معي على حالتي التي أنا عليها)).
واستُدِلَّ به على أنَّ من أدرك الإمامَ راكعًا لم تحسب له تلك الركعة للأمر بإتمام ما فاته، لأنه فاته الوقوفُ والقراءةُ فيه، وهو قولُ أبي هريرة وجماعةٍ بل حكاه البخاري في القراءة خلفَ الإمام عن كل من ذهب إلى وجوبِ القراءة خلفَ الإمام، واختارَهُ ابنُ خزيمة والضبعي وغيرُهما من محدثي الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين السُّبكي من المتأخرين. والله أعلم.
قال شيخنا أيضًا: وحجة الجمهور حديث أبي بكرة حيثُ ركع دونَ الصف فقال له النبيُّ ﷺ : ((زادك الله حرصًا ولا تعُد))، ولم يأمره بإعادة تلك الركعة وسيأتي في أثناء صفة الصلاة إن شاء الله تعالى.
قال العيني: وروى أبو داود من حديث معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تبادروني بالركوع والسجود، فإنه مهما أسبِقُكُم به إذا ركعتُ تدركوني به إذا رفعتُ، وإني قد بدنت)). وهذا يدل أن المقتدي إذا لَحِق الإمامَ وهو في الركوع فلو شرع معه ما لم يرفع رأسَه يصيرُ مدركًا لتلك الركعة، فإذا شَرَعَ وقد رَفَعَ رأسَه لا يصيرُ مدركًا لتلك الركعة، ولو ركع المقتدي قبل الإمام فلحِقَهُ الإمامُ قبل قيامه يجوز عندنا خلافًا لزُفَر. انتهى.
(٢٢) بَابٌ: مَتَى يَقُومُ النَّاسُ، إِذَا رَأَوُا الْإِمَامَ عِنْدَ الْإِقَامَةِ
أي هذا باب يُذكَر فيه متى يقوم الجماعةُ إذا رأوا الإمام عند إقامة الصلاة، وحديثُ الباب يبيِّنُ ذلك.
قيل: أوردَ الترجمة بلفظ الاستفهام لأن قولَه في الحديث: (لَا تَقُومُوا) نَهيٌ عن القيام، وقولَه: (حَتَّى تَرَوْنِي) تسويغٌ للقيام عند الرؤية، وهو مطلقٌ غيرُ مقيد بشيءٍ من ألفاظِ الإقامة، ومن ثَمَّ اختلف السلف في ذلك كما سيأتي.
٦٣٧ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أي القصاب، ترجمته في باب زيادة الإيمان.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي الدستوائي، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) أي اليمامي الطائي، في باب كتابة العلم.
قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) أي السلمي، في باب النهي عن الاستنجاء باليمين.
قوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي الحارث بن ربعي، ترجمته في الباب أيضًا.
في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: الكتابة وهي طريقٌ من طرق الحديث، وهي أن يكتب بمسموعِه لغائب أو حاضر، إما أن تكون مقرونة بالإجازة أو لا، وذلك عندهم معدود في المسند الموصول.
وظاهر قوله: (كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى) أنه لم يسمعه منه، وقد رواه الإسماعيلي من طريق هشيم عن هشام وحجاج الصواف، وكلاهما عن يحيى، وهو من تدليس الصِّيَغ، وصرح أبو نعيم في «المستخرج» من وجه آخر عن هشام أن يحيى كتب إليه أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه، فأُمِن من تدليس يحيى. وفيه: القول في أربعة مواضع.
قوله: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي»).
مطابقته للترجمة من حيث إن معنى الحديث أن الجماعة لا يقومون عند الإقامة إلا حين يرون أنَّ الإمام قام، وقد اختلف العلماء في وقت قيام الناس على ما نُبَيِّنُهُ عن قريبٍ
стр. 352
إن شاء الله تعالى.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الصلاة عن أبي نُعيم عن شيبان عن يحيى به، وعن عمرو بن علي عن أبي قتيبة. وأخرجه مسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن إسحاق بن إبراهيم وعن ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن عُلَيَّة وعن محمد بن حاتم وعبيد الله بن سعيد. وأخرجه أبو داود عن مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل وعن إبراهيم بن موسى وعن أحمد بن صالح. وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن محمد. وأخرجه النَّسائي فيه عن الحسين بن حريث وعن علي بن حجر.
قوله: (أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أي ذُكِرتْ ألفاظُ الإقامة ونودي بها.
قوله: (حَتَّى تَرَوْنِي) أي تبصروني خرجتُ، وصرَّحَ به عبد الرزاق وغيرُه عن معمر عن يحيى، أخرجه مسلم. ولابن حبان من طريق عبد الرزاق وحدَه: ((حتى تروني خرجتُ إليكم)) وفيه مع ذلك حذفٌ تقديرُه: لا تقوموا حتى تروني خرجتُ فإذا رأيتموني خرجتُ فقوموا.
وقد اختلف السلف متى يقوم الناس إلى الصلاة؟ قال مالك في «الموطأ» : لم أسمع في قيام الناس حين تُقام الصلاة بحدٍّ محدود إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس فإن منهم الثقيل والخفيف.
قال العيني: ذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه ليس لقيامهم حدٌّ، ولكن استَحبَّ عامَّتُهم القيامَ إذا أخذ المؤذن في الإقامة، وكان أنس ﵁، يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاةُ وكبَّرَ الإمامُ، وحكاه ابن أبي شيبة عن سويد بن غفلة، وكذا قيسُ بن أبي حازم وحماد. انتهى.
وكذا رواه سعيدُ بن منصور من طريق إسحاق عن أصحاب عبد الله وعن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز: إذا قال المؤذن الله أكبر وجب القيام، وإذا قال حي على الصلاة عُدِّلت الصفوف، وإذا قال لا إله إلا الله كبَّرَ الإمام.
وذهب عامة العلماء إلى أنه لا يُكبِّرُ حتى يفرغَ المؤذن من الإقامة. وفي «المصنف» : كره هشامٌ - يعني: ابن عروة - أن يقوم حتى يقول المؤذن: قد قامت الصلاة. وعن يحيى بن وثاب: إذا فرغ المؤذن كَبَّرَ. وكان إبراهيم يقول: إذا قامت الصلاة كَبَّر، ومذهب الشافعي وطائفة أنه يستحب ألَّا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، وهو قول أبي يوسف.
وعن مالك ﵀: السنةُ في الشروع في الصلاة بعد الإقامة وبداية استواء الصف. وقال أحمد: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، يقوم. وقال زفر: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، مَرَّةً قاموا، وإذا قال ثانيًا افتتحوا.
قال العيني: وقال أبو حنيفة ومحمد: يقومون في الصف إذا قال: حي على الصلاة، فإذا قال: قد قامت الصلاة كبَّرَ الإمام، لأنه أمينُ الشرع وقد أخبر بقيامها فيجب تصديقُه، وإذا لم يكن الإمام في المسجد فذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون حتى يروه.
قال شيخنا: وخالف من ذكرنا على التفصيل الذي شرحْنا وحديثُ الباب حجةٌ عليهم. انتهى.
فإن قلتَ: روى مسلم من حديث أبي هريرة: ((أقيمت الصلاة فقمنا فعدَّلنا الصفوف قَبْلَ أن يخرُجَ إلينا رسول الله ﷺ )، وفي رواية: ((إن الصلاة كانت تقامُ لرسول الله ﷺ ، فيأخذ الناسُ مصافَّهُم قبل أن يقوم النبيُّ صلى الله عليه وسلم
стр. 353
مقامَه))، وفي رواية جابر بن سمرة: ((كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس، فلا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ ، فإذا خرج الإمامُ أقام الصلاة حين يراه))، وبين هذه الروايات معارضة.
يقال: وجهُ الجمع بينها: أنَّ بلالًا كان يراقب خروجَ النبي ﷺ من حيث لا يراه غيرُه، أو إلا القليلُ، فعند أول خروجه يقيم، ولا يقومُ الناس حتى يروه، ولا يقوم مقامه حتى يعدِّلَ الصف. ويشهد له ما رواه عبد الرزاق عن ابن جُريج عن ابن شهاب: ((أنَّ الناس كانوا ساعة يقولُ المؤذن: الله أكبر يقومون إلى الصلاة، فلا يأتي النبيُّ ﷺ مقامَه حتى تعتدل الصفوف)).
وقوله في رواية أبي هريرة: ((فيأخذُ الناسُ مصافَّهم قبل خروجه)) لعله كان مرةً أو مرتين ونحوهما لبيان الجواز أو لعذر، ولعل قوله ﵇: (فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي) كان بعد ذلك. قال العلماء: والنهي عن القيام قبل أن يروه لئلَّا يشقَّ عليهم القيام، لأنه قد يعرِضُ له عارضٌ فيتأخرُ بسببه.
قال شيخنا: وأما حديث أبي هريرة الآتي قريبًا بلفظ: ((أقيمت الصلاة فسوَّى الناسُ صفوفَهم فخرج النبي ﷺ )، ولفظُه في «مستخرج أبي نعيم» : ((فصفَّ الناسُ صفوفَهم، ثم خرج علينا))، ولفظه عند مسلم: ((أقيمت الصلاة...)). الحديث. وعنه في رواية أبي داود: ((قبل أن يجيء النبيُّ ﷺ ).
فيُجمع بينه وبين حديث أبي قتادة أنَّ ذلك ربما وقع لبيان الجواز أو بأنَّ صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سبب النهي عن ذلك في حديث أبي قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعةَ تقامُ الصلاة ولم يخرج النبي ﷺ فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شُغلٌ يُبطئ فيه عن الخروج فيشق عليهم انتظاره، ولا يَرُدُّ هذا حديثَ أنس الآتي أنه قام في مقامه طويلًا في حاجة بعض القوم، لاحتمال أن يكون ذلك وقع نادرًا أو فعله لبيان الجواز.
(٢٣) بَابٌ: لَا يقوم إِلَى الصَّلَاةِ مُسْتَعْجِلًا، وَلْيَقُمْ إليها بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ
أي هذا باب يذكر فيه: لا يقوم الشخص إلى الصلاة حال كونه مستعجلا، وليقم إلى الصلاة متلبِّسًا بالسكينة، وقد مر معناه والفرقُ بينهما.
وهذه الترجمة رواية الحموي، وفي رواية المستملي: <باب لا يسعى إلى الصلاة... >. وسقط من رواية الكُشْمِيهَني، وجُمِعَا في رواية الباقين بلفظ: <باب لا يسعى إلى الصلاة ولا يقوم إليها مستعجلًا... > إلى آخره.
قال شيخنا: قولُه (لا يسعى) كأنه يشير بذلك إلى رواية ابن سيرين في حديث أبي هريرة عند مسلم، ولفظُه: ((إذا ثُوِّب بالصلاة فلا يسعى إليها أحدكم))، وفي رواية أبي سلمة عن أبي هريرة عند المصنف في باب المشي إلى الجمعة من كتاب الجمعة: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون))، وسيأتي وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] هناك إن شاء الله تعالى.
قلتُ: وقد سبق ذلك في كلام العيني في باب لا يسعى إلى الصلاة، قبل الباب السابق. انتهى.
٦٣٨ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفضل بن دُكين.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) أي بفتْح الشين وسكون الياء آخرِ الحروف.
قوله: (عَنْ يَحْيَى) أي ابنِ
стр. 354
أبي كَثير.
قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ)، قولُه: (عَنْ أَبِيهِ) أي أبو قتادة الحارث الأنصاري.
هذا الإسناد بعينه قد مرّ في باب قول الرجل فاتتنا الصلاة.
قوله: (قَالَ: قَالَ النبي ﷺ : «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ)
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الحديث قد مر في الباب السابق عن مسلم بن إبراهيم عن هشام عن يحيى، وفي هذا زيادة على ذلك وهي قولُه: (وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ)، وهذا هكذا روايةُ أبي ذر وكريمة، وفي رواية الأصيلي وأبي الوقت: <وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةِ> بحذف الباء، وكذا أخرجه أبو عوانة من طرق عن شيبان، وقد ذكرنا إعراب الوجهين عن قريب.
قوله: (تَابَعَهُ عَلَيُّ بنُ المبَارَكِ) قلتُ: الهنائي البصري سمع يحيى ابن أبي كثير، روى عنه وكيع وهارون بن إسماعيل وابن عُلَيَّة وعثمان بن عمر وسعيد بن الربيع. انتهى.
أي تابع عليُّ بن المبارك شيبانَ عن يحيى بن أبي كثير، ومتابعته وَصَلها البخاري في كتاب الجمعة، ولفظُه: ((وعليكم السكينة)) بغير باء أيضًا، وقال أبو العباس الطَّرْقِي - قلت: هو بفتح الطاء المهملة وسكون الراء والقاف. انتهى. -: تفردَ شَيبان وعليُّ بن المبارك عن يحيى بهذه الزيادة. وتُعُقِّبَ بأن معاوية بن سلام تابعهما عن يحيى، ذكره أبو داود عقب رواية أبان عن يحيى، فقال: رواه معاوية بن سلام وعلي بن المبارك عن يحيى وقالا فيه: ((حتى تروني وعليكم السكينة)).
قال شيخنا: وهذه الرواية المعلقة وصلها الإسماعيلي من طريق الوليد بن مسلم عن معاوية بن سلام وشيبان جميعًا عن يحيى كما قال أبو داود. انتهى.
(٢٤) بَابٌ: هَلْ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ لِعِلَّةٍ ؟
أي هذا بابٌ يُذكر فيه: هل يخرج الرجل من المسجد بعد إقامة الصلاة لأجل علة؟ أي ضرورة، وذلك مثلُ أن يكون محدِثًا أو جُنُبًا، أو كان حاقِبًا، أو حصل به رعاف، أو كان إماما لمسجد آخر، ونحو ذلك.
فإن قلتَ: روي عن أبي هريرة أنه رأى رجلًا يخرج من المسجد بعد أن أذن المؤذن بالعصر، قال: ((أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﵇). رواه مسلم والأربعة. يُقال: هذا محمول على من خرج بغير ضرورة، وقد صرَّح بذلك في رواية الطبراني في «الأوسط» : من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ولفظه: ((لا يسمع النداءَ في مسجدي ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق)).
٦٣٩ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن يحيى، أبو القاسم القرشي، ترجمته في باب الحرص على الحديث في كتاب العلم.
قوله: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) ترجمته في باب تفاضل أهل الإيمان.
قوله: (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) أي أبو محمد الغفاري، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام.
قوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرحمن، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
стр. 355
أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان.
في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين: وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وهم صالح والزهري وأبو سلمة، فقد رأى صالح عبدَ الله بن عمر. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون.
قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ، انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ، انْصَرَفَ، قَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمْ» فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، وَقَدِ اغْتَسَلَ)
مطابقته للترجمة ظاهرة.
قال العيني: أخرج البخاري في كتاب الغسل في باب إذا ذكر في المسجد أنه جُنُبٌ يخرج كما هو ولا يتيمَّم: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: حدثنا يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا: ((مكانَكم))، ثم رجع فاغتسل ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر وصلينا معه. وقد قلنا هناك: إنه أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وتكلمنا بما فيه الكفاية، ولنتكلم هنا بما يتعلق بالحديث المذكور.
فقوله: (خَرَجَ) أي من الحُجرة، قال شيخنا: قوله (خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) يَحتمل أن يكون المعنى: خرج في حال الإقامة، ويحتمل أن تكون الإقامة تقدمت خروجَه، وهو ظاهرٌ في الرواية التي في الباب الذي بعده لتعقيب الإقامة بالتسوية وتعقيبِ التسوية بخروجه جميعًا بالفاء، ويحتمل أن يُجمع بين الروايتين بأن الجملتين وقعتَا حالًا، أي خرجَ والحالُ أن الصلاة أقيمت والصفوفَ عُدِّلت.
قال العيني: ليس فيه الاحتمالان اللذان ذكرهما، بل معنى الحديثين سواء، لأن الجملتين أعني قوله: (وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ) وقعتا حالين، والمعنى: أنه خرج والحال أنهم أقاموا الصلاة وعدلوا الصفوف، وكذلك معنى الحديث الثاني، لأن الفاء فيه ليست للتعقيب كما ظنَّهُ هذا القائل، وإنما هذه الفاء تسمَّى فاءَ الحال، والمعنى: حالَ إقامة الصلاة وتعديلِ الصفوف خرجَ النبي ﷺ . انتهى.
قلتُ: ما قال شيخُنا صحيح، والاحتمالُ لا يردُّه، والفاءُ في هذا المقام يصح أن يكون للتعقيب كما يصح أن يكون للحال، ويُرجِّح ما قاله شيخنا من التعقيبِ بين الإقامة والتسوية فقط ما ذكرَه صاحب «تحفة المتهجد وغنية المتعهد» جمالُ الدين بن خليل الدمشقي: ((أن النبي ﷺ كان يتولى تسويةَ الصفوف بنفسه أحيانًا حتى يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية ويمسح بيده الشريفة مناكبَهم وصدورهم ويسوي بنفسه صفوفهم)).
واعلم أن نهيَه عن القيام حتى يروه يلزم من العمل بمقتضاه أنَّ تسوية الصفوف بعد خروجه، فعلى هذا أنه لم يخرج حال تسوية الصفوف ولا عقِب التسوية
стр. 356
وفي هذا مجال للبحث أيضًا. انتهى.
وقال الكِرماني: فإن قلتَ: السُّنَّة أن تكون الإقامة بنظر الإمام، فلم أقيمت قبل خروجه؟ وتقدم حديث: ((لا تقوموا حتى تروني)) فلِمَ عدلت الصفوف قبل ذلك؟ قلتُ: لفظ: (قَدْ) يقرِّب الماضي من الحال، فمعناه: خرج في حال الإقامة وفي حال التعديل، ولا يلزم الأمران المذكوران، أو علموا بالقرائن خروجَه وأذِن لهم في الإقامة ولهم في القيام. انتهى.
قال العيني: لا حاجة إلى قوله: بأنَّ لفظ: (قَدْ) يقرب الماضي من الحال. لأنَّ الجملة التي دخلت عليها لفظةُ: (قَدْ) حاليَّةٌ كما ذكرنا، والأصل أن الجملة الفعلية الماضية إذا وقعت حالًا تدخل عليها: «قد»، كما تدخل «الواو» على الجملة الإسمية إذا وقعت حالًا، وإذا دخلت الجملُة الفعلية الواقعة حالًا عن لفظة: «قد» ظاهرًا تُقدَّر فيها، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] أي: قد حصرت.
قال شيخنا: وتقدم احتمالُ أن يكون ذلك سببًا للنهي، فلا يلزم منه مخالفتُهم له، وقد تقدم الجمع بينه وبين حديث أبي قتادة: ((لا تقوموا حتى تروني)) قريبًا. انتهى.
