كما هي على حالها لم تنقص شيئًا، والفاء فيه فاء المفاجأة.
قوله: (فَقَالَ لاِمْرَأَتِهِ) أي قال أبو بكر لزوجته، وهي أمُّ عبد الرحمن أمُّ رُوْمَان.
قوله: (يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ) إنَّما قال كذلك لأنَّها بنت عبد دُهمان -بضمِّ الدَّال المهملة وسكون الهاء- أحد بني فراس بن غَنْم بن مالك بن كنانة كما ذكرنا عن قريب، وقال النَّوَوي: معناه يا من هي من بني فراس.
قوله: (مَا هَذَا؟) استفهام من أبي بكر عن حال الأطعمة.
قوله: (قَالَتْ: لا وَقُرَّةِ عَيْنِي) كلمة لا زائدة للتأكيد، ونظائره مشهورة، ويحتمل أن تكون نافية وثمة محذوف، أي لا شيء غير ما أقول، وهو قولها: قرَّة عيني، والواو فيه واو القسم، وقرَّة العين بضمِّ القاف وتشديد الرَّاء، يعبَّر بها عن المسرَّة ورؤية ما يحبُّ الإنسان، قيل: إنَّما قيل ذلك لأن عينه تقرُّ لبلوغه أمنيته، ولا تَسْتَشْرِف لشيء فيكون مشتقًّا من القرار، وقيل: مأخوذ من القُرِّ -بضمِّ القاف- وهو البرد، أي إنَّ عينه باردة لسرورها وعدم تلفتها، وقال الأَصْمَعي: أقرَّ الله عينه، أي أبرد دمعه، لأنَّ دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارَّة، وقال الدَاوُدي: أرادت بقرَّة عينها النَّبِيَّ ﷺ ، فأقسمت به، وقال ثعلب: تقول قررت به عينًا أقرُّ، وفي «الغريب المصنَّف» و «الإصلاح» : قَرِرْت وقَرَرْت قُرَّةً وقَرُورًا، وفي كتاب المثنى لابن عديس: وقَرّةً، وحكاها ابن سِيدَه، وفي «الصِّحاح» : يقِرُّ وتقرُّ وأقرَّ الله عينه، أعطاه حتَّى يقرَّ فلا يطمح إلى من هو فوقه، وقال ابن خالويه: ضحكت فخرج من عيني ماء قرور وهو البارد، وهو ضدُّ أسخن الله عينه، قال القزَّاز وقال أبو العبَّاس: ليس كما ذكر الأَصْمَعي من أن دمعة الفرح باردة والحزن حارَّة، قال: بل كلُّ دمع حارٍّ، قالوا: ومعنى قولهم هو قرَّة عيني، إنَّما يريدون هو رضى نفسي، قال: وقرَّة العين ناقة تؤخذ من المغنم قبل أن تقسم فيطبخ لحمها ويصنع، فيجتمع أهل العسكر عليه فيأكلون منه قبل القسمة، فإن كان من هذا فكأنه دعا له بالفرج والغنيمة، وفي الكتاب الفاخر: قال أبو عمرو: معناه أنام الله عينك، المعنى صادف سرورًا أذهب سهره فنام، وحكى القالي: أقرَّ الله عينك وأقرَّ الله بعينك.
قوله: (فأَكَلَ مِنْهَا) أي من الأطعمة.
قوله: (إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيطان يَعْنِي يَمِينَهُ) وهو قوله والله لا أطعمه أبدًا.
قوله: (ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً) وتكرار الأكل مع إنَّه واحد لأجل البيان، لأنَّه لما وَقَعَ الأوَّل أراد رفع الإبهام، بأنه أكل لقمة، وأما تركه اليمين ومخالفته لأجل إتيانه بالأوصل للحديث الذي ورد فيه، أو كان مراده لا أطعمه معكم، أو في هذه السَّاعة أو عند الغضب، وهذا مبني على أنَّه يقبل التقييد إذا كان اللَّفظ عامًّا، وعلى أن الاعتبار بعموم اللَّفظ أو بخصوص السبب.
قوله: (إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ) وفي رواية الأولى من الشَّيطان يعني يمينه، فأخزاه بالحنث الذي هو خير، وفي بعض الروايات لما جاء بالقصعة إلى النَّبِيِّ ﷺ أكل فيها.
قوله: (فأصْبَحَتْ عِنْدَهُ) أي أصبحت الأطعمة عند النَّبِيِّ ﷺ .
قوله: (عَقْدٌ) أي عهد مهادنة، وفي رواية: وكانت بيننا، والتأنيث
стр. 247
باعتبار المهادنة.
قوله: (فَفَرَّقَنَا) الفاء فيه فاء الفصيحة، أي فجاؤوا إلى المدينة ففرَّقنا من التفريق، أي جعل كلَّ رجل مع اثني عشر فرقة، وفي مسلم: فعرَّفنا -بالعين والرَّاء المشدَّدة- أي جعلنا عرفاء نقباء على قومهم، وقال الكِرْماني: وفي بعض الرواية فقَرّينا من القِرى بمعنى الضيافة.
قوله: (اثْنَا عَشَرَ) وفي البخاري ومعظم نسخ مسلم: اثني عشر، وكلاهما صحيح، الأوَّل على لغة من جعل المثنَّى بالألف في الأحوال الثلاثة، وقال السَّفَاقِسي: لعلَّ ضبطه ففُرِّقنا بضمِّ الفاء الثانية وبرفع اثنا عشر على أنَّه مبتدأ، وخبره مع كلِّ رجل منهم أناس.
قوله: (واللهُ أَعْلَمُ) جملة معترضة، أي أناس الله أعلم عددهم.
قوله: (كَمْ مَعَ كلِّ رَجَلٍ) مميز كم محذوف، أي كم رجل مع كلِّ رجل.
قوله: (أَوْ كَمَا قَالَ) شكٌّ من أبي عثمان، وفاعل قال عبد الرحمن ابن أبي بكر ﵄.
فيه أنَّ للسلطان إذا رأى مسغبة أن يفرِّقهم على السعة بقدر ما [لا] (١) يجحف بهم، قال التَّيْمي: وقال كثير من العلماء: إنَّ في المال حقوقًا سوى الزكاة، وإنَّما جعل رسول الله ﷺ على الاثنين واحدًا، وعلى الأربعة واحدًا، وعلى الخمسة واحدًا، ولم يجعل على الأربعة والخمسة بإزاء ما يجب للاثنين مع الثالث، لأن صاحب العيال أولى أن يرفق به، والحاصل فيه أنَّ تشريك الزائد على الأربعة لا يضر بالباقين، وكانت المواساة إذ ذاك واجبة لشدَّة الحال، وزاد ﵇ واحدًا واحدًا رفقًا بصاحب العيال، وضيق معيشة الواحد، والاثنين أرفق بهم من ضيق معيشة الجماعات.
وفيه فضيلة الإيثار والمواساة، وأنَّه عند كثرة الأضياف يوزِّعهم الإمام على أهل المحلَّة، ويعطي لكلِّ واحد منهم ما يعلم أنَّه يحتمله، ويأخذ هو ما يمكنه، ومن هذا أخذ عُمَر بن الخطَّاب ﵁ فِعْلَه في عام الرمادة، على أهل كلِّ بيت مثلهم من الفقراء، ويقول: لن يهلك امرؤٌ عن نصف قوَّته، وكانت الضرورة ذلك العام، وقد تأوَّل سُفْيان بن عُيَيْنَة في المواساة في المسغبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] ومعناه أنَّ المؤمنين يلزمهم القربة في أموالهم لله تعالى عند توجُّه الحاجة إليهم، ولهذا قال كثير من العلماء: في المال حقٌّ سوى الزكاة، وورد في التِّرْمِذي مرفوعًا.
وفيه بيان ما كان عليه الشَّارع من الأخذ بأفضل الأمور، والسبق إلى السخاء والجود، فإنَّ عياله ﵇ كانوا قريبًا من عدد ضيفانه هذه اللَّيلة، فأتى بنصف طعامه أو نحوه، وأتى أبو بكر ﵁ بثلث طعامه أو أكثر.
وفيه الأكل عند الرئيس وإن كان عنده ضيف، إذا كان في داره من يقوم بخدمتهم. وفيه أنَّ الولد والأهل يلزمهم من خدمة الضيف ما يلزم صاحب المنزل. وفيه أنَّ الأضياف ينبغي لهم أن يتأدَّبوا وينتظروا صاحب الدار، ولا يتهافتوا على الطعام دونه. وفيه الأكل من طعام ظهرت فيه البركة، وفيه إهداء ما يُرجى بركته لأهل الفضل، وفيه أنَّ آيات النَّبِيِّ ﷺ قد تظهر على يد غيره، وفيه ما كان عليه أبو بكر من الحبِّ للنَّبِيِّ ﷺ
стр. 248
والانقطاع إليه، وإيثاره في ليله ونهاره على الأهل والأضياف، وفيه كرامة ظاهرة للصِّدِّيق ﵁.
وفيه إثبات كرامات الأولياء ﵃، وهو مذهب أهل [السنَّة] (١)، وفيه جواز تعريف العرفاء للعساكر ونحوهم، وفيه جواز الاختفاء عن الوالد إذا خاف منه على تقصير واقع منه، وفيه جواز الدعاء بالجذع والسبِّ على الأولاد عند التقصير، وفيه ترك الجماعة لعذر، وفيه جواز الخطاب للزوجة بغير اسمها، وفيه جواز القسم بغير [الله] (٢).
وفيه حمل المضيف المشقَّة على نفسه في إكرام الضيفان، والاجتهاد في رفع الوحشة، وتطييب قلوبهم، وفيه جواز ادخار الطعام لغد، وفيه مخالفة اليمين إذا رأى غيرها خيرًا منها، وفيه أنَّ الرَّاوي إذا شكَّ يجب أن ينبِّه عليه، كما قال: «لا أدري هلْ قالَ وامرأتي»، ومثل لفظة: «أو كما قال» ونحوها.
وفيه أنَّ الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، فإنَّ امرأة أبي بكر ﵁ لما رأت أن الضيفان تأخَّروا عن الأكل تألَّمت لذلك، فبادرت حين قدم تسأله عن سبب تأخُّره مثل ذلك، وفيه إباحة الأكل للضيف في غيبة صاحب المنزل، وأن لا يمتنعوا إذا كان قد أذِن في ذلك، لإنكار الصِّدِّيق عليهم.
قلت: وفيه أنَّ الأضياف إذا امتنعوا عن الأكل أدبًا مع صاحب المنزل، لا يلحُّ الخادم وأهل الدَّار عليهم في ذلك، وفيه أنَّ المضيف إذا عزم على الأضياف، يذهب معهم إلى المنزل إلَّا أن يكون مشغولًا بأمر يتعلَّق بالسلطان أو شيخه ونحو ذلك، لأنَّ الياء في قوله (فليذهب) تقال للمصاحبة، وفيه أنَّ الولي ليس بمعصوم، وفيه ذكر ما يقع للكبير من التقصير. انتهى.
قال شيخنا خاتمة: اشتمل كتاب المواقيت على مائة حديث وسبعة عشر حديثًا، المعلَّق من ذلك ستة وثلاثون حديثًا، والباقي موصول، الخالص منها ثمانية وأربعون حديثًا، والمكرر منها فيه وفيما تقدَّم تسعة وستون حديثًا، وافقه مسلم على جميعها سوى ثلاثة عشر حديثًا، وهي حديث أَنَس في السُّجود على الظهائر، وقد أخرج معناه وحديثه: (ما أعرف شيئًا)، وحديثه في المعنى: هذه الصَّلاة وقد ضعف، وحديث ابن عمر: (أبردوا)، وكذا حديث أبي سعيد، وحديث ابن عمر: (إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم)، وحديث أبي موسى: (مثل المسلمين واليهود)، وحديث أنس: (كنا نصلِّي العصر)، وقد اتفقا على أصله، وحديث عبد الله بن مغفل: (لا تغلبنكم الأعراب)، وحديث ابن عبَّاس: (لولا أن أشقَّ على أمَّتي)، وحديث سهل بن سعد: (كنت أتسحَّر)، وحديث معاوية: (في الركعتين بعد العصر)، وحديث أبي قتادة: (في النَّوم عن الصبح)، على أن مسلمًا أخرج أصل الحديث من وجه آخر، لكن بينَّا في الشرح أنهما حديثان لقصتين، والله أعلم، وفيه من الآثار الموقوفة ثلاثة، والله أعلم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
كِتَابُ الأَذَانِ
أي هذا كتاب في بيان أحكام الأذان، وفي بعض النُّسَخ بعد البسملة: أبواب الأذان،
стр. 249
قلت: وهو الذي شرح عليه شيخنا، ولم يذكر كتاب. انتهى. وسقطت البسملة في رواية القابسي وغيره.
والأذان لغةً: الإعلام، قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] قال شيخنا: واشتقاقه من الأَذَنِ بفتحتين، وهو الاستماع، وقال العَيني: من أذَّن يؤذِّن تأذينًا وأذانًا، مثل: كلَّم يكلِّم تكليمًا وكلامًا، فالأذان والكلام اسم المصدر القياسي، وقال الهروي: الأذان والأذين والتأذين بمعنى، وقيل: الأذين المؤذِّن، فعيل بمعنى مفعل، وأصله من الأذن، كأنَّه يلقي في آذان النَّاس بصوته ما يدعوهم إلى الصلاة.
وفي الشريعة: الأذان إعلام مخصوص، بألفاظ مخصوصة، في أوقات مخصوصة. ويقال: الإعلام بوقت الصَّلاة الَّتي عيَّنها الشَّارع مثناة، وقال القُرْطُبي وغيره: الأذان على قلَّة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة، لأنَّه بدأ بالأكبرية، وهي تتضمَّن وجود الله وكماله، ثمَّ ثنَّى بالتوحيد ونفي الشريك، ثمَّ بإثبات الرسالة بمحمَّد ﷺ ، ثمَّ دعا إلى الطاعة المخصوصة عقيب الشَّهادة بالرسالة، لأنَّها لا تعرف إلَّا من جهة الرسول، ثمَّ دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد، ثمَّ أعاد ما أعاد توكيدًا، ويحصل من الأذان: الإعلام بدخول الوقت، والدُّعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل، سهولة القول وتيسيره لكلِّ أحد في كلِّ زمان ومكان.
واختلف له أيُّما أفضل الأذان أو الإقامة؟ ثالثها: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي أفضل، وإلا فالأذان، وفي كلام الشَّافعي ما يومئ إليه، واختُلِفَ أيضًا في الجمع بينهما، فقيل: يكره، وفي البَيْهَقي من حديث جابر مرفوعًا: النَّهي عن ذلك لكن سنده ضعيف، وصحَّ عن عمر: لو أطيق الأذان مع الخلافة لأذَّنت، رواه سعيد بن مَنْصور وغيره، وقيل: خلاف الأولى، وقيل: مستحبٌّ وصححه النَّوَوي ﵁.
(بَابُ بِدْءِ الأَذَانِ) أي هذا باب في بيان ابتداء الأذان، وليس في رواية أبي ذرٍّ لفظ باب.
قوله: (وَقُوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاة اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨] وقولِهِ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩])
قوله: (وَقَوْلِ اللهِ) مجرور لأنَّه عطف على لفظ بدء، وقوله الثَّاني عطف عليه، وإنما ذكر هاتين الآيتين إما للتبرك، أو لإرادة ما بوَّب له، وهو بدء الأذان، وإن ذلك كان بالمدينة، والآيتان المذكورتان مدنيتان، وقد ذكر أهل التفسير أن اليهود لما سمعوا الأذان، قالوا: لقد أبدعت يا محمَّد شيئًا لم يكن فيما مضى، فنزلت: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٥٨] الآية، واختلف في السنة الَّتي فُرِضَ فيها، فالراجح أن ذلك كان في السنة الأولى، وقيل بل كان في السنة الثانية، ورُوِيَ عن ابن عبَّاس: أنَّ فَرض الأذان نزل مع هذه الآية، أخرجه أبو الشيخ.
تنبيه: الفرق بين ما في الآيتين من التعدية بإلى وباللَّام، أنَّ صلات الأفعال تختلف بحسب مقاصد الكلام، فقصد في الأولى: معنى الانتهاء، وفي الثانية: معنى الاختصاص، لأنَّ الحروف ينوب بعضها عن بعض قاله الكِرْماني، ويحتمل أن تكون اللام بمعنى إلى
стр. 250
أو العكس، والله أعلم.
قال العَيني: أما الآية الأولى ففي سورة المائدة، وإيراد البخاري هذه الآية ههنا، إشارة إلى أن بدء الأذان بالآية المذكورة كما ذكرنا، وعن هذا قال الزمخشري في «تفسيره» قيل: فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب، لا بالمنام وحده.
قوله: (﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٥٨]) يعني إذا أذَّن المؤذِّن للصلاة، وإنَّما أضاف النداء إلى جميع المسلمين، لأنَّ المؤذِّن يؤذِّن لهم ويناديهم فأضاف إليهم، فقال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاة اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨] يعني الكفَّار إذا سمعوا الأذان استهزؤوا بهم، وإذا رأوهم ركوعًا وسجودًا ضحكوا عليهم واستهزؤوا بذلك.
قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٥٨] يعني الاستهزاء، ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُوْنَ﴾ [المائدة: ٥٨] يعني لا يعلمون ثوابهم، وقال أسباط عن السدي قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي أشهَّد أنَّ محمَّدًا رسول الله قال: حُرق الكاذب، فدخلت خادمته ليلة من اللَّيالي بنار وهو نائم، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
وأما الآية الثانية ففي سورة الجمعة فقوله: (﴿نُوْدِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ [الجمعة: ٩]) أراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة، ذكره النَّسَفي في «تفسيره».
وحديث ابن عُمَر المذكور في هذا الباب، ظاهر في أنَّ الأذان إنَّما شرع بعد الهجرة، فإنَّه نفى النداء بالصلاة قبل ذلك مطلقًا، وقوله في آخره: (يَا بِلَالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ)، كان ذلك قبل رؤيا عبد الله بن زيد، وسياق حديثه يدلُّ على ذلك، كما أخرجه ابن خُزَيمَة وابن حبَّان من طريق محمَّد بن إِسْحاق حدَّثني محمَّد بن إبراهيم التَّيمي عن محمَّد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربُّه، فذكر نحو حديث ابن عمر، وفي آخره: ((فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ أُرِيَ عَبْدُ اللهِ النِّدَاءَ)) فذكر الرؤيا وفيها صيغة الأذان، لكن بغير ترجيع، وفيه تربيع التكبير، وإفراد الإقامة، وتثنية قد قامت الصَّلاة، وفي آخره قوله ﷺ : (إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقُمْ [مع] (١) بِلَالٍ فَأَلْقِهَا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ).
وفيه مجيء عُمَر ﵁، وقوله: إنَّه رأى مثل ذلك، وقد أخرج التِّرْمِذي في ترجمة بدء الأذان، حديث عبد الله بن زيد، مع حديث عبد الله بن عمر، وإنما لم يخرجه البخاري لأنَّه على غير شرطه، وقد روي عن عبد الله بن زيد من طرق، وحكى ابن خُزَيمَة عن الذهلي إنَّه ليس في طرقه أصحَّ من هذه الطريق، وشاهده حديث عبد الرزَّاق عن مَعْمَر عن الزُّهْري عن سعيد بن المُسَيَّب مرسلًا، من وصله عن سعيد عن عبد الله بن زيد، والمرسل أقوى إسنادًا. ووَقَعَ في «الأوسط» للطبراني: أنَّ أبا بكر أيضًا رأى الأذان، ووَقَعَ في «الوسيط» للغزالي: أنَّه رآه بضعة عشر رجلًا، وعبارة الجيلي في «شرح التنبيه» : أربعة عشر، وأنكره ابن الصلاح والنووي، ونقل مُغُلْطاي: أنَّ في بعض كتب الفقهاء أنَّه رآه سبعة، ولا يثبت شيء من ذلك إلَّا لعبد الله بن زيد، وقصة عُمَر جاءت في بعض طرقه، وفي مسند الحارث بن أبي أسامة بسندٍ واهٍ عن... (٢)، قال: ((أوَّل مَنْ أذَّن بالصلاةِ جبريل في السَّماء الدنيا، فسمعه عُمَر وبلال، فسبق عُمَر بلالًا، فأخبر النَّبِيَّ ﷺ ، ثمَّ جاء بلال فقال له: سبقك بها عمر)).
