← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 523

مزيد فتح الباري بشرح البخاري - مخطوط

إبراهيم بن علي النعماني

Полный текст (565 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قال الكرماني: ويروى: <بإصبعه> بلفظ المفرد، ولم يذكُرْهُ غيره. وفي الأصبع عشر لغات: فتح الهمزة، وضمُّها، وكسرُها، وكذلك الباء فهذه تسعة، والعاشر أُصبُوع. قوله: (إِلَى فَوْقُ) رُوي مبنياً على الضم على نية الإضافة، ومنوناً بالجر على عدم نيتها، وهكذا حكم الأسفل لكنه غير منصرف فجره بالفتح، وكذا سائر الظروف التي تُقطع عن الإضافة، وقُرئ بهما في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]. قوله: (وَطَأْطَأَ) على وزن: دَحرَجَ، أي: خفض إصبعه إلى أسفل. وأشار به النبي ﷺ إلى الفجر الكاذب وهو الضوءُ المستطيل من العُلُوِّ إلى السُّفْلِ، وهو الذي تسميه العرب ذنبَ السِّرْحان، وهو من الليل ولا يدخل به وقت الصبح ويجوز التسحر ونحوه. قوله: (حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَقَالَ زُهَيْرٌ بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَيهِمَا فَوْقَ الأُخْرَى، ثُمَّ مَدَّهَمَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ) قال شيخنا: أطلقَ القولَ هُنا على الإشارة. في قوله: (قَالَ زُهَيْرٌ بِسَبَّابَتَيْهِ) قال العيني: والسبابة من الأصابع التي تلي الإبهام، وسميت بذلك لأن الناس يشيرون بها عند الشتم. قال شيخنا: وكأنه جمع بين إصبعيه ثم فرقهما ليحكِيَ صفةَ الفجر الصادق، لأنه يطلُع معترضًا ثم يعُمُّ الأفقَ ذاهبًا يمينًا وشمالًا بخلاف الفجر الكاذب فإنه يظهر في أعلى السماء ثم ينخفض، وإلى ذلك أشار بقوله: رفع وطأطأ. وفي رواية الإسماعيلي من طريق عيسى بن يونس عن سليمان: ((فإن الفجر ليس هكذا ولا هكذا ولكن الفجر هكذا)) فكأن أصل الحديث كان بهذا اللفظ مقروناً بالإشارة الدالة على المراد، ولهذا اختلفت عبارةُ الرواة، وأخصرُ ما وقع فيها روايةُ جرير عن سليمان عند مسلم: ((ليس الفجرُ المعترضُ ولكنْ المستطيلُ)). قال العيني: رواية مسلم: ((لا يغرنكم من سحوركم أذانُ بلال، ولا بياضُ الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا)). وحكاه حماد بن زيد، وقال: يعني معترضاً. وفي رواية أبي الشيخ من طريق شعبة عن سوادة: سمعت سَمُرة يخطب، قال رسول الله ﷺ : ((لا يغرنكم أذان بلال، ولا هذا البياض حتى يبرُق الفجرُ أو ينفجر الفجر)). انتهى. فيه: أن الأذان الذي كان يؤذِّنُه بلال ﵁ كان ليرجعَ القائم وإيقاظِ النائم، وبه قال أبو حنيفة. قال: ولا بد من أذان آخر كما فعل ابن أم مكتوم، وهو قول الثوري أيضاً، وقد ذكرنا اختلاف العلماء فيه فيما مضى. قال شيخنا: وتمسك الطحاوي بحديث ابن مسعود هذا لمذهبه فقال: قد أَخبَر أن ذلك النداء كان لما ذُكِر لا للصلاة، وتُعُقِّبَ بأن قوله: لا للصلاة. زيادةٌ في الخبر وليس فيه حصر فيما ذُكِر. فإن قيل: تقدَّمَ في تعريف الأذان الشرعي أنه إعلامٌ بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، والأذان قبل الوقت ليس إعلاماً بالوقت، فالجواب أن الإعلام بالوقت أعمُّ من أن يكون إعلاماً بأنه دَخَل أو قَارَبَ أن يدخل وإنما اختصت الصبح بذلك من بين الصلوات لأن الصلاة في أول الوقت مُرَغَّبٌ فيه، والصبح يأتي غالبا عقب نومٍ فناسب أن يُنَصَّب

стр. 317

من يوقِظُ الناس قبلَ دخول وقتها ليتأهبوا ويدركوا فضيلة أول الوقت والله أعلم. قال أبو الفتح القشيري: الذي قالوا يجوز الأذان للصبح قبل دخول وقتِه اختلفوا في وقتِه، فذكر بعضُ الشافعية أنه يكون في وقت السحر من الفجر الصادق والكاذب، قال: ويُكره التقديم على ذلك الوقت، وعند البعض: يؤذَّن عند انقضاء صلاة العَتَمة من نصف الليل، وهو الأصح من أقوال أصحاب الشافعي. والقول الثاني: عند طلوع الفجر في السحر، قال النووي: وبه قطع البغوي وصححه القاضي حسين والمتولي. الثالث: يؤذَّن لها في الشتاء لسُبع يبقى من الليل، وفي الصيف لنصفِ سُبع يبقى. والرابع: من ثلث الليل آخر الوقت المختار. والخامس: جميعُ الليل وقتٌ لِأَذان الصبح، حكاه إمامُ الحرمين وقال: لولا حكاية أبي علي له، وأنه لم يَنقل إلا ما صح عندَه لما استخرتُ نقلَه، وكيف يخشى الدعاءَ لصلاة الصبح في وقت الدعاء للمغرب؟ والسرفُ في كل شيء مطَّرَح. وأما السُبع ونصف السُبع فحديث باطل عند أهل الحديث، وإنما رواه الشافعي عن بعض أصحابه عن الأعرج عن إبراهيم عن محمد عن عمارة عن أبيه عن جده عن سعد (١) القرظ، وهو مخالِفٌ لمذهبه فإنه قال: كان أذانُنا في الشتاء لسُبْعٍ ونصف سُبع يبقى من الليل، وفي الصيف لسُبع يبقى منه. وقال ابن الأثير في «شرح المسند» : وتقديمُ الأذان على الفجر مستحب. وبه قال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وأبو يوسف. وفيه بيانُ الفجر الكاذب والصادق وفيه زيادة الإيضاح بالإشارة باليد للتعليم. وقال المهلب: يؤخذ منه أن الإشارة تكون أقوى من الكلام. انتهى. قلتُ: وقد غلَّبَ الفقهاءُ الإشارةَ على العِبارة في مواطنَ معروفةٍ وأن الراوي يتحفظ في الرواية فلا يَجزِم بشيء مُشَكٍّ وإن كان المعنى لا يختلف. وفيه: تعليمُ الميقات للأحكام الشرعية، وتقريرُه لغير المؤذنين. انتهى. ٦٢٢ - ٦٢٣ - قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) قال شيخنا: لم أره منسوبًا، وتردد فيه الجِيَّاني، أي فقال: يحتمل أن يكون إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أو إسحاق بن منصور الكَوْسَج. وهو عندي ابنُ إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهَوْيه كما جزم به المِزِّي - أي أبو الحجاج الدمشقي - في «أطرافه» أنه إسحاق بن إبراهيم، ويدل عليه تعبيره بقوله: «أخبرنا»، فإنه لا يقول قط: «حدثنا»، بخلاف إسحاق بن منصور وإسحاق بن نصر. وأما ما وقع بخط الدمياطي - أي على حاشية «الصحيح» - أنه هو ابن شاهين الواسطي فليس بصواب لأنه لا يُعرف له عن أبي أسامة شيءٌ لأن أبا أسامة كوفي وليس في شيوخ ابن شاهين أحدٌ من أهل الكوفة. انتهى. قال العيني: عدم معرفته بعدم رواية ابن شاهين عن أبي أسامة لا يستلزم العدم مطلقاً، وجهلُ الشخص بشيء لا يستلزم جهلَ غيره به. انتهى. قلتُ: التصرف في الرواية بالأمور العقلية لا يتمشَّى عند أهل الفن، فإن الرواية أمرٌ نقلي، ولهذا يقع للكِرماني أمورٌ يتصرف فيها بالعقل وتكون أمرُ الرواية بخلافه، فإذا قال الحافظ المطلع: ليس في شيوخ فلان كوفي. كيف ثبت له خلاف ذلك من غير دليل! انتهى. ترجمة إسحاق بن راهَوْيه في باب فضل من علِم

стр. 318

وعلَّم، وكذا ترجمةُ إسحاق بن منصور وإسحاق بن نصر به. فإن قلتَ: هذا الالتباس قدحٌ في الإسناد؟ قال العيني: لأنَّ أيًّا كان منهم فهو عدلٌ ضابط بشرط البخاري. انتهى. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ) أي حمادُ بن أسامة، ترجمته في باب فضل من علِم وعلَّم أيضاً. قوله: (قَالَ: عُبَيْدُ اللَّهِ) بتصغير العبد، هو: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني العمري العدوي القرشي، ترجمته في باب الصلاة في مواضع الإبل. قوله: (حَدَّثَنَا عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي ابن أبي بكر الصديق ﵁، ترجمته في باب من بدأ بالحِلاب أو الطيب. قوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي أم المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي. قوله: (وَعَنْ نَافِعٍ) أي جرجس، ترجمته في باب العلم والفتيا. قوله: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان. قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَولُهُ: (وَحَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عِيسَى) أي أبو يعقوب المرْوَزِي، ترجمته في باب من توضأ من الجنابة. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى) أي السيناني. وسينان بكسر السين (١) قرية من قرى مرو، ترجمته في (٢). قوله: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ) في هذا الإسناد: أنه أخرج هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر من وجهين ذَكَر له في أحدهما إسنادين: نافع عن ابن عمر، والقاسم عن عائشة. والوجه الثاني اقتصر فيه على القاسم عن عائشة. وفيه التحديث بصيغة الإفراد عن إسحاق وعن يوسف، ويروى بصيغة الجمع عن إسحاق وبصيغة الجمع أيضاً في ثلاثة مواضع: عبيد الله عن القاسم، والفضل عن عبيد الله، ويوسف عن الفضل. وفيه الإخبار بصيغة الجمع إسحاق عن أبي أسامة. وفيه: العنعنة في سبعة مواضع، وهو ظاهر لا يخفى. وفيه: القول في أربعة مواضع: بعد إسحاق وبعد أبي أسامة وبعد يوسف وبعد الفضل. وفيه قوله: (قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا عَنِ القَاسِمِ) فاعل، هو أبو أسامة، وعبيد الله هو القائل بقوله: (حَدَّثَنَا). وفيه: تقديمٌ وتأخيرٌ، وأصلُ التركيب: قال أبو أسامة: حدثنا عبيد الله عن القاسم، وكأنه راعى لفظ شيخه ولم يذكره على الأصل. وفيه قوله: (وَعَنْ (٣) نَافِعٍ) عَطْفٌ على القاسم، أي: قال عبيد الله عن نافع أيضاً. وفيه كلمة: (ح) في أكثر النسخ، وهي إشارةٌ إلى التحويل من إسناد إلى إسناد آخر قبلَ ذكر متن الحديث، أو إشارةٌ إلى الحائل أو إلى الحديث، وقد مرَّ في الكتاب مثلُ هذا في غير موضع. قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) مطابقته للترجمة ظاهرة، وهو أذان بلال في الليل قبل دخول وقت الفجر. قوله: (حَتَّى يُؤَذِّنَ)، في رواية الكُشْمِيهَني: <حتى ينادي>، وقد أورده في الصيام بلفظ: ((حتى يؤذن))، وزاد في آخره: ((فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر)). وقال القاسم: لم يكن بين أذانيهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا. قال شيخنا: وفي هذا تقييد لما أُطلِق في الروايات الأخرى من قوله: (إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ

стр. 319

بِلَيْلٍ)، ولا يقال إنه مرسل لأن القاسم تابعي فلمْ يدرك القصة المذكورة، لأنه ثبت عند النَّسائي من رواية حفص بن غياث وعند الطحاوي من رواية يحيى القطان كلاهما عن عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة ﵂: فذكر الحديث. قالت: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا. وعلى هذا فمعنى قوله في رواية البخاري: قال القاسم. أي في روايته عن عائشة. وقد وقع عند مسلم من رواية ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مثلُ هذه الزيادة وفيها نظر، أو في صحته في كتاب «المدرج»، وتثبت الزيادة أيضاً في حديث أُنيسة الذي تقدمت الإشارةُ إليه. وفيه حجة لمن ذهب إلى أن الوقت الذي يقع فيه الأذان قبل الفجر هو وقت السحر، وهو أحد الأوجه في مذهب الشافعي واختاره السبكي في «شرح المنهاج» وحكى تصحيحه عن القاضي حسين والمتولي، قال: وقطع به البغوي، وكلام ابن دقيق العيد يُشْعِر به، فإنه قال بَعدَ أَنْ حكاه: يُرجِّح هذا بأن قوله: (إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ) خبرٌ يتعلق به فائدةُ السَّامعين قطعاً، وذلك إذا كان وقت الأذان مشتبهاً محتملاً لأنْ يكونَ عند طلوع الفجر، فبيَّنَ ﷺ أنَّ ذلك لا يمنع الأكل، بل الذي يمنعه طلوعُ الفجر الصادق. قال: وهذا يدل على تقارب وقت أذان بلال من الفجر. قال شيخنا: ويقويه أيضاً ما تقدمَ من أن الحكمة في مشروعيته التأهبُ لإدراك الصبح في أول وقتها. وصحح النووي في أكثر كتبه أنَّ مبدأه من نصف الليل الثاني، وأجاب عن الحديث في شرح مسلم فقال: قال العلماء: معناه أن بلالًا كان يؤذِّن ويتربَّصُ بعد أذانه للدعاء ونحوِه، فإذا قارب طلوعُ الفجر نزل فأخبر ابنَ أمَّ مكتوم فيتأهب للطهارة ثم يرقى ويشرع في الأذان مع أول وقت طلوع الفجر. وهذا مع وضوح لمخالفته لسياق الحديث يحتاج إلى دليل خاص لما صححه حتى يسوغ له التأويل. ووراء ذلك أقوالٌ أخرى معروفة في الفقهيات. انتهى. قال الكِرماني: قالت الحنفية: لا يسن الأذان قبل وقت الصبح. قال الطحاوي: إن ذلك النداء من بلال ليُنبِّه النائم ويَرجعَ القائم لا للصلاة، وقال غيرُه: إنه كان نداءً لا أذانًا، كما جاء في بعض الروايات أنه كان ينادي. أقول: للشافعية أن يقولوا: المقصودُ بيانُ أن وقوعَ الأذان قبل الصبح، وتقريرُ الرسول ﵊ له، وأما أنه للصلاة أو لِغرضٍ آخر، فذلك بحث آخر. وأما رواية: (كان ينادي)، فمعارَض برواية: (كان يؤذن). والترجيح معنا لأنَّ كلَّ أذانٍ نداءٌ بدون العكس، فالعمل برواية: (يُؤَذِّنُ) عملٌ بالروايتين، وجمْعٌ بين الدليلين، والعكسُ ليس كذلك. انتهى. قال العيني: أراد الكِرماني أن ينتصرَ لمذهبه ولكن لم يأت بشيء عليه قَبول، فقوله: قال الطحاوي: إن ذلك النداء من بلال لينبه النائم ويرجع القائم، هو من كلام الشارع، فإن أراد بذلك الاعتراض عليه فهو باطل. وقوله: لا للصلاة، مسَلَّم

стр. 320

عندهم أيضاً، حتى لو صلى بذلك الأذان صلاة الفجر لا يجوز. وقوله: المقصود بيان أن وقوع الأذان قبل الصبح، فهذا من نازَعَهم فيه، ونحن أيضاً نقول: إنه وقع قبل الصبح، ولكن لا يُعتد به في حق الصلاة. وقوله: وتقرير الرسول ﵇ له، يردُّه قوله ﵇ لبلال: أنْ يرجع فينادي: ((ألا إن العبد نام، فرجع فنادى: ألا إن العبد نام)). رواه الطحاوي والترمذي من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، ﵄. فإن قلتَ: قال الترمذي: هذا حديث غيرُ محفوظ، والصحيحُ ما رَوى عبيد الله بن عمر وغيرُه عن نافع عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: ((إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)). قال العيني: ما لحماد بن سلمة، وهو معه، وليس حديثُه يخالف حديث عبيد الله بن عمر، لأن حديثه لإيقاظ النائم ورجع القائم، ولم يكن لأجل الصلاة، فلذلك لم يأمره ﵇ بأن يرجع وينادي: ((ألا إن العبد نام)). وأما حديث حماد بن سلمة فقد كان لأجل غفلة بلال عن الوقت، وعلى كلا التقديرين: أذان بلال لم يكن معتداً للصلاة. وقوله: وأما رواية: كان ينادي، فليس كذلك، لأن كلًّا من الأذان والنداء في الحقيقة يرجع إلى معنى واحد، وهو الإعلام، ولا إعلام قبل الوقت. ثم قال الكِرماني: فإن قلتَ: الأذان للإعلام بوقت الصلاة بالألفاظ التي عيَّنها الشارع، وهو لا يَصدق عليه، لأنه ليس إعلامًا بوقتها بأنَّ الإعلام بالوقت أعم من أن يكون إعلامًا بأن الوقت دخل أو قرُب أن يدخل. انتهى. قال العيني: فعلى ما ذكره إذا أذَّنَ عند قُرب وقت صلاةٍ أيِّ صلاة كانت ينبغي أن يُكتفى به ولا يُعاد، ويصلَّى به. ولم يقل به أحد في كل الصلوات. انتهى. قلتُ: فهذه مكابرة في البين، فإن الشارع خص الصبح بذلك، وقد سبق التنبيهُ على الحكمة فيه. وقد تقدم أيضاً الجواب عمَّا قاله العيني وأطال فيه بما لا تقبله الشافعيةُ منه، فلا نطيل بإعادته مع الإعادات التي وقعت في كتاب الأذان. انتهى. قال شيخنا: واحتج الطحاوي لعدم مشروعية الأذان قبل الفجر بقوله: لما كان بين أذانيهما من القرب، ما ذُكِر في حديث عائشة ثبت أنهما كانا وقتاً واحداً وهو طلوع الفجر، فيخطِئُهُ بلال ويصيبُه ابنُ أم مكتوم. وتُعُقِّب بأنه لو كان كذلك لما أقره النبي ﷺ مؤذِّنًا واعتمد عليه، ولو كان كما ادعى لكان وقوعُ ذلك منه نادرًا. وظاهرُ حديث ابن عمر يدل على أن ذلك كان شأنَه وعادتَه والله أعلم. انتهى. قال العيني: لو اعتمد عليه في أذان الفجر لكان لم يقل: ((لا يغرنكم أذان بلال))، وتقريرُه ﵇ إياه على ذلك لم يكن إلا لمعنىً بيَّنه في الحديث، وهو تنبيه النائم ورجْع القائم، لمعان مقصودة في ذلك. انتهى. قلت: قوله: لا يغرنكم.