قوله: (وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ) أي سويت.
قوله: (حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ) زاد مسلم من طريق يونس عن الزهري: ((قبل أن يكبر فانصرف))، وقد تقدم في باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب من أبواب الغسل من وجه آخر عن يونس بلفظ: ((فلما قام في مصلاه)). وهو معارِض لما رواه أبو داود وابن حِبَّان عن أبي بكرة: ((أن النبي ﷺ دخل في صلاة الفجر فكبَّر ثم أومأ إليهم))، ولمالك من طريق عطاء بن يسار مرسلًا: ((أنه ﷺ كبر في صلاة من الصلوات ثم أشار بيده أن امكثوا)).
ويمكن الجمع بينهما بحمل قولِه: ((كبَّرَ)) على: «أراد أن يكبر»، أو بأنهما واقعتان. أبداهُ عياض والقرطبي احتمالًا، وقال النووي: إنه الأظهر، وجزم به ابن حبان كعادته، فإنْ ثَبَتَ وإلا فما في «الصحيح» أصحُّ، ودعوى ابن بطال أن الشافعي احتج بحديث عطاء على جواز تكبير المأموم قبل تكبير الإمام - قال: فناقضَ أصلَه فاحتج بالمرسل - مُتَعَقَّبَةٌ بأن الشافعي لا يرُدُّ المراسيل مطلقًا بل يحتج منها بما يعتضِد، والأمر هنا كذلك لحديث أبي بكرة الذي ذكرناه.
قوله انْتَظَرْنَا جملة حالية عامل في الظرف.
قوله: (أَنْ يُكَبِّرَ) كلمةُ: (أَنْ) مصدرية، أي انتظرنا تكبيره.
قوله: (انْصَرَفَ) أي إلى الحجرة، وهو جواب: (إِذَا).
قوله: (قَالَ) استئنافٌ أو حال.
قوله: (عَلَى مَكَانِكُمْ) أي كونوا على مكانكم والزموا موضعكم.
قوله: (فَمَكَثْنَا) مِنَ المكث، وهو: اللُّبث.
قوله: (عَلَى هَيْئَتِنَا) بفتح الهاء وسكون الياء آخرِ الحروف وفتحِ الهمزة بعدها التاء المثناة من فوق. والمراد بذلك أنهم امتثلوا أمره ﷺ في قولِه (عَلَى مَكَانِكُمْ) فاستمرُّوا على الهيئة أي على الكيفية التي تركَهم عليها وهي قيامُهم في صفوفهم المعتدلة.
وفي رواية الكُشْمِيهَني: <على هِينَتِنَا> بكسر الهاء وبعد الياء نون مفتوحة بعدها تاء مثناة من فوق مكسورة. والهِينَةُ: الرِّفقُ والتأنِّي. ورواية الجماعة أصوب وأوجَهُ.
قوله (يَنْطِفُ) بكسر
стр. 357
الطاء وضمها، أي يقطُر كما صرح به في الرواية التي تأتي بعد هذه. وهذه الجملة حال.
قوله: (وَقَدِ اغْتَسَلَ) الجملةُ حال أيضاً.
قوله: (مَاءً) نُصِبَ على التمييز، وفي رواية الدارقطني من وجه آخر عن أبي هريرة: ((فقال: إني كنت جُنُبًا فنسيت أن أغتسل)).
وفي هذا الحديث من الفوائد غيرُ ما مضى في كتاب الغسل: جواز النسيان على الأنبياء في أمر العبادة لأجل التشريع. قلتُ: يدلل ﵇ في قوله ﵇: ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون))، وحديثُ ذي اليدين لَمَّا صلى ﵇ الظهر ركعتين. انتهى.
وفيه: طهارة الماء المستعمَل. وجوازُ الفصل بين الإقامة والصلاة، لأنَّ قوله: ((فصلى)) ظاهرٌ في أن الإقامة لم تُعَد، والظاهر أنه مقيد بالضرورة وأمْنِ خروج الوقت، وعن مالك: إذا بعُدت الإقامةُ من الإحرام تُعاد. وينبغي أن يُحمل على ما لم يكن عذر.
وفيه: أنه لا حياء في أمر الدين، وسبيلُ من غُلِبَ أن يأتيَ بعذر موهِمٍ كأنْ يُمسك بأنفِه ليوهِم أنه رعِف.
وفيه: جواز انتظار المأمومين مجيء الإمام قيامًا، وهو غير القيام المنهي عنه في حديث أبي قتادة.
وأنه لا يجب (١) على من احتلم في المسجد فأراد الخروج منه أن يتيمم، كما تقدم في الغسل.
وفيه: جواز الكلام بين الإقامة والصلاة، وسيأتي في باب مفرد.
وفيه: جواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث.
قلتُ: وفيه جواز الخروج من المسجد بعد الأذان للضرورة الشرعية.
وفيه: تأخيرُ تكبير المأمومين عن تكبير الإمام.
وفيه: أمر الإمام المأمومين بانتظاره إذا أراد العَوْدَ إِليهم عن قريب. طواعيةُ الجماعة الإمام إذا أمرهم بانتظاره وقد بوَّب فيه في هذا الباب الذي بعد هذا.
وفيه: سرعة الإمام في غسله إذا كان الجماعة ينتظرونه. انتهى.
قال شيخنا: وقع في النسخ: قيل لأبي عبد الله - أي البخاري -: إذا وقع هذا لأحدنا يفعل هذا؟ قال: نعم. قيل (٢) : ينتظرون الإمام قيامًا أو قعودًا؟ قال: إن كان قبل التكبير فلا بأس أن يقعدوا وإن كان بعد التكبير انتظروه قيامًا. ووقع في بعضها في آخر الباب الذي بعده. انتهى.
(٢٥) بَابٌ: إِذَا قَالَ الإِمَامُ: مَكَانَكُمْ حَتَّى نَرْجِعَ انْتَظَرُوهُ
أي هذا باب يُذكر فيه إذا قال الإمام للجماعة: اِلزموا مكانكم حتى نرجع.
قوله: (انتَظَرُوه) على صيغة الماضي جوابُ (إذَا).
قال شيخنا: هذا اللفظ في رواية يونس عن الزهري كما مضى في الغسُل.
قال العيني: ليس هكذا اللفظ في رواية يونس، فإنَّ لفظه: ((فقال لنا: مكانَكم، ثم رجع)). ولو قال: هذا اللفظ أخذَه من معنى رواية يونس. لكان أصوب. انتهى.
قوله: (حتى نَرجِعَ) بالنون في رواية الكُشْمِيهَني، وبالهمزة: <أرجع> للأصيلي، والباقين: <حتى يرجع> بالياء آخر الحروف، وعل كل حالٍ هو منصوب بأنْ المقدَّرة.
٦٤٠ - قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هكذا وقع غيرَ منسوب في جميع الروايات، قال الغساني: لعله إسحاق بن منصور، وجوزه ابن طاهر، وجزم به
стр. 358
المزي. قال شيخنا: وكنتُ أجوِّزُ أنه بن راهَوْيْه لثبوته في «مسنده» عن الفَريابي إلى أن رأيت في سياقه له مغايرة. انتهى. ترجمة إسحاق بن منصور وإسحاق بن راهويه في باب فضل من علِم وعلَّم.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) أي الفَريابي، وهو شيخ البخاري، وأكثر الرواية عنه بغير واسطة، وههنا روى عنه بواسطة، ترجمته في باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة في كتاب العلم.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) أي عبد الرحمن بن عمرو، ترجمته في باب الخروج في طلب العلم.
قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
قوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابنِ عوف.
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن، ترجمته في كتاب الوحي.
في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه القول في ثلاثة مواضع.
قال شيخنا: قولُه: (عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) صرح بالتحديث في الموضعين إسحاقُ بن راهويه.
قوله: (قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَتَقَدَّمَ، وَهُوَ جُنُبٌ، فَقَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمْ» فَرَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَصَلَّى بِهِمْ)
مطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث أخرجه مسلم في الصلاة أيضًا عن زهير بن حرب عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي نحوه: ((أقيمت الصلاة وصف الناسُ صفوفَهم، وخرج رسول الله ﷺ فقام مقامه، فأومأ إليهم بيده أن: مكانكم، فخرج وقد اغتسل ورأسه يقطر الماء، فصلى بهم)). وعن إبراهيم بن موسى عن الوليد بن مسلم مختصرًا.
وأخرجه أبو داود في الطهارة عن مؤمل بن الفضل عن الوليد بن مسلم نحو حديث زهير بن حرب، وفي الصلاة عن محمود بن خالد وداود بن رشيد، كلاهما عن الوليد بن مسلم نحو حديث إبراهيم ابن موسى.
قوله: (فَتَقَدَّمَ، وَهُوَ جُنُبٌ) يعني: في نفس الأمر، لا أنهم اطَّلعوا على ذلك منه قبل أن يُعلِمَهم، وقد مضى في رواية يونس في الغُسل: ((فلما قام في مصلاه ذَكَر أنه جُنُب))، وفي رواية أبي نعيم: ((ذكر أنه لم يغتسل)).
قوله: (عَلَى مَكَانِكُمْ) أي اثبُتوا في مكانكم ولا تفرقوا.
قوله: (فَرَجَعَ) أي إلى الحجرة.
قوله: (وَرَأْسُهُ) مبتدأ وخبره (يَقْطُرُ)، والجملة حال، و (مَاءً) نُصِب على التمييز.
قوله: (فَصَلَّى بِهِم) ظاهرُهُ أنه لم يأمرهم بإعادة الإقامة.
قال العيني: في بعض النسخ بعدَه: <قيل لأبي عبد الله: إن بدا لأحدنا هذا يفعل كما فعل النبي ﷺ ؟ قال: فأي شيء يصنع؟ فقيل: ينتظرونه قيامًا أو قعودًا؟ قال: إن كان قبل التكبير فلا بأس أن يقعُدوا، وإن كان بعد التكبير ينتظرونه قيامًا>. انتهى.
(٢٦) بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: مَا صَلَّيْنَا
стр. 359
أي هذا بابٌ يُذكر فيه قول الرجل: ما صلينا، وفي بعض النسخ: <باب قول الرجل للنبي ﷺ : ما صلينا>.
وقال ابن بطال: فيه رد لقول إبراهيم النخعي: يكره أن يقول الرجل: لم نصلِّ. وكراهة النخعي ليست على إطلاقها، بل إنما هي في حق منتظرِ الصلاة، ومنتظرُ الصلاة في الصلاة، فقول المنتظر: ما صلينا. يقتضي نفي ما أثبته الشارع، فلذلك كرهه. والإطلاقُ الذي في حديث الباب إنما كان من ناسٍ لها أو مشتغِلٍ عنها بالحرب كما تقدم تقريرُه في باب من صلى بالناس جماعةً بعد خروج الوقت في أبواب المواقيت فافترق حكمهُمَا وتغايرَا.
قال شيخنا: والذي يظهر لي أن البخاري أراد أن ينبِّه على أن الكراهة المحكِيَّة عن النخعي ليست على إطلاقها لِمَا دلَّ عليه الباب، ولو أراد الردَّ على النخعي مطلقًا لأفصح كما أفصح بالرد على ابن سيرين في ترجمة: فاتتنا الصلاة.
٦٤١ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفضل بن دُكَين.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) أي ابن عبد الرحمن النحوي.
قوله: (عَنْ يَحْيَى) أي ابن أبي كثير.
قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، يَقُولُ) أي ابن عبد الرحمن.
قوله: (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي أبو عمرو، وهؤلاء الرواة كلهم تقدمَ التنبيهُ عليهم عن قريب.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. والإخبار كذلك في موضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: السماع.
قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ: مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا» فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى بُطْحَانَ وَأَنَا مَعَهُ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ)
قال الكِرماني: ما يظهر من كلامه أن مطابقة الحديث للترجمة في قوله: (مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ)، وهو معنى: ما صليتُ، بحسب عرف الاستعمال، فهذا قول عمر ﵁ للنبي ﷺ .
وقال شيخنا: ثم إن اللفظ الذي أورده المؤلف وقع النفيُ فيه من قول النبي ﷺ لا من قول الرجل، لكنْ في بعض طرقه وقوعُ ذلك من الرجل أيضًا، وهو عمر ﵁ كما أورده في المغازي، وهذه عادة معروفة للمؤلف، يترجم ببعض ما وقع في طرق الحديث الذي يسوقه، ولو لم يقع في الطريق التي يوردها في تلك الترجمة، ويدخُل في هذا: ما في الطبراني من حديث جُندب في قصة النوم عن الصلاة فقالوا: يا رسول الله سَهَوْنا فلم نصلِّ حتى طلعت الشمس.
قال العيني: الذي قاله الكِرماني هو الأوجَهُ، لأنه لا يَحسُن أن يترجم ببعض ما في حديثٍ أُورِد في غير الباب الذي تَرجَم به، والأحسن أن تقع المطابقة بين الترجمة والحديث في الباب الذي ذكره. انتهى.
قلتُ: إذا كانت هذه عادةً معروفةً للبخاري
стр. 360
فما قال العينيُّ ليس بالجيِّد، وكلامُ الكِرمانيِّ تأويلٌ، فما قاله شيخُنا هو الأوجَهُ الأحسن. انتهى.
وهذا الحديث قد مر في باب من صلى بالناس جماعةً بعد ذهاب الوقت، وقد استوفينا الكلام فيه هناك.
قوله: (مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ) خبرُ «كادَ» قد يُستعمل بِـ «أَنْ» استعمالَ: «عسى»، والأصلُ عدمها، وقد استُعمل ههنا على الوجهين حيث قال: (أَنْ أُصَلِّيَ) و (تَغْرُبُ).
قوله: (وَذَلِكَ) أي القولُ.
قوله: (بَعْدَ مَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ) أي بعد الغروب، قال الكِرماني: فإن قلتَ: كيف يكون المجيء بعد الغروب، وقد صرَّحَ بأنه جاء يوم الخندق؟ قلتُ: أراد باليوم الزمانَ، كما يقال: رأيتُه يوم ولادة فلان، وإن كانت بالليل، والغرض منه بيان التاريخِ - أي زمانَ الخندقِ - لا خصوصيةُ الوقت.
قال شيخنا: والذي يظهر لي أنَّ الإشارة بقوله: (وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ) إشارةٌ إلى أنَّ الوقت الذي خاطب به عمرُ النبيَّ ﷺ لا إلى الوقت الذي صلى فيه عمرُ العصرَ فإنه كان قُرب الغروب كما تدل عليه «كاد»، وأما إطلاق اليوم وإرادة زمان الوقعة لا خصوصَ النهار فهو لسبب.
قوله: (بُطْحَانَ) بضم الباء الموحدة وسكون الطاء، وهو واد بالمدينة الشريفة، غيرُ مُنصرِفٍ.
(٢٧) بَابُ الإِمَامِ تَعْرِضُ لَهُ الحَاجَةُ بَعْدَ الإِقَامَةِ
أي هذا باب يُذكر فيه الإمام تعرض... إلى آخره، و (تَعْرِضُ) - بكسر الراء - أي تظهر، وبعدَه مقدَّرٌ تقديرُه: هل يباح له التشاغل بالحاجة قبل الدخول في الصلاة أم لا؟ والحاصل: أنه يجوز. وقُيِّد بقوله: (بَعْدَ الإِقَامَةِ) لأن قبل الإقامة الجوازُ بالطريق الأولى.
٦٤٢ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو) أي بفتح الميم، ترجمته في باب قول النبي: اللهم علمه الكتاب.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) أي ابن سعيد، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) هو ابْنُ صُهَيْبٍ، ترجمته في باب حب الرسول من الإيمان.
قوله: (عَنْ أَنَس) أي ابْنِ مَالِكٍ، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.
في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته كلهم بصريون.
قوله: (عَنْ أَنَس) وفي روايةٍ لمسلم: سمِعَ أنسًا.
قوله: (قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِي رَجُلًا فِي جَانِبِ المَسْجِدِ، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ القَوْمُ)
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأنه ﵇ ناجى ذلك الرجلَ والصلاةُ قد أقيمت، وأطال المناجاة فهذا هو عُروض الحاجة له، فلذلك قُيِّد في الترجمة بالإقامة.
قال الزين بن المنير: خص المصنف الإمامَ بالذِّكر مع أن الحكم عامٌّ لأن لفظ الخبر يُشعر بأن المناجاة كانت لحاجة النبي ﷺ لقوله: (وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِي رَجُلًا)، ولو كانت لحاجة الرجل لقال أنس: ورجلٌ يناجي النبي ﷺ .
قال شيخنا: وهذا ليس بلازم، وفيه غفلةٌ منه عما في صحيح مسلم بلفظ: ((أقيمت الصلاة فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي ﷺ يناجيه)) والذي يظهر لي أن هذا الحكم إنما يتعلق بالإمام، لأن المأموم إذا عرضت له الحاجة لا يَتقيد به
стр. 361
غيرُه من المأمومين بخلاف الإمام. انتهى.
هذا الحديث أخرجه مسلم في الصلاة أيضًا عن شيبان بن فروخ، وأبو داود عن مُسَدَّد.
قوله: (أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) وكانت صلاة العشاء، بيَّنه حماد عن ثابت عن أنس عند مسلم، ودلت القرينةُ أيضًا أنها كانت صلاة العشاء، وهي قولُه: (حَتَّى نَامَ القَوْمُ).
قوله: (وَالنَّبِيُّ) مبتدأٌ وخبرُه: قوله: (يُنَاجِي)، والجملة حال، ومعنى يناجي رجلًا: يحادِثه. وفي رواية أبي داود: ((ورسولُ الله ﷺ نَجِيٌّ في جانب المسجد)) يعني: مُنَاجٍ، كنديمٍ بمعنى: مُنادِم، ووزيرٍ بمعنى: مُوازر، وإنما ذُكر من باب المفاعلة ليدل على أنَّ الرجل أيضًا يشاركه في الحديث.
قولُه: (رَجُلًا) نصب على المفعولية. قال شيخنا: ولم أقف على اسم هذا الرجل، وذَكَر بعضُ الشُّرَّاح - أي ابنُ المُلَقِّن - أنه كان كبيرًا في قومه فأراد أن يتَأَلَّفَه على الإسلام، ولم أقف على مستندٍ لذلك، وقيل: ويحتمل أن يكون ملَكًا من الملائكة جاء بوحي من الله ، رآه أنس في صورة رجل. قال شيخنا: ولا يخفى بُعدُ هذا الاحتمال. انتهى. قلت: قد تقدَّم الكلام على لفظ رجل في بدء الوحي عند قوله: ((فيتمَثَّل لي الملَك رجلًا فيكلمني)).
