ، فَإِذا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فليُعِدِ الَّتي نَسِيَ، ثمَّ ليعدِ الَّتي صلَّاها مَعَ الإِمَام))، وقال الدَّارَقُطْني: الصحيح إنَّه من قول ابن عُمَر، لذا رواه مالك عن ابن عُمَر من قوله، وقال عبد الحقِّ وقد وقفه سعيد بن عبد الرحمن، ووثَّقه يحيى بن معين، قال العَيني: وأخرجه أبو حَفْص بن شاهين مرفوعًا، واستدلَّ أيضًا من يرى بوجوب الترتيب بقوله ﵇: ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ))، قال أبو بكر هو باطل، وتأوَّله جماعة على معنى لا نافلة لمن عليه فريضة، وقال ابن الجَوْزي: هذا نسمعه على ألسنة النَّاس وما
стр. 232
عرفنا له أصلًا، وقال إبراهيم الحَرْبي: قيل لابن حنبل: ما معنى قوله: ﵇ لَا صَلَاةَ لِمَنْ عَلِيْهِ صَلَاةٌ؟ قال لا أعرف هذا البتَّة. انتهى.
وقال شيخنا: الأكثر على وجوب الترتيب مع الذكر لا مع النسيان، وقال الشافعي: لا يجب الترتيب فيها، واختلفوا فيما إذا تذكَّر فائتة في وقت حاضرة ضيِّق هل يبدأ بالفائتة وإن خرج وقت الحاضرة؟ أو يبدأ بالحاضرة؟ أو يتخيَّر؟ فقال بالأوَّل مالك، وقال بالثاني الشَّافعي وأصحاب الرأي وأكثر أصحاب الحديث، وقال بالثالث أَشْهَب. وقال عياض: محلُّ الخلاف إذا لم تكثر الصَّلوات الفوائت، فأمَّا إذا كثرت فلا خلاف إنَّه يبدأ بالحاضرة. واختلفوا في حدِّ القليل فقيل: صلاة يوم، وقيل أربع صلوات. انتهى.
واستُدِلَّ به على عدم مشروعية الأذان للفائتة، وأجاب من اعتبره بأن المغرب كانت حاضرة، ولم يذكر الرَّاوي الأذان لها، وقد عُرِفَ من عادته ﵇ الأذان للحاضرة، فدلَّ على أنَّ الرَّاوي ترك ذكر ذلك، لا إنَّه لم يقع في نفس الأمر؛ وتعقِّب باحتمال أن يكون المغرب لم يتهيَّأ إيقاعها إلَّا بعد خروج وقتها على رأي من يذهب إلى القول بتضييقه، وعكس ذلك بعضهم، فاستدلَّ بالحديث على أن وقت المغرب مُتَّسِع لأنَّه قدَّم العصر عليها، ولو كان ضيِّقًا لبدأ بالمغرب، ولا سيَّما قول الشَّافعي في قوله بتقديم الحاضرة، وهو الذي قال بأن وقت المغرب ضيِّق، فيحتاج إلى الجواب عن هذا الحديث، وهذا في حديث جابر، وأمَّا حديث أبي سعيد فلا يأتي فيه هذا لما تقدَّم أن فيه: (أنَّه صلَّى بعدَ مُضي بِهَوِيٍّ مِنَ الليلِ) والله أعلم. انتهى. قلت: وفيه ذكر القصص الَّتي فيها معرفة الأحكام الشرعيَّة.
وفيه ذكر ما يقع للمرء في أمر دينه لمن يُقتدَى به، ليعلم ما عليه في ذلك مع إظهار المشقَّة عليه من ذلك. انتهى.
(٣٧) (بَابُ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذّا ذَكَرَ) ولا يعيد إلَّا تلك الصلاة: أي هذا باب يذكر فيه أنَّ من نسي صلاة حتَّى خرج وقتها فليصلِّها إذا ذكرها، ولا يعيد إلَّا تلك الصلاة: أي يقضيها، وفي بعض النسخ ولا يعد، والفرق بينهما أن الأوَّل نفي، والثاني نهي.
قال شيخنا: قال علي بن المنيِّر: صرَّح البخاري بإثبات هذا الحكم مع كونه مما اختلف فيه لقوَّة دليله، ولكونه على وفق القياس، إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر، فمن قضى الفائتة كَمُلَ عدد المأمور به، ولكونه على مقتضى ظاهر الخطاب، لقول الشارع: فليصلِّها، ولم يذكر زيادة، وقال أيضًا: لا كفارة لها إلَّا ذلك، فاستُفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها.
قوله: (وَقَاَل إِبْرَاهِيْمُ) أي النَّخَعي، ترجمته في باب ظلم دون ظلم.
قوله: (مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ واحدةً عشرينَ سنةً لَمْ يُعِدْ إلَّا تِلكَ الصَّلاة الوَاحِدَةَ) مطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة لأنَّ قوله: (مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ)، أعمُّ من أن يكون ذكره إيَّاها بعد النسيان بعد شهر أو سنة أو أكثر من ذلك، وقيده بعشرين سنة للمبالغة، والمقصود أنَّه لا يجب عليه إلَّا إعادة الصَّلاة
стр. 233
الَّتي نسيها خاصَّة في أي وقت ذكرها؛ وأخرج الثَّوْري هذا الأثر في «جامعه» موصلًا عن مَنْصور وغيره عن إبراهيم، وأشار البخاري بهذا إلى تقوية قوله: (وَلَا يُعِيْدُ إلَّا تَلْكَ الصَّلَاةَ)، ويحتمل أنَّه أشار إلى تضعيف ما وَقَعَ في بعض طرق حديث أبي قَتَادَة عند مسلم في قصَّة النَّوم عن الصَّلاة، حيث قال: ((فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا))، فبعضهم زَعَمَ أنَّ ظاهره إعادة المقضية مرَّتين عند ذكرها، وعند حضور مثلها من الوقت الآتي، وأجيب عن هذا: بأن اللَّفظ المذكور ليس نصًّا في ذلك، لأنَّه يحتمل أن يُريد بقوله: ((فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا))، أي الصَّلاة الَّتي تحضر، لا أنَّه يُريد أن يُعيد الَّتي صلَّاها بعد خروج وقتها؛ فإن قلت: روى أبو داود من حديث عِمْران بن حُصَين في هذه القصَّة: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ صَلَاةَ الغَدَاةِ مِنْ غَدٍ صَالِحًا فَلْيَقْضِ مَعَهَا مِثْلَهَا)) قال العَيني: قال الخطَّابيُّ: لا أعلم أحدًا قال بظاهره وجوبًا، قال: ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب ليحرز فضيلة الوقت في القضاء. انتهى.
وحكى التِّرْمِذي عن البخاري أنَّ هذا غلط من راويه، ويؤيِّد ذلك ما رواه النَّسائي من حديث عِمْران بن حُصَين أيضًا: ((أَنهم قَالُوا: يَا رَسُول الله، إلَّا نقضها لوَقْتهَا من الغَد؟ فَقَالَ ﵇: لَا يَنْهَاكُم الله عَن الرِّبَا وَيَأْخُذهُ مِنْكُم)).
٥٩٧ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفَضْل بن دُكَيْن، تقدَّم عن قريب.
قوله: (وَمُوْسَى بنُ إِسْمَاعِيْلَ المنْقري التَّبُوذَكِي) تقدَّم أيضًا عن قريب.
قوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) أي ابن يحيى، ترجمته في باب ترك النَّبِيِّ ﷺ والناس الأعرابي حتَّى يفرغ من بوله في المسجد.
قوله: (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه.
قوله: (عَنْ أَنَسٍ) ابن مالك ترجمته في الباب أيضًا.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين؛ وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه أن البخاري روى هذا الحديث عن شيخين أحدهما كوفي وهو أبو نُعَيم، وبقيَّة الرُّواة بصريُّون، وفيه القول في موضعين؛ قال شيخنا: والإسناد كلُّه بصريُّون.
قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذا ذَكَرَ لَا كَفَّارَةَ لَهَا إلَّا ذلِكَ أقِمِ الصَّلاة الذِكْرَى). قال موسى: قال همَّام: سمعته يقول بعد ﴿وَأَقِمِ الصَّلاة لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصَّلاة عن هُدْبَة بن خالد، وأخرجه أبو داود فيه عن محمَّد بن كثير عن همام قوله: ((مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَليصلِّ)) كذا وَقَعَ في جميع الروايات: ((فَلْيُصَلِّ)) بحذف الضَّمير الذي هو المفعول؛ ورواه مسلم عن هَدَّاب بن خالد بلفظ: ((فَلْيُصَلِّهَا)). قال شيخنا: وهو أبين للمراد؛ وزاد أيضًا من رواية سعيد عن قَتَادَة: ((أَوْ نَامَ عَنْهَا)) ولمسلم أيضًا من رواية أخرى: ((إِذَا رقدَ أحدكُم عَنِ الصَّلاة أَو غفلِ عَنْهَا فَلْيُصَلِّها إِذا ذَكَرهَا فَإِن الله يَقُول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاة لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤])) وعند النسائي: ((أَو يغْفل عَنْهَا، فَإِن كفارتها أَن يُصلِّيهَا إِذا ذكرهَا))، وعند ابن ماجه: ((سُئِلَ عَن الرجلِ يغْفلُ عَن الصَّلاة
стр. 234
أَو يرقدُ عَنْهَا، قَالَ: يُصليهَا إِذا ذكرهَا)) وفي معجم أبي الحسين محمَّد بن جميع الغسَّاني عن قَتَادَة عن أنس: ((إِذا ذكرهَا أَو استيقظ)).
قوله: (إذا ذكر) أي إذا ذكرها؛ فإن قلت: هذا يقتضي أن يلزم القضاء في الحال إذا ذكر، مع أنَّ القضاء من جملة الواجبات الموسعة اتفاقًا؟
قال العَيني: أجيب عنه بأنه لو تذكَّرها ودام ذلك التذكُّر مدَّة، وصلَّى في أثناء تلك المدَّة، صدق إنَّه صلَّى حين التذكُّر، وليس بلازم أن يكون في أوَّل حال الذكر.