فائدتان: وردت أحاديث تدلُّ على أنَّ الأذان شُرع بمكَّة قبل الهجرة، منها
стр. 251
للطبراني من طريق سالم بن عبد الله بن عُمَر عن أبيه قال: ((لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ الأَذَانَ فَنَزَلَ بِهِ فَعَلَّمَهُ بِلَالًا)) وفي إسناده طلحة بن زيد وهو ضعيف متروك، وللدارقطني في «الأفراد» من حديث أنس: ((أَنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالأَذَانِ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ)) وإسناده ضعيف أيضًا، ولابن مردويه من حديث عائشة مرفوعًا: ((لَمَّا أُسْرِيَ بِي، أَذَّنَ جِبْرِيلُ فَظَنَّتِ المَلَائِكَةُ إنَّه يصلِّي بِهِمْ، فَقَدَّمَنِي فَصَلَّيْتُ)) وفيه من لا يُعرف، وللبزَّار وغيره من حديث علي قال: ((لَمَّا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُعَلِّمَ رَسُولَهُ الأَذَانَ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ بِدَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا البُرَاقُ فَرَكِبَهَا)) فذكر الحديث، وفيه: ((إِذْ خَرَجَ مَلَكٌ مِنْ [وَرَاءِ] (١) الحِجَابِ، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ)) وفي آخره: ((ثُمَّ أَخَذَ الْمَلَكُ بِيَدِهِ فَأَمَّ بِأَهْلِ السَّمَاءِ)) وفي إسناده زياد بن المنذر أبو الجارود، وهو متروك أيضًا. ويمكن على تقدير الصحَّة أن يحمل على تعدُّد الإسراء، فيكون ذلك وَقَعَ بالمدينة.
وأما قول القُرْطُبي: لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعًا في حقِّه، ففيه نظر، قوله في أوَّله: لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان، وكذا قول المحبِّ الطَّبَرِي: يحمل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللُّغَوي وهو الإعلام، ففيه نظر أيضًا، لتصريحه بكيفيَّته المشروعة فيه، والحقُّ أنَّه لا يصحُّ شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر بأنَّه ﵊ كان يصلِّي بغير أذان منذ فرضت الصَّلاة بمكَّة، إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وَقَعَ التشاور في ذلك، على ما في حديث عبد الله بن عُمَر، ثمَّ حديث عبد الله بن زيد. انتهى. وقد حاول السُّهَيلي الجمع بينهما فتكلَّف وتعسَّف، والأخذ بما صحَّ أولى، فقال بانيًا على صحة الحكمة في مجيء الأذان على لسان الصَّحابي: ((أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سمعه فوق سبع سماوات، وهو أقوى من الوحي، فلمَّا تأخَّر الأمر بالأذان عن فرض الصَّلاة، وأراد إعلامهم بالوقت، فرأى الصحابي المنام فقصَّها، فوافقت ما كان النَّبِيُّ ﷺ سمعه، فقال: إنَّها لَرُؤْيَا حَقّ وعلم حينئذ أنَّ مرادَ الله بما أراه في السَّماء أن يكون سنَّة في الأرضِ))، ويقوى ذلك بموافقة عُمر، لأنَّ السكينة تُنطق على لسانه، والحكمة أيضًا في إعلام النَّاس به على غير لسانه ﷺ للتنويه بعبده والرفع لذكره بلسان غيره، ليكون [أقوى] (٢) لأمره وأفخم لشأنه. انتهى ملخصًا.
والثاني: حسن بديع، ويؤخذ منه عدم الاكتفاء برؤيا عبد الله بن زيد، حتَّى أضيف عُمَر للتقوية الَّتي ذكرها. لكن قد يقال: فلم لا اقتصر على عمر؟ فيمكن أن يجاب ليصير في معنى الشهادة، وقد جاء في رواية ضعيفة سبقت، ما ظاهره أنَّ بلالًا أيضًا رأى، لكنها مؤوَّلة فإنَّ لفظها: (سَبَقَكَ بِهَا بِلَال) فيحمل المراد بالسبق على مباشرة التأذين لرؤيا عبد الله بن زيد.
ومما يكثر السؤال عنه: هل باشر النَّبِيُّ ﷺ الأذان بنفسه؟ وقد وَقَعَ عند السُّهَيلي: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذَّنَ فِي سَفَرٍ، وَصلَّى بِأَصْحَابِهِ وَهُمْ عَلَى رَوَاحِلِهِمُ، السَّماء مِنْ فَوْقِهِمْ وَالبِلَّةُ مِنْ أَسْفَلِهِمْ)) أخرجه التِّرْمِذي من طريق تدور على عُمَر بن أبي الرماح، يرفعه إلى أبي هريرة. انتهى. وليس هو من حديث أبي هريرة، وإنَّما من حديث يعلى بن مُرَّة، وكذا جزم النَّوَوي بأنَّ النَّبِيَّ ﷺ
стр. 252
أذَّن مرَّة في السَّفر وعزاه للتِّرْمِذي وقوَّاه، ولكن وجدناه في مسند أحمد من الوجه الذي أخرجه التِّرْمِذي ولفظه: ((فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ)) فعرف أنَّ في رواية التِّرْمِذي اختصارًا، وأنَّ معنى قوله: ((أَذَّنَ)) أمر بلالًا به، كما يقال: أعطى الخليفة العالم الفلاني ألفًا، وإنَّما باشر العطاء غيره، ونسب للخليفة لكونه أمر به.
ومن أغرب ما وَقَعَ في بدء الأذان، ما رواه أبو الشيخ بسند مجهول عن عبد الله بن الزُّبَيْر قال: ((أُخِذَ الأَذَانُ مِنْ أَذَانِ إِبْرَاهيمَ ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] الآية. قَالَ: فَأَذَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) وما رواه أبو نُعَيم، في «الحلية» بسند فيه مجاهيل: ((أَنَّ جِبْرِيلَ نَادَى بِالأَذَانِ لِآدَمَ حِينَ أُهْبِطَ مِنَ الجَنَّةِ)).
الثانية: قال الزَّين بن المنيِّر: أعرض البخاري عن التصريح بحكم الأذان، لعدم إيضاح الآثار الواردة فيه عن حكم معين، فأثبت مشروعيته وسَلِمَ من الاعتراض. وقد اختلف في ذلك، ومنشأ الاختلاف أن مبدأ الأذان لما كان عن مشورة أوقعها النَّبِيُّ ﷺ بين أصحابه، حتَّى استقر برؤيا بعضهم فأقره، كان ذلك بالمندوبات أشبه، ثمَّ لما واظب على تقريره ولم ينقل إنَّه تركه، ولا رخص في تركه، كان ذلك بالواجبات أشبه. انتهى. وسيأتي بقيَّة الكلام على ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.
٦٠٣ - قوله: (حَدَّثَنَا عِمْران بنُ مَيْسَرَةَ) أي ضدُّ الميمنة، وقد تقدَّم، قلت: ترجمته في باب رفع العلم.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) أي ابن سعيد التَّنُّوْري، ترجمته في باب قول النَّبِيِّ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ.
قوله: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) أي الحذَّاء، كما ثبت في رواية كريمة، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) أي -بكسر القاف- عبد الله بن زيد الجَرْمي، ترجمته في باب حلاوة الإيمان.
قوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابن مالك، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول في موضعين، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده، وفيه أنَّ رواته بصريُّون.
قوله: (قَالَ: ذَكَرُوا النَّار وَالنَّاقُوسَ، فَذَكَرُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ).
مطابقته للترجمة من حيث إن بدء الأذان كان بأمر النَّبِيِّ ﷺ بلالًا، لأنَّهم كانوا يصلُّون قبل ذلك في أوقات الصَّلوات بالمناداة في الطرق الصَّلاة الصَّلاة، والدليل عليه: حديث أَنَس ﵁، أيضًا رواه أبو الشيخ ابن حبَّان في كتاب الأذان، تأليفه من حديث عطاء بن ميمونة عن خالد عن أبي قِلابة عن أَنَس ﵁: ((كَانَتِ الصَّلاة إِذَا حَضَرَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، سَعَى رَجُلٌ فِي الطَّرِيقِ فَيُنادِي: الصَّلاة الصَّلاة، فَاشْتَدَّ ذَلِك على النَّاس، فَقَالُوا: لَو اتَّخَذْنَا نَاقُوسًا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : ذَلِكَ لِلنَّصَارَى، فَقَالُوا: لَو اتَّخَذْنَا بوقًا، فَقَالَ: ذَاكَ للْيَهُودِ، فَقَالُوا: لَو رَفَعْنَا نَارًا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : ذَاكَ لِلْمَجوسِ، فَأُمِرَ بِلَالٌ...)) الحديث.
وعند الطَّبَرَاني من هذه الطريق: ((فأَمَرَ بِلَالًا))، فإن قلت: قد أخرج التِّرْمِذي في ترجمة بدء الأذان،
стр. 253
حديث عبد الله بن زيد، مع حديث عبد الله بن عُمَر ﵃، فلم اختار البخاري فيه حديث أنس؟ قال العَيني: لأنَّه لم يكن على شرطه. انتهى.
والحديث أخرجه البخاري أيضًا في ذكر بني إسرائيل عن عِمْران بن مَيْسَرَة وعن محمَّد بن سلَام وعن علي بن عبد الله وعن سُلَيمان بن حرب، وأخرجه مسلم في الصَّلاة عن خلف بن هشام وعن يحيى بن يحيى وعن إِسْحاق بن إبراهيم وعن محمَّد بن حاتم وعن عُبَيْد الله بن عُمَر، وأخرجه أبو داود فيه عن سُلَيمان بن حرب وعبد الله بن المبارك وعن موسى بن إسماعيل وعن حُمَيْد بن مَسْعَدة، وأخرجه التِّرْمِذي فيه عن قُتَيْبَة بن عبد الوهَّاب ويزيد بن زُرَيع، وأخرجه النَّسائي أيضًا عن قُتَيْبَة، وأخرجه ابن ماجَهْ فيه عن عبد الله بن الجرَّاح وعن نصر بن علي.
قوله: (والنَّاقُوْسُ) وهو الذي يضربه النَّصارى لأوقات الصَّلاة، وقال ابن سِيدَه: النقس ضرب من النَّواقيس، وهو الخشبة الطويلة والوبيلة القصيرة، وقال الجَواليقي: ينظر فيه هل معرَّب أو عربي، وهو على وزن فاعول، قال ابن الأَعْرابي: لم يأت في الكلام فاعول لام الكلمة فيه سين إلَّا النَّاقوس، وذكر ألفاظًا أخرى على هذا الوزن، ولم يذكر فيه النَّاقوس والظَّاهر إنَّه معرب.
قوله: (فَذكرُوا اليَهُود وَالنَّصَارَى) هذا لفٌّ ونشر غير مرتَّب، لأنَّ النَّاقوس للنَّصارى والبوق لليهود والنَّار للمجوس، قال الكِرْماني: يحتمل أن يكون النَّار والبوق جميعًا لليهود، جمعًا بين حديثي أَنَس وابن عُمَر. انتهى.
قوله: (فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ) -بضمِّ الهمزة- على صيغة المجهول، وهذه الصيغة يحتمل أن يكون الآمر فيه غير الرسول ﵇، وفيه خلاف عند الأصوليين، قال شيخنا: هكذا في معظم الروايات على البناء للمفعول، وقد اختلف أهل الحديث وأهل الأصول في اقتضاء هذه الصيغة للرفع، والمختار عند محققي الطائفتين أنَّها تقتضيه، لأنَّ الظَّاهر أنَّ المراد بالأمر من له الأمر الشرعي، الذي يلزم اتباعه، وهو الرسول ﷺ ، ويؤيِّد ذلك هنا من حيث أنَّ المعنى أن التقدير في العبادة إنَّما يوجد عن توقيف، فيقوى جانب الرَّفع جدًّا، وقد وَقَعَ في رواية روح عن عطاء: ((فَأَمَرَ بِلَالًا)) بالنَّصب، وفاعل أمر هو النَّبِيُّ ﷺ ، وهو بيِّن في سياقه، وأصرح من ذلك رواية النَّسائي وغيره عن قُتَيْبَة عن عبد الوهَّاب بلفظ: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَالًا)) قال الحاكم: صرَّح برفعه إمام الحديث بلا مدافعة قُتَيْبَة ولم ينفرد به، فقد أخرجه أبو عَوانة من طريق عَبْدان المَرْوَزي عن قُتَيْبَة ويحيى بن معين كلاهما عن عبد الوهاب، وطريق يحيى عند الدَّارَقُطْني أيضًا، ولم ينفرد به عبد الوهَّاب، وقد رواه البَلَاذُري من طريق ابن شِهاب الخيَّاط عن أبي قِلابة، وقضية وقوع ذلك عقب المشاورة في أمر النِّداء إلى الصَّلاة ظاهر في أن الآمر بذلك هو النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم
стр. 254
لا غيره، كما استدلَّ به ابن المنذر وابن حبَّان، واستدلَّ بورود الأمر به من قال بوجوب الأذان، وتعقُّب بأنَّ الأمر إنَّما ورد بصفة الأذان لا بنفسه، وأجيب بأنَّه إذا ثبت الأمر بالصفة، لزم أن يكون الأصل مأمورًا به، قاله ابن دقيق العيد، وممن قال بوجوبه مطلقًا الأوزاعي وداود وابن المنذر، وهو ظاهر قول مالك في «الموطأ»، وحكي عن محمَّد بن الحسن، وقيل: واجب في الجمعة فقط، وقيل: فرض كفاية، والجمهور على أنَّه من السُّنن المؤكَّدة، وقد تقدَّم ذكر منشأ الخلاف في ذلك، وقد أخطأ من استدلَّ على عدم وجوبه بالإجماع لما ذكرنا، والله أعلم.
قال الكِرْماني: والصَّواب وعليه الأكثر، أنَّه مرفوع لأنَّ إطلاق مثله ينصرف عرفًا إلى صاحب الأمر والنَّهي، وهو رسول الله ﷺ ، قال العَيني: مقصوده من هذا الكلام تقوية مذهبه، وقوَّى بعضهم هذا بقوله، وقد وَقَعَ في رواية روح عن عطاء، وساق العَيني كلام شيخنا المتقدِّم ثمَّ قال: روى البَيْهَقي في «سننه» من حديث ابن المبارك عن يُونُس عن الزُّهْري عن سعيد عن عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه وأبو عَوانة في «صحيحه» من حديث الشَّعْبي عنه ولفظه: ((أَذَّنَ مَثْنَى، وَأَقَامَ مَثْنَى)) وحديث أبي مَحذُورَة عند التِّرْمِذي صحيحًا: ((عَلَّمَهُ الأَذَانَ مَثْنَى مَثْنَى والإِقَامَةَ مَثْنَى مَثْنَى)) وحديث أبي جُحَيْفَة: ((أَنَّ بِلَالًا ﵁ كَانَ يُؤَذِّنُ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُقِيمُ مَثْنَى مَثْنَى)) وروى الطَّحاوي من حديث وكيع عن إبراهيم بن إسماعيل عن مُجَمِّع بن حارثة عن عُبَيْد مولى سلمة بن الأَكوَع: ((أَنَّ سَلَمَةَ بنَ الأَكْوَع كَانَ يُثَنِّي الأَذَانَ وَالإِقَامَةَ)).
حدَّثنا محمَّد بن خُزَيمَة حدَّثنا محمَّد بن سنان حدَّثنا حمَّاد بن سلمة عن حمَّاد عن إبراهيم قال: ((كَانَ ثَوْبانُ ﵁ يُؤَذِّنُ مَثْنَى مَثْنَى وَيُقِيمُ مَثْنَى)) حدَّثنا يزيد بن سنان حدَّثنا يحيى بن سعيد القطَّان حدَّثنا قُطْر بن خليفة عن مجاهد قال في الإقامة: مرَّة مرَّة، إنَّما هو شيء أحدثه الأمراء، وأنَّ الأصل للتثنية، قال العَيني: وقد ظهر لك بهذه الدلائل أنَّ قول النَّوَوي في «شرح مسلم» وقال أبو حنيفة: الإقامة سبع عشرة كلمة، وهذا المذهب شاذٌ قولٌ واهٍ لا يلتفت إليه، وكيف يكون شاذًا مع وجود هذه الأحاديث والأخبار الصحيحة، فإن قالوا حديث أبي مَحذُورَة لا يوازي حديث أَنَس المذكور من جهة واحدة، فضلًا عن الجهات كلِّها، مع أنَّ جماعة من الحفاظ ذهبوا إلى أنَّ هذه اللفظة في تثنية الإقامة غير محفوظة، ثمَّ رووا من طريق البخاري عن عبد الملك بن أبي مَحذُورَة إنَّه سمع أباه أبا مَحذُورَة يقول: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ) قلنا: قد ذكرنا أنَّ التِّرْمِذي صحَّحه، وكذا ابن خُزَيمَة وابن حبَّان صحَّحا هذه اللفظة، فإن قالوا: سلَّمنا أنَّ هذه اللفظة محفوظة، وأنَّ الحديث ثابت، ولكن يقول: إنَّه منسوخ، لأنَّ أذان بلال هو آخر الأذانين، قلنا: لا نسلِّم أنَّه منسوخ، لأنَّ أذان بلال
стр. 255
إنَّما كان أوَّل ما شُرع الأذان، كما دلَّ عليه حديث أَنَس وحديث أبي مَحذُورَة كان عام حُنَين وبينهما مدَّة مديدة. انتهى. قلت: مقصود العَيني من هذا الكلام تقوية مذهبه، كما قال هو في حقِّ الكِرْماني، وفي كلامه وكلام شيخنا المتقدِّم ما يُكتفى به في الردِّ عن مذهبنا، فلا نطيل في ذلك مما لا يكون سببًا في الرجوع عن مذهب من المذهبين. انتهى.
قال شيخنا: لذا ساق حديث الباب هذا عبد الوارث مختصرًا، ورواية عبد الوهَّاب الآتية في الباب الذي بعده أوضح دليلًا، حيث قال: (لَمَّا كَثُرَ النَّاس، ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا لِوَقْتِ الصَّلاة بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرُوا أَنْ يُورُوا نَارًا، أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا) وأوضح من ذلك رواية روح بن عطاء، أي المتقدِّمة. انتهى.
فيه التصريح بأنَّ الأذان مثنى، والإقامة فرادى، وبه قال الشَّافعي وأحمد، وحاصل مذهب الشافعي: أنَّ الأذان تسع عشرة كلمة، بإثبات الترجيع، والإقامة عشرة، بإفراد كلمة الإقامة، وقال الخطَّابيُّ: والذي جرى به العمل في الحرمين والحجاز والشام واليمن ومصر والمغرب إلى أقصى بلاد الشام، أنَّ الإقامة فرادى، ومذهب عامَّة العلماء أن يكون لفظ قد قامت الصَّلاة مكررة إلَّا مالكًا، فالمشهور عنه أنَّه لا يكرره، وقال: فرَّق بين الأذان والإقامة في التثنية والإفراد، ليعلم أنَّ الأذان إعلام بورود الوقت، والإقامة أمارة لقيام الصَّلاة، ولو سوى بينهما لاشتبه الأمر في ذلك، وصار سببًا لأن يفوت كثيرًا من النَّاس صلاة الجماعة، إذا سمعوا الإقامة فظنُّوا أنَّها الأذان. انتهى.