قوله (حتى نام بعض القوم) زاد شعبة عن عبد العزيز: ((ثم قام فصلى)) أخرجه مسلم، وهو عند المصنف في الاستئذان، ووقع عند إسحاق بن راهويه في «مسنده» عن ابنِ عُلَيَّةَ عن عبد العزيز في هذا الحديث: حتى نعس بعضُ القوم. وكذا هو عند ابن حِبَّان من وجهٍ آخر عن أنس، وهو يدُلُّ على أن النوم المذكورَ لم يكن مستغرِقًا. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في باب الوضوء من النوم من كتاب الطهارة.
قال شيخنا: وفي الحديث جواز مناجاة الواحد وغيرِه بحضرة الجماعة، وترجم عليه المؤلف في الاستئذان طول النجوى.
قال العيني: باب المفاعلة لا يُسند إلى الواحد، ولو كان هذا القائلُ - يعني شيخنا - وَقَفَ على معاني الأفعال فقال: مُناجاة الاثنين.
قلتُ: كأنَّ العيني لم يتأمَّل قول شيخنا، فإنه قال: مناجاة الواحد وغيره، أو وقَف على نسخةٍ سقط منها لفظة: «غيرِه» فاعترض. انتهى.
وفيه: جواز الفصل بين الإقامة والإحرام إذا كان لحاجة، أما إذا كان لغير حاجة فهو مكروه، وقال صاحب «التلويح» : فيه جواز الكلام بعد الإقامة، وإن كان إبراهيم والزهري وتبعهما الحنفيون كرهوا ذلك، حتى قال بعض أصحاب أبي حنيفة: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة وجب على الإمام التكبيرُ. وقال مالك: إذا بعُدت الإقامة رأيتُ أن تعادَ الإقامةُ استحبابًا.
قال العيني: إنما كره الحنفيةُ الكلام بين الإقامة والإحرام إذا كان لغير ضرورة، وأما إذا كان لأمرٍ من أمور الدين فلا يكره. انتهى.
وفيه: جواز تأخير الصلاة من أول وقتها.
قلتُ: وفيه: جواز ذكر حاجةِ مَن له حاجةٌ للإمام بعد إقامة الصلاة ولو طال الفصلُ.
وفيه: إجابة الإمام له وصبرُه عليه حتى يفرغ ولو شَقَّ ذلك على المأمومين.
وفيه: تواضعه وحُسنُ خُلُقه وقضاؤه حوائج أمته ﵊. انتهى
стр. 362
(٢٨) بَابُ الكَلَامِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ
أي هذا بابُ جوازِ الكلام لأجل مهمٍّ من الأمور عند إقامة الصلاة.
قال العيني: وكأن البخاري أراد بذلك الرد على من كرِهَهُ مطلقًا.
قال شيخنا: ولما أَنْ كانت مسألة الكلام بين الإقامة والإحرام تشمل المأمومَ والإمام أطْلَق المؤلفُ الترجمة ولم يقيدها بالإمام. أي كما فَعَل في الترجمة السابقة.
٦٤٣ - قوله: (حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ) أي بفتح العين المهملة وتشديدِ الياء آخرِ الحروف وفي آخره شين معجمة، والوليدُ بفتح الواو وكسر اللام، وقد تقدَّمَ في باب الجنب يخرج.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) أي ابنُ عبد الأعلى السامي بالسين المهملة، مَرَّ في باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده في كتاب الإيمان.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) أي بضم الحاء المهملة، الطويلُ، ترجمته في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله في كتاب الإيمان أيضًا.
قوله: (سَأَلْتُ ثَابِتًا البُنَانِيَّ) أي بالثاء المثلثة، ابن أسلم البُناني، بضم الباء الموحدة وتخفيف النون وبعد الألف نون أخرى مكسورة، وهي نسبة إلى: بُنَانَة زوجةِ سعد بن لؤي بن غالب بن فهر. وقيل: كانت حاضنةً لبنيه فقط، وقال ابن دريد في «الوشاح» في باب من دخل في قبائل قريش وهم فيهم إلى اليوم: وهم الذين يقال لهم: بنو بُنانة، وبنانةُ حاضنتهم، وليس بنسب، ترجمته في باب القراءة والعرضِ على العالِم.
قوله: (عَنِ الرَّجُلِ يَتَكَلَّمُ بَعْدَ مَا تُقَامُ الصَّلَاةُ، فَحَدَّثَنِي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.
في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وقوله: (عَنِ الرَّجُلِ) ليس له تعلق في الإسناد. وفيه: السؤال. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن حميدًا روى ههنا عن أنس بواسطة، وهو يروي عنه كثيرًا بلا واسطة. وفيه: أن رواته كلهم بصريون.
قال شيخنا: قول حميد: (سَأَلْتُ ثَابِتًا) يُشعر بأنَّ الاختلاف في حكم المسألة كان قديمًا، ثم إنه ظاهر في كونه أخذه عن أنس بواسطة، وقد قال البزار: إن عبد الأعلى بن عبد الأعلى تفرد عن حميد بذلك ورواه عامة أصحاب حميد عنه عن أنس بغير واسطة. كذا أخرجه أحمد عن يحيى القطان وجماعةٌ عن حميد وكذا أخرجه ابن حِبَّان من طريق هشيم عن حميد، لكن لم أقف في شيء من طرقه على تصريحِ حميد بسماعه له من أنس، وهو مدلس فالظاهر أن رواية عبد الأعلى هي المتصلة. انتهى.
قوله: (أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَعَرَضَ لِلنَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ، فَحَبَسَهُ بَعْدَ مَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ)
مطابقته للترجمة في قوله: (فَحَبَسَهُ بَعْدَ مَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ)، لأن معناه: حبسه عن الصلاة بسبب الكلام معه.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود أيضًا في الصلاة عن حسين بن معاذ عن عبد الأعلى.
قوله: (فَحَبَسَهُ) أي مَنَعَهُ من الدخول في الصلاة، وزاد
стр. 363
هُشَيم في روايته: ((حتى نعس بعض القوم)).
قال شيخنا: ويدخل في هذا الباب ما سيأتي في الإمامة من طريق زائدة عن حميد قال: حدثنا أنس قال: ((أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه))، زاد ابن حِبَّان: ((قبل أن يُكبِّرَ فقال: أقيموا صفوفكم وتراصُّوا)) لكن لما كان هذا يتعلق بمصلحة الصلاة كان الاستدلال بالأول أظهر في جواز الكلام مطلقًا والله أعلم. انتهى.
قال التيمي: هذا رد على من قال: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وجب على الإمام تكبير الإحرام.
وفيه: دليل أنَّ اتصال الإقامة بالصلاة ليس من وكيد السنن، وإنما هو مستحبها. قاله العيني.
قال شيخنا: اشتمل كتاب الأذان وما معه من الأحاديث المرفوعة على سبعة وأربعين حديثًا، المعلق منها ستة أحاديث، المكرر فيه وفيما مضى ثلاثة وعشرون، والخالص أربعة وعشرون، وافقه مسلم على تخريجها سوى أربعة أحاديث: حديثِ أبي سعيد: ((لا يسمع مدى صوت المؤذن))، وحديثِ معاوية وجابر في القول عند سماع الأذان، وحديثِ بلال في جعل إصبعيه في أذنيه. وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم ثمانية آثار والله أعلم. انتهى.
(٢٩) بسم الله الرحمن الرحيم
أَبْوَابُ الجَمَاعَةِ وَالإِمَامَةِ
قال شيخنا: ولم يفرِده البخاري بكتابٍ فيما رأيت من نسخِ كتابه بل أَتْبَع به كتاب الأذان لتعلقه به، لكن ترجم عليه أبو نعيم في «المستخرج» : كتابُ صلاة الجماعة. وكأنها روايةُ شيخه أبي أحمد الجرجاني
قوله: (بَابُ وُجُوبِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ)
أي هذا بابٌ في بيان وجوب صلاة الجماعة.
قال شيخنا: هكذا بَتَّ الحكم في هذه المسألة، وكأنَّ ذلك لقوة دليلها عنده، لكن أطلق الوجوب وهو أعم من كونه وجوب عين أو كفاية، إلا أن الأثر الذي ذكره عن الحسن يُشعِر بكونه يريد أنه وجوبُ عين، لِمَا عُرِف من عادته أنه يستعمل الآثار في التراجم لتوضيحها وتكميلها وتعيين أحد المحتملات في حديث الباب، وبهذا يُجاب مَن اعترَض عليه بأن قول الحسن يُستدلُّ له لا به.
قال العيني: لا يقال: هذه القسمة إلا في الفرض، فيقال: فرض عين وفرض كفاية، اللهم إلا أن يكون عند من لم يفرق بين الواجب والفرض، ومن أين علم أن البخاري أراد وجوب العين؟ ومن أين يدل عليه أثر الحسن؟ وكيف يجوز الاستدلال على وجوب العين بالأثر المروي عن التابعي وهذا محل نظر.
قوله: (وَقَالَ الحَسَنُ) أي البصري، ترجمته في باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا.
قوله: (إِنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنِ العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ شَفَقَةً لَمْ يُطِعْهَا) يعني: إن منعت الرجلَ أمُّه عن الحضور إلى صلاة العشاء مع الجماعة، شفقةً عليه أي لأجل الشفقة لم يطع أمه فيه، فهذا يدل على أن الصلاة بالجماعة فرض عندَه، ولهذا قال: لم يطع أمه، مع أن طاعة الوالدين فرض في غير المعصية، وإنما عيَّن العشاء، مع أن الحكم في كل الصلوات سواء لكونها من أثقل الصلاة على المنافقين. فإن قلتَ: الفجر كذلك. يقال: ذِكرُ أحدهما
стр. 364
يغني عن الآخر.
وإنما عين الأمَّ مع أن الأب كذلك في وجوبِ طاعتهما، لأن الأم أكثرُ شفقةً من الأب على الأولاد.
قال العيني: ولم يذكر صاحب «التلويح» - أي مغلطاي - ولا صاحب «التوضيح» - أي ابنُ الملقن - وصْلَ هذا الأثر مع كثرة تتبُّعِ صاحب «التلويح» لمثل هذا واتساعِ اطلاعه في هذا الباب.
قال شيخنا: ولم ينبه أحدٌ من الشراح على مَن وصَل أثر الحسن، وقد وجدتُه بمعناه وأتم منه وأصرح في كتاب «الصيام» للحسين بن الحسن المروزي بإسنادٍ صحيح عن الحسن: في رجلٍ يصوم - يعني تطوعًا - فتأمُرُه أمه أن يفطر؟ قال: فلْيفطر ولا قضاء عليه، وله أجر الصوم وأجر البِرِّ. قيل: فتنهاهُ أن يصليَ العِشاء في جماعة. قال: ليس ذاك لها، هذه فريضة.
٦٤٤ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي التنيسي.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي الإمام، ترجمتهما في بدء الوحي.
قوله: (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) أي بالزاي والنون، عبدُ الله بن ذكوان، ترجمته في باب حب الرسول من الإيمان.
قوله: (عَنِ الأَعْرَجِ) أي عبد الرحمن بن هرمز، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان.
في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: اثنان لم يُذكَرَا باسمهما، فأحدهما ذُكِر بالكُنية، والآخرُ باللقب. وفيه: (عَنِ الأَعْرَجِ)، وفي رواية السراج من طريق شعيب عن أبي الزناد: سمع الأعرج. وفيه: أن رواتَه كلُّهم مدنيُّون ما خلا شيخ البخاري.
قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ، فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا لِيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ، أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ، لَشَهِدَ العِشَاءَ)
مطابقته للترجمة من حيث أنه يدل على وجوب الصلاة بالجماعة لما فيه من وعيد شديد يدل على أن تاركها يدخل فيه. وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الأحكام عن إسماعيل، وأخرجه النَّسائي في الصلاة أيضًا عن قتيبة عن مالك.
وقد رُوِي هذا الحديث بألفاظٍ مختلفة: فعند البخاري في باب فضل صلاة العشاء في الجماعة: ((ليس صلاةٌ أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء)) الحديث. وفي لفظ له: ((ولقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم))، وفيه: ((ثم آخذ شُعَلًا من نار فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بغير عذر)). وفي لفظ: ((ثم أخالف إلى أقوام لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم)).
وعند أحمد بن حنبل ﵀: ((لولا ما في البيوت من النساء والذرية: أقمتُ صلاةَ العشاء وأمرتُ فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار)). وعند أبي داود: ((ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم ليست بهم عِلَّةٌ فأحرقها عليهم)).
وفي «مسند» السراج: ((آمر فتيتي إذا سمعوا الإقامة مَن تخلَّف أن يحرقوا عليهم، لو يعلمون ما فيهما لأتوهُما ولَوْ حَبْوًا)). وفي لفظ آخر: أخَّرَ النبيُّ ﷺ صلاة العشاء حتى تهوَّر الليل وذهب ثلُثُه أو نحوُه، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس عِزُون وإذا هم
стр. 365
قليل، فغضبَ غضبًا شديدًا، لا أعلم أنِّي رأيُته غضب غضبا أشد منه، ثم قال: ((لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس ثم أتَتَبَّع هذه الدور التي تخلف أهلوها عن هذه الصلاة فأضرمها عليهم بالنيران)).
وفي «كتاب» الطوسي مصحَّحًا: ((ثم آتي قومًا يتَخلَّفون عن هذه الصلاة فأحرق عليهم)) - يعني: صلاة العشاء -. وفي «مسند» عبد الله بن وهب: حدثنا ابن أبي ذئب حدثنا عجلان عنه: ((لينتهِيَنَّ رجالٌ مِن حول المسجد لا يشهدون العشاء أو لَأُحرِّقَنَّ بيوتهم)). وفي كتاب «الثواب» لحميد بن زنجويه: ((آمر رجالا في أيديهم حُزَمُ حطبٍ لا يؤتى رجلٌ في بيته سمع الأذان إلا أُضرِم عليه بيتُه)).
وفي «الأوسط» للطبراني: ((آمر رجالا إذا أقيمت الصلاة أن يتخلفوا دونَ من لا يشهد الصلاة فيُضرِموا عليهم بيوتهم))، قال: ((ولو أنَّ رجلًا آذَنَ الناس إلى طعامٍ لأتَوه، والصلاةُ ينادَى بها فلا يأتوها)). وفي «معجمه الصغير» : ((ثم أنظر فمن لم يشهد المسجد فأحرق عليه بيته)). وفي كتاب «الترغيب والترهيب» لأبي موسى المديني الأصبهاني: خرج بعدما تهوَّر الليلُ وذهب ثلثه ثم قال: ((لو أن رجلًا نادَى الناسَ إلى عَرْقٍ أو مِرْمَاتَين أتوه لذلك، وهم يتخلفون عن هذه الصلاة)). وعند الدارقطني في «مسنده» : ((لو كان عَرْقًا سمينا أو مِغرَفتين لشهدوها)).
وفي «مصنف» عبد الرزاق - بسند صحيح -: ((لقد هممتُ أن آمر فتياني أن يجمعوا إليَّ حُزمًا من حطب ثم أنطلق فأحرق على قوم بيوتهم لا يشهدون الجمعة))، رواه عن جعفر عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة. ولِمَا رواه البيهقي من طريق أحمد بن منصور الرمادي عن عبد الرزاق قال: كذا قال: ((الجمعة))، وكذلك روي عن أبي الأحوص عن ابن مسعود. والذي يدل سائر الروايات أنه عبَّر بالجمعة عن الجماعات. وروي في «المعجم الأوسط» عن ابن مسعود بالإطلاق من غير تقييدٍ بالجمعة، والذي فيه التقييدُ بالجمعة رواه السراج عن أبي الأحوص عن عبد الله.
قوله: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أي والله الذي نفسي بيده القدرة، وهو قَسَمٌ كان النبي ﷺ كثيرًا ما يُقسِم به.
قوله: (لَقَدْ هَمَمْتُ) جوابُ القسم، أكَّدَهُ باللام وكلمةِ «قد»، ومعنى: (هَمَمْتُ) أي قصدتُ، مِنَ الهَمِّ وهو العزمُ، وقيل: دونَه.
قوله: (فَيُحْطَبَ) بالفاء، وهو على صيغة المجهول، وهو رواية الكُشْمِيهَني. وفي رواية الحموي والْمُستملي: <لِيُحْطَبَ> باللام. ورواية الكُشْمِيهَني هو روايةُ الأكثرين وروايةُ «الموطأ» أيضًا، وقال الكِرماني: وفي بعض الرواية ((ليحطب)) بالنصب ولام كي وبالجزم ولام الأمر. وقال أيضًا: ((ليحتطب)) أي ليُجمَع، يُقال: حطبتُ واحتَطبتُ إذا جمعْتُ الحطب.
وقال بعضُهم: ومعنى «يُحطَب» : يُكسر ليسهُل إشعالُ النارِ به. قال العيني: ليس المعنى كذلك، والمعنى: أن آمُرَ بحطب فيُحطب أي فيُجمع، وكذلك معنى: «يُحتَطب» كما ذكرناه، ولم يقل أحدٌ من أهل اللغة أي معنى يُحَطب: يُكسَر.
قوله: (ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ) الألف واللام فيها إن كانت للجنس فهو عام، وإن كانت للعهد ففي روايةٍ: أنها العِشاء، وفي أُخرَى: الفجرُ، وفي أُخرَى: الجمعة، وفي أخرى: يتخلفون عن الصلاة مطلقًا. ولا تضاد بينها؛ لجواز تعدُّدِ الواقعة، نعم إذا كان المرادُ الجُمعة فالجماعة شرط فيها، ومحل الخلاف إنما هو في غيرها.
стр. 366
وقال البيهقي: والذي يدل عليه سائر الروايات أنه عبَّر بالجمعة عن الجماعة، ونوزع فيه، لأن أبا داود والطبراني روَيَا من طريق يزيد بن يزيد بن جابر عن يزيد بن الأصم فَذَكَر الحديث. قال يزيد: قلتُ ليزيد بن الأصم يا أبا عوف الجمعة عَنَى أو غيرها؟ قال: صُمَّتْ أُذُناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يؤثره عن رسول الله ﷺ ما ذَكَر جمعةً ولا غيرها. فظهر من ذلك أن الراجح في حديث أبي هريرة أنها غيرُ الجمعة، وظهر أن البيهقي وهِم في هذا، نعم جاء في حديث ابن مسعودٍ وأخرجه مسلم وفيه: الجزمُ بالجمعة، وهو حديث مستقل برأسه، ومَخْرَجُه مُغايرٌ لحديث أبي هريرة لا يَقدح أحدُهما في الآخر، لإمكان كونهما واقعتين كما أشرنا إلى ذلك عن قريب.
قوله: (فَيُؤَذَّنَ لَهَا) كذا هو باللام، أي أُعلِمَ الناس لأجلها، ويُروَى بالباء أي أعلمتُ بها. والهاءُ مفعول ثانٍ.
