← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 523

مزيد فتح الباري بشرح البخاري - مخطوط

إبراهيم بن علي النعماني

Полный текст (565 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يقل: مثل ما قال؛ ليشعر بأنه يجيبه بعد كل كلمة مثل كلماتها، والصريح في ذلك ما رواه النسائي من حديث أم حبيبة: ((أن النبي ﷺ إذا كان عندنا فسمع المؤذن قال كما يقول حين يسكت)) وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. قال العيني: قوله: على شرط الشيخين، غير جيد؛ لأن في سنده من ليس عندهما ولا عند أحدهما، وهو عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان. ورواه أبو عمر بن عبد البر من حديث أبي عوانة عن أبي بشير عنه هكذا أبو الشيخ الأصبهاني. قال شيخنا: وأما أبو الفتح اليعمري فقال: ظاهر الحديث أنه يقول مثل ما يقول عقب فراغ المؤذن، لكن الأحاديث التي تضمنت إجابة كل كلمة عقبها دلت على أن المراد المساوقة يشير إلى حديث عمر بن الخطاب الذي عند مسلم وغيره، فلو لم يجاوبه حتى فرغ استحب له التدارك إن لم يطل الفصل. قاله النووي في «شرح المهذب» بحثاً، وقد قالوه فيما إذا كان له عذر كالصلاة. وظاهر قوله: (مثل) أنه يقول مثل قوله في جميع الكلمات، لكن حديث عمر أيضاً وحديث معاوية الآتي يدل على أنه يستثنى من ذلك حي على الصلاة وحي الفلاح، فيقول بدلهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، لذلك استدل به ابن خزيمة وهو المشهور عند الجمهور، وقال ابن المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول تارة كذا وتارة كذا، وحكى بعض المتأخرين عن بعض أهل الأصول: أن الخاص والعام إذا أمكن الجمع بينهما وجب إعمالهما، قال: فلم لا يقال: يستحب للسامع أن يجمع بين الحيعلة والحوقلة، وهو وجه عند الحنابلة؟ وأجيب عن المشهور من حيث المعنى بأن الأذكار الزائدة على الحيعلة يشترك السامع والمؤذن في ثوابها، وأما الحيعلة فمقصودها الدعاء إلى الصلاة وذلك يحصل من المؤذن، فعوض السامع عما يفوته من ثواب الحيعلة بثواب الحوقلة. ولقائل أن يقول: يحصل للمجيب الثواب لامتثاله الأمر، ويمكن أن يزداد استيقاظاً وإسراعاً إلى القيام إلى الصلاة إذا تكرر على سمعه الدعاء إليها من المؤذن نفسه ويقرب من ذلك الخلاف في قول المأموم: سمع الله لمن حمده كما سيأتي في موضعه. وقال الطيبي: معنى الحيعلتين هَلُّم بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلاً والفوز بالنعيم آجلاً، فناسب أن يقول: هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به إلا إذا وفقني الله بحوله وقوته، ومما لوحظت فيه المناسبة ما نقل عبد الرزاق عن بن جريج قال: حُدثت أن الناس كانوا ينصتون للمؤذن إنصاتَهم للقراءة، فلا يقول شيئاً إلا قالوا مثله، حتى إذا قال: حي على الصلاة قالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: حي على الفلاح قالوا ما شاء الله. وإلى هذا صار بعض الحنفية، وروى بن أبي شيبة مثله عن عثمان، وروي عن سعيد بن جبير قال: يقول في جواب الحيعلة: سمعنا وأطعنا. ووراء ذلك وجوه من الاختلاف أخرى، قيل: لا يجيبه إلا في التشهدين

стр. 282

فقط، وقيل: هما والتكبير، وقيل: يضيف إلى ذلك الحوقلة دون ما في آخره، وقيل: مهما أتى به مما يدل على التوحيد والإخلاص كفاه، وهو اختيار الطحاوي. وحكوا أيضاً خلافاً: هل يجيب في الترجيع أو لا؟ وفيما إذا أذن مؤذن آخر هل يجيبه بعد إجابته للأول أو لا؟ قال النووي: لم أر فيه شيئاً لأصحابنا. وقال ابن عبد السلام: يجيب كل واحد بإجابة لتعدد السبب، وإجابة الأول أفضل إلا في الصبح والجمعة فإنهما سواء؛ لأنهما مشروعان. وفي الحديث دليل على أن لفظ المثل لا يقتضي المساواة من كل جهة؛ لأن قوله مثلَ ما يقول لا يقصد به رفع الصوت المطلوب من المؤذن، كذا قيل وفيه بحث؛ لأن المماثلة وقعت من القول لا من صفته، والفرق بين المؤذن والمجيب في ذلك: أن المؤذن مقصوده الإعلام فاحتاج إلى رفع الصوت، والسامع مقصوده ذكر الله فيكتفي بالسر أو الجهر لا مع الرفع، نعم لا يكفيه أن يجريه على خاطره من غير تلفظ لظاهر الأمر بالقول، وأغرب بن المنير فقال: حقيقة الأذان جميع ما يصدر عن المؤذن من قول وفعل وهيئة. وتُعقب بأن الأذان معناه الإعلام لغة، وخصَّه الشرع بألفاظ مخصوصة في أوقات مخصوصة، فإذا وجدت وجد الأذان وما زاد على ذلك من قول أو فعل أو هيئة يكون من مكملاته ويوجد الأذان من دونها، ولو كان على ما أطلق لكان ما أحدث من التسبيح قبل الصبح وقبل الجمعة ومن الصلاة على النبي ﷺ من جملة الأذان، وليس كذلك لا لغة ولا شرعاً، واستدل به على جواز إجابة المؤذن من الصلاة عملاً بظاهر الأمر، ولأن المجيب لا يقصد المخاطبة، وقيل: يؤخر الإجابة حتى يفرغ؛ لأن في الصلاة شغلاً، وقيل: يجيب إلا في الحيعلتين؛ لأنهما كالخطاب للآدميين، والباقي من ذكر الله تعالى فلا يُمنع، لكن قد يقال: من يبدل الحيعلة بالحوقلة لا يمنع؛ لأنها من ذكر الله تعالى. قاله بن دقيق العيد، وفرق ابن عبد السلام في «فتاويه» بين ما إذا كان يقرأ الفاتحة فلا يجيب بناء على وجوب موالاتها، وإلا فيجيب، وعلى هذا إن أجاب في الفاتحة استأنف، وهذا قاله بحثاً، والمشهور في المذهب كراهة الإجابة في الصلاة، بل يؤخرها حتى يفرغ، وكذا في حال الجماع والخلاء، لكن إن أجاب بالحيعلة بطلت، كذا أطلقه كثير منهم، ونص الشافعي في «الأم» على عدم فساد الصلاة بذلك، واستدل به على مشروعية إجابة المؤذن في الإقامة، قالوا: إلا في كلمتي الإقامة فيقول: أقامها الله وأدامها، وقياس إبدال الحيعلة بالحوقلة في الأذان أن يجيء هنا، لكن قد يفرق بأن الأذان إعلام عام، فيعسر على الجميع أن يكونوا دعاة إلى الصلاة، والإقامة إعلام خاص وعدد مَن يسمعها محصور، فلا يعسر أن يدعو بعضُهم بعضاً، واستدل به على وجوب إجابة المؤذن، حكاه الطحاوي عن قوم من السلف وبه قال الحنفية وأهل الظاهر وابن وهب، واستدل للجمهور بحديث أخرجه مسلم وغيره: «أنه ﷺ سمع مؤذناً، فلما كبر قال: على الفطرة، فلما تشهد قال: خرج من النار»، قال: فلما قال ﵇ غيرَ ما قال المؤذن علمنا أن الأمر به للاستحباب، وتُعقب

стр. 283

بأنه ليس في الحديث أنه لم يقل مثل ما قال، فيجوز أن يكون قاله ولم ينقله الراوي اكتفاء بالعادة ونقل القول الزائد، وبأنه يحتمل أن يكون ذلك وقع قبل صدور الأمر، ويحتمل أن يكون لما أمر لم يرد أن يدخل نفسه في عموم مَن خوطب بذلك، قيل: ويحتمل أن يكون الرجل لم يقصد الأذان، لكن يَردُّ هذا الأخير أن في بعض طرقه أنه حضرته الصلاة. قال العيني: احتج أصحابنا - أي الحنفية - بقوله: حكوا أن إجابة المؤذن واجبة على السامعين لدلالة الأمر على الوجوب، ألا ترى أنه يجب عليهم قطع القراءة وترك الكلام السلام ورده وكل عمل غير الإجابة؟ فهذا كله أمارة الوجوب. وقال مالك والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء: الأمر في هذا الباب على الاستحباب دون الوجوب، وهو اختيار الطحاوي أيضاً. وقال النووي: تستحب إجابة المؤذن بالقول مثل قوله لكل من سمعه من متطهر ومحدث وجنب وحائض وغيرهم ممن لا مانع له من الإجابة. فمن أسباب المنع: أن يكون في الخلاء، أو جماع أهله أو نحوها. ومنها: أن يكون في صلاة، فمن كان في صلاة فريضة أو نافلة وسمع المؤذن لم يوافقه في الصلاة، فإذا سلم أتى بمثله، فلو فعله في الصلاة هل يكره؟ فيه قولان للشافعي، أظهرهما يكره، لكن لا تبطل صلاته، فلو قال: حي على الصلاة، والصلاة خير من النوم، بطلت صلاته إن كان عالماً بتحريمه؛ لأنه كلام آدمي، ولو سمع الأذان وهو في قراءة وتسبيح ونحوهما قطع ما هو فيه وأتى بمتابعة المؤذن، ويتابعه في الإقامة كالأذان إلا أنه يقول في لفظ الإقامة: أقامها الله وأدامها، وإذا ثوب المؤذن في صلاة الصبح فقال: الصلاة خير من النوم، قال سامعه: صدقت وبررت. انتهى وقال أصحابنا: يجب على السامع أن يقول مثل ما قال المؤذن، إلا قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول مكان قوله: حي على الصلاة: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ومكان قوله: حي على الفلاح: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن؛ لأن إعادة ذلك تشبه المحاكاة والاستهزاء، وكذلك إذا قال المؤذن: الصلاة خير من النوم، لا يقول السامع مثله، لكن يقول: صدقت وبررت، وينبغي ألا يتكلم السامع في حال الأذان والإقامة، ولا يقرأ القرأن، ولا يسلم ولا يرد السلام، ولا يشتغل بشيء من الأعمال سوى الإجابة، ولو كان في قراءة القرآن يقطع ويسمع الأذان ويجيب. وفي «فوائد الرستغفني» : لو سمع وهو في المسجد يمضي في قراءته، وإن كان في بيته فكذلك إن لم يكن أذان مسجده. وعن الحلواني: لو أجاب باللسان ولم يمشِ إلى المسجد لا يكون مجيباً. ولو كان في المسجد ولم يجب لا يكون آثماً، ولا تجب الإجابة على مَن لا تجب عليه الصلاة، ولا يجيب إيضاً وهو في الصلاة، وسواء كانت فرضاً أو نفلاً. وقال عياض: اختلف أصحابنا، أي المالكية: هل يحكي المصلي لفظ المؤذن في حالة الفريضة أو النافلة أم لا يحكيه فيهما، أم يحكي في النافلة دون الفريضة؟ على ثلاثة أقوال، انتهى. قال العيني: ثم اختلف أصحابنا، أي الحنفية: هل يقوله عند سماع كل مؤذن أم لأول مؤذن فقط؟ وسئل ظهير

стр. 284

الدين عن هذه المسألة فقال: يجب عليه إجابة مؤذن مسجده بالفعل. فإن قلت: روى مسلم من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، قال: ((كان رسول الله ﷺ يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار، قال: فسمع منادياً وهو يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله ﷺ : على الفطرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : خرجت من النار، فنظروا فإذا هو راعي مِعزَى)). وأخرج الطحاوي من حديث عبد الله قال: ((كنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، فسمع منادياً وهو يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال النبي ﷺ : على الفطرة، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ خرجَ من النار، قال: فابتدرنا وإذا صاحب ماشية أدركته الصلاة فأذَّن لها)) قال الطحاوي: فهذا رسول الله ﷺ قد سمع المنادي نادى فقال غير ما قال، فدل ذلك على أن قوله: (إذا سمعتم منادي فقولوا مثل الذي يقول) أن ذلك ليس على الإيجاب، وأنه على الاستحباب والنَدبة إلى الخير وإجابة الفضل، كما قد علم الناس من الدعاء الذي أمرهم أن يقولوا في دبر الصلوات وما أشبه ذلك. قال العيني: الأمر المطلق المجرد عن القرائن يدل على الوجوب، لا سيما قد تأيد ذلك بما روي من الأخبار والآثار في الحث على الإجابة، وقد روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن وكيع عن سفيان عن عاصم عن المسيب بن رافع عن عبد الله قال: من الجفاء أن تسمع المؤذن ثم لا تقول مثل ما يقول، انتهى. ولا يكون من الجفاء إلا ترك الواجب، وترك المستحب ليس من الجفاء، ولا تاركه جافٍ، والجواب عن الحديثين: أنهما لا ينافي إجابة الرسول لذلك المنادي بمثل ما قال، ويكون الراوي ترك ذكره، أو يكون الأمر بالإجابة بعد هذه القضية. قوله في هذا الحديث: (عَلى الفِطرَة) أي: على الإسلام، إذ كان الأذان شعارهم، ولهذا كان ﵇ إذا سمع أذاناً أمسك، وإن لم يسمع أغار؛ لأنه كان فرق ما بين بلد الكفر وبلد الإسلام. فإن قلت: كيف يكون مجرد القول بلا إله إلا الله إيماناً؟ قال العيني: هو إيمان بالله في حق المشرك، وحق من لم يكن بين المسلمين، أما الكتابي أو الذي يخالط المسلمين لا يصير مؤمناً إلا بالتلفظ بكلمتي الشهادة، بل شرط بعضهم التبري مما كان عليه من الدين الذي يعتقده. وأما الدليل على ما ذهب إليه أصحابنا -أي في الحيعلتين والصلاة خير من النوم - فسنذكره في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى. ٦١٢ - ٦١٣ - قوله: (حَدَّثَنا مُعاذُ بنُ فَضَالَةَ) أي: بضم الميم وفتح الفاء، ترجمته في باب النهي عن الاستنجاء باليمين. قوله: (حَدَّثَنا هِشَامٌ) أي: الدستوائي، ترجمته في باب زيادة الإيمان ونقصانه. قوله: (عَن يَحيَى بنِ أَبي كَثيرٍ) ترجمته في باب الصلوات الخمس كفارة. قوله: (قالَ: حَدَّثَني عِيسَى بنُ طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ) التيمي القرشي، من أفاضل أهل المدينة، مات في زمن عمر بن عبد العزيز ﵁ ترجمته في باب الفتيا وهو

стр. 285

واقف على ظهر الدابة. قوله: (أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَوماً) أي: ابن أبي سفيان، ترجمته في باب من يرد الله به خيراً يفقه في الدين. هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه السماع، وفيه القول في القول في موضعين، وفيه أن رواته ما بين بصري وأهوازي ويماني ومدني. قوله: (فَقالَ مِثلَهُ... إلى قوله: وأشهد أن محمداً رسول الله) مطابقته للترجمة من حيث إنه يوضح الإبهام في قوله: (ما يقول إذا سمع المؤذن) وقد قلنا: إنه أبهم الترجمة لاحتمالها الوجهين، فحديث أبي سعيد أوضح الوجه الثاني. هذا الحديث أخرجه النسائي في «اليوم والليلة» عن محمود بن خالد عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير به، ولم يذكر الزيادة. قال شيخنا: هكذا أورد المتن هنا مختصراً، وقد رواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» عن هشام، ولفظه: كنا عند معاوية، فنادى المنادي بالصلاة، فقال مثل ما قال ثم قال: هكذا سمعت نبيَّكم. انتهى قوله: (فَقالَ مِثلَهُ) أي: مثل ما يقول المؤذن، ويروى: ((بمثله)) وههنا سأل الكرماني سؤالين: الأول: أن السماع لا يقع على الذوات إلا إذا وصف بالقول ونحوه كقوله تعالى: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي﴾ [آل عمران: ١٩٣] وأجاب بأن القول مقدَّر، أي سمع معاوية قال يوماً، ولفظ (فقال) مفسر لقال المقدرة، ومثل هذه الفاء تسمى بالفاء التفسيرية. والثاني: كلمة إلى للغاية، وحكم ما بعدها خلاف ما قبلها، فلا يلزم أن يقول في أشهد أن محمداً رسول الله مثلَه، وأجاب: بأن إلى ههنا بمعنى المعية كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] سلمنا أنها بمعنى الانتهاء، لكن حكمها متفاوت، فقد لا تدخل الغاية تحت المغيا. قال صاحب «الحاوي» : الإقرار بقوله مِن واحد إلى عشرة إقرار بتسعة وقد تدخل. قال الرافعي: هو إقرار بالعشرة وعليه الجمهور. وسلمنا وجوب المخالفة بين ما بعدها وما قبلها، لكن لا نسلم وجوبها بين نفس الغاية وما قبلها كما يقال: ما بعد المرفق حكمُه مخالف لحكم ما قبله لا نفس المرفق، ففي مسألتنا يجب مخالفة حكم الحيعلة لما قبلها، لا حكم الشهادة بالرسالة. قال العيني: الأصل في المسألة المذكورة عند أبي حنيفة أنه يدخل الابتداء ولا يدخل الانتهاء، وعند أبي يوسف ومحمد: يدخلان جميعاً. وعند زفر: لا يدخلان جميعاً، فالذي يلزمه عند أبي حنيفة تسعة، وعندهما عشرة، وعند زفر ثمانية. قال العيني: المستفاد من حديث معاوية في هذا الباب: أن يقول السامع من المؤذن مثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين، واختصر البخاري حديث معاوية ههنا، وقد رُوي حديثُه بألفاظ مختلفة، ولهذا قال أبو عمر: حديث معاوية في هذا الباب مضطرب الألفاظ، بيان ذلك: أنه رُوي مثل ما يقول طائفة، وهو أن يقول مثل ما يقول المؤذن من أول الأذان إلى آخره، روى هذا الطحاوي: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثنا محمد بن عمرو الليثي عن أبيه عن جده، قال: كنا عند معاوية فأذن المؤذن، فقال معاوية ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا مثل مقالته)) أو كما قال، وروى عنه: (مثل ما يقول) طائفةٌ أخرى،