стр. 321

إنما هو في ترك الأكل والشرب، لا في اعتقادهم أنه أذان. والله أعلم. انتهى. (١٤) بَابٌ: كَمْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، وَمَنْ يَنْتَظِرُ الإِقَامَةَ أي هذا بابٌ يُذكر فيه كم بين الأذان والإقامة، فحينئذ يكون (بابٌ) منوَّنًا مرفوعًا على أنه خبرُ مبتدأٍ محذوف. قال العيني (١)، وقال شيخنا: أما (بابُ) فهو في روايتنا بلا تنوين. قال العيني: ليت شعري من هو الراوي له، فهل هو ممن يُعتمد عليه في تصرُّفه في التراكيب، وهذا ليس لفظ الحديث حتى يُقتصر فيه على المروي، وإنما هو كلام البخاري، فالذي له يد في تحقيق النظر في تراكيب الناس يتصرف بأي وجهٍ يأتي معه على قاعدة أهل النحو واصطلاح العلماء فيه، و (بابٌ) هنا منوَّنٌ، ووجهه ما ذكرناه. انتهى. قلت: شيخنا ﵀ ذكر ما رَوَى عن مشايخه العلماء الأعلام المشهورين، وذلك من تحفظه ﵀ ورضي الله عنه. و (كم) استفهامية، وخبرها محذوفٌ تقديره: ساعة أو صلاة أو نحو ذلك. ٦٢٤ - قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ) أي ابن شاهين. قال شيخنا: ويحتمل أن يكون هو الذي عناه الدِّمياطي ونقلناه عنه في الذي مضى، لكني رأيتُه كما نقلتُه أولاً بخط القطب الحلبي، وقد روى البخاري عن إسحاق بن وهب العلاف، وهو واسطي أيضاً لكن ليست له رواية عن خالد. انتهى. وإنما تميز إسحاق ههنا من غيره من إسحاق الحنظلي وإسحاق بن نصر السعدي وإسحاق بن منصور الكوسج بقوله: (الوَاسِطِيُّ). قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ) أي ابن عبد الله الطحان، ترجمته في باب من تمضمض واستنشق من غرفة. قوله: (عَنِ الجُرَيْرِيِّ) أي بضم الجيم وفتح الراء الأولى وسكون الياء آخر الحروف، سعيد بن إياس. قال شيخنا: ووقع مسمًّى في رواية وهب بن بقية عن خالد عند الإسماعيلي، وهي إحدى فوائد المستخرجات. وهو معدود فيمن اختلط، واتفقوا على أن سماع المتأخرين منه كان بعد اختلاطه، وخالد منهم. لكن أخرجه الإسماعيلي من رواية يزيد بن زريع وعبد الأعلى وابن عُلَيَّة، وهُم ممن سمع منه قبل الاختلاط وهي إحدى فوائد المستخرجات أيضاً. وهو عند مسلم من طريق عبد الأعلى أيضاً، وقد قال العِجْلي: إنه من أصحهم سماعاً من الجريري، وإنه سمع منه قبل اختلاطه بثمان سنين، ولم ينفرد به مع ذلك الجريري بل تابعه عليه كهمس بن الحسن عن ابن بريدة، وسيأتي عند المصنف بعد باب. وفي رواية يزيد بن زريع من الفوائد أيضاً: تسمية ابن بريدة عبد الله والتصريح بتحديثه للجريري، ترجمته في باب الصلاة لوقتها. قوله: (عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ) أي بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة، وهو عبد الله بن حُصَيب الأسلمي قاضي مرو ومات بها، ترجمته في باب الصلاة على النفساء وسنتها. قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ) أي بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء، ترجمته في باب من كره أن يقال للمغرب العشاء. في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه: القول في موضع واحد وفيه من الرواة واسطيان

стр. 322

والاثنان بصريان، وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده، وأنه لم يذكره إلا بنسبته إلى بلده واسط. قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، ثَلَاثًا لِمَنْ شَاءَ) مطابقته للترجمة ظاهرة لأن معنى قوله: (بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ) : بين الأذان والإقامة. وقال شيخنا: لعل المصنف أشار بذلك إلى ما روي عن جابر أن النبي ﷺ قال لبلال: ((اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته)). أخرجه الترمذي والحاكم، لكن إسنادَه ضعيف. وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ ومن حديث سلمان، أخرجهما أبو الشيخ ومن حديث أُبَي بن كعب أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند وكلها واهية، وكأنه أشار إلى أن التقدير بذلك لم يثبت. انتهى. قال العيني: هذا كلام عجيب لأنه كيف يُترجم باباً ويورِدُ فيه حديثاً صحيحاً على شرطه ويشير بذلك إلى حديث ضعيف! فأي شيء هنا يدل على هذه الإشارة. انتهى. قلت: قد أفاد شيخنا بما قاله فوائد (١) وهي ظاهرة في كلامه. انتهى. هذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن عبد الله بن يزيد المقري عن كهمس بن الحسن، وأخرجه مسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة ووكيع كلاهما عن كهمس، وعن ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن الجريري، وأخرجه أبو داود فيه عن النفيلي عن إسماعيل بن عُلَيَّة عن الجريري، وأخرجه الترمذي فيه عن هناد عن وكيع به، وأخرجه النسائي فيه عن عبيد الله بن سعيد عن يحيى بن سعيد عن كهمس به، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة ووكيع به. قوله: (بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ) أي الأذان والإقامة، فهو من باب التغليب. وقال الخطابي: حمْلُ أحد الاسمين على الآخر شائع كقولهم: الأسودان التمر والماء، والأسود إنما هو أحدُهما. وقال الكِرماني: ويحتمل أن يكون الاسم لكل واحد منهما حقيقةً لأن الأذان في اللغة: الإعلام، والأذانُ: إعلامٌ بحضور الوقت، والإقامةُ: إعلامٌ بفعل الصلاة. قلتُ: الأذانُ إعلامُ الغائبين والإقامةُ إعلامُ الحاضرين. وقيل: لا يجوز حمل هذا على ظاهرِه لأن الصلاة واجبة بين كل أذاني وقتين. والحديث يخبر بالتخيير بقوله: ((لِمَنْ شَاءَ)). قال شيخنا: وأجرَى المصنفُ الترجمةَ مجرى البيان للخبر لجزمه بأن ذلك المراد، وتوارد الشراح على أن هذا من باب التغليب كقولهم: القمرين، للشمس والقمر. ويحتمل أن يكون أطلق على الإقامة أذاناً لأنها إعلامٌ بحضور فِعلِ الصلاة. قوله: (صَلَاةٌ) أي وقتُ صلاة، أو المراد: صلاةُ نافلة، أو نُكِّرت لتتناول كلَّ عددٍ نواه المصلي من النافلة كركعتين (٢) أو أربع أو أكثر. ويحتمل أن يكون المراد به الحث على المبادرة إلى المسجد عند سماع الأذان لانتظار الإقامة، لأن منتظر الصلاة في صلاة، قاله الزين بن المنير. كما أن الأذانَ إعلامٌ بدخول الوقت ولا مانع من حمل قوله: (أَذَانَيْنِ) على ظاهره، لأن

стр. 323

يكون التقدير: بين كل أذانين صلاة نافلة غير المفروضة. قوله: (ثَلَاثًا) أي قالها ثلاثاً. وعند أبي داود: قالها مرتين. وسيأتي بعدُ بابُ بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة: ((لِمَنْ شَاءَ)). وهل بين أنه لم يقل: (لِمَنْ شَاءَ) إلا في المرة الثالثة بخلاف ما ُيشعِر به ظاهر الرواية الأولى من أنه عند كل مرة بقوله: (لِمَنْ شَاءَ). ولمسلم والإسماعيلي: قال في الرابعة: ((لِمَنْ شَاءَ)). وكأن المراد بالرابعة قوله: ((لِمَنْ شَاءَ)). فأطلق بعضُهم عليها رابعةً باعتبار مطلق القول. وبهذا يوافق رواية البخاري. وقد تقدم في العلم حديثُ أنس أنه ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً وكأنه قال بعد الثالثة: (لِمَنْ شَاءَ) ليدل على أن التكرار لتأكيد الاستحباب. وقال ابن الجوزي: فائدةُ هذا الحديث أنه يجوز أن يُتَوهَّم أن الأذان للصلاة، ويمنع أن تُفعل سوى الصلاة التي أُذِّن لها، فبيَّن أن التطوع بين الأذان والإقامة جائز. وقد صح ذلك في الإقامة كما سيأتي. ووقع عند أحمد: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت)). وهو أخص من الرواية المشهورة: ((إلا المكتوبة)). انتهى. فيه: جواز الصلاة بين كل أذانين يعني بين الإقامة والأذان. قال العيني: والحاصلُ أن الوصل بينهما مكروه، لأن المقصود بالأذان إعلام الناس بدخول الوقت ليتأهبوا للصلاة بالطهارة فيحضروا المسجد لإقامة الصلاة، وبالوصل ينتفي هذا المقصود. ثم اختلف أصحابنا في حد الفصل، فذكر التمرتاشي في «جامعه» : أن المؤذن يقعد مقدار ركعتين أو أربع أو مقدار ما يفرغ الآكلُ من أكله والشارب من شربه والحاقنُ من قضاء حاجته. وقيل: مقدارَ ما يقرأ عشر آيات ثم يثوب ثم يقيم. كذا في «المجتبى». وفي «شرح الطحاوي» : يفصِل بينهما مقدارَ ركعتين يقرأ في كل ركعةٍ نحواً من عشرِ آيات، وينتظر المؤذن الناس ويقيم للضعيف المستعجل ولا يَنتظر رئيسَ المحلة وكبيرَها فهذا كله إلا في صلاة المغرب عند أبي حنيفة، لأن تأخيرَها مكروه فيكتفي بأدنى الفصل وهو سكتة يسكت قائمًا ساعة ثم يقيم. فإن قلتَ: ما مقدار السكتة عنده؟ قال العيني: قدْر ما يتمكن فيه من قراءة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة. وروي عن أبي حنيفة: مقدار ما يخطو لثلاث خطوات. وقال أبو يوسف ومحمد: يفصل بينهما بجلسة خفيفة مقدار الجلسة بين الخطبتين. ومذهب الشافعي ما ذكره النووي فإنه قال: يُستحب أن يفصل بين أذان المغرب وإقامتها فصلاً خفيفاً بقعدةٍ أو سكوت ونحوهما، وهذا لا خلاف فيه عندنا. ونقل صاحب «الهداية» عن الشافعي أنه يفصِل بركعتين اعتباراً بسائر الصلوات. قال العيني: وفيه نظر. انتهى. قلتُ: من قال فيه نظر مَا له نظر. وكيف يكون فيه نظر وقد ثبت الأمر بهما في الحديث الصحيح. انتهى. وقال أحمد: يفصِل بينهما بصلاة ركعتين في المغرب اعتبارًا بسائر الصلوات، واحتج بالحديث المذكور. قال العيني: روى الدارقطني ثم البيهقي في «سننيهما» عن حيان بن عبيد الله العدوي حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 324

((عند كل أذانين ركعتين إلا المغرب)). فإن قلتَ: ذكر ابن الجوزي هذا الحديث في «الموضوعات» ونقل عن الفلاس أنه قال: كان حيان هذا كذَّاباً. قال العيني: الحديث رواه البزار في «مسنده» وقال: لا نعلم رواه عن ابن بريدة إلا حيان بن عبد الله وهو رجل مشهور من أهل البصرة لا بأس به. انتهى. قلتُ: ومع ذلك فروايته شاذة، لأنه خالف الحفاظ من أصحاب عبد الله بن بريدة في إسناد الحديث ومتنه وسيأتي لهذا تتمة في الكلام على الحديث الآتي. انتهى. ٦٢٥ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أي على وزن فَعَّال بالتشديد والباء الموحدة والشين المعجمة، ولا يُغتر بما وقع في خط العيني أنه بالسين المهملة، ترجمته في باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَاْ غُنْدَرٌ) أي بضم الغين المعجمة. لقب محمد بن جعفر ابن امرأة شعبة، ترجمته باب ظلمٌ دون ظلمٍ. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج، ترجمته في بابٍ يتلو بابَ أمور الإيمان. قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الأَنْصَارِيَّ) أي بفتح العين. مرَّ في باب الوضوء من غير حدث. قوله: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ ترجمته في باب من الإيمان أن يحب. في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار كذلك في موضع. وفيه: السماع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري ومدني وواسطي وهو شعبة. قوله: (كَانَ المُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ، حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُمْ يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ، قال: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ) مطابقته للترجمة في قوله: (وَهُمْ يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ) فإن صلاتهم قبل المغرب بعد الأذان فصْلٌ بينه وبين الإقامة. قال شيخنا: مطابقته للترجمة من جهة الإشارة إلى أن الصحابة ﵃ إذا كانوا يبتدرون به إلى الركعتين قبل صلاة المغرب مع قِصَرِ وقتها فالمبادرة إلى التنفل قبل غيرها من الصلوات يقع من باب الأولى ولا يتقيد بركعتين إلا بما ضاهى المغرب من قِصَر الوقت كالصبح. انتهى. وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن قبيصة عن سفيان. وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم عن أبي عامر عن سفيان فيه نحوه، وفي نسخة: <عن شعبة> بدل عن سفيان. قوله: (إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ) في رواية الإسماعيلي: إذا أخذ المؤذن في أذان المغرب. قوله: (قَامَ نَاسٌ)، في رواية النسائي: قام كبار أصحاب رسول الله ﷺ . وكذا تقدم للمؤلف في أبواب السترة. قوله: (يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ) أي يتسارعون ويستبقون. و (السَّوَارِي) جمع سارية وهي: الأسطوانة، وكان غرضهم بالاستباق إليها الاستتار بها ممن يمر بين أيديهم لكونهم يصلون فرادى. قوله: (وَهُمْ كَذَلِكَ) أي في تلك الحال، هم مبتدرون منتظرون الخروج، وفي رواية مسلم من طريق عبد العزيز (١) بن صهيب عن أنس: فيخرج فيجيء الغريب فيحسِب أن الصلاة قد

стр. 325

صُلِّيَت من كثرة من يصليهما. وقال الكِرماني: وفي بعض الروايات: <وهي كذلك>، بدل: (وَهُمْ)، والأمران جائزان في ضمير العقلاء، نحو: الرجال فَعَلَتْ وفعلوا. قوله: (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا) أي الأذان والإقامة. قوله: (شَيْءٌ) التنوين فيه للتعظيم أي لم يكن بينهما شيء كثير. قال شيخنا: وبهذا يندفع قول من زعم أن الرواية المعلقة معارِضةٌ للرواية الموصولة بل هي مبيِّنةٌ لها، ونَفيُ الكثير يقتضي إثباتَ القليل، وقد أخرجها الإسماعيلي موصولةً من طريق عثمان بن عمر عن شعبة بلفظ: وكان بين الأذان والإقامة قريبٌ. ولمحمد بن نصر من طريق أبي عامر عن شعبة نحوه. قال العيني: يدل عليه ما رواه عثمان بن جَبَلة وأبو داود عن شعبة: ولم يكن بينهما إلا قليل. وقال ابن المنير: يُجمع بين الروايتين بحمل النفي المطلق على المبالغة مجازاً، والإثباتِ القليل على الحقيقة. وقال الكِرماني: وجه الجمع بينهما أن هذا خاص بأذان المغرب وذاك عام، والخاص إذا عارض العام يخصصه عند الشافعية، سواء عُلِم تأخرُه أم لا، والمراد بقوله: ((كُلِّ أَذَانَيْنِ)) غير أذان المغرب. وحمل بعضُ العلماء حديثَ الباب على ظاهره فقال: دل قوله: (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ) على أن قوله: ((بين كل أذانين صلاة)) مخصوص بالمغرب، فإنهم لم يكونوا يصلون بل كانوا يَشرعون في الصلاة في أثناء الأذان ويفرغون مع فراغه. قال: ويؤيد ذلك ما رواه البزار من طريق حيان بن عبيد الله - أي بفتح الحاء المهملة والياء آخر الحروف المشددة - عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مثل الحديث الأول، زاد في آخره: ((إلا المغرب)). وفي قوله: ويَفرغون مع فراغه. نظرٌ، لأنه ليس في الحديث ما يقتضيه، ولا يلزم من شروعهم في أثناء الأذان ذلك. وأما رواية حيان فقد ذكرنا أنها شاذةٌ خالف فيها الحفاظُ من أصحاب بريدة في إسناد الحديث ومتنه، وقد وقع في بعض طرقِه عند الإسماعيلي: وكان بُريدة يصلي ركعتين قبل صلاة المغرب. فلو كان استثناءً محفوظاً لم يخالفه بريدة راويه. وقد نقل ابن الجوزي عن الفلاس ما قدمناه في حيان. وقال القرطبي وغيرُه: ظاهرُ حديث أنس أن الركعتين بعد الغروب وقبل صلاة المغرب كان أمراً قَرَّر النبيُّ ﷺ أصحابَه عليه وعملوا به حتى كانوا يستبِقون إليه، وهذا يدل على الاستحباب وكأنَّ أصلَه قولُه ﷺ : ((بين كل أذانين صلاة))، وأما كونه لم يصليهما فلا ينفي الاستحباب بل يدل على أنهما ليسا من الرواتب. وإلى استحبابهما ذهب أحمد وإسحاق وأصحاب الحديث ورُوي عن ابن عمر قال: ما رأيتُ أحدًا يصليهما على عهد النبي ﷺ . وقال النخعي: إنها بدعة. وروي عن الخلفاء الأربعة وجماعةٍ من الصحابة أنهم كانوا لا يصلونهما، وهو قول مالك والشافعي. وادعى بعض المالكية نسخَهما فقال: إنما كان ذلك في الأوَّل حيث نهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس فبيَّن لهم بذلك وقتَ