قال العَيني: العجب من الخطَّابي كيف يصدر عنه مثل هذا الكلام الذي تمجُّه الأسماع، ومثل هذا الفرق الذي بين [الأذان] (١) والإقامة غير صحيح، لأنَّ الأذان إعلام الغائبين، ولهذا لا يكون إلَّا على المواضع العالية كالمنارة ونحوها، والإقامة إعلام الحاضرين من الجماعة للصَّلاة، فكيف يقع الاشتباه بينهما، فالذي يتأمَّل الكلام لا يقول هذا وأبعد من ذلك.
قوله: إنَّ تثنية الإقامة يكون سببًا لفوات كثير من النَّاس صلاة الجماعة، لظنِّهم أنَّها الأذان، وكيف يظنُّون هذا وهم حاضرون، لأنَّ الإقامة إعلام الحاضرين، ومثل هذا الكلام يحتجُّ أحد لنصرة مذهبه وتمشية قوله، وأعجب من هذا قول الكلام (٢) : قال أبو حنيفة: تثنَّى الإقامة والحديث حجَّة عليه، وكيف يكون حجَّة عليه وقد تمسَّك فيما ذهب إليه بالأحاديث الصحيحة الدالة على تثنية الإقامة على ما ذكرنا عن قريب؟ ونحن أيضًا نقول هذه الأحاديث حجَّة على الشافعي، وروي عن علي ﵁ إنَّه مرَّ بمؤذِّن أوتر الإقامة، فقال له: اشفعها لا أمَّ لك. وروي عن النَّخَعي إنَّه قال: أوَّل من أفرد الإقامة معاوية. وقال مجاهد: كانت الإقامة في عهد النَّبِيّ ِصلَّى الله عليه وسلَّم مثنى مثنى، حتَّى استخفَّه بعض أمراء الجور لحاجة لهم، وقد ذكرناه عن قريب. انتهى.
قلت: قول الخطَّابي صحيح، لأنَّ قد يقع بأن يكون الشخص متلهيًا حال الأذان، أو نائمًا ثمَّ استيقظ فسمع الإقامة، والحال أنَّه خلف جدار المسجد مثلًا، فظن
стр. 256
إنَّه الأذان، فلم يسرع للطهارة ففاته الجماعة.
ويجاب عن الكِرْماني: بما أجاب به العَيني من قوله: وكيف يكون حجَّة على أبي حنيفة، إلى آخره، وقد نفى أن يكون حجَّة ثمَّ أثبت ذلك بقوله: ونحن أيضًا نقول هذه الأحاديث، إلى آخره. انتهى.
وقال الكِرْماني: ظاهر الأمر للوجوب لكن الأذان سنَّة، قلت: ظاهر صيغة الأمر له، لا ظاهر لفظه يعني: أمر، وههنا لم يذكر الصيغة، سلَّمنا إنَّه للإيجاب، لكنَّه لإيجاب الشفع لا لأصل الأذان، ولا شكَّ أنَّ الشفع واجب، ليقع الأذان مشروعًا، كما أن الطهارة واجبة لصحَّة صلاة النفل، ولئن سلَّمنا أنَّه لنفس الأذان، يقال: إنَّه فرض كفاية، لأنَّ أهل بلدة لو اتفقوا على تركه قاتلناهم، أو أنَّ الإجماع مانع عن الحمل على ظاهره.
قال العَيني: كيف يقول الإجماع مانع عن الحمل على ظاهره، وقد حمله قوم على ظاهره وقالوا به، فقال ابن المنذر: إنَّه فرض في حقِّ الجماعة في الحضر والسفر، وقال مالك: يجب في مسجد الجماعة، وقال عطاء ومجاهد: لا تصحُّ صلاة بغير أذان، وهو قول الأوزاعي، وعنه يعاد في الوقت، وقال أبو علي والإِصْطَخْري: هو فرض في الجمعة، وقالت الظاهريَّة: هما واجبان لكلِّ صلاة، واختلفوا في صحَّة الصَّلاة بدونهما، وقال داود: هما فرض للجماعة، وليسا بشرط لصحَّتها، وذكر محمَّد بن الحسن ما يدلُّ على وجوبه، فإنه قال: لو أنَّ أهل بلدة اجتمعوا على ترك الأذان لقاتلتهم عليه، ولو تركه واحد ضربته وحبسته، وقيل: إنَّه عند محمَّد من فروض الكفاية، وفي «المحيط» و «التحفة» و «الهداية» : الأذان سنَّة مؤكدة، وهو مذهب الشَّافعي وإسحاق، وقال النَّوَوي: هو قول جمهور العلماء. انتهى.
٦٠٤ - قوله: (حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بنُ غَيْلَانَ) أي بفتح الغين المعجمة، ترجمته في باب النَّوم قبل العشاء لمن غلب.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق) أي ابن همَّام، ترجمته في باب حسن إسلام المرء.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابنُ جُرَيْجٍ) أي عبد الملك، ترجمته في باب غسل المرأة رأس زوجها وترجيله.
قوله: (قَالَ: أَخْبرنِي نافِعٌ) أي ابن جرجس، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد.
قوله: (أَنَّ ابنَ عُمَرَ) أي عُبَيْد الله، ترجمته في كتاب الإيمان.
في هذا الإسناد، التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار في موضعين، أحدهما بصيغة الجمع، والآخر بصيغة الإفراد من الماضي، وفيه القول في أربع مواضع.
قوله: (كَانَ يَقُولُ: كَانَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ، فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلاة، لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمِ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ يُنَادِي بِالصَّلاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ).
مطابقته للترجمة: في قوله: (يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ) فإن قلت:
стр. 257
كيف يطابق الترجمة، والترجمة في بدء الأذان، والحديث يدلُّ على أنَّه ﵇ أمر بلالًا بالنداء للصلاة، والنداء لا يفهم منه الأذان المعهود بالكلمات المخصوصة؟ قال العَيني: المراد بالنداء الأذان المعهود، ويدلُّ عليه أنَّ الإسماعيلي أخرج هذا الحديث، ولفظه فأذِّن بالصلاة، وكذا قال أبو بكر بن العَرَبي: إنَّ المراد الأذان المشروع. فإن قلت: قال القاضي عياض: المراد الإعلام المحض بحضور وقتها، لا خصوص الأذان المشروع، قال العَيني: يحمل أنَّه استند في ذلك على ظاهر اللفظ، ولئن سلَّمنا ما قاله، فالمطابقة بينهما موجودة باعتبار أنَّ أمره ﵇ لبلال بالنِّداء للصَّلاة كان بدء الأمر في هذا الباب فإنه لم يسبق أمر بذلك قبله، بل إنَّما قال ذلك ﵇ بعد تحينهم للصَّلاة وتشاورهم فيما بينهم، ماذا يفعلون في الإعلام بالصَّلاة.
هذا الحديث أخرجه مسلم في الصَّلاة أيضًا عن محمَّد بن رافع عن عبد الرزَّاق وعن إِسْحاق بن إبراهيم وعن هارون بن عبد الله، وأخرجه التِّرْمِذي فيه عن أبي بكر بن أبي النَّضر، وأخرجه النَّسائي فيه عن محمَّد بن إسماعيل وإبراهيم بن الحسن.
قوله: (أنَّ ابنَ عُمَر كانَ يَقُولُ) وفي رواية مسلم، عن عبد الله بن عُمَر، إنَّه قال.
قوله: (حَيْنَ قَدِمُوا المَدِيْنَةَ) أي من مكَّة مهاجرين.
قوله: (فَيَتَحَيَّنُوْنَ) -بالحاء المهملة- أي يقدرون تحينها ليأتوا إليها، وهو من التحين من باب التفعل، الذي وضع للتكلُّف غالبًا، والتحين من الحين وهو الوقت والزَّمن.
قوله: (لَيْسَ يُنَادَى لَهَا) أي للصلاة وهو على بناء المفعول، فهو بفتح الدَّال، وقال ابن مالك: هذا شاهد على جواز استعمال ليس حرفًا، لا اسم لها ولا خبرًا، أشار إليها سيبويه، ويحتمل أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها خبر، ورواية مسلم تؤيِّد ذلك، فإن لفظة ليس ينادى بها أحد.
قوله: (فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ) قال شيخنا: لم يقع في تعيين المتكلِّمين في ذلك، واختصر الجواب في هذه الرواية، ووَقَعَ لابن ماجَهْ من وجه آخر، عن ابن عُمَر: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَشَارَ النَّاس لِمَا يَجْمَعُهُمْ إِلَى الصَّلاة، فَذَكَرُوا البُوقَ فَكَرِهَهُ مِنْ أَجْلِ اليَهُودِ، ثمَّ ذَكَرُوا النَّاقُوسَ فَكَرِهَهُ مِنْ أَجْلِ النَّصَارَى) وقد تقدَّمت رواية روح بن عطاء نحوه، وفي الباب عن عبد الله بن زيد عند أبي الشيخ، وعن أبي عُمَير بن أَنَس عن عمومته عند سعيد بن منصور.
قوله: (اتَّخَذُوا) على صورة الأمر.
قوله: (بُوقًا) أي قال بعضهم: اتخذوا بوقًا -بضمِّ الباء الموحَّدة وبعد الواو الساكنة قاف- وهو الذي يُنفخ فيه، ووَقَعَ في بعض النُّسخ بل قرنًا، وهي رواية مسلم والنَّسائي، والبوق والقرن معروفان، والمراد إنَّه ينفخ فيه فيجتمعون عند سماع صوته، وهو من شعار اليهود، ويسمَّى أيضًا الشَبُّور -بفتح الشين المعجمة وضمِّ الباء الموحدة المثقَّلة- قلت: وللنَّصارى أيضًا شيء من نحاس على صفة القلقل، يجعلونه في أعلى موضع في الكنيس أو الدير، وفيه حبل يهزونه به في الأوقات الَّتي يجتمعون فيها في كنائسهم. انتهى.
قوله: (فَقَالَ عُمَر
стр. 258
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَوَلَا تَبْعَثُونَ) الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدَّر، أي أتقولون بموافقتهم ولا تبعثون، وقال الطِّيبي: الهمزة إنكار للجملة الأولى أي المقدَّرة، وتقرير للجملة الثانية.
قوله: (رَجَلًا) زاد الكُشْمِيهَني: <مِنْكُمْ>.
قوله: (يُنَادِي) جملة فعليَّة مضارعة في محلِّ النَّصب على الحال من الأحوال المقدَّرة، وقال القُرْطُبي: يحتمل أن يكون عبد الله بن زيد لما أخبر برؤياه، وصدَّقه النَّبِيُّ ﷺ ، بادر عُمَر ﵁ فقال: أولا تبعثون رجلًا ينادي، أي يؤذِّن بالرؤيا المذكورة، فقال النَّبِيُّ ﷺ : (قُمْ يَا بِلَالُ)، فعلى هذا فالفاء في قوله: (فَقَالَ عُمَرُ) فاء الفصيحة، والتقدير: فافترقوا فرأى عبد الله بن زيد، فجاء إلى النَّبِيِّ ﷺ فقصَّ عليه فصدَّقه، فقال عمر: أو لا تبعثون. انتهى. هذا يصرِّح أن معنى قوله ﵇: (يَا بِلَالُ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ)، أي فأذِّن بالرؤيا المذكورة، قال شيخنا: وسياق [حديث] (١) عبد الله بن زيد يخالف ذلك فإنَّ فيه: لما قصَّ رؤياه على النَّبِيِّ ﷺ ، قال له: أَلْقِهَا عَلَى بِلَال فَلْيُؤَذِّنْ بِهَا قال: فسمعَ عُمَر الصَّوت فخرجَ فأتى النَّبِيَّ ﷺ ، فقال: لقدْ رأيتُ مثلَ الذي رأى. فدلَّ على أن عُمَر لم يكن حاضرًا لما قصَّ عبد الله بن زيد رؤياه، والظاهر أن إشارة عُمَر بإرسال رجل ينادي بالصلاة كانت عقب المشاورة فيما يتعلَّق به، وأنَّ رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك، والله أعلم.
قال القاضي عياض: المراد الإعلام المحضُّ بحضور وقتها لا خصوص الأذان المشروع، قال شيخنا: وأغرب القاضي أبو بكر بن العَرَبي فحمل قوله: (أذَّن) على الأذان المشروع فطعن في صحَّة حديث ابن عمر، وقال: عجبًا لأبي عيسى كيف صحَّحه، والمعنى ورد أن يشرع الأذان إنَّما كان برؤيا عبد الله بن زيد. انتهى. فلا تُدفع الأحاديث الصحيحة بمثل هذا مع إمكان الجمع كما قدَّمناه، وقد قال ابن مَندَه في حديث ابن عُمَر: إنَّه مجمع على صحَّته.
قال العَيني: أما حديث عبد الله بن زيد فأخرجه أبو داود حدَّثنا محمَّد بن مَنْصور الطُّوسي حدَّثنا يعقوب حدَّثنا أبي عن محمَّد بن إِسْحاق حدَّثني محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْمي عن محمَّد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربُّه حدَّثني أبي عبد الله بن زيد قال: ((لما أمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالناقوس ليعمل ليضرب به النَّاس لجمع الصَّلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبد الله أتبيع النَّاقوس؟ قال: وما يصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصَّلاة، قال: أفلا أدلُّك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى، قال: فقال: تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلَّا الله أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمَّدًا رسول الله أشهد أن محمَّدًا رسول الله، حيَّ على الصَّلاة حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاح
стр. 259
حيَّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلَّا الله. قال: ثمَّ استأخر عني غير بعيد، ثمَّ قال: ثمَّ يقول إذا أقمت الصَّلاة الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمَّدًا رسول الله، حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصَّلاة قد قامت الصَّلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلَّا الله. فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ ، فأخبرته بما رأيته، فقال: إنَّها لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه ويؤذِّن به قال: فسمع ذلك عُمَر بن الخطَّاب ﵁ وهو في بيته، فخرج يجرُّ رداءه يقول: والذي بعثك بالحقِّ يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما أُري، فقال رسول الله ﷺ : فَلِلَّهِ الحَمْدُ)) وأخرجه التِّرْمِذي أيضًا، فلم يذكر فيه كلمات الأذان ولا الإقامة، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجَهْ أيضًا فلم يذكر فيه لفظ الإقامة وزاد فيه شعرًا، فقال عبد الله بن زيد في ذلك:
أحمد الله ذا الجلال وذا الإكـ... رام حمدًا على الأذان كثيرًا
إذ أتاني به البشير من اللـ... ه فأكرم به لديَّ بشيرًا
في ليالٍ وافى بهنَّ ثلاث... كلَّما جاءني زادني توقيرًا
وأخرج ابن حبَّان هذا الحديث أيضًا في «صحيحه»، ورواه أحمد في «مسنده»، وقال أبو عُمَر بن عبد البرِّ: روى عن النَّبِيِّ ﷺ في قصَّة عبد الله بن زيد في بدء الأذان، جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة ومعانٍ متقاربة، وكلُّها تتفق على أمره عند ذلك، والأسانيد في ذلك من وجوه صحاح، وفي موضع آخر من وجوه حسان، ونحن نذكر أحسنها، فذكر ما رواه أبو داود: حدَّثنا عبَّاد بن موسى الخُتَّلِيّ وحدَّثنا زياد بن أيُّوب، وحديث عبَّاد أتمُّ، قالا: حدَّثنا هُشَيم عن أبي بشر، قال زياد: أنبأنا أبو بشر عن أبي عُمَير بن أَنَس عن عمومة له من الأنصار قال: ((اهتمَّ النَّبِيُّ ﷺ للصلاة كيف يجمع النَّاس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور الصَّلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكروا له القنع، يعني الشَبُّور، وقال زياد: شَبُّور اليهود، فلم يعجبه ذلك، وقال: هُوَ مِنْ أَمْرِ اليَهُودِ قال: فذكر له الناقوس، فقال: هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّصَارَى فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتم لهمِّ رسول الله ﷺ ، فأُري الأذان في منامه، قال: فغدا على رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: يا رسول الله، إني لبين نائم ويقظان، إذ أتاني آت فأراني الأذان، قال: وكان عُمَر بن الخطَّاب ﵁ قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يومًا، قال: ثمَّ أخبره النَّبِيُّ ﷺ ، فقال: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُخْبِرَنَا؟ فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت، فقال رسول الله ﷺ : قُمْ فَانْظُرْ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ عَبْدُ اللهِ بنُ زَيْدٍ فَافْعَلْهُ فأذَّن بلال)).
فأبو داود ترجم لهذا الحديث بقوله:
стр. 260
باب بدء الأذان، فهذا الذي هو أحسن أحاديث هذا الباب، كما ذكره أبو عُمَر يقوِّي كلام القُرْطُبي الذي ذكرناه آنفًا، لأنَّه ليس فيه ما يخالفه حديث عبد الله بن زيد بهذه الطريقة، لأنَّه لم يذكر فيها أنَّ عُمَر سمع الصوت، فخرج فأتى النَّبِيَّ ﷺ ، فدلَّ بحسب الظَّاهر أنَّ عُمَر ﵁ كان حاضرًا، فهو يردُّ كلام بعضهم، الذي ذكرناه عنه، وهو قوله: فدلَّ على أن عُمَر لم يكن حاضرًا لما قصَّ عبد الله بن زيد رؤياه، إلى آخر ما ذكره، فافهم. انتهى.
قال شيخنا: إذا سكت في رواية أبي عُمَير، عن قوله فسمع عُمَر الصَّوت فخرج، وأثبتها ابن عمر، إنَّما يكون إثبات ذلك دالًا على أنَّه لم يكن حاضرًا، فكيف يعترض بمثل هذا إلَّا من غطَّى التعصُّب بصيرته، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله جلَّ وعلا. وحديث عبد الله بن زيد لا يخالف ما تقدَّم، أن عبد الله بن زيد لما قصَّ منامه فسمع عُمَر الأذان، فجاء فقال: قد رأيت، لأنَّه يحمل على أنَّه لم يخبر بذلك عقب إخبار عبد الله بل متراخيًا عنه، لقوله: ما منعك أن تخبرنا؟ أي عقب إخبار عبد الله، فاعتذر بالاستحياء، فدلَّ على أنَّه لم يخبر بذلك على الفور.
وليس في حديث أبي عُمَير التصريح بأن عُمَر كان حاضرًا عند قصِّ عبد الله رؤياه، بخلاف ما وَقَعَ في رواية الَّتي ذكرتها، فسمع عُمَر الصَّوت فخرج، فقال فإنَّه صريح بأنه لم يكن حاضرًا عند قصِّ عبد لله. انتهى.