стр. 286

وهو أن يقول مثل ما يقول المؤذن في كل شيء إلا قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول عنهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم يُتم الأذان، وهو رواية الطبراني في «الكبير» : حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن محمد بن عمرو عن أبيه عن جده، قال: ((أذن المؤذن عند معاوية فقال: الله أكبر الله أكبر، قال معاوية: الله أكبر الله أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله. قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن محمدا رسول الله. قال: أشهد أن محمدا رسول الله. فقال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: الله أكبر الله أكبر، فقال معاوية: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: هكذا سمعت رسول الله ﷺ )، ورَوى عنه: (مثل ما يقول) طائفةٌ أخرى، وهو أن يقول مثل ما يقول المؤذن في التشهد والتكبير دون سائر الألفاظ، وهو رواية عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن عيينة عن مجمع الأنصاري أنه سمع أبا أمامة بن سهل بن حنيف حين سمع المؤذن كبر وتشهد بما تشهد به، ثم قال: هكذا حدثنا معاوية ((أنه سمع رسول الله ﷺ يقول كما يقول المؤذن، فإذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله، فقال: وأنا أشهد. ثم سكت)). وروى عنه: (مثل ما يقول) طائفةٌ أخرى، وهو أن يقول مثل ما يقول المؤذن حتى يبلغ: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، بدل كلمة منها مرتين، على حسب ما يقول المؤذن، ثم لا يزيد على ذلك، وليس عليه أن يختم الأذان، وهو رواية البخاري عن معاذ بن فضالة المذكور في هذا الباب إلى آخره. ثم مذاهب العلماء في ذلك: قال النخعي والشافعي وأحمد في رواية ومالك في رواية: ينبغي لمن سمع الأذان أن يقول كما يقول المؤذن حتى يقع من أذانه، وهو مذهب أهل الظاهر أيضاً. وقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد في الأصح، ومالك في رواية: يقول سامع الأذان مثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين فإنه يقول فيهما: لا حول ولا قوة إلا بالله. واحتجوا بما رواه مسلم: حدثني إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن جهضم الثقفي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عمارة بن غزية عن حبيب بن عبد الله بن أساف عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه عن جده عمر بن الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، فقال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر. فقال: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله، فقال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة)) ورواه أبو داود والنسائي والطحاوي. قوله: (من قلبه)

стр. 287

أي: قال ذلك خالصاً من قلبه؛ لأن الأصل في القول والفعل الإخلاص كما ورد في النص. قوله: (حَدَّثَنا إِسحَاقُ بنُ راهَوَيه) قال الغساني: قال ابن السكن: كل ما روى البخاري عن إسحاق غير منسوب فهو ابن راهويه، وكذلك صرح به أبو نعيم في «مستخرجه» من طريق عبد الله بن شيرويه عنه. انتهى ترجمته في باب فضل من علم وعلم. قوله: (حَدَّثَنا وَهبُ بنُ جَريرٍ) أي: بفتح الجيم، ترجمته في باب الخوخة والممر في المسجد. قوله: (حَدَّثَنا هِشامٌ) أي: الدستوائي المتقدم. قوله: (عَن يَحيَى بنِ أَبي كَثيرٍ) المتقدم أيضاً. قوله: (نحوه) أي: نحو الحديث المذكور في الإسناد المتقدم. قوله: (قالَ يَحيَى: وَحَدَّثَني بَعضُ إِخوَانِنا أَنَّهُ قالَ: لما قالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ قالَ: لَا حَولَ وَلا قَوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، وَقالَ: هَكَذا سَمِعنا نَبِيَّكُم يَقولُ). في هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه العنعنة في موضع. وفيه القول في خمس مواضع. وفيه السماع بصيغة الجمع. قال شيخنا: أحال بقوله: (نحوه) على الذي قبله، وقد عرفت أنه لم يَسُق لفظه كلَّه، وقد وقع لنا هذا الحديث من طرق عن هشام المذكور تامّاً، منها للإسماعيلي من طريق معاذ بن هشام عن أبيه عن يحيى، حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا عيسى بن طلحة، قال: دخلنا على معاوية، فنادى مناد بالصلاة فقال: الله أكبر الله أكبر، فقال معاوية: الله أكبر الله أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال معاوية: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن محمداً رسول الله، فقال معاوية: وأنا أشهد أن محمداً رسول الله. قال يحيى: فحدثني صاحبٌ لنا أنه لما قال: حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: هكذا سمعنا نبيكم. انتهى، فاشتمل هذا السياق على فوائد: أحدها: تصريح يحيى بن أبي كثير بالسماع له من محمد بن إبراهيم، فأمِن ما يخشى من تدليسه. ثانيها: بيان ما اختصر من روايتي البخاري. ثالثها: أن قوله في الرواية الأولى: إنه سمع معاوية يوماً فقال مثله، فيه حذف تقديره: أنه سمع معاوية سمع المؤذن يوماً فقال مثله. رابعها: أن الزيادة في رواية وهب بن جرير لم ينفرد بها لمتابعة معاذ بن هشام له. خامسها: أن قوله: قال يحيى، ليس تعليقاً من البخاري كما زعمه بعضهم، بل هو عنده بإسناد إسحاق، وأبدى الحافظ قطب الدين احتمالاً أنه عنده بالإسنادين، وأما المبهم الذي حدث يحيى به عن معاوية فلم أقف في شيء من الطرق على تعيينه، وحكى الكرماني عن غيره أن المراد به الأوزاعي، وفيه نظر؛ لأن الظاهر أن قائل ذلك ليحيى حدثه به عن معاوية، وأين عصر الأوزاعي من عصر معاوية؟! وقد غلب على ظني أنه علقمة بن وقاص إن كان يحيى بن أبي كثير أدركه، وإلا فأحد ابنيه عبد الله بن علقمة أو عمرو بن علقمة، وإنما قلت ذلك لأنني جمعت طرقه عن معاوية، فلم أجد هذه الزيادة في ذكر الحوقلة إلا من طريقين: أحدهما عن نهشل التميمي عن معاوية وهو في «الطبراني» بإسناد واهٍ، والآخر عن علقمة

стр. 288

بن وقاص عنه، وقد أخرجه النسائي واللفظ له وابن خزيمة وغيرهما من طريق ابن جريج، أخبرني عمرو بن يحيى أن عيسى بن عمر أخبره عن عبد الله بن علقمة بن وقاص عن أبيه، قال: إني لعند معاوية إذ أذن مؤذن، فقال معاوية كما قال، حتى إذا قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال بعد ذلك ما قال المؤذن، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك. ورواه بن خزيمة أيضاً من طريق يحيى القطان عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن جده، قال: كنت عند معاوية، فذكر مثله وأوضح سياقاً منه، وتبين بهذه الرواية أن ذكر الحوقلة في جواب حي على الفلاح اختصر في حديث الباب بخلاف ما تمسك به بعض من وقف مع ظاهره، وأن (إلى) في قوله في الطريق الأولى: فقال مثل قوله إلى أشهد أن محمداً رسول الله بمعنى (مع) كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] انتهى قال العيني: أخرج الطحاوي حديث معاوية هذا من أربع طرق: الأول: من حديث محمد بن عمرو الليثي عن أبيه عن جده، قال: كنا عند معاوية... الحديث، وجدُّه علقمة بن وقاص روى له الجماعة. والثاني: كذلك، ولفظه: أن معاوية قال مثل ذلك، ثم قال: هكذا قال رسول الله ﷺ . والثاالث: عن عمرو بن يحيى عن عبد الله بن علقمة، قال: كنت جالساً إلى جنب معاوية، فذكر مثله، ثم قال معاوية: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول. والرابع: عن عمرو بن يحيى أن عيسى بن عمرو أخبره عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، فذكر نحوه. وأخرجه الدارمي في «سننه» : أخبرنا سعيد بن عامر، حدثنا محمد بن عمرو عن أبيه عن جده: أن معاوية سمع المؤذن قال: الله أكبر الله أكبر، فقال معاوية: الله أكبر الله أكبر، الحديث. وأخرجه الطبراني في «الكبير» من حديث داود بن عبد الرحمن العطار: حدثني عمرو بن يحيى عن عبد الله بن علقمة بن وقاص عن أبيه قال: كنت جالساً مع معاوية... الحديث. وأخرجه البيهقي في «المعرفة» من حديث ابن جريج، قال: أخبرنا عمرو بن يحيى المازني، أن عيسى بن عمرو أخبره عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، قال: إني لعند معاوية، الحديث. وأخرجه النسائي أيضاً من حديث عبد الله بن علقمة عن أبيه علقمة بن وقاص عن معاوية. وكذلك أخرجه ابن خزيمة، وأُخرج أيضاً من طريق يحيى القطان عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن جده، قال: كنت عند معاوية... الحديث. وفي هذه الطرق كلها الراوي عن معاوية هو علقمة بن وقاص، وعن علقمة ابنه عبد الله وابنه عمرو، ويحيى بن أبي كثير إن كان أدرك علقمة فالمراد من قوله: (بعض إخواننا) هو علقمة، وإن لم يدرك فالمراد غالباً أحد ابني علقمة كما تقدم. انتهى قال شيخنا تنبيه: أخرج مسلم من حديث عمر بن الخطاب نحو حديث معاوية، إنما لم يخرجه البخاري لاختلاف وقع في وصله وإرساله كما أشار إليه الدارقطني، ولم يخرج مسلم

стр. 289

حديث معاوية؛ لأن الزيادة المقصودة منه ليست على شرط الصحيح للمبهم الذي فيه، لكن إذا انضم أحد الحديثين إلى الآخر قوي جداً. وفي الباب أيضاً عن الحارث بن نوفل الهاشمي وأبي رافع، وهما في «الطبراني» وغيره، وعن أنس في «البزار» وغيره، والله أعلم. انتهى قال العيني: وإنما لم يذكر حكم حي على الفلاح اكتفاءً بذكر إحدى الحيعلتين عن الأخرى لظهوره. قوله: (لَا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) يجوز فيه خمسة أوجه، الأول: فتحهما بلا تنوين. والثاني: فتح الأول ونصب الثاني منوّناً. والثالث: رفعهما منوَّنين. والرابع: فتح الأول ورفع الثاني منوّناً. والخامس: عكسه. والحول: الحركة، أي: لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله، قاله ثعلب وغيره. وقال بعضهم: لا حول من دفع شر، ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله. وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته. وحكي هذا عن ابن مسعود، وحكى الجوهري لغة غريبة ضعيفة أنه يقال: لا حيل ولا قوة إلا بالله، بالياء، قال: والحيل والحول بمعنى. قال العيني: لا ينسب إليه الضعف في ذلك، وقد ذكر في «الجامع» و «المنتهى» و «الموعب» و «المخصلى الله عليه وسلم» و «المحكم» : والحَول والحَيل والحول والحيلة والحويل والمحالة والاحتيال والتحول والتحيل، كل ذلك جودة النظر والقدرة على التصرف، فلا يفرد إذاً بهذه اللفظة. وقال الأزهري: يقال في التعبير عن قولهم لا حول ولا قوة إلا بالله: الحوقلة، وقال الجوهري: الحوقلة، فعلى الأول وهو المشهور الحاء والواو من الحول، والقاف من القوة، واللام من اسم الله. وعلى الثاني الحاء واللام من الحول، والقاف من القدرة، ومثلها الحيعلة والبسملة والحمدلة والهيللة والسبحلة، في حي على الصلاة، وحي على الفلاح، وبسم الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وسبحان الله. وقال المطرز: في كتاب «اليواقيت» وفي غيره: إن الأفعال التي أُخذت من أسمائها سبعة وهي: بَسمَل الرجل، إذا قال: باسم الله، وسبحل، إذا قال: سبحان الله، وحوقل، إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وحيعل، إذا قال: حي على الفلاح. ويجيء على القياس: حيصل، إذا قال: حي على الصلاة، ولم يذكر: وحمدل، إذا قال: الحمد لله، وهيلل، إذا قال: لا أله إلا الله، وجعفل، إذا قال: جُعلت فِداك. زاد الثعالبي: الطيقلة، إذا قال: أطال الله بقاءك، والدمعزة، إذا قال: أدام الله عزك. وقال عياض: قوله: الحيصلة على قياس الحيعلة غير صحيح، بل الحيعلة تنطلق على حي على الصلاة وحي على الفلاح، كلها حيعلة، ولو كان على قياسه في الحيصلة لكان الذي يقال في: حي على الفلاح، الحيفلة بالفاء، وهذا لم يُقل، وإنما الحيعلة من قولهم: حي على كذا، فكيف وهو باب مسموع لا يقاس عليه؟ وانظر قوله: جعفل، في: جُعلت فداك، لو كان على قياس الحيعلة لقال: جعلف، إذ اللام مقدمة على الفاء، وكذلك الطيقلة، تكون اللام على القياس قبل الياء القاف. (٨) (بابُ الدُّعاءِ عِندَ النّداءِ) أي: هذا باب في بيان الدعاء عند تمام النداء، وهو الأذان. قال شيخنا:

стр. 290

وكأن المصنف لم يقيده بذلك اتباعاً للفظ الحديث كما سيأتي الحديث فيه انتهى قال العيني: ليس في لفظ الحديث هذه اللفظة، وفي لفظ الحديث أيضاً مقدر، ولا يلزم أن يدعو وهو يسمع، وحالة السماع وقت الإجابة، والدعاء بعد تمام السماع. ٦١٤ - قوله: (حَدَّثَني عَليُّ بنُ عَيّاشٍ) أي: بفتح العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف، وبعد الألف غين معجمة، الأَلهاني بفتح الهمزة وسكون اللام وبالنون بعد الألف، الحمصي، مات سنة تسع عشرة ومئتين، وهو من كبار شيوخ البخاري. قوله: (شُعَيب بن أَبي حَمزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، الحمصي، ترجمته في بدء الوحي. قوله: (عَن مُحَمَّدِ بنِ المنكَدِرِ) أي: بوزن اسم الفاعل من الانكدار، ترجمته في باب صب النبي ﷺ وضوءه على المغمى عليه. قوله: (عَن جابِرِ بنِ عَبدِ اللِه ﵁ ترجمته في بدء الوحي. في هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول في موضع واحد، وفيه شيخ البخاري من أفراده ولم يرو عنه أحد من الستة غيره، وقد حدث عنه القدماء بهذا الحديث، أخرجه أحمد في «مسنده» عنه، ورواه علي بن المديني شيخ البخاري مع تقدُّمه على أحمد عنه، أخرجه الإسماعيلي من طريقه، وذكر الترمذي أن شعيباً تفرد به عن ابن المنكدر، فهو غريب مع صحته، وقد توبع ابن المنكدر عليه عن جابر، أخرجه الطبراني في «الأوسط» من طريق أبي الزبير عن جابر نحوه، ووقع في رواية الإسماعيلي: أخبرني ابن المنكدر. وفيه أن رواته ما بين حمصي ومدني. قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّداً الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابعَثهُ مَقَاماً مَحمُوداً الَّذِي وَعَدتَهُ، حَلَّت لَهُ شَفَاعَتِى يَومَ القِيَامَةِ). مطابقته للحديث ظاهرة، وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن علي بن عياش، وأخرجه أبو داود في الصلاة أيضاً عن أحمد بن حنبل. وأخرجه الترمذي فيه عن محمد بن سهل بن عسكر وإبراهيم بن يعقوب، وأخرجه النسائي فيه وفي «اليوم والليلة» عن عمرو بن منصور، وأخرجه ابن ماجة فيه عن محمد بن يحيى والعباس بن الوليد ومحمد بن أبي الحسين سبعتهم عن علي بن عياش به. قوله: (مَن قالَ حِينَ يَسمَعُ نداءَ المؤَذِّنِ) وظاهر الكلام كان يقتضي أن يقال: حين سمع، بلفظ الماضي؛ لأن الدعاء مسنون بعد الفراغ عن الأذان، لكن معناه: حين يفرغ من السماع، أو المراد من النداء تمامُه؛ إذ المطلق محمول على الكامل، ويسمع حال لا استقبال، ويؤيده حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه مسلم بلفظ: ((قولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله ليَ الوسيلة)) ففي هذا أن ذلك إنما يقال عند فراغ الأذان. قوله: (اللَّهُمَّ) يعني: يا الله، والميم عوض عن الياء، فلذلك لا يجتمعان. قوله: (رَبَّ) منصوب على النداء، ويجوز رفعه على أنه