стр. 326

الجواز ثم ندب إلى المبادرة إلى المغرب في أول وقتها، فلو استمرت المواظبة على الاشتغال بغيرِها لكان ذريعةً إلى مخالفة إدراكِ أولِ وقتِها. وتُعُقِّبَ بأن دعوى النسخ لا دليل عليها والمنقول عن ابن عمر رواه أبو داود من طريق طاوس عنه، ورواية أنس المثبِتة مقدَّمةٌ على نفيه. والمنقول عن الخلفاء الأربعة رواه محمد بن نصر وغيره من طريق إبراهيم النخعي عنهم، وهو منقطعٌ ولو ثبت لم يكن فيه دليل على النسخ ولا الكراهة، وسيأتي في باب التطوع أن عقبة بن عامر سئل عن الركعتين قبل المغرب فقال: كنا نفعلهما على عهد النبي ﷺ ، قيل له: فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل. فلعل غيره أيضاً منعه الشغل. وقد روى محمد بن نصر وغيره من طرق قوية عن عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب وأبي الدرداء وأبي موسى وغيرهم أنهم كانوا يواظبون عليهما. قال شيخنا: وأما قول أبي بكر بن العربي: اختلف فيها الصحابة ولم يفعله أحدٌ بعدهم. فمردود بقول محمد بن نصر: وقد روينا عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون ركعتين قبل المغرب. ثم أخرج ذلك بأسانيد متعددة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن بريدة ويحيى بن عقيل والأعرج وعامر بن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن مالك، ومن طريق الحسن البصري أنه سئل عنهما فقال: حسنتين واللهِ لمن أراد الله بهما. وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: حق على مؤمن إذا أذن المؤذن أن يركع ركعتين. وعن مالك قولٌ آخر باستحبابهما. وعند الشافعية وجهٌ رجحه النووي ومَن تبِعَهُ، وقال في شرح مسلم: قولُ من قال إنَّ فعلَهما يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها لخيال فاسد منابِذٍ للسنة، ومع ذلك فزمُنُهُما زمنٌ يسير لا يتأخر به الصلاة عن أول وقتها، ومجموعُ الأدلة يُرشِد إلى استحباب تخفيفِهما كما في ركعتي الفجر. قيل: والحكمةُ في الندب إليهما رجاءُ إجابةِ الدعاء، لأن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يُرَدُّ، وكلما كان الوقت أشرف كان ثواب العبادة فيه أكثر. قال شيخنا: واستدل بحديث أنس على امتداد وقتِ المغرب وليس بواضح. انتهى. قوله: (قَالَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ) أي بفتح الجيم والباء الموحدة، ابنُ أبي رواد، ابنُ أخي عبد العزيز ابن أبي رواد، واسمه: ميمون الأزدي، مولاهم البصري، ترجمته في باب إذا ألقي على ظهر المصلي قَذَرٌ أو جيفة. قوله: (وَأَبُو دَاوُدَ) أي سليمان بن داود الطيالسي، وهو من أفراد مسلم، ويقال: أبو داود هذا: عمر بن سعيد الحَفْري الكوفي، أي بفتح الحاء المهملة والفاء وحَفْر موضعٌ بالكوفة، وهو أيضاً من أفراد مسلم. قوله: (عَنْ شُعْبَةَ) أي ابن الحجاج. قوله: (لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا قَلِيلٌ) قال الكِرماني (١) : الظاهر أنه تعليقٌ منه، لأن البُخاري كان ابنَ عشرة عند وفاة الطيالسي. قال شيخنا: لم تصل لنا روايةُ عثمان بن جبلة إلى الآن، وزعم مغلطاي ومن تبعه أن الإسماعيلي وصلها في «مستخرجه» وليس كذلك، لأن الإسماعيلي إنما أخرجه

стр. 327

من طريق عثمان بن عمر وكذلك لم يتصل لنا روايةُ أبي داود - وهو الطيالسي - فيما يظهر لي. وقيل: هو الحفري وقد وقع لنا مقصود روايتهما من رواية عثمان بن عمر وأبي عامر ولله الحمد. انتهى. (١٥) بَابُ مَنِ انْتَظَرَ الإِقَامَةَ أي هذا بابٌ في بيان من سمع الأذان وانتظر إقامة الصلاة، أَورَدَ البخاري الترجمةَ موردَ الاحتمال تنبيهًا على اختصاص ذلك بالإمام لأن المأموم مندوبٌ إلى إحراز الصف الأول، ويحتمل أن يشارك الإمامَ في ذلك مَن كان منزله قريباً من المسجد. وقيل: يستفاد من حديث الباب أن الذي ورد من الحض على الاستباق إلى المسجد هو لمن كان على مسافةٍ من المسجد، وأما من كان يسمعُ الإقامة من داره فانتظارُه للصلاة إذا كان متهيئًا لها كانتظارِه إياها في المسجد. وفي مقصود الترجمة أيضًا ما أخرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: ((كان بلال يؤذن ولا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ ). ٦٢٦ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) أي الحكم بن نافع، ترجمته في بدء الوحي. قوله: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي ابنُ أبي حمزة، ترجمته في البدء أيضاً. قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) أي ابن العوام. قوله: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ) ترجمتهما في بدء الوحي. في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضع والإخبار كذلك في موضعين. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في موضعين، وفي رواته حمصيان ومدنيان. قوله: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ بِالأُولَى مِنْ صَلَاةِ الفَجْرِ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ، بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ)) مطابقته للترجمة في قوله: (ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ) إلى آخره. وهذا الحديث أخرجه النسائي في الصلاة أيضًا عن عمرو بن منصور عن علي بن عياش، كلاهما عن شعيب به. قوله: (إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ) أي إذا فرغ من الأذان بالسكوت عنه، هكذا في رواية الجمهور المعتمدة، بالتاء المثناة من فوق. وحكى ابن التين أنه روي بالموحدة، ومعناه: صبَّ الأَذان في الآذان، جمع أُذُن، واستعير الصبُّ للإفاضة في الكلام. قال شيخنا: والرواية المذكورة لم تثبت في شيء من الطرق وإنما ذكرها الخطابي من طريق الأوزاعي عن الزهري قال: إن سويد بن نصر راويها عن ابن المبارك عنه ضبطها بالموحدة. انتهى. قال ابن قرقول: ورويناه عن الخطابي: ((سكب المؤذن)) بالباء الموحدة. ورأيتُ بخط أبي علي الجياني عن أبي مروان: سكب وسكت، بمعنى. وابنُ الأثير لم يذكر غيرَ الباء الموحدة، قال: أرادت: إذا أذَّنَ، فاستعير السكبُ للإفاضة في الكلام، كما يقال: أفرغ في أذني حديثاً أي: ألقي وصب. قال شيخنا: وأفرط الصغاني في «العباب» فجزم أنها بالموحدة وكذا ضبطها في نسخته التي ذكر أنه قابلها على نسخة الفَربْري وأن المحدثين يقولونها بالمثناة من فوق ثم ادعى أنه تصحيف وليس

стр. 328

كما قال. انتهى. وقال ابن بطال والسفاقسي: إن هذه رواية ابن المبارك عن الأوزاعي عن الزهري. قالا: ولها وجه في الصواب. انتهى. قال العيني: بل هو عينُ الصواب، لأن (سَكَتَ) بالتاء المثناة من فوق لا يُستعمل بالباء الموحدة، بل يُستعمل كلمة «مِن»، أو «عن»، وسكب بالباء الموحدة استُعمل هنا بالباء. فإن قلتَ: الباء تجيء بمعنى «عن» كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] أي عنه. قال أيضاً: الأصلُ أن يُستعمل كلُّ حرف في بابه، ولا يُستعمل في غير بابه إلا لنكتة، وأي نكتة هنا؟ انتهى. قوله: (بِالأُولَى) أي عن الأُولى، وهي متعلقة بسكت، يقال: سكت عن كذا إذا تركه. ومرادُه: الأذان الأول، لأنه أولٌ بالنسبة إلى الإقامة، لكنه أنَّثَهُ باعتبار المناداة، أو جاءه التأنيث من قِبَلِ مؤاخاته للإقامة، أو أراد الدعوة التامة، والأذانُ الأول الذي يؤذَّن به عند دخول الوقت وهو أولٌ بالنسبة إلى الإقامة، وثانٍ بالنسبة إلى الأذان الذي قبل الفجر، ويجوز أن يؤوَّل: (الأولى)، بالمرة الأولى أو بالساعة الأولى. تنبيه: أخرج البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن سالم أبي النضر: ((أن النبي ﷺ كان يخرج بعد النداء إلى المسجد فإن رأى أهل المسجد قليلًا جلس حتى يجتمعوا ثم صلى)). قال شيخنا: وإسناده قوي مع إرساله، وليس بينه وبين حديث الباب تعارض لأنه يُحمل على غير الصبح أو كان يفعل ذلك بعد أن يأتيه المؤذن ويخرج معه إلى المسجد. قوله: ((بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ)) بموحدة وآخره نون من الاستبانة، وهو: الظهور، وفي رواية: <يستنير>، بنون وآخره راء من الاستنارة. قال العيني: ويروى: <يستيقن>. قال شيخنا: وسيأتي الكلام على ركعتي الفجر في أبواب التطوع إن شاء الله تعالى. قوله: (عَلَى شِقِّهِ) أي: على جنبه الأيمن. قال الكِرماني: والحكمة أنه لا يستغرق في النوم لأن القلب من جهة اليسار ويُعلَّق حينئذ، وإذا نام على اليسار كان في دَعَةٍ واستراحةٍ فيَستغرق، وأيضًا يكون انحدار الثفل إلى أسفل أسهل وأكثر فيصير سبباً لدغدغة قضاء الحاجة فينتبه أسرع. قال العيني: لا يُستحسن هذا الكلام في حقِّه ﵇ وإنما يمشي في حق غيره، والنبي ﷺ كان يحب التيامن في كل شيء، وجميعُ ما صدر عنه من قول وفعل كان على أحسن الوجوه وأكملِها وأفضلِها، وأيضًا النومُ على اليمين نومُ الصالحين، وعلى اليسار نومُ الحكماء، وعلى الظهر نومُ الجبارين والمتكبرين، وعلى الوجه نوم الكفار. انتهى. قلتُ: معلومٌ أنه ﵇ كان ينام عينُه ولا ينام قلبُه، وفِعلُه هذا يقتدَى به فيحصُل المقتدي به في ذلك هذه الفوائد. انتهى. فيه: استحبابُ التخفيف في سنة الفجر، واستَحبَّ قومٌ تخفيفَها، وهو مذهب مالك والشافعي في آخرين. وقال النخعي - واختاره الطحاوي -: لا بأس بإطالتها. قال العيني: ولعلَّه أراد بذلك غير مُحرَّم. وفي «مصنف» ابن أبي شيبة: عن سعيد بن

стр. 329

جبير: ((كان النبي ﷺ ربما أطال ركعتي الفجر))، وقال مجاهد: لا بأس أن يُطيلَ ركعتي الفجر، وبالغ قومٌ فقالوا: لا قراءة فيهما، حكاه عياض والطحاوي. والحديثُ الصحيح يرُدُّ ذلك، وهو: ((كان النبي ﷺ يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وفي الثانية بالفاتحة و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١])). وفي رواية ابن عباس: كان يقرأ فيهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وبقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤]. واستحب مالك الاقتصار على الفاتحة، على ظاهر قول عائشة ﵂: ((كان يخففهما حتى إني لأقول قد قرأ فيهما بأم الكتاب؟)). وفي «فضائل القرآن العظيم» لأبي العباس الغافقي: أمر رجلًا شكى إليه شيئًا أن يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب وسورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١]، وفي الثانية بالفاتحة وسورة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ [الفيل: ١]. وفيه: استحباب الاضطجاع على الأيمن عند النوم، وهو سُنَّةٌ عند البعض، واجبٌ عند الحسن البصري، وذكر القاضي عياض: أن عند مالك وجمهور العلماء وجماعة من الصحابة بدعة. قال العيني: يعني الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وفي «سنن أبي داود والترمذي» بإسناد صحيح على شرط الشيخين، من حديث أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صلى أحدكم الفجر فليضطجع على يمينه)). واعلم أنه ثبت في «الصحيح» : ((أنه ﵇ كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر فيها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين))، فهذا الاضطجاع كان بعد صلاة الليل، وقبل صلاة ركعتي الفجر. قال العيني: ولم يقل أحد إن الاضطجاع قبلهما سنة، فكذا بعدَهما. وقد روي عن عائشة ﵂ قالت: ((إنْ كنت مستيقظةً حدثني وإلا اضطجع)). فهذا يدُلُّ على أنه ليس بسنة، وأنه تارة كان يضطجع قبل وتارة بعد وتارة لا يضطجع. انتهى. قلتُ: حديث أبي هريرة المتقدم آنفاً يدل على أن اضطجاع بعد ركعتي الفجر سنة. انتهى. وفيه: استحباب إتيان المؤذن إلى الإمام الراتب وإعلامِه بحضور الصلاة. وفيه: مراعاةُ الوقت للمؤذن وأن الإمام يجعل إليه ذلك. وفيه: دلالةٌ على أن الانتظار للصلاة في البيت كالانتظار في المسجد، ولو لم يكن كذلك لخرج النبي ﷺ إلى المسجد ليأخذ لنفسه بحظها من فضيلة الانتظار. قال الداودي: في حديث عائشة دلالة أن المؤذن لا يكون إلا عالماً بالأوقات، أو يكون من يعرِّفُه بها. وفيه: تعجيلُ ركعتي الفجر عند طلوع الفجر، وقد كره جماعةٌ من العلماء - منهم الحنفية - التنفلَ بعد أذان الفجر إلى صلاة الفجر بأكثر من ركعتي الفجر، لِما في مسلم عن حفصة ﵂: ((كان ﵇ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين)). وعند أبي داود: عن يسار مولى ابن عمر قال: رآني عبد الله وأنا أصلي بعد طلوع الفجر، فقال: يا يسار إن رسول الله ﷺ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال: ((لا تصلوا بعد الفجر إلا ركعتين)). وقال أبو عيسى: حديث غريبٌ لا نعرِفُه إلا من حديث قدامة بن موسى. وهذا مما أجمع عليه أهل العلم، كرِهوا أن يصليَ الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر،

стр. 330

وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد، ولأصحاب الشافعي فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مثلُ الجماعة، الثاني: لا تدخل الكراهة حتى يصلي سنة الفجر، الثالث: لا تدخل الكراهة حتى يصلي الصبح، وقال النووي: وهو الصحيح. (١٦) بَابٌ: بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ لِمَنْ شَاءَ أي هذا باب في بيان أنَّ بين كلِّ أذانين صلاة، وقد قلنا: إن المراد من الأذانين: الأذانُ والإقامةُ بطريق التغليب، كالقمرين والعُمرين ونحوِهما، لا يقال: هذا الباب تكرارٌ لأنه ذُكر قبل الباب الذي قبل هذا الباب، لأنَّا نقول: إنه ذُكِر هناك ببعض ما دل عليه لفظ حديث الباب، وههنا ذُكِر بلفظِ الحديث، وأيضًا لَمَّا كانَ بعضُ اختلافٍ في رواة الحديث وفي متنه ذَكَرَهُ بترجمتين بحسب ذلك. ٦٢٧ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) أي أبو عبد الرحمن المقرئ مولى آل عمر البصري ثم المكي، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، روى عنه البخاري، وروى عن علي بن المديني عنه في الأحكام، وعن محمد غيرِ منسوب عنه في البيوع، وروى عنه مسلم بواسطة. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا كَهْمَسُ) أي بفتح الكاف وسكون الهاء وفتح الميم وبالسين المهملة: ابنُ الحسن مكبر النَّمَري - بالنون والميم المفتوحتين - القيسي، مات سنة تسع وأربعين ومائة، وباقي الرواة وما يتعلق بالحديث قد ذكرناه. فإن قلتَ: ما الفرق بين عبارة حديث ذاك الباب وعبارة حديث هذا الباب؟ قال العيني: الحديثُ الذي هنا يفسر ذاك الحديث، والأحاديثُ تفسر بعضها بعضاً. وقوله هناك: ((ثلاثًا))، من لفظ الراوي أي: قالها ثلاث مرات، وتُبيِّنُ ذلك روايةُ النَّسائي: ((بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة)). وقال الكِرماني: فإن (١) قلتَ: ما التوفيقُ بينه حيث قيد الثالثة بقوله: ((لمن شاء))، وبين المطلَق الذي ثَمَّةَ؟ قلتُ: هذا في الكَرَّتين الأوليين مطلقٌ، وذاك مقيد بقوله: ((لمن شاء)) في المرات، والمطلق يُحمل على المقيد عند الأصوليين، وأيضاً ثمة نقلُ الزيادة في الأوليين، وزيادةُ الثقة مقبولة عند المحدثين. انتهى. قال العيني: مشيئة الصلاة مرادة بين كل أذانين على أي وجه كان، ألا ترى أن عند الترمذي قالها مرةً، وقال في الرابعة: ((لمن شاء))، وعند أبي داود قالها مرتين، وعند البخاري ثلاثاً، وعند النسائي ثلاث مرات مكررة بغير لفظ العدد. (١٧) بَابُ مَنْ قَالَ: لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ أي هذا باب في بيان قول من قال... إلى آخره، وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن واحداً من المسافرين إذا أَذَّنَ يكفي ولا يُحتاج إلى أذان البقية، لأنه ربما كان يُتَخيَّل أنه لا يكفي الأذان إلا من جميعهم، لأن حديث الباب (٢) يدل ظاهراً أن الأذان في السفر لا يتكرر، سواء كان في الصبح أو غيره. قال شيخنا: كأنه يشير إلى ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح: أن ابن عمر كان يؤذن للصبح في السفر أذانين. وهذا مصيرٌ منه إلى التسوية بين الحضر والسفر، وظاهرُ حديث الباب