فيه: أن قوله: (قُمْ يَا بِلَال فَنَادِ أَو فَأذِّنْ) يدلُّ على أنَّ مشروعية الأذان قائمًا، وإنَّه لا يجوز قاعدًا، قال عياض: وهو مذهب العلماء كافة، إلَّا أبا ثور فإنه جوَّزه، ووافقه أبو الفَرَج المالكي ﵀، وضعَّفه النَّوَوي لوجهين أحدهما: المراد بالنداء هنا الإعلام، الثاني: المراد قم واذهب إلى موضع بارز، فنادِ فيه بالصلاة، وليس فيه تعرُّض للقيام في حال الأذان، ومذهبنا ــ أي الحنفيَّة ــ المشهور أنَّه سنَّة، فلو أذَّن قاعدًا بغير عذر صحَّ أذانه، لكن فاتته الفضيلة، ولم يثبت في اشتراط القيام شيء، وفي كتاب أبي الشيخ بسند لا بأس به عن وائل بن حُجْر قال: حقٌّ وسنَّة مسنونة ألَّا يؤذِّن إلَّا وهو طاهر، ولا يؤذِّن إلَّا وهو قائم، وفي «المحيط» إن أذَّن لنفسه فلا بأس أن يؤذِّن قاعدًا من غير عذر، مراعاة لسنَّة الأذان وعدم الحاجة إلى إعلام النَّاس، وإن أذَّن قاعدًا لغير عذر صحَّ وفاتته الفضيلة، وكذا لو أذَّن قاعدًا مع قدرته على القيام صحَّ أذانه، والصَّواب ما قاله ابن المنذر: أنَّهم اتَّفقوا على أنَّ القيام سنَّة، قال شيخنا: كان اللَّفظ الذي ينادي به بلال للصلاة، قوله: الصَّلاة جامعة، أخرجه ابن سعد في «الطبقات» من مراسيل سعيد بن المُسَيَّب، وظنَّ بعضهم أنَّ بلالًا حينئذ أُمر بالأذان المعهود، فذكر مناسبة اختصاص بلال بذلك دون غيره، لكونه كان لما عذِّب ليرجع عن الإسلام، يقول: أحد أحد، فجُوزي
стр. 261
به لأنَّه الأذان المشتمل على التوحيد في ابتدائه وانتهائه، وهي مناسبة حسنة في اختصاص بلال، إلَّا أنَّ هذا الموضع ليس هو محلُّها.
وفيه دليل على مشروعية طلب الأحكام من المعاني المستنبطة، دون الاقتصار على الظَّواهر، وفيه منقبة ظاهرة لعُمَر بن الخطَّاب ﵁، وفيه مشروعية التَّشاور في الأمور المهمة، وإنَّه ينبغي للمتشاورين أن يقول كلٌّ منهم ما عنده، ثمَّ صاحب الأمر يفعل ما فيه المصلحة، وفيه التحين لأوقات الصَّلوات، قلت: وفيه كراهية التشبيه بأهل الكتاب، وفيه الردُّ على المستشار إذا أخطأ، وفيه أنَّ رؤيا المؤمن حقٌّ، وفيه الاستحياء ولو كان في حقٍّ.
فوائد: منها الاستشكال في إثبات الأذان برؤيا عبد الله بن زيد، لأنَّ رؤيا غير الأنبياء لا يُبنى عليها حكم شرعي، والجواب: مقارنة الوحي لذلك، وقد تقدَّم من الأحاديث ما يدلُّ على ذلك، قال شيخنا: أو لأنَّه أمر بمقتضاهما لينظر أيقرَّ على ذلك أم لا، سيَّما لما رأى سعد دخول الوسواس فيه، وهذا ينبني على القول بجواز اجتهاده ﵇ في الأحكام، وهو المقصود في الأصول ويؤيِّد الأوَّل ما رواه عبد الرزَّاق وأبو داود في «المراسيل» من طريق عُبَيْد ابن عُمَير التَّيمي أحد كبار التَّابعين أن عُمَر ﵁ لما رأى الأذان جاء يخبر النَّبِيَّ ﵇، فوجد الوحي قد ورد بذلك، فما راعه إلَّا أذان بلال، فقال له النَّبِيُّ ﵇ سبقك بذلك الوحي، هذا أصحُّ مما حكى الدَّاوُدي: أنَّ جبريل أتى النَّبِيَّ بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد بثمانية أيَّام، والله أعلم.
ومنها الترجيع في الأذان، وهو أن يرجع فيرفع صوته بالشهادتين بعدما خفض بهما، وبه قال الشَّافعي ومالك، إلَّا أنَّه لا يأتي بالتكبير في أوَّله إلَّا مرَّتين، وقال أحمد: إن رجع فلا بأس به، وإن لم يرجع فلا بأس به، وقال أبو إِسْحاق من أصحاب الشافعي: إنَّه إن ترك الترجيع يعتدُّ به، وحكى عن بعض أصحابه أنَّه لا يعتدُّ به، كما لو ترك سائر كلماته، كذا في «الحلية»، وفي «شرح الوجيز»، والأصحُّ إن ترك الترجيع لم يضرُّه، وحجَّة الشَّافعي حديث أبي محذورة: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَّمَهُ الأَذَانَ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، أَشْهَد أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلاة، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ.، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللهُ)) رواه الجماعة إلَّا البخاري من حديث عبد الله بن مُحَيريز عن أبي مَحذُورَة، قال العَيني: وحجَّة أصحابنا ــ أي الحنفيَّة ــ حديث عبد الله بن زيد من غير ترجيع فيه، وكان حديث أبي مَحذُورَة لأجل التعليم، فكرره فظنَّ أبو مَحذُورَة أنَّه ترجيع وأنَّه في أصل الأذان. وروى الطَّبَرَاني في «معجمه الأوسط» عن أبي مَحذُورَة أنَّه قال: ((أَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ [الأَذَانَ] (١) حَرْفًا حَرْفًا: اللهُ أَكْبَرُ...)) إلخ. ولم يذكر فيه ترجيعًا، وأذان بلال بحضرة رسول الله ﷺ سفرًا وحضرًا، وهو مؤذِّن رسول الله بإطباق أهل الإسلام
стр. 262
إلى أن توفي رسول الله ﷺ ومؤذِّن أبي بكر الصِّدِّيق ﵁ إلى أن توفي من غير ترجيع.
ومنها قال العَيني: أنَّ التكبير في أوَّل الأذان مربَّع، على ما في حديث أبي مَحذُورَة، رواه مسلم وأبو عَوانة والحاكم، وهو المحفوظ عن الشَّافعي من حديث ابن زيد ﵁، وقال أبو عُمَر: ذهب مالك وأصحابه إلى أنَّ التكبير في أوَّل الأذان مرَّتين، قال: وقد روي ذلك من وجوه صحاح في أذان أبي مَحذُورَة، وأذان ابن زيد، والعمل عندهم بالمدينة على ذلك، في آل سعد القَرَظ إلى زمانهم، قال العَيني: الذي ذهبنا إليه هو أذان الملك الباري من السماء. انتهى.
ومنها في أذان الفجر الصَّلاة خير من النَّوم مرَّتين بعد الفلاح، روى الطَّبَرَاني في «معجمه الكبير» بإسناده عن بلال: ((أنَّه أتى النَّبِيَّ ﷺ يؤذنه بالصبح، فوجده راقدًا فقال: الصَّلاة خير من النَّوم مرَّتين، فقال النَّبِيُّ ﷺ : مَا أَحْسَنَ هَذَا يَا بِلَال، اجْعَلْهُ فِي أَذَانِكَ)) وأخرجه الحافظ أبو الشيخ في كتاب الأذان له عن ابن عُمَر قال: ((جاء بلال إلى النَّبِيِّ ﷺ يؤذنه بالصُّبْح، فوجده قد أغفى، فقال: الصَّلاة خير من النَّوم، فقال له: اجْعَلْهُ فِي أَذَانِكَ إِذَا أَذَّنْتَ للصُّبْحِ فجعل بلال يقولها إذا أذَّن للصُّبْح)) ورواه ابن ماجَهْ من حديث سعيد بن المُسَيَّب عن بلال: ((أنَّه أتى النَّبِيَّ ﷺ يؤذِّنه بصلاة الفجر، فقيل: هو نائم، فقال: الصَّلاة خير من النَّوم الصَّلاة خير من النَّوم))، فأُقرَّت في تأذين الفجر وخصَّ الفجر به لأنَّه وقت نوم وغفلة.
ومنها معاني كلمات الأذان، ذكر ثعلب أنَّ أهل العربيَّة اختلفوا في معنى أكبر، فقال أهل اللَّغة: معناه كبير، واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] معناه: وهو هيِّن عليه، وكما في قول الشاعر:
تمنَّى رجال أن أموت وإن أمت... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
أي لست فيها بواحد، وقال الكِسائي والفرَّاء وهشام: معناه أكبر من كلِّ شيء، فحذفت (من) كما في قول الشاعر:
إذا ما ستور البيت أُرخيت لم يكن... سراج لنا إلَّا ووجهك أنور
أي أنور من غيره، وقال ابن الأَنْباري: وأجاز أبو العبَّاس: الله أكبر، واحتجَّ بأنَّ الأذان سُمِعَ وقفًا لا إعراب فيه.
قوله: (أَشْهَدُ أَن لَا إِلَهَ إلَّا الله) معناه: أعلم وأبيِّن، ومن ذلك شهد الشاهد عند الحاكم، معناه قد بيَّن له وأعلمه الخبر الذي عنده، وقال أبو عبيدة: معناه أقضي كما في: ﴿شَهِدَ اللهُ﴾ [آل عمران: ١٨] معناه: قضى الله، وقال الزَّجَّاجي: ليس كذلك، وإنما حقيقة الشَّهادة هو تيقُّن الشيء وتحققه، من شهادة الشيء أي حضوره.
قوله: (رَسُولُ اللهِ) قال ابن الأَنْباري: الرَّسُول معناه في اللُّغة: الذي يتابع الأخبار من الذي بعثه، من قول العرب قد جاءت الإبل رسلًا، إذا جاءت متتابعة ويقال في تثنيته: رسولان، وفي جمعه: رسل، ومن العرب من يوحِّده في موضع
стр. 263
التثنية والجمع، فيقول: الرجلان رسولك والرجال رسولك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] وقال في موضع آخر: ﴿إِنَّا رَسُوْلُ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] ففي الأوَّل خرج الكلام على ظاهره، لأنَّه إخبار عن موسى وهارون ﵉، وفي الثَّاني بمعنى الرسالة، كأنَّه قال: إنا رسالة ربِّ العالمين، قاله يُونُس، وقال أبو إِسْحاق الزَّجَّاجي: ليس ما ذكره ابن الأنباري في اشتقاق الرَّسُول صحيحًا، وإنَّما الرَّسُول المرسل: المبعَّد من أرسلت أي بعَّدت وبعثت، وإنَّما توهَّم في ذلك لأنَّه رآه على فعول، فتوهُّمه ما جاء على المبالغة، ولا يكون ذلك إلَّا لتكرار الفعل، نحو ضروب وشبهه وليس كذلك، وإنما هو اسم لغير تكثير الفعل، بمنزلة عمود وعنود، وقال ابن الأنباري: وفصحاء العرب أهل الحجاز ومن والاهم يقولون: أشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله، وجماعة من العرب يبدلون من الألف عينًا، فيقولون: أشهد عن. انتهى.
قوله: (حَيَّ عَلى الصَّلَاة) قال الفرَّاء: معناه هَلُمَّ، وفُتِحَت الياء من حيَّ لسكون الياء الَّتي قبلها، وقال ابن الأنباري: فيه ستِّ لغات: حيَّ هلا بالتنوين، وفتح اللَّام بغير تنوين، وتسكين الهاء وفتح اللَّام بغير تنوين، وفتح الهاء وسكون اللَّام، وحيَّ هلن، سر حيِّ هلن، قال الزَّجَّاجي: الوجه الخامس بالنُّون هو الأوَّل بعينه، لأنَّ التنوين والنون سواء، ومعنى الفلاح: الفوز، يقال: أفلح الرجل إذا فاز.
(٢) (بَابُ الأَذَانِ مَثْنَى مَثْنَى) أي هذا باب يذكر فيه الأذان مثنى مثنى، و<مَثْنَى> هكذا مكرر رواية الكُشْمِيهَني، وفي رواية غيره: <مَثْنَى> مفردًا، ومثنى معدول من اثنين اثنين، وهو بغير تنوين، والعدل على قسمين: تحقيقي: وهذا منه، وعدل تقديري: كعُمَر وزُفَر، وقد عرف في موضعه، وفائدة التكرار للتوكيد، وإن كان التكرار يفهم من صيغة الثني لأنَّها معدولة عن اثنين اثنين كما ذكرنا، ويقال: الأوَّل لإفادة التفسير لألفاظ الأذان، والثاني لكلِّ أفراد الأذان، أي الأوَّل لبيان تثنية الأجزاء والثاني لبيان تثنية الجزئيات.
قال شيخنا: لفظ الترجمة في حديث لابن عُمَر مرفوع، أخرجه أبو داود الطَّيالِسي في «مسنده» قال فيه: (مثنى مثنى)، وهو عند أبي داود والنَّسائي، وصحَّحه ابن خُزَيمَة وغيره من هذا الوجه لكن بلفظ: ((مرَّتين مرَّتين)). قال العَيني: ليس لفظ هذه الترجمة لفظ الحديث المذكور، وإنما هي معناه كما ذكرنا، قال شيخنا: أظنُّ النسخة الَّتي وقعت له من فتح الباري، سقط منها من أبي داود إلى أبي داود، أو ظنَّ أنهما واحد وخفي عليه أنَّ المحدِّث إذا أطلق لفظ أبي داود لا يريد إلَّا صاحب السُّنن، ولا سيَّما إن قرنه بأحد من أصحاب السُّنن كالتِّرْمِذي والنَّسائي، وإذا أراد غير صاحب السُّنن وصفه ليتميز، فجرى أي العَيني على مألوفه في إنكار ما لم يُحط به علمًا، والله المستعان. انتهى.
٦٠٥ - قوله: (حَدَّثَنَا سُلَيمان بنُ حَرْبٍ) أي الواشِحي -بكسر الشين المعجمة والحاء المهملة- نسبة إلى واشح بطن من الأزد، ترجمته في باب من كره أن يعود في الكفر.
قوله: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ) أي ابن درهم، ترجمته في باب ﴿وَإِنْ
стр. 264
طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِيْنَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩].
قوله (عَنْ سِمَاكَ بنِ عَطِيَّةَ) أي بكسر السِّين المهملة وتخفيف الميم وبالكاف، بصري ثقة، روى عن أيُّوب وهو من أقرانه، وقد روى حمَّاد بن زيد عنهما جميعًا، وقال: مات سِماك قبل أيُّوب.
قوله: (عَنْ أَيُّوْبَ) أي السِّخْتياني، ترجمته في باب حلاوة الإيمان.
قوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَة) أي المتقدِّم في بدء الأذان.
قوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابن مالك، رجال إسناده كلُّهم بصريُّون.
قوله: (أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ، إلَّا الإِقَامَةَ) مطابقته للترجمة من حيث الإشارة لا من حيث التصريح، لأنَّ لفظ يشفع يدلُّ على التثنية لكن لا بطريق التصريح، وقد تقدَّم أنَّ هذه الترجمة في حديث أبي داود، وقد ذكر البخاري هذا الحديث في الباب الذي قبله، عن عِمْران بن مَيْسَرة عن عبد الوهَّاب عن خالد عن أبي قِلابة عبد الله بن زيد عن أَنَس، فاعتبر التفاوت بينهما.
قوله: (أَنْ يَشْفَعَ) -بفتح أوَّله وفتح الفاء- أي يأتي بألفاظه شفعًا، قال الزَّين بن المنيِّر: وصف الأذان بأنَّه شفع يفسِّره قوله: (مَثْنَى) أي مرَّتين مرَّتين، وذلك يقتضي أن تستوي جميع ألفاظه في ذلك، لكن لم يختلف في أنَّ كلمة التوحيد الَّتي في آخره مفردة، فيحمل قوله: (مَثْنَى) على ما سواها، قال شيخنا: وكأنَّه أراد بذلك تأكيد مذهبه في ترك تربيع التكبير في أوَّله، لكن لمن قال بالتربيع أن يدَّعي نظير ما ادعاه لثبوت الخبر بذلك، وسيأتي في الإقامة توجُّه يقتضي أن القائل به لا يحتاج إلى دعوى التخصيص. انتهى.
قوله: (وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ، إلَّا الإِقَامَةَ) المراد بالمنفي غير المراد بالمثبت، والمراد بالمثبت جميع الألفاظ المشروعة عند القيام إلى الصَّلاة، والمراد بالمنفي خصوص قوله: (قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ) كما سيأتي ذلك صريحًا، فحصل من ذلك جناس تامٌّ، وادَّعى ابن مَندَه أنَّ قوله: ((الإِقَامَةَ)) من قول أيُّوب غير مسند كما في رواية إسماعيل بن إبراهيم، وأشار إلى أنَّ في رواية سِماك بن عطيَّة هذه إدراجًا، وكذا قال أبو محمَّد الأَصِيلي قوله: <الإِقَامَةَ> هو من قول أيُّوب وليس من الحديث، قال شيخنا: وفيما قالاه نظر، لأنَّ عبد الرزَّاق رواه عن معمر عن أيُّوب بسنده متَّصلًا بالخبر مفسَّرًا ولفظه: ((كَانَ بِلَالٌ يُثَنِّي الْأَذَانَ وَيُوتِرُ الْإِقَامَةَ إلَّا قَوْلَهُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ)) أخرجه أبو عَوانة في «صحيحه» والسرَّاج في «مسنده» وكذا هو في مصنَّف عبد الرزَّاق والإسماعيلي من هذا الوجه: ((وَيَقُولُ قَدْ قَامَتِ الصَّلاة مرتَيْنِ)) والأصل أن ما كان في الخبر فهو منه حتَّى يقوم دليل على خلافه، ولا دليل في رواية إسماعيل، لأنَّه إنَّما يتحصَّل منها أن خالدًا كان لا يذكر الزيادة وكان أيُّوب يذكرها، وكلٌّ منهما روى الحديث عن أبي قِلابة عن أَنَس، فكان في رواية أيُّوب زيادة من حافظ فيقبل، والله أعلم.
وقد استشكل عدم
стр. 265
استثناء التكبير في الإقامة، وأجاب بعض الشافعية: بأن التثنية في تكبير الإقامة بالنسبة إلى الأذان إفراد، قال النَّوَوي: ولهذا يستحبُّ أن يقول المؤذِّن كلَّ تكبيرتين بنفس واحد، وهذا إنَّما يتأتَّى في أوَّل الأذان لا في التكبير الذي في آخر. وعلى ما قاله النَّوَوي: ينبغي للمؤذِّن أن يفرد كلَّ تكبيرة من اللتين في آخره بنفس، ويظهر بهذا التقرير ترجيح قول من قال بتربيع التكبير في أوَّله على من قال بتثنيته، مع أنَّ لفظ: الشفع يتناول التثنية والتربيع، فليس في لفظ حديث الباب ما يخالف ذلك بخلاف ما يوهمه كلام ابن بطَّال.
وأما الترجيح في الشهادتين فالأصحُّ في صورته أن يشهد بالوحدانية ثنتين، وبالرسالة ثنتين، ثمَّ يرجع فيشهد كذلك، فهو وإن كان في العدد مربعًا فهو في الصُّورة مثنى، والله أعلم. انتهى.
٦٠٦ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ وَهُوَ ابنُ سَلَامٍ) هكذا وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره: <حدَّثني محمَّد> غير منسوب، وقال أبو علي الجياني: ذكر البخاري في مواضع حدَّثنا محمَّد غير منسوب، منها في الصَّلاة والجنائز والمناقب والطلاق والتوحيد، وفي بعضها محمَّد بن سلام، منها ههنا على الاختلاف المذكور وقال أبو نصر الكلاباذي: إن البخاري روى في «الجامع» عن محمَّد بن سلَام ومحمَّد بن بشَّار ومحمَّد بن المثنَّى ومحمَّد بن عبد الله بن حوشب عن عبد الوهَّاب الثقفي. انتهى. ترجمة محمَّد بن سلَام في باب قول النَّبِيِّ ﷺ : أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) ترجمته في باب ما يكره من النَّوم قبل العشاء.
قوله: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ) أي ابن مهران، ترجمته في باب قول النَّبِيِّ ﷺ : اللهمَّ علِّمه الكتاب.
قوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) أي المنبَّه عليه في هذا الباب.
قوله: (عَن أَنَس بنِ مَالِكٍ) ﵁.