стр. 291

خبر مبتدأ محذوف، أي أنت ربُّ هذه الدعوة، والرب: المربي المصلح للشأن، وقال الزمخشري: ربَّه يربُّه فهو ربٌّ، ويجوز أن يكون وصفاً لمصدر للمبالغة كما في الوصف بالعدل، ولم يطلقوا الربَّ إلا في الله وفي غيره على التقييد بالإضافة، كقولهم: ربُّ الدار ونحوه. قوله: (الدَّعوَة) بفتح الدال، وفي «المحكم» : الدَّعوة والدِّعوة بالفتح والكسر، والمدعاة: ما دعوت إليه، وخص اللَّحياني بالمفتوحة الدعاءَ إلى الوليمة. قال العيني: قالوا: الدَّعوة بالفتح في الطعام، والدِّعوة بالكسر في النسب، والدُّعوة بالضم في الحرب. والمراد بالدعوة ههنا ألفاظ الأذان التي يدعى بها الشخص إلى عبادة الله تعالى، وفي رواية البيهقي من طريق محمد بن عوف عن علي بن عياش: «اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة» والمراد بها دعوة التوحيد كقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]. قوله: (التَّامَّةِ) صفة للدعوة، وُصِفت بالتمام؛ لأن الشركة نقص، وقيل: معناها التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم القيامة، وقيل: وُصفت بالتمام؛ لأنها هي التي تستحق صفة التمام وما سواها بمعرض الفساد، وقال ابن التين: وُصفت بالتامة؛ لأن فيها أتم القول وهو لا إله إلا الله، وقيل: التامة الكاملة، وكمالها لا يدخلها نقص ولا عيب كما يدخل في كلام الناس، وقيل: معنى التمام كونُها محمية عن النَّسخ باقية إلى يوم القيامة، وقال الطيبي: مِن أوله إلى قوله: (محمد رسول الله) هي الدعوة التامة. قوله: (وَالصَّلاةِ القائِمَة) أي: الدائمة التي لا تُغيّرها مِلّة ولا تَنسخها شريعة، وأنها قائمة ما دامت السماوات والأرض. ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة الدعاءُ، وبالقائمة الدائمةُ، مِن قام على الشيء إذا داوم عليه، وعلى هذا فقوله: (والصلاة القائمة) بيان للدعوة التامة. ويحتمل أن يكون بالصلاة المعهودة المدعو إليها حينئذ، وهو أظهر. قوله: (آتِ) أي: أعطِ، وهو أمر من الإيتاء وهو الإعطاء. قوله: (الوَسِيلَةَ) وهي في اللغة: ما يتقرب به إلى الغير والمنزلة عند الملك، يقال: وسل فلان إلى ربه وسيلة، وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه بعمل، وهي على وزن فَعيلة، وتُجمع على وسائل ووسل، وتطلق على المنزلة العلية، ووقع ذلك في حديث مسلم: حدثنا محمد بن مسلمة المرادي، حدثنا عبد الله بن وهب عن حيوة وسعيد بن أبي أيوب وغيرهما، عن كعب بن علقمة عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، أنه سمع رسول الله يقول: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي لأحد إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حَلَّت له الشفاعة)) ونحوه للبزار عن أبي هريرة ﵁، وأخرجه أبو داود والنسائي أيضاً، وأخرجه الطحاوي، ولفظه: ((فإنها منزلة في الجنة)) فالمنزل والمنزلة واحد وهي المنهل والدار، قال شيخنا: ويمكن ردها إلى الأول؛ فإن الواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله، فتكون كالقربة

стр. 292

التي يتوسل بها. انتهى قوله: (والفَضيلة) أي: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون الفضيلة منزلةً أخرى، قال شيخنا: أو تكون تفسيراً للوسيلة. قال العيني: لا إيهام في الوسيلة مع أنها بُينت في الحديث الذي روي عن عبد الله بن عمرو. انتهى قلت: كلام العيني هذا يشعر بأنه لا يفسر إلا المبهم، وليس كذلك. انتهى قوله: (مَقاماً مَحمُوداً) نصب على الظرفية، أي: ابعثه يوم القيامة فأقمه مقاماً محموداً، أو على أنه مفعول به، أو ضمن ابعثه معنى أقمه، ومعنى ابعثه أعطه، ويجوز أن يكون حالاً، أي: ابعثه ذا مقام محمود. قال النووي: ثبتت الرواية بالتنكير، وكأنه حكاية للفظ القرآن، وقال الطيبي: إنما نكره لأنه أفخم وأجزل، كأنه قيل: مقاماً أي مقام محموداً بكل لسان، وقد جاء في هذه الرواية بعينها من رواية علي بن عياش شيخ البخاري فيه المقام المحمود بالألف واللام عند النسائي، وهو في «صحيح ابن خزيمة» و «ابن حبان» أيضاً، وفي «الطحاوي» والطبراني في «الدعاء» والبيهقي، وفيه تعقب على من أنكر ذلك كالنووي، قال ابن الجوزي: الأكثر على أن المراد بالمقام المحمود: الشفاعة. وقيل: إجلاسه على العرش. وقيل: على الكرسي، وقد حكى كُلّاً من القولين جماعة، وعلى تقدير الصحة لا ينافي الأول؛ لاحتمال أن يكون الإجلاس علامة الإذن في الشفاعة، ويحتمل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعة، وأن يكون الإجلاس هي المنزلة المعبر عنها بالوسيلة أو الفضيلة، وقيل: معناه: الذي يحمده القائم فيه وكلُّ مَن رآه وعرفه، وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات. وعن ابن عباس: مقام يحمدك فيه الأولون والآخرون، وتشرف فيه على جميع الخلائق، تسأل فتُعطي، وتشفع فتشفع، ليس أحد إلا تحت لوائك. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : ((هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي)). ووقع في «صحيح ابن خزيمة» من حديث كعب بن مالك مرفوعاً: ((يبعث الله الناس فيكسوني حُلَّة خضراء، فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود)) ويظهر أن المراد بالقول المذكور هو الثناء الذي يقدمه بين يدي الشفاعة، ويظهر أن المقام المحمود هو مجموع ما يحصل له في تلك الحالة. ويشعر قوله في آخر الحديث: (حلَّت له شفاعتي) بأن الأمر المطلوب له الشفاعة، والله أعلم. قوله: (الَّذِي وَعَدتَهُ) زاد في رواية البيهقي: ((إنك لا تخلف الميعاد)) قال الطيبي: المراد بذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] وأطلق عليه الوعد؛ لأن عسى من الله واقع لا محالة كما صح عن ابن عيينة وغيره، وليس على بابه في حق الله تعالى. فإن قلت: قد وعده الله المقام المحمود وهو لا يخلف الميعاد، فما الفائدة في دعاء الأمة بذلك؟ قال العيني: إما لطلب الدوام والثبات، وإما للإشارة إلى جواز دعاء الشخص لغيره والاستعانة بدعائه في حوائجه، ولا سيما من الصالحين انتهى قلت: وأيضاً فقد أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا، فإن عجزنا عن مكافأته دعونا له، ولما عجزنا عن مكافأة سيد الأولين والآخرين أُمرنا أن ندعو

стр. 293

له لذلك، ليكون مكافأة لإحسانه إلينا؛ إذ لا إحسان أفضل من إحسانه إلينا، كذلك دعونا له بدرجة لا درجة أفضل منها، والله أعلم. انتهى قال شيخنا: قوله: (الذي وعدته) بدل، أي: من قوله: (مقاما) أو عطف بيان، أو خبر مبتدأ محذوف، وليس صفة للنكرة، ووقع في رواية النسائي وابن خزيمة وغيرهما: ((المقام المحمود)) فيصح وصفه بالموصول، والله أعلم. قال العيني: فإن قلت: هل يجوز أن يكون صفة للمقام؟ قلت: إن قلنا: المقام المحمود، صار علماً لذلك المقام يجوز أن يكون صفة، وإلا لا يجوز لأنه نكرة. وأما على رواية النسائي، فيجوز بلا نزاع. انتهى قوله: (حَلَّت لَهُ شَفاعَتي) جواب مَن، ومعنى (حلت) أي: استحقت ووجبت، ويكون من الحلال؛ لأنه مَن كان الشيءُ حلالاً له كان مستحقاً لذلك، وبالعكس، ويجوز أن يكون من الحلول بمعنى النزول، وتكون اللام بمعنى على، يقال: حَلَّ يَحُل بالضم إذا نزل، ويؤيده رواية مسلم: ((حلَّت عليه))، ووقع في الطحاوي من حديث ابن مسعود: ((وجبت له))، ولا يجوز أن يكون من الحِل خلاف الحُرمة؛ لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة. فإن قيل: كيف جعل ذلك ثواباً لقائل ذلك مع أنه ثبت أن الشفاعة للمذنبين؟ أجيب: بأن للنبي ﷺ شفاعات متعددة، كإدخال الجنة بغير حساب، ورفع الدرجات، فيشفع لكل أحد بما يناسب حاله. ونقل القاضي عياض عن بعض شيوخه: أنه كان يرى تخصيص ذلك بمن قال مخلصاً مستحضراً إجلال النبي ﷺ ، لا من قصد بذلك مجرد الثواب ونحو ذلك، وهذا مجرد تحكم غير مرضي. قال شيخنا: ولو كان أخرج بالغافل اللاهي لكان أشبه، قال العيني: وفيه نظر أيضاً على ما لا يخفى. انتهى فيه الحض على الدعاء في أوقات الصلاة حين تفتح أبواب السماء للرحمة، وقد جاء: ((ساعتان لا يرد فيهما الدعاء: حضرة النداء بالصلاة، وحضرة الصف في سبيل الله)) فدلهم ﵇ على أوقات الإجابة. فإن قلت: هل الإتيان بهذه الألفاظ المذكورة سبب لاستحقاق الشفاعة، أو غيرها يقوم مقامها؟ قال العيني: روى الطحاوي من حديث عبد الله بن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: ((ما من مسلم يقول إذا سمع النداء، فيكبر المنادي فيكبر، ثم يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً رسول الله، فيشهد على ذلك ثم يقول: اللهم أعطِ محمداً الوسيلة واجعله في الأعلَين درجته، وفي المصطفَين محبَّته، وفي المقربين ذِكره إلا وجبت له شفاعتي يوم القيامة)) وأخرجه الطبراني أيضاً. قوله: (وَاجعَلهُ) أي: واجعل له درجة في الأعلين، وهو جمع أعلى، وهو صفة مَن يعقل ههنا؛ لأن المراد منهم الأنبياء ﵈، فلذلك جمع بالواو والنون، فإعرابه بالواو حالة الرفع وبالياء في حالَتي النصب والجر، وهذا مقصور، والضمة والكسرة فيه مقدرتان في حالتي النصب والجر. قوله: (المصطفَين) بفتح الفاء جمع مصطفى، وهو أيضاً كذلك بالواو حالة الرفع وبالياء حالتي النصب والجر، والمصطفى

стр. 294

المختار من الصَّفْوة، وأصله: مصفيّ، فقلبت كما عُرف في موضعه، أي: من كتب التصريف. وروى الطَّحاويُّ أيضاً من حديث أم سَلَمَة ﵂ أنها قالت: علمني رسول الله ﷺ فقال: ((يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِذَا كَانَ عِنْدَ أَذَانِ المَغْرِبِ (١) : اللَّهُمَّ (٢) عِنْدَ اسْتِقْبَالِ لَيْلِكَ، وَإِدْبَارِ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتِ دُعَائِكَ، وَحُضُورِ صَلَوَاتِكَ، اغْفِرْ لِيْ)) وأخرجه أبو داود، ولفظه: ((اللَّهُمَّ هَذَا إِقْبَالُ لَيْلِكَ، وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتُ دُعَائِكَ، فَاغْفِرْ لِي))، وأخرجه الطَّبرانيُّ في «الكبير» وفي آخره: ((وَكَانَتْ إِذَا تَعَارَّتْ مِنَ اللَّيْلِ تَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاهْدِ السَّبِيلَ الأَقْوَمَ))، وروى أبو الشيخ من حديث ابن عباس يرفعه: ((مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَبْلِغْهُ الدَّرَجَةَ وَالوَسِيلَةَ عِنْدَكَ، وَاجْعَلْنَا فِي شَفَاعَتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ))، وفيه إثباتُ الشّفاعة للأمة صالحاً وطالحاً لزيادة الثواب أو إسقاط العقاب؛ لأن لفظة (فِي) عامّةٌ، فهو حُجَّةٌ على المعتزلة حيث خصَّصوها بالمطيع لزيادة درجاته فقط. (٩) (بَابُ الِاسْتِهَامِ فِي الأَذَانِ) أي: هذا بابٌ في بيان حكم الاستهام - أي: الإسراع - في الأذان، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]. قال الخَطَّابيُّ: وإنما قيل له: الاستهام؛ لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم على سهام إذا اختلفوا في الشيء، فمن خرج سهمُه غلب، والقرعةُ أصلٌ من أصول الشريعة في حال من استوتْ دعواهم في الشَّيء لترجِّحَ أحدهم، وفيها تطييبُ القلوب. قوله: (وَيُذْكَرُ أَنَّ أَقْوَامًا اخْتَلَفُوا فِي الأَذَانِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ) أي: ابن أبي وقَّاص أحد العشرة المبشرة بالجنة. هذا التَّعليقُ أخرجه سعيدُ بن منصور والبيهقيُّ من طريق أبي عُبَيد كلاهما عن هُشَيم عن عبد الله بن شُبْرمةَ، قال: تشاحَّ الناسُ في الأذان بالقادسية، فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص فأقرع بينهم. وهذا منقطع، وقد وصله سيفُ بن عمر في «الفتوح» والطبريُّ من طريقه عنه، عن عبد الله بن شبرمة عن شَقِيق، وهو أبو وائل، قال: فتحنا القادسيةَ صدرَ النهار، فتراجعنا وقد أصيب المؤذنُ، فذكره وزاد: فخرجتِ القرعةُ لرجلٍ منهم فأذَّن. قوله: (فِي الأَذَانِ) أي: في منصب التَّأذين، يعني: اختلافُهم لم يكن في نفس الأذان، وإنما كان في التَّأذين، والأذانُ يأتي بمعنى التأذين، وكان ذلك عند فتح القادسية في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ في سنة خمس عشرة، وكان سعدٌ يومئذٍ أميراً على الناس. قال الصَّغّانيُّ: القادسيّةُ: قريةٌ على طريق الحاجّ على مرحلة من الكوفة، وحكى الجوهريُّ: أنَّ إبراهيم ﵇ قدَّس على ذلك المكان، فلذلك صار منزلاً للحاج، وكان بها وقعةٌ للمسلمين مشهورةٌ مع الفرس في خلافة عمر. قال العينيُّ: وقيل: مرَّ إبراهيم ﵇ بالقادسية، فوجد هناك عجوزاً، فغسلت رأسه، فقال: قُدِّستِ من أرض، فسُميت القادسية، وقيل: سُميت بذلك لنزول أهل فارس بها، وقادس: قرية بمروِالروذ، قال شيخنا: القادسيةُ: مكانٌ بالعراق معروفٌ، نسب إلى قادس، رجلٍ نزل به. ٦١٥ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي: التّنيسيّ. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي: ابن أنس، ترجمتهما في بدء الوحي.

стр. 295

قوله: (عَنْ سُمَيٍّ) أي: بضم السين المهملة، وفتح الميم، وتشديد الياء آخر الحروف، (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشيّ المدنيّ، قتله الحَرُوريَّة بقُدَيدٍ سنة ثلاثين ومئةٍ. قوله: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) أي: ذكوان الزَّيَّات، ترجمته في باب أمور الإيمان. قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي: صخر بن عبد الرحمن، ترجمته في الباب أيضاً. في هذا الإسناد: التَّحديثُ بصيغة الجمع في موضعٍ واحدٍ، والإخبارُ كذلك، وفيه العنعنةُ في ثلاثة مواضع، وفيه: أنَّ رواته مدنيون ما خلا شيخ البخاري. قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَا يَجِدُونَ إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) مطابقتُه للترجمة في قوله: (لو يعلمُ الناسُ [ما] في النداء) وهو الأذان، وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضاً في الشهادات عن إسماعيل، وأخرجه مسلمٌ في الصلاة عن يحيى بن يحيى، وأخرجه الترمذيُّ فيه عن إسحاق بن موسى عن معن بن عيسى، وأخرجه النَّسَائيُّ فيه عن عتبة بن عبد الله وقُتَيبة فوقهما عن الحارث بن مسكين عن عبد الرحمن بن القاسم، سبعتُهم عن مالك به. قوله: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ) قال الطِّيبيُّ: وضع المضارع موضع الماضي ليفيد استمرار العلم. قوله: (مَا فِي النِّدَاءِ) أي: الأذان، وهي رواية بشر بن عمر عن مالك عند الشّراح. فإن قلت: ما الفرق بين النداء والأذان؟ قال العيني: لفظُ الأذان أو التأذين أخصُّ من لفظ النداء لغةً وشرعاً، والفرق بين الأذان والتأذين: أنَّ التأذينَ يتناول جميع ما يصدر عن المؤذن من قولٍ وفعلٍ وهيئةٍ ونيَّةٍ، وأما الأذان فهو حقيقة تُعقَل بدون ذلك. قوله: (وَالصَّفِّ الأَوَّلِ) زاد أبو الشيخ في روايةٍ له من طريق الأعرج عن أبي هريرة: ((من الخير والبركة)) والتقدير: ولو يعلم الناسُ ما في الصف الأول، وقال الطيبيُّ: أطلق مفعولَ (يعلم) وهو كلمة (ما)؛ ليفيد ضرباً من المبالغة، وأنه مما لا يدخل تحت الوصف، والإطلاقُ إنما هو في قدر الفضيلة، وإلا؛ فقد مُيِّزتْ في الرواية الأخرى بالخير والبركة. قوله: (ثُمَّ لَا يَجِدُونَ) هذه رواية المستملي والحَمَوي، وفي رواية غيرهما: ((ثم لم يجدوا))، وقال الكرمانيُّ: وفي بعض الروايات: ((لا يجدوا)) ثم قال: جوَّز بعضهم حذفَ النون بدون الناصب والجازم، قال ابنُ مالك: حذفُ نون الرفع في موضع الرفع لمجرد التخفيف ثابتٌ في اللغة في الكلام الفصيح نظمِه ونثرِه. قال شيخنا: ولم أقف على هذه الرواية. قوله: (إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ) من الاستهام، وهو الاقتراع، يقال: استهموا فسَهَمَهُم فلانٌ سهماً إذا قَرَعَهم، وقال صاحب «العين» : القرعةُ مثال الظُّلْمة: الاقتراعُ، وقد اقترعوا وتقارعوا، وقارعته فقرعته، أي: أصابتني القرعةُ دونه، واقترعت بينهم إذا أمرتهم أن يقترعوا، وقارعت بينهم أيضاً، والأولُ أصوبُ. ذكر ابن التّيانيِّ في «المُوعِب» في «التَّهذيب» لأبي منصورٍ عن ابن الأعرابيّ: القرع والسبق والندب: الخطرُ الذي يُستبَقُ عليه. وقال النوويُّ: معناه: أنَّهم لو علموا فضيلةَ الأذان وعظم جزائه، ثم لم يجدوا طريقاً يحصِّلونه به لضيق الوقت