وجواب آخر: أن (إذا) للشرط كأنَّه قال: فليصلِّ إذا ذكر، يعني: لو لم يذكره لا يلزم عليه القضاء، أو: جزاؤه مقدَّر يدلُّ عليه المذكور أي إذا ذكر فليصلِّها، والجزاء لا يلزم أن يترتَّب عليه الشرط في الحال، بل يلزم أن يترتَّب عليه في الجملة.
قوله: (لَا كَفَّارَةَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ) أي لا كفَّارة لتلك الصَّلاة المنسيَّة إلَّا فعلها، وذلك إشارة إلى القضاء الذي يدلُّ عليه قوله: (فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا)، لأن الصَّلاة عند الذكر هي القضاء، والكفَّارة عبارة عن الخصلة الَّتي من شأنها أن تكفِّر الخطيئة، أي تسترها، وهي على وزن: فعالة للمبالغة، وهي من الصفات الغالبة في الاسميَّة. وقال الخطَّابيُّ: هذا يحتمل وجهين: أحدهما: إنَّه لا يكفِّرها غير قضائها.
والآخر: إنَّه لا يلزمه في نسيانها غرامة، ولا صدقة ولا زيادة تضعيف لها، إنَّما يصلِّي ما ترك.
قوله: (أَقِمِ الصَّلاة الذِّكْرَى) بالألف واللام وفتح الرَّاء بعدها ألف مقصورة، ووزنها: فعلى، مصدر من ذكر يذكر، كذا ضبطه العيني؛ وقال شيخنا: للذِّكْرَى بلامين وفتح الرَّاء بعدها ألف مقصورة. انتهى.
وفي رواية مسلم من طريق يُونُس أن الزُّهْري كان يقرؤها كذلك، والقراءة المشهورة: ﴿لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، بلام واحدة وكسر الرَّاء، كما يجيء الآن، وعلى القراءتين اختلفوا في المراد بهذا فقيل: المعنى لتذكرني فيها، وقيل: لأذكرك بالمدح والثَّناء، وقيل: لأوقات الذِّكرى، وهي مواقيت الصَّلاة، وقيل: لذكري لأنَّي ذكرتها في الكتب وأمرت بها، وقيل: لذكري خاصَّة لا ترائي بها ولا تشبُّهًا بذكر غيري، وقيل: لتذكيري لك إيَّاها وهذا يقصده قراءة من قرأ: ﴿للذِّكرى﴾ وقيل: شكرًا لذكري. وقيل: أي ذكر أمري، وقيل: إذا ذكرت الصَّلاة فقد ذكرتني، فإن الصَّلاة عبادة الله، فهي ذكر المعبود فكأنَّه أراد لذكر الصَّلاة.
وقال التُّورِبِشْتي: هذه الآية تحتمل وجوها كثيرة من التأويل، لكن الواجب أن تصار إلى وجه يوافق الحديث، فالمعنى: أقم الصَّلاة لذكرها لأنَّه إذا ذكرها فقد ذكر الله تعالى، أو: يقدَّر المضاف أي لذكر صلاتي، أو: وَقَعَ ضمير الله تعالى في موضع ضمير الصَّلاة لشرفها وخصوصيَّتها. انتهى.
فيه الأمر بقضاء النَّاسي من غير إثم، وكذلك النَّائم سواء كَثُرَتِ الصَّلاة أو قلَّت، وهذا مذهب العلماء كافَّة، وشذَّ بعضهم فيمن زاد على خمس صلوات أنَّه
стр. 235
لا يلزمه قضاء، حكاه القُرْطُبي، ولا يعتدُّ به؛ فإن تركها عامدًا فالجمهور على وجوب القضاء أيضًا؛ وحكي عن داود وجمع يسير عدهم ابن حزم، منهم خمسة من الصحابة، عدم وجوب قضاء الصَّلاة على العامد لأنَّ انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم منه أنَّ من لم ينسَ لا يصلِّي إذا ذكر، والخمسة الذين ذكرهم ابن حزم من الصحابة: عُمَر بن الخطَّاب وابنه عبد الله وسعد بن أبي وقَّاص وابن مسعود وسَلْمان ﵃، وغيرهم: القاسم بن محمَّد وبُدَيل بن مَيْسَرَة ومحمَّد بن سِيرين ومُطَرِّف بن عبد الله وعُمَر بن عبد العزيز وسالم بن أبي الجَعْد وأبو عبد الرحمن الأشعري، قال شيخنا: والقائل بأن العامد لا يقضي، لم يُرد أنَّه أخفُّ حالًا من النَّاسي، بل يقول: إنَّه لو شُرع له القضاء لكان هو والنَّاسي سواء، والنَّاسي غير مأثوم بخلاف العامد، فالعامد أسوأ حالًا من النَّاسي، فكيف يستويان؟ ويمكن أن يقال: إنَّ إثم العامد بإخراج الصَّلاة عن وقتها باقٍ عليه، ولو قضاها، بخلاف النَّاسي فإنَّه لا إثم عليه مطلقًا، ووجوب القضاء على العامد بالخطاب الأوَّل، لأنَّه قد خوطب بالصلاة، وترتَّبت في ذمَّته، فصارت دينًا عليه، والدَّيْنُ لا يسقط إلَّا بأدائه، فيأثم بإخراجه لها عن الوقت المحدود لها، ويسقط عنه الطلب بأدائها، فمن أفطر من رمضان عامدًا، فإنَّه يجب أن يقضيه مع بقاء إثم الإفطار عليه؛ والله أعلم. انتهى.
قال العَيني: ليس على إطلاقه بل فيه خلاف بين الأصوليين في أنَّ وجوبه بأمر جديد أو بالأمر الأوَّل، قال: وأجيب عن قول من قال: يقدم وجوب القضاء بأنَّ القيد بالنسيان فيه بخروجه على الغالب، أو لأنَّه ما ورد على السبب الخاص مثل: أن يكون ثمَّة سائل عن حكم قضاء الصَّلاة المنسية، أو إنَّه إذا وجب القضاء على المعذور فغيره أولى بالوجوب، وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، وشرط اعتبار مفهوم المخالف عدم الخروج وعدم وروده على السبب الخاص وعدم مفهوم الموافق، وادعى ناس بأن وجوب القضاء على العامد يؤخذ من قوله: (نَسِيَ) لأنَّ النسيان يطلق على الترك سواءً كان من ذهول أم لا، ومنه قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أي تركوا أمره فتركهم في العذاب، قالوا: ويقوِّي ذلك قوله: (لَا كَفَّارَةَ لَهَا) والنَّائم والناسي لا إثم عليه، قال شيخنا: وهو بحث ضعيف لأنَّ خبر النَّائم ثابت، وقد قال فيه: (لَا كَفَّارَةَ لَهَا)، والكفَّارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد.
قال العَيني: كما قيل الخطأ فإن فيه الكفَّارة، ويجاب بهذا أيضًا عن اعتراض معترض بقوله: ﵇: (رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ)، وأيضًا أنَّهم لما توهموا أنَّ في هذا الفعل كفَّارة، بيّن لهم أنَّ لا كفَّارة فيها، وإنَّما يجب القضاء فقط من غير شيءٍ آخر. انتهى.
وفيه دليل على أن أحدًا لا يصلِّي عن أحد؛ قال العَيني: وهو حجَّة على الشافعي، وفيه دليل أيضًا أن الصَّلاة
стр. 236
لا تجبر بالمال كما يجبر الصَّوم وغيره. قال العَيني: اللهمَّ إلَّا إذا كانت عليه صلوات فائتة، فحضره الموت، فأوصى بالفدية عنها فإنَّه يجوز كما بيَّن في الفروع، وفيه أنَّ بعضهم احتجَّ بقوله: (إِذَا ذكَر) على جواز قضاء الفوائت في الوقت المنهي عن الصَّلاة فيه.
قال العَيني محاماة لمذهبه: ليس بلازم أن يصلِّي في أوَّل حال الذكر، غاية ما في الباب أنَّ ذكره سبب لوجوب القضاء، فإذا ذكرها في الوقت المنهي، وأخَّرها إلى أن يخرج ذلك وصلَّى؛ يكون عاملًا بالحديثين أحدهما هذا والآخر حديث النَّهي في الوقت المنهي عنه. انتهى. وفيه أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا، لأنَّ المخاطب بالآية المذكورة موسى ﵇، وهو الصحيح في الأصول ما لم يرد ناسخ.
قوله: (قَالَ مُوْسَى) أي دون أبي نُعَيم، قَالَ هَمَّامٌ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ بعدُ: ﴿وأَقِمِ الصَّلاة لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] أي قال موسى بن إسماعيل وهو أحد شيخي البخاري المذكورين في أوَّل الحديث.
(سَمِعْتُهُ) يعني سمعت قَتَادَة (يَقُولُ بَعْدُ) -بضمِّ الدال- أي بعد زمان رواية الحديث، قال العَيني: حاصله أنَّ همامًا سمعه من قَتَادَة مرَّة بلفظ: ﴿للذكرى﴾ يعني بقراءة ابن شهاب الَّتي ذكرناها، ومرَّة بلفظ: ﴿لِذِكْرِي﴾ بالقراءة المشهورة وقد اختُلِفَ في هذه هل هي من كلام قَتَادَة أو هي من قول النَّبِيِّ ﷺ ؟ وفي رواية مسلم عن هَدَّاب قال قَتَادَة: ﴿وأَقِمِ الصَّلاة لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وفي روايته الأخرى من طريق المثنَّى عن قَتَادَة قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلاة، أَوْ غَفَلَ عَنْهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿وأَقِمِ الصَّلاة لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤])). وهذا ظاهره أن الجميع من كلام النَّبِيِّ ﷺ .