قوله: (ثُمَّ أُخَالِفَ) من باب المفاعَلة، قال الجوهري: قولهم: هو يخالف إلى فلان، أي يأتيه إذا غاب عنه. وقال الزمخشري: يقال: خالفني إلى كذا، إذا قصدَه وأنت مُوَلِّ عنه، قال تعالى ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ﴾ [هود: ٨٨]، والمعنى: أخالفَ المشتغلين بالصلاة قاصدًا إلى بيوت الذين لم يخرُجوا عنها إلى الصلاة فأُحرقها عليهم. ويقال: معنى أخالفَ إلى رجال: أذهبَ إليهم. والتقييدُ بالرجال يُخرِج الصبيانَ والنساء.
قوله: (فَأُحَرِّقَ) بالتشديدِ مِنَ التحريق، والمراد به التكثيرُ، يقال: حَرَّقَه - بالتشديد - إذا بالغ في تحريقه، ويُروى: ((فأُحْرِقَ)) من بابِ الإحراق، وروايةُ التَّشديد أكثرُ وأشهرُ.
قوله: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أَعَادَ يمينَه لأجل المبالغةِ في التهديد.
قوله: (عَرْقًا) بفتح العين المهملة وسكون الراء، جَمعُه عُراق، قال الأزهري في «التهذيب» : هي العظام التي يؤخذ منها هَبْرُ اللحم ويبقى عليها لحومٌ رقيقة طيِّبةٌ فتُكسر وتطبخ وتؤخذُ إِهالتُها من طُفاحتها ويؤكل ما على العظام من لحم رقيق ويُتَمَشَّشُ العظامُ، ولحمها من أطيب اللحوم عندهم. يقال: عَرَقتُ اللحمَ وتَعرَّقتُهُ وأَعْرَقْتُهُ، إذا أخذتَ اللحمَ منه نَهْشًا بأسنانك، وعظم معروق: إذا أُلقي عليه لحمُه أي قُشِر، والعُرام مثل العُراق، قاله الرياشي. وقال القُتيبي: سمعتُ الرياشي يروي عن أبي زيد أنه قال: قول الناس: ثريدةٌ كثيرة العُراقِ خطأ، لأن العُراقَ العظامُ.
وفي «الموعِب» لابن التياني عن ابن قتيبة: تسمى عُراقًا إذا كانت جرداءَ لا لحم عليها، وتسمى عُراقًا وعليها اللحم، وزعم الكلابي أن العَرْق العظمُ الذي أخذ أكثرُ ما بقي عليه، وبقي عليه شيء يسير. وعن الأصمعي: العَرْقُ بجزم الراء: الفِدرةُ من اللحم، وجمعُها عُراق وهو من الجمع العزيز. وحكى ابن الأعرابي في جمعه: عِراق بالكسر، وهو أقيس وفي «الْمُغرِب» : العَرْقُ العظم.
قوله (أَوْ مِرْمَاتَيْنِ) بكسر الميم وفتحها، وهي تثنية مِرماة، وقال الخليل: هي ما بين ظلفي الشاة. وحكاه أبو عبيد وقال: لا أدري ما وجهُه، ونقله المستملي في روايته في كتاب الأحكام عن الفَربري عن محمد بن سليمان
стр. 367
عن البخاري قال: الْمِرماةُ - بِكسر الميم مثلُ مِنْسَاة ومِيضَاة -: ما بين ظلفي الشاة من اللحم. قال عياض: فالميم على هذا أصلية.
وقال الأخفش: الْمِرْماةُ لُعبة كانوا يلعبونها بنصال محدَّدة يرمونها في كومٍ من تراب، فأيُّهم أثبتها في الكَوْمِ غَلَب، وهي المرماة والمِدحاة. وحكى الحربي عن الأصمعي: أن المرماة سهمُ الهدف. ويؤيده ما حدثني، ثم ساق من طريق أبي رافع عن أبي هريرة بلفظ: ((لو أن أحدهم إذا شهد الصلاة معي كان له عظم من شاة سمينة أو سهمان لفعل)). وقيل: المرماةُ سهم يُتعلَّم عليه الرمي، وهو سهم دقيق مستٍو غير محدَّد.
وقال أبو سعيد: المِرماتان في الحديث سهمان يرمي بهما الرجل فيَحُوزُ سَبْقَه، يقول: سابَقَ إلى إحراز الدنيا وسَبْقِها ويَدَعُ سبق الآخرة.
فإن قلتَ: لِمَ وصف العَرْق بالسِّمَن والمِرماةَ بالحُسْنِ؟ قال العيني: ليكون الباعث النفساني في تحصيلها. وقال الطيبي: الحسنتين بدلٌ مِنَ المِرماتين إذا أريد بهما العظم الذي لا لحم عليه، وإن أريد بهما السهمان الصغيران فالحسنتين بمعنى الجيدتين، صفةٌ للمِرماتين، قال: والمضاف محذوف، يعني: في قوله: (لَشَهِدَ العِشَاءَ) أي صلاةَ العشاء، فالمعنى: لو عَلِمَ أنه لو حضر الصلاة لوجد نفعًا دنيويًا وإن كان خسيسًا حقيرًا لَحَضَرها، لقُصُور همته على الدنيا ولا يحضرها لما لها من مثوبات العُقبَى ونعيمها. انتهى.
استُدِلَّ بهذا الحديث: على أنَّ الجماعة فرض عين، وقال صاحب «التلويح» - أي مغلطاي -: اختُلِف في صلاة الجماعة هل هي شرطٌ في صحة الصلاة - كما قال داود بن علي وأحمد بن حنبل - أو فرض على الأعيان كما قاله جماعة من العلماء وجماعة من محدثي الشافعية ابنُ حِبَّان وابن خزيمة وابن المنذر وأبو ثور، وهو الصحيح عند أحمد، وقال في «شرح المهذب» : وقيل أنه قول للشافعي، وعن أحمد واجبةٌ ليست بشرط، وقيل: سنة مؤكدة كما قاله القُدُوري.
وفي «شرح الهداية» : عامة مشايخنا أنها واجبة، وقد سماها بعضُ أصحابنا سنةً مؤكدة. وفي «المفيد» : الجماعة واجبة، وتسميتُها سنةً لوجوبها بالسنة. وفي «البدائع» : إذا فاتته الجماعة لا يجب عليه الطلبُ في مسجد آخر بلا خلاف بين أصحابنا، لكن إن أتى مسجدًا يرجو إدراك الجماعة فيه فَحَسَنٌ، وإن صلى في مسجد حَيِّهِ فَحَسَن. وعن القُدُوري: يجمع بأهله.
وفي «التحفة» : إنما تجب على من قدِر عليها من غير حرج، وتسقط بالعذر فلا تجب على المريض ولا على الأعمى والزَّمِنِ ونحوِهم، هذا إذا لم يجد الأعمى والزَّمِن مَن يحمله، وكذا إن وَجَد عند أبي حنيفة، وعندهما يجب. وعن شرف الأئمة وغيرِه: ترْكُها بغير عذر يوجب التعزير ويأثم الجيران بالسكوت عن تاركها. وعن بعضهم: لا تُقبَل شهادتُه، فإن اشتغل بتكرار اللغة لا يُعذَر في ترك الجماعة وبتكرار الفقه أو مطالعته يُعذر، فإن تَرَكَها أهلُ ناحية قوتلوا بالسلاح.
وفي «الغنية» : يشتغل بتكرار الفقه ليلًا ونهارًا ولا يحضر الجماعة! لا يُعذر ولا نقبل شهادته. وقال أبو حنيفة: سها أو نام أو شغله عن الجماعة شغل جمعَ بأهله في منزله، وإن صلى وحده يجوز.
واختلف العلماء في إقامتها في
стр. 368
البيت، والأصح أنها كإقامتها في المسجد. وفي «شرح» خواهر زاده: هي سنةٌ مؤكدةٌ غاية التأكيد، وقيل: فرض كفاية وهو اختيار الطحاوي والكرخي وغيرهما وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية، وعليه جماهير المتقدمين مِن أصحابه، وقال به كثير من الحنفية والمالكية، والمشهورُ عند الباقين أنها سنة مؤكدة. وفي «الجواهر» عن مالك: هي سنة مؤكدة. وقيل: فرض كفاية.
استدل من قال بفرضية عينِها بحديث الباب، وقالوا: لو كانت فرض كفاية لكان قيام النبي ﷺ وأصحابُه بها كافيًا، أو لو كانت سنةً فتارك السنة لا يحرق عليه بيتُه، إذْ سيدُنا رسول الله ﷺ لا يهِمُّ إلا بحق. ويدل على وجوبها صلاةُ الخوف إذْ فيها أعمالٌ منافية للصلاة ولا يُعمل ذاك لأجل فرض كفايةٍ ولا سنة.
وبما في صحيح مسلم: أنَّ أعمى قال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني المسجد، قال: ((هل تسمع النداء؟)) قال: نعم، قال: ((فأجب)) وخرَّجه أبو عبد الله في «مستدركه» من حديث عبد الرحمن بن عباس عن ابن أم مكتوم قلتُ: يا رسول الله إن المدينة كثيرة الهوامِّ والسِّباع، قال: ((تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح؟)) قال: نعم، قال: ((فَحَيَّهَلَا)). وقال صحيحُ الإسناد إن كان سمع من ابن أم مكتوم. وخرَّجه من حديث زائدة عن عاصم عن أبي رزين عن ابن أم مكتوم بلفظ: إني كبير شاسعُ الدار ليس لي قائد يلازمني فهل تجد لي من رخصة؟ قال: ((تسمع النداء؟)) قلت: نعم، قال: ((ما أجد لك رخصة)) قال الحاكم: وله شاهد بإسناد صحيح، فذَكَر حديث أبي جعفر الرازي عن حسين بن عبد الرحمن عن عبد الله بن شداد عنه: أن النبي ﷺ استقبل الناس في صلاة العشاء فقال: - يعني ابن أم مكتوم -: ((لقد هممتُ أن آتي هؤلاء الذين يتخلفون عن هذه الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم)) قال: فقلتُ: يا رسول الله لقد علمتَ ما بي... الحديث.
وعند أحمد: أتى النبيُّ ﷺ المسجدَ فوجد في القوم رِقَّةً فقال: ((إني لأهِمُّ أن أجعل للناس إمامًا ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلفُ عن الصلاة في بيته إلا أحرقه عليه))، فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله إن بيني وبين المسجدِ نخلًا وشجرًا ولا أقدر على قائدٍ كلَّ ساعة، أيسعني أن أصليَ في بيتي؟ فقال: ((أتسمع الإقامة؟)) قال: نعم، قال: ((فأْتِها)). وأعلَّ ابنُ القطان حديثَ ابن أم مكتومٍ فقال: لأن الراوي عنه أبو رزين وابن أبي ليلى، فأما أبو رزين فإنَّا لا نعلم سِنَّهُ ولكنْ أكبرُ ما عنده من الصحابة عليٌّ ﵁، وابنُ أم مكتوم قُتل بالقادسية زمن عمر ﵁، وابنُ أبي ليلى مولدُه لِسِتٍّ بقين من خلافة عمر ﵁. انتهى.
قال صاحب «التلويح» مغلطاي: أما قوله: أبو رزين لا نعلم مولده. غيرُ جيد لأنَّ ابن حِبَّان ذَكَر أنه كان أكبر سِنًّا من أبي وائل، وأبو وائل قد عُلِم إدراكُه لسيدنا رسول الله ﷺ ، فعلى هذا لا ُتنكَر روايته عن ابن أم مكتوم.
الثاني: قوله: أَعلى ما له
стр. 369
الروايةُ عن علي. مردودٌ بروايته الصحيحة عن ابن مسعود ﵁.
الثالث: قوله: مات ابنُ أمِّ مكتومٍ بالقادسية. مردودٌ بقول ابن حِبَّان في كتاب «الصحابة» : شَهِدَ القادسية ثم رجع إلى المدينة فمات بها في خلافة عمر ﵁.
الرابع: قوله: إنَّ سِن ابن أبي ليلى لا يقتضي له السماع من عمر. مردودٌ بقول أبي حاتم الرازي - وسأله ابنُه: هل سمع عبد الرحمن من بلال؟ - فقال: بلالٌ خرج إلى الشام قديما في خلافة عمر، فإنْ كان رآه صغيرًا فهذا أبو حاتم لم ينكِر سماعَه من بلال المتوفى سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة، بل جوَّزه، فكيف ينكَرُ من عمر! ورواه البيهقي من حديث ابن شهاب الخياط عن العلاء بن المسيب عن ابن أم مكتوم: قلتُ: يا رسول الله إن لي قائدًا لا يُلازمني في هاتين الصلاتين العشاءِ والصبحِ. فقال: ((لو يعلمُ القاعدون عنهما ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا)).
وفي «الأوسط» من حديث البزار: أن ابن أم مكتوم شكَى إلى النبي ﷺ ، وسَأَله أن يرخِّصَ له في صلاة العشاء والفجر، وقال: أن بيني وبينك أَشَبٌ، فقال: ((هل تسمع الأذان؟))، قال: نعم. مرَّةً أو مرتين، فلم يرخِّص له في ذلك.
وعنده أيضًا من حديث عَدي بن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة: جاء رجل ضريرٌ إلى النبي ﷺ ، فقال: إني أسمع النداء فلعلِّي لا أجد قائدًا، ويشُقُّ عليَّ أن أتخذ مسجدًا في بيتي، فقال ﵇: ((أيبلُغُك النداء؟)) قال: نعم، قال: ((فإذا سمعتَ فأجِبْ)). وقال: تفرَّدَ زيد بن أبي أنيسة عن عدي عن عبد الله بن مغفل. قوله: «أَشَبٌ» بفتح الهمزة وفتح الشين المعجمة وفي آخره باءٌ موحدة، وهو كثرة الشجر، يقال: بلد آشِبةٌ إذا كانت ذات شجر، وأراد ههنا النخل.
وعند مسلم من حديث أبي هريرة: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ أعمى، فقال: يا رسول الله ليس لي قائدٌ يقودني إلى المسجد، فسألَ النبيَّ ﷺ أن يرخِّصَ له فيصلي في بيته فرخَّصَ له، فلما ولَّى دعاه فقال: ((هل تسمع النداء بالصلاة؟)) قال: نعم، قال: ((فأجب)). وخرَّجه السراج في «مسنده» من حديث عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: أتى ابنُ أم مكتومٍ الأعمى... الحديث.
وبما رُويَ عن ابن عباسٍ عن النبي ﷺ : ((من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر)). خرجه ابن حِبَّان في «صحيحه» من حديث سعيد بن جبير عنه. وفَسَّر العذر في حديث سلمان بن قرم بلفظ: ((من سمع النداء ينادَى به صحيحًا فلم يأتِهِ من غير عُذرٍ لم يقبل الله له صلاةً غيرها))، قيل: وما العذر؟ قال: ((المرض والخوف)).
وبما رواه ابن ماجه من حديث الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن الحكم بن مينا أخبرني ابن عباس وابن عمر ﵃ سمعا النبيَّ ﷺ يقول على أعواده: ((لينتَهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهِم الجماعات أو لَيَخْتِمَنَّ اللهُ على قلوبهم)). قلتُ: المراد بأعوادِه: منبرُه ﵇.
وبما رواه ابن ماجه أيضًا من حديث الوليد بن مسلم عن الزِّبرِقان بن عمرو الضَّمري عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : ((لينتهين رجالٌ على ترك الجماعة أو لأحرقن بيوتهم)). وبما رواه أبو سعيد بن يونس في «تاريخه» من حديث واهب
стр. 370
بن عبد الله المعافري عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: ((لَأَنا على أمتي في غير الخمر أخوفُ عليهم من الخمر: سكنى البادية وتركِ المساجد)).
وبما رواه الطبراني في «الأوسط» بسند جيد عن أنس ﵁: ((لو أن رجلا دعا الناس إلى عَرْق أو مِرمَاتين لأجابوه، وهم يُدعون إلى هذه الصلاة في جماعة فلا يأتوها! لقد هممتُ أن آمر رجلًا يصلي بالناس في جماعة فأضرمها عليهم نارًا فإنه لا يتخلف إلا منافق)). وبما رواه أبو داود في «سننه» بسند لا بأس به عن أبي الدرداء مرفوعًا: ((ما من ثلاثةٍ في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما تأكل الذئبُ القاصيةَ)).
وبما رواه أبو نعيم الدُّكَيْنِي بسندٍ صحيحٍ يرفعُه: ((من سمع النداء فلم يجبْ من غير عذر فلا صلاة له)). وبما رواه الكَجِّي في «سننه» عن حارثة بن النعمان يرفعه: ((يخرج الرجل في غنيمته فلا يشهد الصلاة حتى يطبع على قلبه)). في إسناده عمر مولى عفرة. وعن أبي زُرَارة الأنصاري قال: قال ﷺ : ((من سمع النداء فلم يجب كُتِبَ من المنافقين)). ذكره أبو يعلى أحمد بن علي المثنى في «مسنده» بسند فيه ضعف. وبما رواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» عن جابر ﵁ قال ﵇: ((لولا شيءٌ لأمرتُ رجلًا يصلي بالناس ثم لحرقت بيوتًا على ما فيها)).
وأما استدلال من قال بأنها سنٌة أو فرض كفاية فيما تقدم في هذا الكتاب من الأحاديث التي فيها: ((صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذِّ))، لأن صيغة «أَفْعَل» تقتضي الاشتراك في الفضل وترجيحَ أحد الجانبين، وما لا يصحُّ لا فضل فيه. ولا يجوز أن يقال: إنَّ «أفضل» قد تُستعمل بمعنى الفاضل. ولا يقال: إنَّ ذلك محمول على صلاة المعذور فذًّا؛ لأن «الفَذّ» مُعرَّفٌ بالألف واللام فيفيد العموم ويدخل تحته كلُّ فذٍّ من معذورٍ وغيرِه. ويدل أيضًا أنه أراد غيرَ المعذور بقوله: ((أو في سوقه))، لأنَّ المعذور لا يروحُ إلى السوق، وأيضًا فلا يجوز أن يُحمَل (١) على المعذور لأن المعذور في أجر الصلاة كالصحيح.
واستدلوا أيضًا بما رواه الحاكم وصححه عن أُبَي بن كعب ﵁: ((صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاتِه وحدَه، وصلاته مع رجلين أزكى من صلاته مع رجل، وما كثُرَ فهو أحب إلى الله ).
وبقوله ﵇ لِلَّذَين صلَّيا في رحالهما من غير جماعة: ((إذا صليتُما في رحالكما ثم أتيتُما المسجد فصليا فإنَّها لكما نافلة)). فلو كانت الجماعة فرضًا لأمَرَهُما بالإعادة، ومثلُ هذا جرى لمحجن الديلي. ذكره في «الموطأ».