стр. 296

لاقترعوا في تحصيله. وقال الطيبيُّ: المعنى: لو علموا ما في النداء والصف الأول من الفضيلة، ثم حاولوا الاستباق لوجب عليهم ذلك. وأتى بـ (ثم) المؤذنة بتراخي رتبة الاستباق من العلم، وقدم ذكر الأذان دلالة على تهيُّؤ المقدمة الموصلة إلى المقصود الذي هو المثول بين يدي رب العزة. قال شيخنا: يعني: ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا، أي: لم يجدوا شيئاً من وجوه الأولوية، أما في الأذان؛ فبأن يستووا في معرفة الوقت وحسن الصوت ونحو ذلك من شرائط المؤذن، وأما في الصف الأول؛ فبأن يصلوا دفعة واحدةً، ويستووا في الفضل، فيقرع بينهم في الحالتين، وزعم بعضهم: أن المراد بالاستهام هنا: الترامي بالسِّهام، وأنه أُخْرِجَ مخرج المبالغة، واستأنس بحديث: ((لَتُجَادِلُوا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ))، لكن الذي فهمه البخاري أَوْلى، ولذلك استشهد له بقصة سعد، ويدل عليه رواية لمسلم: (لَكَانَتْ قُرْعَةً) انتهى. قوله: (عَلَيْهِ) أي: على كلِّ واحدٍ من الأذان والصف الأول، وبذلك يصحُّ تبويبُ المصنف، وقد نازع ابنُ عبد البر والقرطبيُّ في مرجع الضمير، قال ابن عبد البرِّ: يرجع إلى الصف الأول لا إلى النداء، وهو حقُّ الكلام؛ لأنَّ الضميرَ يعود لأقرب مذكورٍ، وقال القرطبيُّ: يلزم منه أن يبقى النداء ضائعاً لا فائدة له، بل الضمير يعود على معنى الكلام المتقدم، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] أي: جميع ما ذكر. قال شيخنا: وقد رواه عبد الرزاق عن مالك بلفظ: ((لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِمَا))، فهذا مفصحٌ بالمراد من غير تكلفٍ. انتهى. قال العينيُّ: الصوابُ مع القرطبيّ، وحديثُ عبد الرزاق يدلُّ على صحة التقدير الذي قدَّره. انتهى. قوله: (مَا فِي التَّهْجِيرِ) أي: التّبكير إلى الصلوات، قال النوويُّ: وعليه الخليلُ وغيره على ظاهره (١) فقال: والمراد: الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت؛ لأن التهجير مشتقٌّ من الهاجرة، وهو شدَّةُ الحر نصف النهار، وهو أول وقت الظهر. قال العينيُّ: الصوابُ ما قاله الهرويّ؛ لأن اللفظ مطلقٌ، وتخصيصه بالاشتقاق لا وجهَ له. ثم المرادُ من التبكير إلى الصلوات: التهيؤ والاستعداد لها، ولا يلزم من ذلك إقامتها في أول أوقاتها، وكيف وقد أمر الشارع بالإبراد في الظهر، والإسفار في الفجر؟! وأيضاً الهاجرةُ تطلق على وقت الظهر إلى أن يقرب العصر، فإذا أبرد يصدق عليه أنه هجَّر على ما لا يخفى. انتهى. قال شيخنا: وإلى قول الخليل مال البخاريُّ كما سيأتي، ولا يرد على ذلك مشروعيَّةُ الإبراد بالظهر؛ لأنه أريد به الرفقُ، وأما من ترك قائلته وقصد إلى المسجد لينتظر الصلاة فلا يخفى ما له من الفضل. انتهى. قوله: (لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ) قال ابن أبي حمزة (٢) : المراد: الاستباق معنى لا حساً؛ لأن المسابقة على الأقدام حساً تقتضي السرعة في المشي، وهو ممنوعٌ منه. قال العيني: المراد من الاستباق: التَّبكير، بأن يسبق غيره في الحضور إلى الصلاة. قال شيخنا: وسيأتي الكلامُ على بقية الحديث في باب فضل صلاة العشاء في الجماعة قريباً، ويأتي الكلامُ على المراد بالصف الأول في آخر أبواب الإمامة إن شاء الله تعالى. قال العيني: قوله:

стр. 297

(مَا فِي العَتَمَةِ) وهي صلاةُ العشاء، يعني: لو يعلمون ما في ثواب أدائها وأداء الصبح (لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) أي: ولو كانوا حابين، من: حَبَا الصبيُّ إذا مشى على أربع، قاله صاحب «المجمل»، ويقال: إذا مشى على يديه وركبتيه أو استه. انتهى. فيه: فضيلةُ الأذان، وقد ذكرناه فيما مضى من ذلك. وفيه: فضيلةُ الصف الأول لاستماع القرآن إذا جهر الإمام، والتأمين عند فراغه من الفاتحة، والتكبير عقيب تكبير الإمام، وأيضاً يحتمل أن يحتاج الإمام إلى الاستخلاف عند الحدث فيكون هو خليفته، فيحصل له بذلك أجرٌ عظيمٌ، أو يضبط صفة الصلاة ويفعلها ويعلمها الناس، وروى مسلم: ((خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا))، وفي «الأوسط» للطبراني: ((استغفر للصف الأول ثلاث مرات، وللثاني مرتين، وللثالث مرة))، وعن جابر بن سمرة من حديث مسلم: ((أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا، يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ))، وعند ابن ماجه عن عائشة ﵂: ((لَا يَزَالُ قَوْمُ يَتَأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفِّ الأَوَّلِ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ إِلَى النَّارِ))، وعن عبد الرحمن بن عوف: ((إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ))، وعند ابن حبان عن البراء بن عازب: ((إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ)). وقال القرطبيُّ: اختلف في الصف الأول هل هو الذي يلي الإمامَ أو المبكِّرُ؟ والصحيحُ: أنه الذي يلي الإمام، فإن كان بين الإمام والناس حائلٌ كما أحدث الناسُ المقاصيرَ فالصفُّ الأولُ الذي يلي المقصورةَ. وفي «التوضيح» : الصفُّ الأولُ: ما يلي الإمام ولو وقع فيه حائل خلافاً لمالك، وأبعد مَن قال: إنه المبكر، ولو جاء رجل ورأى الصف الأول مسدداً لا ينبغي أن يزاحمهم، وقد روي عن ابن عباس يرفعه: ((مَنْ تَرَكَ الصَّفَّ الأَوَّلَ مَخَافَةَ أَنْ يُؤْذِيَ مُسْلِماً أَضْعَفَ اللهُ لَهُ الأَجْرَ)). وفيه: فضيلةُ التبكير إلى الصلوات. وفيه: حثٌّ عظيمٌ على حضور صلاتي العتمة والصبح، والفضل الكبير في ذلك لما فيهما من المشقة على النفس من تنغيص أول اليوم وآخره. وفيه: تسميةُ العشاء بالعتمة. فإن قلت: قد ثبت النهيُ عنه. قال العيني: هذه التسميةُ لبيان الجواز، وإنَّ النهيَ ليس للتحريم، وأيضاً استعمال العتمة ههنا لمصلحةٍ؛ لأنَّ العرب كانت تستعمل العشاء في المغرب، فلو قال: ما في العشاء؛ لحملوها على المغرب، ففسد المعنى وفات المطلوب، فاستعمل العتمة التي لا يشكون فيها، فقواعد الشرع متظاهرة على احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما. وفيه: أنَّ الصفَ الثاني أفضلُ من الثالث، والثالث من الرابع، وهلم جراً. وفيه: دلالةٌ لمشروعية القرعة. وفيه: ما استدلَّ به بعضهم ممن قال بالاقتصار على مؤذنٍ واحدٍ، وهذا ليس بظاهرٍ؛ لصحة استهام أكثر من واحد. قلت: وفيه الوعظُ بالدليل المجمل. وفيه: السعيُ في تحصيل الفضائل ولو بالمشقة العظيمة. انتهى. (١٠) (بَابُ الكَلَامِ فِي الأَذَانِ)

стр. 298

أي: هذا باب في بيان حكم الكلام في أثناء الأذان بغير ألفاظه، لكنه ما صرّح بالحكم كيف هو، أجائزٌ أم غير جائزٍ؟ قال شيخنا: وجرى المصنف على عادته في عدم الجزم بالحكم الذي دلالته غير صريحة، لكن إيراده الأثرين المذكورين فيه، وإيرادُه حديث ابن عباس يشير إلى أنه اختار الجواز كما ذهبت إليه طائفةٌ على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى. قوله: (وَتَكَلَّمَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ فِي أَذَانِهِ) أي: سليمان بن صُرَد - بضم الصاد المهملة وفتح الراء في آخره دال مهملةر- ابن أبي الجون الخزاعيُّ الصحابيُّ، وكان اسمه في الجاهلية: يساراً، فسماه النبي ﷺ سليمان، وكنيته: أبو المطرِّف، وكان حبراً عابداً ترك الكوفة، وقال ابن سعد: قتل بالجزيرة بعين الوردة في شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، وكان أميراً على التوابين أربعة آلاف يطلبون بطلب الحسين بن علي ﵃. وهذا التعليقُ أخرجه ابن أبي شيبة من حديث موسى بن عبد الله بن يزيد بن (١) سليمان بن صرد وكانت له صحبةٌ: كان يؤذن في العسكر، فكان يأمر غلامه بالحاجة في أذانه. ووصله أبو نعيمٍ شيخ البخاريِّ في كتاب الصلاة له، وأخرجه البخاريُّ في «التاريخ» عنه بإسناد صحيح، ولفظه مثل لفظ ابن أبي شيبة. قوله: (وَقَالَ الحَسَنُ) أي: البصري، ترجمته في باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] في كتاب الإيمان. قوله: (لَا بَأْسَ أَنْ يَضْحَكَ وَهُوَ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ) قال العيني: وهذا الأثر المطلق غير مطابق للترجمة؛ لأنها في الكلام في الأذان، والضحكُ ليس بكلامٍ؛ لأنه صوتٌ يسمع نفس الضاحك ولا يسمع غيره، ولو علق عنه ما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» : ((حدثنا ابن علية قال: سألت يونس عن الكلام في الأذان والإقامة، فقال: حدثني عبيد الله بن غلاب، عن الحسن: أنه لم يكن يرى بذلك بأساً)) لكان أَوْلى وأوفق للمطابقة. انتهى. قال شيخنا: هذا التعليقُ لم أره موصولاً، والذي أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من طرقٍ عنه جوازُ الكلام بغير قيد الضحك. وقيل: مطابقتُه للترجمة من جهة أن الضحك إذا كان بصوت قد يظهر منه حرف مفهم أو أكبر (٢)، فيفسد (٣) الصلاة، ومن منع الكلامَ في الأذان أراد أن يساويه بالصلاة، وقد ذهب الأكثر إلى أن تعمُّد الضحك يبطل الصلاة ولو لم يظهر حرف، فاستوى مع الكلام في بطلان الصلاة بعمله. انتهى. ٦١٦ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي: ابن مسرهد، ترجمته في باب: من الإيمان أن تحب. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) أي: ابن زيد، ترجمته في باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] في كتاب الإيمان. قوله: (عَنْ أَيُّوبَ) أي: السختياني، ترجمته في باب حلاوة الإيمان. قوله: (وَعَبْدِ الحَمِيدِ صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ) أي: ابن دينار، قلت: البصريّ،

стр. 299

وقال عمر بن علي: هو عبد الحميد بن واصل، سمع أنس بن مالك وعبد الله بن الحارث، روى عنه شعبة وحماد بن زيد وإسماعيل بن علية. قوله: (وَعَاصِمٍ الأَحْوَلِ) أي: ابن سليمان، ترجمته في باب: الماء الذي يغسل به شعر الإنسان. قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ) أي: ابن عم محمد بن سيرين وزوجُ ابنته، وهو تابعي صغير، وقال الواقدي: هو خَتَنُ محمد بن سيرين، سمع عبد الله بن العباس وأبا هريرة وأفلح مولى أبي أيوب وعبد الله بن عمرو وزيد بن أرقم، وروى عنه عاصم الأحول وأيوب وعبد الحميد صاحب الزيادي وخالد الحذاء وابنة يوسف بن عبد الله. قوله: (قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ) أي: عبد الله، ترجمته في بدء الوحي. في هذا الإسناد: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنةُ في موضعين، وفيه القولُ في موضعين. قال العينيُّ: وفيه رواية أيوب عن ثلاثة أنفس. قلت: ليس هو كذلك، وإنما الراوي عن ثلاثة أنفس فيه حماد، فانظره. انتهى. وفيه: عبد الله بن الحارث تابعيٌّ صغيرٌ كما تقدم، ورواية الثلاثة عنه من رواية الأقران؛ لأن الثلاثة من صغار التابعين. ورجال الإسناد كلهم بصريون، وقد جمعهم حماد لمسدد كما هنا، وكذلك رواية سليمان بن صرد عنه عند أبي عوانة وأبي نعيم في «المستخرج»، وكان حماد ربما اقتصر على بعضهم كما سيأتي قريباً في باب: يصلي الإمام بمن حضر عن عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي عن حماد بن عبد الحميد، وعن عاصم فوقهما، ورواه مسلم عن أبي الربيع عن حماد عن أيوب وعاصم، ومن طرق أخرى، منها وهيب عن أيوب، وحكي عن وهيب: أن أيوب لم يسمعه من عبد الله بن الحارث. قال شيخنا: وفيه نظر؛ لأن في رواية سليمان بن حرب عن حماد وأيوب قالا: سمعنا عبد الله بن الحارث، كذلك أخرجه الإسماعيلي وغيره، ولمسدَّدٍ فيه شيخٌ آخر، وهو ابن علية كما سيأتي في كتاب الجمعة. انتهى. قوله: (فِي يَوْمِ رَدْغٍ، فَلَمَّا بَلَغَ المُؤَذِّنُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ «الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ»، فَنَظَرَ القَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ) هذا الحديث غير مطابق للترجمة على ما زعمه الداودي، فإنه قال: لا حجة فيه على جواز الكلام في الأذان، بل القول المذكور مشروع من جملة الأذان في ذلك المحل. قال العينيُّ: سلّمنا أنه مشروعٌ في مثل هذا الموضع، ولكنا لا نسلم أنه من جملة ألفاظ الأذان المعهودة، بل هذا حجة لمن يجوز الكلام في الأذان عند ظهور مصلحة وإن كانت الإجابة واجبة، فعلى هذا أمرُ ابن عباس المؤذن بهذا الكلام يدلُّ على أنَّه لم ير بأساً بالكلام في الأذان، فمن هذا الوجه يحصل التطابقُ بين الترجمة والحديث، فافهم. انتهى. قلت: الترجمةُ في الكلام مطلقاً، وأمرُ ابن عباس في الكلام الخاصّ الذي هو من مصلحة الأذان، فكيف يدلُّ؟ انتهى. هذا الحديثُ أخرجه البخاريُّ أيضاً في الصلاة عن عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي فوقهما كلاهما عن حماد بن زيد عن أيوب،

стр. 300

وفي الجمعة عن مسدد عن إسماعيل بن علية عن عبد الحميد به. وأخرجه مسلم في الصلاة عن علي بن حجر عن إسماعيل به، وعن أبي كامل الجحدري، وعن أبي الربيع الزهراني عن حماد، وعن إسحاق بن منصور عن النضر بن شميل عن شعبة عن عبد الحميد به، وعن عبد بن حميد عن سعيد بن عامر عن شعبة، وعن عبد بن حميد عن أحمد بن إسحاق الحضرمي عن وهيب عن أيوب. وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد عن إسماعيل به، وأخرجه ابن ماجه عن أحمد بن عبدة الضبي عن عباد بن عباد المهلبي عن عاصم به. قوله: (فِي يَوْمٍ رَدْغٍ) بفتح الراء وسكون الدال المهملة وبالغين المعجمة، هذه رواية ابن السَّكَن والكُشْميهنيُّ وأبي الوقت، وفي رواية الأكثرين: (رزغ) بالزاي موضع الدال، وقال القرطبي: والأول أشهر، وقال أيضاً: والصوابُ الفتحُ، يعني فتح الدال، فإنه الاسمُ، وبالسكون المصدر. وقال صاحب «التلويح» : (الردغ) بدال مهملة وغين معجمة، رواه العدوي وبعض رواية مسلم، وكذا لابن السّكن والقابسيّ، إلا أنهما فتحا الدال، قال العيني: وهي روايتنا من طريق أبي الوقت، ورواه الأصيلي والسمرقندي: (زرغ) بزاي مفتوحة بعدها غين معجمة، قال السفاقسيُّ: رويناه بفتح الزاي، وهو في اللغة بسكونها. قال الداودي: الرزغ: الغيم البارد، وفي «المحكم» : الرزغ: الماءُ القليلُ في الثماد، والرزغة أقل من الردغة، والوزغة بالفتح: الطين الرقيق، وفي «الصحاح» : الرَّزَغَة بالتحريك: الوحلُ، وكذلك الرَّدَغَة بالتحريك، وفي كتاب أبي موسى: الردغةُ بسكون الدال وفتحها: طين ووحل كثير، والجمع: رداغ، وقد يقال: ارتدع بالعين المهملة: تلطخ، والصحيح الأول. وقوله: (فِي يَوْمِ رَدْغٍ) بالإضافة، وفي رواية: (فِي يَوْمٍ ذِي رَزْغٍ)، قال شيخنا: هي رواية الحجبي الآتية، وأوضح (١)، وفي رواية ابن عليَّة: (فَي يَوْمٍ مَطِيرٍ). وقال الكرمانيُّ: فإن قلت: اليوم أهو بالإضافة إلى الردغ أو بالتنوين على أنه موصوف؟ قلت: الإضافةُ ظاهرةٌ، وتحتمل الوصف على أن يكون أصله: يوم ذي ردغ. قال العيني: لم نقف على الرواية التي ذكرناها حتى نصرف بذلك. انتهى. قوله: (فَأَمَرَهُ) أي: أمر ابن عباس المؤذن، وهذا عطف على مقدر، وهو جواب لـ (ما) تقديره: لما بلغ المؤذن إلى أن يقول: حي على الصلاة أراد أن يقولها، فأمرها (٢) ابن عباس أن ينادي: الصلاة في الرحال، ويوضح ذلك رواية ابن علية: (إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ)، وابن علية هو إسماعيل، روى أبو داود عن مسدد عن إسماعيل، أخبرني عبد الحميد صاحب الزيادي، حدثنا عبد الله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين: أن ابن عباس قال لمؤذنه في يوم مطير: (إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَلْ: صَلُّوا)، قال: فكأن الناس استنكروا