قوله: (وَقَالَ حَبَّانُ) أي -بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحَّدة- ابن هلال، قلت: الباهِلي، ويقال: الكِناني البصري، يكنَّى أبا حَبَيب سمع همَّام بن يحيى عندهما، وشُعْبَة وداود بن أبي الفرات وهارون بن المقرئ عند البخاري، وسُلَيمان بن المغيرة وأَبان بن يزيد ووَهَيْبًا وحمَّاد بن سلمة وأبا عَوانة عند مسلم، روى عنه أحمد الدَّارمي عندهما، وعبد الله المُسْنِدي ويحيى بن محمَّد بن السَّكَن وعلي بن مسلم عند البخاري، وإِسْحاق بن مَنْصور وأحمد بن خِراش وزُهَير وعبد بن حُمَيْد وعبد الله الدَّارمي عند مسلم، قال الواقدي: مات في شهر رمضان سنة ستَّ عشرة ومائتين. انتهى.
قوله: (حَدَّثَنَا هَمَّامُ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَة حَدَّثَنَا أَنَس عَن النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ) أشار بهذا التعليق إلى بيان سماع قَتَادَة من أَنَس، لأنَّه صرَّح فيه بالتحديث، لأنَّ قَتَادَة من المدلِّسين، وروي عنه أوَّلًا بلفظ عن أَنَس، فأراد أنَّ يقوِّيه بالرواية عنه بلفظ: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ)، وهذا التعليق وصله أبو عَوانة في «صحيحه» عن عمَّار بن رجاء عن حبَّان، وفيه أن همَّام بن يحيى سمعه من قَتَادَة مرَّتين، كما في رواية موسى بن إسماعيل.
(٣٨) (بَابُ قَضَاءِ الصَّلوات الأُوْلَى فَالأُوْلَى) أي هذا باب في بيان حكم قضاء الصَّلوات الفائتة
стр. 237
والصَّلوات بالجمع رواية الكُشْمِيهَني، وفي رواية غيره: <قَضَاءِ الصَّلَاةِ> بالإفراد.
قوله: (الأُوْلَى) -بضمِّ الهمزة- أي حال كون الصَّلاة الأولى في القضاء من الصَّلوات الفائتة، أراد إنَّه يقدِّم الأولى ثمَّ الثانية الَّتي هي الأولى أيضًا بالنسبة إلى الثالثة، ثمَّ الثالثة الَّتي هي الأولى بالنسبة إلى الرابعة، وهلمَّ جرًّا، قال شيخنا: وهذه الترجمة عبَّر عنها بعضهم بقوله: باب ترتيب الفوائت.
٥٩٨ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابنُ أَبِي كَثِيْرٍ) قلت كذا بخطِّ العيني: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابنُ أَبِي كَثِيْرٍ) وليس كذلك في الأصل وإنما فيه: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابنُ أبي كَثِيرٍ). انتهى.
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عنْ جَابِرٍ قَالَ: جعَلَ عُمَر ﵁ يَوْمَ الخَنْدَقِ يَسُبُّ كُفَّارَهُمْ، فَقَالَ: مَا كِدْتُ أصَلِّي العَصْرَ حتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَالَ فَنَزَلْنَا بُطْحَانَ فصلَّى بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثمَّ صَلَّى المَغْرِبَ) قال العَيني: هذا الحديث قد مرَّ في باب من صلَّى بالناس جماعة قبل هذا الباب بباب، وأخرجه هناك عن معاذ بن فَضَالة عن هشام عن يحيى، وههنا عن مُسَدَّد عن هشام الدَّسْتُوائي عن يحيى بن أبي كثير. انتهى. قلت: وليس كذلك أيضًا بل هو كما قلنا اتِّفاقًا، قال شيخنا والكِرْماني: يحيى المذكور فيه هو القطَّان، قال العَيني: هو غلط، لأنَّ البخاري صرَّح فيه بقوله: يحيى هو ابن أبي كثير ضدُّ القليل، واسم أبي كثير صالح بن المتوكِّل، وقيل غيره، وإنَّما قال البخاري: بلفظ هو لأنَّه ليس من كلام هشام، بل من كلام البخاري ذكره تعريفًا له، وهو غاية الاحتياط في رعاية ألفاظ الشيوخ. انتهى. قال شيخنا: حذف العَيني من السند أوَّلًا رجلين، ثمَّ أثبت أحدهما ثانيًا والذي عرف به يحيى بين مُسَدَّد وهشام، فإن الذي عند البخاري هكذا: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ عَنْ يَحْيَىَ هُوَ ابنُ أَبِي كَثِيْرٍ)، فإن كان يحيى الأوَّل غير منسوب بيَّنت إنَّه القطَّان، ولم أعرِّج على الثَّاني لأنَّه قد نسب في أصل الرواية. انتهى. قلت: غلَّط العَيني شيخنا وهو الغالط، لأنَّ شيخنا إنَّما عرف يحيى الذي يروي عنه مسدَّد، لا يحيى الذي يروي عنه هشام، فانظر السند من الصحيح يعرف ذلك. انتهى.
قوله: (جَعَلَ عُمَرَ) قال العَيني: (جَعَلَ) هنا من أفعال المقاربة الَّتي وضعت للشروع في الخبر، وهو يعمل عمل كان، إلَّا أن خبره يجب أن يكون جملة.
قوله: (يَسُبُّ) جملة خبره.
قوله: (كُفَّارَهُمْ) أي كفَّار قُرَيش، ولكونه معلومًا جاز عود الضَّمير إليه من غير سبق ذكره، وفي رواية معاذ بن فضالة: (فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ).
قوله: (حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ) هذه الرواية صريحة في فوات العصر عنه، وقد استوفينا الكلام فيه بجميع تعلُّقاته هناك فراجع إليه.
(٣٩) (بَابُ مَا يُكْرَهُ منَ السَّمَرِ بَعْدَ العِشَاءِ) أي هذا باب في بيان ما يكره من السَّمر بعد صلاة العشاء، ومراده السَّمر ما يكون في أمر مباح، وأمَّا المحرَّم فلا اختصاص له بوقت بل هو حرام في جميع الأوقات، والسَّمر -بفتح الميم-
стр. 238
من المسامرة وهي الحديث باللَّيل، وقال أبو مروان بن سِراج: الصَّواب سكونها لأنَّه اسم الفعل، وأما بالفتح فهو اعتماد السمر للمحادثة، وأصله من لون ضوء القمر لأنَّهم كانوا يتحدَّثون فيه، قوله السامر: من السمر، والجمع السمَّار، والسامر ههنا في موضع الجمع هذا، هكذا وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ وحده، قال شيخنا: واستُشكِل ذلك لأنَّه لم يتقدَّم للسَّامر ذكر في الترجمة، والذي يظهر لي أن المُصَنِّف أراد تفسير قوله تعالى: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٧]، وهو المشار إليه بقوله: ههنا أي في الآية، والحاصل إنَّه لما كان الحديث بعد العشاء يسمَّى السَّمر، والسَّمر والسَّامر مشتقٌّ من السَّمرة، وهو يطلق على الجمع والواحد، ظهر وجه مناسبة ذكر هذه اللفظة هنا، وقد أكثر البخاري من هذه الطريقة، إذا وَقَعَ في الحديث لفظة تطابق لفظة من القرآن يستغني بتفسير تلك اللفظة، وقد استُقرئ للبخاري إنَّه إذا مرَّ له لفظة من القرآن يتكلَّم على غريبه. انتهى.
قال العَيني: لا إشكال في ذلك أصلًا، ودعوى ذلك من قصور الفهم، والتعليل بقوله لأنَّه لم يتقدم للسَّامر ذكر في الترجمة غير موجه ولا تحته طائل، وذلك لأنَّه لما ذكر لفظ السَّمر الذي هو إمَّا اسم وإمَّا مصدر كما ذكرنا، أشار إلى أن لفظ السَّامر مشتقٌّ من السَّمر، وهو المراد من قوله: السَّامِر مِنَ السَّمَرِ، ثمَّ أشار إلى أن لفظ السامر تارة يكون مفردًا، ويكون جمعه سُمَّار -بضمِّ السين وتشديد الميم- كطالب وطُلَّاب، وكاتب وكُتَّاب، وتارة يكون جمعًا، أشار إليه بقوله: والسَّامر ههنا، يعني في هذا الموضع في موضع الجمع، وذلك كالباقر والجامل للبقر والجمال، يقال: سمر القوم وهم يسمرون باللَّيل أي يتحدَّثون فهم سُمّار وسامر، وقول هذا القائل والذي يظهر لي إلى آخره أخذه من كلام الكِرْماني، وكلاهما تائه. ومتى ذكرت الآية ههنا حتَّى يقول: وهو المشار إليه بقوله: ههنا أي في الآية، وهذا كلام صادر من غير تفكُّر ولا بصيرة، والتحقيق ما ذكرناه الذي لم يطلع عليه شارح ولا مرَّ بفكره قادح. انتهى.
٥٩٩ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسَرْهَد.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي القطَّان.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ) أي الأعرابي، ترجمته في باب اتباع الجنائز من الإيمان.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أبُو المِنْهَالِ) أي سَيَّار بن سَلَامة، ترجمته في باب وقت العصر.
قوله: (قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي سَلَامَةَ).
قوله: (إِلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ) أي -بفتح الباء الموحَّدة وسكون الرَّاء وفتح الزاي- نَضْلَة بن عُبَيْد، ترجمته في باب وقت الظُّهر عند الزوال.
قوله: (فَقَالَ لَهُ أَبِي: حَدِّثْنَا كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يصلِّي المكْتُوبَةَ؟ قال: كَانَ يُصَلِّي الهَجِيْرَ وَهِيَ الَّتي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِيْنَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي العَصْرَ، ثمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى أَهْلِهِ فِي أَقْصَى المَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَنَسِيتُ مَا قَالَ
стр. 239
فِي المغْرِبِ قَالَ: وكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ، قَالَ: وكَانَ يَكْرَهُ النَّوم قَبْلَهَا، وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا، وكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ، حِينَ يَعْرِفُ أَحَدُنَا جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ مِنَ السِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ).