في هذا الإسناد: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ)، وفي بعض النسخ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ)، وفيه: (حَدَّثَنِي عَبْدُ الوَهَّابِ)، وفي رواية كريمة: <أَخْبَرَنَا>، وفي رواية الأَصِيلي: <حَدَّثَنَا>، وفيه <الثَّقَفِيُّ>، وليس في رواية كريمة: <الثَّقَفِيُّ>، وفيه: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ)، وهي في رواية أبي ذرٍّ والأَصِيلي، ولغيرهما: ((أَخْبَرَنَا)).
قوله: (قَالَ: لَمَّا كَثُرَ النَّاس، قَالَ: ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا وَقْتَ الصَّلاة بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرُوا أَنْ يُورُوا نَارًا، أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا، فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ) مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث الأوَّل.
قوله: (لَمَّا كَثُرَ النَّاس، قَالَ: ذَكَرُوا) قال الثانية زائدة، ذكرت تأكيدًا لقال الأولى.
وقوله: (ذَكَرُوا) جواب لمَّا.
قوله: (أَنْ يُعْلِمُوا) بضمِّ أوَّله، ومعناه: يجعلون له علامة يعرف بها، فهو على هذا من الإعلام، وفي رواية كريمة: بفتح الياء من العلم.
قوله: (أَنْ يُوْرُوا نَارًا) أي يوقدوا ويشعلوا، يقال: أوريت النَّار أي شعلتها، ووَرَى الزند إذا خرجت نارها، وأوريته إذا أخرجته. ووَقَعَ في رواية مسلم: أن ينوروا نارًا، أي يظهروا نورها، والناقوس خشبة تضرب بخشبة أصغر
стр. 266
منها فيخرج منها صوت، وهو من شعار النَّصارى، قلت: هي خشبة طولها نحو نصف ذراع، وعرضها مقدار إصبعين، يضرب عليها بخشبة أقصر منها وقد يجعل لها قطعة كهيئة رأس الدقماق، وتتخذ تارة من أبنوس وربما صنعوها من حديد كما تقدَّم. انتهى.
قوله: (فَأُمِرَ) على صيغة المجهول.
قوله: (أَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ) أي ألفاظ الإقامة الَّتي يدخل بها في الصَّلاة، قال شيخنا: احتجَّ به من قال بإفراد قوله: (قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ)، والحديث الذي قبله حجَّة عليه، فإن احتجَّ بعمل أهل المدينة عورض بعمل أهل مكَّة ومعهم الحديث الصحيح.
(٣) (بَابُ الإِقَامَةُ وَاحِدَةٌ إلَّا قَوْلَهُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ) أي هذا باب يذكر فيه الإقامة، أي الإقامة الَّتي تقام بها الصَّلاة، ثمَّ استثنى منها قد قامت الصَّلاة مرَّتين، وهذا لفظ مَعْمَر عن أيُّوب، كما ذكرنا من «مسند» السرَّاج عن قريب.
٦٠٧ - قوله: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ) أي ابن المديني، ترجمته في باب الفهم في العلم.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ إبْرَاهِيْمَ) أي ابن عليَّة، ترجمته في باب حبِّ الرسول من الإيمان.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ) أي الحذَّاء المذكور في الباب السابق.
قوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) أي المذكور فيه أيضًا.
قوله: (عَنْ أنَسٍ) أي ابن مالك المذكور فيه أيضًا.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، والعنعنة في موضعين، وفيه القول في ثلاث مواضع.
قوله: (قَالَ: أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإقَامَةَ) مطابقته للترجمة في قوله: وأن يوتر الإقامة، أي يوحِّدوا ألفاظها، وقال ابن المنيِّر: خالف البخاري لفظ الحديث في الترجمة فعدل عنه إلى واحدة، لأن لفظ الوتر غير منحصر في المرَّة، فعدل عن لفظ فيه الاشتراك إلى ما لا اشتراك فيه، وقال شيخنا: إنَّما لم يقل واحدة واحدة، مراعاة للفظ الخبر الوارد في ذلك، وهو عند ابن حبَّان في حديث ابن عُمَر الذي أشرت إليه في الباب الماضي ولفظه: ((الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ وَاحِدَةٌ))، وروى الدَّارَقُطْني وحسَّنه في حديث لأبي محذورة: ((وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً)).
قوله: (إِلَّا) قوله: (قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ) هو لفظ مَعْمَر عن أيُّوب كما تقدَّم قبل، واعترضه الإسماعيلي بأنَّ إيراد حديث سِماك بن عطيَّة في هذا الباب أولى من إيراد حديث ابن عُلَيَّة، والجواب أنَّ المُصَنِّف قصد رفع وهم من يتوهَّم إنَّه موقوف على أيُّوب، لأنَّه أورده في مقام الاحتجاج به، ولو كان عنده مقطوعًا لم يحتجَّ به.
قوله: (قَالَ إسْمَاعِيْلُ) أي المذكور في أوَّل الإسناد، وليس هو معلَّقًا.
قوله: (فَذَكَرْتُهُ لَأَيُّوْبَ) أي السِّخْتياني هكذا بالضمير في رواية الأَصِيلي والكُشْمِيهَني، وفي رواية الأكثرين: ((فَذَكَرْتُ)) بحذف الضَّمير الذي هو المفعول العائد على حديث خالد، أراد أنَّه زاد في
стр. 267
آخر الحديث هذا الاستثناء، وأراد به قوله: (قد قامت الصلاة) مرتين، وقال الكِرْماني: قالت المالكية: عمل أهل المدينة خلفًا عن سلف على إفراد الإقامة، ولو صحَّت زيادة أيُّوب، وما رواه الكوفيون من تثنية الإقامة، جاز أن يكون ذلك في وقت ما ترك لعمل أهل المدينة على الآخر الذي استقرَّ الأمر عليه، والجواب: أن زيادة الثقة مقبولة وحجَّة بلا خلاف، وأما عمل أهل المدينة فليس بحجَّة مع أنَّه معارض بعمل أهل مكَّة، وهي مجمع المسلمين في المواسم وغيرها، وقال شيخنا: وهذا الحديث حجَّة على من زَعَمَ أنَّ الإقامة مثنى مثنى مثل الأذان، وأجاب بعض الحنفيَّة: بدعوى النسخ وأنَّ إفراد الإقامة كان أولًا، ثمَّ نسخ بحديث أبي مَحذُورَة يعني الذي رواه أصحاب السُّنن وفيه تثنية الإقامة، وهو متأخِّر عن حديث أَنَس، فيكون ناسخًا، وعورض بأنَّ في بعض طرق حديث أبي مَحذُورَة المحسَّنة التربيع والترجيع، فكان يلزمهم القول به، وقد أنكر أحمد على من ادعى النَّسخ بحديث أبي مَحذُورَة واحتجَّ ((بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَعَ بَعْدَ الفَتْحِ إِلَى المَدِينَةِ، وَأَقَرَّ بِلَالًا عَلَى إِفْرَادِ الْإِقَامَةِ، وَعَلمَهُ سَعْد القَرَظُ فَأَذَّنَ بِهِ بَعْدَهُ)) كما رواه الدَّارَقُطْني والحاكم، قال العَيني: الذي رواه التِّرْمِذي من حديث عَمْرو بن مُرَّة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد قال: ((كَانَ أَذَانُ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَفْعًا فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ)) حجَّة على هذا القائل بقوله، وهذا الحديث حجَّة على من زَعَمَ أن الإقامة مثنى مثنى وكذلك رواية ابن حبَّان في «صحيحه» كلُّ هذه حجَّة عليه وعلى إمامه، وأمَّا الجواب عن وجه ترك الترجيع ووجه النَّسخ فقد ذكرناه. انتهى.
وقال ابن عبد البرِّ: ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن جرير، إلى أنَّ ذلك من الاختلاف المباح، فإن ربَّع التكبير الأوَّل في الأذان، أو ثنَّاه، أو رجَّع في التَّشهُّد أو لم يرجِّع، أو ثنَّى الإقامة أو أفردها كلَّها أو إلَّا (قدْ قامَتِ الصَّلاة) فالجميع جائز. وعن ابن خُزَيمَة: إن ربَّع الأذان ورجَّع فيه ثنَّى الإقامة، وإلا أفردها، وقيل: لم يقل بهذا التفصيل أحد قبله، والله أعلم. انتهى.
(٤) (بَابُ فَضْلِ التَّأذِينِ) أي هذا باب في بيان فضل التأذين، وهو مصدر أذَّن بالتشديد، وهو مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصَّلاة، ومنه أُخذ أذان الصَّلاة، وقال الجوهري: والأذين مثله، وقد أذَّن أذانًا، وأما الإيذان فهو من آذن على وزن أفعل، ومعناه الإعلام مطلقًا، وإنَّما قال البخاري: باب فضل التأذين ولم يقل باب فضل الأذان، مراعاةً للفظ الحديث الوارد في الباب، وقال ابن المنيِّر: التأذين يتناول جميع ما يصدر عن المؤذِّن من قول وفعل وهيئة، وحقيقة الأذان تحصل بدون ذلك، قال شيخنا: كذا قال والظَّاهر أنَّ التأذين هنا أطلق بمعنى الأذان، لقوله في الحديث: (حَتَّى لا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ) وفي رواية لمسلم: ((حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ)) فالتقييد
стр. 268
بالسَّماع لا يدلُّ على فعل ولا هيئة، مع أن ذلك هو الأصل في المصدر. انتهى. وقال العَيني: لا نسلِّم هذا الكلام يعني كلام ابن المنيِّر لأنَّ التأذين مصدر فلا يدلُّ إلَّا على حدوث فعل فقط. انتهى.
٦٠٨ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي التِّنِّيسي، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي ابن أَنَس، ترجمته في البدء أيضًا.
قوله: (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) أي بالزاي والنون، واسمه عبد الله بن ذكوان، ترجمته في باب حبِّ الرسول من الإيمان.
قوله: (عَنِ الأَعْرَجِ) أي عبد الرحمن بن هرمز، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه الإخبار كذلك، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع.
قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيطان لَهُ ضُرَاطٌ حتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِين، فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ، حتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى).
مطابقته للترجمة من حيث هروب الشَّيطان عن الأذان، فإن الأذان لو لم يكن له فضل عظيم يتأذَّى منه الشَّيطان لم يهرب منه، فمن حصول هذا الفضل للتأذين يحصل أيضًا للمؤذِّن لأنَّه لا يقوم إلَّا به.
هذا الحديث أخرجه أبو داود، في الصَّلاة عن القَعنَبي عن مالك، وأخرجه النَّسائي أيضًا فيه عن قُتَيْبَة عن مالك بالصلاة، وهي رواية لمسلم أيضًا، وكذا في رواية أبي داود، قال شيخنا: ويمكن حملها على معنى واحد.
قال العَيني: سكت على هذا ولم يُبيِّن وجه ما هو، قلت: تكون الباء للسببية، كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] أي بسبب ذنبه وكذلك المعنى ههنا بسبب الصَّلاة، ومعنى التعليل قريب من معنى السببية.
قوله: (أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ) الإدبار: نقيض الإقبال، يقال: دبر وأدبر إذا ولَّى، والألف واللام في: الشيطان، للعهد، والمراد: الشَّيطان المعهود.
قوله: (لَهُ ضُرَاطٌ) جملة اسميَّة وقعت حالًا، والأصل فيها أن تكون بالواو، وقد تقع بلا واو، كلمته فوه إلى فيَّ، ووَقَعَ في رواية الأَصِيلي: بالواو على الأصل، وهي للبخاري من وجه آخر في بدء الخلق. قال عياض: يمكن حمله على ظاهره لأنَّه جسم متغذٍّ يصحُّ منه خروج الريح، ويحتمل إنَّها عبارة عن شدَّة نفاره، ويقوِّيه رواية لمسلم: ((لَهُ حُصَاصٌ)) بمهملات مضموم الأوَّل، فقد فسَّره الأصمعي وغيره: بشدَّة العدو، قال العَيني: هذا تمثيل لحال الشَّيطان عند هروبه من سماع الأذان بحال من حزقه أمر عظيم، واعتراه خطب جسيم، حتَّى لم يزل يحصل له الضراط من شدَّة ما هو فيها، لأن الواقع
стр. 269
في شدَّة عظيمة من خوف وغيره، تسترخي مفاصله، ولا يقدر على أن يملك نفسه، فينفتح منه مخرج البول والغائط، ولما كان الشَّيطان لعنه الله تعتريه شدَّة عظيمة وداهية جسيمة، عند النداء إلى الصَّلاة، فيهرب حتَّى لا يسمع الأذان، شبَّه حاله بحال ذلك الرجل، وأثبت له على وجه الادعاء الضراط الذي ينشأ من كمال الخوف الشديد، وفي الحقيقة ما ثمَّ ضراط، ولكن يجوز أن يكون ريح، لأنَّه روح ولكن لم تعرف كيفيته. انتهى. وقال الطيبي: شبَّه شغل الشَّيطان نفسه عند سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع، ويمنعه عن سماع غيره ثمَّ سماه ضراطًا تقبيحًا له، فإن قلت: كيف يهرب عن الأذان، ولا يهرب عن قراءة القرآن وهي أفضل من الأذان؟ قلت: إنَّما يهرب من الأذان حتَّى لا يشهد بما سمعه إذا استُشهد يوم القيامة، لأنَّه جاء في الحديث: (لا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلا أَنَس وَلا شَيْءٌ، إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ) والشَّيطان أيضًا شيء أو هو داخل في الجنِّ، لأنَّه من الجنِّ. فإن قلت: الشَّيطان ليس بأهل للشهادة، لأنَّه كافر، والمراد من الحديث يشهد له المؤمنون من الجنِّ والإنس، قال العَيني: إنَّه يدبر لعظم أمر الأذان، لما اشتمل عليه من قواعد الدين، وإظهار شعائر الإسلام وإعلانه. وقيل: ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد. فإن قلت: كيف يهرب من الأذان ويدنو من الصَّلاة وفيها القرآن ومناجاة الحقِّ؟ قال العَيني: أيضًا هروبه من الأذان ليأسه من الوسوسة كما ذكرنا، وفي الصَّلاة تفتح له أبواب الوسواس. انتهى. قلت: التعليل بقولنا حتَّى لا يشهد إذا استُشهد، أظهر من هذا. انتهى. وقيل لأن الأذان دعاء إلى الصَّلاة المشتملة على السُّجود الذي أباه وعصى فيه، واعترض بأنه يعود قبل السجود، فلو كان هروبه لأجله لم يعد إلَّا عند فراغه، وأجيب: بأنَّه يهرب عند سماع الدعاء بذلك ليغالط نفسه بأنه لم يخالف أمرًا، ثمَّ يرجع ليفسد على المصلِّي سجوده الذي أباه، وقيل: إنَّما يهرب لاتفاق الجميع على الإعلان بشهادة الحقِّ وإقامة الشريعة، واعترض بأنَّ الاتِّفاق على ذلك حاصل قبل الأذان وبعده من جميع من يصلِّي، وأجيب: بأن الإعلان أخصُّ من الاتفاق، فإنَّ الإعلان المختصَّ بالأذان لا يشاركه فيه غيره من الجهر بالتكبير والتلاوة مثلًا، ولهذا قال لعبد الله بن زيد: (أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ) أي اقعد بالمدِّ والإطالة والإسماع ليعمَّ الصَّوت ويطول أمد التأذين، فيكثر الجمع ويفوت على الشَّيطان مقصوده من إلهاء الآدمي عن إقامة الصَّلاة في جماعة، أو إخراجها عن وقتها أو وقت فضيلتها فيفرُّ حينئذ، وقد يئس عن أن يردَّهم عمَّا أعلنوا، ثمَّ يرجع لما طبع عليه من الأذى إلى الوسوسة. وقال ابن الجَوْزي: على الأذان
стр. 270
هيبة يشتدُّ بسببها انزعاج الشيطان، لأنَّه لا يكاد يقع في الأذان رياء ولا غفلة عند النطق به، بخلاف الصَّلاة فإن النفس تحضر فيها، فيفتح لها الشَّيطان أبواب الوسوسة. وقد ترجم عليه أبو عوانة: الدليل على أن المؤذِّن في أذانه وإقامته منفي عنه الوسوسة والرياء لتباعد الشَّيطان منه، وقيل: لأن الأذان إعلام بالصَّلاة الَّتي هي أفضل الأعمال، بألفاظ هي من أفضل الذكر، لا يُزاد فيها ولا يُنقص منها، بل يقع على وفق الأمر، فيفرُّ من سماعها. وأمَّا الصَّلاة فلما يقع من كثير من النَّاس فيها من التفريط فيتمكَّن الخبيث من المفرِّط، فلو قُدِرَ أن المصلِّي وفى بجميع ما أُمر به فيها لم يقربه وحده وهو نادر، وكذا إذا انضم إليه مثله فإنه يكون أندر، أشار له ابن أبي جَمْرَة نفع الله ببركته.
قوله: (حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِيْنَ) الظَّاهر أن هذه الغاية لأجل إدباره، وقال شيخنا: ظاهره إنَّه يتعمد إخراج ذلك إمَّا ليشتغل بسماع الصَّوت الذي يخرجه عن سماع المؤذِّن، أو يصنع ذلك استخفافًا كما يفعله السًّفهاء، ويحتمل أن لا يتعمَّد ذلك، بل يحصل له عند سماع الأذان شدَّة خوف يحدث له ذلك الصَّوت بسببها، ويحتمل أن يتعمد ذلك ليقابل ما يناسب الصَّلاة من الطهارة بالحدث. انتهى. قلت: ومثل هذا ما يفعله بعض الكفَّار من النصارى وهو إنَّه إذا سمع المؤذِّن يصلب على وجهه، ليقابل الإيمان بكفره. انتهى. وقال شيخنا أيضًا: واستدلَّ به على استحباب رفع الصَّوت بالأذان، لأنَّ قوله: (حَتَّى لَا يَسْمَعَ) ظاهر في إنَّه يبعد إلى مكان ينتفي فيها سماعه للصوت، وقد وَقَعَ بيان الغاية في رواية لمسلم من حديث جابر فقال: (حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ) وحكى الأَعْمَش عن أبي سُفْيان روايةً عن جابر أن بين المدينة والروحاء ستَّة وثلاثون ميلًا، هذه رواية قُتَيْبَة عن جرير عند مسلم، وأخرجه عن إِسْحاق عن جرير ولم يسق لفظه، ولفظ إِسْحاق في «مسنده» : ((حَتَّى يَكُونَ بِالرَّوْحَاءِ)) وهي ثلاثون ميلًا عن المدينة. فأدرجه في الخبر، والمعتمد رواية قُتَيْبَة، وسيأتي حديث أبي سعيد في فضل رفع الصَّوت بالأذان بعد، قال ابن بطَّال: يشبه أن يكون الزجر من خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذِّن المؤذِّن من هذا المعنى، لئلَّا يكون متشبِّهًا بالشَّيطان الذي يفرُّ عند سماع الأذان.
قوله: (فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ) بضمِّ القاف على صيغة المجهول، سند إلى فاعله وهو النداء القائم مقام المفعول، ويروى على صيغة المعلوم، ويكون الفاعل هو الضَّمير الذي فيه، وهو المؤذِّن، والنداء منصوب على المفعولية، والقضاء يأتي لمعانٍ كثيرةٍ، وههنا بمعنى: الفراغ. تقول: قضيت حاجتي أي فرغت منها أو بمعنى الانتهاء.
قوله: (أَقْبَلَ) زاد مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة: ((فَوَسْوَسَ)).