стр. 301

ذلك، فقال: (قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالمَطَرِ)، وبوَّب عليه ابنُ خزيمة، وتبعه ابن حبانَ والمحبُّ الطبري: حذفُ حيَّ على الصلاةِ في يوم المطر، وكأنَّه نظر إلى المعنى؛ لأن حيَّ على الصلاة معناه: هَلمُّوا إلى الصلاة، والصلاة في الرِّحال وصَلُّوا في بيوتكم يناقض ذلك. قلت: وسيأتي في فقه الحديث الاختلاف في ذلك. انتهى. وقوله: (الصَّلَاةَ) منصوب بعامل محذوف، تقديره: صلوا الصلاة وأدُّوها (فِي الرِّحَالِ)، وهو جمع رَحْل، وهو مسكن الرجل وما يستصحبه من الأثاث، أي: صلوها في منازلكم. قوله: (فَنَظَرَ القَوْمُ) أي: نظرَ إنكارٍ على تغيير وضع الأذان، وتبديل الحيعلة بذلك، وفي رواية الحجبي: (كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ)، وفي رواية أبي داود: (اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ). قوله: (فَقَالَ) أي: ابن عباس (فَعَلَ هَذَا) إشارته إلى ما أمر المؤذن بأن يقول: الصلاة في الرحال موضع: حي على الصلاة. قوله: (مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ) قال العينيُّ: كلمة (من) في محل الرفع؛ لأنه فاعل قوله: (فعل)، والضمير في (منه) يرجع إلى ابن عباس، ومعناه: أمر به من هو خير من ابن عباس. وقال شيخنا: الضمير في (مِنْهُ) يرجع إلى المؤذن، يعني: فعله مؤذن رسول الله ﷺ ، وهو خير من هذا المؤذن. وللكشميهنيِّ: (مِنْهُمْ)، قال العيني: ووجِّه أن يرجع الضمير إلى المؤذن والقوم جميعاً. وقال شيخنا: وأما رواية الكشميهنيّ ففيها نظرٌ، ولعلَّ من أذَّن كانوا جماعة إن كانت محفوظة، أو أراد جنس المؤذنين، أو أراد: خير من المصلين. انتهى. قال العيني: في نظره نظرٌ، وتأويله بالوجهين غيرُ صحيحٍ، أما الأول فلم يثبت أن من أذن كانوا جماعة، وهذا احتمال بعيد؛ لأن الأذان بالجماعة محدث. وأما الثاني فلأن الألف واللام في (المؤذن) للعهد، فكيف يجوز أن يراد به الجنس؟! انتهى. قلت: ويحتمل أنه أراد بذلك التعظيم للمؤذن، مثل قول المسلّم على الواحد: سلام عليكم. انتهى. وفي رواية الحجبي: (مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي) يعني: رسول الله ﷺ ، وكذا وقع في رواية مسلمٍ وأبي داود. قوله: (وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ) يعني: أنّ الجمعةَ عزمةٌ بسكون الزاي، أي: واجبة متحتمة، وجاء في بعض طرقه: (إِنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ). فإن قلت: لم يسبق ذكرُ الجمعة، فكيف يعيده إليها؟ قال العيني: قوله: (خَطَبَنَا) يدلُّ على أنَّهم كانوا في الجمعة، وقد صرح بذلك في رواية أبي داود حيث قال: (إِنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ)، زاد ابن علية: (وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ، فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ) أي: كرهت أن أشقَّ عليكم بإلزامكم السعي إلى الجمعة في الطين والمطر، وفي رواية الحجبي من طريق عاصم: (أَنْ أُؤْثِمَكُمْ) أي: أن أكون سبباً لاكتسابكم الإثم عند ضيق صدروكم، وهي ترجّح روايةَ من روى: (أُحْرِجَكُمْ) بالحاء المهملة، ويروى: (أَنْ أُخْرِجَكُمْ) بالخاء المعجمة من الإخراج،

стр. 302

وفي رواية جرير عن عاصم: (أَنْ أُخْرِجَ النَّاسَ وَأُكَلِّفَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا الحديث (١) مِنْ طُرُقِهِمْ إِلَى مَسْجِدِهِمْ)، قال شيخنا: وسيأتي الكلام على ما يتعلق بسقوط الجمعة بعد المطر في كتاب الجمعة إن شاء الله تعالى. انتهى. فيه ما قاله العينيُّ: رخَّص الكلام في الأذان جماعة مستدلين بهذا الحديث، منهم أحمد بن حنبل، وحكى المنذر الجواز مطلقاً عن عروة وعطاء والحسن وقتادة، وعن النخعي وابن سيرين والأوزاعي الكراهة، وعن الثوري المنع، وعن أبي حنيفة وصاحبيه خلاف الأولى، وعليه يدل كلام الشافعي ومالك، وعن إسحاق بن راهويه: يكره إلا إن كان فيما يتعلق بالصلاة، واختاره ابن المنذر. وفيه دلالةٌ على فرضية الجمعة، قال العيني: وأبعد بعضُ المالكية حيث قال: إن الجمعةَ ليست بفرضٍ، وإنما الفرضُ الظهرُ أو ما ينوب منابه، والجماعة على خلافه. وقال ابن التِّين: وحكى ابنُ أبي صفرةَ عن «موطأ ابن وهب» عن مالك: أنَّ الجمعةَ سنةٌ، قال: ولعله يريد: في السفر، ولا يحتج به. وفيه: تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار، وأنها متأكدة إذا لم يكن عذر. وقال الكرماني: وفيه: أن يقال هذه الكلمة ـ يعني: الصلاة في الرحال ـ في نفس الأذان، قال العيني: أخذه من كلام النووي، فإنه قال هذه الكلمة، فقال: في نفس الأذان، ويرد عليه حديث ابن عمر الآتي في باب الأذان للمسافر أنها تقال بعده، ونصّ الشافعيُّ على أن الأمرين جائزان، ولكن هذا أحسنُ لئلا ينخرمَ نظمُ الأذان. وقال النووي: ومن أصحابنا من قال: لا يقوله إلا بعد الفراغ، قال: وهو ضعيفٌ مخالفٌ لصريح حديث ابن عباس. قال العينيُّ: الأمران جائزان، وبعد الفراغ أحسنُ كما ذكرنا. قال العينيُّ: وكلام النوويّ يدلُّ على أنّها تزاد مطلقاً: إما في أثناء، وإما بعده؛ لأنها بدل من الحيعلة. قلت: حديثُ ابن عباس لم يسلكْ مسلكَ الأذان، ألا ترى أنه قال: (فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ)؟ وإنما أراد: إشعارَ الناس بالتخفيف عنهم للعذر كما فعل في التثويب الأمراء وأصحاب الولاية، وذلك لأنه ورد في حديث ابن عمر أخرجه البخاريّ وحديث أبي هريرة أخرجه ابن عدي في «الكامل» : أنه إنما يقال بعد فراغ الأذان. (١١) (بَابُ أَذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُخْبِرُهُ) أي: هذا باب في بيان حكم أذان الأعمى إذا كان عنده من يخبره بدخول الوقت؛ لأن الوقت في الأصل مبنيٌّ على المشاهدة، يعني: يجوز أذانُه حينئذٍ، وما رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزبير وغيرهما أنَّهم كرهوا أن يكون المؤذن أعمى محمولٌ

стр. 303

على ما إذا لم يكن عنده من يخبره بدخول الوقت، ونقل النوويُّ عن أبي حنيفة: أنّ أذان الأعمى لا يصحُّ، وتعقَّبه السُّروجيُّ بأنه غلطٌ على أبي حنيفة، وكذا قال العيني. نعم، في «المحيط» للحنفية: أنه يكره، وفي «الذخيرة» و «البدائع» : غيره أَحَبُّ. ٦١٧ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) أي: بفتح الميم، القعنبيُّ، ترجمته في باب: من الدين الفرار من الفتن. قوله: (عَنْ مَالِكٍ) أي: ابن أنس، ترجمته في بدء الوحي. قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أي: محمد بن مسلم، ترجمته في باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة. قوله: (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) أي: ابن عمر بن الخطاب، ترجمته في باب: الحياء من الإيمان. قوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي: عبد الله بن عمر ﵄، ترجمته في كتاب الإيمان. في هذا الإسناد: التحديثُ بصيغة الجمعة في موضع، وفيه العنعنة في أربع مواضع. قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ). مطابقته للترجمة في قوله: (لَا يُنَادِي... إلى آخره) وهذ الحديث أخرجه الطحاوي من تسع طرق صحاح، ثمانية مرفوعة، وواحدة موقوفة: الأوَّلُ: عن يزيد بن سنان عن عبد الله بن مسلمة عن مالك... إلى آخره نحو رواية البخاري. الثاني: عن عبد الله بن صالح عن الليث عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر عن النبي ﷺ مثله. الثالثُ: عن إبراهيم بن أبي داود عن أبي اليمان عن شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: قال سالم بن عبد الله: سمعت عبد الله ابن أم مكتوم. الرابعُ: عن يزيد بن سنان عن أبي داود الطيالسي عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن الزهري، فذكر مثله. الخامسُ: عن الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي عن محمد بن كثير عن الأوزاعي عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ مثله. السادسُ: عن إبراهيم بن مرزوق عن وهب بن جرير عن شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ بإسناده مثله. السابعُ: عن يونس عن ابن وهب أن مالكاً حدَّثه عن عبد الله بن دينار، فذكر بإسناده مثله. الثامنُ: عن علي بن شيبة عن روح بن عبادة عن مالك عن شعبة عن عبد الله بن دينار، فذكر بإسناده مثله غير أنه قال: ((حَتَّى يُنَادِيَ بِلَالٌ أَوِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ))، شك شعبةُ. التاسعُ هو الموقوفُ: عن يونس عن ابن وهب أن مالكاً حدثه عن الزهري عن سالم عن النبي ﷺ مثله، ولم يذكر ابن عمر ﵄. وقال أبو عمر ابن عبد البر: هكذا رواه يحيى عن مالك مرسلاً عن سالم، لم يقل عنه عن أبيه، وتابعه على ذلك أكثر رواة «الموطأ»، وممن تابعه على ذلك ابن القاسم والشافعي وابن بُكيّر وأبو المصعب وعبد الله بن يوسف التنيسي ومصعب الزبيري ومحمد بن الحسن ومحمد بن المبارك الصُّوريّ وسعيد بن عفير ومعن بن عيسى

стр. 304

ووصله جماعة عن مالك فقالوا فيه عن سالم عن أبيه عن النبيِّ ﷺ ، وممَّن رواه مسنَدًا هكذا القعنبيُّ وعبد الرزاق وأبو قرة موسى بن طارق ورَوح بن عُبادة وعبد الله بن نافع ومطرِّف وابن أبي أويس وعبد الرحمن بن مهدي وإسحق بن إبراهيم الحنيني، ومحمد بن عمر الواقدي وأبو قتادة الحرَّاني ومحمد بن حرب الأبرش وزهير بن عباد وكامل بن طلحة وابن وهب في رواية أحمد بن صالح عنه. وأما أصحاب ابن شهاب فروَوه متَّصلًا مسندًا عن ابن شهاب. انتهى. قوله: (إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ) وفي رواية الطحاوي ((إن بلالًا يمادي بليل)) ومعناهما واحد لأن معنى قوله: ((ينادي)) يؤذن، والباء في (بليل) للظرفية. قال شيخنا: فيه أنَّ ذلك كان مِن عادته المستمرة، وزعم بعضهم أنَّه ابتدأ ذلك باجتهاد منه، وعلى تقدير صحَّته فقد أقرَّه النبي ﷺ فصار في حكم المأمور به وسيأتي الكلام في ذلك في فقه الحديث وفي تعيين الوقت الذي كان يؤذن فيه بعد باب أيضًا. قوله: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) فيه إشعار بأن الآذان كان علامة عندهم على دخول الوقت، فبين لهم أن أذان بلال بخلاف ذلك. قوله: (حَتَّى يُنَادِي ابنُ أمِّ مَكْتُوم) أي حتى يؤذن عمرو بن أم مكتوم. وهذا الذي عليه الأكثر في اسمه وسيأتي موصولًا في الصيام وفضائل القرآن، وقيل كان اسمه الحصين فسماه النبيُّ ﷺ عبد الله. قال شيخنا: ولا يمتنع أنه كان له اسمان، وهو قرشي عامري أسلم قديمًا وهاجر إلى المدينة قبل مقدم النبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ يكرمه واستخلفه على المدينة ثلاث عشرة مرة، والأشهر في اسم أبيه قيس بن زائدة، واسم أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم، وهو ابن خال خديجة بنت خويلد ﵂، وهو الأعمى المذكور في سورة عبس. قال العيني: ومكتوم مِن الكتم سُمِّي به لكتمان نور عينيه. قلت: أخذ العيني هذا مِن كلام الكرماني لأنه قال: وُلِد أعمى فكنيت أمه به لاكتتام نور بصره. قال شيخنا: والمعروف أنه عَمِي بعد بدر بسنتين، شهد فتح القادسية في خلافة عمر ﵁، وقُتل شهيدًا وكان معه اللواء يومئذٍ، وقيل رجع إلى المدينة ومات بها. قوله: (ثم قال: وكان رجلًا أعمى) قيل هذا القائل ابن عمر وبذلك جزم الشيخ الموفق في «المغني» لكن رواه الإسماعيلي عن أبي خليفة والطحاوي عن يزيد بن سنان كلاهما عن القَعْنَبي معينًا أنه ابن شهاب لأنه قال: قال ابن شهاب: وكان رجلًا أعمى، وكذلك رواه إسماعيل بن إسحق ومعاذ بن المثنى وأبو مسلم الكَجِّي الثلاثة عند الدارقطني والخُزاعي عند أبي الشيخ وتمام عند أبي نعيم وعثمان الدارمي عند البيهقي كلهم عن القَعنبي، وعلى هذا ففي رواية البخاري

стр. 305

إدراج ويجاب عن ذلك بأنه لا يمنع كون ابن شهاب قاله أن يكون شيخه قاله وكذا شيخ شيخه. وقد رواه البيهقي مِن رواية الربيع بن سليمان عن ابن وهب عن يونس والليث جميعًا عن ابن شهاب. وفيه قال سالم: ((وكان رجلًا ضرير البصر)). ففي هذا أن شيخ ابن شهاب قاله أيضًا. وسيأتي في كتاب الصيام عند المصنف من وجه آخر عن ابن عمر ما يؤدي معناه وسنذكر لفظه قريبًا فتثبت صحة وصله. ولابن شهاب فيه شيخ آخر أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه عن سعيد بن المسيب وفيه الزيادة. قال ابن عبد البرِّ: هو حديث آخر لابن شهاب وقد وافق ابن إسحاق معمرًا فيه عن ابن شهاب. قوله: (أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ) أي دخلتَ في الصباح. هذا ظاهره، واستُشكل لأنه جعل إذ إنه غاية للأكل فلو لم يؤذن حتى يدخل الصباح للزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر والإجماع على خلافه إلا ما روي عن سليمان الأعمش جوازه بعد طلوع الفجر، قال شيحنا: وقد شذَّ الأعمش. انتهى. وأجاب ابن حبيب وابن عبد البرِّ والأصيلي وجماعة مِن الشُّراح أَّن المراد: قاربتَ الصباح، قال العيني: لأن قرب الشيء قد يعبَّر به عنه كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [٢٣٤: البقرة]، أي قارَبن لأنَّ العدة إذا تمَّت فلا رجعة. انتهى. قال شيخنا: ويعكِّر على جواب أبي حبيب أن في رواية الربيع التي قدمناها ((ولم يكن يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر أذِّنْ)). وأبلغ مِن ذلك أنَّ لفظ رواية المصنف التي في الصيام ((حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر))، وإنما قلت إنه أبلغ لكون جميعه من كلام النبي ﷺ . وأيضًا فقوله: ((إن بلالًا يؤذن بليل)) يشعر أنَّ ابن أم مكتوم بخلافه لأنه لو كان قبل الصبح لم يكن بينه وبين بلال فرق لصدق أن كلًّا منهما أذَّن قبل الوقت، وهذا الموضع عندي في غاية الإشكال وأقرب ما يقال فيه: إنَّ أذانه جعل علامة لتحريم الأكل وكأن كان له مِن يراعي الوقت بحيث يكون أذانه مقارنًا لابتداء طلوع الفجر وهو المراد بالبزوغ، وعند أخذه في الأذان يعترض الفجر في الأفق ثم ظهر لي أنه لا يلزم مِن كون المراد بقولهم (أَصْبَحْتَ) أي قاربت الصباح وقوع أذانه قبل الفجر لاحتمال أن يكون قولهم ذلك يقع في آخر جزء مِن الليل وأذانه يقع في أول جزء مِن طلوع الفجر. وهذا وإن كان مستبعدًا في العادة فليس بمستبعد مِن مؤذن النبي ﷺ المؤيد بالملائكة فلا يشاركه فيه مَن لم يكن بتلك الصفة، وقد روى أبو قرة مِن وجه آخر عن ابن عمر حديثًا فيه: ((وكان ابن أم مكتوم يتوخى الفجر فلا يخطئه)). انتهى. فيه ما احتج به الأوزاعي وعبد الله بن المبارك ومالك والشافعي وأحمد وإسحق وداود وابن جرير الطبري فقالوا: يجوز أن يؤذن للفجر قبل دخول وقته، وممن ذهب إليه أبو يوسف. واحتجوا أيضًا بما رواه البخاري عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إنَّ بلالًا يؤذِّن بليل فكلوا واشربوا،