стр. 331

أن الأذان في السفر لا يتكرر، لأنه لم يفرِّق بين الصبح وغيرِها، والتعليلُ الماضي في حديث ابن مسعود يؤيده، وعلى هذا فلا مفهوم لقوله: مؤذن واحد في السفر. لأن الحضر أيضاً لا يؤذِّنُ فيه إلا واحد، ولو احتيج إلى تعدُّدِهم لِتباعُدِ أقطار البلد أَذَّنَ كلُّ واحد في جهة ولا يؤذنون جميعاً. وقد قيل: إن أول من أحدث التأذين جميعاً بنو أمية. وقال الشافعي في «الأم» : وأُحِبُّ أن يؤذِّنَ مؤذنٌ بعدَ مؤذن ولا يؤذن جماعة معاً، وإن كان مسجدٌ كبير فلا بأس أن يؤذِّنَ في كل جهة منه مؤذن يُسمِعُ من يليه في وقت واحد. ٦٢٨ - قوله: (حَدَّثَنَا (١) مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) أي بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد اللام المفتوحة: أبو الهيثم البصري العمري، أخو بهز بن أسد، مات بالبصرة في شهر رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين، ترجمتُه أيضاً في باب المرأة تحيض بعد الإفاضة. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) أي مُصغَّرُ وهب، ابنُ خالد البصري الكرابيسي، ترجمتُه في باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد. قوله: (عَنْ أَيُّوبَ) أي السختياني، ترجمتُه في باب حلاوة الإيمان. قوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) أي بكسر القاف، عبدُ الله بن زيد، ترجمتُه في باب حلاوة الإيمان. قوله: (عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ) أي مصغر الحارث، بالثاء المثلثة: ابنُ أشيم الليثي، ترجمتُه في باب تحريض النبي ﷺ وفدِ عبد القيس. في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن رواته كلهم بصريون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي على قول من قال: إن أيوب رأى أنس بن مالك. قوله: (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَحِيمًا رَقِيقًا، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهْلِينَا، قَالَ: «ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَصَلُّوا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) مطابقته للترجمة في قوله: (فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ). هذا الحديثُ أخرجه البخاري أيضًا في الصلاة عن سليمان بن حرب، وفي خبر الواحد عن محمد بن المثنى، وفي الأدب عن مسدد، وفي الصلاة أيضاً عن محمد بن يوسف، وفيه وفي الأدب أيضاً عن مسدد، وفي الجهاد عن أحمد بن يونس. وأخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن زهير بن حرب، وعن أبي الربيع الزهراني، وخلف بن هشام، وعن إسحاق بن إبراهيم وعن أبي سعيد الأشج. وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد. وأخرجه الترمذي فيه عن محمود بن غيلان. وأخرجه النسائي فيه عن حاجب بن الوليد وعن زياد بن أيوب وعن علي بن حجر. وأخرجه ابن ماجه فيه عن بشر بن هلال الصواف. قوله: (فِي نَفَرٍ) بفتح الفاء: عِدةُ رجال من ثلاثة إلى عشرة، والنفير مثلُه ولا واحدَ له من لفظِه، وسُمُّوا بذلك لأنهم إذا حَزَبَهُم أمرٌ اجتمعوا ثم نَفَروا إلى عدوِّهم. وفي «الواعي» : ولا يقولون عشرون نفرًا ولا ثلاثون نفرًا. قوله: (مِنْ قَوْمِي) هم بنو ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة. وكان قدوم وفد

стр. 332

بني ليث فيما ذكره ابن سعد بأسانيد متعددة أن وائلة الليثي قدِمَ على رسول الله ﷺ وهو يجهز لتبوك. قوله: (فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ) أي عند النبي ﷺ . قوله: (عِشْرِينَ لَيْلَةً) المراد بأيامها، بدليل الرواية الثانية في الباب: بعد عشرين يوما وليلة. قوله: (وَكَانَ رَحِيمًا) بمعنى: ذا رحمة وشفقة ورقة قلب. قوله: (رَقِيقًا) بقافين في رواية الأصيلي، وقيل: والكُشْمِيهَني أيضًا، ومعناه: كان رقيق القلب، وفي رواية غيرهما: <رفيقاً>. بالفاء أولاً ثم بالقاف، من الرفق. وقال النووي: رواية البخاري بوجهين: بالقافين وبالفاء والقاف، ورواية مسلم بالقافين خاصةً. وقال ابن قرقول: رواية القابسي بالفاء، والأصيلي وأبي الهيثم بالقاف. قوله: (إِلَى أَهْلِينَا) هو جمعُ أهل، والأهل من النوادر حيث يُجمَع مكسراً نحو: الأهالي، ومصحَّحًا بالواو والنون نحو: الأهلون، وبالألف والتاء نحو: الأهلات. قوله: (ارْجِعُوا) من الرجوع لا من الرَّجع. قوله: (وَصَلُّوا) زاد في رواية إسماعيل بن عُلَيَّة عن أيوب: ((كما رأيتموني أصلي)). وهو في باب رحمة الناس والبهائم في كتاب الأدب. ومثله في باب خبر الواحد من رواية عبد الوهاب الثقفي عن أيوب. قوله: (فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ) يعني: إذا حان وقتها. قال شيخنا: وجه مطابقته للترجمة مع أن ظاهرَه يخالفُها لقوله: ((كُونُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ... فَإِذَا حَضَرَتِ)). فظاهره أن ذلك بعد وصولهم إلى أهليهم وتعليمهم. لكن المصنف أشار إلى الرواية الآتية في الباب الذي بعد هذا فإن فيها: ((فإذا أنتما خرجتما فأذِّنا)). ولا تعارُضَ بينَهُما أيضًا وبين قوله في هذه الترجمة: (مُؤَذِّنٌ)، لأن المراد بقوله: ((أَذِّنَا)). أي من أحب منكما أن يؤذن فليؤذن، وذلك لاستوائهما في الفضل، ولا يُعتبر في الأذان السنُّ بخلاف الإمامة، وهو واضح من سياق حديث الباب حيث قال: (فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ). انتهى. وقال الكِرماني: قد يقال: فلان قتله بنو تميم، مع أن القاتلَ واحدٌ منهم، وكذا في الإنشاء يقال: يا تميم قفا نبك ومراده الخطاب للواحد، وكذلك يأتي في الجمع. وقال التيمي: المراد من قوله: ((أَذِّنَا)) الفضلُ وإلا فأذان الواحد يجزئ. انتهى. واعلم أنه وقع في لفظ هذا الحديث اختلافُ الرواية ههنا: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي). وعن خالد عن أبي قلابة في باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة: أتى رجلان النبي ﷺ يريدان السفر، فقال: ((إذا أنتما خرجتما فأذِّنا ثم أقيما ثم ليؤمكما أكبركما)). وفي باب الاثنان فما فوقهما جماعة: ((إذا حضرت الصلاة فأذِّنَا)) الحديث. وفي باب إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم: قَدِمْنَا على النبي ﷺ ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، وفيه: ((لو رجعتم إلى بلادكم

стр. 333

فعلِّمُوهُم فلْيُصلُّوا صلاةَ كذا في حين كذا، وصلاةَ كذا في حين كذا)). وفي إجازة خبر الواحد: فلمَّا ظن أنَّا قد اشتقنَا أهلَنا سألْنا عمن تركْنا بعدَنا، فأخبرناه، فقال: ((ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم، ومُرُوهُم - وذكر أشياء أحفظُها أو لا أحفظها - وصلُّوا كما رأيتموني أصلي)) الحديث. وفي باب رحمة الناس والبهائم نحوُه. وعند أبي داود: ((كنَّا يومئذ متقارِبِين في العلم)). وفي رواية لأبي قلابة: فأين القرآن؟ قال: إنهما كانا متقارِبِين. وفي رواية ابن حزم: متقارنين، بالنون في الموضعين، من المقارنة. يقال: فلانٌ قرينُ فلان، إذا كان قرينَه في السِّنِّ، وكذا إذا كان في العلم. وقال القرطبي: يُحتمل أن تكون هذه الألفاظ المتعددة كانت في وِفادتين أو في وِفادةٍ واحدة، غير أن النقل تكرر منه، ومن النبي ﷺ . انتهى. فيه: قال شيخنا: استُدِلَّ بهذا على أفضلية الإمامة على الأذان وعلى وجوب الأذان وبيان خطأ من نقل الإجماع على عدم الوجوب، وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في باب إذا استووا في القراءة، في أبواب الإمامة إن شاء الله تعالى. انتهى. فيه: الأمر بالأذان للجماعة، وهو عامٌّ للمسافر وغيره، وكافة العلماء على استحباب الأذان للمسافر، إلا عطاء فإنه قال: إذا لم يؤذِّن ولم يُقِم أعاد الصلاة، وإلا مجاهدًا فإنه قال: إذا نسي الإقامة أعاد، وأَخَذَا بظاهر الأمر، وهو: أذِّنَا وأقيما. وقيل: الإجماع صارف عن الوجوب. قال العيني: وفيه نظر، وحكى الطبري عن مالك أنه: يعيد إذا ترك الأذان، ومشهورُ مذهبه الاستحباب. وفي «المختصر» عن مالك: ولا أذان على مسافر، وإنما الأذان على من يُجتمَع إليه لتأذينه، وبوجوبه (١) على المسافر قال داود. قالت طائفة: هو مخيَّر، إن شاء أذَّنَ وأقام. روي ذلك عن علي ﵁، وهو قول عروة والثوري والنخعي. وقالت طائفة: تُجزئه الإقامةُ، رُوي ذلك عن مكحول والحسن والقاسم، وكان ابن عمر يقيم في السفر لكل صلاة إلا الصبح فإنه كان يؤذن لها ويقيم. وقال قاضي خان من الحنفية: رجلٌ صلى في سفر أو في بيته بغير أذان وإقامة يُكره. قال: فالكراهة مقصورة على المسافر، ومَن صلَّى في بيته فالأفضل له أن يؤذِّنَ ويُقيمَ ليكون على هيئة الجماعة، ولهذا كان الجهرُ بالقراءة في حقِّه أفضل. وقال القرطبي في قوله: ((ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا)) يدل على تساويهما في شروط الإمامة، ورجَّحَ أحدهما بالسن. قال العيني: لأن هؤلاء كانوا مُستوين في باقي الخصال، لأنهم هاجروا جميعًا، وأسلموا جميعًا وصحبوا رسول الله ﷺ ولازموه عشرين ليلة، فاستوَوا في الأخذ عنه. فلم يبق ما يُقدَّم به إلا السن. وفيه: حجة لأصحابنا - أي الحنفية - في تفضيل الإمامة على الأذان لأنه ﵇ قال: ((لْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا)) خَصَّ الإمامةَ بالأكبر. انتهى. وفيه: دليلٌ على أن الجماعة تصِحُّ بإمام ومأموم، وهو إجماع المسلمين. وفيه: الحض على المحافظة

стр. 334

على الأذان في الحضر والسفر. وفيه: أن الأذان والجماعة مشروعان على المسافرين. انتهى. قلت: وفيه الرحلة لطلب العلم. وفيه: جواز مفارقة المتعلم شيخَه لاشتياقه إلى أهله. وفيه: رحمةُ الشيخ لتلميذه وإعانتُه له على مطلوبه بالإذن له فيما يرومُه من أمر الدنيا المباح. وفيه: رحمة النبي ﷺ ورقةُ قلبه. وفيه: محبةُ الأهل والاشتياق إليهم. وفيه: جواز ترك الأفضل لأجل المفضول. انتهى. (١٨) بَابُ الأَذَانِ لِلْمُسَافِرِين، إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً، وَالإِقَامَةِ أي هذا باب في بيان حكم الأذان للمسافرين، وأشار بهذه الترجمة إلى أن للمسافر أن يؤذن. وقوله: (إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً) هو مقتضى أحاديث الباب، ولكن ليس فيها ما يمنع أذان المنفرد. وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يقول: إنما التأذين لجيش أو ركب عليهم أميرٌ فينادى بالصلاة فيجتمعوا لها، فأما غيرهم فإنما هي الإقامة. وقوله: (لِلْمُسَافِرِين) بلفظ الجمع هو رواية الكُشْمِيهَني، وهو مناسب لقوله: (إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً)، وفي رواية الباقين: <لِلْمُسَافِرِ> بلفظ الإفراد، فيؤوَّل أن تكون الألف واللام فيه للجنس، وفيه معنى الجمع فحصلت المناسبة من هذا الوجه. قوله: (وَالإِقَامَةِ) بالجر عطفا على الأذان. قوله: (وَكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ وَجَمْعٍ) أي: وكذلك الأذان والإقامة بعرفة وجمع، بفتح الجيم وسكون الميم، وهو المزدلفة، سميت بجمع لاجتماع الناس فيها ليلة العيد. وأما عرفة فإنها تطلق على التاسع من ذي الحجة، وعلى المكان وهو الموضع المعروف الذي يقف فيه الحجاج يوم عرفة. ولم يَذكر في: جمع، حديثا، فكأنه اكتفى بحديث ابن مسعود الذي ذكره في كتاب الجمع، وفيه: أنه صلى المغرب بأذان وإقامة، والعشاء بأذان وإقامة، ثم قال: ((رأيت رسول الله ﷺ يفعله))، وكذلك لم يذكر في عرفة شيئًا، وكأنه أشار إلى حديث جابر الطويل أخرجه مسلم، وفيه: ((أن بلالًا أذَّن وأقام لَمَّا جمع النبي ﷺ بين الظهر والعصر يوم عرفة)). قوله: (وَقَوْلِ المُؤَذِّنِ: الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ، فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أَوِ المَطِيرَةِ) لفظ: (قَوْلِ) مجرور أيضًا عُطِفَ على قوله: (وَالإِقَامَةِ) وإلى هنا كله من الترجمة. وقوله: (الصَّلَاةُ) بالنصب أي: أدُّوها، ويروى بالرفع على أنه مبتدأ وخبره قوله: (فِي الرِّحَالِ) تقديره: الصلاة تصلَّى في الرحال. وهو جمع رَحْل، ورحل الشخص. قوله: (وَالمَطِيرَةِ) بفتح الميم، على وزن: فعيلة، بمعنى: الماطرة. وإسناد المطر إلى الليلة بالمجاز، إذ الليل ظرفٌ له لا فاعل، وللعلماء في: أنبت الربيع البقل، أقوال أربعة: مجاز في الإسناد، أو في أنبت، أو في الربيع - وسماه السكاكي: استعارة بالكناية -، أو المجموعُ مجازٌ عن المقصود، وذكر الإمام الرازي أنه المجاز العقلي، وإنما لم يجعل المطيرة بمعنى الممطور فيها لأن فعيلة إنما تُجعل بمعنى مفعولة

стр. 335

إذا لم يُذكر موصوفُها معها، وهنا الليلةُ موصوفُها مذكور، فلذلك دَخَلَها تاء التأنيث. ٦٢٩ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أي الأزدي الفراهيدي القصاب البصري من أفراد البخاري، ترجمته في زيادة الإيمان ونقصانه. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ المُهَاجِرِ أَبِي الحَسَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ»، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ»، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ» حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ). فإن قلتَ: لا دلالة هنا على الإقامة، والترجمةُ مشتمِلة على الأذان والإقامة معاً؟ قال العيني: المقصود هو الدلالة في الجملة، ولا يلزم الدلالة صريحًا على كل جزء من الترجمة، ومن لا يَترك الأذان في السفر مع كونه مظنة التخفيف لا يترك الإقامة التي هي أخفُّ من الأذان. انتهى. مطابقته للترجمة من حيث إن المؤذن أراد أن يؤذن فأمره النبي ﷺ بالإبراد ثلاث مرات، ولم يتعرض إلى ترك الأذان، فدل أنه أذَّن بعد الإبراد الموصوف وأقام، وأنه ﵇ مع الصحابة كانوا في سفر، فطابق الحديثُ الترجمة من هذه الحيثية. وهذا الحديث بعينه ولفظِه قد مَرَّ في باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، وفي الباب الذي يليه بابِ الإبراد بالظهر في السفر، مع اختلافٍ يسير في الرواة والمتن، فإنه في الكل عن شعبة... إلى آخره، غير أن شيخه في الأول: عن محمد بن بشار عن غُندَر عن شعبة، وفي الثاني: عن آدم عن شعبة، وههنا - كما رأيتَ - عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة. قوله: (سَاوَى) أي: صار الظلُّ مساويًا التَّلَّ، أي مثلَه. وقال الكِرماني: فإن قلتَ: فحينئذ يكون أول وقت العصر عند الشافعية، ولا يجوز تأخير الظهر إليه؟ قلتُ: لا نسلم، إذْ ليس وقتُ الظهر مجردَ كون الظل مثلَه، بل هو بعد الفيء فهو مقدار الفيء وظل المثل كليهما. قال العيني: أول وقت العصر عند صيرورة ظل كل شيء مثليه، وبين مساواة الظل المثل وكونِ ظل كل شيء مثليه آنات عديدة. انتهى. ٦٣٠ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) أي الفَريابي. قال شيخنا: وبذلك صرح أبو نعيم في «المستخرج». انتهى. ترجمته في باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي الثوري، ترجمته في باب علامات المنافق. قال شيخنا: وقد روى البخاري عن محمد بن يوسف أيضًا عن سفيان بن عيينة لكنه محمد بن يوسف البِيكَندي وليست له روايةٌ عن الثوري والفَريابي، وإن كان يروي أيضًا عن ابن عيينة لكنه إذا أَطلَقَ سفيان فإنما يريد به الثوري وإذا روى عن ابن عيينة بَيَّنَهُ