وأما الجواب عن حديث الباب فعلى أوجه:
أحدها: ما قاله ابن بطال، وهو أن الجماعة لو كانت فرضًا لقال حين توعَّدَ بالإحراق من تخلَّفَ عن الجماعة: «لم تجزيه صلاتُه»، لأنه وقتُ البيان. وتعقَّبَه ابن دقيق العيد بأنَّه البيان قد يكونُ بالتنصيص وقد يكون بالدلالة، فلَمَّا قال ﵇: ((لقد هممتُ...)) إلى آخره دَلَّ على وجوب الحضور وهو كافٍ في البيان.
قال العيني: ليس فيه دلالة من الدلالات الثلاث: المطابقة والتضمن والالتزام،
стр. 371
ولا فيه دلالة أصولية فافهم.
الثاني: ما قاله الباجي، وهو أن الخبر ورد مورِد الترهيب وحقيقتُه غير مرادة، إنما المرادُ المبالغةُ، ويرشد إلى ذلك وعيدهم (١) بالعقوبة التي يعاقَب بها الكفار، وقد انعقد الإجماعُ على منع عقوبةِ المسلمين بذلك (٢)، قيل: إنَّ المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزًا بدليل حديث أبي هريرة الآتي في الجهاد الدال على جواز التحريق بالنار ثم على نَسْخِه، فحَمْلُ التهديد على حقيقته غير ممتنع
الثالث: ما قاله ابن بَزِيزَة عن بعضهم أنه استنبط من نفس الحديث عدم الوجوب، لكونه ﵇ هَمَّ بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعةُ فرض عينٍ ما هَمَّ بتركها إذا توجه، وتعقَّبَهُ بأن الواجب يجوز تركُه لِمَا هو أوجب منه. انتهى. وقال شيخنا: وليس فيه أيضًا دليل على أنه لو فعل ذلك لم يتداركها في جماعةٍ آخرين.
الرابع: كونه ﷺ ترك تحريقَهم بعد التهديد، فلو كان واجبًا لما عفا عنهم. قال القاضي عياض ومن تبعه: وليس في الحديث حجة، لأنه- ﵇ -هَمَّ ولم يفعل. زاد النووي: ولو كانت فرض عين لَمَا تركهم. قال العيني: قول النووي أقرب. وقال ابن دقيق العيد: هذا ضعيف، لأنه ﵇ لا يَهِمُّ إلا بما يجوز له فِعْلُهُ لو فَعَلَه، وأما الترك فلا يدل على عدم الوجوب لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك وتَرَكوا التخلف الذي ذمهم بسببه، على أنه جاء في بعض الطرق بيان سبب الترك وهو فيما رواه أحمد من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة بلفظ: ((لولا ما في البيوت من النساء والذرية)) الحديث. وقد تقدم.
الخامس: ما قيل: إنَّ المراد بالتهديد قومٌ تركوا الصلاة رأسًا لا مجرد الجماعة. وَرُدَّ بما رواه مسلم: ((لا يشهدون الصلاة))، أي لا يحضرون. وفي رواية عجلان عن أبي هريرة: ((لا يشهدون العِشاء في الجميع)) أي في الجماعة. وفي حديث أسامة بن زيد عند ابن ماجه مرفوعًا: ((ليَنتَهِيَنَّ رجالٌ عن تركهم الجماعات أو لأحرقنَّ بيوتهم)).
السادس: ما قيل: إنَّ الحديث وَرَدَ في الحثِّ على مخالفة فِعلِ أهل النفاق والتحذيرِ من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم الدليل. أشار إليه الزين بن المنير. قال شيخنا: وهو قريب من الوجه الثاني. انتهى.
السابع: ما قيل: إن الحديث وَرَد في حق المنافقين، فليس التهديد به لترك الجماعة بخصوصه فلا يتم الدليل. وتعقب باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على ترك الجماعة مع العلم بأنه لا صلاة لهم، وبأنه كان مُعرِضًا عنهم وعن عقوبتِهم مع علمه بطَوِيَّتِهم، وقد قال: ((لا يتحدث الناس أنَّ محمدًا يقتل أصحابه)) وتعقَّب ابنُ دقيق العيد هذا التعقُّبَ بأنه لا يتم إلا إن ادَّعَى أن ترك معاقبة المنافقين كان واجبًا عليه فلا دليل على ذلك، فإذا ثبت أنه كان مخبِرًا فليس في إعراضه عنهم ما يدل على وجوب ترك عقوبتهم. انتهى.
قلت: وأيضًا إعراضه عن عقوبة المنافقين لِمَا أظهروه من الإسلام ((وحسابهم على الله)) - كما قال ﵇، وهذا الإعراضُ لا يقتضي الإعراضَ عنهم بالكلية حتى لا يُحوِجَهم على ترك ما يرجو فيه صلاح قلوبهم من الصلاة معه والقُربِ من الرحمةِ وسماعِ كلام الله الذي لو نُزِّل على جبلٍ لرأيته خاشعًا، لأنه
стр. 372
- ﵇ ربما رجا لهم التوبةَ، لقول الله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٤]. انتهى.
قال شيخنا: والذي يظهر لي أن الحديث وَرَد في المنافقين، لقوله في صدر الحديث الآتي بعد أربعة أبواب: ((ليس صلاةٌ أثقلُ على المنافقين من العشاء والفجر)) الحديث. ولقوله: ((لو يعلم أحدهم...)) إلى آخره، لأن هذا الوصف لائق بالمنافقين لا بالمؤمن الكامل، لكنَّ المرادَ به نفاق المعصية لا نفاق الكفر بدليل قوله في رواية عجلان: ((لا يشهدون العشاء في الجميع))، وقولِه في حديث أسامة: ((لا يشهدون الجماعة))، وأصرحُ من ذلك قوله في رواية يزيد بن الأصم عن أبي هريرة عند أبي داود: ((ثم آتي قومًا يُصَلُّون في بيوتهم ليست بهم علة)).
فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق معصيةٍ لا كفر، لأن الكافر لا يصلي في بيته إنما يصلي في المسجد رياءً وسُمعةً فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء. نبه عليه القرطبي. وأيضًا فقوله في رواية المقبري: ((لولا ما في البيوت من النساء والذرِّية)) يدل على أنهم لم يكونوا كفارًا، لأن تحريق بيت الكافر إذا تعيَّنَ طريقًا إلى الغَلَبَةِ عليه لم يمنع ذلك وجودُ النساء والذرية في بيته.
وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاقِ في الحديث نفاقُ الكفر فلا يدل على عدم الوجوب، لأنه يتضمن أنَّ ترك الجماعة من صفات المنافقين وقد نُهينا عن التشبه بهم، وسياق الحديث يدل على الوجوب من جهة المبالغةِ في ذمِّ من تخلف عنها. قال الطيبي: خروج المؤمن مِن (١) هذا الوعيد ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء جاز لهم التخلُّفُ عن الجماعة، بل من جهة أن التخلفَ ليس من شأنهم بل هو من صفات المنافقين، ويدل عليه قول ابن مسعود: لقد رأيتُنا وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق. رواه مسلم. انتهى كلامه.
وروَى ابنُ أبي شيبة وسعيدُ بن منصور بإسنادٍ صحيح عن أبي عمير بن أنس (٢) قال: حدثني عمومتي من الأنصار قالوا: قال رسول الله ﷺ : ((ما يشهدهما منافق)) -يعني العشاء والفجر -.
قال شيخنا: ولا يقال: فهذا يدل على ما ذهب إليه صاحبُ هذا الوجه لانتفاء أن يكون المؤمن قد يتخلف، وإنما ورد الوعيدُ في حق من تخلف لأني أقول: بل هذا يُقَوِّي ما ظهر لي أولًا أنَّ المراد بالنفاق نفاقُ المعصية لا نفاق الكفر، فعلى هذا الذي خَرَجَ هو المؤمنُ الكامل لا العاصي الذي يجوز إطلاق النفاق عليه مجازًا لِمَا دل عليه مجموع الأحاديث.
الثامن (٣) : ما ادعاه بعضهم أن فرضية الجماعة كانت في أول الأمر لأجل سد باب التخلف عن الصلاة على المنافقين، ثم نُسِخ. حكاه عياض، ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ الوعيد المذكور في حقهم وهو التحريقُ بالنار كما سيأتي واضحًا في كتاب الجهاد، وكذا ثبوت نسخ ما يتضمنه التحريق من جواز العقوبة بالمال، ويدل على النسخ الأحاديُث الواردة في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ كما سيأتي بيانه في الباب الذي بعد هذا، لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفعل (٤)، ومِن لازِمِ ذلك الجواز.
التاسع (٥) : أن المراد بالصلاة الجمعةُ لا باقي الصلوات.
стр. 373
ونصره القرطبي. وتُعُقِّبَ بالأحاديث المصرِّحة بالعِشاء.
قال شيخنا: وفيه بحثٌ، لأن الأحاديث اختلفت في تعيين الصلاة التي وقع التهديدُ بسببها هل هي الجمعة أو العشاء والفجر معًا، فإن لم تكن أحاديث مختلفة ولم يكن بعضُها أرجح من بعض وإلا وقف الاستدلال، لأنه لا يتم إلا إن تعين كونها غير الجمعة، أشار إليه ابنُ دقيق العيد، ثم قال: فليُتَأَمَّل الأحاديثُ الواردة في ذلك. انتهى.
قال شيخنا: وقد تأملتُها فرأيتُ التعيينَ ورد في حديث أبي هريرة وابنِ أم مكتوم وابنِ مسعود، أما حديثُ أبي هريرة فحديث الباب من رواية الأعرج عنه تُومِئ إلى أنها العشاء؛ لقوله في آخره: (لَشَهِدَ العِشَاءَ)، وفي رواية مسلم: ((يعني العشاء)). ولهما من رواية أبي صالح أيضًا الإيماءُ إلى أنها العشاء والفجر، وعينها السراج في رواية له من هذا الوجه العشاء، حيث قال في صدر الحديث: أَخَّر العشاء ليلة فخرج فوجد الناس قليلًا فغضب... فذكر الحديث. وفي رواية ابن حبان من هذا الوجه: ((يعني الصلاتين العشاء والغداة)). وفي رواية عجلان والمقبري عند أحمد التصريحُ بتعيين العشاء.
ثم سائر الروايات عن أبي هريرة على الإبهام، وقد أورده مسلم من طريق وكيع عن جعفر بن بُرقان عن يزيد بن الأصم عنه فلم يسُق لفظه، وساقه الترمذي وغيرُه من هذا الوجه بإبهام الصلاة، وكذلك رواه السراج وغيره من طرق عن جعفر وخالفهم معمر عن جعفر فقال: ((الجمعة)) أخرجه عبد الرزاق عنه، والبيهقي من طريقه وأشار إلى ضعفها لشذوذها، ويدل على وهمِه فيها روايةُ أبي داود والطبراني في «الأوسط» من طريق يزيد بن يزيد بن جابر عن يزيد بن الأصم فذكر الحديث. قال يزيد: قلت ليزيد بن الأصم: يا أبا عوف الجمعة عنى أو غيرها؟ قال: صُمَّتْ أذناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يأثره عن رسول الله ﷺ ما ذكر جُمعةً ولا غيرها.
فظهر أن الراجح في حديث أبي هريرة أنها لا تختص بالجمعة.
وأما حديث ابنِ أمِّ مكتوم فسأذكره قريبًا وأنه موافق لأبي هريرة، وأما حديث ابن مسعود فأخرجه مسلم وفيه الجزم بالجمعة وهو حديث مستقل، لأن مخرجه مغاير لحديث أبي هريرة، ولا يقدح أحدُهما في الآخر فيُحمل على أنهما واقعتان كما أشار إليه النووي والمحب الطبري. وقد وافق ابن أم مكتوم أبا هريرة على ذكر العشاء، وذلك فيما أخرجه ابن خزيمة وأحمد والحاكم من طريق حصين بن عبد الرحمن عن عبد الله بن شداد عن ابن أم مكتوم: أن رسول الله ﷺ استقبل الناس في صلاة العشاء فقال: ((لقد هممت...)) الحديث.
ولابن حبان من حديث جابر قال: ((أتسمع الأذان؟)) قال: نعم، قال: ((فأتها ولو حبوًا)). وقد حمله العلماء على أن ابن أم مكتوم كان لا يشق عليه التصرف بالمشي وحده ككثير من العُميان، واعتمد ابن خزيمة وغيرُه حديث بن أم مكتوم هذا على فرضية الجماعة في الصلوات كلِّها ورجحوه بحديث الباب وبالأحاديث الدالة على الرخصة في التخلف عن الجماعة، قالوا: لأن الرخصة لا تكونُ إلا عن واجب.
قال شيخنا: وفيه نظر ووراء ذلك أمر آخر ألزَمَ به ابن
стр. 374
دقيق العيد من يتمسك بالظاهر ولا يتقيد بالمعنى، وهو أن الحديث وَرَد في صلاة معينة فيدل على وجوب الجماعة فيها دون غيرِها، وأشار إلى الانفصال عنه بالتمسك بدلالة العموم، لكن نوزع في كون القول لِمَا ذكر أولًا ظاهرية محضة، فإنَّ قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضيه، ولا يستلزم ذلك تركَ اتباعِ المعنى، لأن غير العشاء والفجر مظنة الشُّغل بالتكسب وغيِره، أما العصران فظاهر وأما المغرب فلأنها في الغالب وقتُ الرجوع إلى البيت والأكل، لا سيما للصائم مع ضيقِ وقتها، بخلاف العشاء والفجر فليس للمتخلف عنهما عذر غير الكسل المذموم، وفي المحافظة عليهما في الجماعة أيضًا انتظامُ الألفة بين المتجاورين في طرفي النهار وليختموا النهار بالاجتماع على الطاعة ويفتتحوه كذلك.
وقد وقع في رواية عجلان عن أبي هريرة عند أحمد تخصيصُ التهديدِ بمن حول المسجد. انتهى.
قلت: تقع الأُلفةُ باجتماع المتجاورين في هذه الصلوات الخمس، وتقع لأهل المدينة باجتماعهم في صلاة الجمعة، وتقع لأهل القرى باجتماعهم في صلاة العيدين، وتقع لأهل الدنيا باجتماعهم في الحج. انتهى.
وسيأتي توجيهُ كون العشاء والفجر أثقلُ على المنافقين من غيرهما.
قال شيخنا: وقد أطلتُ في هذا الموضع لارتباط بعضِ الكلام ببعض، واجتمع من الأجوبة لمن لم يقل بالوجوب أوجه لا توجد مجموعةً في غير هذا الشرح. انتهى.
وفي الحديث من الفوائد أيضًا: تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، لأن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتُفِي به عن الأعلى بالعقوبة. قال العيني: يكون هذا من باب الدفع بالأخف. انتهى.
وفيه: جواز العقوبة بالمال بحسب الظاهر، واستدل به قوم من القائلين بذلك من المالكية، وَعَزَى ذلك أيضًا إلى الإمامِ مالك.
قال شيخنا: وفيه نظر لِمَا أسلفناه، ولاحتمال أن التحريق من باب ما لا يتمُّ الواجب إلا به، إذْ الظاهر أن الباعثَ على ذلك أنهم كانوا يختفون في بيوتهم فلا يُتَوصل إلى عقوبتهم إلا بتحريقها عليهم.
قال العيني: وأجاب الجمهور عنه - أي عن جواز العقوبة بالمال - بأنَّه كان ذلك في أول الإسلام ثم نُسخ. انتهى.
وفيه: جوازُ أخذ أهل الجرائم على غِرَّة، لأنه ﷺ هَمَّ بذلك في الوقت الذي عُهِد منه فيه الاشتغالُ بالصلاة بالجماعة، فأراد أن يبغتهم في الوقت الذي يتحققون أنه لا تطرقهم فيه، وفي السياق إشعار بأنه تقدم منه زجرهم عن التخلف بالقول حتى استحقوا التهديد بالفعل. وترجم عليه البخاري في كتاب الأشخاص وفي كتاب الأحكام بابُ إخراج أهل المعاصي والرِّيَب من البيوت بعد المعرفة. يريدُ أنَّ من طُلِب منهم بحٍّق فاختفى إذا امتنع في بيته لَدَدًا (١) أو مطلًا أُخرِج منه بكل طريق يُتوصل إليه بها، كما أراد ﷺ إخراجَ المتخلفين عن الصلاة بإلقاء النار عليهم في بيوتهم.
وحكى الطحاوي في «أدب القضاء الصغير» له أن بعضهم كان يرى الهجوم على الغائب، وبعضَهم لا يرى، وبعضَهم يرى
стр. 375
التسمير على الأبواب، وبعضَهم لا يراه. وقال بعض الحكام: أَجلِس رجلًا على بابه ويمنع من الدخول والخروج من منزله إلا الطعامُ والشراب فإنه لا يُمنَع عنهما، ويُضَيَّقُ عليه حتى يخرُج فيُحكم عليه. قال الخصاف: ومن رأى الهجوم من أصحابنا على الخصم في منزله إذا تبيَّنَ ذلك فيكون ذلك بالنساءِ والخدم والرجال، فيُقدَّم النساءُ في الدخول ويفتَّش الدار ثم يدخل البيتَ الذي فيه النساءُ خاصَّةً، فإذا وُجِدَ أُخرِج، ولا يكون الهجومُ إلا على غفلة من غير استئمار، يدخل النساءُ أولًا كما قلنا آنفًا.
وفيه: جوازُ أخذِ أهل الجرائم على غِرَّةٍ.
وفيه: جواز الحلف من غير استحلاف كما في حلف النبي ﷺ .
وفيه: جواز التخلف عن الجماعة لعذرٍ كالمرض والخوف من ظالم أو حيوان، ومنه خوفُ فواتِ الغريم.
وفيه: جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل إذا كانت فيه مصلحة، قال ابنُ بزيزة: وفيه نظر، لأن الفاضل في هذه الصورة يكون غائبًا، وهذا مختَلفٌ في جوازه.
واستدل ابنُ العربي منه في شيئين:
أحدُهما: على جواز إعدام محل المعصية كما هو مذهب مالك. قال العيني: وبذلك روي عن بعض أصحابنا - أي الحنفية - وادعى الجمهورُ النسخَ فيه كما في العقوبة بالمال.
والثاني: استَدَلَّ به على مشروعية قتل تارك الصلاة تهاونًا بها، والله أعلم. قال شيخنا: ونوزع في ذلك، روايةُ أبي داود التي فيها أنهم كانوا يُصلُّون في بيوتهم كما قدمناه تُعَكِّرُ عليه، نعم يمكن الاستدلال منه بوجهٍ آخر، وهو أنَّهم إذا استحقوا التحريق بترِك صفة من صفات الصلاة خارجةٍ عنها سواء قلنا واجبة أو مندوبة كَانَ من تركها أصلًا ورأسًا أَلحَقَ بذلك لكن لا يلزم من التهديد بالتحريق حصولُ القتلِ (١) لا دائمًا ولا غالبًا، لأنه يمكن الفرار منه أو الإخمادُ له بعد حصولِ المقصود منه من الزجر والإرهاب.