стр. 306

وإذا أذَّن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا، وإن كانت المرأة منَّا ليبقى عليها شيء مِن سحورها فتقول لبلال: أمهِل حتى أفرغ مِن سحوري)) وروى الدارِمي مِن حديث الأسود عن عائشة ﵂ قالت: ((كان لرسول الله ﷺ ثلاثة مؤذنين: بلال وأبو محذورة وعمرو ابن أم مكتوم، فقال رسول الله ﷺ : إذا أذن عمرو فإنه ضرير البصر فلا يغرنكم، وإذا أذن بلال فلا يطعمن أحد)). وروى النسائي أيضًا عن يعقوب عن هشيم عن منصور عن خبيب بن عبد الرحمن عن عمته أُنَيسَة نحو حديث ابن خزيمة. قال العيني: يجوز أن يكون النبي ﷺ قد جعل الأذان بالليل نوبًا بين بلال وعمرو فأمر في بعض الليالي بلالًا أن يؤذن أولًا بالليل فإذا نزل بلال صعد عمرو فأذن بعده بالنهار، وإذا جاءت نوبة عمرو بدأ فأذن بليل فإذا نزل صعد بلال فأذن بعده بالنهار وكانت مقالة النبي ﷺ ((إن بلالًا يؤذن بليل)) في الوقت الذي كانت فيه النوبة لبلال في الأذان بالليل، وكانت مقالته ﵇ ((إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل)) في الوقت الذي كانت فيه النوبة في الأذان بالليل نوبة ابن أم مكتوم فكان ﵇ يُعلم الناس في كلا الوقتين: أنَّ أذان الأول منهما هو أذان بليل لا بنهار، وأنه لا يمنع مَن أراد الصوم طعامًا ولا شرابًا وأنَّ أذان الثاني إنما يمنع المطعم والمشرب إذ هو بنهار لا بليل. انتهى. وقال الثوري وأبو حنيفة ومحمد وزفر بن الهُذيل: لا يجوز أن يؤذَّن للفجر أيضًا إلا بعد دخول وقتها كما لا يجوز لسائر الصلوات إلا بعد دخول وقتها لأنه للإعلام به. وقيل: دخوله تجهيل وليس بإعلام، فلا يجوز. وأما الجواب عن أذان بلال الذي كان يؤذن بالليل قبل دخول الوقت فلم يكن ذلك قبل دخول الوقت فلم يكن ذلك لأجل الصلاة بل إنما كان ذلك لينتبه النائم وليستحر الصائم وليرجع الغائب، بيَّن ذلك ما رواه البخاري مِن حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: ((لا يمنعن أحدَكم أو أحدًا منكم أذانُ بلال مِن سُحوره فإنه يؤذن أو ينادي بليل، ليرجع قائمكم ولينبه نائمكم)) الحديث. على ما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى، وأخرجه مسلم أيضًا وأخرجه الطحاوي مِن ثلاث طرق ولفظه: ((لا يمنعنَّ أحدَكم أذانُ بلال مِن سُحوره فإنه ينادي أو يؤذن ليرجع غائبكم ولينبه نائمكم)) الحديث. ومعنى ((ليرجع غائبكم)) مِن الغَيبة ورجع يتعدى بنفسه ولا يتعدى، والرواية المشهورة ((ليرجع قائمكم)) مِن القيام ومعناه ليكمل ويستعجل بقية وِرده ويأتي بوِتره قبل الفجر. وقال عياض ما ملخصه: إنَّ ما قاله الحنفية بعيد إذ لم يختص هذا بشهر رمضان وإنما أخبر عن عادته في أذانه ولأنه العمل المنقول في سائر الحول بالمدينة، وإليه رجع أبو يوسف حين تحققه، ولأنه لو كان للسحور

стр. 307

لم يختص بصورة الأذان للصلاة. قال العيني: هذا الذي قاله بعيد لأنهم لم يقولوا بأنه مختص بشهر رمضان والصوم غير مخصوص به. فكما أن الصائم في رمضان أكثرُ ممَّن يحيي ليالي غيره، فعلى قوله إذا كان أَذَانُ بِلالٍ لِلصلاة كان ينبغي أن يجوز أداء صلاة الفجر به. بل هم يقولون أيضًا بعدم جوازه نعلم أن أذانه إنما كان لأجل إيقاظ النائم ولإرجاع القائم. ومِن أقوى الدلائل أن أذان بلال لم يكن لأجل الصلاة ما رواه الطحاوي مِن حديث حمَّاد بن سلَمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵄: ((إن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي ﷺ أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام فرجع فنادى: ألا أن العبد نام)) وأخرجه أبو داود أيضًا. فهذا ابن عمر روى أول الحال أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)) فثبت بذلك أن ما كان مِن ندائه قبل طلوع الفجر لم يكن للصلاة. فإن قلت: قال الترمذي: حديث حماد بن سلمة غير محفوظ، والصحيح حديثه الذي فيه: ((إن بلالًا ينادي بليل..)) إلى آخره. قال العيني: ما له لا يكون محفوظًا صحيحًا لأنه لا مخالفة بين حديثيه لأنَّا قد ذكرنا أن حديثه الذي رواه غير حمَّاد إنما كان لأجل إيقاظ النائم وإرجاع القائم فلم يكن للصلاة. وأما حديث حمَّاد فإنه كان لأجل الصلاة فلذلك أمره بأن يعود وينادي: ((ألا إن العبد نام)). ومما يقوي حديث حماد ما رواه سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس ﵁: ((إن بلالًا أذن قبل الفجر فأمره النبي ﷺ أن يصعد فينادي: إن العبد نام)) رواه الدارقطني ثم قال: تفرد به أبو يوسف عن سعيد وغيره يرسله، والمرسل أصح. قال العيني: أيضًا أبو يوسف ثقة وهم وثقوه والرفع مِن الثقة زيادة مقبولة. ومما يقويه حديث حفصة بنت عمر ﵄ ((أن رسول الله ﷺ كان إذا أذن المؤذن بالفجر قام يصلي ركعتي الفجر ثم رجع إلى المسجد وحرم الطعام وكان لا يؤذن حتى يصبح)) رواه الطحاوي والبيهقي. فهذه حفصة تخبر أنهم كانوا لا يؤذنون للصلاة إلا بعد طلوع الفجر. فإن قلت: قال البيهقي: هذا مجهول إن صح على الأذان الثاني. وقال الأثرم: رواه الناس عن نافع عن ابن عمر عن حفصة ولم يذكروا فيه ما ذكره عبد الكريم عن نافع. قال العيني: كلام البيهقي يدل على صحة الحديث عنده ولكنه لما لم يجد مجالًا لتضعيفه ذهب إلى تأويله. وعبد الكريم ثقة أخرج له الجماعة وغيرهم، فمن كان بهذه المثابة لا ينكر عليه إذا ذكر ما لم يذكره غيره. وقال الطحاوي: يحتمل أن يكون بلالٌ كان يؤذن في وقت يرى أن الفجر قد طلع فيه ولا يتحقق لضعف بصره، والدليل على ذلك ما رواه أنس قال: ((قال رسول الله ﷺ : لا يغرنكم أذان بلال فإن في بصره شيئًا)) وقد ذكرناه فيما مضى، وأخرج الطحاوي تأكيدً لذلك

стр. 308

عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لبلال: ((إنك تؤذن إذا كان الفجر ساطعًا وليس ذلك الصبح إنما الصبح هذا معترضًا)) والمعنى أن بلالًا كان يؤذن عند طلوع الفجر الكاذب الذي لا يخرج به حكم الليل ولا يدخل به صلاة الصبح. انتهى. وفيه استحباب أذان واحد بعد واحد، وأما أذان اثنين جميعًا فمنع منه قوم وقالوا: أول من أحدثه بنو أمية. قال الشافعية: لا تكره إلا إن حصل منه تهويش. وفيه جواز اتخاذ مؤذنَين في المسجد الواحد، قال ابن دقيق العيد: وأما الزيادة على الاثنين فليس في الحديث تعرض له. انتهى. ونص الشافعي على جوازه ولفظه: لا يضيق إن أذن أكثر مِن اثنين. وفيه جواز تقليد الأعمى للبصير في دخول الوقت. وفيه أوجه، واختلف فيه الترجيح. وصحح النووي في كتبه أن للأعمى والبصير اعتماد المؤذن الثقة. وفيه الاعتماد على صوت المؤذن. قلت: ومما يشبه ذلك الاعتماد على المصابيح التي تعلَّق في منار المسجد في رمضان وقد نقلها الأذرعي في «القوت». انتهى. وفيه الاعتماد على المؤذن في الرواية إذا كان عارفًا به وإن لم يشاهد الراوي، وخالف في ذلك شعبة لاحتمال الاشتباه. وفيع استحباب السحور وتأخيره. وفيه جواز العمل بخبر الواحد. وفيه أن ما بعد الفجر من حكم النهار. وفيه جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة إذا كان لقصد التعريف. وفيه جواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك. وفيه جواز التكنية. وفيه جواز شهادة الأعمى، وسيأتي ما فيه في كتاب الشهادات. وفيه جواز الأكل مع الشك في طلوع الفجر لأن الأصل بقاء الليل، وخالف في ذلك مالكٌ فقال: يجب القضاء. قلت: وفيه تعليم الناس الأحكام الشرعية وقد تقدم في أول الباب سبب أذان بلال الأول هل هو الذي ابتدأه مِن قبل نفسه أو بأمر. انتهى. (١٢) (بَابُ الأَذَانِ بَعدَ الفَجْرِ) . أي هذا باب في بيان الأذان المعتبر الواقع بعد طلوع الفجر، قال الزين ابن المنيِّر: قدَّم المصنف ترجمة الأذان بعد الفجر على ترجمة الأذان قبل الفجر فخالف الترتيب الوجودي لأن الأصل في الشرع أن لا يؤذن إلا بعد دخول الوقت فقدم ترجمة الأصل على ما بدر عنه. وأشار ابن بطال إلى الاعتراض على الترجمة بأنه لا خلاف فيه بين الأئمة وإنما الخلاف في جوازه قبل الفجر. والذي يظهر لي أن مراد المصنف بالترجمتين أن يبين أن المعنى الذي كان يؤذن لأجله بعد الفجر وأن الأذان قبل الفجر لا يكتفى به عن الأذان بعده، وأن أذان ابن أم مكتوم لم يكن يقع قبل الفجر والله أعلم، قاله شيخنا. ٦١٨ - قوله: (حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي التنيسي، ترجمته في بدء الوحي. قوله: (قَالَ: أَخْبَرنَا مَالِكٌ)

стр. 309

أي الإمام، ترجمته فيه أيضًا. قوله: (عَنْ نَافِع) أي: ابن جرجس ترجمته في باب العلم والفُتيا في المسجد. قوله: (عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ترجمته في كتاب الإيمان. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ ﵂ أي أخته بنت عمر بن الخطاب القرشية العدَوية أم المؤمنين زوج النبي ﷺ ، روى عنها أخوها عبد الله بن عمر ﵃. عندهما، والمطلب بن أبي وداعة وابن شكل وصفية بنت أبي عبيد وعبد الله بن صفوان والحارث بن أبي ربيعة عند مسلم. تزوجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث وقيل سنة اثنتين مِن الهجرة، وتوفيت سنة خمس وأربعين، وكانت قبل أن يتزوجها رسول الله ﷺ تحت خنيس بن حذافة السهمي. هكذا قال قتادة وغيره. وقال عقيل عن الزهري حبيش. وقال يونس بن يزيد عن الزهري: حَنِيس بنصب الحاء وكسر النون. قال ابن طاهر: والأول أصح. انتهى. في هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد والإخبار كذلك في موضع وبصيغة الإفراد مِن الفعل المؤنث في موضع. وفيه العنعنة في موضعين وفيه القَول في موضعين. والرواة مدنيون ما خلا عبد الله. قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ، وَبَدَا الصُّبْحُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ). وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة لا يستقيم إلا على ما رواه الجماعة عن مالك: ((كان إذا سكت المؤذن صلى ركعتين خفيفتين)) لأنه يدل على أن ركوعه كان متصلًا بأذانه ولا يجوز أن يكون ركوعه إلا بعد الفجر فلذلك كان الأذان بعد الفجر، وعلى هذا المعنى حمله البخاري وترجم عليه بالأذان بعد الفجر. هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الصلاة عن سليمان بن حرب وعن مسدد عن يحيى، وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى عن مالك به وعن قتيبة ومحمد بن رمح، وعن زهير بن حرب وعبد الله بن سعيد وعن زهير عن إسماعيل بن عُلية وعد أحمد بن عبد الله بن الحكم، وعن إسحق بن إبراهيم وعن محمد بن عباد. وأخرجه الترمذي فيه عن الحسن بن علي. وفي القبائل عن أحمد بن منيع وعن قتيبة عن مروان، وأخرجه النسائي فيه عن أحمد بن عبد الله بن الحكم وعن قتيبة وعن محمد بن منصور والحسين بن عيسى وعن إسحق بن منصور، وعن شعيب وعن هشام بن عمار وعن يحيى بن محمد وعن محمد بن عبد الله وعن محمد بن سلمة وعن إسماعيل بن مسعود وعن إسحق بن إبراهيم عن عبد الرزاق به. وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن رمح به. قوله: (كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ) هكذا رواه عبد الله بن يوسف عن مالك وهكذا هو عند جمهور الرواة عن البخاري، وخالف عبد الله سائر الرواة عن مالك فروَوه: ((كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح)) وهكذا رواه مسلم وغيره، وهو الصواب. وقد أصلح في رواية ابن شبويه عن الفربري كذلك. وقال ابن قُرقُول: رواية الأصيلي والقابسي وأبي ذرٍّ <كان

стр. 310

النبي ﷺ إذا اعتكف المؤذن للصبح وبدا الصبح ركع ركعتين> وقال القابسي: معنى اعتكف هنا: انتصب قائمًا للأذان كأنه من ملازمته مراقبة الفجر، وفي رواية الهمداني ((إذا أذن المؤذن)) بدل <اعتكف> وهي أشبه بالرواية المصوبة. ووقع في رواية النسفي عن البخاري بلفظ <كان إذا اعتكف أذن المؤذن للصبح> وهو يقتضي أن صنيعه ذلك كان مختصًا بحالة اعتكافه وليس كذلك. والظاهر أنه مِن إصلاحه. قال شيخنا: وقد أطلق جماعة مِن الحفاظ القول بأنَّ الوهم فيه مِن عبد الله بن يوسف شيخ البخاري. قال العيني: الحاصل ههنا خمس روايات ولكلها وجهٌ فلا يحتاج إلى نسبة الوهم إلى أحد منهم. الرواية الأولى رواية عبد الله بن يوسف ((كان إذا اعتكف المؤذِّن للصبح)) ومعنى اعتكف قد مرَّ الآن. الثانية: ((إذا سكت المؤذن)) وهي ظاهرة لا نزاع فيها. والثالثة: ((كان إذا أذن المؤذن)) وهي أيضًا ظاهرة، وكذلك الرابعة ((كان إذا اعتكف أذن المؤذن)) يعني إذا اعتكف رسول الله ﷺ . وجواب (إذا) هو قوله: ((صلى ركعتين)) وقوله: ((أذَّن المؤذن)) جملة وقعت حالًا بتقدير (قد) كما في قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] أي قد حصرت. الخامسة: ((كان إذا اعتكف وأذن المؤذن)) وكذلك الضمير في (اعتكف) ههنا يرجع إلى النبي ﷺ ، وقوله: ((أذن)) عطف عليه. فإن قلت: على هذا يلزم أن يكون هذا مختصًا بحال اعتكافه ﵇ وليس كذلك كما قدمناه. أُجيب عنه أيضًا بمنع الملازمة لأنه يحتمل أنَّ حفصة راوية الحديث المذكور قد شاهدت النبي ﷺ في ذلك الوقت وهو في الاعتكاف ولا يلزم مِن ذلك الوقت وهو في الاعتكاف ولا يلزم من ذلك أن يكون ﵇ في كل هذا الوقت في الاعتكاف فافهم. انتهى. ووجَّهه ابن بطال وغيره بأنَّ معنى ((اعتكف المؤذن)) أي لازم ارتقابه ونظره إلى مطلع الصبح ليؤذن عند أول إدراكه. قالوا: وأصل العكوف لزوم الإقامة بمكان واحد، وتُعُقِّب بأنه يلزم منه أنه كان لا يصليهما إلا إذا وقع ذلك مِن المؤذن لما يقتضيه مفهوم الشرط وليس كذلك لمواظبته عليها مطلقًا. قال شيخنا: والحقُّ أن لفظ ((اعتكف)) محرف من لفظ ((سكت)) وقد أخرجه المؤلف في باب الركعتين بعد الظهر من طريق أيوب عن نافع بلفظ ((كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر)). قوله: (وَبَدَا الصُّبْحُ) بغير همز فعل ماضي مِن البَدْو وهو الظهور، وأسند إلى الصبح وهو فاعله والواو فيه واو الحال لا واو العطف. قال شيخنا: وأغرب الكرماني فصحح أنه بالنون المكسورة والهمزة بعد المد، وكأنه ظن أنه معطوف على قوله: (لِلصُّبْحِ) فيكون التقدير وانعكف لنداء الصبح، وليس كذلك فإن الحديث في جميع النسخ مِن «الموطأ» والبخاري ومسلم وغيرها بالباء الموحدة المفتوحة، وبعد الدال ألف مقصورة، وبذلك تتم مطابقة الحديث للترجمة وسيأتي بقية الكلام في أبواب التطوع

стр. 311

إن شاء الله تعالى. قال العيني: لكلامِ الكِرماني وجه مِن جهة التركيب والأعراب، وأما مِن جهة الرواية فيحتاج إلى البيان ومع هذا كونه بالياء في جميع النسخ مِن «الموطأ» والبخاري لا يستلزم نعتها بالنون عند غيرهما. انتهى. قلت: قوله: لا يستلزم، صحيح في نفسه غير أنَّ التعقُّب صحيح لأن الكِرماني إنما شرح رواية البخاري لا غيره فكونه يشرح لفظ رواية البخاري بهذا لا يصح انتهى. قوله: (قَبْلَ أَنْ تُقَام) كلمة أنْ مصدرية أي قبل قيام الصلاة وهي الفرض. ومما يستفاد مِن الحديث أن سنة الصبح ركعتان وأنهما خفيفتان وإن وقعت صلاة الفجر بعد طلوع الفجر ولو صلى الفرض قبلَه لم يجز وعلى هذا ترجم البخاري رحمه الله تعالى. ٦١٩ - قوله: (حَدَّثَنا أبُو نُعَيْم) أي بضم النون وهو الفضل بن دُكين ترجمته في باب فضل من استبرأ لدينه في كتاب الإيمان. قوله: (حَدَّثَنا شَيْبان) أي ابن عبد الرحمن التميمي ترجمته في باب كتابة العلم. قوله: (عَن يَحيَى) أي ابن أبي كثير ترجمته في الباب أيضًا. قوله: (عَن أَبي سَلَمة) أي بفتح اللام بن عبد الرحمن بن عوف ﵁ ترجمته في كتاب الوحي. قوله: (عَن عَائِشَة) أي أم المؤمنين، ترجمتهما فيه أيضًا في هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه العنعنة في ثلاث مواضع. وفيه القول في موضع. قوله: (قالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ) مطابقة الحديث للترجمة بطريق الإشارة وهو أنَّ صلاته ﵇ بهاتين الركعتين بين الأذان والإقامة يدلُّ على أنه صلاهما بعد طلوع الفجر، وأن النداء أيضًا كان بعد طلوع الفجر وهو الأذان بعد الفجر فطابق الترجمة. قال شيخنا: قاله الزين ابن المنيِّر وهو مع ما فيه ِمن التكلف غير سالم من الانتقاد والذي عندي أنَّ المصنف جرى على عادته في الإيماء إلى بعض ما ورد في طرق الحديث الذي يستدل به، وبيان ذلك فيما أورده بعد بابين مِن وجه آخر عن عائشة ولفظه: ((كان إذا سكت المؤذن قام يركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الصبح بعد أن يستبين الفجر)). انتهى. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا عن محمد بن مُثنى. قوله: (بَينَ النِّدَاء) أي الأذان. ٦٢٠ - قوله: (حَدَّثنا عَبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي التنيسي. قوله: (قالَ: أَخْبَرَنا مَالِك) أي الإمام. قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَار) أي مولى ابن عمر. قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) أي ابن الخطاب ﵄ (أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ). قال شيخنا: هذا إسناد آخر لمالك في هذا الحديث، قال ابن عبد البرِّ لم يختلف عليه فيه. قد مرَّ هذا الحديث قبل هذا الباب أخرجه البخاري عن عبد الله بن مَسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه. الحديث. وقد استوفينا الكلام فيه هناك، ووجه مطابقته للترجمة بطريق الإشارة أيضًا لأنه قوله: (حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) يقتضي أن نداءه حين يطلع الفجر لأنه لو كان قبله لم يكن فرق بين أذانه وأذان بلال.