стр. 336

وقد قدَّمْنا ذلك. انتهى. قوله: (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) ترجمته في باب قول النبي ﷺ اللهم علمه الكتاب. قوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) مرّ عن قريب. قوله: (عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ) مرّ أيضاً عن قريب. في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. قوله: ((أَتَى رَجُلَانِ النَّبِيَّ ﷺ يُرِيدَانِ السَّفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا، فَأَذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا َكْبَرُكُمَا)). مطابقته للترجمة ظاهرة. فإن قلتَ (١) : الترجمةُ لجمع المسافرين، والحديث للتثنية؟ قال العيني: للتثنية حكم الجمع. وفيه: الأذان والإقامة صريحان، وقد مر الكلام فيه في الباب السابق. قوله: (رَجُلَانِ) هما مالك بن الحويرث راوي الحديث ورفيقه، وسيأتي في باب سفر الإثنين من كتاب الجهاد: ((انصرفتُ من عند النبي ﷺ ، أنا وصاحب لي)). قال شيخنا: ولم أر في شيء من طرقه تسمية صاحبه. انتهى. قوله: ((فَأَذِّنَا)) قال أبو الحسن بن القصار أراد به الفضلَ وإلا فأذانُ الواحد يجزئ. وكأنه فهم منه أنه أمرهما أن يؤذِّنَا جميعًا كما هو ظاهر اللفظ. فأراد أنهما يؤذنان معاً وليس ذلك بمراد، وقد قدَّمْنا النقلَ عن السلف بخلافه. وإن أراد أنَّ كلًّا منهما يؤذِّنُ على حِدةٍ ففيه نظر، فإنَّ أذان الواحد يكفي الجماعة. نعم، يُستحب لكل أحد إجابةُ المؤذن، فالأوْلى حملُ الأمرِ على أنَّ أحدهما يؤذِّنُ والآخر يجيب. وقد تقدم له توجيهٌ آخرُ في الباب الذي قبلَه، وأنَّ الحاملَ على صرفِه عن ظاهره قولُه فيه: ((فليؤذن لكم أحدكُم)). وللطبراني من طريق حماد بن سلمة عن خالد الحذاء في هذا الحديث: ((إذا كنتَ مع صاحبك فأذن وأقم وليؤمَّكُما أكبركُما)). قوله: (ثُمَّ أَقِيمَا) قال شيخنا: فيه حجة لمن قال باستحباب إجابة المؤذن بالإقامة إنْ حُمِل الأمرُ على ما مضى وإلا فالذي يؤذِّنُ هو الذي يقيم. قال شيخنا: تنبيهٌ وقع هنا في رواية أبي الوقت: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب عن أيوب، فذكر حديث مالك بن الحويرث مطولاً نحو ما مضى في الباب قبله، وسيأتي بتمامه في باب خبر الواحد، وعلى ما ذُكِر هنا اقتصر باقي الرواة. انتهى. قوله: (ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا) قال القرطبي: يدل على تساويهما في شروط الإمامة، ورُجِّح أحدُهما بالسن، وقال ابن بَزِيزَة: يجوز أن يكون أشار إلى كِبَر الفضل والعلم. ٦٣١ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) ترجمته في باب حلاوة الإيمان. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) أي ابنُ عبد المجيد البصري، ترجمته في باب ما يكره من النوم قبل العشاء. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) أي السختياني، ترجمته في باب حلاوة الإيمان. قوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) أي المنبَّهِ عليه في السند السابق. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ) أي المنبَّهِ عليه أيضًا. قوله: ((قَالَ: أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَكَانَ

стр. 337

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا - أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا - سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ - وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لَا أَحْفَظُهَا - وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ)). مطابقته للترجمة ظاهرة، والكلام في أكثر الحديث قد مضى في الباب السابق. قوله: (شَبَبَةٌ) على وزن: فَعَلَة. قال العيني: وهو جمعُ شاب. و (مُتَقَارِبُونَ) صفته أي في السن. قوله: (سَأَلَنَا) بفتح اللام. قوله: (أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا) شكٌّ من الراوي، ويُروَى: <وقد اشتقنا> بواو العطف بغير شك. قوله: (إِلَى أَهْلِيكُمْ) ويروى: <إلى أهاليكم>. قوله: (أَوْ لَا أَحْفَظُهَا) شكٌّ من الراوي. ٦٣٢ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسَرْهَد، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه. قوله: (قَالَ: حدَّثنَا يَحْيَى) أي القطان، ترجمته في الباب أيضاً. قوله: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) أي ابن حفص، ترجمته في باب الصلاة في مواضع الإبل. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ) أي مولى ابن عمر، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد. قوله: (قَالَ: أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان. قوله: (فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، وَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ، أَوِ المَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ). مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن ابن عمر هو الذي أذن، ثم قال: صلوا في رحالكم. التي هي قوله: (وقول المؤذن الصلاة في الرحال...) إلى آخره. قوله: (بِضَجْنَانَ) بفتح الضاد المعجمة وسكون الجيم بعدها نونٌ وبعد الألف نون أخرى، على وزن فَعْلَان غير مصروف. قال صاحب «الصحاح» وغيرُه: وهو جبل بناحية مكة. وقال أبو موسى في (١) «ذيل الغريبين» : وهو موضع أو جبل (٢) بين مكة والمدينة. وقال صاحب «المشارق» ومن تبعه: هو جبل على بريد من مكة. وقال صاحب «الفائق» : بينه وبين مكة خمسة وعشرون ميلاً، وبينه وبين وادي مُريسعة أميال. قال شيخنا: وهذا القدْرُ أكثر من بريدين، وضبْطُه بالأميال يدل على مزيد اعتناءٍ، وصاحبُ «الفائق» ممن شهد تلك الأماكن واعتنى بها بخلاف من تقدم ذِكرُه ممن لم يرها أصلًا. ويؤيده ما حكاه أبو عبيد البلوي قال: وبين قديد وضجنان يوم، قال معبد الخزاعي: قد نفرت من رفقتي محمد... تَهْوِي على دين أبيها الأتلد قد جعلت ماء قُدَيد موعدي... وماء ضَجْنان لنا ضحى الغد قوله: (وَأَخْبَرَنَا) عطف على قوله: (أَذَّنَ). والمخبِر هو ابن عمر. قوله: (كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا) في رواية مسلم: ((كان يأمر المؤذن)). قوله: (ثُمَّ يَقُولُ) عطف على قوله: (يُؤَذِّنُ). قوله: (عَلَى إِثْرِهِ) بكسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة وفتحها: ما بقي من رسم الشيء.

стр. 338

قوله: (فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ) ظرفُ لقوله: (كَانَ يَأْمُرُ). قوله: (ثُمَّ يَقُولُ) يُشعر بأن القول به بعد الأذان. فإن قلتَ: قد تقدم في باب الكلام في الأذان أنه كان في أثناء الأذان؟ قال العيني: يجوز كلاهما، وهو نص الشافعي أيضًا في «الأم». لكن الأولى أن يقال: بعد الأذان. وقال القرطبي - لَمَّا ذكر رواية مسلم بلفظ: ((يقول في آخر ندائه)) -: يحتمل أن يكون المراد في آخره قبيل الفراغ منه جمعاً بينه وبين حديث ابن عباس. قال شيخنا: وقد قدمنا في باب الكلام في الأذان عن ابن خزيمة أنه حَمَل حديثَ ابن عباس على ظاهره وأن ذلك يقال بدلًا من الحيعلة نظراً إلى المعنى، لأن معنى «حي على الصلاة» : هلموا إليها. ومعنى «الصلاة في الرحال» : تأخروا عن المجيء. فلا يناسب إيراد اللفظين معًا لأن أحدهما نقيض الآخر. قال: ويمكن الجمع بينهما، ولا يلزم منه ما ذُكِر بأن الصلاة نُدِبَ لمن أراد أن يستكمل (١) الفضيلة ولو تحمل المشقة. ويؤيد ذلك حديثُ جابر عند مسلم قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فمُطرنا فقال: ((لِيصلِّ من شاء منكم في رَحله)). انتهى. قلتُ: وتقدم مذاهب العلماء في ذلك. قوله: (أَلَا) كلمة تنبيهٍ وتحضيض، ومرَّ تفسيرُ (المَطِيرَةِ) وكلمة «أو» فيه للتنويع لا للشك. وفي «صحيح أبي عوانة» : ((ليلةٍ باردة أو ذاتِ مطر أو ذات ريح)). وهذا يدل على أن كل واحد من هذه الثلاثة عذر في التأخر عن الجماعة. ونقل ابن بطال فيه الإجماع. قال العيني: لكن المعروف عند الشافعية أن الريح عذر في الليل فقط. وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل، ولكن جاء في «السنن» من طريق ابن إسحاق عن نافع في هذا الحديث: ((في الليلة المطيرة والغداة القَرَّة)). وفيها بإسنادٍ صحيح من حديث أبي المليح عن أبيه: أنهم مُطِروا يومًا فرخص لهم. قال شيخنا: ولم أر في شيء من الأحاديث الترخصَ بعذر الريح في النهار صريحًا، لكنَّ القياس يقتضى إلحاقه. وقد نقله ابن الرِّفعة وجهًا. انتهى. قوله: (فِي السَّفَرِ) ظاهره اختصاص ذلك في السفر. ورواية مالك عن نافع الآتية في أبواب صلاة الجماعة مطلقةٌ وبها أخذ الجمهور، لكن قاعدةَ حمل المطلق على المقيد يقتضي أن يختص ذلك بالمسافر مطلقًا، ويلحق به من تلحقه بذلك مشقة في الحضَر دون مَن لا تلحقه. والله أعلم. ٦٣٣ - قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) وقع في رواية أبي الوقت أنه ابن منصور، وبذلك جزم خلف في الأطهار (٢)، وقد تردد الكلاباذي: هل هو ابن إبراهيم أو ابن منصور؟ ورجح الجِيَّاني أنه ابن منصور، واستدل على ذلك بأن مسلماً أخرج هذا الحديث بهذا الإسناد عن إسحاق بن منصور. قال العيني: وفيه نظر لا يخفى. ترجمه إسحاق بن إبراهيم في باب فضل من عَلِم وعَلَّم، وكذلك إسحاق بن منصور. قوله: (أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) أي أبو عوانة المخزومي، ترجمته في باب زيادة الإيمان: قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ) أي بضم العين المهملة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة. واسمه (٣).

стр. 339

قوله: (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) ترجمته في باب الصلاة في الثوب الأحمر. قوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي أبو جُحَيْفَة، بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الفاء، وَهَبُ بن عبد الله السَّوائي، ترجمته في باب كتابة العلم. في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد، والعنعنة في موضعين، والقول في موضع. قوله: (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالأَبْطَحِ، فَجَاءَهُ بِلَالٌ ﵁ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَرَجَ بِلَالٌ بِالعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالأَبْطَحِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ). مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن فيه الأذانُ والإقامة والنبي ﷺ مع أصحابه في السفر. والحديثُ قد مرَّ في باب سترةُ الإمام سترة لمن خلفه، وقد ذكرنا هناك أنه أخرجه في مواضع في كتاب الطهارة وكتاب الصلاة. قوله: (آذَنَهُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَرَجَ بِلَالٌ) اختصره المصنف، وقد أخرجه الإسماعيلي من طُرُقٍ عن جعفر بن عون فقال بعد قوله (بِالصَّلَاةِ) : ((فدعا بوضوء فتوضأ)) فذكر القصة. قوله: (وَأَقَامَ الصَّلَاةَ) اختَصَرَ بقيِّتَه (١) وهي عند الإسماعيلي أيضاً وهي: ((وركزها بين يديه والظعن يمرون)). الحديث. قوله: (بِالأَبْطَحِ) هو موضع معروف خارجَ مكة، وقد بيَّنَّاه في باب سترة الإمام سترة لمن خلفه مع الكلام على الحديث. وفهم بعضهم أن المراد بالأبطح: جَمْعٌ، فذكر ذلك في الترجمة وليس ذلك مراده بل بين جَمْعٍ والأبطح مسافة طويلة. وإنما أورد حديث أبي جحيفة لأنه يدخل في أصل الترجمة وهي مشروعية الأذان والإقامة للمسافر. (١٩) بَابٌ: هَلْ يُتْبِعُ المُؤَذِّنُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا، وَهَلْ يَلْتَفِتُ فِي الأَذَانِ أي هذا باب يُذكر فيه: هل يتبع المؤذن... إلى آخره. قوله: (يُتْبِعُ) بضم الياء آخر الحروف وإسكان التاء المثناة من فوق وكسر الباء الموحدة، من الإِتْبَاع، وهو رواية الأصيلي، وفي رواية غيره: بياء تحتانية ثم بتاءين مفتوحات ثم موحدة مشددة، من التَّتَبُّع. و (المُؤَذِّنُ) مرفوع لأنه فاعلُ (يُتْبِعُ). و (فَاهُ) منصوب على أنه مفعول. وقال الكِرماني: لفظ (المُؤَذِّن) بالنصب وفاعله محذوف تقديره: الشخص ونحوه. و (فَاهُ) بالنصب بدلٌ من المؤذن. قال: ليوافق قوله في الحديث: (فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ). انتهى. وليس ذلك بلازم لما عُرف من طريقة البخاري أنه لا يقف مع اللفظ الذي يورِده غالبا بل يترجم ببعض ألفاظه الواردة فيه. وكذا وقع (هَهُنَا) فإن في رواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عند أبي عوانة في «صحيحه» : ((فجعل يتبع بفيه يمينا وشمالًا)). وفي رواية وكيع عن سفيان عند الإسماعيلي: ((رأيت بلالًا يؤذِّنُ يتتبع بفيه)) ووصَف سفيان: يميل برأسه يميناً وشمالاً. والحاصل أن بلالا كان يتبع بفيه الناحيتين، وكان أبو جحيفة ينظر إليه وكل منهما متبع باعتبار. قوله: (هَهُنَا وَهَهُنَا) ظرفَا مكان، والمراد: يمينًا وشمالًا. وفي «صحيح مسلم» من حديث أبي جحيفة: ((فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا، يقول يمينًا وشمالًا: حي على الصلاة حي على الفلاح)). وعند أبي داود: ((فلما بلغ: حي على الصلاة حي على الفلاح،

стр. 340

لوى عنقه يميناً وشمالاً ولم يستدر)). وعند النسائي: ((فجعل يقول في أذانه هكذا، ينحرف يميناً وشمالاً)). وعند الطبراني: ((فجعل يقول برأسه هكذا وهكذا يميناً وشمالاً حتى فرغ من أذانه)). عند الترمذي مصححاً من حديث عبد الرزاق: حدثنا سفيان عن عون عن أبيه. قال: ((رأيت بلالاً يؤذن ويدور ويتبع فاه، ههنا وههنا)). قوله: (وَهَلْ يَلْتَفِتُ) أي: هل يلتفت المؤذن في الأذان؟ نعم يلتفت، يدل عليه رواية الإسماعيلي ورواية أبي داود أيضاً تدل عليه، وسيأتي في رواية يحيى بن آدم لفظ: «والتفت». والمراد من الالتفات: أن يلوي عنقه ولا يحوِّل صدره عن القبلة، ولا يزيل قدميه عن مكانهما، وسواء المنارة وغيرها. وبه قال الثوري والأوزاعي وأبو ثور وأحمد في رواية. وقال ابن سيرين: يكره الالتفات، وهو قول مالك، إلا أن يريد إسماع الناس. وقال صاحب «التوضيح» من الشافعية: الالتفات في الحيعلتين سنة ليعم الناس بإسماعه، وخُص بذلك لأنه دعاء. وفي وجهٍ: يلتفت يميناً فيُحَيْعِل، ثم يستقبل ثم يلتفت فيُحَيْعِل، وكذلك الشمال. قال شيخنا: واختُلف أيضًا في الحَيعلتين: هل يستدير في الأوليين مرة وفي الثانيتين مرة، أو يقول حي على الصلاة عن يمينه ثم حي على الصلاة عن شماله وكذا في الأخرى؟ ورجح الثاني، لأنه يكون لكل جهة نصيب منهما. قال: والأول أقرب إلى لفظ الحديث. قال: ويلتفت في الإقامة أيضًا على الأصح، ثم ذكر أبو داود في روايته: ((ولم يستدر))، وتمامه: قال: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا قيس -يعني ابن الربيع- وحدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا وكيع عن سفيان جميعاً عن عون بن أبي جُحيفة عن أبيه، قال: ((أتيت النبي ﷺ بمكة وهو في قبة حمراء من أدم، فخرج بلال فأذن، وكنت اتتبع فمه ههنا وههنا))، قال: ((ثم خرج النبي ﷺ ، وعليه حُلَّةٌ حمراء برود يمانية قطري))، وقال موسى: قال: ((رأيت بلالاً خرج إلى الأبطح فأذن، فلما بلغ: حي على الصلاة حي على الفلاح، لوى عنقه يميناً وشمالاً ولم يستدر، ثم دخل فأخرج العَنَزة...)) وساق حديثه. وأخرجه الترمذي مصححاً من حديث عبد الرزاق: حدثنا سفيان عن عون عن أبيه، قال: ((رأيت بلالاً يؤذن ويدور ويتبع فاه ههنا وههنا)). وفي رواية ابن ماجه، قال: ((أتيت النبي ﷺ بالأبطح وهو في قبة حمراء، فخرج بلال فأذن فاستدار في أذانه وجعل إصبعيه في أذنيه)). واعترض البيهقي فقال: الاستدارة في الأذان ليست في الطرق الصحيحة في حديث أبي جُحيفة، ونحن نتوهم أن سفيان رواه عن الحجاج بن أرطأة عن عون، والحجاجُ غير محتج به، وعبد الرزاق وهِم في إدراجه. ثم أسند عن عبد الله بن محمد بن الوليد عن سفيان وليس فيه الاستدارة. وقد رويناه في حديث قيس بن الربيع عن عون، وفيه: ((ولم يستدر)). وقال الشيخ في الإمام: أما كونه غير مخرج في الصحيح فليس بلازم، وقد صححه الترمذي وهو من أئمة الشأن. وأما عبد الرزاق وهم فيه فقد تابعه مؤمل، كما أخرجه أبو عوانة