مطابقته للترجمة في قوله: (وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوم قَبْلَهَا، وَالحَدِيْثَ بَعْدَهَا) والحديث بعد العشاء هو السَّمر، وهذا الحديث إلى قوله: (وَنَسِيْتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ) قد مرَّ في باب وقت الظُّهر عند الزوال رواه عن حَفْص بن عُمَر عن شُعْبَة عن أبي المِنْهال، وههنا عن مُسَدَّد عن يحيى القطَّان عن عَوْف عن أبي المِنْهال، وقد مرَّ الكلام مستوفىً هناك بجميع تعلقاته.
قوله: (حَدِّثنَا كَيفَ كَانَ) بلفظ الأمر، قال شيخنا: وموضع الحاجة من الحديث هنا قوله: (وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوم قَبْلَهَا، وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا) لأنَّ النَّوم قبلها قد يؤدِّي إلى إخراجها عن وقتها مطلقًا، أو عن المختار، والسَّمر بعدها قد يؤدِّي إلى النَّوم عن الصُّبح، أو عن وقتها المختار، أو عن قيام اللَّيل، وكان عُمَر بن الخطَّاب ﵁ يضرب النَّاس على ذلك، ويقول: أسهرًا أوَّل اللَّيل ونومًا آخره. وإذا تقرر أنَّ علَّة النَّهي ذلك، فقد يفرِّق فارق بين اللَّيالي الطِّوال والقصار، ويمكن أن تحمل الكراهة على الإطلاق حسمًا للمادَّة، لأنَّ الشيء إذا شرع لكونه مظنَّة قد يستمرُّ فيصير سنَّة، والله أعلم.
(٤٠) (بَابُ السَّمَرِ فِي الفِقْهِ والخَيْرِ بَعْدَ العِشَاءِ) أي هذا باب في بيان حكم السَّمَر في الفقه، بأن يتباحثوا فيه، وإنَّما خصَّه بالذكر وإن كان داخلًا في الخير، تنويهًا بذكره وتنبيهًا على قدره.
قوله: (بَعْدَ العِشَاءِ) أي بعد صلاة العشاء، وروى التِّرْمِذي من حديث عُمَر رضي الله تعالى عنه: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْمرُ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي الأَمر من أَمر المُسْلِمِين)) وقال: حديث حسن.
٦٠٠ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ صَبَّاحٍ) أي بتشديد الباء الموحَّدة، ويروى الصبَّاح بالألف واللَّام، ويجوز دخول الألف واللَّام على العلم إذا كان في الأصل صفة للمح الوصفيَّة، وهو العطاء، مات سبع ومائتين.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الحَنَفِيُّ) أي عُبَيْد الله بن عبد المجيد، مات سنة أربع وخمسين ومائة.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا قُرَّةُ بنُ خَالِدٍ) أي -بضمِّ القاف وتشديد الرَّاء- السدوسي، مات سنة أربع وخمسين ومائة.
قوله: (انْتَظَرْنَا الحَسَنَ) أي البصري، في باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩].
قوله: (وَرَاثَ عَلَيْنَا حتَّى قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ قِيامِه، فَجَاءَ وقالَ: دَعَانَا جِيرَانُنَا هَؤُلَاءِ، ثمَّ قَالَ: قَالَ أَنَسُ) أي ابن مالك ﵁، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه القول في خمس مواضع، وفيه أن رواته كلُّهم بصريُّون.
قوله: (نَظَرْنَا النَّبِيَّ ﵇، ذَاتَ لَيْلَةٍ حتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيل يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فصلَّى لَنَا، ثمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: ألا إِنَّ النَّاس قَدْ صَلَّوْا ثمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاة مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ) قال الحسن: (وَإِنَّ القَوْمِ لَا يَزَالُوْنَ فِي خَيْرٍ مَا انْتَظَرُوا الخَيْرَ). قال قرَّة: هو من حديث أَنَس عن النَّبِيِّ ﵇، مطابقته للترجمة في قوله: (ثُمَّ خَطَبَنَا) هذا الحديث أخرجه مسلم من حديث قرَّة عن قَتَادَة عن أَنَس، والبخاري أبدل قَتَادَة بالحسن.
قوله: (وَرَاثَ عَلَيْنَا) جملة حالية
стр. 240
فعلية وفعلها ماض، فيكون بالواو، ومعنى راث -بالثَّاء المثلَّثة مميز مهموز-: أبطأ، يقال: راث يريث ريثًا.
قوله: (حَتَّى قَرِيْبًا) أي حتَّى كان الزَّمان أو ريثه قريبًا من وقت قيام الحسن، أي الذي جرت عادته بالقعود معهم فيه كلَّ ليلة في المسجد، لأخذ العلم عنه، أو من النَّوم لأجل التهجُّد، ويروى: (حَتَّى قَرُبْنا) من قَرُب يَقْرُب، جملة فعليَّة.
قوله: (جِيْرَانُنَا) -بكسر الجيم- جمع جار، وإنَّما قال الحسن هذه المقالة في معرض الاعتذار عن تخلُّفه عن القعود على عادته.
قوله: (ثُمَّ قَالَ) أي الحسن.
قوله: (نَظَرْنَا النَّبِيَّ ﵇ وفي رواية الكُشْمِيْهَني: <انْتَظَرْنَا>، وكلاهما بمعنى، والنظر يجيء بمعنى الانتظار.
قوله: (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي في ليلة، والمعنى قطعة من الزمان، وإضافة ذات إلى ليلة من قبيل إضافة المسمَّى إلى الاسم، وهي قليلة لأنَّها تفيد بدون المضاف ما تفيد معه.
قوله: (حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ) شطر بالرَّفع، وكان تامَّة ويجوز أن تكون كان ناقصة.
وقوله: (يَبْلُغُهُ) استئنافًا أو جملة مؤكدة، ومعناه يصل اللَّيل، أو الانتظار إلى الشَّطر، يقال: بلغت المكان بلوغًا، إذا وصلت إليه، وكذلك إذا شارفت عليه وقاربته.
قوله: (مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ) أي مدَّة انتظار الصلاة.
قوله: (فِي خَيْرٍ) ويروى: بخير بالباء، يعني عمم الحسن الحكم في كلِّ الخيرات، وذكر ذلك لأصحابه مؤنسًا لهم ومعرفًا أنَّهم وإن كان فاتهم الأجر على ما يتعلَّمونه منه في تلك اللَّيلة على ظنِّهم فلم يفتهم الأجر مطلقًا، لأن منتظر الخير في خير، فيحصل له الأجر بذلك، قال الكِرْماني: فإن قلت: المنتظر للصلاة جاز له الكلام والأكل ونحوهما، فما معنى كونه في الصلاة؟ قلت: من جهة حصول الثواب له لا من جميع الجهات.
قوله: (قَالَ قُرَّة) أي ابن خالد.
قوله: (هُوَ مِنْ حَدِيْثِ أَنَس) أي قول الحسن: (وَإِنَّ القَوْمَ لَا يَزَالُوْنَ فِي خَيْرٍ...) إلى آخره، من حديث أَنَس لا من حديث النَّبِيِّ ﷺ ، لأن الحسن لم يصرِّح برفعه ولا بوصله، بخلاف الكلام الأول، فإنه ظاهر أنَّه عن النَّبِيِّ ﷺ ، فأراد قرَّة الذي اطلع على كونه في نفس الأمر موصولًا مرفوعًا، أن يعلم من رواه عنه بذلك، قال شيخنا: تنبيه أخرج مسلم وابن خُزَيمَة في صحيحهما عن عبد الله بن الصبَّاح شيخ البخاري، بإسناده هذا، حديثًا خالف البخاري فيه في بعض الإسناد والمتن، فقالا: عن أبي علي الحنفي عن قرَّة بن خالد عن قَتَادَة عن أَنَس قال: (نَظَرْنَا النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةً، حتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى، قَالَ: فَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى وَبِيضِ خَاتَمِهِ حَلْقَةُ فِضَّةٍ). انتهى.
وأخرجه الإسماعيلي في «مستخرجه» عن عُثْمان بن سهل عن عبد الله بن الصبَّاح، كذلك من رواية قرَّة عن قَتَادة، ولم يُصب في ذلك، فإن الذي يظهر لي أنَّه حديث آخر كان عند أبي علي الحنفي عن قرَّة أيضًا، وسمعه منه عبد الله بن الصبَّاح، كما سمع منه الحديث الآخر عن قرَّة عن الحسن، ويدلُّ على ذلك أنَّ في كلِّ من الحديث ما ليس في الآخر، وقد أورد أبو نُعَيم في «مستخرجه» الحديثين من الطريقين، فأورد حديث قرَّة عن قَتَادَة من طريق، منها عن يزيد بن عُمَر، وعن أبي علي الحنفي، وحديث قرَّة عن الحسن،
стр. 241
من رواية حجَّاج بن نُصَير عن قرَّة، وهو في التحقيق حديث واحد عند أَنَس، اشترك الحسن وقَتَادَة في سماعه منه، واقتصر الحسن على موضع حاجته منه فلم يذكر قصَّة الخاتم، وزاد مع ذلك على قَتَادَة ما لم يذكره، والله أعلم.
٦٠١ - قوله: (حَدَّثَنَا أبُو اليَمَانِ) أي الحكم بن نافع، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَاَل: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة الحمصي، ترجمته في البدء أيضًا.
قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمَّد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب، ترجمته في باب الحياء من الإيمان.
قوله: (وأبُو بَكْرِ بنُ أبي حَثْمَةَ) أي بفتح الحاء المهملة وسكون الثَّاء المثلَّثة، وهو ينتسب إلى جدِّه، قال شيخنا: نسبه إلى جدِّه، وهو أبو بكر بن سُلَيمان بن أبي حَثْمَة، وقد تقدَّم ذلك في باب السمر بالعلم في كتاب العلم. انتهى.
قوله: (أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ) أي أبوه، ترجمته في كتاب الإيمان.
قوله: (قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ العِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ فَوَهِل النَّاس فِي مقَالَة النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مَا يتحدثون من هَذِه الْأَحَادِيث عن مائة سنة، وإِنّما قالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ يُرِيدُ بِذَلِكَ إنَّها تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ).