(٣٠) بَابُ فَضْلِ الجَمَاعَةِ
أي هذا بابٌ في بيان فضل الصلاة بالجماعة، وفي بعض النسخ: < باب فضل صلاة الجماعة >، لا يقال: إن بين هذه الترجمة وبين ترجمة الباب الذي قبله منافاة، لأن هذه في بيان الفضيلة وتلك في بيان الوجوب، لأنَّا نقول: كون الشيء مُتَّصفًا بالوجوب لا ينافي اتصافه بالفضيلة.
قال شيخنا: لكن الفضائل تتفاوت، فالمراد من الترجمة بيان زيادة ثواب الجماعة على صلاة الفذ. انتهى.
قوله: (وَكَانَ الأَسْوَدُ) أي ابن يزيد النخعي، أحد كبار التابعين، ترجمته في باب من ترك بعض الاختيار في كتاب العلم.
قوله: (كان إِذَا تفوتهُ الصلاة بالجَمَاعَة في مسجد يذهَبُ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ ليصلي فيه بالجَمَاعَة) مطابقته للترجمة ظاهرة، وهي أنه لولا ثبوتُ فضيلة الجماعة عندَه لَمَا ترك فضيلةَ أول الوقتِ والمبادرةَ إلى خلاص الذمة وتوجه إلى مسجد آخر. كذا أشار إليه بن المنير.
قال شيخنا: والذي يظهر لي أن البخاري قصد الإشارةَ بأثر الأسود وأنس إلى أن
стр. 376
الفضلَ الوارد في أحاديث البابِ مقصورٌ على من جمع في المسجد دون من جمع في بيته مثلًا كما سيأتي البحثُ فيه في الكلام على حديث أبي هريرة، لأن التجميع لو لم يكن مختصًّا بالمسجد لجمع الأسودُ في مكانه ولم ينتقل إلى مسجدٍ آخر لِطلبِ الجماعة، ولَمَا جاء أنس إلى مسجد بني رِفاعة كما سنبينُه. انتهى.
قلت: وهذا الذي قاله شيخنا يحتاج إلى أنَّ الأسود أمكنه الجماعةُ فترَكَها وطلب جماعة المسجد، وقد حصل هذا لأنس - كما سيأتي - وطَلَب المسجد، فسَانَدَ قول شيخنا. انتهى.
ووصل (١) هذا التعليق أبو بكر بن أبي شيبة بإسناد صحيح، ولفظُه: إذا فاتته الجماعة في مسجد قومه ذهب إلى مسجد آخر. وقال صاحب «التوضيح» - أي ابن الملقن -: وقد رُوي ذلك عن حذيفة وسعيد بن جبير، وذكر الطحاوي عن الكوفيين ومالك: إن شاء صلى في مسجد وحده، وإن شاء أتى مسجدًا آخر يطلب فيه الجماعة. إلا أن مالكًا قال: إلا أن يكون في المسجد الحرام أو مسجدِ رسول الله ﷺ فلا يخرج منه ويصلي فيه وحده، لأن الصلاة في هذين المسجدين أعظمُ أجرًا ممن صلى في جماعة. انتهى.
قلت: وعلى مقتضى هذا التعليل يكون المسجد الأقصى كذلك. انتهى.
وقال الحسن البصري: ما رأينا المهاجرين يتبعون المساجد. وفي «مختصر ابن سفيان» عن مالك: من صلى في جماعةٍ لا يعيد في جماعةٍ إلا في مسجد مكة والمدينة.
قلت: مذهب الشافعي: يعيد في جماعة ولو كلن صلى في جماعة، ولابن الرِّفعة فيه بحث. انتهى.
قوله: (وَجَاءَ أَنَسُ) أي ابنُ مَالِكٍ، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه.
قوله: (إِلَى مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى جَمَاعَةً) مطابقته للترجمة ظاهرة كالتي قبلها.
وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن ابن عُلَيَّة عن الجعد أبي عثمان عنه، وعن هشيم أخبرنا يونس بن عبيد حدثني أبو عثمان فذكره، ووصله أيضًا أبو يعلى في «مسنده» من طريق الجعد، قال: مر بنا أنس بن مالك... فذكر نحوه. وأخرجه البيهقي من طريق أبي عبد الصمد العَمِيِّ نحوه، وقال: مسجد بني رفاعة. وقال: فجاء أنس في نحو عشرين من فتيانه. انتهى.
واختلف العلماء في الجماعة بعد الجماعة في المسجد، فرُوي عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود في مسجد قد جمع فيه، وهو قول عطاء والحسن في رواية، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وأشهب عملًا بظاهر قوله ﵇: ((صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ...)) الحديث. وقالت طائفة: لا يجمع في مسجد جمع فيه مرتين، رُوي ذلك عن سالم والقاسم وأبي قِلابة، وهو قول مالك والليث وابن المبارك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي.
وقال بعضهم: إنما يُكره ذلك خشية افتراق الكلمة وأنَّ أهل البدع يتطرقون إلى مخالفة الجماعة. وقال مالك والشافعي: إذا كان المسجد على طريق الإمام له أن يجمع فيه قوم بعد قوم.
قال العيني: وحاصل مذهب الشافعي أنه لا يكره في المسجد المطروق، وكذا
стр. 377
غيره إن بعُدَ مكان الإمام ولم يخف فيه.
٦٤٥ - ٦٤٦ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي التنيسي، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي الإمام، ترجمته فيه أيضًا.
قوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي مولى ابن عمر، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد.
قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) أي ابن الخطاب ترجمته في كتاب الإيمان.
في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: أن رواته ما بين بصري ومدني. وفيه: أن بين مالك بن أنس والنبي ﷺ اثنان.
قلت: وهو أصح الأسانيد على قول. انتهى.
قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الفَرْدِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً») مطابقته للترجمة ظاهرة.
وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا في الصلاة، ولفظ مسلم: ((صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده))، رواه من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع.
قوله: (صَلَاةِ الفَرْدِ) والرواية المشهورة: ((صلاة الفَذِّ)) بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة، ومعناه: المنفرد. يقال: فَذَّ الرجل من أصحابه إذا بقي وحده.
قال العيني: وقد استقصينا الكلام في لفظ: (سَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) في باب الصلاة في مسجد السوق فيما مضى. انتهى.
قال شيخنا: سياق مسلم أوضح، ولفظه: ((صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده بسبع وعشرين درجة)). قال الترمذي: عامة من رواه قالوا: خمسًا وعشرين، إلا ابن عمر فإنه قال: سبعًا وعشرين. قلتُ: لم يُختَلَف عليه في ذلك إلا ما وقع عند عبد الرزاق عن عبد الله العمري عن نافع فقال فيه: خمس وعشرون. لكن العمري ضعيفٌ.
ووقع عند أبي عوانة في «مستخرجه» من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع فإنه قال فيه: ((بخمس وعشرين))، وهي شاذةٌ مخالفةٌ لرواية الحفاظ من أصحاب عبيد الله وأصحابِ نافع، وإن كان راويها ثقة، وأما ما وقع عند مسلم من رواية الضحاك بن عثمان عن نافع بلفظ: ((بضع وعشرين))، فليست مغايرة لرواية الحفاظ لصدقِ البِضعِ على السبع.
وأما غير ابن عمر فصح عن أبي سعيد وأبي هريرة كما في هذا الباب، وعن ابن مسعود عند أحمد وابن خزيمة، وعن أُبَي بن كعب عند ابن ماجه والحاكم، وعن عائشة وأنس عند السراج، وورد أيضا من طرق ضعيفة عن معاذ وصهيب وعبد الله بن زيد وزيد بن ثابت، وكلها عند الطبراني، واتفق الجميع على خمس وعشرين سِوى رواية أُبَي فقال: أربع أو خمس على الشك، وسِوى روايةٍ لأبي هريرة عند أحمد قال فيها: سبع وعشرون. وفي إسنادها شريك القاضي، وفي حفظه ضعف، وفي رواية لأبي عوانة: بضعًا وعشرين، وليست مغايرة أيضًا لصدق البضع على الخمس.
فرجعت الروايات كلها إلى الخمس والسبع إذْ لا أثر للشك.
واختُلِف في أيهما أرجح: فقيل: الخمس، لكثرة رواتها. وقيل: رواية السبع لأن فيها زيادةً من عدلٍ حافظٍ.
ووقع الاختلافُ في موضع آخر من الحديث وهو:
стр. 378
مميزُ العدد المذكور، ففي الروايات كلِّها التعبيُر بقوله: ((درجة)) أو حذفُ المميَّز، إلا طرق حديث أبي هريرة، ففي بعضها: ((ضِعفًا))، وفي بعضها: ((جزءًا))، وفي بعضها: ((درجة))، وفي بعضها: ((صلاة)). ووقع هذا الأخيرُ في بعض طرق حديث أنس، والظاهر أن ذلك من تصرف الرواة، ويحتمل أن يكون ذلك من التفنن في العبارة.
وأما قول بن الأثير: إنما قال: ((درجة)) ولم يقل جزءًا ولا نصيبًا ولا حظًّا ولا يجوز (١) ذلك، لأنه أراد الثواب من جهة العلو أو الارتفاع، فإن تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة، لأن الدرجات إلى جهة العلو فوق فكأنه بناه على أن الأصل لفظ درجة، وما عدا ذلك من تصرف الرواة، لكن نفيه ورود الجزء مردود، فإنه ثابت، وكذلك الضِّعف.
وقد جُمِع بين روايتي الخمس والسبع بوجوه:
منها: أن ذكر القليل لا ينفي الكثير. وهذا قول من لا يعتبر مفهوم العدد، لكن قد قال به جماعة من أصحاب الشافعي، وحُكِي عن نصِّه.
وعلى هذا فقيل: - وهو الوجه الثاني - لعله ﷺ أخبرنا بخمس ثم أعلمه الله بزيادة الفضل فأخبرنا بسبع. وتُعُقِّبَ بأنه يحتاج إلى التاريخ، وبأن دخول النسخ في الفضائل مختلَفٌ فيه. لكن إذا فرَّعْنَا على المنع تعيُّنَ تقدُّمِ الخمس على السبع من جهة أن الفضل من الله يقبل الزيادة لا النقص.
ثالثها: أن اختلاف العددين باختلاف مميَّزِهما، وعلى هذا فقيل: الدرجة أصغر من الجزء، وتُعُقِّبَ بأن الذي رُوي فيه الجزء رُوي عنه الدرجة. وقال بعضهم: الجزء في الدنيا والدرجة في الآخرة. وهو مبني على التغاير.
رابعها: الفرق بقرب المسجد وبُعدِه.
خامسها: الفرق بحال المصلي كأن يكون أعلم أو أخشع.
سادسها: الفرق بإيقاعها في المسجد أو في غيره.
سابعها: الفرق بين منتظر الصلاة وغيره.
ثامنها: الفرق بين إدراك كلها أو بعضها.
تاسعها: الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم.
عاشرها: السبع مختصة بالفجر والعشاء، وقيل: بالفجر والعصر، والخمسُ بما عدا ذلك.
حادي عاشرها: السبع مختصة بالجهرية والخمس بالسرية. وهذا الوجه عندي أوجهُها لِمَا سأبينه.
ثم الحكمةُ في هذا العدد الخاص غيرُ محققةِ المعنى، ونقل الطيبي عن التوربشتي ما حاصله أن ذلك لا يُدرك بالرأي بل مرجعه إلى علم النبوة التي قصرَت علوم الألِبَّاءِ عن إدراك حقيقتها كلها، ثم قال: ولعل الفائدة هي اجتماع المسلمين مصطفين كصفوف الملائكة والاقتداء بالإمام وإظهار شعائر الإسلام وغير ذلك. وكأنه يشير إلى ما قدمتُه عن غيره، وغفل عن مراد من زعم أن هذا لا يفيد المطلوب.
لكن أشار الكِرماني إلى احتمال أن يكون أصله كون المكتوبات خمسًا فأريد المبالغة في تكثيرها فضُرِبت في مثلها فصارت خمسًا وعشرين، ثم ذَكَر للسبع مناسبةً أيضًا من جهة عدد ركعات الفرائض ورواتبها. انتهى.
وقال بعضهم: الحسنةُ بعشر للمصلي منفردًا فإذا انضم إليه آخر بلغت عشرين ثم زيد بقدر عدد الصلوات الخمس أو يزاد عدد أيام الأسبوع. قال شيخنا:
стр. 379
ولا يخفى فساد هذا. قلتُ: لأنه جعل الحسنة بعشر أمثالها للمنفرد ولم يعتبره في غيره. انتهى.
وقيل: الأعداد عشرات ومِئينَ وألوف، وخير الأمور الوسط فاعتبرت المئة، والعدد المذكور رُبعها. وهذا أشدُّ فسادًا من الذي قبله. قلت لم يقل أحدٌ أنَّ الأقل من الأجر خير من الأكثر. انتهى.
قال شيخنا: وقرأت بخط شيخنا البُلقيني - أي سراج الدين عمر - فيما كَتَبَ على «العمدة» : ظهرَ لي في هذين العددين شيءٌ لم أُسبَق إليه، لأن لفظ ابن عمر: ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ))، ومعناه: الصلاة في الجماعة كما وقع في حديث أبي هريرة: ((وصلاة الرجل في الجماعة))، وعلى هذا فكل واحد من المحكوم له بذلك صلى في جماعة، وأدنى الأعداد التي يتحقق فيها ذلك ثلاثةٌ، حتى يكون كلُّ واحد صلى في جماعة وكلُّ واحد منهم أتى بحسنة وهي بعشرة، فيحصل من مجموعه ثلاثون، فاقتصر في الحديث على الفضل الزائد وهو سبعة وعشرون دون الثلاثة التي هي أصل ذلك. انتهى.
قال شيخنا: وظهر لي في الجمع بين العددين أن أقل الجماعة إمام ومأموم فلولا الإمام ما سُمي المأموم مأمومًا، وكذا عكسُه فإذا تفضل الله على من صلى جماعة بزيادة خمس وعشرين درجةً حُمِل الخبرُ الوارد بلفظها على الفضل الزائد والخبرُ الوارد بلفظ سبعة وعشرين على الأصلِ والفضلِ. انتهى.
وقد خاض قومٌ في تعيين الأسباب المقتضية للدرجات المذكورة، قال ابن الجوزي: وما جاؤوا بطائل. وقال المحب الطبري: ذَكَر بعضُهم أن في حديث أبي هريرة (١) - يعني ثالث أحاديث الباب - إشارةً إلى بعض ذلك، ويضاف إليه أمور أخرى وردت في ذلك، وقد فصَّلها ابن بَطَّال وتبعه جماعة من الشارحين، وتعقب الزينُ ابن المنير بعضَ ما ذكر واختار تفصيلًا آخر أورده.
قال شيخنا: وقد نقَّحتُ ما وقفتُ عليه من ذلك وحذفتُ ما لا يختص بصلاة الجماعة.
فأوَّلُها: إجابةُ المؤذن بنية الصلاة في جماعة، والتبكيرُ إليها في أول الوقت، والمشيُ إلى المسجد بالسكينة، ودخولُ المسجد داعيًا، وصلاة التحية عند دخوله، كلُّ ذلك بنية الصلاة في الجماعة.
سادسها: انتظار الجماعة.
سابعها: صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له.
ثامنها: شهادتهم له.
تاسعها: إجابةُ الإقامة.
عاشرها: السلامةُ من الشيطان عند نفره عند الإقامة.
حادي عشرها: الوقوف منتظرًا إحرام الإمام، أو الدخول معه في أي هيئة وجده عليها.
ثاني عشرها: إدراك تكبيرة الإحرام كذلك.
ثالث عشرها: تسوية الصفوف، وسد فرجها.
رابع عشرها: جواب الإمام عند قوله: سمع الله لمن حمده.
خامس عشرها: الأمنُ من السهو غالبًا، وتنبيه الإمام إذا سها بالتسبيح أو الفتحِ عليه.
سادس عشرها: حصول الخشوع والسلامة عما يلهي غالبًا.
سابع عشرها: تحسين الهيئة غالبًا.
ثامن عشرها: احتفافُ الملائكة به.
تاسع عشرها: التدربُ على تجويد القراءة، وتعلمُ الأركان والأبعاض.
العشرون: إظهارُ شعائر الإسلام.
الحادي والعشرون: إرغامُ الشيطان بالاجتماع للعبادة والتعاون على الطاعة ونشاط المتكاسل.
الثاني والعشرون: السلامةُ من صفة النفاق ومِن
стр. 380
إساءةِ غيرِه به الظنَّ بأنه ترك الصلاة رأسًا.
الثالث والعشرون: نيةُ ردِّ السلام على الإمام.
الرابع والعشرون: الانتفاعُ باجتماعهم على الدعاء والذكرِ وعود برَكَة الكاملِ على الناقص.
الخامس والعشرون: قيام نظام الأُلْفة بين الجيران وحصولُ تعاهدِهم في أوقات الصلوات.
فهذه خمس وعشرون خَصلة وَرَدَ في كُلٍّ منها أمرٌ أو ترغيبٌ يخُصُّهُ، وبقي منها أمران يختصان بالجهرية وهما: الإنصاتُ عند قراءة الإمام والاستماعُ لها والتأمين عند تأمينه ليوافق تأمين الملائكة، وبهذا يترجح أن السبع تختص بالجهرية، والله أعلم بالصواب.
قال شيخنا أيضًا: تنبيهات: الأول: مقتضى الخصال التي ذكرتُها اختصاصُ التضعيف بالتجميع في المسجد وهو الراجح في نظري كما سيأتي البحث فيه، وعلى تقدير أن لا يختص بالمسجد فإنما يسقط مما ذكرتُه ثلاثةُ أشياء وهي: المشيُ والدخولُ والتحيةُ، ويمكن أن يعوضَ من بعض ما ذُكِر مما تشتمل على خصلتين متقاربتين أقيمتا مقام خصلة واحدة كالأخيرتين، لأن منفعة الاجتماع على الدعاء والذكر غير منفعة فائدةِ عود بركة (١) الكامل على الناقص، وكذا فائدة قيام نظام الأُلفة غير فائدةِ حصول التعهد، وكذا فائدة أمن المأمومين من السهو غالبًا غير تنبيه الإمام إذا سها. فهذه ثلاثة يمكن أن يعوض بها الثلاثةُ المذكورة فيحصل المطلوبُ.
الثاني: لا يرد على الخصال التي ذكرتُها كونُ بعض الخصال يختص ببعض من صلى جماعةً دون بعض، كالتبكير في أول الوقت وانتظار الجماعة وانتظار إحرام الإمام ونحو ذلك، لأن أجر ذلك يحصُل لقاصده بمجرد النية ولو لم يقع كما سبق والله أعلم. انتهى.