стр. 341

في «صحيحه» عن مؤمل عن سفيان به نحوه، وتابعه أيضاً عبد الرحمن بن مهدي أخرجه أبو نعيم في «مستخرجه» على كتاب البخاري. وقد جاءت الاستدارة من غير جهة الحجاج، أخرجه الطبراني عن زياد بن عبد الله عن إدريس الأزدي عن عون بن أبي جُحيفة عن أبيه، قال: ((بينا رسول الله ﷺ وحضرت الصلاة، فقام بلال فأذن وجعل إصبعيه في أذنيه، وجعل يستدير يميناً وشمالاً)). وفي «سنن الدارقطني» من حديث كامل عن أبي صالح عن أبي هريرة: ((أُمر أبو محذورة أن يستدير في أذانه)). قال شيخنا: ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة عنى استدارة الرأس ومن نفاها عنى استدارة الجسد كله، ومشى ابنُ بطال ومن تبعه على ظاهره فاستدل به على جواز الاستدارة بالبدن كله. قوله: (وَيُذْكَرُ عَنْ بِلَالٍ) أي ابن رباح وهو ابن حمامة، ترجمته في باب عظة الإمام النساء. قوله: (أَنَّهُ جَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) ذَكَر هذا التعليق بصيغة التمريض، وقد ذكرنا الآن عن ابن ماجه حديثه، وفيه: ((جعل - يعني بلال - إصبعيه في أذنيه)). وكذا في رواية الطبراني المذكورة الآن. وفي «كتاب أبي الشيخ» من حديث عبد الرحمن بن سعد بن عمار: حدثني أبي عن أبيه عن جده: ((أن رسول الله ﷺ أمر بلالاً أن يجعل إصبعيه في أذنيه)). ومن حديث ابن كاسب: حدثنا عبد الرحمن بن سعد عن عبد الله بن محمد وعمير وعمار ابني حفص عن آبائهم عن أجدادهم عن بلال: أن النبي ﷺ قال: ((إذا أذنتَ فاجعل إصبعيك في أذنيك، فإنه أرفع لصوتك)). وذكر ابن المنذر في كتاب «الأشراف» : أن أبا محذورة جعل إصبعيه في أذنيه، زاد في «شرح الهداية» : ضم أصابعه الأربع ووضعها على أذنيه، وفي «المصنف» لابن أبي شيبة عن ابن سيرين: أنه كان إذا أذن استقبل القبلة وأرسل يديه، فإذا بلغ: الصلاة والفلاح، أدخل إصبعيه في أذنيه. وفي «الصلاة» لأبي نُعيم عن سهل بن سعد (١)، قال: ((من السنة أن تدخل إصبعيك في أذنيك)). وكان سويد بن غفلة يفعله، وكذا ابن جبير، وأمر به الشعبي وشريك. قال ابن المنذر: وبه قال الحسن وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن. وقال مالك: ذلك واسع. وقال الترمذي: عليه العمل عند أهل العلم في الأذان. وقال بعض أهل العلم: وفي الإقامة أيضاً، وهو قول الأوزاعي. وقال ابن بطال: وهو مباح عند العلماء، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة ﵁: إن جعل إحدى يديه على أذنه فحسن، وبه قال أحمد (٢). قوله: (جَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) مجاز عن الأنملة من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء، والحكمة فيه أنه يُعينه على رفع صوته، ولهذا قال في حديث ابن كاسب المذكور: ((فإنه أرفعُ لصوتك)). ويقال: إنه ربما لا يسمع صوته من به صمم، فيستدل بوضع إصبعيه على أذنيه على ذلك. ولم يبين في الحديث ما هي الإصبع، ونص النووي على أنها: المسبِّحة. ولو كان في إحدى يديه علة جعل الإصبع الأخرى في صِماخه. وصرح الروياني

стр. 342

أن ذلك لا يستحب في الإقامة لفقد المعنى الذي عُلل به، وعن بعضهم: أنه يستحب في الإقامة، كما ذكرناه عن قريب. قوله: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان. قوله: (لَا يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَهِ) ذكر هذا التعليق بصيغة التصحيح، فكأن ميله إليه. ورواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة من طريق نُسَير - بضم النون وفتح السين المهملة - ابن ذُعْلُوق - بضم الذال المعجمة وسكون العين المهملة وضم اللام وفي آخره قاف - أبو طعمة عن ابن عمر ﵄. قوله: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) أي النَّخَعي، ترجمته في باب ظُلمٌ دون ظلمٍ. قوله: (لَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) هذا التعليق وصله سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن جرير عن منصور عنه بذلك وزاد: ثم يخرج فيتوضأ ثم يرجع ليقيم. وعن قتادة وعبد الرحمن بن الأسود وحماد: لا بأس أن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء. وعن الحسن: لا بأس أن يؤذن غير طاهر، ويقيم وهو طاهر. وقال صاحب «الهداية» من الحنفية: وينبغي أن يؤذن ويقيم على طُهر، لأن الأذان والإقامة ذِكْرٌ شريف، فيُستحب فيه الطهارة، فإنْ أذَّنَ على غير وضوء جاز، وبه قال الشافعي وأحمد وعامة أهل العلم. وعن مالك: أن الطهارة شرط في الإقامة دون الأذان. وقال عطاء والأوزاعي وبعض الشافعية: شرط فيهما. وقال الحنفية: ويُكره أن يقيم على غير وضوء لما فيه من الفصل بين الإقامة والصلاة بالاشتغال بأعمال الوضوء. وعن الكرخي: لا تكره الإقامة بلا وضوء. قال العيني: ويكره عندنا أن يؤذن وهو جنب، وذكر محمد في «الجامع الصغير» : إذا أذن الجنب أحبُّ إليَّ أن يعيد الأذان، وإن لم يُعِدْ أجزأه. وقال صاحب «الهداية» : الأشبه بالحق أن يعاد أذانُ الجنب، ولا تعاد الإقامة، لأن تكرار الأذان مشروع في الجملة. قوله: (وَقَالَ عَطَاءٌ) أي ابن أبي رباح، ترجمته في باب عظة الإمام النساء. قوله: (الوُضُوءُ حَقٌّ وَسُنَّةٌ) أي ثابت في الشرع وسنة الشرع. هذا التعليق وصله عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: قال عطاء: حق وسنة مسنونة ألَّا يؤذن المؤذن إلا متوضأً، هو من الصلاة، هو فاتحة الصلاة. وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» : عن محمد بن عبد الله الأسدي، عن معقل بن عبيد الله، عن عطاء: أنه كره أن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء. وقد جاءت هذه اللفظة مرفوعة، وذكرها أبو الشيخ عن ابن أبي عاصم: حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم عن معاوية عن يحيى عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: ((لا يؤذن إلا متوضئ)). وقال البيهقي: كذا رواه معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف، والصحيح رواية يونس وغيره عن الزهري مرسلاً ولَمَّا ذكر الترمذي حديثَ يونس قال: هذا أصح، يعني من الحديث المرفوع الذي عنده من حديث الزهري عن أبي هريرة. وعند أبي الشيخ من حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال: حق وسنة مسنونة أن

стр. 343

لا يؤذِّنَ إلا وهو طاهر. وقاله علي بن عبد الله بن عباس، ورواه عن أبيه أيضاً مرفوعاً، وعند ابن أبي شيبة: أمر مجاهد مؤذنَه ألَّا يؤذن حتى يتوضأ. قوله: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ:) أي أم المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي. قوله: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) هذا التعليق وصله مسلم من حديث عبد الله البهي عن عائشة، وقال فيه الترمذي: حسن غريب. وفي إيراد البخاري له هنا إشارة إلى اختيار (١) قول النَّخَعي كما تقدم، وهو قول مالك والكوفيين، لأن الأذان من جملة الأذكار فلا يُشترط فيه ما يُشترط في الصلاة من الطهارة ولا من استقبال القبلة، كما لا يُستحب فيه الخشوع الذي ينافيه الالتفاتُ وجَعْلُ الإصبع في الأُذُن. وبهذا تعرف مناسبة ذِكْرِه لهذه الآثار والترجمة، ولاختلافِ نظر العلماء فيها أوردها بلفظ الاستفهام ولم يجزم بالحكم. قال شيخنا وقال العيني: فإن قلتَ: ذكر البخاري هنا عن بلال وابن عمر وإبراهيم وعطاء وعائشة ﵃، فما وجه ذلك في هذا الباب وليس في الترجمة ما يشتمل على شيء من ذلك؟ قلتُ: إنه لما ترجم هذا الباب بما ترجم به وذَكَر فيه الاستفهام في موضعين ولم يجزم بشيء فيهما لأجل الاختلاف الذي ذكرناه فيهما، أشار بالخلاف الذي بين بلال وابن عمر إلى أن هذا الذي شاهد بلالاً حين يتبع فاه، رآه بالضرورة أنه جعل إصبعيه في أذنيه، والذي شاهد ابن عمر لم ير منه ذلك، فكان لذكر ذلك في هذا الباب وجهٌ من هذه الحيثية. ثم أشار بالخلاف الذي بين إبراهيم وعطاء: إلى أن هذا المؤذن الذي يتبع فاه أو غيره يتبعه فاه كيف حاله؟ أهو في الطهارة أم لا؟ وهو أيضاً وجهٌ ما من هذه الحيثية. فوُجِدت المناسبة في ذِكرِ هذين الشيئين، وأدنى المناسبة كافٍ، لأن المقام إقناعي لا برهاني. وأما وجه ذِكرِ ما رُوي عن عائشة ههنا فهو لبيان عدم صحة إلحاق الأذان بالصلاة، لأن قولها: (عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) مُتناولٌ لحين الحدث. انتهى. قال شيخنا: وقد تقدم الكلام على حديث عائشة في باب تقضي الحائض المناسك من كتاب الحيض. ٦٣٤ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) أي الفَريابي، ترجمته في باب ما كان النبي يتخولهم بالموعظة. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي الثوري، ترجمته في باب علامات المنافق. قوله: (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) أي بفتح العين المهملة. وجُحَيفة بضم الجيم وفتح الحاء المهملة. واسمه وهب بن عبد الله، ترجمته في باب الصلاة في الثوب الأحمر. قوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي أبو جُحيفة. ترجمته في كتابة العلم. قوله: (أَنَّهُ رَأَى بِلَالًا يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا بِالأَذَانِ) مطابقته للترجمة ظاهرة. قوله: (هَهُنَا وَهَهُنَا بِالأَذَانِ) قال شيخنا: كذا أُورد مختصراً، ورواية وكيع عن سفيان عند مسلم أتمُّ حيث قال: ((فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يميناً وشمالاً يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح)). وهذا فيه تقييد الالتفات في الأذان وأن محلَّه عند الحيعلتين، وبوب عليه ابن خزيمة: انحرافُ المؤذن عند قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح، بفمه لا ببدنه كله. قال: وإنما يمكن الانحراف

стр. 344

بالفم بانحراف الوجه. ثم ساقه من طريق وكيع أيضًا بلفظِ ما تقدم. وفي رواية عبد الرزاق (١) عن الثوري في هذا الحديث زيادتان: إحداهما: الاستدارة، والأخرى: وضعُ الإصبع في الأذن. فأما قولُه فيه: ((ويدور)) فهو مدرج في رواية سفيان عن عون، بيَّن ذلك يحيى بن آدم عن سفيان عن عون عن أبيه قال: ((رأيتُ بلالاً أذَّن فأتبع فاه ههنا وههنا والتفت يميناً وشمالاً)). قال سفيان: كان حجاج - يعني: ابن أرطأة - يذكره لنا عن عون أنه قال: فاستدار في أذانه، فلما لَقِينَا عونًا لم يذكر فيه الاستدارة. وقد ذكرنا اختلاف الروايات فيه في أول الباب. (٢٠) بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ أي هذا باب في بيان قول الرجل: فاتتنا الصلاة، يعني: هل يكره أم لا؟ قوله: (وَكَرِهَ ابْنُ سِيرِينَ) أي بكسر السين المهملة، ترجمته في باب اتباع الجنائز. قوله: (أَنْ يَقُولَ: فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ، وَلِيَقُلْ: لَمْ نُدْرِكْ) هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة في «مصنفه» : عن أزهر عن ابن عون، قال: كان محمد - يعني: ابن سيرين - يكره أن يقول: فاتتنا الصلاة، ويقول: لم أدرك مع بني فلان. قوله: (أَنْ يَقُولَ) أي الرجل. قوله: (وَلِيَقُلْ) ويروى: <ولكن ليقل>. قوله: (وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ أَصَحُّ) هو بالرفع، لأنه كلامٌ إضافيٌّ مبتَدَأ. وقوله: (أَصَحُّ) خبره، وليس المراد منه أفعل التفضيل، لأنه إذا أريد به التفضيل يلزم أن يكون قول ابن سيرين صحيحًا وقولُ النبي ﷺ أصح منه، وليس كذلك، وإنما المراد بالأصح: الصحيح، لأنه قد يُذكر أفعل ويراد به التوضيح لا التفضيل. وهذا كلام البخاري رادٌّ على بن سيرين، ووجه الرد أن الشارع أطلق لفظ الفوات فدل على الجواز، وابنُ سيرين مع كونه كرهه فإنما هو من جهة اللفظ لأنه قال: (وَلِيَقُلْ لَمْ يُدْرِكْ) وهذا مُحصِّل معنى الفوات. لكن قوله: (لَمْ يُدْرِكْ) فيه نسبة عدم الإدراك إليه بخلاف: (فَاتَتْنَا). قال شيخنا: فلعل ذلك هو الذي لحظه ابن سيرين. ٦٣٥ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفضل بن دُكين، ترجمته في باب فضل من أستبرأ لدينه في كتاب الإيمان. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) أي بفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف بعدها الباء الموحدة، ابن عبد الرحمن النحوي، ترجمته في باب كتابة العلم. قوله: (عَنْ يَحْيَى) أي ابن أبي كثير، ترجمته في الباب أيضاً. قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) ترجمته في باب النهي عن الاستنجاء باليمين. قوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي أبو قتادة، الحارث بن رِبْعِيٍّ الأنصاري، ترجمته في الباب أيضاً. في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين كوفي وبصري. وفيه: القول في موضعين. قال شيخنا: في رواية مسلم من طريق معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير التصريحُ بإخبار عبد الله له به وبإخبار أبي قتادة لعبد الله. قوله: (بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ الرِجَالِ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟» قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «لَا تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ

стр. 345

بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»). مطابقته للترجمة في قوله: (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا). قال شيخنا: وموضع هذه الترجمة وما بعدها من أبواب الأذان والإقامة: أنَّ المرءَ عند إجابة المؤذن يُحتمل أن يدرك الصلاة كلَّها أو بعضَها أو لا يدرك شيئًا، فاحتيج إلى جواز إطلاق الفوات وكيفيةِ العمل عند فوات البعض ونحو ذلك. انتهى. والحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصلاة عن إسحاق بن منصور وعن أبي بكر بن أبي شيبة. قوله: (بَيْنَمَا) أصله: «بين»، فزيدت فيه الميم والألف، وربما تزاد الألف فقط، فيقال: «بينا»، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملةٍ من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يَتِمُّ به المعنى، والأفصح أن لا يكون «إذ» و «إذا» في جوابهما. يقول: بينا زيد جالس دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه عمرو، وإذا دخل عليه عمرو. قوله: (جَلَبَةَ) بجيم ولام وموحدة مفتوحة. قوله: (الرِجَالِ) بالألف واللام، وهما للعهد الذهني، وقد سُمِّي منهم أبو بكرة فيما رواه الطبراني من رواية يونس عن الحسن عنه في نحو هذه القصة في رواية الأكثرين، وفي رواية كَريمة والأصيلي: <جلبة رجال> بغير ألف بدون الألف واللام، والجَلَبَة، بالفتحات: الأصوات، وذلك الصوت كان بسبب حركتهم وكلامِهم واستعجالهم. قوله: (مَا شَأْنُكُمْ؟) الشأنُ - بالهمز والتخفيف -: الحال، أي ما حالُكُم حيثُ وقع منكم الجَلَبَة؟ قوله: (لَا تَفْعَلُوا) أي لا تستعجلوا، وذُكِر بلفظ الفعل لا بلفظ الاستعجال مبالغةً في النهي عنه. قوله: (بِالسَّكِينَةِ) بفتح السين المهملة وكسر الكاف: التأني والهِينة، ويروى: <فعليكم السكينةَ> بدون حرف الجر، وبالنصب نحو: عليك زيدًا، أي الزمه، ويجوز الرفعُ على أنه مبتدأٌ وخبرُه هو قوله: (عَلَيْكُمْ). قوله: (فَمَا أَدْرَكْتُمْ) أي القدْرُ الذي أدركتموه من الصلاة مع الإمام فصلوا معه، وما فاتكم منها فأتموه. وفي هذه اللفظة اختلاف، فعند أبي نعيم الأصبهاني: ((وما فاتكم فاقضوا))، وكذا ذكرها الإسماعيلي من حديث شيبان عن يحيى، وفي رواية أبي داود من حديث أبي هريرة: ((فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا))، وكذا هو في أكثر روايات مسلم. وفي رواية: ((فاقضِ ما سبقك))، وفي روايةٍ لأبي داود: ((فاقضوا ما سبقكم)) وعند أحمد من حديث ابن عيينة عن الزهري عن سعيد عنه: ((وما فاتكم فاقضوا))، وفي «المحلَّى» من حديث ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة أنه قال: ((إذا كان أحدُكُم مقبِلًا إلى الصلاة فليمش على رِسْلِه، فإنه في صلاة، فما أدرك فليصل، وما فاته فليقضِ بعدُ)). قال عطاء: وإني لأصنُعه. وفي «مسند أبي قرة» عن ابن جريج عن الزهري عن أبي سلمة عنه بلفظ: ((فاقضوا)). قال: وذكر سفيان عن سعد بن إبراهيم حدثني عمرو بن أبي سلمة عن أبيه عنه، بلفظ: ((وليقض ما سبقه)). قال العيني: اختلف العلماء في الإتمام والقضاء المذكورين: هل هما بمعنًى واحد أو بمعنيين؟ وترتب على ذلك خلافٌ فيما يدركُه الداخل مع الإمام: هل هو أولُ صلاته أو آخرُها؟ على أربعة أقوال: أحدُها: أنه أولُ صلاتِه، وأنَّهُ يكون بانِيًا عليه في الأفعال والأقوال، وهو قول الشافعي وإسحاق والأوزاعي، وهو مروي عن علي