مطابقته للترجمة في قوله: (فَلَمَّا سَلَّم قَامَ النَّبِيُّ ﵇ إلى قوله: (فَوَهِلَ النَّاسُ) قال العَيني: روي هذا الحديث في باب السَّمر بالعلم، في كتاب العلم عن سعيد بن عُفَير عن اللَّيث عن عبد الرحمن بن خالد بن مُسافر عن ابن شِهاب عن سالم وأبي بكر بن أبي حَثْمَة أن عبد الله بن عُمَر ﵄ قال: ((صلَّى لنا رسول الله ﷺ العشاء في آخر حياته))، إلى قوله ((أحد))، ومن قوله: (فَوَهِلَ النَّاسُ...) إلى آخره، زاده هنا في هذه الرواية.
قوله: (أَرَأَيْتَكُمْ)، معناه أعلموني، والكاف للخطاب ولا محلَّ لها من الإعراب، والميم تدلُّ على الجماعة، وهذه موضعه نصب، والجواب محذوف، والتقدير: أرأيتكم ليلتكم هذه فاحفظوها واحفظوا تاريخها.
قوله: (فَوَهِلَ) -بفتح الهاء وكسرها- أي قال ابن عمر: (فَوَهِلَ النَّاسُ)، قال الجَوْهَري: وَهِل من الشيء وعن الشيء إذا غلط فيه، وَوَهَلَ إليه بالفتح إذا ذهب وهمه إليه وهو يريد غيره، مثل وهم، وقال الخطَّابيُّ: أي توهموا وغلطوا في التأويل، وقال النَّوَوي: يقال وَهَلَ -بالفتح- يِهِلُّ وَهْلًا، كضرب يضرب ضربًا، أي غلط وذهب وهمه إلى خلاف الصواب، وَوَهِلَ -بالكسر- يوهِل وهلًا، كحذر يحذر حذرًا، أي فزع، قال شيخنا: فوهل النَّاس أي غلطوا أو توهَّموا أو فزعوا أو نسوا، والأوَّل أقرب. انتهى.
قوله: (فِي مَقَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ وفي رواية المُسْتَمْلي والكُشْمِيهَني: <مِنْ مَقَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ >.
قوله: (إِلَى مَا يَتَحَدَّثُوْنَ منْ هَذِه الأَحَادِيث) أي حيث يؤوِّلونها بهذه التأويلات الَّتي كانت مشهورة بينهم، مشارًا إليها عندهم في المعنى المراد عن مائة سنة، مثل إنَّ المراد بها انقراض العالم بالكليَّة ونحوه، لأن بعضهم كان يقول: إن السَّاعة تقوم عند انقضاء مائة سنة، كما روى ذلك الطَّبَرَاني وغيره من حديث أبي مسعود البدري، وردَّ عليه علي بن أبي طالب
стр. 242
رضي الله عنه، وعرض ابن عمر: أن النَّاس ما فهموا ما أراد رسول الله ﷺ من هذه المقالة، وحملوها على محامل كلِّها أوهام، وبيَّن في هذا الحديث أن رسول الله ﷺ أراد بذلك انخرام القرن عند انقضاء مائة سنة من مقالته تلك، وهو الذي كان هو فيه بأن ينقضي أهاليه، ولا يبقى منهم أحد بعد مائة سنة، وليس مراده أن ينقرض العالم بالكليَّة، وكذلك وَقَعَ بالاستقراء، فكان آخر من ضبط عمره ممن كان موجودًا حينئذ أبو الطفيل عامر بن واثلة، وقد أجمع أهل الحديث على أنَّه كان آخر الصحابة موتًا، وغاية ما قيل فيه إنَّه بقي إلى سنة عشر ومائة، وهي رأس مائة سنة من مقالة النَّبِيِّ ﷺ ، وهذا إعلام من رسول الله ﷺ بأن أعمار أمَّته ليست تطول كأعمار من تقدَّم من الأمم السالفة، ليجتهدوا في العمل.
قوله: (يُرِيْدُ) أي يريد النَّبِيُّ ﷺ ، (بِذَلِكَ) أي بقوله هذا، (أَنَّهَا) أي مائة سنة يعني مضيها.
قوله: (تَخْرِمُ) من الإخرام بالخاء المعجمة.
قوله: (ذَلِكَ القَرْنَ) أي القرن الذي هو فيه، والقرن -بفتح القاف- كلُّ طبقة مقترنين في وقت، ومنه قيل لأهل كلِّ مدَّة أو طبقة بعث فيها نبي قرن، قلَّتِ السنون أو كثرت.
ومما يستنبط من هذا الحديث والذي قبله، أنَّ السَّمر المنهي عنه بعد العشاء، إنَّما هو فيما لا ينبغي، وكان ابن سيرين والقاسم وأصحابه يتحدَّثون بعد العشاء يعني في الخير، وقال مجاهد: يكره السَّمر بعد العشاء إلَّا لمصلٍّ أو مسافرٍ أو دارس علم.
(٤١) (بَابُ السَّمَرِ مَعَ الأَهْلِ وَالضَّيْفِ) أي هذا باب في بيان السَّمر مع الأهل، وأهل الرجل خاصَّته وعياله وحاشيته، فإن قلت: ما وجه إفراد هذا الباب من الباب السَّابق مع اشتماله عليه ودخوله فيه، قال علي بن المنيِّر: ما محصَّله: اقتطع البخاري هذا الباب من باب السَّمر في الفقه والخير لانحطاط رتبته عن مسمَّى الخير، لأنَّ الخير متمحِّض للطاعة، لا يقع على غيرها، وهذا النوع من السَّمر خارج عن أصل الضيافة والصلة المأمور بهما، فقد يكون مستغنى عنه في حقِّهما، فليلتحق بالسَّمر الجائز والمتردد بين الإباحة والندب.
٦٠٢ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبو النُّعْمَانِ) أي محمَّد بن الفضل السَّدُوسي، ترجمته في باب قول النَّبِيِّ ﷺ الدين النصيحة.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ) أي التَّيْمي، ترجمته في باب من خص بالعلم قومًا.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي) أي سُلَيمان بن طَرْخان، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أبُو عُثْمَانَ) أي عبد الرحمن بن ملّ بن عَمْرو النَّهْدي، مات سنة خمس وتسعين، وهو ابن ثلاث ومائة سنة، وكان قد أدرك الجاهلية تقدَّم في باب الصَّلاة كفَّارة.
قوله: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي بَكْرٍ) أي الصِّدِّيق ﵄، ترجمته في باب نوم الرجال في المسجد.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في أربع مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه القول في ثلاث مواضع، وفيه راوٍ من المخضرمين، وهو أبو عُثْمان، وفيه رواية الصحابي عن الصحابي ابن الصحابي، وهو عبد الرحمن.
قوله: (إَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ، كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ
стр. 243
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ، وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ، قَالَ: فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي وَلَا أَدْرِي هَلْ قَالَ: وَامْرَأَتِي وَخَادِمٌ بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتِ العِشَاءُ، ثمَّ رَجَعَ، فَلَبِثَ حتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ﷺ ، فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيل مَا شَاءَ اللهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ قَالَ: أَوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ فَجَذَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئًا، فَقَالَ: وَاللهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَايْمُ اللهِ، مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا قَالَ: شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي، لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مراتٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: إنَّما كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيطان يَعْنِي يَمِينَهُ ثمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ).
مطابقته للترجمة تؤخذ من قول أبي بكر ﵁ لزوجته: أو ما عشيتهم، ومراجعته لخبر الأضياف، وقوله لأضيافه: كلوا، وكلُّ ذلك في معنى السَّمر المباح، هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في علامات النُّبوَّة، عن موسى بن إسماعيل، وفي الأدب عن أبي موسى محمَّد بن المثنَّى، وأخرجه مسلم في الأطعمة عن عُبَيْد الله بن معاذ وحامد بن عُمَر ومحمَّد بن عبد الأعلى وعن محمَّد بن مثنَّى، وأخرجه أبو داود في الكفَّارة والنُّذُور عن محمَّد بن مثنَّى وعن مؤمَّل بن هشام.
قوله: (إِنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ) قال النَّوَوي: هم زهَّاد من الصحابة فقراء غرباء، كانوا يأوون إلى مسجد النَّبِيِّ ﷺ وكانت لهم في آخره صفَّة، وهي مكان مقتطع من المسجد مظلل عليه، يبيتون فيه وكانوا يقلُّون ويكثرون، وفي وقت كانوا سبعين، وفي وقت غير ذلك، فيزيدون بمن يقدم عليهم، وينقصون بمن يموت أو يسافر أو يتزوج، وفي التلويح الصفَّة: موضع مظلل في المسجد كان للمساكين والغرباء، وهم الأوفاض أي الفرق والأخلاط من النَّاس، يأوون إليه، وعد منهم أبو نُعَيم في «الحلية» مائة ونيفًا.
قوله: (كَانُوا أُنَاسًا) وفي رواية الكُشْمِيهَني: <كَانُوا نَاسًا> بلا ألف، والنَّاس والأناس بمعنى واحد، قلت: النَّاس هم الجماعة من الحيوان المتميِّزة بالصور الإنسانيَّة. انتهى.