قوله: (حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ) بضمِّ الثَّاء المثلَّثة وتشديد الواو
стр. 271
المكسورة، أي حتَّى إذا أقيم الصَّلاة، والتثويب ههنا الإقامة، كما ذهب إليه الجمهور وبذلك جزم أبو عَوانة في «صحيحه» والخطَّابي والبَيْهَقي وغيرهم، والعامَّة لا تعرف التثويب إلَّا قول المؤذِّن في صلاة الفجر: الصَّلاة خير من النَّوم حسب، ومعنى التثويب في الأصل الإعلام بالشيء والإنذار بوقوعه، وأصله أن يلوِّح الرجل لصاحبه بثوبه فيدبره عند أمر يرهقه من خوف أو عدو، ثمَّ كثر استعماله في كلِّ إعلام يجهر به صوت، وإنما سمِّيت الإقامة: تثويبًا، لأنَّه عود للنداء، من: ثاب إلى كذا إذا عاد إليه، وقال القُرْطُبي: ثوِّب بالصَّلاة أي أقام لها، وأصله إنَّه رجع إلى ما يشبه الأذان، وكلُّ مردِّد صوتًا فهو مثوِّب، ويدلُّ عليه رواية مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة: ((فَإِذَا سَمِعَ الْإِقَامَةَ ذَهَبَ)) وزَعَمَ بعض الكوفيين أنَّ المراد بالتثويب قول المؤذِّن بين الأذان والإقامة: حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصَّلاة، وحكى ذلك ابن المنذر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وزَعَمَ إنَّه تفرَّد به، لكن في «سنن أبي داود» عن ابن عُمَر: إنَّه كره التثويب بين الأذان والإقامة، فهذا يدلُّ على أن له سلفًا في الجملة، ويحتمل أن يكون الذي تفرَّد به القول الخاص.
قوله: (حَتَّى يَخْطُرَ) -بضمِّ الطاء وكسرها- وقال عياض: ضبطناه من المتقنين بالكسر، وسمعناه من أكثر الرُّواة بالضمِّ، قال: والكسر هو الوجه، ومعناه: يوسوس، من قولهم: خطر الفحل بذَنَبِه إذا حرَّكه يضرب به فخذيه، وأمَّا الضمُّ، فمن المرور أي يدنو منه فيما بينه وبين قبلته فيشغله عمَّا هو فيه، وبهذا فسَّره الشُرَّاح، وبالأوَّل فسَّره الخليل، وقال الباجي: فيحول بين المرء وما يريد من نفسه من إقباله على صلاته وإخلاصه. قال الهجري في «نوادره» : يخْطِر بالكسر في كلِّ شيء، وبالضمِّ ضعيف.
قوله: (بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ) أي قلبه، وكذا وَقَعَ للبخاري من وجه آخر في بدء الخلق، وبهذا التفسير يحصل الجواب عمَّا قيل، كيف يتصوَّر خطوره بين المرء ونفسه، وهما عبارتان عن شيء واحد؟ وقد يكون تمثيلًا لغاية القرب منه.
قوله: (يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا) هكذا هو بلا واو العطف في رواية الأكثرين، ووَقَعَ في رواية كريمة بواو العطف: <اذْكُرْ كَذَا وَاذْكُرْ كَذَا> في رواية مسلم وللبخاري أيضًا في صلاة السهو، وزاد مسلم من رواية عبد ربُّه عن الأعرج: ((فَهَنَّاهُ وَمَنَّاهُ، وَذَكَّرَهُ مِنْ حَاجَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ)).
قوله: (لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) أي لشيءٍ لم يكن على ذكره قبل دخوله في الصَّلاة، وفي رواية لمسلم: ((لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْل)) قال شيخنا: ومن ثمَّ استنبط أبو حنيفة للذي شكا إليه إنَّه دفن مالًا، ثمَّ لم يهتد لمكانه، أن يصلِّي ويحرص أن لا يُحَدِّث نفسه بشيء من أمر الدُّنْيا ففعل، فذكر مكان المال في الحال. قيل: خصَّه بما يعلم دون ما لا يعلم، لأنَّه يميل لما يعلم أكثر لتحقق وجوده، والذي يظهر إنَّه أعم من ذلك فيذكره لما سبق له به علم، ليشغل باله به، وبما لم يكن سبق له ليوقعه في الفكرة فيه، وهذا أعم من أن يكون في أمور الدُّنْيا أو في أمور الدين كالعلم، لكن هل يشمل ذلك التفكُّر في معاني الآيات الَّتي يتلوها؟
стр. 272
لا يبعد ذلك، لأنَّ غرضه تقريب خشوعه وإخلاصه بأي وجه كان. انتهى.
قوله: (حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ) بفتح الظاء أي حتَّى يصير الرجل ما يدري كم صلَّى من الركعات، ورواية الجمهور بالظاء المشالة المفتوحة ومعناه في الأصل اتصاف المخبر عنه بالخبر نهارًا، لكنها هنا بمعنى يصير، كما في قوله تعالى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ﴾ [النحل: ٥٨] وقيل: معناه يبقى ويدوم، ووَقَعَ عند الأَصِيلي: يضِل، بالضاد المعجمة المكسورة أي ينسى ويذهب وهمه ويسهو، قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال ابن قرقول: وحكى الداودي إنَّه روي: يضِلُّ ويضَلُّ، من الضلال وهو الحيرة. قال: والكسر في المستقبل أشهر، وقال القُشَيري: ولو روى هذا الرجل حتَّى يُضِلَّ الرجل لكان وجهًا صحيحًا، يريد: حتَّى يُضِلَّ الشَّيطان الرجل عن درايته كمْ صلَّى؟ قال: ولا أعلم أحدًا رواه، لكنَّه لو روي لكان وجهًا صحيحًا في المعنى، غير خارج عن مُرَاده ﵇، وفي رواية للبخاري في صلاة السَّهو: (إِنْ يَدْرِى كَمْ صَلَّى) وكذا في رواية أبي داود. وكلمة: (إن) بالكسر نافية يعني: ما يدري، قال القاضي عياض: ورُوي بفتحها، قال: وهي رواية ابن عبد البرِّ، وادَّعى إنَّها رواية أكثرهم، وكذا ضبطه الأَصِيلي في كتاب البخاري والصحيح الكسر، قال العَيني: الفتح إنَّما يتوجَّه على رواية: يضِلُّ، بالضاد فيكون: (أن) مع الفعل بعدها بتأويل المصدر، أي يجهل درايته وينسى عدد ركعاته. فإن قلت: أثبت له الضراط في إدباره الأوَّل ولم يثبت في الثاني؟ قال العَيني: لأنَّ الشدة في الأوَّل تلحقه على سبيل الغفلة فتكون أعظم، أو يكون اكتفى بذكره في الأوَّل عن ذكره في الثاني. انتهى.
فيه أنَّ الأذان له فضل عظيم حتَّى يلحق الشَّيطان منه أمر عظيم، كما ذكرناه، وكذلك المؤذِّن له أجر عظيم، إذا كان أذانه احتسابًا لله تعالى، وفي صحيحي ابن خُزَيمَة وابن حبَّان: ((المُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَّ صَوْتِهِ، وَيَسْتَغْفِرْ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَشَاهِدُ الصَّلاة، يُكْتَبُ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حَسَنَةً، وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَهُمَا)) وعند أحمد ﵀: ((وَيُصَدِّقُهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ سَمِعَهُ)) وعند أبي الشيخ: ((كُلُّ مَدَرَةٍ وَصَخْرَةٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ)) وفي كتاب «الفضائل» لحُمَيد بن زنجويه من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: ((يُكْتَبُ لِلْمُؤَذّن عِنْد أَذَانِهِ أَرْبَعُونَ وَمِائَة حَسَنَة، وَعندَ الإِقامَة عشرُون وَمِائَة حَسَنَة)) وفي كتاب أبي القاسم الجوزي عن أبي سعيد وغيره: ((ثَلَاثَةٌ يَوْمَ القِيَامَة عَلَى كُثُبٍ مِنْ مِسْكٍ أَسْوَد، لَا يَهُولهُم فَزَعً وَلَا يَنَالُهُم حِسَاب)) الحديث وفيه: ((وَرَجُلٌ أَذَّنَ وَدَعَا إِلَى اللهِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ)) وعند السرَّاج عن أبي هريرة بسند جيد: ((المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاس أَعْنَاقًا، لِقَوْلِهِم: لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ)) وفي لفظ: ((يُعْرَفُونَ بِطُولِ أَعْنَاقِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ)) خرَّجه أيضًا ابن حبَّان في صحيحه، وعند أبي الشيخ: ((مَن أَذَّنَ خَمْسَ صلواتٍ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِه)) وفي كتاب «الصحابة» لأبي موسى
стр. 273
من حديث كثير بن مرَّة الحضرمي مرفوعًا: ((أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى مِنْ حلَلِ الجنَّة بعد النَّبِيين، ﵈، وَالشُّهَدَاء: بِلَال وَصَالح المؤذنين)) وفي كتاب «شعب الإيمان» للبيهقيِّ من حديث أبي معاوية عن أبي يعيش السكوني عن عبادة بن نسَى يرفعه: ((مَنْ حَافَظَ عَلى النِّدَاءِ بِالأَذَانِ سَنَةً أَوْجَبَ الجنَّةَ)) وعند أبي أحمد بن عدي من حديث عُمَر بن حَفْص العبدي وهو متروك عن ثابت عن أنس: ((يد الله تعالى على رأس المؤذِّن حتَّى يفرغ من أذانه، وإنَّه ليغفر له مَدَّ صوته وأين بلغ))، زاد أبو الشيخ من حديث النعمان: ((فإذا فرغ قال الربُّ تعالى: صدقت عبدي وشهدت شهادة الحق فأبشر))، وعند أبي الفَرَج: ((يُحْشرُ المؤَذِّنون عَلى نُوقٍ من نُوقِ الجنَّة يخَافُ النَّاس وَلَا يخَافُونَ ويحزنُ النَّاس وَلَا يَحْزَنُونَ))، وعند أبي الشيخ من حديث أبي موسى: ((يُبْعَثُ يَوْمُ الجُمُعَة زاهرًا مُنيرًا وَأهلُ الجنَّة مَحفوفونَ بِهِ كالعروسِ تُهدى إِلَى بَيتِ زَوجِهَا، لَا يُخالطُهُم إلَّا المؤذِّنونَ المحتسِبونَ)) وحديث جابر ﵁: ((قِيلَ: يا رَسُولَ الله، مَنْ أوَّل النَّاس دُخُولًا الجَنَّةِ؟ قال: الأَنبِياءُ، ثمَّ الشُّهَداءُ، ثمَّ مُؤَذِّنُو الكَعبَةِ، ثمَّ مُؤَذِّنُو بَيتِ المَقدِسِ، ثمَّ مُؤَذِّنُو مَسجِدِي هَذا، ثمَّ سائِرُ المُؤَذِّنِينَ)) سندهما صالح، وحديث أُبي بن كعب ﵁: ((دَخَلْتُ الجنَّة فَرَأَيْتُ فِيهَا جنابذَ اللُّؤْلُؤ، فَقلتُ: لِمَنْ هَذَا يَا جِبْرِيل؟ قَالَ: لِلْمُؤذِّنينَ وَالأَئِمَّة منْ أُمَتِّكَ))، وقال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر، وعند عبد الرزَّاق: من حديث عبد الرحمن بن سعيد بن عمَّار بن سعد المؤذِّن عن صفوان بن سليم عن أَنَس رفعه: ((إِذَا أُذِّنَ فِي قَرْيَةٍ أَمَّنَهَا اللَّهُ مِنْ عَذَابِهِ ذَلِكَ اليَوْمَ))، وعند السرَّاج بسند صحيح: ((الإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ))، قال العَيني: ومن هذا أخذ الشَّافعي ﵁ أنَّ الأذان أفضل من الإمامة، وعندنا الإمامة أفضل لأنَّها وظيفة النَّبِيِّ ﷺ . انتهى.
وفيه: أنَّ السَّهو الذي يحصل للمصلِّي في صلاته من وسوسة الشيطان.
تنبيهان: أحدهما: فهم بعض السلف من الأذان في هذا الحديث الإتيان بصورة الأذان وإن لم توجد فيه شرائط الأذان من وقوعه في الوقت وغير ذلك، ففي مسلم من رواية سهيل عن أبي صالح عن أبيه إنَّه قال: ((إِذَا سَمِعْتَ صَوْتًا فَنَادِ بِالصَّلَاةِ)) واستدلَّ بهذا الحديث، وروى مالك عن زيد بن أسلم نحوه.
الثاني: وردت في فضل الأذان أحاديث كثيرة، ذكر المُصَنِّف بعضها في مواضع أخرى، واقتصر على هذا هنا، لأنَّ الخبر تضمَّن فضلًا لا ينال بغير الأذان، بخلاف غيره من الأخبار فإن الثواب المذكور فيها يُدرك بأنواع أخرى من العبادات، والله أعلم.
(٥) (بابُ رَفْعِ الصَّوت بالنِّدَاءِ) أي هذا باب في بيان رفع الصَّوت بالنداء، أي رفع المؤذِّن صوته بالأذان، قال ابن المنيِّر: لم ينص على حكم رفع الصَّوت لأنَّه من صفة الأذان، وهو لم ينصَّ في أصل الأذان على حكم، قال العَيني: هو في الحقيقة صفة المؤذِّن لا صفة
стр. 274
الأذان، ولا يحتاج إلى نصِّ الحكم ظاهرًا، لأنَّ حديث الباب يدلُّ على أنَّ المراد ثواب رفع الصوت، فيكون تقدير كلامه: باب في بيان ثواب رفع المؤذِّن صوته عند الأذان، كما ترجم النَّسائي باب الثواب على رفع الصَّوت بالأذان.
قوله: (وَقَالَ عُمَر بنُ عَبْدِ العَزِيزِ) قلت: هو الإمام العادل الأموي القرشي، ترجمته في كتاب الإيمان ﵁.
قوله: (أَذِّنْ أذانًا سَمْحًا وإلاِّ فاعْتَزِلْنَا) مطابقة الأثر للترجمة، ما قاله الداودي: لعلَّ هذا المؤذِّن لم يكن يحسن مدَّ الصَّوت إذا رفع بالأذان فعلَّمه، وليس إنَّه نهاه عن رفع الصوت، قال العَيني: كأنَّه كان يطرَّب في صوته ويتنغم، ولا ينظر إلى مدِّ الصَّوت مجرَّدًا عن ذلك، فأمره عُمَر بن عبد العزيز بالسماحة وهي السهولة، وهي أن يسمح بترك التطريب، ويمدُّ صوته، ويدلُّ على ذلك ما رواه الدَّارَقُطْني، بسندٍ فيه لين، قال شيخنا: وفيه إِسْحاق بن أبي يحيى الكعبي، وهو ضعيف عند الدَّارَقُطْني، وابن عدي، وقال ابن حبَّان: لا تحلُّ الرواية عنه، ثمَّ غفل فذكره في الثقات من حديث ابن عبَّاس (أنه ﵇ كان له مؤذِّن يطرب، فقال له ﵇: المؤَذِّنُ سَهْلٌ سَمْحٌ، فَإِنْ كَانَ أَذَانُكَ سَهْلًا سَمْحًا وَإِلا فَلا تُؤَذِّنْ) قال العَيني: ويحتمل أن هذا المؤذِّن لم يكن يفصح في كلامه ويغمغم، فأمره بالسماحة في أذانه، وهي ترك الغمغمة بإظهار الفصاحة، وهذا لا يكون إلَّا بمدِّ الصَّوت بحدَّة، وروى مجاشع عن هارون بن محمَّد عن نافع عن ابن عمر: (قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لَا يُؤَذِّنُ لَكُمْ إلَّا فَصِيْحٌ) وقال ابن عدي: هارون هذا لا يعرف، قال شيخنا: هذا التعليق وصله ابن أبي شَيْبَة من طريق سعيد بن أبي حسن، أي عن وكيع عن سُفْيان عن عُمَر بن سعيد: (أنَّ مُؤَذِّنًا أذَّنَ فَطَرَّبَ في أذانِهِ، فقالَ لَهُ عُمَر بن عبد العزيز: أذِّن أذانًا سمحًا وإلَّا فاعتزْلنا)، ولم أقف على اسم هذا المؤذِّن، وأظنُّه من بني سعد القَرَظ، لأن ذاك وَقَعَ حيث كان عُمَر بن عبد العزيز أميرًا على المدينة، والظاهر إنَّه خاف عليه من التطريب الخروج عن الخشوع، لا إنَّه نهاه عن رفع الصوت. انتهى.
قوله: (أَذِّنْ) بلفظ الأمر من الفعل، وهو خطاب لمؤذِّنه.
قوله: (سَمْحًا) أي سهلًا بلا نغمات وتطريب.
قوله: (فاعْتَزِلْنَا) أي فاترك منصب الأذان.
٦٠٩ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ) أي التِّنِّيسي، ترجمته في كتاب الوحي.
قوله: (قَالَ: أَنْبَأَنَا مَالِكٌ) أي ابن أَنَس ترجمته فيه أيضًا.
قوله: (عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبي صَعْصَعَةَ الأنْصَارِيِّ ثمَّ المَازِنِيِّ) صعصعة بالمهملات المفتوحات، إلَّا العين الأولى فإنها ساكنة، والمازني بالزاي والنون، مات في خلافة أبي جعفر، ومنهم من ينسبه إلى جدِّه، واسم أبي صَعصَعة: عَمْرو بن زيد بن عَوْف بن مبذول بن عَمْرو بن غَنْم بن مازن بن النجَّار، مات أبو صَعصَعة في الجاهليَّة وابنه عبد الرحمن صحابي، روى ابن شاهين في «الصحابة»، من طريق قَيْس بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعصَعة عن أبيه عن جدِّه حديثًا سمعه من النَّبِيِّ صلَّى الله عليه
стр. 275
وسلَّم، وفي سياقه أنَّ جدَّه كان بدريًّا، قال شيخنا: وفيه نظر لأنَ أصحاب المغازي لم يذكروه فيهم، وإنما ذكروا أخاه قَيْس بن أبي صَعصَعة. انتهى.
قوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي عبد الله بن عبد الرحمن، زاد ابن عُيَيْنَة: وكان يتيمًا في حجر أبي سعيد، وكانت أمُّه عند أبي سعيد، أخرجه ابن خُزَيمَة من طريقه، لكن قلبه ابن عُيَيْنَة فقال: عن عبد الرحمن بن عبد الله، والصحيح قول مالك، ووافقه عبد العزيز بن الماجِشُون، وزَعَمَ ابن مسعود في «الأطراف» : أن البخاري أخرج روايته، لكن لم نجد ذلك، ولا ذكرها خلف قاله ابن عساكر.
قوله: (أنَّهُ أخْبَرَهُ أنَّ أَبَا سعِيدٍ الخُدْري ﵁ قَالَ لَهُ) أي سعيد بن مالك، ترجمته في باب من الدين الفرار من الفتن.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك في موضع واحد، وبصيغة الإفراد في موضع واحد. وفيه العنعنة في موضعين. وفيه السماع. وفيه أنَّ عبد الرحمن من أفراد البخاري، وفيه أنَّ رواته مدنيُّون ما خلا شيخ البخاري.
قوله: (إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ -أَوْ بَادِيَتِكَ- فَأَذَّنْتَ للصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا أَنَس وَلَا شَيْءٌ إلَّا يَشهَدُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وقَالَ أبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ منْ رَسُولِ الله ﷺ .
مطابقته للترجمة في قوله: (فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ). هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في ذكر الجنِّ عن قُتَيْبَة، وفي التوحيد عن إسماعيل وعن أبي نُعَيم عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجِشُون عن عبد الرحمن بن أبي صَعصَعة عن أبيه به، ذكره خلف وحده، وقال أبو القاسم: لم أجده ولا ذكره أبو مسعود، وأخرجه النَّسائي في الصَّلاة عن محمَّد بن سلمة عن أبي القاسم عن مالك به، وأخرجه ابن ماجَهْ فيه عن محمَّد بن الصبَّاح عن سُفْيان بن عُيَيْنَة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعصَعة عن أبيه عن أبي سعيد به، كذا يقول سُفْيان.