стр. 346

وابن المسيب والحسن وعطاء ومكحول، وروايةٌ عن مالك وأحمد. واستدلوا بقوله: (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)، لأن لفظ الإتمامِ واقعٌ على باقٍ من شيءٍ قد تقدم سائرُه، وروى البيهقي من حديث عبد الوهاب بن عطاء عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ﵁: ما أدركتَ فهو أول صلاتك. وعن ابن عمر بسند جيدٍ مثلُه. الثاني: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال فيَبني عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال فيقضيها، وهو قول مالك. وقال ابن بطال عنه: ما أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة، وقال سُحنون: هذا الذي لم يُعرف خلافُه، دليلُه ما رواه البيهقي من حديث قتادة: أن علي بن أبي طالب قال: ما أدركتَ مع الإمام فهو أولُ صلاتِك، واقض ما سبقك به من القرآن. الثالث: أنَّ ما أدرك فهو أولُ صلاتِه إلا أنه يقرأ فيها بالحمد وسورةٍ مع الإمام، وإذا قام للقضاء قضى بالحمدِ وحدَها، لأنه آخرُ صلاتِه، وهو قول المزني وإسحاق وأهل الظاهر. الرابع: أنَّهُ آخِرُ صلاتِه وأنه يكون قاضيًا في الأفعال والأقوال، وهو قول أبي حنيفة وأحمد في رواية، وسفيان ومجاهد وابن سيرين. وقال ابن الجوزي: الأشبهُ بمذهبنا ومذهبِ أبي حنيفة أنه آخرُ صلاتِه، وقال ابن بطال: رُوي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وإبراهيم النخَعي والشعبي وأبي قلابة، ورواه ابنُ القاسم عن مالك، وهو قول أشهب وابن الماجِشون، واختاره ابنُ حبيب، واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ : ((وما فاتكم فاقضوا)). ورواه ابنُ أبي شيبة بسندٍ صحيح عن أبي ذر، وابنُ حزم بسندٍ مثلِه عن أبي هريرة، والبيهقيُّ بسندٍ لا بأس به على رأي جماعةٍ عن معاذ بن جبل، ﵁. قال العيني أيضًا: والجواب عمَّا قال الشافعي ومن تبعه وهو قولُه: (فَأَتِمُّوا) أنَّ صلاةَ المأموم مرتبطةٌ بصلاة الإمام، فحُمِل قولُه: (فَأَتِمُّوا) على أنه من قضى ما فاته فقد أتمَّ، لأن الصلاة تنقُصُ بما فات، فقضاؤه إتمامٌ لما نقص. فإن قلتَ: قال النووي: وحجة الجمهور أن أكثر الروايات: (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)، وأجيب عن رواية: ((واقض ما سبقك)) أن المراد بالقضاءِ الفعلُ لا القضاءُ المصطلح عليه عند الفقهاء، وقد كثُرَ استعمال القضاء بمعنى الفعل، فمنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]. وقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠]. ويقال: قضيتُ حقَّ فلان، ومعنى الجميعِ: الفعلُ. قال أيضًا: أما الجواب عن قوله: (فَأَتِمُّوا) فقد ذكرناه آنفا، وأما قوله: المراد بالقضاءِ الفعلُ، فمشترك الدلالة، لأن الفعل يُطلق على الأداء والقضاء جميعًا، ومعنى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] : قدَّرَهُنَّ، ومعنى ﴿قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] : فرغتُم عنها، وكذا معنى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ﴾ [الجمعة: ١٠]. ومعنى: قضيتُ حقَّ فلان، أنهيتُ إليه حقه، ولو سلمنا أنَّ القضاء بمعنى الأداء فيكون مجازًا، والحقيقةُ أولى من المجاز، ولا سيما على أصلهم أن المجازَ ضروري لا يُصار إليه إلا عند الضرورة والتعذر. فإن قلتَ: حكى البيهقي

стр. 347

عن مسلم أنه قال: لا أعلم هذه اللفظة - يعني: ((فاقضوا)) - عن الزهري إلا ابن عيينة، وأخطأ. قال أيضًا: تابعه ابن أبي ذئب فرواها عن الزهري كذلك، وكذا وقع في رواية لمسلم وأبي داود كما ذكرنا عن قريب. انتهى. قلتُ: الجمهور على قول الشافعي، والروايات التي فيها لفظُ (فَأَتِمُّوا) أكثر كما قدَّمناه فكان العمل بها أولى، وما أجاب به العيني عن مذهبه ستعرفُ ما يرُدُّه من الكلامِ على الحديث في الباب الآتي إن شاء الله تعالى. وقال الكِرماني: (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)، دليلٌ للشافعية حيث قالوا: ما أدركه المسبوقُ مع الإمام فهو أولها (١)، لأن الإتمام لا يكون إلا للآخِر، لأنه يقع على باقي شيءٍ تقدم أولُه، وعَكَس أبو حنيفة فقال: ما أدرَكَ مع الإمام فهو آخرُها. انتهى. قال العيني: عكس هو حيث غفل عن رواية: ((فاقضوا))، وما قال فيه العلماء وقد ذكرناه، ولو تأدَّبَ لأحسن في عبارته، وليس أبو حنيفة فيما قاله وحده. انتهى. وفي الحديث: الحث في الإتيان إلى الصلاة بالسكينة والوقار، وسواء فيه سائرُ الصلوات، سواءٌ خاف فوْت تكبيرة الإحرام أم لا. وفيه: جواز قول الرجل: فاتتنا الصلاة، وأنه لا كراهة فيه عند جمهور العلماء، وقد مر الكلام فيه. (٢١) بَابُ لَا يَسْعَى إِلَى الصَّلَاةِ، وَلْيَأْتِها بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ أي هذا باب يذكر فيه: لا يسعى الرجل إلى الصلاة... إلى آخره، وسقطت هذه الترجمة من رواية الأصيلي ومن رواية أبي ذر عن غير السرخسي. قال شيخنا: وثبوتها أصوب لقوله فيها: (قَالَهُ أَبُو قَتَادَةَ) لأن الضمير يعود على ما ذُكِر في الترجمة، ولولا ذلك لعاد الضمير إلى المتن السابق فيكون ذكرُ أبي قتادة تكرارًا بلا فائدة، لأنه ساقه عنه. قال العيني: وفي بعض نسخ الشُّرَّاح: <باب ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا، قاله أبو قتادة عن النبي ﷺ >، والأوجه ما مشينا عليه. قوله: (وَقَالَ: «مَا أَدْرَكْتُمْ، فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا») أي قال النبي ﷺ . قوله: (قَالَهُ أَبُو قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الضمير المنصوب في: (قَالَهُ) يرجع إلى المذكور في الترجمة، وهو قوله: (مَا أَدْرَكْتُمْ، فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) والمعنى: قاله عن النبي ﷺ ، وهو الذي رواه البخاري في الباب السابق. ٦٣٦ - قوله: (حَدَّثَنَا آدَمُ) أي ابن أبي إياس، ترجمته في باب أمور الإيمان. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) أي محمد بن عبد الرحمن، ترجمته في باب حفظ العلم. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة. قوله: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ) ترجمته في باب من قال الإيمان هو العمل. قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان. قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قوله: (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁. في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في سبعة مواضع. وفيه: أن الزهري حدَّثَ به عن شيخين حدثاه به عن أبي هريرة، وقد جمعهما المصنف في

стр. 348

باب المشي إلى الجمعة عن آدم، فقال فيه: عن سعيد وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة، وكذلك أخرجه مسلم من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عنهما. وذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الزهري، وجزم بأنه عندَه عنهما جميعًا، قال: وكان ربما اقتصر على أحدهما، وأما الترمذي فإنه أخرجه من طريق يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري عن ابن أبي سلمة وحده، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد وحده. قال: وقول عبد الرزاق أصح. وأخرجه من طريق ابن عُيينة عن الزهري قال عبد الرزاق، وهذا عمل صحيح لو لم يثبت أنَّ الزهري حدَّث به عنهما. وقد أخرجه المصنف في باب المشي إلى الجمعة من طريق شعيب، ومسلم من طريق يونس كلاهما عن الزهري عن أبي سلمة وحده، ورَجَحَ ما قاله الدارقطني. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون ما خلا شيخ البخاري فإنه عسقلاني. قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ، فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا») مطابقته للترجمة ظاهرة. قوله: (إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ) قال شيخنا: هو أخصُّ من قوله في حديث أبي قتادة: ((إذا أتيتم الصلاة)) لكنَّ الظاهر أنه من مفهوم الموافقة، لأن الْمُسرِع إذا أقيمت الصلاة يترجَّى إدراكَ فضيلةِ التكبيرة الأولى ونحو ذلك، ومع ذلك فقد نهى عن الإسراع فغيُره ممن جاء قبل الإقامة لا يحتاج إلى الإسراع، لأنه يتحقق إدراكُ الصلاة كلِّها فيُنهى عن الإسراع من باب أولى. وقد لحظ فيه بعضُهم معنًى غيَر هذا فقال: الحكمةُ في التقييد بالإقامة أن المُسرع إذا أقيمت الصلاة يصلُ إليها وانبهر، فيقرأ وهو في تلك الحالة فلا يُحصِّل تمامَ الخشوع في الترتيل وغيره، بخلاف من جاء قبل ذلك فإنَّ الصلاة لا تُقام حتى يستريح. انتهى. وقضيةُ هذا أنه لا يُكره الإسراعُ لمن جاء قبل الإقامة، وهو مخالفٌ لصريح قوله: ((إذا أتيتم الصلاة)) لأنه يتناول ما قبل الإقامة، وإنما قُيِّدَ (١) في الحديث الثاني بالإقامة لأن ذلك هو الحاصلُ في الغالب على الإسراع. قوله: (وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ) كذا في رواية أبي ذر، ولغيره: <وعليكم السكينةَ> بالنصب بلا باء، وكذا في رواية مسلم من طريق يونس، وضبَطَها القرطبيُّ الشارحُ بالنصب على الإغراء، وضبطها النووي بالرفع على أنها جملةٌ في موضع الحال. واستشكَل بعضُهم دخولَ الباء، قال: لأنه مُتَعَدٍّ بنفسِه كقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، ورُدَّ بأنَّها زائدةٌ للتأكيد. قال شيخنا: وفيه نظر لثبوت زيادة الباء في الأحاديث الصحيحة كحديث: ((عليكم برخصة الله))، وحديث: ((فعليه بالصوم فإنه له وِجاء))، وحديث: ((عليك بالمرأة)) قاله لأبي طلحة في قصة صفية، وحديث: عليكَ بعَيْبَتِكَ قالته عائشة لعمر، وحديث: ((عليكم بقيام

стр. 349

الليل))، وحديث: ((عليك بخُوَيْصَةِ نفسِك))، وغيرِ ذلك. ثم إن الذي علله به هذا المعترِضُ غيرُ مُوفٍ بمقصودِه إذْ لا يَلزمُ من كونه يتعدى بنفسِه امتناعُ تعديته بالباء. إذا ثبت ذلك فيدل على أن فيه لُغتين. والله أعلم. قال العيني: هذا القائل لم يَشَمَّ شيئًا من علم التصريف، ونفيُ الملازمةِ غيرُ صحيح. انتهى. قلتُ: يقال للعيني ﵀ ما قاله عن قريبٍ في حق الكِرماني: لو تأدَّبَ لأحسن في عبارته، وكلامُ شيخنا صحيح، لأن المتعدِّي بنفسه لا يمتنع تعديته مع الباء. انتهى. فائدة: الحكمةُ في هذا الأمر تستفاد من زيادةٍ وقعت في مسلم من طريق علاء عن أبيه عن أبي هريرة فذكر نحوَ حديثِ البابِ وقال في آخره: ((فإنَّ أحدَكُم إذا كان يعمَد إلى الصلاة فهو في صلاة)) أي أنه في حكم المصلي فينبغي له اعتمادُ ما ينبغي للمصلي اعتمادُه واجتنابُ ما ينبغي للمصلي اجتنابُه. قوله: (وَالوَقَارِ) قال عياض والقرطبي: هو بمعنى السكينةِ، وذُكِر على سبيل التأكيد. وقال النووي: السكينة: التأني في الحركات واجتنابُ العبث والوقارُ في الهيئة، كغضِّ البصر وخفضِ الصوت وعدم الالتفات. قوله: (وَلَا تُسْرِعُوا) فيه زيادةُ تأكيد، ولا منافاة بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وإن كان معناه يُشعر بالإسراع، لأن المراد بالسعي الذهابُ، يُقال: سعيتُ إلى كذا أي ذهبتُ إليه، والسعي أيضًا جاء بمعنى العملِ وبمعنى القصد. ويستفاد من قوله: (وَلَا تُسْرِعُوا (١)) الذي هو لزيادة التأكيد الردُّ على من أوَّلَ قولَه في حديث أبي قتادة: ((لا تفعلوا)) أي الاستعجالُ المفضي إلى عدم الوقار، وأما الإسراعُ الذي لا ينافي الوقار كمن خاف فوت التكبيرة فلا، وهذا محكيٌّ عن إسحاق بن راهويه، وقد تقدمت رواية العلاء التي فيها: ((فهو في صلاة)) قال النووي: نبَّهَ بذلك على أنه لو لم يدرك من الصلاة شيئًا لكان محصِّلًا لمقصوده لكونه في صلاة، وعدمُ الإسراعِ أيضًا يستلزم كثرة الخُطا، وهو معنًى مقصوٌد لذاته وَرَدت فيه أحاديث كحديث جابر عندَ مسلم أَنَّ بكل خطوة درجة. ولأبي داود من طريق سعيد بن المسيب عن رجل من الأنصار مرفوعًا: ((إذا توضأ أحدُكُم فأحسن الوُضوء ثم خرج إلى المسجد لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنةً، ولم يضع قدمه اليُسرى إلا حَطَّ الله عنه سيئة، فإنْ أتَى المسجدَ فصلَّى في جماعة غُفِر له، فإن أتى وقد صَلَّوْا بعضًا وبقي بعضٌ فصلى ما أدرك وأتم ما بقي كان كذلك، وإن أتى المسجدَ وقد صلَّوْا فأتَمَّ الصلاة كان كذلك)). قوله: (فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا) قال الكِرماني: الفاءُ جوابُ شرطٍ محذوفٌ، أي إذا بينتُ لكم ما هو أولى بكم فما أدركتم فصلوا. قال شيخنا: أو التقدير: إذا فعلتم فما أدركتم أي فعلتم الذي أمرتُكم به من السكينة وتَرْكِ الإسراع. قوله: (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) أي أكملوا، قال شيخنا: هذا هو الصحيح في رواية الزهري، ورواه عنه ابنُ عيينة بلفظ: ((فاقضوا))، وحَكَم مسلم في «التمييز» عليه بالوهم في هذه اللفظة،

стр. 350

مع أنه أخرج إسناده في «صحيحه» لكن لم يسق لفظَه، وكذا روى أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة فقال: ((فاقضوا))، وأخرجه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق بلفظ: ((فأتموا))، واختُلف أيضًا في حديث أبي قتادة، فروايةُ الجمهور، ((فأتموا))، ووقع لمعاوية بن هشام عن شيبان: ((فاقضوا))، كذا ذكره ابن أبي شيبة عنه. وأخرج مسلم إسناده في «صحيحه» عن ابن أبي شيبة فلم يسُقْ لفظهُ أيضًا، وروى أبو داود مثلَه عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: ووقعت في رواية أبي رافع عن أبي هريرة، واختُلِف في حديث أبي ذر، قال: وكذا قال ابنُ سيرين عن أبي هريرة: ((وليقض)). ورواية ابن سيرين عند مسلم بلفظ: ((صلِّ ما أدركت واقضِ ما سَبَقَك)) والحاصل أن أكثر الروايات وَرَدَ بلفظ: ((فأتموا))، وأقلَّها بلفظ: ((فاقضوا))، وإنما تظهر فائدةُ ذلك إن جعلنا بين الإتمام والقضاء مغايرة لكن إذا كان مَخرجُ الحديث واحدًا واختُلِف في لفظةٍ منه وأمكن رَدُّ الاختلاف إلى معنًى واحدٍ كان أوْلى، وهنا كذلك، لأنَّ القضاء وإن كان يُطلَق على الفائت غالبًا لكن يُطلق على الأداء أيضًا. ويَرِدُ بمعنى الفراغ، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠]، ويَرِدُ بمعان أُخَر، فيُحمَل قولُه هنا: ((فاقضوا)) على معنى الأداء أو الفراغ فلا يُغايِرُ قولَه: ((فأتموا)). فلا حجة فيه لمن تمسك برواية: ((فاقضوا)) على أنَّ ما أدرك المأمومُ هو آخرُ صلاته حتى استُحِبَّ له الجهرُ في الركعتين الأخيرتين وقراءةُ السورة وتركُ القنوت، بل هو أوَّلُها وإن كان آخرَ صلاة إمامِه، لأن الآخِر لا يكون إلا عن شيءٍ تقدَّمَهُ، وأوضحُ دليلٍ على ذلك أنه يجب عليه أن يتشهَّدَ في آخر صلاتِه على كل حال، فلو كان ما يدرِكُ مع الإمام آخِرًا له لَمَا احتاجَ إلى إعادة التشهد. وقولُ ابنِ بطال إنه ما تشهد إلا لأجْلِ السلام لأنه يحتاج إلى سبْقِ التَشَهُّد. ليس بالجواب الناهضِ على دفع الإيراد المذكور، واستَدَلَّ ابنُ المنذر لذلك أيضًا أنهم أجمعوا على تكبيرة الافتتاح لا تكون إلا في الركعة الأولى، وقد عمل بمقتضى اللفظين الجمهورُ، فإنهم قالوا: إنَّ ما أدركه المأمومُ هو أولُ صلاته إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من قراءة السور مع أم القرآن في الرباعية، لكن لم يَستَحِبُّوا له إعادة الجهرِ في الركعتين الباقيتين، وكأن الحجة فيه قول علي: ما أدركتَ مع الإمام فهو أوَّلُ صلاتك، واقض ما سبقك به من القرآن. أخرجه البيهقي. عن إسحاق والمزني: لا يقرأ إلا أمَّ القرآن فقط، وهو القياس، واستُدِلَّ بحديث الباب على حصول فضيلة الجماعة بإدراك جزءٍ من الصلاة لقوله: ((فما أدركتم فصلُّوا))، ولم يفصِّل بين القليل والكثير، وهذا قول الجمهور، وقيل: لا تُدرَك الجماعةُ بأقل من ركعةٍ للحديث السابق: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك))، وقياسًا على الجمعة، وقد قدَّمنا الجوابَ عنه في موضعه، وأنه وَرَدَ في الأوقات، وأنَّ في الجمعة حديثًا خاصًّا بها. واستُدِلَّ به أيضًا على استحباب الدخول مع الإمام في أي حالة وُجِدَ عليها. وفيه حديثٌ أصرحُ منه أخرجه ابنُ أبي شيبة من طريق عبد العزيز بن رفيع عن رجل من الأنصار مرفوعًا: ((من وجدني راكعًا أو قائمًا أو ساجدًا فليكن