قوله: (فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ) أي من أصحاب الصُّفة، هذا هو الصَّواب وهو الأصحُّ من رواية مسلم فليذهب بثلاثة، لأنَّ ظاهرها صيرورتهم خمسة، وحينئذ لا يمسك رمق أحد، بخلاف الواحد مع الاثنين، وقال القُرْطُبي: لو حملَ رواية مسلم على ظاهرها فسد المعنى، وذلك أن الذي عنده طعام اثنين إذا أكله في خمسة لم يكف أحدًا منهم ولا يمسك رمقه، بخلاف الواحد، قال النَّوَوي: والذي في مسلم أيضًا له وجه تقديره وليذهب بمن يتم ثلاثة أو بتمام ثلاثة، كما قال تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] أي في تمام أربعة أيام، وقال ابن العَرَبي: لم يقل ﵇ أنَّ طعام الاثنين يشبع الثلاثة،
стр. 244
إنَّما قال يكفي وهو غير الشِّبَع، وكانت المواساة إذ ذاك واجبة لشدة الحال. انتهى. قلت: قد وَقَعَ الشبع وزاد الطعام في قصَّة أضياف أبي بكر الكرام، فلو ذهب المضيف بأكثر من خمسة وعنده طعام اثنين لكفاهم، لبركة إشارته، وإجابة أمره، وقنع الأضياف الزهاد، وتسميتهم على طعامه، فلا استبعاد بقضيَّة الأمر المعتاد. انتهى.
قوله: (وإنْ أرْبَعٌ فَخَامِسٌ أوْ سَادِسٌ) أي وإن كان عنده طعام أربع فليذهب بخامس أو بسادس، هذا وجه الجرِّ في خامس أو سادس، ويروى برفعهما فوجهه كذلك، لكن بإعطاء المضاف إليه وهو أربع، إعراب المضاف وهو طعام، وبإضمار مبتدأ للفظ خامس، وفي رواية مسلم من كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس بسادس، وقال الكِرْماني: فإن قلت: كيف يتصوَّر السادس إذا كان عنده طعام أربع؟ قلت: معناه فليذهب بخامس أو بسادس مع الخامس، والعقل يدلُّ عليه، إذ السادس يستلزم خامسًا، فكأنه قال: فليذهب بواحدٍ أو باثنين، والحاصل أن أو لا يدلُّ على منع الجمع بينهما، ويحتمل أن يكون معنى أو سادس، وإن كان عنده طعام خمس فليذهب بسادس، فيكون من باب عطف الجملة على الجملة، وقال ابن مالك: هذا الحديث مما حذف فيه بعد أن والفاء فعلان وحرفا جرٍّ باقٍ عملهما، وتقديره وإن قام أربعة فليذهب بخامس أو سادس، وفي التوضيح: كلمة أو للتنويع، وقيل: للإباحة.
قوله: (وانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ قال: هنا انطلق، وعن أبي بكر: (جَاءَ) لأنَّ المجيء هو المشي المقرب إلى المتكلِّم، والانطلاق المشي المبعد عنه.
قوله: (قَالَ) أي عبد الرحمن، <فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي> هذه رواية الكُشْمِيهَني، وفي رواية المُسْتَمْلي <فَهُوَ أَنَا وَأُمِّي>.
وقوله: (هُوَ) ضمير الشأن، وأنا مبتدأ، وأبي وأمي عطف عليه، والخبر محذوف يدلُّ عليه الشأن.
قوله: (ولَا أدْرِي) كلام أبي عُثْمان النَّهْدي الراوي.
قوله: (وخَادِمٌ) بالرفع عطف على امرأتي على تقدير أن يكون لفظ امرأتي موجودًا فيه، وإلَّا فهو عطف على أمَّي.
قوله: (بَيْنَ بَيْتِنا وَبَيْتِ أَبِي بِكْرٍ) هكذا هو في رواية أبي ذرٍّ، والرواية المشهورة: ((بيننا وبين أبي بكر))، يعني مشتركة خدمتها بيننا وبين أبي بكر.
قوله: (بَيْنَ) ظرف لخادم.
قوله: (تَعَشَّى) أي أكل العشاء، وهو بفتح العين، الطعام الذي يؤكل آخر النّهار.
قوله: (ثُمَّ لَبِثَ) أي في داره.
قوله: (حَتَّى صُلِّيَتِ) بلفظ المجهول، وهذه رواية الكُشْمِيهَني، يعني لفظ <حَتَّى>، وفي رواية غيره: <حَيْث صُلِّيَت>.
قوله: (العِشَاءُ) أي صلاة العشاء.
قوله: (ثُمَّ رَجَعَ) أي أتى إلى رسول الله، وفي صحيح الإسماعيلي: ثمَّ ركع بالكاف، أي صلَّى النافلة بعد العشاء، يدلُّ هذا على أنَّ قول البخاري: ثمَّ رجع ليس مما اتَّفق عليه الرواة.
قوله: (حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ﷺ وعند مسلم: ((حتَّى نعس النَّبِيُّ ﷺ ).
قوله: (قَالَتْ لَهُ) أي لأبي بكر، امرأته وهي أمُّ رومان -بضمِّ الرَّاء وفتحها- وقال السُّهَيلي: اسمها دَعْد، وقال غيره: زينب، وهي من بني فراس
стр. 245
بن غَنْم بن مالك بن كِنانة.
قوله: (أَوْ ضَيْفِكَ) شكٌّ من الراوي، وقال الكِرْماني: قوله (ضَيْفِكَ)، فإن قلت: هم كانوا ثلاثة، فلم أفرد؟ قلت: هو لفظ الجنس يطلق على القليل والكثير، أو مصدر يتناول المثنى والجمع، قال العَيني: بُني هذا السؤال على أن نسخته كانت ضيفك، بدون قوله أضيافك، لكن قوله: (أو) مصدر غير صحيح لفساد المعنى.
قوله: (أَوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ؟) الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدَّر بعد الهمزة، ويروى: ((عشيتيهم)) بالياء الحاصلة من إشباع الكسرة.
قوله: (أَبَوْا) أي امتنعوا وامتناعهم من الأكل رفقًا به، لظنِّهم إنَّه لا يجد عشاء، فصبروا حتَّى يأكل معهم.
قوله: (قَدْ عَرَضُوا) -بفتح العين- أي الأهل والمرأة والخادم، وفي رواية: <فَعَرَضْنَا> عليهم، ويروى: <عَرَصُوا> -بالصَّاد المهملة- وقال ابن التِّين: لا أعلم له وجهًا، ويحتمل أن يكون من عرص إذا نشط، فكأنَّ أهل البيت نشطوا في العزيمة عليهم، وقال الكِرْماني: وفي بعض النُّسخ بضمِّ العين، أي عُرض الطعام على الأضياف، فحذف الجار وأوصل الفعل، إذ هو من باب القلب، نحو عرضت الحوض على النَّاقة.
قوله: (فَذَهَبْتُ) أي قال عبد الرحمن.
قوله: (فَاخْتَبَأْتُ) أي اختفيت، وكان اختفاؤه خوفًا من خصام أبيه، لأنَّه لم يكن في المنزل من الرجال غيره، أو لأنَّه أوصاه بهم.
قوله: (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يا غُنْثَرُ) -بضمِّ الغين المعجمة وسكون النُّون وفتح الثاء المثلثة وضمِّها أيضًا- قال ابن قُرْقُول: معناه يا لئيم يا دنيء، وقيل: الثَّقيل الرخم، وقيل: الجاهل، من الغثارة وهي الجهل، والنُّون زائدة، وقيل: مأخوذ من الغثر وهو السُّقوط، وقال عياض: وعن بعض الشيوخ: يا عَنْتَر -بفتح العين المهملة وسكون النُّون وفتح التَّاء المُثَنَّاة من فوق- وهو الذُّباب الأزرق، شبَّهه به تحقيرًا له، والأوَّل هي الرواية المشهورة، قاله النَّوَوي.
قوله: (فجَدَّعَ) -بفتح الجيم وتشديد الدَّال المهملة، وفي آخره عين مهملة- أي دعا بالجدع وهو قطع الأنف أو الأذن أو الشفَّة وهو بالأنف أخصُّ، وقيل: معناه السبُّ، وقال القُرْطُبي: فيه البعد لقوله فجدَّع وسبَّ، قال ابن قُرْقُول: وعند المَرْوَزي بالزَّاي، قال: وهو وهم، وقال القُرْطُبي: وكل ذلك من أبي بكر ﵁ على ابنه، ظنًا منه إنَّه فرط في حق الأضياف، فلمَّا تبيَّن له أنَّ ذلك كان من الأضياف أدبَّهم بقوله: كلُّوا لا هنيئًا، وحلف أن لا يطعمه، وقيل: إنَّه ليس بدعاء عليهم إنَّما خبر، أي لم تتهنوا به في وقته، وقال السَّفَاقُسي: إنَّما خاطب بذلك أهله لا أضيافه، وهنيئًا منصوب على أنَّ فعله محذوف واجب حذفه في السَّماع والتقدير، هنَّاك الله هنيئًا، وههنا دخل عليه حرف النَّفي.
قوله: (وَايْمُ الله) مبتدأ وخبره محذوف، أي وايم الله قسمي، وهمزته همزة وصل لا يجوز فيها القطع عند الأكثرين، والأصل فيه يمين الله ثمَّ جمع اليمين على أيمن، ولما كثر استعماله في كلامهم خفَّفوا بحذف النُّون فقالوا: ايم الله، وفيه لغات قد ذكرناها في باب الصعيد الطَّيِّب وضوء المسلم.
قوله: (إلَاّ رَبَا) أي زاد.
قوله: (وَصَارَتْ) الأطعمة.
قوله: (أكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ) بالثَّاء المثلَّثة ويروى بالباء الموحَّدة.
قوله: (فإذَا هِي كَمَا هِيَ) أي فإذا الأطعمة
стр. 246
كما هي على حالها لم تنقص شيئًا، والفاء فيه فاء المفاجأة.
قوله: (فَقَالَ لاِمْرَأَتِهِ) أي قال أبو بكر لزوجته، وهي أمُّ عبد الرحمن أمُّ رُوْمَان.
قوله: (يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ) إنَّما قال كذلك لأنَّها بنت عبد دُهمان -بضمِّ الدَّال المهملة وسكون الهاء- أحد بني فراس بن غَنْم بن مالك بن كنانة كما ذكرنا عن قريب، وقال النَّوَوي: معناه يا من هي من بني فراس.
قوله: (مَا هَذَا؟) استفهام من أبي بكر عن حال الأطعمة.