الثالث: معنى الدرجة والجزء حصولُ مقدارِ صلاة المنفرد بالعدد المذكور للمجمع، وقد أشار ابن دقيق العيد إلى أن بعضهم زعم خلافَ ذلك، قال: والأول أظهر لأنه قد ورد مثلها في بعض الروايات. انتهى. وكأنه يشير إلى ما عند مسلم في بعض طرقه بلفظ: ((صلاة الجماعة تعدِل خمسًا وعشرين من صلاة الفذِّ))، وفي أخرى: ((صلاةٌ مع الإمام أفضلُ من خمسٍ وعشرين صلاةً يصليها وحده))، ولأحمد من حديث بن مسعود بإسناد رجاله ثقاتٌ نحوُه. وقال في آخره: ((كلها مثل صلاته))، وهو مقتضى لفظ رواية أبي هريرة الآتية حيث قال: ((تضعف)) لأن الضِّعف كما قال الأزهري: المِثْلُ إلى ما زاد، ليس بمقصور على المثلين، كقوله: هذا ضِعف الشيء، مثلُه أو مِثْلَاه فصاعدًا، لكن لا يزاد على العشرة.
وظاهر قوله: ((تضعف)) وكذا قوله في روايتي ابنِ عمر وأبي سعيد: ((تفضُل)) أي تزيد، وقولُه في رواية أبي هريرة السابقة في باب مساجد السوق يريد أن صلاة الجماعة تساوي صلاة المنفرد وتزيد عليها العددَ المذكور، فيكون لمصلي الجماعة ثوابُ سِتٍّ أو ثمانٍ وعشرين من صلاة المنفرد.
قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي التنيسي المذكور في الإسناد السابق.
стр. 381
قوله قال: (حَدَّثَنِي اللَّيْثُ) أي ابن سعد، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قال: حَدَّثَنِي ابْنُ الهَادِ) أي يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي، ترجمته في باب الصلوات الخمس كفارة.
قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ) أي بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف باء أخرى، الأنصاري التابعي، وليس هو بابن خباب بن الأرَتِّ صاحبِ رسول الله ﷺ ، وإنما وافقه في اسمه واسم أبيه.
قال شيخنا: لكن ليس له في الصحيحين رواية. قلتُ: هو مولى بني عدي بن النجار، سمِع أبا سعيد الخدري، روى عنه يزيد بن الهاد عندهما والقاسم بن محمد عند البخاري وبكير بن الأشجِّ عند مسلم. انتهى.
قوله: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) أي سعد بن مالك ﵁، ترجمته في باب من الدين الفرارُ من الفتن.
في هذا الإسناد: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: أن رواته ما بين مصري ومدني.
قوله: (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) مطابقته للترجمة ظاهرة.
وهذا الحديث ساقط في بعض النسخ ثابت في الأطراف لأبي مسعود وخلف.
قال شيخنا: هذا الحديث سقط من رواية كريمة، وثبت للباقين وأورده الإسماعيلي قبل حديث ابن عمر.
قال العيني: وذكره أبو نعيم هنا بعد حديث ابن عمر، وهو من أفراد البخاري ﵀.
قوله: (تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ) كذا هو في عامة نسخ البخاري، وعزاه ابن الأثير إليه في «شرح المسند» بلفظ: ((على صلاة الفذ))، ثم أَوَّلَها بأنَّ (تَفْضُلُ) لما كانت بمعنى «تزيد» وهو يتعدى بـ «على» أعطاها معناها فعدَّاها بها، وإلا فهي متعدية بنفسها. قال: وأما الذي في مسلم: ((أفضل من صلاة الفذ))، فجاء بلفظ: ((أفضل))، التي هي للتفضيل والتكثيرِ في المعنى المشترك، وهي أبلغ من: «تفضل»، على ما لا يخفى.
وقد ذكرنا أن: (الفَذ) بالذال المعجمة هو المنفرد، ولغةُ عبد القيس: «الفنذ» بالنون وهي غنةٌ لا نون.
قوله: (بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ) في رواية الأصيلي: <خمسًا وعشرين>، زاد ابن حبان وأبو داود من وجه آخر عن أبي سعيد: ((فإن صلاها في فَلاةٍ فأتمَّ ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة)) وكأنَّ السر في ذلك أن الجماعة لا تتأكد في حق المسافر لوجود المشقة، بل حكى النووي أنه لا يجري فيه الخلاف في وجوبها، لكن فيه نظر فإنه خلاف نص الشارع. وحكى أبو داود قال: في هذا الحديث أن صلاة الرجل في الفلاة تُضاعَف على صلاته في الجماعة. انتهى. وكأنه أخذه من إطلاق قولِه: ((فإنْ صلَّاها)) لِتَناوُلِه الجماعةَ والانفرادَ، لكنَّ حْمَله على الجماعة أولى، وهو الذي يظهر من السياق.
ويلزم على ما قال النووي أن ثواب المندوب يزيد على ثواب الواجب عند من يقول بوجوب الجماعة، وقد استشكله القرافي على أصل الحديث بناء على القول بأنها سنة، ثم أَوْرَدَ عليه أن الثواب المذكورَ
стр. 382
مُرتبٌ على صلاة الفرض وصفته من صلاة الجماعة، فلا يلزم منه زيادة ثواب المندوب على الواجب، وأجاب: بأنه تُفرَضُ المسألة فيمن صلى وحده ثم أعاد في جماعة فإن ثواب الفرض يحصل له بصلاته وحده، والتضعيفُ يحصل بصلاته في الجماعة، فبقي الإشكال على حاله. وفيه نظر، لأن التضعيف لم يحصُل بسبب الإعادة وإنما حصل بسبب الجماعة، إذْ لو أعاد منفردًا لم يحصل له إلا صلاةٌ واحدة، فلا يلزم منه زيادة ثواب المندوب على الواجب.
ورُوِي عن ابن عباس موقوفا عليه قال: فضلُ صلاة الجماعة على صلاة المنفرد خمسٌ وعشرون درجة. قال: فإن كانوا أكثر فعلى عدد من في المسجد. فقال رجل: وإن كانوا عشرة آلاف؟ فقال: نعم. وهذا له حكم الرفع، لأنه لا يقال بالرأي. قال شيخنا: لكنه غير ثابت.
قال العيني: يحصل له أجر خمسين صلاة، وذلك يحصل له في الصلاة مع الجماعة، لأن الجماعة لا تتأكد في حق المسافر لوجود المشقة، فإذا صلَّاها منفردًا لا يحصل له هذا التضعيف وإنما يحصل له إذا صلاها مع الجماعة، خمسةٌ وعشرون لأجل أنه صلاها مع الجماعة، وخمسة وعشرون أخرى - التي هي ضعف تلك - لأجل أنه أتم ركوع صلاته وسجودها وهو في السفر الذي هو مظنة التخفيف، فمن أمعن نظره فيه علم أن الإشكال الذي أورده بعضهم فيه من لزوم زيادة ثواب المندوب على الواجب غير وارد. انتهى.
٦٤٧ - قوله: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أي المنقري، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) أي ابن زياد العبدي، ترجمته في باب الجهاد من الإيمان في كتاب الإيمان.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) أي سليمان، ترجمته في باب ظلم دون ظلم في كتاب الإيمان.
قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) أي ذكوان، ترجمته في باب أمور الإيمان.
قوله: (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن، ترجمته في الباب أيضًا.
في هذا الإسناد: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في خمسة مواضع. وفيه: السماع في موضعين.
قوله: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَفِي سُوقِهِ، خَمْسةً وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ: إِذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً، إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى، لَمْ تَزَلِ المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ، مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ») مطابقته للترجمة ظاهرة.
وهذا الحديث عن أبي سعيد مضى في باب الصلاة في مسجد السوق، غير أن هناك أخرجه عن مُسدَّد عن أبي معاوية عن الأعمش إلى آخره، وفي لفظه شيء لم يُذكر هنا، وهنا شيءٌ لم يُذكر هناك، وقد ذكرنا هناك من أخرجه غيره ومعناه وما يستفاد منه.
قوله: (فِي الجَمَاعَةِ) وفي رواية الحموي والكُشْمِيهَني: <في جماعة> بدون الألف واللام.
قوله: (تُضَعَّفُ) أي: تُزاد، والتضعيف أن يُزاد على أصل
стр. 383
الشيءِ فيُجعَلَ مثلين أو أكثر، والضِّعفُ بالكسر المثلُ.
قوله: (خَمْسةً وَعِشْرِينَ (١) ضِعْفًا) كذا في الروايات التي وقفنا عليها، وحكى الكِرماني وغيرُهُ أنَّ فيه: <خمسًا وعشرين>، ووجهه بتأويل الضعف بالدرجة أو الصلاة.
قال العيني: توضيحه أن (ضِعْفًا) مميز مذكر فتجب التاء فقيل بالتأويل المذكور، والأحسن أن يقول: إن وجوب التاء فيما إذا كان المميز مذكورًا، وإذا لم يكن مذكورًا يستوي فيه التاء وعدمها، وههنا مميز الخمس غير مذكور فجاز الأمران. انتهى.
قوله: (فِي بَيْتِهِ، وَفِي سُوقِهِ) مقتضاه أن الصلاة في المسجد جماعة تزيد على الصلاة في البيت وفي السوق جماعةً وفرادى. قال ابن دقيق العيد: والذي يظهر أن المراد بمقابلِ الجماعةِ في المسجدِ الصلاةُ في غيره منفردًا، لكنه خرج مخرج الغالب في أنَّ من لم يحضر الجماعةَ في المسجد صلى منفردًا، وبهذا يرتفع الإشكال عمن استشكل تسوية الصلاة في البيت والسوق. انتهى.
ولا يلزم مِن حَمْلِ الحديث على ظاهره التسويةُ المذكورة إذْ لا يلزَمُ من استوائهما في المفضولية عن المسجد أن يكون أحدهما أفضل من الآخر، وكذا لا يلزم منه أنَّ كونَ الصلاة جماعةً في البيت أو السوق لا فضل فيها على الصلاة منفردًا، بل الظاهر أن التضعيف المذكورَ مختص بالجماعة في المسجد، والصلاةُ في البيت مطلقًا أولى منها في السوق لِمَا ورد من كون الأسواق موضع الشياطين، والصلاة جماعة في البيت والسوق أولى من الانفراد.
وقد جاء عن الصحابة قصرُ التضعيف إلى خمس وعشرين على التجميع في المسجد العام مع تقرير الفضل في غيره. وروى سعيد بن منصور بإسنادٍ حسن عن أوس المعافري أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: أرأيت من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى في بيته؟ قال: حسن جميل. قال: فإن صلى في مسجد عشيرته؟ قال: خمس عشرة صلاة. قال: فإن مشى إلى مسجد جماعة فصلى فيه؟ قال: خمس وعشرون. انتهى.
وأخرج حميد بن زنجويه في كتاب «الترغيب» نحوَه من طريق واثلة، وخص الخمس والعشرين بمسجد القبائل. قال: وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه - أي الجمعة - بخمسمئة. وسنده ضعيف.
قوله (وَذَلِكَ أَنَّهُ: إِذَا تَوَضَّأَ) ظاهرٌ في أن الأمور المذكورة علةٌ للتضعيف المذكور إذ التقدير: «وذلك لأنه»، فكأنه يقول: التضعيفُ المذكور سبَبُه كيتَ وكيت. وإذا كان كذلك فما رُتِّبَ على موضوعات متعددة لا بوجود بعضِها إلا إذا دل الدليل على إلغاء ما ليس معتبرًا أو ليس مقصودًا لذاته.
قال شيخنا: وهذه الزيادة التي في حديث أبي هريرة معقولةُ المعنى فالأخذ بها متوجه، والروايات المطلقة لا ُتنافيها بل يحمل مطلقُها على هذه المقيَّدة، والذين قالوا بوجوب الجماعة على الكفاية ذهب كثيرٌ منهم أن الحرج لا يسقط بإقامة الجماعة في البيوت، وكذا رُوي عن أحمد في فرض العين ووجَّهُوهُ بأن أصل المشروعية إنما كان في جماعة المساجد وهو وصف معتبر لا ينبغي إلغاؤه فيختص به المسجد ويُلحق به ما في معناه مما يحصل به إظهار الشعائر.
стр. 384
قوله: (لَا يُخْرِجُهُ) من الإخراج.
قوله: (إِلَّا الصَّلَاةُ) أي قصدُ الصلاة في جماعة، واللام فيها للعهد لما بيَّنَّاه.
قوله: (لَمْ يَخْطُ) بفتح الياء وضم الطاء.
قوله: (خَطْوَةً) قال شيخنا: ضبطناه بضم أوله ويجوز الفتح، وجزم اليعمري أنها ههنا بالفتح. وقال القرطبي: إنها في روايات مسلم بالضم. وقال الجوهري: الخُطوة بالضم: ما بين القدمين. وبالفتح: المرة الواحدة.
قوله: (فَإِذَا صَلَّى) قال ابنُ أبي جَمرَة - أي بالجيم والراء المفتوحتين- أي صلى صلاةً تامةً، لأنه ﷺ قال للمسيء صلاته: ((ارجع فصل فإنك لم تصل)). انتهى. قلتُ: المراد بالتمام هنا على مقتضى هذا التعليل التمامُ الذي لا بد منه لا التمامُ الذي تصحُّ الصلاة بدونه وهو غاية الكمال، لأنه وقع في حديث المسيء صلاته أنه لم يتم الركوع والسجود. انتهى.
قوله: (لَمْ تَزَلِ المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْه) قلتُ: قد أشبعنا الكلام على ذلك وحقيقتِه في بدء الوحي.
قوله: (مَا دَامَ فِي مُصَلَّاه) بضم الميم، المكان الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد. وكأنه خرج مخرج الغالب، وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمرًّا على نية انتظار الصلاة كان كذلك.
قوله: (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) أي لم تزل الملائكة يصلون عليه حال كونهم قائلين: يا الله ارحمه. وزاد ابن ماجه: ((اللهم تب عليه)). وفي الطريق الماضية في باب مسجد السوق: ((اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فإن قام فجلس في المسجد ينتظر الصلاة لم يزل في صلاة حتى يصلي)). واستدل به على أفضلية الصلاة على غيرها من الأعمال، لِمَا ذُكِرَ من صلاة الملائكة عليه ودعائهم له بالرحمة والمغفرة والتوبة، وعلى تفضيل صالحي الناس على الملائكة لأنهم يكونوا في تحصيل الدرجات بعبادتهم والملائكة مشتغلون بالاستغفار والدعاء لهم.
قال العيني: هذا ليس على إطلاقه، فإن خواصَّ بني آدم - وهم الأنبياء ﵈ أفضلُ من الملائكة، وعوامُّهم أفضل من عوام الملائكة، وخواصُّ الملائكة أفضلُ من عوام بني آدم. انتهى.
واستُدِلَّ بأحاديث الباب على أن الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة، لأنَّ قولَه: ((على صلاته وحده)) يقتضي صحةَ صلاتِه منفردًا لاقتضاء صيغة أفعل الاشتراك في أصل التفاضل، فإنَّ ذلك يقتضي وجود فضيلة في صلاة المنفرد، وما لا يصح لا فضيلة فيه.
قال القرطبي وغيرُه: لا يقال إن لفظة «أفضل» قد تَرِد لإثبات صفة الفضل في إحدى الجهتين كقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، لِأَنَّا نقول: إنما يقع ذلك على قلة حيث تَرِدُ صيغة أفعل مطلقةً غيرَ مقيدةٍ بعدد معين، فإذا قلنا هذا العدد أزيد من هذا بكذا فلا بد من وجود أصل العدد، ولا يقال: يُحمل المنفرد على المعذور، لأن قوله: ((صلاة الفذ)) صيغة عموم، فيشمل من صلى منفردًا بعذر وبغير عذر فحمله على المعذور يحتاج إلى دليل، وأيضًا ففضل الجماعة حاصل للمعذور لِمَا سيأتي في هذا الكتاب من حديث أبي موسى مرفوعًا: ((إذا مرض العبدُ أو سافر كُتِبَ له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا)).
وأشار ابن عبد البر إلى أن بعضَهم حَمَلَهُ على صلاة النافلة، ثم رده بحديث: ((أفضل صلاة المرء
стр. 385
في بيته إلا المكتوبة))، واستُدِلَّ بها على تساوي الجماعات في الفضيلة سواء كثُرت الجماعات أم قَلَّتْ، لأن الحديث دل على فضيلة الجماعة على المنفرد بغير واسطة، فيدخل فيه كل جماعة. كذا قال بعض المالكية، وقواه بما رواه ابنُ أبي شيبة بسندٍ صحيح عن إبراهيم النَّخَعي قال: إذا صلى الرجلُ مع الرجل فهما جماعةٌ لهم التضعيف خمسًا وعشرين. انتهى.
وهو مُسَلَّم في أصل الحصول، لكنه لا ينفي مزيدَ الفضلِ لِمَا كان أكثر، لا سيما لوجود النص المصرِّح به، وهو ما رواه أحمد وأصحابُ السُّنن وصححه ابنُ خزيمة وغيرُه من حديث أُبَي بن كعب مرفوعًا: ((صلاةُ الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاتُه مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كَثُرَ فهو أحب إلى الله)). وله شاهدٌ قوي في الطبراني من حديث قَبَاث بن أَشْيَم، وهو بفتح القاف والموحدة وبعد الألف مُثَلَّثَة، وَأَبُوهُ بالمعجمة بعدها تحتانية بوزن: أحمر.
ويترتب على الخلاف المذكور أن من قال بالتفاوت استَحَبَّ إعادةَ الجماعة مطلقًا لتحصيل الأكثرية، ولم يَستحِبَّ ذلك الآخرون، ومنهم من فصَّل فقال: تُعاد مع الأعلم أو الأورع أو في البُقعة الفاضلة، ووافق مالك على الأخير لكنْ قَصَرَهُ على المساجد، والمشهور عنه بالمسجدين المكي والمدني، وكما أن الجماعة تتفاوت في الفضل بالقلة والكثرة وغيرِ ذلك مما ذُكِر يفوق بعضُها بعضًا، فلذلك عَقَّب المصنفُ الترجمةَ المطلقة في فضل الجماعة بالترجمة المقيَّدة بصلاة الفجر، واستدل بها على أن أصل الجماعة إمامٌ ومأموم، وسيأتي الكلامُ عليه في باب مفرد قريبًا إن شاء الله تعالى.
(٣١) بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ فِي الجَمَاعَةٍ
أي هذا باب في بيان فضل صلاة الفجر مع الجماعة، إنما ذكر هذه الترجمة مقيدة وذكر الترجمة التي قبلها مطلقة إشارةً إلى زيادة خصوصية الفجر بالفضيلة كما أشرنا إليه قبل.
٦٤٨ - ٦٤٩ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) أي الحكم بن نافع، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة، ترجمته في البدء أيضًا.