стр. 312

قال ابن المنير: الاستدلالُ بحديث ابن عمر أوجَهُ من غيره، أي لأجل ما وُجِّهَت به المطابقة. وقال ابن منده: حديث عبد الله بن دينار مُجمَعٌ على صحته، رواه جماعة من أصحابه عنه ورواه شعبة فاختُلف عليه فيه، رواه يزيد بن هارون عنه على الشك: ((أن بلالاً كما هو المشهور أو أن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال)). قال: ولشعبة فيه إسناد آخر فإنه رواه أيضاً عن خُبيب بن عبد الرحمن عن عمته أُنيسة، فذكره على الشك أيضاً. أخرجه أحمد عن غندر عنه، ورواه أبو داود الطيالسي عنه جازماً بالأول، ورواه أبو الوليد عنه جازمًا بالثاني، وكذا أخرجه ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان من طرق عن شعبة، وكذلك أخرجه الطحاوي والطبراني من طريق منصور بن زاذان عن خُبيب بن عبد الرحمن، وادعى ابن عبد البر وجماعةٌ من الأئمة بأنه مقلوبٌ وأن الصواب حديث الباب. قال شيخنا: وقد كنتُ أميل إلى ذلك إلى أن رأيتُ الحديث في «صحيح ابن خزيمة» من طريقين آخرين عن عائشة وفي بعض ألفاظه ما يُبعِد وقوع الوهم فيه وهو قوله: ((إذا أذن عمرو فإنه ضرير البصر فلا يغرنَّكم، وإذا أذن بلال فلا يَطعَمَنَّ أحد)). وأخرجه أحمد. وجاء عن عائشة ﵂ أيضاً: أنها كانت تذكر حديث ابن عمر وتقول: إنه غلط. أخرج ذلك البيهقي من طريق الدَّرَاوردي عن هشام عن أبيه عنها فذكر الحديث وزاد: قالت عائشة: وكان بلال يُبصر الفجر. قال: وكانت عائشة تقول: غلط ابنُ عمر. انتهى. وقد جمع ابنُ خزيمة والضَّبعي بين الحديثين بما حاصله أنه يَحتمل أن يكون الأذان كان نُوَباً بين بلال وابن أم مكتوم -كما قدمنا - فكان النبي ﷺ يُعلِم الناس أن أذان الأول منهما لا يُحَرِّم على الصائم شيئاً ولا يدل على دخول وقت الصلاة بخلاف الثاني، وجزم ابنُ حبان بذلك ولم يَعُدَّهُ احتمالا. وأنكر ذلك عليه الضياء وغيره. وقيل: لم يكن نُوَباً وإنما كانت لهما حالتان مختلفتان، فإنَّ بلالاً كان في أول ما شُرع الأذان يؤذِّنُ وحده ولا يؤذن الصبحَ حتى يطلُع الفجر، وعلى ذلك يحتمل روايةَ عروة عن امرأةٍ من بني النجار قالت: كان بلاٌل يجلس على بيتي وهو أعلى بيتٍ في المدينة فإذا رأى الفجر تمطَّى ثُم أَذَّنَ. أخرجه أبو داود وإسناده حسن. ورواية حُميد عن أنس: أن سائلا سأل عن وقت الصلاة ((فأمر رسولُ الله ﷺ بلالاً فأذن حين طلع الفجر)). الحديث. أخرجه النسائي وإسناده صحيح. ثم أُردِفَ بابن أم مكتوم وكان يؤذِّنُ بليل واستمر بلال على حالته الأولى. وعلى ذلك تتنزل رواية أُنيسة وغيرِها، ثم آخرَ الأمر أُخِّرَ ابنُ أمِّ مكتوم لضعفه ووُكِّل به من يراعي له الفجر، واستقر أذان بلال بليل، وكان سببُ ذلك ما روي أنه كان ربما أخطأ الفجر فأذَّنَ قبل طلوعِه، وأنه أخطأ مرة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 313

أن يرجع فيقول: ألا إن العبدَ نام -كما تقدم-، يعني: أنَّ غلبةَ النوم على عينيه منعتْهُ من تبيين الفجر. وهو حديث أخرجه أبو داود وغيره من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر موصولاً مرفوعاً ورجاله ثقاتٌ حفاظ. ٌ لكن اتفقَ أئمةُ الحديث: علي بن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري والذهلي وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والأثرم والدارقطني على أن حمَّادًا أخطأ في رفعه، وأن الصواب وقفُه على عمر بن الخطاب أنه هو الذي وقع ذلك مع مؤذنه وأن حمادًا انفرد برفعه ومع ذلك فقد وُجِد له متابع: أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن زَرْبِيٍّ - وهو بفتح الزاي وسكون الراء بعدها موحدة ثم ياء كياء النسب - فرواه أيوب عنه موصولاً، لكن سعيدَ ضعيفٌ. ورواه عبدُ الرزاق عن مَعْمَر عن أيوب أيضاً لكنَّه أعضَلَه فلم يذكر نافعاً ولا ابن عمر. وله طريق أخرى عن نافع عند الدارقطني وغيره، اختُلِف في رفعها ووقفِها أيضاً، وأخرى مرسلةٌ من طريق يونس بن عبيد وغيره عن حُميد بن هلال، وأخرى من طريق شعبة عن قتادة مرسلةً، ووصلها أبو يوسف عن سعيد بذكر أنس. وهذه طرق تقوَّى بعضُها ببعض قوةً ظاهرة، فلهذا والله أعلم استقر بلال يؤذن الأذان الأول. وسنذكر اختلافهم في تعيين الوقت المراد من قوله: (يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ) في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى. قوله: (بِلَيْلٍ) الباء فيه للظرفية. (١٣) بَابُ الأَذَانِ قَبْلَ الفَجْرِ أي هذا بابٌ في بيان حكم الأذان قبل طلوع الفجر، هل هو مشروع أم لا؟ وميلُ البخاري إلى الإعادة بدليل إيرادِه الأحاديثَ في هذا الباب الدالة على الإعادة، وقد بيَّنَّا المذاهبَ فيه مفصلةً فيما مضى. قال شيخنا: وإن كان إعادةً لكن لا يخلو عن فائدة، وإلى مشروعيته مطلقاً ذهب الجمهور وخالف الثوري وأبو حنيفة ومحمد، وإلى الاكتفاء مطلقاً ذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم وخالف ابنُ خزيمة وابن المنذر وطائفة من أهل الحديث، وقال به الغزالي في «الإحياء». وادعى بعضهم أنه لم يرد في شيء من الحديث ما يدل على الاكتفاء. وتُعُقِّب بحديث الباب، وأجيب بأنه مسكوت عنه فلا يَدُلُّ. وعلى التنَزُّلِ فمحله فيما إذا لم يَرِد نطقٌ بخِلافه، وهنا قد ورد. وحديث ابن عمر وعائشة ﵄ لا يُشعر بعدم الاكتفاء، وكأنَّ هذا هو السر في إيراد البخاري لحديثيهما في هذا الباب عقب حديث ابن مسعود، نعم حديثُ زياد بن الحارث عندَ أبي داود يدل على الاكتفاء، فإن فيه أنه أذَّنَ قبل الفجر بأمر النبي ﷺ ، وأنه استأذنه في الإقامة فمنعه إلى أن طلع الفجر فأمره فأقام. لكن في إسناده ضعف. وأيضاً فهي واقعةُ عين وكانت في سفر، ومن ثَمَّ قال القرطبي: إنه مذهب واضحٌ غيرَ أن العمل المنقولَ بالمدينة على خلافِه فلم يَرُدَّهُ إلا بالعمل على قاعدة المالكية. وادعى بعض الحنفية كما حكاه السروجي

стр. 314

منهم: أن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان وإنما كان تذكيراً أو تسحيراً كما يقع للناس اليوم. وهذا مردودٌ لأن الذي يصنعه الناس اليوم مُحدَثٌ قطعاً، وقد تضافرت الطرق على التغيير بلفظ الأذان، فحمْلُه على معناه الشرعي مقدم، ولأنَّ الأذان الأول لو كان بألفاظه مخصوصةً لما الْتَبَسَ على السامعين. وسياق الخبر يقتضي أنه خشي عليهم الالتباس. قال العيني: لفظ الأذان يتناول معناه اللغوي والشرعي، وقد قام دليلٌ من الشارع أن المراد من أذان بلال ليسَ معناه الشرعي، وهو أذان ابنُ أمِّ مكتوم، ولو لم يكن كذلك لم يوجَد الفرقُ بين أذانيهما، والحال أن الشارع فرَّق بينهما، وقد قال: ((إن أذان بلال لإيقاظ النائم وليرجع القائم))، وقال لهم: ((لا يغرنكم أذان بلال)). وجعل أذان ابن أم مكتوم هو الأصل كما قررناه فيما مضى، وتضافُر الطرق لا يصادم ما ذكرناه. انتهى. وادعى ابن القطان أن ذلك كان في رمضان خاصة (١) وفيه نظر. انتهى. ٦٢١ - قوله: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) أي المعروف بشيخ الإسلام، ترجمته في باب من قال الإيمان هو العمل. قوله: (قَالَ: زُهَيْرٌ) أي ابن معاوية الجعفي، ترجمته في باب الصلاة من الإيمان. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) أي ابن طرخان، ترجمته في باب من خص بالعلم قوماً. قوله: (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ) أي بفتح النون عبدُ الرحمن، وقد مر في باب الصلاة كفارة. قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ ترجمته في باب قول النبي ﷺ بني الإسلام على خمس. في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه القول في موضعين، وفيه أحدُ الرواة من المخضرمين وهو أبو عثمان. قلت: وقد تقدم معنى الخضرمة في باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا في كتاب الإيمان. انتهى. قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ - أَوْ وَاحَدًا مِنْكُمْ - أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ (٢)، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ - أَوْ يُنَادِي بِلَيْلٍ - لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَلِيُنَبَّهَ نَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الفَجْرُ - أَوِ الصُّبْحُ -» وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَمَا إِلَى فَوْقُ وَطَأْطَأَ إِلَى أَسْفَلُ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَقَالَ زُهَيْرٌ: «بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَيهِمَا فَوْقَ الأُخْرَى، ثُمَّ مَدَّهَمَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ) مطابقته للترجمة ظاهرة، وهي أن أذان بلالٍ كان قبل الفجر، لأنه أَخبَر أنه كان يؤذن بليل، يعني: قبل طلوع الفجر. وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في الطلاق عن القَعنَبي عن يزيد بن زُريع، وفي خبر الواحد عن مسدد عن يحيى القطان. وأخرجه مسلم في الصوم عن زهير بن حرب وعن محمد بن نمير وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وعن إسحاق بن إبراهيم. وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن يونس به، وعن مسدد به، وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن علي عن يحيى به، وفي الصلاة عن إسحاق بن إبراهيم. وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن يحيى بن حكيم. قوله: (لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ) بنصب (أَحَدَكُمْ)، وفاعله هو قوله: (أَذَانُ بِلَالٍ). قوله:

стр. 315

(أَوْ أَحَدًا مِنْكُمْ) شكٌّ من الراوي، وقال صاحب «التلويح» - أي مغلطاي -: يحتمل أن يكون هذا الشك من زهير، فإن جماعة رووه عن سليمان التيمي فقالوا: ((لا يمنعن أحدَكم أذان بلال)). وقال الكِرماني: (أَوْ وَاحَدًا مِنْكُمْ)، ثم قال: هل فَرْقٌ بين (أَحَدَكُمْ) أو (وَاحَدًا مِنْكُمْ)؟ قلتُ: كلاهُما عام، لكنَّ الأول من جهة أنه اسم جنسٍ مضاف، والثاني: أنه نكرة في سياق النفي. انتهى. قال العيني: الفرقُ بين أحد وواحد من جهة المعنى: أن أحداً يرجع إلى الذات، وواحداً يرجع إلى الصفات. قوله: (مِنْ سَحُورِهِ) بفتح السين، اسمٌ لما يؤكل في السُّحور، ويجوز الضَّمُّ وهو اسم الفعل أي التَسَحُّر كالوَضوء والوُضوء. قال العيني: وفي بعض النسخ: <من سَحَرِهِ>، ولم أعلم صِحَّتَه. انتهى. قوله: (فَإِنَّهُ) - أي فإن بلالاً - (يُؤَذِّنُ أَوْ يُنَادِي) شَكٌّ من الراوي ومعناهما واحد. قوله (بِلَيْلٍ) الباء للظرفية، أي في ليل. قوله: (لِيَرْجِعَ) بفتح الياء وكسر الجيم المخففة، يُستعمل هكذا لازماً ومتعدياً. تقول: رجع زيدٌ ورجعتُ زيداً، أو لا يقال في المتعدي بالتثقيل. وههنا مُتَعَدٍّ وفاعلُه: بلال. قوله: (قَائِمَكُمْ) بالنصب مفعولُه، وقال الكِرماني: (لِيَرْجِعَ)، إما من الرجوع وإما من الرَّجْعِ. و (قَائِمَكُمْ)، مرفوع أو منصوب؟ قال العيني: فُهِم منه أنه جوز الوجهين ههنا: أحدُهما كونُ (لِيَرْجِعَ) لازماً، ويكون (قَائِمَكُمْ) فاعلُه مرفوعاً، والآخر: يكون متعدياً، ويكون (قَائِمَكُمْ) منصوباً على أنه مفعول له. قوله: (وَلِيُنَبَّهَ) من التنبيه وهو الإنباه، وفي بعضها: <ولينتبه> من الانتباه. قال العيني: جُوِّز الوجهان فيه أيضاً قال ثم قال: معناه أنه إنما يؤذن بالليل ليُعلِمكم أن الصبح قريب، فيَرُدَّ القائم المتهجدَ إلى راحته لينام لحظةً ليصبح نشيطًا، ويوقظ نائمَكم ليتأهب للصبح بفعل ما أراده من تهجدٍ قليلٍ أو تسحُّرٍ أو اغتسالِ أو لإيتارٍ إن نام عن الوتر، وهذا كما ترى جوَّز الكِرماني الوجهين في كل واحد من قوله: (لِيَرْجِعَ) و (لِيُنَبَّهَ) ولم يُبيِّن أنهما رواية أم لا، والظاهر أنه تصرف من جهة المعنى. انتهى. قال شيخنا فيما تقدم آنفاً: ولا يقال في المتعدي بالتثقيل، فعلى هذا من رواه بالضم والتثقيل أخطأ، فإنه يصير من الترجيع وهو الترديد وليس مراداً هنا وإنما معناه يُرَدَّ القائمُ، أي كما تقدم. انتهى. قال العيني: إن كان خطؤه من جهة الرواية فيمكن، وإلا فمن جهة المعنى فليس بخطأ، وتعليل هذا القائل الخطأ بقوله: فإنه يصير من الترجيع وهو الترديد وليس مراداً هنا. فيه نظر، لأن الذي رَوى من الترجيع يقول: ما أردت به الترديد، وإنما أردت به التعدية، فإنَّ رَجَع الذي هو لازم يجوز تعدِّيه بالتضعيف كما في سائر الألفاظ اللازمة. انتهى. قوله: (وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ) بالياء آخر الحروف، أي الشخصُ. وهذا من كلام الرسول ﷺ . قوله: (الفَجْرُ أَوِ الصُّبْحُ) على الشك من الراوي هل قال النبي ﷺ الفجر أو الصبح. واعلم أن قوله: (الفَجْرُ) اسمُ ليس، وخبرُه هو قوله: (أَنْ يَقُولَ). قوله: (وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا) أي أشار. هذه رواية الأكثر، وفي رواية الكُشْمِيهَني: <بإصبعيه ورفعهما>،