قوله: (قَالَتْ: لا وَقُرَّةِ عَيْنِي) كلمة لا زائدة للتأكيد، ونظائره مشهورة، ويحتمل أن تكون نافية وثمة محذوف، أي لا شيء غير ما أقول، وهو قولها: قرَّة عيني، والواو فيه واو القسم، وقرَّة العين بضمِّ القاف وتشديد الرَّاء، يعبَّر بها عن المسرَّة ورؤية ما يحبُّ الإنسان، قيل: إنَّما قيل ذلك لأن عينه تقرُّ لبلوغه أمنيته، ولا تَسْتَشْرِف لشيء فيكون مشتقًّا من القرار، وقيل: مأخوذ من القُرِّ -بضمِّ القاف- وهو البرد، أي إنَّ عينه باردة لسرورها وعدم تلفتها، وقال الأَصْمَعي: أقرَّ الله عينه، أي أبرد دمعه، لأنَّ دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارَّة، وقال الدَاوُدي: أرادت بقرَّة عينها النَّبِيَّ ﷺ ، فأقسمت به، وقال ثعلب: تقول قررت به عينًا أقرُّ، وفي «الغريب المصنَّف» و «الإصلاح» : قَرِرْت وقَرَرْت قُرَّةً وقَرُورًا، وفي كتاب المثنى لابن عديس: وقَرّةً، وحكاها ابن سِيدَه، وفي «الصِّحاح» : يقِرُّ وتقرُّ وأقرَّ الله عينه، أعطاه حتَّى يقرَّ فلا يطمح إلى من هو فوقه، وقال ابن خالويه: ضحكت فخرج من عيني ماء قرور وهو البارد، وهو ضدُّ أسخن الله عينه، قال القزَّاز وقال أبو العبَّاس: ليس كما ذكر الأَصْمَعي من أن دمعة الفرح باردة والحزن حارَّة، قال: بل كلُّ دمع حارٍّ، قالوا: ومعنى قولهم هو قرَّة عيني، إنَّما يريدون هو رضى نفسي، قال: وقرَّة العين ناقة تؤخذ من المغنم قبل أن تقسم فيطبخ لحمها ويصنع، فيجتمع أهل العسكر عليه فيأكلون منه قبل القسمة، فإن كان من هذا فكأنه دعا له بالفرج والغنيمة، وفي الكتاب الفاخر: قال أبو عمرو: معناه أنام الله عينك، المعنى صادف سرورًا أذهب سهره فنام، وحكى القالي: أقرَّ الله عينك وأقرَّ الله بعينك.
قوله: (فأَكَلَ مِنْهَا) أي من الأطعمة.
قوله: (إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيطان يَعْنِي يَمِينَهُ) وهو قوله والله لا أطعمه أبدًا.
قوله: (ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً) وتكرار الأكل مع إنَّه واحد لأجل البيان، لأنَّه لما وَقَعَ الأوَّل أراد رفع الإبهام، بأنه أكل لقمة، وأما تركه اليمين ومخالفته لأجل إتيانه بالأوصل للحديث الذي ورد فيه، أو كان مراده لا أطعمه معكم، أو في هذه السَّاعة أو عند الغضب، وهذا مبني على أنَّه يقبل التقييد إذا كان اللَّفظ عامًّا، وعلى أن الاعتبار بعموم اللَّفظ أو بخصوص السبب.
قوله: (إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ) وفي رواية الأولى من الشَّيطان يعني يمينه، فأخزاه بالحنث الذي هو خير، وفي بعض الروايات لما جاء بالقصعة إلى النَّبِيِّ ﷺ أكل فيها.
قوله: (فأصْبَحَتْ عِنْدَهُ) أي أصبحت الأطعمة عند النَّبِيِّ ﷺ .
قوله: (عَقْدٌ) أي عهد مهادنة، وفي رواية: وكانت بيننا، والتأنيث
стр. 247
باعتبار المهادنة.
قوله: (فَفَرَّقَنَا) الفاء فيه فاء الفصيحة، أي فجاؤوا إلى المدينة ففرَّقنا من التفريق، أي جعل كلَّ رجل مع اثني عشر فرقة، وفي مسلم: فعرَّفنا -بالعين والرَّاء المشدَّدة- أي جعلنا عرفاء نقباء على قومهم، وقال الكِرْماني: وفي بعض الرواية فقَرّينا من القِرى بمعنى الضيافة.
قوله: (اثْنَا عَشَرَ) وفي البخاري ومعظم نسخ مسلم: اثني عشر، وكلاهما صحيح، الأوَّل على لغة من جعل المثنَّى بالألف في الأحوال الثلاثة، وقال السَّفَاقِسي: لعلَّ ضبطه ففُرِّقنا بضمِّ الفاء الثانية وبرفع اثنا عشر على أنَّه مبتدأ، وخبره مع كلِّ رجل منهم أناس.
قوله: (واللهُ أَعْلَمُ) جملة معترضة، أي أناس الله أعلم عددهم.
قوله: (كَمْ مَعَ كلِّ رَجَلٍ) مميز كم محذوف، أي كم رجل مع كلِّ رجل.
قوله: (أَوْ كَمَا قَالَ) شكٌّ من أبي عثمان، وفاعل قال عبد الرحمن ابن أبي بكر ﵄.
فيه أنَّ للسلطان إذا رأى مسغبة أن يفرِّقهم على السعة بقدر ما [لا] (١) يجحف بهم، قال التَّيْمي: وقال كثير من العلماء: إنَّ في المال حقوقًا سوى الزكاة، وإنَّما جعل رسول الله ﷺ على الاثنين واحدًا، وعلى الأربعة واحدًا، وعلى الخمسة واحدًا، ولم يجعل على الأربعة والخمسة بإزاء ما يجب للاثنين مع الثالث، لأن صاحب العيال أولى أن يرفق به، والحاصل فيه أنَّ تشريك الزائد على الأربعة لا يضر بالباقين، وكانت المواساة إذ ذاك واجبة لشدَّة الحال، وزاد ﵇ واحدًا واحدًا رفقًا بصاحب العيال، وضيق معيشة الواحد، والاثنين أرفق بهم من ضيق معيشة الجماعات.
وفيه فضيلة الإيثار والمواساة، وأنَّه عند كثرة الأضياف يوزِّعهم الإمام على أهل المحلَّة، ويعطي لكلِّ واحد منهم ما يعلم أنَّه يحتمله، ويأخذ هو ما يمكنه، ومن هذا أخذ عُمَر بن الخطَّاب ﵁ فِعْلَه في عام الرمادة، على أهل كلِّ بيت مثلهم من الفقراء، ويقول: لن يهلك امرؤٌ عن نصف قوَّته، وكانت الضرورة ذلك العام، وقد تأوَّل سُفْيان بن عُيَيْنَة في المواساة في المسغبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] ومعناه أنَّ المؤمنين يلزمهم القربة في أموالهم لله تعالى عند توجُّه الحاجة إليهم، ولهذا قال كثير من العلماء: في المال حقٌّ سوى الزكاة، وورد في التِّرْمِذي مرفوعًا.
وفيه بيان ما كان عليه الشَّارع من الأخذ بأفضل الأمور، والسبق إلى السخاء والجود، فإنَّ عياله ﵇ كانوا قريبًا من عدد ضيفانه هذه اللَّيلة، فأتى بنصف طعامه أو نحوه، وأتى أبو بكر ﵁ بثلث طعامه أو أكثر.
وفيه الأكل عند الرئيس وإن كان عنده ضيف، إذا كان في داره من يقوم بخدمتهم. وفيه أنَّ الولد والأهل يلزمهم من خدمة الضيف ما يلزم صاحب المنزل. وفيه أنَّ الأضياف ينبغي لهم أن يتأدَّبوا وينتظروا صاحب الدار، ولا يتهافتوا على الطعام دونه. وفيه الأكل من طعام ظهرت فيه البركة، وفيه إهداء ما يُرجى بركته لأهل الفضل، وفيه أنَّ آيات النَّبِيِّ ﷺ قد تظهر على يد غيره، وفيه ما كان عليه أبو بكر من الحبِّ للنَّبِيِّ ﷺ
стр. 248
والانقطاع إليه، وإيثاره في ليله ونهاره على الأهل والأضياف، وفيه كرامة ظاهرة للصِّدِّيق ﵁.
وفيه إثبات كرامات الأولياء ﵃، وهو مذهب أهل [السنَّة] (١)، وفيه جواز تعريف العرفاء للعساكر ونحوهم، وفيه جواز الاختفاء عن الوالد إذا خاف منه على تقصير واقع منه، وفيه جواز الدعاء بالجذع والسبِّ على الأولاد عند التقصير، وفيه ترك الجماعة لعذر، وفيه جواز الخطاب للزوجة بغير اسمها، وفيه جواز القسم بغير [الله] (٢).
وفيه حمل المضيف المشقَّة على نفسه في إكرام الضيفان، والاجتهاد في رفع الوحشة، وتطييب قلوبهم، وفيه جواز ادخار الطعام لغد، وفيه مخالفة اليمين إذا رأى غيرها خيرًا منها، وفيه أنَّ الرَّاوي إذا شكَّ يجب أن ينبِّه عليه، كما قال: «لا أدري هلْ قالَ وامرأتي»، ومثل لفظة: «أو كما قال» ونحوها.
وفيه أنَّ الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، فإنَّ امرأة أبي بكر ﵁ لما رأت أن الضيفان تأخَّروا عن الأكل تألَّمت لذلك، فبادرت حين قدم تسأله عن سبب تأخُّره مثل ذلك، وفيه إباحة الأكل للضيف في غيبة صاحب المنزل، وأن لا يمتنعوا إذا كان قد أذِن في ذلك، لإنكار الصِّدِّيق عليهم.
قلت: وفيه أنَّ الأضياف إذا امتنعوا عن الأكل أدبًا مع صاحب المنزل، لا يلحُّ الخادم وأهل الدَّار عليهم في ذلك، وفيه أنَّ المضيف إذا عزم على الأضياف، يذهب معهم إلى المنزل إلَّا أن يكون مشغولًا بأمر يتعلَّق بالسلطان أو شيخه ونحو ذلك، لأنَّ الياء في قوله (فليذهب) تقال للمصاحبة، وفيه أنَّ الولي ليس بمعصوم، وفيه ذكر ما يقع للكبير من التقصير. انتهى.