قوله: (قَالَ لَهُ) أي قال أبو سعيد لعبد الله بن عبد الرحمن.
قوله: (تُحِبُّ الغَنَمَ والبَادِيَةَ) أي لأجل الغنم، لأن محبَّها يحتاج إلى إصلاحها بالمرعى، وهو في الغالب يكون في البادية، وهي الصحراء الَّتي لا عمارة فيها.
قوله: (فَإذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ) أي بين غنمك، وكلمة: (في)، تأتي بمعنى بين، كما في قوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩]. وفي «المخصص» : الغنم جمع لا واحد له من لفظه. وقال أبو حاتم: وهي أنثى. وعن صاحب العين» : الجمع أغنام وأغانم وغنوم، وفي «المحكم» : ثنُّوه فقالوا: غنمان، وفي «الجامع» : هو اسم لجمع الضأن والمعز، وفي «الصحاح» : موضوع للجنس يقع على الذكور والإناث وعليهما جميعًا.
قوله: (أوْ بَادِيَتِكَ) كلمة: أو، هنا تحتمل أن تكون للشكِّ من الراوي، أو تكون للتنويع، لأنَّه قد يكون في غنم بلا بادية، وقد يكون في بادية بلا غنم، وقد يكون فيهما معًا. وقد لا يكون فيهما معًا، وعلى كلِّ حال لا يترك الأذان.
قوله: (فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ) أي لأجل الصَّلاة، وفي رواية للبخاري في بدء الخلق: بالصلاة، والباء للسببيَّة ومعناهما قريب، أي أعلمت
стр. 276
بوقتها.
قوله: (فارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ) أي الأذان، قال شيخنا: فيه إشعار بأن أذان من أراد الصَّلاة كان مقررًا عندهم لاقتصاره على الأمر بالرفع دون أصل التأذين.
قوله: (فإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤذِّنٌّ) أي لا يسمع غاية صوته. قال التُّوْرِبِشْتي: إنَّما ورد البيان على الغاية مع وصول الكفاية بقوله: (لا يسمع صوت المؤذِّن)، تنبيهًا على أن آخر من ينتهي إليه صوته يشهد له كما يشهد له الأولون. وقال القاضي البَيْضاوي: غاية الصَّوت يكون أخفى لا محالة، فإذا شهد له من بعد عنه ووصل إليه همس صوته، فلأنَّ يشهد له من هو أدنى وسمع مبادي صوته أولى.
قوله: (جِنٌّ ولَا أَنَس ولَا شَيْءٌ) ظاهره يشمل الحيوانات والجمادات، فهو من العامِّ بعد الخاصِّ، ويؤيِّده ما في رواية ابن خزيمة: ((لَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ شَجَرةٌ وَلَا مَدَرٌ وَلَا حَجَرٌ وَلَا جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ)) وله ولأبي داود والنَّسائي من طريق أبي يحيى عن أبي هريرة بلفظ: ((المُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَّ صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ)) ونحوه للنسائيِّ، وغيره من حديث البراء، وصححه ابن السكن، فهذه الأحاديث تُبيِّن المراد من قوله في حديث الباب: (وَلَا شَيْءٌ) وقد تكلَّم بعض من لم يطلع عليها في تأويله على ما يقتضيه ظاهره، قال القُرْطُبي: قوله: (وَلَا شَيْءٌ) المراد به الملائكة. وتعقِّب بأنهم دخلوا في قوله: (جِنٌّ) لأنَّهم يستخفون عن الأبصار، وقال غيره: المراد كلُّ ما يسمع المؤذِّن من الحيوانات حتَّى ما لا يعقل دون الجمادات. ومنهم من حمله على ظاهره، وذلك غير ممتنع عقلًا ولا شرعًا. قال ابن بزيزة: تقرر في العادة أن السماع والشهادة والتسبيح لا يكون إلَّا من حيٍّ، فهل ذلك حكاية عن لسان الحال لأنَّ الموجودات ناطقة بلسان حالها بجلال بارئها، أو هو على ظاهره؟ وغير ممتنع عقلًا أن الله يخلق فيها الحياة والكلام. انتهى. وقد تقدَّم البحث في ذلك في قول النَّار: (أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا) وسيأتي في الحديث الذي فيه أن البقرة قالت: (إِنَّمَا خُلِقْنا لِلْحَرْثِ) وفي مسلم من حديث جابر بن سَمُرَة مرفوعًا: ((إِنّي لأَعْرِفُ حَجَرًا كَانَ يُسَلّمُ عَلَيّ)).
ونقل ابن التِّين عن أبي عبد الملك: إنَّ قوله هنا: ((وَلَا شَيْءٌ)) نظير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وتعقَّبه بأن الآية مختلف فيها، قال شيخنا: وما عرفت وجه هذا التعقُّب، فإنهما سواء في الاحتمال ونقل الاختلاف، إلَّا أن يقول إنَّ الآية لم يختلف في كونها على عمومها، وإنما اختلف في تسبيح بعض الأشياء هل هو على الحقيقة أو المجاز بخلاف الحديث. والله أعلم. انتهى.
قوله: (إلَّا شَهِدَ لَهُ) وفي رواية الكُشْمِيهَني: <إلَّا يَشْهَدُ لَهُ>، أي بلفظ المضارع، وتوجيههما واضح.
قال شيخنا: السِّرُّ في هذه الشَّهادة مع إنَّها تقع عند عالم الغيب والشهادة، أن أحكام الآخرة جرت على نعت أحكام الخلق في الدُّنْيا من توجيه الدعوى والجواب والشهادة، قاله الزَّين بن المنيِّر: وقال التُّوْرِبِشْتي: المراد من هذه الشَّهادة اشتهار المشهود له يوم القيامة بالفضل وعلو الدرجة، كما أن الله يفضح بالشهادة قومًا فكذلك يكرِّم بالشهادة آخرين.
قوله: (وَقَالَ أبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ منْ رَسُولِ اللهِ
стр. 277
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم) قال الكِرْماني: أي هذا الكلام الأخير، وهو قوله أنَّه لا يسمع، إلى آخره. قال شيخنا: وقد أورد الرَّافعي هذا الحديث في الشرح بلفظ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لأبي سعيد: إنك رجل تحبُّ الغنم، وساقه إلى آخره، وسبقه إلى ذلك الغزالي وإمامه والقاضي حسين وابن داود شارح المختصر وغيرهم، وتعقَّبه النَّوَويُّ، وأجاب ابن الرِّفْعَة عنهم بأنَّهم فهموا أن قول أبي سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ ، عائد على إلى ما ذكر. انتهى. ولا يخفى بُعْدَه، وقد رواه ابن خُزَيمَة من رواية ابن عُيَيْنَة ولفظه: ((قال أبو سعيد: إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالنِّداء، فإنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: لَا يَسْمَعُ بذكره))، ورواه يحيى القطَّان أيضًا عن مالك بلفظ: ((أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: إذا أذَّنتَ فَارْفَعْ صَوْتَكَ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ بذكره)). فالظَّاهر أنَّ ذكر الغنم والبادية موقوف، والله أعلم. انتهى. قال العَيني: والصَّواب مع النَّوَوي، لما رواه ابن خُزَيمَة ويحيى القطَّان كما ذكرناه. انتهى.
فيه: استحباب رفع الصَّوت بالأذان ليكثر من يشهد له، ما لم يجهده أو يتأذَّى به، ولو أذَّن على مكان مرتفع ليكون أبعد لذهاب الصَّوت، وكان بلال ﵁ يؤذِّن على بيت امرأة من بني النَّجَّار، بيتها أطول بيت حول المسجد، وفيه: أن حبَّ الغنم والبادية لا سيَّما عند نزول الفتن من عمل السلف الصالح، وفيه: جواز التبدِّي ومساكنة الأعراب ومشاركتهم في الأسباب، بشرط حظٍّ من العلم وأمن من غلبة الجفاء، وفيه: أن أذان الفذِّ مندوب إليه ولو كان في قفر، ولو لم يرتج حضور من يصلِّي معه، لأنَّه إن فاته دعاء المصلِّين فلم يفته استشهاد من سمعه من غيرهم.
وللشافعي في أذان المنفرد، ثلاثة أقوال: أصحُّها نعم، لحديث أبي سعيد هذا، والثاني وهو القديم: لا يُندب، لأنَّ المقصود من الأذان الإبلاغ والإعلام، وهذا لا ينتظم في المنفرد. والثالث: إن رجى حضور جماعة أذَّن لإعلامهم، وإلَّا فلا، وحمل حديث أبي سعيد على أنَّه كان يرجو حضور غلمانه، وفيه: أن الجنَّ يسمعون أصوات بني آدم. وفيه: أنَّ بعض الخلق يشهد لبعض.
قلت: وفيه: أنّ الكافر يشهد للمؤمن يوم القيامة، وفيه: جواز حبِّ المال، وفيه: أنَّ الله ﵎ يشهد للمؤذِّنين... (١) يوم القيامة، ﴿وَكَفَى بِالله شَهِيْدًا﴾ [الفتح: ٢٨]. انتهى.
(٦) (بَابُ مَا يُحْقَنُ بِالأَذَانِ مِنَ الدِّمَاءِ) أي هذا باب في بيان ما يمنع من الدِّماء بسبب الأذان، يقال: حقنت له دمه، إذا منعت من قتله وإراقته، أي جمعته له وحبسته عليه، وأصل الحقن الحبس، ومنه الحاقن لأنَّه يحبس بوله أو غائطه في بطنه، ومنه: حقن اللبن، إذا حبسه في السقاء، والدِّماء جمع: دم.
قال الزَّين بن المنيِّر: قصد البخاري بهذه الترجمة واللتين قبلها، استيفاء ثمرات الأذان، فالأولى: فيها فضل التأذين لقصد الاجتماع للصلاة، والثانية: فيها فضل
стр. 278
أذان المنفرد لإيداع الشَّهادة له بذلك، والثالثة: فيها حقن الدِّماء عند وجود الأذان.
قال: وإذا انتفت عن الأذان فائدة من هذه الفوائد لم يشرع إلَّا في حكايته عند سماعه، ولهذا عقَّبه بترجمة ما يقول إذا سمع المنادي. انتهى كلامه ملخصًا.
٦١٠ - قوله: (حَدَّثَنِي قُتَيْبَة قَالَ: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيْلُ بنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ) هذا الإسناد بعينه قد سبق في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله.
قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه كانَ إِذا غَزَا بِنَا قوْمًا، لَمْ يَغْزُ بِنَا حتَّى يُصْبِحَ ويَنْظُرَ، فإنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وإنْ لَمْ يَسْمَعْ أذَانًا أغَارَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَخَرَجْنَا إلَى خَيْبَرَ فانْتَهَيْنَا إلَيْهِمْ لَيْلًا، فلَمَّا أصْبَحَ ولَمْ يَسْمَعْ أذَانًا رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ أبي طَلْحَةَ، وإنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: فَخَرَجُوا إلَيْنَا بِمَكاتِلِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ، فلَمَّا رَأوا النَّبِيَّ ﷺ ، قَالُوا مُحَمَّدٌ واللهِ مُحَمَّدٌ والجيشُ، فَلَمَّا رَآهُمُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، قالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧]) مطابقته للترجمة ظاهرة.
أخرجه البخاري أيضًا عن قُتَيْبَة في الجهاد، وروى مسلم طرفه المتعلِّق بالأذان من طريق حمَّاد بن سلمة عن ثابت عن أَنَس قال: ((كَانَ رَسُوْلُ اللَّهِ ﷺ يُغِيْرُ إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ، وكان يَسْتَمِعُ الأَذَانَ، فَإِنْ سَمِعَ الأَذَانَ أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ)).
قوله: (إِذا غَزَا بِنَا) أي مصاحبًا للصحابة.
قوله: (لَمْ يَغْزُ بِنَا) قال الكِرْماني: فيه خمس نسخ، قلت: الأولى: <لمْ يَغْزُو>، من: غزا يغزو غزوًا، والاسم: الغزاة، وكأنَّ الأصل فيه إسقاط: الواو علامة للجزم، ولكنَّه على بعض اللغات، وهو عدم إسقاط الواو، وإخراجه على الأصل، ثمَّ قيل: هذه لغة، وقيل: ضرورة، ولا ضرورة إلَّا في الشعر كما قال الشاعر: لم تهجو ولم تدع، ووروده هكذا يدلُّ على أنَّه لغة، وهذه رواية كريمة، الثانية: <لمْ يَغْزُ>، مجزومًا على أنَّه بدل من لفظ: لم يكن. وهي رواية المُسْتَمْلي، الثالثة: <لمْ يُغِيْرَ>، من الإغارة بإثبات الياء بعد الغين، وهي رواية الأَصِيلي، وهي على غير الأصل، الرابعة: <لمْ يُغِرْ> من الإغارة أيضًا لكنَّه على الأصل، الخامسة: <لمْ يَغْدُوا> -بإسكان الغين وبالدَّال المهملة- من: الغدو، ونقيض الرواح وهي رواية الكُشْمِيهَني، ورواية مسلم تشهد لرواية من رواه من الإغارة، والله أعلم.
قوله: (ويَنْظُرَ) أي ينتظر.
قوله: (خَرَجْنَا إلَى خَيْبَرَ) وخيبر بلغة اليهود: حصن، وقد ذكرنا تحقيق هذا في: باب ما يذكر في الفخذ، فإنَّ البخاري ذكر بعض هذا الحديث هناك عن أنس: ((أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ غَزَا خَيْبَرَ، فَصَلِّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللهِ ﵇، وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ وَأَنَا رَدِيْفُ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَجْرَى نَبِيُّ اللهِ ﷺ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ ، ثمَّ حَسَرَ الإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ، حتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا دَخَلَ القَرْيَةَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧])) قَالَهَا ثَلَاثًا، الحديث. وأبو طلحة وهو الصحابي المشهور، واسمه: زيد
стр. 279
بن سهيل، وهو زوج أم أنس، وقال ﵇: ((لَصوت أبي طلحة في الجيش خير من مئة)) وروي: ((مِن مئة رجل)).
قوله: (مَكاتِلُهُم) هو المكتل بكسر الميم وهو القُفَّة، أي: الزنبيل و (المساحي) جمع مسحاة وهي المجرفة إلا أنها من الحديد.
قوله: (وَالجَيشُ) أي: جاء محمد والجيش، وروي بالنصب على أنه مفعول معه، ويروى: ((الخميس)) بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم، هو بمعنى الجيش لكن سُمي به لأنه خمسة أقسام: قلب وميمنة وميسرة ومقدمة وساقة.
قوله: (خَرِبَت خَيبَرُ) إنما قال بخرابها لما رأى في أيديهم من آلات الخراب من المساحي وغيرها، وقيل: أخذه من اسمها، والأصح: أنه أعلمه الله بذلك.
قوله: (بِسَاحَةٍ) الساحة: الفِناء، وأصلها: الفضاء بين المنازل.
قوله: (فَسَاءَ) كلمة ساء مثل بئس، من أفعال الذم. و (صَباحُ) مرفوع لأنه فاعل ساء.
قوله: (المنذَرِينَ) بفتح الذال المعجمة.
قال الخطابي: فيه بيان أن الأذان شعار الإسلام، وأنه أمر واجب لا يجوز تركه، ولو أن أهل بلد اجتمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه. قال شيخنا: وهذا أحد أقوال العلماء، وهو أحد الأوجه في مذهب الشافعي، وأغرب ابن عبد البر فقال: لا أعلم فيه خلافاً، وأما قول أصحابنا: مَن نطق بالتشهد في الأذان حكم بإسلامه إلا إن كان عيسوياً لا يرد عليه مطلق حديث الباب؛ لأن العيسوية طائفة من اليهود حدثت في آخر دولة بني أمية، فاعترفوا بأن محمداً ﷺ رسول الله لكن إلى العرب فقط، وهم منسوبون إلى رجل يقال له: أبو عيسى، أحدث لهم ذلك. انتهى، وقال التيمي: وإنما يحقن الدم بالأذان؛ لأن فيه الشهادة بالتوحيد والإقرار بالنبي ﷺ ، قال: وهذا لمن قد بلغته الدعوة وكان يمسك عن هؤلاء حتى يسمع الأذان ليعلم أكان الناس مجيبين للدعوة أم لا؛ لأن الله وعده إظهار دينه على الدين كله، وكان يطمع في إسلامهم، ولا يلزم اليوم الأئمة أن يكفوا عمن بلغته الدعوة لكي يسمعوا أذاناً، لأنه قد علم غائلتهم للمسلمين، فينبغي أن ينتهز الفرصة فيهم. وفيه: جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة. وفيه: استحباب التكبير عند لقاء العدو. وفيه: جواز الاستشهاد بالقرآن في الأمور المحققة، ويكره ما كان على ضرب الأمثال في المحاورات ولغو الحديث؛ تعظيماً لكتاب الله تعالى. وفيه: أن الإغارة على العدو يستحب كونها في أول النهار؛ لأنه وقت غفلتهم، بخلاف ملاقاة الجيوش. وفيه: أن النطق بالشهادتين يكون إسلاماً، قال العيني: وفيه خلاف مشهور.
(٧) (بابُ ما يَقولُ إِذا سَمِعَ المنادِيَ) (١) هذا لفظ أبي داود الطيالسي عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري في حديث الباب، أي: هذا باب في بيان ما يقول الرجل إذا سمع المؤذن يؤذن، إنما لم يوضح ما يقوله السامع لأجل الخلاف فيه، ولكنه ذكر حديثين: أحدهما عن أبي سعيد الخدري، والآخر عن معاوية، فالأول عام، والثاني يخصصه، فكأنه أشار بهذا إلى أن المرجح عنده ما ذهب
стр. 280
إليه الجمهور، وهو أن يقول مثل ما يقوله المؤذن إلا في الحيعلتين على ما نبينه عن قريب إن شاء الله تعالى.
٦١١ - قوله: (حَدَّثَنا عَبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي: التنيسي.
قوله: (قالَ مَالِكٌ) أي: الإمام، ترجمتهما في بدء الوحي.
قوله: (عَن عَطاءِ بنِ يزيدٍ اللَّيثي) ترجمته في باب لا يستقبل القبلة بغائط.
قال شيخنا: قوله: (عن عطاء بن يزيد) في رواية: ابن وهب عن مالك يونس عن الزهري، أن عطاء بن يزيد أخبره. أخرجه أبو عوانة.
فائدة: اختُلف على الزهري في إسناد هذا الحديث وعلى مالك أيضاً، لكنه اختلاف لا يقدح في صحته، فرواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة، أخرجه النسائي وابن ماجة، وقال أحمد بن صالح وأبو حاتم وأبو داود والترمذي: حديث مالك ومَن تابعه أصحُّ. ورواه يحيى القطان عن مالك عن الزهري عن السائب بن يزيد، أخرجه مسدد في «مسنده»، وقال الدارقطني: إنه خطأ، والصواب الرواية الأولى. وفيه اختلاف آخر دون ما ذكر لا نطيل به، انتهى.
قوله: (عَن أَبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ) أي: سعد بن مالك، ترجمته في باب من الدين الفرار من الفتن.
في هذ الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضع والإخبار كذلك، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع.
قوله: (أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: إِذا سَمِعتُمُ النِّداءَ فَقولوا مِثلَ ما يَقولُ المؤَذِّنُ).
مطابقته للترجمة في قوله: (مِثلَ ما يقولُ المؤذنُ) فهذا يوضح الإبهام الذي قوله ما يقول إذا سمع المنادي
هذا الحديث أخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، والترمذي عن قتيبة وعن إسحاق بن موسى عن معن، والنسائي عن قتيبة وفي «اليوم والليلة» عن عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد، وابن ماجة عن أبي بكر وأبي كريب كلاهما عن زيد بن الحباب، كلهم عن مالك عن الزهري، وقال الترمذي: حسن صحيح.