стр. 316

قال الكرماني: ويروى: <بإصبعه> بلفظ المفرد، ولم يذكُرْهُ غيره. وفي الأصبع عشر لغات: فتح الهمزة، وضمُّها، وكسرُها، وكذلك الباء فهذه تسعة، والعاشر أُصبُوع. قوله: (إِلَى فَوْقُ) رُوي مبنياً على الضم على نية الإضافة، ومنوناً بالجر على عدم نيتها، وهكذا حكم الأسفل لكنه غير منصرف فجره بالفتح، وكذا سائر الظروف التي تُقطع عن الإضافة، وقُرئ بهما في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]. قوله: (وَطَأْطَأَ) على وزن: دَحرَجَ، أي: خفض إصبعه إلى أسفل. وأشار به النبي ﷺ إلى الفجر الكاذب وهو الضوءُ المستطيل من العُلُوِّ إلى السُّفْلِ، وهو الذي تسميه العرب ذنبَ السِّرْحان، وهو من الليل ولا يدخل به وقت الصبح ويجوز التسحر ونحوه. قوله: (حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَقَالَ زُهَيْرٌ بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَيهِمَا فَوْقَ الأُخْرَى، ثُمَّ مَدَّهَمَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ) قال شيخنا: أطلقَ القولَ هُنا على الإشارة. في قوله: (قَالَ زُهَيْرٌ بِسَبَّابَتَيْهِ) قال العيني: والسبابة من الأصابع التي تلي الإبهام، وسميت بذلك لأن الناس يشيرون بها عند الشتم. قال شيخنا: وكأنه جمع بين إصبعيه ثم فرقهما ليحكِيَ صفةَ الفجر الصادق، لأنه يطلُع معترضًا ثم يعُمُّ الأفقَ ذاهبًا يمينًا وشمالًا بخلاف الفجر الكاذب فإنه يظهر في أعلى السماء ثم ينخفض، وإلى ذلك أشار بقوله: رفع وطأطأ. وفي رواية الإسماعيلي من طريق عيسى بن يونس عن سليمان: ((فإن الفجر ليس هكذا ولا هكذا ولكن الفجر هكذا)) فكأن أصل الحديث كان بهذا اللفظ مقروناً بالإشارة الدالة على المراد، ولهذا اختلفت عبارةُ الرواة، وأخصرُ ما وقع فيها روايةُ جرير عن سليمان عند مسلم: ((ليس الفجرُ المعترضُ ولكنْ المستطيلُ)). قال العيني: رواية مسلم: ((لا يغرنكم من سحوركم أذانُ بلال، ولا بياضُ الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا)). وحكاه حماد بن زيد، وقال: يعني معترضاً. وفي رواية أبي الشيخ من طريق شعبة عن سوادة: سمعت سَمُرة يخطب، قال رسول الله ﷺ : ((لا يغرنكم أذان بلال، ولا هذا البياض حتى يبرُق الفجرُ أو ينفجر الفجر)). انتهى. فيه: أن الأذان الذي كان يؤذِّنُه بلال ﵁ كان ليرجعَ القائم وإيقاظِ النائم، وبه قال أبو حنيفة. قال: ولا بد من أذان آخر كما فعل ابن أم مكتوم، وهو قول الثوري أيضاً، وقد ذكرنا اختلاف العلماء فيه فيما مضى. قال شيخنا: وتمسك الطحاوي بحديث ابن مسعود هذا لمذهبه فقال: قد أَخبَر أن ذلك النداء كان لما ذُكِر لا للصلاة، وتُعُقِّبَ بأن قوله: لا للصلاة. زيادةٌ في الخبر وليس فيه حصر فيما ذُكِر. فإن قيل: تقدَّمَ في تعريف الأذان الشرعي أنه إعلامٌ بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، والأذان قبل الوقت ليس إعلاماً بالوقت، فالجواب أن الإعلام بالوقت أعمُّ من أن يكون إعلاماً بأنه دَخَل أو قَارَبَ أن يدخل وإنما اختصت الصبح بذلك من بين الصلوات لأن الصلاة في أول الوقت مُرَغَّبٌ فيه، والصبح يأتي غالبا عقب نومٍ فناسب أن يُنَصَّب

стр. 317

من يوقِظُ الناس قبلَ دخول وقتها ليتأهبوا ويدركوا فضيلة أول الوقت والله أعلم. قال أبو الفتح القشيري: الذي قالوا يجوز الأذان للصبح قبل دخول وقتِه اختلفوا في وقتِه، فذكر بعضُ الشافعية أنه يكون في وقت السحر من الفجر الصادق والكاذب، قال: ويُكره التقديم على ذلك الوقت، وعند البعض: يؤذَّن عند انقضاء صلاة العَتَمة من نصف الليل، وهو الأصح من أقوال أصحاب الشافعي. والقول الثاني: عند طلوع الفجر في السحر، قال النووي: وبه قطع البغوي وصححه القاضي حسين والمتولي. الثالث: يؤذَّن لها في الشتاء لسُبع يبقى من الليل، وفي الصيف لنصفِ سُبع يبقى. والرابع: من ثلث الليل آخر الوقت المختار. والخامس: جميعُ الليل وقتٌ لِأَذان الصبح، حكاه إمامُ الحرمين وقال: لولا حكاية أبي علي له، وأنه لم يَنقل إلا ما صح عندَه لما استخرتُ نقلَه، وكيف يخشى الدعاءَ لصلاة الصبح في وقت الدعاء للمغرب؟ والسرفُ في كل شيء مطَّرَح. وأما السُبع ونصف السُبع فحديث باطل عند أهل الحديث، وإنما رواه الشافعي عن بعض أصحابه عن الأعرج عن إبراهيم عن محمد عن عمارة عن أبيه عن جده عن سعد (١) القرظ، وهو مخالِفٌ لمذهبه فإنه قال: كان أذانُنا في الشتاء لسُبْعٍ ونصف سُبع يبقى من الليل، وفي الصيف لسُبع يبقى منه. وقال ابن الأثير في «شرح المسند» : وتقديمُ الأذان على الفجر مستحب. وبه قال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وأبو يوسف. وفيه بيانُ الفجر الكاذب والصادق وفيه زيادة الإيضاح بالإشارة باليد للتعليم. وقال المهلب: يؤخذ منه أن الإشارة تكون أقوى من الكلام. انتهى. قلتُ: وقد غلَّبَ الفقهاءُ الإشارةَ على العِبارة في مواطنَ معروفةٍ وأن الراوي يتحفظ في الرواية فلا يَجزِم بشيء مُشَكٍّ وإن كان المعنى لا يختلف. وفيه: تعليمُ الميقات للأحكام الشرعية، وتقريرُه لغير المؤذنين. انتهى. ٦٢٢ - ٦٢٣ - قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) قال شيخنا: لم أره منسوبًا، وتردد فيه الجِيَّاني، أي فقال: يحتمل أن يكون إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أو إسحاق بن منصور الكَوْسَج. وهو عندي ابنُ إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهَوْيه كما جزم به المِزِّي - أي أبو الحجاج الدمشقي - في «أطرافه» أنه إسحاق بن إبراهيم، ويدل عليه تعبيره بقوله: «أخبرنا»، فإنه لا يقول قط: «حدثنا»، بخلاف إسحاق بن منصور وإسحاق بن نصر. وأما ما وقع بخط الدمياطي - أي على حاشية «الصحيح» - أنه هو ابن شاهين الواسطي فليس بصواب لأنه لا يُعرف له عن أبي أسامة شيءٌ لأن أبا أسامة كوفي وليس في شيوخ ابن شاهين أحدٌ من أهل الكوفة. انتهى. قال العيني: عدم معرفته بعدم رواية ابن شاهين عن أبي أسامة لا يستلزم العدم مطلقاً، وجهلُ الشخص بشيء لا يستلزم جهلَ غيره به. انتهى. قلتُ: التصرف في الرواية بالأمور العقلية لا يتمشَّى عند أهل الفن، فإن الرواية أمرٌ نقلي، ولهذا يقع للكِرماني أمورٌ يتصرف فيها بالعقل وتكون أمرُ الرواية بخلافه، فإذا قال الحافظ المطلع: ليس في شيوخ فلان كوفي. كيف ثبت له خلاف ذلك من غير دليل! انتهى. ترجمة إسحاق بن راهَوْيه في باب فضل من علِم

стр. 318

وعلَّم، وكذا ترجمةُ إسحاق بن منصور وإسحاق بن نصر به. فإن قلتَ: هذا الالتباس قدحٌ في الإسناد؟ قال العيني: لأنَّ أيًّا كان منهم فهو عدلٌ ضابط بشرط البخاري. انتهى. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ) أي حمادُ بن أسامة، ترجمته في باب فضل من علِم وعلَّم أيضاً. قوله: (قَالَ: عُبَيْدُ اللَّهِ) بتصغير العبد، هو: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني العمري العدوي القرشي، ترجمته في باب الصلاة في مواضع الإبل. قوله: (حَدَّثَنَا عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي ابن أبي بكر الصديق ﵁، ترجمته في باب من بدأ بالحِلاب أو الطيب. قوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي أم المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي. قوله: (وَعَنْ نَافِعٍ) أي جرجس، ترجمته في باب العلم والفتيا. قوله: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان. قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَولُهُ: (وَحَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عِيسَى) أي أبو يعقوب المرْوَزِي، ترجمته في باب من توضأ من الجنابة. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى) أي السيناني. وسينان بكسر السين (١) قرية من قرى مرو، ترجمته في (٢). قوله: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ) في هذا الإسناد: أنه أخرج هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر من وجهين ذَكَر له في أحدهما إسنادين: نافع عن ابن عمر، والقاسم عن عائشة. والوجه الثاني اقتصر فيه على القاسم عن عائشة. وفيه التحديث بصيغة الإفراد عن إسحاق وعن يوسف، ويروى بصيغة الجمع عن إسحاق وبصيغة الجمع أيضاً في ثلاثة مواضع: عبيد الله عن القاسم، والفضل عن عبيد الله، ويوسف عن الفضل. وفيه الإخبار بصيغة الجمع إسحاق عن أبي أسامة. وفيه: العنعنة في سبعة مواضع، وهو ظاهر لا يخفى. وفيه: القول في أربعة مواضع: بعد إسحاق وبعد أبي أسامة وبعد يوسف وبعد الفضل. وفيه قوله: (قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا عَنِ القَاسِمِ) فاعل، هو أبو أسامة، وعبيد الله هو القائل بقوله: (حَدَّثَنَا). وفيه: تقديمٌ وتأخيرٌ، وأصلُ التركيب: قال أبو أسامة: حدثنا عبيد الله عن القاسم، وكأنه راعى لفظ شيخه ولم يذكره على الأصل. وفيه قوله: (وَعَنْ (٣) نَافِعٍ) عَطْفٌ على القاسم، أي: قال عبيد الله عن نافع أيضاً. وفيه كلمة: (ح) في أكثر النسخ، وهي إشارةٌ إلى التحويل من إسناد إلى إسناد آخر قبلَ ذكر متن الحديث، أو إشارةٌ إلى الحائل أو إلى الحديث، وقد مرَّ في الكتاب مثلُ هذا في غير موضع. قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) مطابقته للترجمة ظاهرة، وهو أذان بلال في الليل قبل دخول وقت الفجر. قوله: (حَتَّى يُؤَذِّنَ)، في رواية الكُشْمِيهَني: <حتى ينادي>، وقد أورده في الصيام بلفظ: ((حتى يؤذن))، وزاد في آخره: ((فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر)). وقال القاسم: لم يكن بين أذانيهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا. قال شيخنا: وفي هذا تقييد لما أُطلِق في الروايات الأخرى من قوله: (إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ

стр. 319

بِلَيْلٍ)، ولا يقال إنه مرسل لأن القاسم تابعي فلمْ يدرك القصة المذكورة، لأنه ثبت عند النَّسائي من رواية حفص بن غياث وعند الطحاوي من رواية يحيى القطان كلاهما عن عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة ﵂: فذكر الحديث. قالت: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا. وعلى هذا فمعنى قوله في رواية البخاري: قال القاسم. أي في روايته عن عائشة. وقد وقع عند مسلم من رواية ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مثلُ هذه الزيادة وفيها نظر، أو في صحته في كتاب «المدرج»، وتثبت الزيادة أيضاً في حديث أُنيسة الذي تقدمت الإشارةُ إليه. وفيه حجة لمن ذهب إلى أن الوقت الذي يقع فيه الأذان قبل الفجر هو وقت السحر، وهو أحد الأوجه في مذهب الشافعي واختاره السبكي في «شرح المنهاج» وحكى تصحيحه عن القاضي حسين والمتولي، قال: وقطع به البغوي، وكلام ابن دقيق العيد يُشْعِر به، فإنه قال بَعدَ أَنْ حكاه: يُرجِّح هذا بأن قوله: (إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ) خبرٌ يتعلق به فائدةُ السَّامعين قطعاً، وذلك إذا كان وقت الأذان مشتبهاً محتملاً لأنْ يكونَ عند طلوع الفجر، فبيَّنَ ﷺ أنَّ ذلك لا يمنع الأكل، بل الذي يمنعه طلوعُ الفجر الصادق. قال: وهذا يدل على تقارب وقت أذان بلال من الفجر. قال شيخنا: ويقويه أيضاً ما تقدمَ من أن الحكمة في مشروعيته التأهبُ لإدراك الصبح في أول وقتها. وصحح النووي في أكثر كتبه أنَّ مبدأه من نصف الليل الثاني، وأجاب عن الحديث في شرح مسلم فقال: قال العلماء: معناه أن بلالًا كان يؤذِّن ويتربَّصُ بعد أذانه للدعاء ونحوِه، فإذا قارب طلوعُ الفجر نزل فأخبر ابنَ أمَّ مكتوم فيتأهب للطهارة ثم يرقى ويشرع في الأذان مع أول وقت طلوع الفجر. وهذا مع وضوح لمخالفته لسياق الحديث يحتاج إلى دليل خاص لما صححه حتى يسوغ له التأويل. ووراء ذلك أقوالٌ أخرى معروفة في الفقهيات. انتهى. قال الكِرماني: قالت الحنفية: لا يسن الأذان قبل وقت الصبح. قال الطحاوي: إن ذلك النداء من بلال ليُنبِّه النائم ويَرجعَ القائم لا للصلاة، وقال غيرُه: إنه كان نداءً لا أذانًا، كما جاء في بعض الروايات أنه كان ينادي. أقول: للشافعية أن يقولوا: المقصودُ بيانُ أن وقوعَ الأذان قبل الصبح، وتقريرُ الرسول ﵊ له، وأما أنه للصلاة أو لِغرضٍ آخر، فذلك بحث آخر. وأما رواية: (كان ينادي)، فمعارَض برواية: (كان يؤذن). والترجيح معنا لأنَّ كلَّ أذانٍ نداءٌ بدون العكس، فالعمل برواية: (يُؤَذِّنُ) عملٌ بالروايتين، وجمْعٌ بين الدليلين، والعكسُ ليس كذلك. انتهى. قال العيني: أراد الكِرماني أن ينتصرَ لمذهبه ولكن لم يأت بشيء عليه قَبول، فقوله: قال الطحاوي: إن ذلك النداء من بلال لينبه النائم ويرجع القائم، هو من كلام الشارع، فإن أراد بذلك الاعتراض عليه فهو باطل. وقوله: لا للصلاة، مسَلَّم

стр. 320

عندهم أيضاً، حتى لو صلى بذلك الأذان صلاة الفجر لا يجوز. وقوله: المقصود بيان أن وقوع الأذان قبل الصبح، فهذا من نازَعَهم فيه، ونحن أيضاً نقول: إنه وقع قبل الصبح، ولكن لا يُعتد به في حق الصلاة. وقوله: وتقرير الرسول ﵇ له، يردُّه قوله ﵇ لبلال: أنْ يرجع فينادي: ((ألا إن العبد نام، فرجع فنادى: ألا إن العبد نام)). رواه الطحاوي والترمذي من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، ﵄. فإن قلتَ: قال الترمذي: هذا حديث غيرُ محفوظ، والصحيحُ ما رَوى عبيد الله بن عمر وغيرُه عن نافع عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: ((إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)). قال العيني: ما لحماد بن سلمة، وهو معه، وليس حديثُه يخالف حديث عبيد الله بن عمر، لأن حديثه لإيقاظ النائم ورجع القائم، ولم يكن لأجل الصلاة، فلذلك لم يأمره ﵇ بأن يرجع وينادي: ((ألا إن العبد نام)). وأما حديث حماد بن سلمة فقد كان لأجل غفلة بلال عن الوقت، وعلى كلا التقديرين: أذان بلال لم يكن معتداً للصلاة. وقوله: وأما رواية: كان ينادي، فليس كذلك، لأن كلًّا من الأذان والنداء في الحقيقة يرجع إلى معنى واحد، وهو الإعلام، ولا إعلام قبل الوقت. ثم قال الكِرماني: فإن قلتَ: الأذان للإعلام بوقت الصلاة بالألفاظ التي عيَّنها الشارع، وهو لا يَصدق عليه، لأنه ليس إعلامًا بوقتها بأنَّ الإعلام بالوقت أعم من أن يكون إعلامًا بأن الوقت دخل أو قرُب أن يدخل. انتهى. قال العيني: فعلى ما ذكره إذا أذَّنَ عند قُرب وقت صلاةٍ أيِّ صلاة كانت ينبغي أن يُكتفى به ولا يُعاد، ويصلَّى به. ولم يقل به أحد في كل الصلوات. انتهى. قلتُ: فهذه مكابرة في البين، فإن الشارع خص الصبح بذلك، وقد سبق التنبيهُ على الحكمة فيه. وقد تقدم أيضاً الجواب عمَّا قاله العيني وأطال فيه بما لا تقبله الشافعيةُ منه، فلا نطيل بإعادته مع الإعادات التي وقعت في كتاب الأذان. انتهى. قال شيخنا: واحتج الطحاوي لعدم مشروعية الأذان قبل الفجر بقوله: لما كان بين أذانيهما من القرب، ما ذُكِر في حديث عائشة ثبت أنهما كانا وقتاً واحداً وهو طلوع الفجر، فيخطِئُهُ بلال ويصيبُه ابنُ أم مكتوم. وتُعُقِّب بأنه لو كان كذلك لما أقره النبي ﷺ مؤذِّنًا واعتمد عليه، ولو كان كما ادعى لكان وقوعُ ذلك منه نادرًا. وظاهرُ حديث ابن عمر يدل على أن ذلك كان شأنَه وعادتَه والله أعلم. انتهى. قال العيني: لو اعتمد عليه في أذان الفجر لكان لم يقل: ((لا يغرنكم أذان بلال))، وتقريرُه ﵇ إياه على ذلك لم يكن إلا لمعنىً بيَّنه في الحديث، وهو تنبيه النائم ورجْع القائم، لمعان مقصودة في ذلك. انتهى. قلت: قوله: لا يغرنكم.
следующие страницы →