قال شيخنا خاتمة: اشتمل كتاب المواقيت على مائة حديث وسبعة عشر حديثًا، المعلَّق من ذلك ستة وثلاثون حديثًا، والباقي موصول، الخالص منها ثمانية وأربعون حديثًا، والمكرر منها فيه وفيما تقدَّم تسعة وستون حديثًا، وافقه مسلم على جميعها سوى ثلاثة عشر حديثًا، وهي حديث أَنَس في السُّجود على الظهائر، وقد أخرج معناه وحديثه: (ما أعرف شيئًا)، وحديثه في المعنى: هذه الصَّلاة وقد ضعف، وحديث ابن عمر: (أبردوا)، وكذا حديث أبي سعيد، وحديث ابن عمر: (إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم)، وحديث أبي موسى: (مثل المسلمين واليهود)، وحديث أنس: (كنا نصلِّي العصر)، وقد اتفقا على أصله، وحديث عبد الله بن مغفل: (لا تغلبنكم الأعراب)، وحديث ابن عبَّاس: (لولا أن أشقَّ على أمَّتي)، وحديث سهل بن سعد: (كنت أتسحَّر)، وحديث معاوية: (في الركعتين بعد العصر)، وحديث أبي قتادة: (في النَّوم عن الصبح)، على أن مسلمًا أخرج أصل الحديث من وجه آخر، لكن بينَّا في الشرح أنهما حديثان لقصتين، والله أعلم، وفيه من الآثار الموقوفة ثلاثة، والله أعلم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
كِتَابُ الأَذَانِ
أي هذا كتاب في بيان أحكام الأذان، وفي بعض النُّسَخ بعد البسملة: أبواب الأذان،
стр. 249
قلت: وهو الذي شرح عليه شيخنا، ولم يذكر كتاب. انتهى. وسقطت البسملة في رواية القابسي وغيره.
والأذان لغةً: الإعلام، قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] قال شيخنا: واشتقاقه من الأَذَنِ بفتحتين، وهو الاستماع، وقال العَيني: من أذَّن يؤذِّن تأذينًا وأذانًا، مثل: كلَّم يكلِّم تكليمًا وكلامًا، فالأذان والكلام اسم المصدر القياسي، وقال الهروي: الأذان والأذين والتأذين بمعنى، وقيل: الأذين المؤذِّن، فعيل بمعنى مفعل، وأصله من الأذن، كأنَّه يلقي في آذان النَّاس بصوته ما يدعوهم إلى الصلاة.
وفي الشريعة: الأذان إعلام مخصوص، بألفاظ مخصوصة، في أوقات مخصوصة. ويقال: الإعلام بوقت الصَّلاة الَّتي عيَّنها الشَّارع مثناة، وقال القُرْطُبي وغيره: الأذان على قلَّة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة، لأنَّه بدأ بالأكبرية، وهي تتضمَّن وجود الله وكماله، ثمَّ ثنَّى بالتوحيد ونفي الشريك، ثمَّ بإثبات الرسالة بمحمَّد ﷺ ، ثمَّ دعا إلى الطاعة المخصوصة عقيب الشَّهادة بالرسالة، لأنَّها لا تعرف إلَّا من جهة الرسول، ثمَّ دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد، ثمَّ أعاد ما أعاد توكيدًا، ويحصل من الأذان: الإعلام بدخول الوقت، والدُّعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل، سهولة القول وتيسيره لكلِّ أحد في كلِّ زمان ومكان.
واختلف له أيُّما أفضل الأذان أو الإقامة؟ ثالثها: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي أفضل، وإلا فالأذان، وفي كلام الشَّافعي ما يومئ إليه، واختُلِفَ أيضًا في الجمع بينهما، فقيل: يكره، وفي البَيْهَقي من حديث جابر مرفوعًا: النَّهي عن ذلك لكن سنده ضعيف، وصحَّ عن عمر: لو أطيق الأذان مع الخلافة لأذَّنت، رواه سعيد بن مَنْصور وغيره، وقيل: خلاف الأولى، وقيل: مستحبٌّ وصححه النَّوَوي ﵁.
(بَابُ بِدْءِ الأَذَانِ) أي هذا باب في بيان ابتداء الأذان، وليس في رواية أبي ذرٍّ لفظ باب.
قوله: (وَقُوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاة اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨] وقولِهِ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩])
قوله: (وَقَوْلِ اللهِ) مجرور لأنَّه عطف على لفظ بدء، وقوله الثَّاني عطف عليه، وإنما ذكر هاتين الآيتين إما للتبرك، أو لإرادة ما بوَّب له، وهو بدء الأذان، وإن ذلك كان بالمدينة، والآيتان المذكورتان مدنيتان، وقد ذكر أهل التفسير أن اليهود لما سمعوا الأذان، قالوا: لقد أبدعت يا محمَّد شيئًا لم يكن فيما مضى، فنزلت: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٥٨] الآية، واختلف في السنة الَّتي فُرِضَ فيها، فالراجح أن ذلك كان في السنة الأولى، وقيل بل كان في السنة الثانية، ورُوِيَ عن ابن عبَّاس: أنَّ فَرض الأذان نزل مع هذه الآية، أخرجه أبو الشيخ.
تنبيه: الفرق بين ما في الآيتين من التعدية بإلى وباللَّام، أنَّ صلات الأفعال تختلف بحسب مقاصد الكلام، فقصد في الأولى: معنى الانتهاء، وفي الثانية: معنى الاختصاص، لأنَّ الحروف ينوب بعضها عن بعض قاله الكِرْماني، ويحتمل أن تكون اللام بمعنى إلى
стр. 250
أو العكس، والله أعلم.
قال العَيني: أما الآية الأولى ففي سورة المائدة، وإيراد البخاري هذه الآية ههنا، إشارة إلى أن بدء الأذان بالآية المذكورة كما ذكرنا، وعن هذا قال الزمخشري في «تفسيره» قيل: فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب، لا بالمنام وحده.
قوله: (﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٥٨]) يعني إذا أذَّن المؤذِّن للصلاة، وإنَّما أضاف النداء إلى جميع المسلمين، لأنَّ المؤذِّن يؤذِّن لهم ويناديهم فأضاف إليهم، فقال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاة اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨] يعني الكفَّار إذا سمعوا الأذان استهزؤوا بهم، وإذا رأوهم ركوعًا وسجودًا ضحكوا عليهم واستهزؤوا بذلك.
قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٥٨] يعني الاستهزاء، ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُوْنَ﴾ [المائدة: ٥٨] يعني لا يعلمون ثوابهم، وقال أسباط عن السدي قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي أشهَّد أنَّ محمَّدًا رسول الله قال: حُرق الكاذب، فدخلت خادمته ليلة من اللَّيالي بنار وهو نائم، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
وأما الآية الثانية ففي سورة الجمعة فقوله: (﴿نُوْدِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ [الجمعة: ٩]) أراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة، ذكره النَّسَفي في «تفسيره».
وحديث ابن عُمَر المذكور في هذا الباب، ظاهر في أنَّ الأذان إنَّما شرع بعد الهجرة، فإنَّه نفى النداء بالصلاة قبل ذلك مطلقًا، وقوله في آخره: (يَا بِلَالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ)، كان ذلك قبل رؤيا عبد الله بن زيد، وسياق حديثه يدلُّ على ذلك، كما أخرجه ابن خُزَيمَة وابن حبَّان من طريق محمَّد بن إِسْحاق حدَّثني محمَّد بن إبراهيم التَّيمي عن محمَّد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربُّه، فذكر نحو حديث ابن عمر، وفي آخره: ((فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ أُرِيَ عَبْدُ اللهِ النِّدَاءَ)) فذكر الرؤيا وفيها صيغة الأذان، لكن بغير ترجيع، وفيه تربيع التكبير، وإفراد الإقامة، وتثنية قد قامت الصَّلاة، وفي آخره قوله ﷺ : (إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقُمْ [مع] (١) بِلَالٍ فَأَلْقِهَا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ).
وفيه مجيء عُمَر ﵁، وقوله: إنَّه رأى مثل ذلك، وقد أخرج التِّرْمِذي في ترجمة بدء الأذان، حديث عبد الله بن زيد، مع حديث عبد الله بن عمر، وإنما لم يخرجه البخاري لأنَّه على غير شرطه، وقد روي عن عبد الله بن زيد من طرق، وحكى ابن خُزَيمَة عن الذهلي إنَّه ليس في طرقه أصحَّ من هذه الطريق، وشاهده حديث عبد الرزَّاق عن مَعْمَر عن الزُّهْري عن سعيد بن المُسَيَّب مرسلًا، من وصله عن سعيد عن عبد الله بن زيد، والمرسل أقوى إسنادًا. ووَقَعَ في «الأوسط» للطبراني: أنَّ أبا بكر أيضًا رأى الأذان، ووَقَعَ في «الوسيط» للغزالي: أنَّه رآه بضعة عشر رجلًا، وعبارة الجيلي في «شرح التنبيه» : أربعة عشر، وأنكره ابن الصلاح والنووي، ونقل مُغُلْطاي: أنَّ في بعض كتب الفقهاء أنَّه رآه سبعة، ولا يثبت شيء من ذلك إلَّا لعبد الله بن زيد، وقصة عُمَر جاءت في بعض طرقه، وفي مسند الحارث بن أبي أسامة بسندٍ واهٍ عن... (٢)، قال: ((أوَّل مَنْ أذَّن بالصلاةِ جبريل في السَّماء الدنيا، فسمعه عُمَر وبلال، فسبق عُمَر بلالًا، فأخبر النَّبِيَّ ﷺ ، ثمَّ جاء بلال فقال له: سبقك بها عمر)).
فائدتان: وردت أحاديث تدلُّ على أنَّ الأذان شُرع بمكَّة قبل الهجرة، منها