قوله: (إِذا سَمِعتُم) ظاهره اختصاص الإجابة بمن سمع، حتى لو رأى المؤذن على المنارة مثلاً في الوقت، وعلم أنه يؤذن لكن لم يسمع أذانه لبعد أو صمم لم تشرع له المتابعة، قاله النووي في «شرح مسلم».
قوله: (النِّداءَ) أي: الأذان.
قوله: (فَقُولوا مِثلَ ما يَقولُ المؤَذِّنُ) مِثلَ منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: قولوا قولاً مثل ما يقول المؤذن، وكلمة ما مصدرية، أي: مثل قول المؤذن، والمثل هو النظير، يقال: مِثل ومَثَل ومَثيل، مِثل شِبَه وشَبَه وشَبيه، والمماثلة بين الشيئين: اتحادهما في النوع كزيد وعمرو في الإنسانية. وادعى ابن وضاح أن (قول المؤذن) مدرَج، وأن الحديث انتهى عند قوله: (مِثل ما يقول) وتُعقب بأن الإدراج لا يثبت بمجرد الدعوى، وقد اتفقت الروايات في «الصحيحين» و «الموطأ» على إثباتها، ولم يُصِب صاحب «العمدة» في حذفها، قال الكرماني: قوله: (يقول) أي: بلفظ المضارع، ولم
стр. 281
يقل: مثل ما قال؛ ليشعر بأنه يجيبه بعد كل كلمة مثل كلماتها، والصريح في ذلك ما رواه النسائي من حديث أم حبيبة: ((أن النبي ﷺ إذا كان عندنا فسمع المؤذن قال كما يقول حين يسكت)) وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. قال العيني: قوله: على شرط الشيخين، غير جيد؛ لأن في سنده من ليس عندهما ولا عند أحدهما، وهو عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان. ورواه أبو عمر بن عبد البر من حديث أبي عوانة عن أبي بشير عنه هكذا أبو الشيخ الأصبهاني.
قال شيخنا: وأما أبو الفتح اليعمري فقال: ظاهر الحديث أنه يقول مثل ما يقول عقب فراغ المؤذن، لكن الأحاديث التي تضمنت إجابة كل كلمة عقبها دلت على أن المراد المساوقة يشير إلى حديث عمر بن الخطاب الذي عند مسلم وغيره، فلو لم يجاوبه حتى فرغ استحب له التدارك إن لم يطل الفصل. قاله النووي في «شرح المهذب» بحثاً، وقد قالوه فيما إذا كان له عذر كالصلاة.
وظاهر قوله: (مثل) أنه يقول مثل قوله في جميع الكلمات، لكن حديث عمر أيضاً وحديث معاوية الآتي يدل على أنه يستثنى من ذلك حي على الصلاة وحي الفلاح، فيقول بدلهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، لذلك استدل به ابن خزيمة وهو المشهور عند الجمهور، وقال ابن المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول تارة كذا وتارة كذا، وحكى بعض المتأخرين عن بعض أهل الأصول: أن الخاص والعام إذا أمكن الجمع بينهما وجب إعمالهما، قال: فلم لا يقال: يستحب للسامع أن يجمع بين الحيعلة والحوقلة، وهو وجه عند الحنابلة؟ وأجيب عن المشهور من حيث المعنى بأن الأذكار الزائدة على الحيعلة يشترك السامع والمؤذن في ثوابها، وأما الحيعلة فمقصودها الدعاء إلى الصلاة وذلك يحصل من المؤذن، فعوض السامع عما يفوته من ثواب الحيعلة بثواب الحوقلة. ولقائل أن يقول: يحصل للمجيب الثواب لامتثاله الأمر، ويمكن أن يزداد استيقاظاً وإسراعاً إلى القيام إلى الصلاة إذا تكرر على سمعه الدعاء إليها من المؤذن نفسه ويقرب من ذلك الخلاف في قول المأموم: سمع الله لمن حمده كما سيأتي في موضعه.
وقال الطيبي: معنى الحيعلتين هَلُّم بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلاً والفوز بالنعيم آجلاً، فناسب أن يقول: هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به إلا إذا وفقني الله بحوله وقوته، ومما لوحظت فيه المناسبة ما نقل عبد الرزاق عن بن جريج قال: حُدثت أن الناس كانوا ينصتون للمؤذن إنصاتَهم للقراءة، فلا يقول شيئاً إلا قالوا مثله، حتى إذا قال: حي على الصلاة قالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: حي على الفلاح قالوا ما شاء الله. وإلى هذا صار بعض الحنفية، وروى بن أبي شيبة مثله عن عثمان، وروي عن سعيد بن جبير قال: يقول في جواب الحيعلة: سمعنا وأطعنا. ووراء ذلك وجوه من الاختلاف أخرى، قيل: لا يجيبه إلا في التشهدين
стр. 282
فقط، وقيل: هما والتكبير، وقيل: يضيف إلى ذلك الحوقلة دون ما في آخره، وقيل: مهما أتى به مما يدل على التوحيد والإخلاص كفاه، وهو اختيار الطحاوي.
وحكوا أيضاً خلافاً: هل يجيب في الترجيع أو لا؟ وفيما إذا أذن مؤذن آخر هل يجيبه بعد إجابته للأول أو لا؟ قال النووي: لم أر فيه شيئاً لأصحابنا. وقال ابن عبد السلام: يجيب كل واحد بإجابة لتعدد السبب، وإجابة الأول أفضل إلا في الصبح والجمعة فإنهما سواء؛ لأنهما مشروعان.
وفي الحديث دليل على أن لفظ المثل لا يقتضي المساواة من كل جهة؛ لأن قوله مثلَ ما يقول لا يقصد به رفع الصوت المطلوب من المؤذن، كذا قيل وفيه بحث؛ لأن المماثلة وقعت من القول لا من صفته، والفرق بين المؤذن والمجيب في ذلك: أن المؤذن مقصوده الإعلام فاحتاج إلى رفع الصوت، والسامع مقصوده ذكر الله فيكتفي بالسر أو الجهر لا مع الرفع، نعم لا يكفيه أن يجريه على خاطره من غير تلفظ لظاهر الأمر بالقول، وأغرب بن المنير فقال: حقيقة الأذان جميع ما يصدر عن المؤذن من قول وفعل وهيئة. وتُعقب بأن الأذان معناه الإعلام لغة، وخصَّه الشرع بألفاظ مخصوصة في أوقات مخصوصة، فإذا وجدت وجد الأذان وما زاد على ذلك من قول أو فعل أو هيئة يكون من مكملاته ويوجد الأذان من دونها، ولو كان على ما أطلق لكان ما أحدث من التسبيح قبل الصبح وقبل الجمعة ومن الصلاة على النبي ﷺ من جملة الأذان، وليس كذلك لا لغة ولا شرعاً، واستدل به على جواز إجابة المؤذن من الصلاة عملاً بظاهر الأمر، ولأن المجيب لا يقصد المخاطبة، وقيل: يؤخر الإجابة حتى يفرغ؛ لأن في الصلاة شغلاً، وقيل: يجيب إلا في الحيعلتين؛ لأنهما كالخطاب للآدميين، والباقي من ذكر الله تعالى فلا يُمنع، لكن قد يقال: من يبدل الحيعلة بالحوقلة لا يمنع؛ لأنها من ذكر الله تعالى. قاله بن دقيق العيد، وفرق ابن عبد السلام في «فتاويه» بين ما إذا كان يقرأ الفاتحة فلا يجيب بناء على وجوب موالاتها، وإلا فيجيب، وعلى هذا إن أجاب في الفاتحة استأنف، وهذا قاله بحثاً، والمشهور في المذهب كراهة الإجابة في الصلاة، بل يؤخرها حتى يفرغ، وكذا في حال الجماع والخلاء، لكن إن أجاب بالحيعلة بطلت، كذا أطلقه كثير منهم، ونص الشافعي في «الأم» على عدم فساد الصلاة بذلك، واستدل به على مشروعية إجابة المؤذن في الإقامة، قالوا: إلا في كلمتي الإقامة فيقول: أقامها الله وأدامها، وقياس إبدال الحيعلة بالحوقلة في الأذان أن يجيء هنا، لكن قد يفرق بأن الأذان إعلام عام، فيعسر على الجميع أن يكونوا دعاة إلى الصلاة، والإقامة إعلام خاص وعدد مَن يسمعها محصور، فلا يعسر أن يدعو بعضُهم بعضاً، واستدل به على وجوب إجابة المؤذن، حكاه الطحاوي عن قوم من السلف وبه قال الحنفية وأهل الظاهر وابن وهب، واستدل للجمهور بحديث أخرجه مسلم وغيره: «أنه ﷺ سمع مؤذناً، فلما كبر قال: على الفطرة، فلما تشهد قال: خرج من النار»، قال: فلما قال ﵇ غيرَ ما قال المؤذن علمنا أن الأمر به للاستحباب، وتُعقب
стр. 283
بأنه ليس في الحديث أنه لم يقل مثل ما قال، فيجوز أن يكون قاله ولم ينقله الراوي اكتفاء بالعادة ونقل القول الزائد، وبأنه يحتمل أن يكون ذلك وقع قبل صدور الأمر، ويحتمل أن يكون لما أمر لم يرد أن يدخل نفسه في عموم مَن خوطب بذلك، قيل: ويحتمل أن يكون الرجل لم يقصد الأذان، لكن يَردُّ هذا الأخير أن في بعض طرقه أنه حضرته الصلاة.
قال العيني: احتج أصحابنا - أي الحنفية - بقوله: حكوا أن إجابة المؤذن واجبة على السامعين لدلالة الأمر على الوجوب، ألا ترى أنه يجب عليهم قطع القراءة وترك الكلام السلام ورده وكل عمل غير الإجابة؟ فهذا كله أمارة الوجوب. وقال مالك والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء: الأمر في هذا الباب على الاستحباب دون الوجوب، وهو اختيار الطحاوي أيضاً. وقال النووي: تستحب إجابة المؤذن بالقول مثل قوله لكل من سمعه من متطهر ومحدث وجنب وحائض وغيرهم ممن لا مانع له من الإجابة.
فمن أسباب المنع: أن يكون في الخلاء، أو جماع أهله أو نحوها. ومنها: أن يكون في صلاة، فمن كان في صلاة فريضة أو نافلة وسمع المؤذن لم يوافقه في الصلاة، فإذا سلم أتى بمثله، فلو فعله في الصلاة هل يكره؟ فيه قولان للشافعي، أظهرهما يكره، لكن لا تبطل صلاته، فلو قال: حي على الصلاة، والصلاة خير من النوم، بطلت صلاته إن كان عالماً بتحريمه؛ لأنه كلام آدمي، ولو سمع الأذان وهو في قراءة وتسبيح ونحوهما قطع ما هو فيه وأتى بمتابعة المؤذن، ويتابعه في الإقامة كالأذان إلا أنه يقول في لفظ الإقامة: أقامها الله وأدامها، وإذا ثوب المؤذن في صلاة الصبح فقال: الصلاة خير من النوم، قال سامعه: صدقت وبررت. انتهى
وقال أصحابنا: يجب على السامع أن يقول مثل ما قال المؤذن، إلا قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول مكان قوله: حي على الصلاة: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ومكان قوله: حي على الفلاح: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن؛ لأن إعادة ذلك تشبه المحاكاة والاستهزاء، وكذلك إذا قال المؤذن: الصلاة خير من النوم، لا يقول السامع مثله، لكن يقول: صدقت وبررت، وينبغي ألا يتكلم السامع في حال الأذان والإقامة، ولا يقرأ القرأن، ولا يسلم ولا يرد السلام، ولا يشتغل بشيء من الأعمال سوى الإجابة، ولو كان في قراءة القرآن يقطع ويسمع الأذان ويجيب.
وفي «فوائد الرستغفني» : لو سمع وهو في المسجد يمضي في قراءته، وإن كان في بيته فكذلك إن لم يكن أذان مسجده. وعن الحلواني: لو أجاب باللسان ولم يمشِ إلى المسجد لا يكون مجيباً. ولو كان في المسجد ولم يجب لا يكون آثماً، ولا تجب الإجابة على مَن لا تجب عليه الصلاة، ولا يجيب إيضاً وهو في الصلاة، وسواء كانت فرضاً أو نفلاً.
وقال عياض: اختلف أصحابنا، أي المالكية: هل يحكي المصلي لفظ المؤذن في حالة الفريضة أو النافلة أم لا يحكيه فيهما، أم يحكي في النافلة دون الفريضة؟ على ثلاثة أقوال، انتهى.
قال العيني: ثم اختلف أصحابنا، أي الحنفية: هل يقوله عند سماع كل مؤذن أم لأول مؤذن فقط؟ وسئل ظهير
стр. 284
الدين عن هذه المسألة فقال: يجب عليه إجابة مؤذن مسجده بالفعل. فإن قلت: روى مسلم من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، قال: ((كان رسول الله ﷺ يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار، قال: فسمع منادياً وهو يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله ﷺ : على الفطرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : خرجت من النار، فنظروا فإذا هو راعي مِعزَى)).
وأخرج الطحاوي من حديث عبد الله قال: ((كنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، فسمع منادياً وهو يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال النبي ﷺ : على الفطرة، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ خرجَ من النار، قال: فابتدرنا وإذا صاحب ماشية أدركته الصلاة فأذَّن لها)) قال الطحاوي: فهذا رسول الله ﷺ قد سمع المنادي نادى فقال غير ما قال، فدل ذلك على أن قوله: (إذا سمعتم منادي فقولوا مثل الذي يقول) أن ذلك ليس على الإيجاب، وأنه على الاستحباب والنَدبة إلى الخير وإجابة الفضل، كما قد علم الناس من الدعاء الذي أمرهم أن يقولوا في دبر الصلوات وما أشبه ذلك.
قال العيني: الأمر المطلق المجرد عن القرائن يدل على الوجوب، لا سيما قد تأيد ذلك بما روي من الأخبار والآثار في الحث على الإجابة، وقد روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن وكيع عن سفيان عن عاصم عن المسيب بن رافع عن عبد الله قال: من الجفاء أن تسمع المؤذن ثم لا تقول مثل ما يقول، انتهى. ولا يكون من الجفاء إلا ترك الواجب، وترك المستحب ليس من الجفاء، ولا تاركه جافٍ، والجواب عن الحديثين: أنهما لا ينافي إجابة الرسول لذلك المنادي بمثل ما قال، ويكون الراوي ترك ذكره، أو يكون الأمر بالإجابة بعد هذه القضية.
قوله في هذا الحديث: (عَلى الفِطرَة) أي: على الإسلام، إذ كان الأذان شعارهم، ولهذا كان ﵇ إذا سمع أذاناً أمسك، وإن لم يسمع أغار؛ لأنه كان فرق ما بين بلد الكفر وبلد الإسلام. فإن قلت: كيف يكون مجرد القول بلا إله إلا الله إيماناً؟ قال العيني: هو إيمان بالله في حق المشرك، وحق من لم يكن بين المسلمين، أما الكتابي أو الذي يخالط المسلمين لا يصير مؤمناً إلا بالتلفظ بكلمتي الشهادة، بل شرط بعضهم التبري مما كان عليه من الدين الذي يعتقده. وأما الدليل على ما ذهب إليه أصحابنا -أي في الحيعلتين والصلاة خير من النوم - فسنذكره في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى.
٦١٢ - ٦١٣ - قوله: (حَدَّثَنا مُعاذُ بنُ فَضَالَةَ) أي: بضم الميم وفتح الفاء، ترجمته في باب النهي عن الاستنجاء باليمين.
قوله: (حَدَّثَنا هِشَامٌ) أي: الدستوائي، ترجمته في باب زيادة الإيمان ونقصانه.
قوله: (عَن يَحيَى بنِ أَبي كَثيرٍ) ترجمته في باب الصلوات الخمس كفارة.
قوله: (قالَ: حَدَّثَني عِيسَى بنُ طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ) التيمي القرشي، من أفاضل أهل المدينة، مات في زمن عمر بن عبد العزيز ﵁ ترجمته في باب الفتيا وهو
стр. 285
واقف على ظهر الدابة.
قوله: (أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَوماً) أي: ابن أبي سفيان، ترجمته في باب من يرد الله به خيراً يفقه في الدين.
هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه السماع، وفيه القول في القول في موضعين، وفيه أن رواته ما بين بصري وأهوازي ويماني ومدني.
قوله: (فَقالَ مِثلَهُ... إلى قوله: وأشهد أن محمداً رسول الله) مطابقته للترجمة من حيث إنه يوضح الإبهام في قوله: (ما يقول إذا سمع المؤذن) وقد قلنا: إنه أبهم الترجمة لاحتمالها الوجهين، فحديث أبي سعيد أوضح الوجه الثاني. هذا الحديث أخرجه النسائي في «اليوم والليلة» عن محمود بن خالد عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير به، ولم يذكر الزيادة.
قال شيخنا: هكذا أورد المتن هنا مختصراً، وقد رواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» عن هشام، ولفظه: كنا عند معاوية، فنادى المنادي بالصلاة، فقال مثل ما قال ثم قال: هكذا سمعت نبيَّكم. انتهى
قوله: (فَقالَ مِثلَهُ) أي: مثل ما يقول المؤذن، ويروى: ((بمثله)) وههنا سأل الكرماني سؤالين:
الأول: أن السماع لا يقع على الذوات إلا إذا وصف بالقول ونحوه كقوله تعالى: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي﴾ [آل عمران: ١٩٣] وأجاب بأن القول مقدَّر، أي سمع معاوية قال يوماً، ولفظ (فقال) مفسر لقال المقدرة، ومثل هذه الفاء تسمى بالفاء التفسيرية.
والثاني: كلمة إلى للغاية، وحكم ما بعدها خلاف ما قبلها، فلا يلزم أن يقول في أشهد أن محمداً رسول الله مثلَه، وأجاب: بأن إلى ههنا بمعنى المعية كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] سلمنا أنها بمعنى الانتهاء، لكن حكمها متفاوت، فقد لا تدخل الغاية تحت المغيا. قال صاحب «الحاوي» : الإقرار بقوله مِن واحد إلى عشرة إقرار بتسعة وقد تدخل. قال الرافعي: هو إقرار بالعشرة وعليه الجمهور. وسلمنا وجوب المخالفة بين ما بعدها وما قبلها، لكن لا نسلم وجوبها بين نفس الغاية وما قبلها كما يقال: ما بعد المرفق حكمُه مخالف لحكم ما قبله لا نفس المرفق، ففي مسألتنا يجب مخالفة حكم الحيعلة لما قبلها، لا حكم الشهادة بالرسالة.
قال العيني: الأصل في المسألة المذكورة عند أبي حنيفة أنه يدخل الابتداء ولا يدخل الانتهاء، وعند أبي يوسف ومحمد: يدخلان جميعاً. وعند زفر: لا يدخلان جميعاً، فالذي يلزمه عند أبي حنيفة تسعة، وعندهما عشرة، وعند زفر ثمانية.
قال العيني: المستفاد من حديث معاوية في هذا الباب: أن يقول السامع من المؤذن مثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين، واختصر البخاري حديث معاوية ههنا، وقد رُوي حديثُه بألفاظ مختلفة، ولهذا قال أبو عمر: حديث معاوية في هذا الباب مضطرب الألفاظ، بيان ذلك: أنه رُوي مثل ما يقول طائفة، وهو أن يقول مثل ما يقول المؤذن من أول الأذان إلى آخره، روى هذا الطحاوي: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثنا محمد بن عمرو الليثي عن أبيه عن جده، قال: كنا عند معاوية فأذن المؤذن، فقال معاوية ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا مثل مقالته)) أو كما قال، وروى عنه: (مثل ما يقول) طائفةٌ أخرى،