стр. 351

معي على حالتي التي أنا عليها)). واستُدِلَّ به على أنَّ من أدرك الإمامَ راكعًا لم تحسب له تلك الركعة للأمر بإتمام ما فاته، لأنه فاته الوقوفُ والقراءةُ فيه، وهو قولُ أبي هريرة وجماعةٍ بل حكاه البخاري في القراءة خلفَ الإمام عن كل من ذهب إلى وجوبِ القراءة خلفَ الإمام، واختارَهُ ابنُ خزيمة والضبعي وغيرُهما من محدثي الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين السُّبكي من المتأخرين. والله أعلم. قال شيخنا أيضًا: وحجة الجمهور حديث أبي بكرة حيثُ ركع دونَ الصف فقال له النبيُّ ﷺ : ((زادك الله حرصًا ولا تعُد))، ولم يأمره بإعادة تلك الركعة وسيأتي في أثناء صفة الصلاة إن شاء الله تعالى. قال العيني: وروى أبو داود من حديث معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تبادروني بالركوع والسجود، فإنه مهما أسبِقُكُم به إذا ركعتُ تدركوني به إذا رفعتُ، وإني قد بدنت)). وهذا يدل أن المقتدي إذا لَحِق الإمامَ وهو في الركوع فلو شرع معه ما لم يرفع رأسَه يصيرُ مدركًا لتلك الركعة، فإذا شَرَعَ وقد رَفَعَ رأسَه لا يصيرُ مدركًا لتلك الركعة، ولو ركع المقتدي قبل الإمام فلحِقَهُ الإمامُ قبل قيامه يجوز عندنا خلافًا لزُفَر. انتهى. (٢٢) بَابٌ: مَتَى يَقُومُ النَّاسُ، إِذَا رَأَوُا الْإِمَامَ عِنْدَ الْإِقَامَةِ أي هذا باب يُذكَر فيه متى يقوم الجماعةُ إذا رأوا الإمام عند إقامة الصلاة، وحديثُ الباب يبيِّنُ ذلك. قيل: أوردَ الترجمة بلفظ الاستفهام لأن قولَه في الحديث: (لَا تَقُومُوا) نَهيٌ عن القيام، وقولَه: (حَتَّى تَرَوْنِي) تسويغٌ للقيام عند الرؤية، وهو مطلقٌ غيرُ مقيد بشيءٍ من ألفاظِ الإقامة، ومن ثَمَّ اختلف السلف في ذلك كما سيأتي. ٦٣٧ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أي القصاب، ترجمته في باب زيادة الإيمان. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي الدستوائي، ترجمته في الباب أيضًا. قوله: (قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) أي اليمامي الطائي، في باب كتابة العلم. قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) أي السلمي، في باب النهي عن الاستنجاء باليمين. قوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي الحارث بن ربعي، ترجمته في الباب أيضًا. في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: الكتابة وهي طريقٌ من طرق الحديث، وهي أن يكتب بمسموعِه لغائب أو حاضر، إما أن تكون مقرونة بالإجازة أو لا، وذلك عندهم معدود في المسند الموصول. وظاهر قوله: (كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى) أنه لم يسمعه منه، وقد رواه الإسماعيلي من طريق هشيم عن هشام وحجاج الصواف، وكلاهما عن يحيى، وهو من تدليس الصِّيَغ، وصرح أبو نعيم في «المستخرج» من وجه آخر عن هشام أن يحيى كتب إليه أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه، فأُمِن من تدليس يحيى. وفيه: القول في أربعة مواضع. قوله: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي»). مطابقته للترجمة من حيث إن معنى الحديث أن الجماعة لا يقومون عند الإقامة إلا حين يرون أنَّ الإمام قام، وقد اختلف العلماء في وقت قيام الناس على ما نُبَيِّنُهُ عن قريبٍ

стр. 352

إن شاء الله تعالى. وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الصلاة عن أبي نُعيم عن شيبان عن يحيى به، وعن عمرو بن علي عن أبي قتيبة. وأخرجه مسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن إسحاق بن إبراهيم وعن ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن عُلَيَّة وعن محمد بن حاتم وعبيد الله بن سعيد. وأخرجه أبو داود عن مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل وعن إبراهيم بن موسى وعن أحمد بن صالح. وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن محمد. وأخرجه النَّسائي فيه عن الحسين بن حريث وعن علي بن حجر. قوله: (أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أي ذُكِرتْ ألفاظُ الإقامة ونودي بها. قوله: (حَتَّى تَرَوْنِي) أي تبصروني خرجتُ، وصرَّحَ به عبد الرزاق وغيرُه عن معمر عن يحيى، أخرجه مسلم. ولابن حبان من طريق عبد الرزاق وحدَه: ((حتى تروني خرجتُ إليكم)) وفيه مع ذلك حذفٌ تقديرُه: لا تقوموا حتى تروني خرجتُ فإذا رأيتموني خرجتُ فقوموا. وقد اختلف السلف متى يقوم الناس إلى الصلاة؟ قال مالك في «الموطأ» : لم أسمع في قيام الناس حين تُقام الصلاة بحدٍّ محدود إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس فإن منهم الثقيل والخفيف. قال العيني: ذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه ليس لقيامهم حدٌّ، ولكن استَحبَّ عامَّتُهم القيامَ إذا أخذ المؤذن في الإقامة، وكان أنس ﵁، يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاةُ وكبَّرَ الإمامُ، وحكاه ابن أبي شيبة عن سويد بن غفلة، وكذا قيسُ بن أبي حازم وحماد. انتهى. وكذا رواه سعيدُ بن منصور من طريق إسحاق عن أصحاب عبد الله وعن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز: إذا قال المؤذن الله أكبر وجب القيام، وإذا قال حي على الصلاة عُدِّلت الصفوف، وإذا قال لا إله إلا الله كبَّرَ الإمام. وذهب عامة العلماء إلى أنه لا يُكبِّرُ حتى يفرغَ المؤذن من الإقامة. وفي «المصنف» : كره هشامٌ - يعني: ابن عروة - أن يقوم حتى يقول المؤذن: قد قامت الصلاة. وعن يحيى بن وثاب: إذا فرغ المؤذن كَبَّرَ. وكان إبراهيم يقول: إذا قامت الصلاة كَبَّر، ومذهب الشافعي وطائفة أنه يستحب ألَّا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، وهو قول أبي يوسف. وعن مالك ﵀: السنةُ في الشروع في الصلاة بعد الإقامة وبداية استواء الصف. وقال أحمد: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، يقوم. وقال زفر: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، مَرَّةً قاموا، وإذا قال ثانيًا افتتحوا. قال العيني: وقال أبو حنيفة ومحمد: يقومون في الصف إذا قال: حي على الصلاة، فإذا قال: قد قامت الصلاة كبَّرَ الإمام، لأنه أمينُ الشرع وقد أخبر بقيامها فيجب تصديقُه، وإذا لم يكن الإمام في المسجد فذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون حتى يروه. قال شيخنا: وخالف من ذكرنا على التفصيل الذي شرحْنا وحديثُ الباب حجةٌ عليهم. انتهى. فإن قلتَ: روى مسلم من حديث أبي هريرة: ((أقيمت الصلاة فقمنا فعدَّلنا الصفوف قَبْلَ أن يخرُجَ إلينا رسول الله ﷺ )، وفي رواية: ((إن الصلاة كانت تقامُ لرسول الله ﷺ ، فيأخذ الناسُ مصافَّهُم قبل أن يقوم النبيُّ صلى الله عليه وسلم

стр. 353

مقامَه))، وفي رواية جابر بن سمرة: ((كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس، فلا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ ، فإذا خرج الإمامُ أقام الصلاة حين يراه))، وبين هذه الروايات معارضة. يقال: وجهُ الجمع بينها: أنَّ بلالًا كان يراقب خروجَ النبي ﷺ من حيث لا يراه غيرُه، أو إلا القليلُ، فعند أول خروجه يقيم، ولا يقومُ الناس حتى يروه، ولا يقوم مقامه حتى يعدِّلَ الصف. ويشهد له ما رواه عبد الرزاق عن ابن جُريج عن ابن شهاب: ((أنَّ الناس كانوا ساعة يقولُ المؤذن: الله أكبر يقومون إلى الصلاة، فلا يأتي النبيُّ ﷺ مقامَه حتى تعتدل الصفوف)). وقوله في رواية أبي هريرة: ((فيأخذُ الناسُ مصافَّهم قبل خروجه)) لعله كان مرةً أو مرتين ونحوهما لبيان الجواز أو لعذر، ولعل قوله ﵇: (فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي) كان بعد ذلك. قال العلماء: والنهي عن القيام قبل أن يروه لئلَّا يشقَّ عليهم القيام، لأنه قد يعرِضُ له عارضٌ فيتأخرُ بسببه. قال شيخنا: وأما حديث أبي هريرة الآتي قريبًا بلفظ: ((أقيمت الصلاة فسوَّى الناسُ صفوفَهم فخرج النبي ﷺ )، ولفظُه في «مستخرج أبي نعيم» : ((فصفَّ الناسُ صفوفَهم، ثم خرج علينا))، ولفظه عند مسلم: ((أقيمت الصلاة...)). الحديث. وعنه في رواية أبي داود: ((قبل أن يجيء النبيُّ ﷺ ). فيُجمع بينه وبين حديث أبي قتادة أنَّ ذلك ربما وقع لبيان الجواز أو بأنَّ صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سبب النهي عن ذلك في حديث أبي قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعةَ تقامُ الصلاة ولم يخرج النبي ﷺ فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شُغلٌ يُبطئ فيه عن الخروج فيشق عليهم انتظاره، ولا يَرُدُّ هذا حديثَ أنس الآتي أنه قام في مقامه طويلًا في حاجة بعض القوم، لاحتمال أن يكون ذلك وقع نادرًا أو فعله لبيان الجواز. (٢٣) بَابٌ: لَا يقوم إِلَى الصَّلَاةِ مُسْتَعْجِلًا، وَلْيَقُمْ إليها بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ أي هذا باب يذكر فيه: لا يقوم الشخص إلى الصلاة حال كونه مستعجلا، وليقم إلى الصلاة متلبِّسًا بالسكينة، وقد مر معناه والفرقُ بينهما. وهذه الترجمة رواية الحموي، وفي رواية المستملي: <باب لا يسعى إلى الصلاة... >. وسقط من رواية الكُشْمِيهَني، وجُمِعَا في رواية الباقين بلفظ: <باب لا يسعى إلى الصلاة ولا يقوم إليها مستعجلًا... > إلى آخره. قال شيخنا: قولُه (لا يسعى) كأنه يشير بذلك إلى رواية ابن سيرين في حديث أبي هريرة عند مسلم، ولفظُه: ((إذا ثُوِّب بالصلاة فلا يسعى إليها أحدكم))، وفي رواية أبي سلمة عن أبي هريرة عند المصنف في باب المشي إلى الجمعة من كتاب الجمعة: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون))، وسيأتي وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] هناك إن شاء الله تعالى. قلتُ: وقد سبق ذلك في كلام العيني في باب لا يسعى إلى الصلاة، قبل الباب السابق. انتهى. ٦٣٨ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفضل بن دُكين. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) أي بفتْح الشين وسكون الياء آخرِ الحروف. قوله: (عَنْ يَحْيَى) أي ابنِ

стр. 354

أبي كَثير. قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ)، قولُه: (عَنْ أَبِيهِ) أي أبو قتادة الحارث الأنصاري. هذا الإسناد بعينه قد مرّ في باب قول الرجل فاتتنا الصلاة. قوله: (قَالَ: قَالَ النبي ﷺ : «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ) مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الحديث قد مر في الباب السابق عن مسلم بن إبراهيم عن هشام عن يحيى، وفي هذا زيادة على ذلك وهي قولُه: (وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ)، وهذا هكذا روايةُ أبي ذر وكريمة، وفي رواية الأصيلي وأبي الوقت: <وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةِ> بحذف الباء، وكذا أخرجه أبو عوانة من طرق عن شيبان، وقد ذكرنا إعراب الوجهين عن قريب. قوله: (تَابَعَهُ عَلَيُّ بنُ المبَارَكِ) قلتُ: الهنائي البصري سمع يحيى ابن أبي كثير، روى عنه وكيع وهارون بن إسماعيل وابن عُلَيَّة وعثمان بن عمر وسعيد بن الربيع. انتهى. أي تابع عليُّ بن المبارك شيبانَ عن يحيى بن أبي كثير، ومتابعته وَصَلها البخاري في كتاب الجمعة، ولفظُه: ((وعليكم السكينة)) بغير باء أيضًا، وقال أبو العباس الطَّرْقِي - قلت: هو بفتح الطاء المهملة وسكون الراء والقاف. انتهى. -: تفردَ شَيبان وعليُّ بن المبارك عن يحيى بهذه الزيادة. وتُعُقِّبَ بأن معاوية بن سلام تابعهما عن يحيى، ذكره أبو داود عقب رواية أبان عن يحيى، فقال: رواه معاوية بن سلام وعلي بن المبارك عن يحيى وقالا فيه: ((حتى تروني وعليكم السكينة)). قال شيخنا: وهذه الرواية المعلقة وصلها الإسماعيلي من طريق الوليد بن مسلم عن معاوية بن سلام وشيبان جميعًا عن يحيى كما قال أبو داود. انتهى. (٢٤) بَابٌ: هَلْ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ لِعِلَّةٍ ؟ أي هذا بابٌ يُذكر فيه: هل يخرج الرجل من المسجد بعد إقامة الصلاة لأجل علة؟ أي ضرورة، وذلك مثلُ أن يكون محدِثًا أو جُنُبًا، أو كان حاقِبًا، أو حصل به رعاف، أو كان إماما لمسجد آخر، ونحو ذلك. فإن قلتَ: روي عن أبي هريرة أنه رأى رجلًا يخرج من المسجد بعد أن أذن المؤذن بالعصر، قال: ((أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﵇). رواه مسلم والأربعة. يُقال: هذا محمول على من خرج بغير ضرورة، وقد صرَّح بذلك في رواية الطبراني في «الأوسط» : من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ولفظه: ((لا يسمع النداءَ في مسجدي ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق)). ٦٣٩ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن يحيى، أبو القاسم القرشي، ترجمته في باب الحرص على الحديث في كتاب العلم. قوله: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) ترجمته في باب تفاضل أهل الإيمان. قوله: (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) أي أبو محمد الغفاري، ترجمته في بدء الوحي. قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام. قوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرحمن، ترجمته في بدء الوحي. قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)

стр. 355

أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان. في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين: وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وهم صالح والزهري وأبو سلمة، فقد رأى صالح عبدَ الله بن عمر. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون. قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ، انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ، انْصَرَفَ، قَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمْ» فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، وَقَدِ اغْتَسَلَ) مطابقته للترجمة ظاهرة. قال العيني: أخرج البخاري في كتاب الغسل في باب إذا ذكر في المسجد أنه جُنُبٌ يخرج كما هو ولا يتيمَّم: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: حدثنا يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا: ((مكانَكم))، ثم رجع فاغتسل ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر وصلينا معه. وقد قلنا هناك: إنه أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وتكلمنا بما فيه الكفاية، ولنتكلم هنا بما يتعلق بالحديث المذكور. فقوله: (خَرَجَ) أي من الحُجرة، قال شيخنا: قوله (خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) يَحتمل أن يكون المعنى: خرج في حال الإقامة، ويحتمل أن تكون الإقامة تقدمت خروجَه، وهو ظاهرٌ في الرواية التي في الباب الذي بعده لتعقيب الإقامة بالتسوية وتعقيبِ التسوية بخروجه جميعًا بالفاء، ويحتمل أن يُجمع بين الروايتين بأن الجملتين وقعتَا حالًا، أي خرجَ والحالُ أن الصلاة أقيمت والصفوفَ عُدِّلت. قال العيني: ليس فيه الاحتمالان اللذان ذكرهما، بل معنى الحديثين سواء، لأن الجملتين أعني قوله: (وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ) وقعتا حالين، والمعنى: أنه خرج والحال أنهم أقاموا الصلاة وعدلوا الصفوف، وكذلك معنى الحديث الثاني، لأن الفاء فيه ليست للتعقيب كما ظنَّهُ هذا القائل، وإنما هذه الفاء تسمَّى فاءَ الحال، والمعنى: حالَ إقامة الصلاة وتعديلِ الصفوف خرجَ النبي ﷺ . انتهى. قلتُ: ما قال شيخُنا صحيح، والاحتمالُ لا يردُّه، والفاءُ في هذا المقام يصح أن يكون للتعقيب كما يصح أن يكون للحال، ويُرجِّح ما قاله شيخنا من التعقيبِ بين الإقامة والتسوية فقط ما ذكرَه صاحب «تحفة المتهجد وغنية المتعهد» جمالُ الدين بن خليل الدمشقي: ((أن النبي ﷺ كان يتولى تسويةَ الصفوف بنفسه أحيانًا حتى يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية ويمسح بيده الشريفة مناكبَهم وصدورهم ويسوي بنفسه صفوفهم)). واعلم أن نهيَه عن القيام حتى يروه يلزم من العمل بمقتضاه أنَّ تسوية الصفوف بعد خروجه، فعلى هذا أنه لم يخرج حال تسوية الصفوف ولا عقِب التسوية
следующие страницы →