قوله: (عَنِ الزُّهْرِيّ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلامُ على الحقيقة.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ) ترجمته في باب من قال الإيمان هو العمل.
قوله: (وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ) أي عبد الرحمن، ترجمته في باب أمور الإيمان.
في هذا الإسناد: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع. والإخبار كذلك في موضع، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: السماع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين حمصي ومدني. وفيه: ثلاثة من التابعين.
قوله: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَفْضُلُ صَلَاةُ الجَمِيعِ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ، بِخَمْسةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ» ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
قَالَ شُعَيْبٌ: وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ) أي مولى ابن
стр. 386
عمر (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: «تَفْضُلُهَا بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»)
مطابقته للترجمة في قوله: (وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ)، فإنه يدل على مزية لصلاة الفجر على غيرها.
قوله: (تَفْضُلُ) أي تزيد. (صَلَاةُ الجَمِيعِ) الإضافة فيه بمعنى «في» لا بمعنى اللام فافهم. قاله العيني.
قوله: (بِخَمْسةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا) كذا هو في عامة النسخ، ونقل الزركشي في «نكته» أنه وقع في «الصحيحين» : <خمس> بحذف الموحدة من أوله والهاء من آخره. قال: وخَفْضُ «خمس» على تقدير الباء، كقول الشاعر:
أشارت كليبٍ بالأكف الأصابعِ
أي إلى كليب، وأما حذف الهاء فعلى تأويل الجزء بالدرجة
قال العيني: وأمَّا لأن المميَّز غير مذكور، وههنا مميز «خمس» غير مذكور.
قال شيخنا: وقد أورده المؤلف في التفسير من طريق معمر عن الزهري بلفظ: ((فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمسٌ وعشرون درجة)).
قوله: (وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ...) إلى آخره، هو الموجب لتفضيل صلاة الفجر مع الجماعة، وكذا في صلاة العصر أيضًا، فلذلك حث الشارع على المحافظة عليهما ليكون من يحضرهما ترفع الملائكة عمله وتشفع له.
وقال ابن بطال: ويمكن أن يكون اجتماع الملائكة فيهما هما الدرجتان الزائدتان على الخمسة والعشرين جزءًا في سائر الصلوات التي لا تجتمع الملائكة فيها.
قوله: (قُرْآنَ الفَجْرِ) كنايةٌ عن صلاة الفجر، لأن الصلاة مستلزمة للقرآن.
قوله: (مَشْهُودًا) أي محضورًا فيه.
قوله: (قَالَ شُعَيْبٌ) هو شعيب، المذكور في سند الحديث.
قوله: (وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ) قال شيخنا: أي بالحديث المذكور مرفوعًا نحوه، إلا أنه قال: (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً). وهو موافق لرواية مالك وغيره عن نافع، وطريق شعيب هذه موصولة. وجَوَّزَ الكِرماني أن تكون معلَّقة، وهو بعيد بل هي معطوفة على الإسناد الأول، والتقدير: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب ونظائر هذا في الكتاب كثيرة، ولكن لم أر طريق شعيب هذه إلا عند المصنف ولم يستخرجها الإسماعيلي ولا أبو نعيم ولا أوردها الطبراني في «مسند الشاميين» في ترجمة شعيب. انتهى.
قلت: هذا من الأماكن التي قال شيخنا: لا أضيع الزمان بتشاغل الرد على العيني فيها. انتهى.
٦٥٠ - قوله: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) أي النخعي الكوفي، ترجمته في باب المضمضة والاستنشاق من الجنابة.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) أي حفص بن غياث بن طلق، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) أي سليمان، ترجمته في باب ظلم دون ظلم.
قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا) أي ابن أبي الجعد، ترجمته في باب التسمية على كل حال وعند الوِقاع في كتاب الطهارة.
قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ) أي هُجَيمة،
стр. 387
وهي أم الدرداء الصغرى التابعية، لا الكبرى التي اسمها: خَيرة، بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف، وهي الصحابية. فإنما قلنا كذلك لأن الكبرى ماتت في حياة أبي الدرداء، وعاشت الصغرى بعده بزمان طويل، وقد جزم أبو حاتم بأن سالم بن أبي الجعد لم يدرك أبا الدرداء، فعلى هذا لم يدرك أمَّ الدرداء الكبرى.
وقال الكِرماني: وأم الدرداء هي: خَيْرة بنت أبي حدرد الأسلمية، من فاضلات الصحابيات وعاقلاتهن وعابداتهن، ماتت بالشام في خلافة عثمان. قال شيخنا: فسَّرها الكِرماني هنا بصفات الكبرى، وهو خطأٌ لقول سالم: (سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ)
قوله: (دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ) أي عويمر بن مالك، ترجمته في باب من حمل معه الماء الطهور.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: القول في سبعة مواضع. وفيه: رواية الابن عن الأب. وفيه: رواية التابعية عن الصحابي. وفيه: رواية التابعي عن التابعية. وفيه: أن رواته (١) الأربعة كوفيون، وهذا من أفراد البخاري.
قوله: (وَهُوَ مُغْضَبٌ (٢)، فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا»).
مطابقته للترجمة من حيث إن أعمال الذين يصلون بالجماعة قد وقع فيها النقص والتغيير ما خلا صلاتهم في الجماعة، ولم يقع فيها شيء من ذلك، فدل ذلك على أن فضل الصلاة بالجماعة عظيم.
فإن قلتَ: الترجمة في فضل الصلاة بالجماعة في الفجر، والذي يُفهَم من الحديث أعم من ذلك، فكيف يكون التطابق؟ قال العيني: إذا طابقَ جزءٌ من الحديث الترجمة يكفي، ومثلُ هذا وقع له كثيرًا في هذا الكتاب.
قوله: (مُغْضَبٌ) بضم أوله وفتح الضاد المعجمة.
قوله: (مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كذا في رواية أبي ذر وكَريمة، وفي رواية الباقين: <من (٣) محمد> بدون لفظة: «أمة»، وعليه شرح ابن بطال ومَن تبعه، قال: يريدُ: من شريعة محمد شيئًا لم يتغير عما كان عليه إلا الصلاة في جماعة، فَحَذَفَ المضاف إليه لدلالة الكلام عليه، ووقع في رواية أبي الوقت: <من أمر محمد> بفتح الهمزة وسكون الميم وفي آخره راء، وكذا ساقه الحميدي في «جمعه»، وكذا هو في «مسند أحمد» و «مستخرجي الإسماعيلي وأبي نعيم» من طُرُقٍ عن الأعمش، وعندهم بلفظ: ما أعرف فيهم، أي: في أهل البلد الذي كان فيه أبو الدرداء، كأنَّ لفظ «فيهم» لَمَّا حُذف من رواية البخاري صَحَّف بعضُ النَّقَلة «أمر» بـ «أمة»، ليعود الضمير في: (أَنَّهُمْ) على الأمة. قال العيني: لا محذور في كون لفظة: «أمة»، بل الظاهر هذا على ما لا يخفى. انتهى.
قوله: (يُصَلُّونَ جَمِيعًا) أي: مجتمعين، وانتصابُه على الحال، ومفعول: (يُصَلُّونَ) محذوفٌ تقديرُه: يصلون الصلاة أو الصلوات.
قال شيخنا: مرادُ أبي الدرداء أن أعمال المذكورين حصل في جميعها النقصُ أو التغيير إلا التجميع في الصلاة، فهو أمر نسبي، لأن حال الناس في زمن النبوة كان أتمَّ مما صار إليه بعدها، ثم كان في زمن الشيخين أتم مما صار إليه بعدَهما، وكأن ذلك صدر من أبي الدرداء في أواخر عُمُرِه وكان ذلك في أواخر خلافة عثمان ﵁، ويا ليت شعري
стр. 388
إذا كان ذلك العصر الفاضلُ بالصفة المذكورة عند أبي الدرداء فكيف بمن جاء بعدهم من الطبقات إلى هذا الزمان! قلتُ: الذي قَلَّ أن يَجِدَ فيه مَن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ويرتضيه، مع أن القرن الذي قال فيه أبو الدرداء هذا خيرُ القرون بنص الشارع.
وفي هذا الحديث جواز الغضب عند تغير شيءٍ من أمور الدين، وإنكارِ المنكر بإظهار الغضب إذا لم يستطع أكثرَ منه.
٦٥١ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أي بضم الباء الموحدة (عَنْ أَبِي بُرْدَة) بضم الباء أيضًا، عامر وقيل: الحارث (عَنْ أَبِي مُوسَى) أي عبد الله بن قيس.
رجال هذا السند قد ذُكِروا بهذا الترتيب في باب من علم، لكنَّ ذِكْرَ أبو أسامة ثَمَّةَ باسمه حَمَّاد، وههنا بكنيته.
قوله: (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ، فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي، ثُمَّ يَنَامُ»).
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصلاة.
قوله: (أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا) أي أكثرهم ثوابًا والناس: جماعةُ الحيَوان المتميزة بالصور الإنسانية.
قوله: (أَبْعَدُهُمْ) بالرفع خبرُ المبتدأ: أعني.
قوله: (أَعْظَمُ النَّاسِ) ونصب أجرًا على التمييز.
قوله: (فَأَبْعَدُهُمْ) قال الكِرماني: الفاء فيه للاستمرار، كما في قولهم: الأمثل فالأمثل.
قال العيني: لم يذكر أحد من النُّحاةِ أن الفاء تجيء بمعنى الاستمرار، ولكن يمكن أن تكون الفاء هنا لترتيبٍ مع تفاوت من بعض الوجوه.
قال الزمخشري: للفاء مع الصفات ثلاثة أحوال:
أحدها: أن تدل على ترتيب معانيها في الوجود كقوله:
يا لهف زَيَّابة للحارثِ... الصابحِ (١) فالغانم فالآيبِ
أي الذي صبح فغنم فآب.
والثاني: يدل على ترتيبها في التفاوت من بعض الوجوه، نحو قولك: خذ الأكمل فالأفضل، واعمل الأحسن فالأجمل.
والثالث: أن يدل على ترتيب موصوفاتها في ذلك، نحو: رحم الله الْمُحلِّقين فالمقصرين. وقيل: تقع الفاء تارة بمعنى «ثم»، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤] فالفاءات فيها بمعنى «ثم»، لتراخي موصوفاتها، فعلى هذا يجوز أن تكون الفاء هنا بمعنى «ثم»، بمعنى: أبعدُهم ثم أبعدُهم (٢).
قوله: (مَمْشًى) بفتح الميم الأولى وسكون الثانية اسم مكان، وهو منصوب على التمييز، والمعنى: أبعدُهم مسافة إلى المسجد.
قوله: (مَعَ الإِمَامِ) زاد مسلم: ((في جماعة)) وبيَّنَ أنها رواية أبي كريب وهو محمد بن العلاء الذي أخرجه البخاري عنه.
قوله: (مِنَ الَّذِي يُصَلِّي) أعمُّ من أن يكون مع جماعة أو وحده.
قوله: (ثُمَّ يَنَامُ) قال الكِرماني: فإن قلتَ: هذا التفضيل أمرٌ ظاهر ضروري، فما الفائدة في ذِكره؟ قلتُ: معناه أن الذي ينتظرها حتى يصليها مع الإمام آخرَ الوقت أعظمُ أجرًا من الذي يصلي في وقت الاختيار وحدَه، أو الذي ينتظرها حتى يصليها مع الإمام أعظمُ أجرًا من الذي يصليها أيضًا
стр. 389
مع الإمام بدون الانتظار، أي كما بُعْدُ المكان مؤثرٌ في زيادة الأجر كذلك طولُ الزمان، لأنهما يتضمنان لزيادة المشقة الواقعة مقدِّمَة للجماعة.
قال العيني: قد عُلِمَ من هذا أن السبب في تحصيل هذا الأجر العظيم انتظارُ الصلاة وإقامتُها مع الإمام، فإن وُجِد أحدُهُما دون الآخر فلا يحصل له ذلك، ويُعلَم من هذا أيضًا أن تأخير الصلاة عن وقت الاختيار لا يخلو عن أجر كما في تأخيرِ الظهر إلى أن يبرُد الوقتُ عند اشتداد الحر، وتأخيرِ العصر إلى ما قبلَ تغيُّرِ قرص الشمس، وتأخيرِ العشاء إلى ما قبل ثلُث الليل، وتأخيرِ الصبح إلى وقت الإسفار. فإن قلتَ: فما فائدة قوله: (ثُمَّ يَنَامُ)؟ قال الكِرماني: إشارةً إلى الاستراحة المقابِلة للمشقة التي في ضمن الانتظار. انتهى.
قال شيخنا: قيل: استُشكِل إيراد حديث أبي موسى في هذا الباب، لأنه ليس فيه لصلاة الفجر ذِكرٌ، بل آخره يُشعر بأنه في العشاء، وَوَجَّهَهُ ابنُ المنير وغيرُه بأنه دل على أن السببَ في زيادة الأجر وجودُ المشقة بالمشي إلى الصلاة، وإذا كان كذلك فالمشي إلى صلاة الفجر في جماعة أشقُّ من غيرِها، لأنها وإن شاركتها العشاء في المشي في الظُّلْمة فإنها تزيد عليها مفارقة أكثر المشتهاة طبعًا.
ولم أر أحدًا من الشُّرَّاح نبَّهَ على مناسبة حديث أبي الدرداء للترجمة إلا الزينُ ابن المنير فإنه قال: تدخل صلاة الفجر في قوله: يصلون جميعًا. وهي أخص بذلك من باقي الصلوات. وذكر بن رشيد نحوَه وزاد أن استشهاد أبي هريرة في الحديث الأول بقوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، يشير إلى أن الإتمامَ لها آكد.
قال شيخنا: وأقول: تفنن المصنف بإيراد الأحاديث الثلاثة في الباب، إذْ تؤخذ المناسبة من حديث أبي هريرة بطريق الخصوص ومن حديث أبي الدرداء بطريق العموم ومن حديث أبي موسى بطريق الاستنباط، ويمكن أن يقال: لفظُ الترجمة يَحتمِل أن يُراد به فضل الفجر على غيرها من الصلوات وأن يراد به ثبوت الفضل لها في الجملة، فحديث أبي هريرة شاهدٌ للأول وحديث أبي الدرداء شاهدٌ للثاني وحديثُ أبي موسى شاهدٌ لهما والله أعلم. انتهى.
قال العيني: ومما يستفاد من حديث أبي موسى: الدلالةُ على فضل المسجد البعيد لأجل كثرة الخطأ، وسيأتي بيان ذلك في الباب الذي يلي الباب الذي يلي هذا الباب، إن شاء الله تعالى. انتهى
(٣٢) بابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ
أي هذا بابٌ في بيان فضل التهجير إلى صلاة الظهر.
التهجير: التبكير إلى كل شيء والمبادرةُ إليه، يقال: هجَّر يُهَجِّرُ تَهجيرًا فهو مُهَجِّر، وهي لغة حِجازيَّة، أراد المبادرة إلى أول وقت الصلاة، وإنما قال: (إِلَى الظُّهْرِ) مع أن لفظ التهجير يُغني عنه لزيادة التأكيد، وعامة نسخ البخاري: (بابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ)، وعليه شَرْحُ ابنِ التين وغيرِه، وفي بعضها: <باب فضل التهجير إلى الصلاة> (١)، وعليه شرح ابن بطال، وهذه النسخة أعم وأشمل.
٦٥٢ - ٦٥٣ - ٦٥٤ - قوله: (حَدَّثَني قُتَيْبَةُ بن سعيد) ترجمته في باب السلام من الإسلام.
قوله: (عَنْ مَالِكٍ) أي ابن أنس، ترجمته في كتاب الوحي.
قوله:
стр. 390
(سُمَيٍّ، مَوْلَى أَبِي بَكْرِ) أي بضم السين المهملة وفتح الميم، ترجمته في باب الاستهام في الأذان.
قوله: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ) أي ذكوان بالذال المعجمة، وكان يجلب السَّمْنَ والزيت إلى الكوفة، ترجمته في باب أمور الإيمان.
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن، ترجمته في الباب أيضًا.
في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الإفراد في موضع واحد، وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن رواته مدنيون ما خلا قتيبةَ فإنه بغلاني، بغلان بلخ من خراسان.
قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»
ثُمَّ قَالَ: «الشُّهَدَاءُ خَمْس: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ »
وَقَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ
وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ (١) وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا»)
مطابقته للترجمة في قوله: (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ)، وتكلف الزينُ ابنُ المنير إبداء مناسبةٍ للأول من جهة أنه دال على أن الطاعة وإن قلَّتْ فلا ينبغي أن تُترك، واعترف بعدم مناسبة الثاني. انتهى.
قال شيخنا: في هذا المتن ثلاثة أحاديث: قصة الذي نحَّى غُصن الشوك، والشهداء، والترغيبُ في النداء وغيره ما ذُكِر، والمقصود منه ذِكرُ التهجير. وقد تقدم الحديث الثالثُ في باب الاستهام عن عبد الله بن يوسف عن مالك، ويأتي الثاني في الجهاد عنه أيضًا، والأولُ في المظالم كذلك، وكان قتيبةُ حدَّثَ به عن مالك هكذا مجموًعا فلم يتصرف فيه المصنفُ كعادته في الاختصار. انتهى.
وقال العيني: وهذا المتن الذي ذكره مشتملٌ على خمسة أحاديث: الأول: الذي أَخَّر الغصن. الثاني: الشهداء، الثالث: الاستهام. الرابع: التهجير. الخامس: الحبو. انتهى.
قلت: يظهر تحقيقُ ما قاله شيخُنا وما قاله العيني من مراجعة الأماكن التي قال شيخنا أنَّ الأحاديث الثلاثة فيه. انتهى.
قال العيني: أخرج البخاري قوله: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ...) إلى آخره في الصلاة عن عبد الله بن يوسف، وفي الشهادات عن إسماعيل، وأخرجه النَّسائي فيه عن عتبة بن عبد الله وقتيبة فرَّقَهما، وعن الحارث بن مسكين عن عبد الرحمن بن القاسم، سبعتهم عن مالك به، وأخرج قوله: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي في طَرِيقٍ...) الحديث. في الصلاة عن قتيبة. وأخرجه مسلم في الأدب وفي الجهاد عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك. وأخرجه الترمذي في البِرِّ عن قتيبة به، وقال: حسن صحيح.
قوله: (بَيْنَمَا رَجُلٌ)، قد ذكرنا غير مرةٍ أن أصل «بينما» : «بين»، فأُشبِعت الفتحةُ فصارت ألِفًا، وزيدت فيه الميم فصارت «بينما»، ويقال: «بينَا» بدون الميم أيضًا، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم (٢) به المعنى.
والمبتدأ هنا قوله: (رَجُلٌ) خُصِّصَ بالصفة وهي قوله: (يَمْشِي)، وخبرُه قولُه: (وَجَدَ).
قوله: