← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 523

مزيد فتح الباري بشرح البخاري - مخطوط

إبراهيم بن علي النعماني

Полный текст (565 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

عمر (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: «تَفْضُلُهَا بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً») مطابقته للترجمة في قوله: (وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ)، فإنه يدل على مزية لصلاة الفجر على غيرها. قوله: (تَفْضُلُ) أي تزيد. (صَلَاةُ الجَمِيعِ) الإضافة فيه بمعنى «في» لا بمعنى اللام فافهم. قاله العيني. قوله: (بِخَمْسةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا) كذا هو في عامة النسخ، ونقل الزركشي في «نكته» أنه وقع في «الصحيحين» : <خمس> بحذف الموحدة من أوله والهاء من آخره. قال: وخَفْضُ «خمس» على تقدير الباء، كقول الشاعر: أشارت كليبٍ بالأكف الأصابعِ أي إلى كليب، وأما حذف الهاء فعلى تأويل الجزء بالدرجة قال العيني: وأمَّا لأن المميَّز غير مذكور، وههنا مميز «خمس» غير مذكور. قال شيخنا: وقد أورده المؤلف في التفسير من طريق معمر عن الزهري بلفظ: ((فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمسٌ وعشرون درجة)). قوله: (وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ...) إلى آخره، هو الموجب لتفضيل صلاة الفجر مع الجماعة، وكذا في صلاة العصر أيضًا، فلذلك حث الشارع على المحافظة عليهما ليكون من يحضرهما ترفع الملائكة عمله وتشفع له. وقال ابن بطال: ويمكن أن يكون اجتماع الملائكة فيهما هما الدرجتان الزائدتان على الخمسة والعشرين جزءًا في سائر الصلوات التي لا تجتمع الملائكة فيها. قوله: (قُرْآنَ الفَجْرِ) كنايةٌ عن صلاة الفجر، لأن الصلاة مستلزمة للقرآن. قوله: (مَشْهُودًا) أي محضورًا فيه. قوله: (قَالَ شُعَيْبٌ) هو شعيب، المذكور في سند الحديث. قوله: (وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ) قال شيخنا: أي بالحديث المذكور مرفوعًا نحوه، إلا أنه قال: (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً). وهو موافق لرواية مالك وغيره عن نافع، وطريق شعيب هذه موصولة. وجَوَّزَ الكِرماني أن تكون معلَّقة، وهو بعيد بل هي معطوفة على الإسناد الأول، والتقدير: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب ونظائر هذا في الكتاب كثيرة، ولكن لم أر طريق شعيب هذه إلا عند المصنف ولم يستخرجها الإسماعيلي ولا أبو نعيم ولا أوردها الطبراني في «مسند الشاميين» في ترجمة شعيب. انتهى. قلت: هذا من الأماكن التي قال شيخنا: لا أضيع الزمان بتشاغل الرد على العيني فيها. انتهى. ٦٥٠ - قوله: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) أي النخعي الكوفي، ترجمته في باب المضمضة والاستنشاق من الجنابة. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) أي حفص بن غياث بن طلق، ترجمته في الباب أيضًا. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) أي سليمان، ترجمته في باب ظلم دون ظلم. قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا) أي ابن أبي الجعد، ترجمته في باب التسمية على كل حال وعند الوِقاع في كتاب الطهارة. قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ) أي هُجَيمة،

стр. 387

وهي أم الدرداء الصغرى التابعية، لا الكبرى التي اسمها: خَيرة، بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف، وهي الصحابية. فإنما قلنا كذلك لأن الكبرى ماتت في حياة أبي الدرداء، وعاشت الصغرى بعده بزمان طويل، وقد جزم أبو حاتم بأن سالم بن أبي الجعد لم يدرك أبا الدرداء، فعلى هذا لم يدرك أمَّ الدرداء الكبرى. وقال الكِرماني: وأم الدرداء هي: خَيْرة بنت أبي حدرد الأسلمية، من فاضلات الصحابيات وعاقلاتهن وعابداتهن، ماتت بالشام في خلافة عثمان. قال شيخنا: فسَّرها الكِرماني هنا بصفات الكبرى، وهو خطأٌ لقول سالم: (سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ) قوله: (دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ) أي عويمر بن مالك، ترجمته في باب من حمل معه الماء الطهور. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: القول في سبعة مواضع. وفيه: رواية الابن عن الأب. وفيه: رواية التابعية عن الصحابي. وفيه: رواية التابعي عن التابعية. وفيه: أن رواته (١) الأربعة كوفيون، وهذا من أفراد البخاري. قوله: (وَهُوَ مُغْضَبٌ (٢)، فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا»). مطابقته للترجمة من حيث إن أعمال الذين يصلون بالجماعة قد وقع فيها النقص والتغيير ما خلا صلاتهم في الجماعة، ولم يقع فيها شيء من ذلك، فدل ذلك على أن فضل الصلاة بالجماعة عظيم. فإن قلتَ: الترجمة في فضل الصلاة بالجماعة في الفجر، والذي يُفهَم من الحديث أعم من ذلك، فكيف يكون التطابق؟ قال العيني: إذا طابقَ جزءٌ من الحديث الترجمة يكفي، ومثلُ هذا وقع له كثيرًا في هذا الكتاب. قوله: (مُغْضَبٌ) بضم أوله وفتح الضاد المعجمة. قوله: (مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كذا في رواية أبي ذر وكَريمة، وفي رواية الباقين: <من (٣) محمد> بدون لفظة: «أمة»، وعليه شرح ابن بطال ومَن تبعه، قال: يريدُ: من شريعة محمد شيئًا لم يتغير عما كان عليه إلا الصلاة في جماعة، فَحَذَفَ المضاف إليه لدلالة الكلام عليه، ووقع في رواية أبي الوقت: <من أمر محمد> بفتح الهمزة وسكون الميم وفي آخره راء، وكذا ساقه الحميدي في «جمعه»، وكذا هو في «مسند أحمد» و «مستخرجي الإسماعيلي وأبي نعيم» من طُرُقٍ عن الأعمش، وعندهم بلفظ: ما أعرف فيهم، أي: في أهل البلد الذي كان فيه أبو الدرداء، كأنَّ لفظ «فيهم» لَمَّا حُذف من رواية البخاري صَحَّف بعضُ النَّقَلة «أمر» بـ «أمة»، ليعود الضمير في: (أَنَّهُمْ) على الأمة. قال العيني: لا محذور في كون لفظة: «أمة»، بل الظاهر هذا على ما لا يخفى. انتهى. قوله: (يُصَلُّونَ جَمِيعًا) أي: مجتمعين، وانتصابُه على الحال، ومفعول: (يُصَلُّونَ) محذوفٌ تقديرُه: يصلون الصلاة أو الصلوات. قال شيخنا: مرادُ أبي الدرداء أن أعمال المذكورين حصل في جميعها النقصُ أو التغيير إلا التجميع في الصلاة، فهو أمر نسبي، لأن حال الناس في زمن النبوة كان أتمَّ مما صار إليه بعدها، ثم كان في زمن الشيخين أتم مما صار إليه بعدَهما، وكأن ذلك صدر من أبي الدرداء في أواخر عُمُرِه وكان ذلك في أواخر خلافة عثمان ﵁، ويا ليت شعري

стр. 388

إذا كان ذلك العصر الفاضلُ بالصفة المذكورة عند أبي الدرداء فكيف بمن جاء بعدهم من الطبقات إلى هذا الزمان! قلتُ: الذي قَلَّ أن يَجِدَ فيه مَن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ويرتضيه، مع أن القرن الذي قال فيه أبو الدرداء هذا خيرُ القرون بنص الشارع. وفي هذا الحديث جواز الغضب عند تغير شيءٍ من أمور الدين، وإنكارِ المنكر بإظهار الغضب إذا لم يستطع أكثرَ منه. ٦٥١ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أي بضم الباء الموحدة (عَنْ أَبِي بُرْدَة) بضم الباء أيضًا، عامر وقيل: الحارث (عَنْ أَبِي مُوسَى) أي عبد الله بن قيس. رجال هذا السند قد ذُكِروا بهذا الترتيب في باب من علم، لكنَّ ذِكْرَ أبو أسامة ثَمَّةَ باسمه حَمَّاد، وههنا بكنيته. قوله: (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ، فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي، ثُمَّ يَنَامُ»). هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصلاة. قوله: (أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا) أي أكثرهم ثوابًا والناس: جماعةُ الحيَوان المتميزة بالصور الإنسانية. قوله: (أَبْعَدُهُمْ) بالرفع خبرُ المبتدأ: أعني. قوله: (أَعْظَمُ النَّاسِ) ونصب أجرًا على التمييز. قوله: (فَأَبْعَدُهُمْ) قال الكِرماني: الفاء فيه للاستمرار، كما في قولهم: الأمثل فالأمثل. قال العيني: لم يذكر أحد من النُّحاةِ أن الفاء تجيء بمعنى الاستمرار، ولكن يمكن أن تكون الفاء هنا لترتيبٍ مع تفاوت من بعض الوجوه. قال الزمخشري: للفاء مع الصفات ثلاثة أحوال: أحدها: أن تدل على ترتيب معانيها في الوجود كقوله: يا لهف زَيَّابة للحارثِ... الصابحِ (١) فالغانم فالآيبِ أي الذي صبح فغنم فآب. والثاني: يدل على ترتيبها في التفاوت من بعض الوجوه، نحو قولك: خذ الأكمل فالأفضل، واعمل الأحسن فالأجمل. والثالث: أن يدل على ترتيب موصوفاتها في ذلك، نحو: رحم الله الْمُحلِّقين فالمقصرين. وقيل: تقع الفاء تارة بمعنى «ثم»، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤] فالفاءات فيها بمعنى «ثم»، لتراخي موصوفاتها، فعلى هذا يجوز أن تكون الفاء هنا بمعنى «ثم»، بمعنى: أبعدُهم ثم أبعدُهم (٢). قوله: (مَمْشًى) بفتح الميم الأولى وسكون الثانية اسم مكان، وهو منصوب على التمييز، والمعنى: أبعدُهم مسافة إلى المسجد. قوله: (مَعَ الإِمَامِ) زاد مسلم: ((في جماعة)) وبيَّنَ أنها رواية أبي كريب وهو محمد بن العلاء الذي أخرجه البخاري عنه. قوله: (مِنَ الَّذِي يُصَلِّي) أعمُّ من أن يكون مع جماعة أو وحده. قوله: (ثُمَّ يَنَامُ) قال الكِرماني: فإن قلتَ: هذا التفضيل أمرٌ ظاهر ضروري، فما الفائدة في ذِكره؟ قلتُ: معناه أن الذي ينتظرها حتى يصليها مع الإمام آخرَ الوقت أعظمُ أجرًا من الذي يصلي في وقت الاختيار وحدَه، أو الذي ينتظرها حتى يصليها مع الإمام أعظمُ أجرًا من الذي يصليها أيضًا

стр. 389

مع الإمام بدون الانتظار، أي كما بُعْدُ المكان مؤثرٌ في زيادة الأجر كذلك طولُ الزمان، لأنهما يتضمنان لزيادة المشقة الواقعة مقدِّمَة للجماعة. قال العيني: قد عُلِمَ من هذا أن السبب في تحصيل هذا الأجر العظيم انتظارُ الصلاة وإقامتُها مع الإمام، فإن وُجِد أحدُهُما دون الآخر فلا يحصل له ذلك، ويُعلَم من هذا أيضًا أن تأخير الصلاة عن وقت الاختيار لا يخلو عن أجر كما في تأخيرِ الظهر إلى أن يبرُد الوقتُ عند اشتداد الحر، وتأخيرِ العصر إلى ما قبلَ تغيُّرِ قرص الشمس، وتأخيرِ العشاء إلى ما قبل ثلُث الليل، وتأخيرِ الصبح إلى وقت الإسفار. فإن قلتَ: فما فائدة قوله: (ثُمَّ يَنَامُ)؟ قال الكِرماني: إشارةً إلى الاستراحة المقابِلة للمشقة التي في ضمن الانتظار. انتهى. قال شيخنا: قيل: استُشكِل إيراد حديث أبي موسى في هذا الباب، لأنه ليس فيه لصلاة الفجر ذِكرٌ، بل آخره يُشعر بأنه في العشاء، وَوَجَّهَهُ ابنُ المنير وغيرُه بأنه دل على أن السببَ في زيادة الأجر وجودُ المشقة بالمشي إلى الصلاة، وإذا كان كذلك فالمشي إلى صلاة الفجر في جماعة أشقُّ من غيرِها، لأنها وإن شاركتها العشاء في المشي في الظُّلْمة فإنها تزيد عليها مفارقة أكثر المشتهاة طبعًا. ولم أر أحدًا من الشُّرَّاح نبَّهَ على مناسبة حديث أبي الدرداء للترجمة إلا الزينُ ابن المنير فإنه قال: تدخل صلاة الفجر في قوله: يصلون جميعًا. وهي أخص بذلك من باقي الصلوات. وذكر بن رشيد نحوَه وزاد أن استشهاد أبي هريرة في الحديث الأول بقوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، يشير إلى أن الإتمامَ لها آكد. قال شيخنا: وأقول: تفنن المصنف بإيراد الأحاديث الثلاثة في الباب، إذْ تؤخذ المناسبة من حديث أبي هريرة بطريق الخصوص ومن حديث أبي الدرداء بطريق العموم ومن حديث أبي موسى بطريق الاستنباط، ويمكن أن يقال: لفظُ الترجمة يَحتمِل أن يُراد به فضل الفجر على غيرها من الصلوات وأن يراد به ثبوت الفضل لها في الجملة، فحديث أبي هريرة شاهدٌ للأول وحديث أبي الدرداء شاهدٌ للثاني وحديثُ أبي موسى شاهدٌ لهما والله أعلم. انتهى. قال العيني: ومما يستفاد من حديث أبي موسى: الدلالةُ على فضل المسجد البعيد لأجل كثرة الخطأ، وسيأتي بيان ذلك في الباب الذي يلي الباب الذي يلي هذا الباب، إن شاء الله تعالى. انتهى (٣٢) بابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ أي هذا بابٌ في بيان فضل التهجير إلى صلاة الظهر. التهجير: التبكير إلى كل شيء والمبادرةُ إليه، يقال: هجَّر يُهَجِّرُ تَهجيرًا فهو مُهَجِّر، وهي لغة حِجازيَّة، أراد المبادرة إلى أول وقت الصلاة، وإنما قال: (إِلَى الظُّهْرِ) مع أن لفظ التهجير يُغني عنه لزيادة التأكيد، وعامة نسخ البخاري: (بابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ)، وعليه شَرْحُ ابنِ التين وغيرِه، وفي بعضها: <باب فضل التهجير إلى الصلاة> (١)، وعليه شرح ابن بطال، وهذه النسخة أعم وأشمل. ٦٥٢ - ٦٥٣ - ٦٥٤ - قوله: (حَدَّثَني قُتَيْبَةُ بن سعيد) ترجمته في باب السلام من الإسلام. قوله: (عَنْ مَالِكٍ) أي ابن أنس، ترجمته في كتاب الوحي. قوله:

стр. 390

(سُمَيٍّ، مَوْلَى أَبِي بَكْرِ) أي بضم السين المهملة وفتح الميم، ترجمته في باب الاستهام في الأذان. قوله: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ) أي ذكوان بالذال المعجمة، وكان يجلب السَّمْنَ والزيت إلى الكوفة، ترجمته في باب أمور الإيمان. قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن، ترجمته في الباب أيضًا. في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الإفراد في موضع واحد، وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن رواته مدنيون ما خلا قتيبةَ فإنه بغلاني، بغلان بلخ من خراسان. قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ» ثُمَّ قَالَ: «الشُّهَدَاءُ خَمْس: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » وَقَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ (١) وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا») مطابقته للترجمة في قوله: (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ)، وتكلف الزينُ ابنُ المنير إبداء مناسبةٍ للأول من جهة أنه دال على أن الطاعة وإن قلَّتْ فلا ينبغي أن تُترك، واعترف بعدم مناسبة الثاني. انتهى. قال شيخنا: في هذا المتن ثلاثة أحاديث: قصة الذي نحَّى غُصن الشوك، والشهداء، والترغيبُ في النداء وغيره ما ذُكِر، والمقصود منه ذِكرُ التهجير. وقد تقدم الحديث الثالثُ في باب الاستهام عن عبد الله بن يوسف عن مالك، ويأتي الثاني في الجهاد عنه أيضًا، والأولُ في المظالم كذلك، وكان قتيبةُ حدَّثَ به عن مالك هكذا مجموًعا فلم يتصرف فيه المصنفُ كعادته في الاختصار. انتهى. وقال العيني: وهذا المتن الذي ذكره مشتملٌ على خمسة أحاديث: الأول: الذي أَخَّر الغصن. الثاني: الشهداء، الثالث: الاستهام. الرابع: التهجير. الخامس: الحبو. انتهى. قلت: يظهر تحقيقُ ما قاله شيخُنا وما قاله العيني من مراجعة الأماكن التي قال شيخنا أنَّ الأحاديث الثلاثة فيه. انتهى. قال العيني: أخرج البخاري قوله: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ...) إلى آخره في الصلاة عن عبد الله بن يوسف، وفي الشهادات عن إسماعيل، وأخرجه النَّسائي فيه عن عتبة بن عبد الله وقتيبة فرَّقَهما، وعن الحارث بن مسكين عن عبد الرحمن بن القاسم، سبعتهم عن مالك به، وأخرج قوله: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي في طَرِيقٍ...) الحديث. في الصلاة عن قتيبة. وأخرجه مسلم في الأدب وفي الجهاد عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك. وأخرجه الترمذي في البِرِّ عن قتيبة به، وقال: حسن صحيح. قوله: (بَيْنَمَا رَجُلٌ)، قد ذكرنا غير مرةٍ أن أصل «بينما» : «بين»، فأُشبِعت الفتحةُ فصارت ألِفًا، وزيدت فيه الميم فصارت «بينما»، ويقال: «بينَا» بدون الميم أيضًا، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم (٢) به المعنى. والمبتدأ هنا قوله: (رَجُلٌ) خُصِّصَ بالصفة وهي قوله: (يَمْشِي)، وخبرُه قولُه: (وَجَدَ). قوله:

стр. 391

(فَأَخَذَهُ)، وفي رواية الكُشْمِيهَنِي: <فَأَخَّرَهُ> أي فأخَّره عن الطريق. قوله (فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ) معناه: رضي فعله وتقبل منه وأثنى عليه، يقال: شكرتُه وشكرتُ له بمعنى واحد. قوله: (الشُّهَدَاءُ) جمع: شهيد، سُمِّيَ به لأن الملائكة يشهدون موتَه، فكان مشهودًا. وقيل: مشهودٌ له بالجنة، فعلى هذا يكون الشهيد على وزن: فعيل، بمعنى: مفعول، وقيل: لأنه حيٌّ عند الله حاضرٌ ويشهد حضر القدس ويحضرها، وقيل: لأنه شهِدَ ما أعدَّ اللهُ له من الكرامة. وقيل: لأنه ممن يستشهد مع النبي ﷺ يوم القيامة على سائر الأمم المكذِّبين، فعلى هذه المعاني يكون الشهيد بمعنى: شاهد. قوله: (خَمْسٌ) بدون التاء، هكذا في رواية أبي ذر عن الحموي، وفي رواية الباقين: <خمسة> بالتاء، وهذا هو الأصل. ولكن إذا كان المميَّز غير مذكور جاز الأمران، وفي رواية مالك في «الموطأ» : ((الشهداء سبعة))، ونقص: (الشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّه)، وزاد: ((صاحب ذات الجنب، والحريق، والمرأة تموت بجمع)) أي التي تموت وولدُها في بطنها. وفي رواية أبي داود والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث جابر بن عتيك مرفوعًا: ((الشهادة سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون والغريق وصاحب الجنب والمبطون وصاحب الحريق والذي يموت تحت الهدم والمرأة تموت بجمع)). وفي حديث ابن ماجه من حديث عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: ((موت الغريب شهادة))، وإسناده ضعيف. وَرَوَى سُويد بن سعيد الحَدَثاني عن علي بن مُسهِر عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَن عشِقَ فعفَّ وكتمه ثم مات، مات شهيدًا)). وقد أنكره علَى سُويد الأئمةُ، قاله ابن عدي في «كامله»، وكذا أنكره البيهقي وابن طاهر، وقال ابن حبان: من روى مثل هذا عن علي بن مسهر تجب مجانبة روايته، وسويد بن سعيد هذا وإن كان مسلم أخرج له في «صحيحه» فقد اعتذر مسلم عن ذلك، وقال: إنه لم يأخذ عنه إلا ما كان عاليًا وتوبع عليه، ولأجل هذا أعرَضَ عن مثل هذا الحديث. وذكر ابنُ عساكر عن ابن عباس في تعداد الشهداء: الشريقُ وما أكله السبع. فإن الشهداء في «الصحيح» : خمسة، وفي رواية مالك: سبعة، ومع رواية ابن ماجه عن ابن عباس تكون: ثمانية، ومع رواية سويد بن غفلة عن ابن عباس تكون: تسعة، وفي رواية ابن عساكر عن ابن عباس يكون أحد عشر؟ قال العيني: لا تناقض بينها لأن الاختلاف في العدد بحسب اختلاف الوحي على رسول الله ﷺ . قوله: (المَطْعُونُ) هو الذي يموت في الطاعون (١)، أي الوباء، ولم يُرِد المطعونَ بالسِّنان، لأنه الشهيد في سبيل الله، والطاعون مرض عام يفسد له الهواء فتفسد الأمزجة والأبدان. قوله: (وَالمَبْطُونُ) هو صاحب الإسهال، وقيل: هو الذي به الاستسقاء، وقيل: هو الذي يشتكي بطنَه. وقيل: من مات بداء بطنه مطلقًا. قوله: (وَصَاحِبُ الهَدْمِ) هو الذي يموت تحت الهدم، وقال ابن الجوزي: بفتح الدال المهملة، وهو اسم ما يقع، وأما بتسكين الدال فهو الفعل

стр. 392

والذي يقع هو الذي يقتل ويجوز أن يُنْسب القتل إلى الفعل. قوله: (والشَّهيْد في سَبيْل الله) هذا هو الخامس من الشهداء، قال الطيبي: فإنْ قلت خمسة خبر المبتدأ والمعدود هذا بيان له فكيف يصح في الخامس فإنَّه حمل الشيء على نفسه فكأنَّه قال الشهيد هو الشهيد؟ قلت هو من باب: أنا أبو النَّجْم وشِعْري شِعْرِي وقال الكرماني: الأولى أن يُقال المراد القتيل، فكأنَّه قال الشهيد كذا وكذا والقتيل في سبيل الله. قلت: أما السرُّ في خصوصية هؤلاء المذكورين بهذه الكرامة مع أنَّ كثيراً من الأمراض أشدُّ ألماً من أمراضهم، فلعلنا نذكره في كتاب الجهاد إنْ شاء الله تعالى. قوله: (إلا أنْ يَسْتَهِمُوا) أي إلا أن يقترعوا، وتقدم الكلام فيه في باب الاستهام في الأذان. قوله: (ولو حَبْواً) الحبو: حبو الصغير على يديه ورجليه، وقال ابن الأثير: الحيوان يمشي على يديه وركبتيه أو استه، وحبا البعير إذا برك ثم زحف من الإعياء، وحبا الصغير إذا زحف على استه. فإنْ قلت بمَ انتصب حبواً؟ قال العيني: على أنَّه صفة لمصدر محذوف، أي لأتوهما ولو كان إتياناً حبواً، ويجوز أنْ يكون خبر كان المقدر والتقدير ولو كان إتيانكم حبواً. انتهى. ذكر ما يستفاد من الحديث وهو على وجوه: الأول: فيه إماطة الأذى عن الطريق وهي أدنى شعب الإيمان، فإذا كان الله يشكر عبده ويغفر له على إزالة غصن شوك من الطريق فلا يدري ماله من الفضل والثواب إذا فعل ما فوق ذلك. الثاني: فيه بيان الشهداء؛ الشهيد عند الحنفية من قَتله المشركون، أو وجد في المعركة وبه أثر الجراحة، أو قتله المسلمون ظلماً ولم يجب بقتله دية قاله العيني. وعند مالك والشافعي وأحمد: الشَّهيد هو الذي قتله العدو غازياً في المعركة ثم الشهيد يكفن بلا خلاف، ولا يغسَّل. وفي «المغني» : إذا مات في المعْتَرك فإنه لا يغسل رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم. قال العيني: ولا نعلم فيه خلافاً إلا عن الحسن وابن المسيب فإنهما قالا: يغسل الشهيد ولا يعمل به. ويصلى به عند الحنفية، وهو قول ابن عباس وابن الزبير وعقبة بن عامر وعكرمة وسعيد بن المسيب والحسن البصري ومكحول والثوري والأوزاعي والمزني وأحمد في رواية واختارها الخلَّال، وقال مالك والشافعي وإسحاق: لا يُصلَّى عليه وهو قول أهل المدينة، وقال النووي في «شرح المهذب» : المذهب الجزم بتحريم الصلاة عليه، وقال ابن حزم: إنْ شاؤوا صلوا عليه وإن شاؤوا تركوها. وقال الكَرْمَاني: فإنْ قلت الشهيد حكمه أنْ لا يغسل ولا يصلى عليه وهذا الحكم غير ثابت في الأربعة الأُوَل باتفاق، قلت معناه أنه يكون لهم في الآخرة مثل ثواب الشَّهداء. قالوا الش ((في الطاعون)) ليست في (الأصل) والاستدراك من عمدة القاري. هداء على ثلاثة أقسام: شهيد الدنيا والآخرة وهو من مات في قتال الكفار بسببه، وشهيد الآخرة دون أحكام الدنيا، وهم هؤلاء المذكورين، وشهيد الدنيا دون الآخرة وهو من قتل مدبراً أو غلَّ في الغنيمة،

стр. 393

أو قتل لغرض ومأوى لا لإعلاء كلمة الله تعالى. فإنْ قلت فإطلاق الشَّهيد على الأربعة الأُوَلِ مجاز وعلى الخامس حقيقة ولا يجوز إرادة الحقيقة والمجاز باستعمال واحد، قلت: جوَّزه الشافعي وأما غيره فمنه من جوز في لفظ الجمع ومن منعه مطلقاً حمل مثله على عموم المجاز، أي عمل على معنى مجازي أعمَّ من ذلك المجاز والحقيقة، قال العيني: العمل بعموم المجاز هو قول أصحابنا الحنفية. الثالث: فضيلة السَّبق إلى الصف الأول والاستهام عليه. الرابع: فضيلة التهجير إلى الظهر، وعليه ترجم البخاري، ولا منافاة بينه وبين حديث الإبراد لأنَّه عند اشتداد الحرِّ، والتهجير هو الأصل وهو عزيمة وذاك رخصة. الخامس: فضيلة العشاء والصبح لأنهما ثقيلان على المنافقين. (٣٣) باب احتساب الآثار . إي هذا باب في بيان احتساب الآثار، أي في عدد الخطوات إلى المسجد. والآثار جمع أثر، وأصله من أثر المشي في الأرض، والمراد بها عدد الخطوات كما فسَّره مجاهد علي ما يجيء. قال شيخنا: كأنَّه لم يقيدها ليشمل كل مشي إلى كل طاعة، أي لم يقيدها بالصلاة. ٦٥٥ - قوله: (حَدَّثنَا مُحمَّد بن عَبْد الله بن حَوْشَب) أي بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفتح الشين المعجمة وفي آخره باء موحدة- الطائفي- روى عن إبراهيم بن سعيد وهشيم وعبد الوهاب الثقفي، روى عنه البخاري في تفسير سورة النساء مواضع. قوله: (قال حَدَّثنَا عبْدُ الوهَّاب) أي -الثقفي-ترجمته في باب ما يكره من النوم قبل العشاء. قوله: (قال حَدَّثَنِي حُمَيْد) أي -ابن حميد الطويل-ترجمته في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله. قوله: (عن أنَسٍ) أي -ابن مالك-﵁ ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه... في هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضعين وفي صيغة الإفراد في موضع وفيه العنعنة في موضع وفيه القول في أربع مواضع، وفيه أن َّ غيره من أفراد وفيه أنَّ رواته ما بين شاميٍّ وبصري. قال: قال رسول الله ﷺ (يا بنَي سَلِمَة ألا تحْتَسبُون آثَاركُم) مطابقته للترجمة ظاهرة. قوله: (يا بني سَلِمة) بفتح السين وكسر اللام، وهم بطن كثير من الأنصار ثم الخزرج. وغفل القزَّاز وتبعه الجوهري حيث قال: ليس في العرب سلمة بكسر اللام غيرهم، فإنَّ ابن ماكولا والأشْرَاطِي [وابن] داود جماعات غيرهم كذلك، لكنْ يحتمل يكون أنْ يكون القَزَّاز أراد تقييد القبيلة أو البطن فله بعض اتجاه. قوله: (ألا تحْتَسبُون) كلمة ألا للتنبيه والتخصيص، ومعناه ألا تَعدون خطاكم عند مَشيكم إلى المسجد، وإثبات النون في (تحْتَسِبُون) ثابت في عامة النسخ، وصرَّح الكَرْمَاني بخلاف نون الجمع هذه، وقال: فإنْ قلت: ماوجه سقوط النون؟ قلت: جَوَّز النحاة إسقاط النون بدون ناصب وجازم، أي تخفيف. والاحتساب وإنْ كان أصله العدُّ لكنه يستعمل غالباً في معنى تحصيل الثواب بنية خالصة، وإنَّما خاطبهم النبي ﷺ بذلك حين أرادوا النقلة إلى قرب المسجد. وعند مسلم

стр. 394

من حديث جابر ﵁: ((خَلَتِ البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال لهم: إنَّه بلغَنِي أنَّكُم تُريْدُون أن تنْتَقِلوا إلى قرب المسجد قالُوا نعم يا رسول الله، قَدْ أرَدْنَا ذلك، فقال: يا بني سَلِمَة دياركم تكتب آثاركم، دياركم تَكْتُب آثاركم)). وفي لفظ كانت ديارنا نائية من المسجد فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقرب من المسجد، فنهانا رسول الله ﷺ ، فقال: ((إنَّ لكم بكل خطوَةٍ درجة)). وعند ابن ماجه من حديث ابن عباس: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد فأرادوا أن يقتربوا فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]. قال: فثبتوا. زاد عبد بن حميد في «تفسيره» فقالوا بل نثبت مكاننا. ولمسلم من طريق أبي نصرة عن جابر ((قالوا: ما يسرنا أنا كنا تحولنا)). قوله: وقال مجاهد -أي ابن جبر أي المخزومي- ترجمته في كتاب الإيمان. قوله: في قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] قال: خطاهم، فسر مجاهد الآثار بالخطا، وعن مجاهد: خُطَاهُم آثارهم إذ مَشَوْا في الأرض بأرجُلِهِم. وفي «تفسير عبد بن حميد» عن أبي سعيد موقوفاً: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ [يس: ١٢] قال: الخطا. وعند البزَّار فقال لهم النبي ﷺ : ((منازلكم منها تكتب آثاركم)). وعند الترمذي عن أبي سعيد ﵁: ((شكا بنو سلمة إلى النبي ﷺ بعد منازلهم من المسجد فأنزل الله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] فقال النبي ﷺ : منازلكم فإنهَّا تكتُبُ آثاركم)). وقال: حسن غريب. ٦٥٦ - قوله: (وحَدَّثَنَا ابن أبي مَرْيَم) أي سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم، ترجمته في باب من سمع شيئا فراجع حتى يفهمه في كتاب العلم. قوله: (قال أخبرنا يَحْيَى بن أيُّوْب) أي الشافعي المصري، ترجمته في باب البصاق والألفاظ ونحوه في الثوب. قوله: (قال حدثني حُمَيْد) أي الطويل ا لمذكور في السند المتقدم. قوله: عن (أنَسٍ) اي أبن مالك المذكور فيه أيضاً. في هذا الإسناد التحديث في صيغة الجمع في موضع والإخبار كذلك، وفيه التحديث بصيغة الإفراد في موضع، وفيه العنعنة في موضع، وفيه القول في موضعين. قوله: (أَن بني سَلمَة أَرَادوا أَن يَتَحَوَّلُوا عَن مَنَازِلهمْ فينزلوا قَرِيبا من النَّبِي ﷺ َ-قَالَ فكره رَسُول الله ﷺ َ -أَن يعروا الْمَدِينَة فَقَالَ أَلا تحتسبون آثَاركُم. قَالَ مُجَاهِد خطاهم آثَارهم أَن يمشى فِي الأَرْض بأرجلهم)، وقال مجاهد: خطاهم آثار المشي في الأرض بأرجلهم. قوله: (وحَدَّثَنا ابنُ أبي مَرْيَم) كذا لأبي ذر وجه، وفي رواية الباقين: وقال ابن أبي مريم وذكره صاحب الأطراف بلفظ وزاد ابن أبي مريم. قال أبو نعيم في» المستخرج» ذكره البخاري بالأوَّليِّة يعني مطلقا. قال شيخنا: وهذا هو الصواب وله نظائر في الكتاب في رواية يحبى بن أيوب لأنه ليس على شرطه في الأصول. انتهى. قال العيني: هذه دعوى بلا دليل. انتهى. قلت: قد ذكر دليل. انتهى. قوله: (عن أنَسٍ) هكذا هو في رواية أبي

стр. 395

ذر وحده، وفي رواية الباقين حدثنا أنس وكذا ذكره أبو نعيم أيضاً. قال شيخنا: وكذا سمعناه في «الأول من فوائد المخلص» من طريق أحمد بن منصور عن ابن أبي مريم. ولفظ سمعت أنساً: وهذا هو السر في إيراد طريق يحيى بن أيوب عقب طريق عبد الوهاب. ليبين الأمر من تدليس حميد وقد تقدم نظيره في باب وقت العشاء، وأخرجه في الحج من طريق مروان الفزاري عن حميد وساق المتن كاملاً. انتهى. قوله: فنزلوا قريباً أي منزلا قريبا لأنَّ ديارهم كانت بعيدة من المسجد وقد صرح بذلك في رواية مسلم من حديث جابر بن عبد الله يقول: ((كانت ديارنا بعيدة...)) الحديث. وفي «مسند السراج» من طريق أبي نضرة عن جابر أرادوا أن يقتربوا من أجل الصلاة. وفي رواية مردويه من طريق أخرى عن أبي نضرة عنه قال: ((كانت منازلنا بسلعٍ)) فإنْ قلت بالاستسقاء من حديث أنسٍ: (وما بيْنَنَا وبَيْن سلْعٍ مِنْ دَارٍ) فهذا يعارضه، يقال لاتعارض لاحتمال أن ديارهم كانت من وراء سَلْعٍ، وبين سلع والمسجد قدر ميل. قوله: (أن يُعْرُوا المدينة) وفي رواية الكُشْمِيهَني: (أن يُعْرُوا منَازِلهم) وهو بضم راء آخر الحروف، وسكون العين المهملة، وضم أوله، أي يتركوها خالية. قال عزوجل: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥] أي بموضعٍ خالٍ. قال ابن سيده: هو المكان الذي لا يستتر فيه شيء. وقيل: الأرض الواسعة وجمعه أعراء، في «الغريبين» الممدود المتسع من الأرض قيل له ذلك لأنه لا يستتر فيه ولا شيء يغطيه، والعرى مقصور: الناحية أي - وبالمد - الفضاء. وجه كراهة النبي ﷺ في منعهم من القرب من المسجد هو أنه أراد أن تبقى جهات المدينة عامرة بساكنيها. قوله: وقال مجاهد: (خُطَاهُم) آثار المشي في الأرض بأرجلهم كذا هو في رواية أبي ذر، وفي رواية الباقين وقال مجاهد: (﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]) قال: خطاهم، وكذا ومثله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عنه قال في قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] قال: أعمالهم، وفي قوله: (وآثارهم) قال: خطاهم. وأشار البخاري بهذا التعليق إلى أنَّ قصة بني سلمة كانت سبب نزول هذه الآية، وقد ورد مصرحا به من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس أخرجه ابن ماجة وغيره، وإسناده قوي وقد ذكرناه عن قريب في الحديث أنَّ أعمال البر إذا كانت خالصة تكتب آثارها حسنات. وفيه: استحباب السكنى بقرب المسجد إلا لمن حصلت به منفعة أخرى، أو أراد تكثير الأجر مالم يكلف نفسه، ووجهه أنهم طلبوا السكنى بقرب المسجد للفضل الذي علموه منه فما أنكر عليهم النبي ﷺ ذاك. بل رجح درء المفسدة بإخلائهم جوانب المدينة على المصلحة المذكورة وأعلمهم بأنَّ لهم في التردد إلى المسجد من الفضل ما يقوم مقام السكنى لقرب المسجد أو يزيد عليه. وفيه الدلالة على كثرة الأجر بكثرة الخطا في المشي إلى المسجد. قال العيني: وسُئِل أبو عبد الله بن لبَابَة عن الذي

стр. 396

يدعُ مسجده ويصلي في المسجد الجامع المفضَّل في كثرة الناس فقال: لا يدع مسجده، وإنما فضل المسجد الجامع الجمعة فقط. وعن أنس بن مالك أنَّه كان يتجاوز المساجد المحدثة إلى المساجد القديمة، وفعله مجاهد وأبو وائل، وأما الحسن فَسُئِل أيَدَع الرجل مسجد قومه ويأتي غيره؟ فقال: كانوا يحبون أنْ يكثر الرجل قومه بنفسه، وقال القرطبي: وهذه الأحاديث تدل على أنَّ البعد في المسجد أفضل فلو كان بجوار المسجد فهل له أنْ يجاوزه إلى الأبعد؟ فكرهه الحسن قال: وهو مذهبنا، وفي تخطي مسجد إلى المسجد الأعظم قولان، واختلف فيمن كانت داره قريبة من المسجد وقارب الخطى بحيث تساوي الخطى من داره بعيدة هل تساويه في الفضل أو لا؟ وإلى المساواة مال الطَّبَرِي فإن قلت: روى ابن أبي شيبة من طريق أنس قال: مشيت مع زيد بن ثابت إلى المسجد فقارب بين الخطا وقال: أردت أنْ تكثر خطانا إلى المسجد. قال شيخنا: وهذا لا يلزم منه المساواة في الفضل، وإنْ دلَّ على أنَّ في كثرة الخطا فضيلة، لأنَّ ثواب الخطا الشاقة ليس كثواب الخطا السهلة وهو ظاهر حديث أبي موسى الماضي قبل باب حيث جعل أبعدهم ممشى أعظمهم أجراً، واستنبط منه بعضهم استحباب قصد المسجد البعيد وإن كان بجنبه مسجد قريب، وإنما يتم ذلك إذا لم يلزم من ذهابه إلى البعيد هجر القريب وإلا فإحياؤه بذكر الله أولى. وكذا إذا كان في البعيد مانع من الكمال كأنْ يكون إمامه مبتدعاً أو لحَّاناً في القراءة أو قومه يكرهونه فله أنْ يتركه ويصلي في القريب، وكذلك إذا كانَ إمام القريب بهذه الصفة فله أنْ يتركه ويصلي في البعيد. (٣٤) باب فضل صلاة العشاء في الجماعة أي: هذا باب في بيان فضل صلاة العشاء إلى آخره حال كونها في الجماعة. قوله: حدثنا (عُمر بن حَفْص) أي-ابن غياث النخعي-الكوفي ترجمته في باب المضمضة والاستنشاق من الجنابة. قوله: (قال حَدَّثَنا أبي) أي -حفص بن غياث بن طَلْق-ترجمته في الباب أيضاً. قوله: (قال حَدَّثَنا الأعْمَش) أي-سليمان-ترجمته في باب ظلم دون ظلم. قوله: (قال حَدَّثَني أبو صَالح) أي-زكوان -ترجمته في باب أمور الإيمان. قوله: (عن أبي هُرَيْرَة) أي: عبد الرحمن ترجمته في الباب أيضاً، في هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه العنعنة في موضع، وفيه القول في خمس مواضع. ٦٥٧ - قوله: قال: قال النبي ﷺ : (ليسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى المُنَافِقِينَ مِنَ صَلاة الفَجْرِ وَالعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، ولَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ المُؤَذِّنَ، فَيُقِيمَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ، ثُمَّ آخُذَ شُعَلًا مِنْ نَارٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْد). مطابقته للترجمة في الجزء الثاني لأنَّه يدل

стр. 397

على زيادة فضل الفجر والعشاء على غيرها من الصلوات ووضع الترجمة لبيان فضيلة صلاة العشاء، وقال شيخنا: أورد في الباب الحديث الدال على فضل العشاء والفجر فيحتمل أنْ يكون مراد الترجمة إثبات فضل العشاء في الجملة، أو إثبات أفضليتها على غيرها، والظاهر الثاني، ووجه أنَّ الفجر ثبت أفضليتها كما تقدم، وسوى في هذا بينها وبين العشاء ومساواة الأفضل يكون أفضل جزماً. قوله: (ليْسَ صلاةٌ أثقَلَ) هكذا هو رواية الكُشْمِيهَنِي في رواية أبي ذر وكريمة عنه، وفي رواية الأكثرين ((ليْسَ أثقلَ على المنافقين)) بخلاف اسم ليس، قال العيني: وأما وجه تذكر ليس فلأن الفعل إذ؟؟؟ المسند إلى المؤنث غير الحقيقي يجوز فيه التذكير والتأنيث. انتهى. وقوله: (أثْقَلَ) أفعل التفضيل فيدل على أنَّ الصلوات كلها ثقيلة على المنافقين، والفجر والعشاء أثقل من غيرها؛ أمَّا الفجر فلأنه وقت لذة النوم، وأمَّا العشاء فلأنه وقت السكون والراحة، وقد قال الله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤] وقيل وجه ذلك هو كون المؤمنين يحوزون بما يترتب عليهما من الفضل لقيامهم بحقها دون المنافقين. قوله: (ما فيهِمَا) أي في الفجر والعشاء من الثواب والفضل. قوله: (لأتَوْهُمَا) أي: لأتوا الفجر والعشاء، وقالَ شيخنا: والمراد لأتوا إلى المحل الذي يصليان فيه جماعة وهو المسجد. انتهى. قال العيني: هذا تفسير لا يطابق الترتيب أصلاً، والصَّحيح الذي ذكرناه. انتهى. قوله: (يَؤُمُّ النَّاس) بالرفع في يؤم، والنصب في الباب، والجملة في محل النصب على أنها صلة لقوله (رَجُلَاً) وهو منصوب؛ لأنه مفعول لقوله (ثُم آمُرَ) وهو منصوب لأنَّه عطف على آمر الأول المنصوب بأن. وقوله: (فَيُقِيْم) أيضاً منصوب عطفاً على ما قبله. قوله: (ثُمَّ آخُذَ) بالنصب لأنَّه عطف على قوله (ثُمَّ آمُرَ). قوله: (شُعَلاً) بضم الشين المعجمة، وضم العين المهملة، جمع شعلة وهي الفتيلة فيها نار نحو صحيفة وصحف، وبفتح العين جمع الشعلة من النار. قوله: (فأُحَرِّقَ) بالنصب عطفاً على (ثُمَّ آخُذَ). قوله: (بَعْدُ) نقيض قبل مبني على الضم، ويسمى غاية لانتهاء الكلام إليها، والمعنى بعد أن يسمع النداء إلى الصلاة، وفي رواية الكُشْمِيهَنِي لفظ (يَقْدِر) بدل (بَعْد) ومعناه لا يخرج إلى الصلاة حال كونه يقدر وهي أوضح من غيرها، قال شيخنا: لكن لم أقف عليها في شيء من الروايات عند غيره، ويؤيده ما في حديث أبي داود الذي رواه عن أبي هريرة في حديث يزيد بن الأصم، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : ((لقَدْ هممْتَ أنْ آمر فِتْيَتِي فيجمعوا حُزَمَاً من حَطَبٍ، ثم آتي قوما يصلون في بيوتهم ليستْ بهِمْ علة فَأُحَرِّقَها عليهم...)) الحديث. وهذا الحديث يدل على أنَّه ﵊ أطلق على المؤمنين الذين لا يحضرون الجماعة ويصلون في بيوتهم من غير (١) عذر ولا علة يمنع على الإتيان اسم المنافقين على سبيل المبالغة في التهديد فافهم. (٣٥) باب

стр. 398

اثنان فما فوقهما جماعة وهو لفظ حديث ورد من طرق ضعيفة منها ما رواه ابن ماجه في سننه من حديث الربيع بن بدر عن أبيه عن جده عن عمرو حرام عن أبي موسى الأشعري، قال رسول الله ﷺ : ((اثنان فما فوقهما جماعة)) وقال ابن حزم في «كتاب الأحكام» : هذا خبر ساقط. ومنها ما رواه البيهقي من حديث سعيد بن زَرْبِي، وهو ضعيف، قال: حدثنا ثابت عن أنس فذكره بمثله، ومنها ما رواه الدَّارَقُطْني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله. قال ابن حزم: لا يصح. ومنها ما روي في «الكامل» للجرجاني من حديث الحكم بن عمير مرفوعا مثله، وفي سنده: عيسى بن طَهْمان، وهو منكر الحديث. قال شيخنا: وفي «الأوسط «للطبراني من حديث أبي أمَامَة، وعند أحمد من حديث أبي أمامة أيضاً أنه ﷺ رأى رجلاً يصلي وحده فقال: ((ألَا رَجُلٌ يتَصَدَّق على هَذا فَيُصَلِّيْ معَه)) فقام رجل فصلى معه، فقال: ((هذان جَمَاعَة)) والقصة المذكورة من دون قوله: ((هذان جماعة)) أخرجها أبو داود والترمذي من وجه آخر صحيح. انتهى. ٦٥٨ - قوله: (حدثنا مُسَدَّد) أي -ابن مُسَرْهَد-. قوله: (قال حدثنا يزيد بن زُرَيْع) قال: (حَدَّثَّنا خَالد) أي -الحَذَّاء-عن (أبي قِلابَة) أي: بكسر القاف عبد الله بن زيد عن مالك بن الحُوَيْرِث عن النبي ﷺ قال: (إذا حَضَرت الصلاة فأذِّنا وأقِيْما ثم ليَأمُّكُما أكْبَركُما). قال العيني وغيره: توجيه مطابقته حديث الباب للترجمة مشكل، قال شيخنا: وأول الحديث أتى رجلان النبي ﷺ يريدان السفر فقال لهما: فذكره وقد اعترض على الترجمة بأنه ليس في حديث مالك بن الحويرث تسمية صلاة الاثنين جماعة، والجواب أنَّ ذلك مأخوذ بالاستنباط من لازم الأمر بالإمامة، لأنَّه لو استوت صلاتهما معا مع صلاتهما منفردين لاكتفى بأمرهما بالصلاة، كأنْ يقول: أذِّنَا وأقيْمَا وصَلِّيَا. انتهى. قال العيني: هذا اللازم لا يستلزم كون الاثنين جماعة، على ما لا يخفى، فكيف يستنبط منه مطابقته للترجمة؟ ويمكن أن يذكر له وجه، وإنْ كان لا يخلو عنْ تكلف، وهو أنَّه ﵇ إنما أمرهما بإمامة أحدهما الذي هو أكبرهما ليحصل لهما فضيلة الجماعة، فكأنَّهما لما صليا وأحدهما إمام صارا كأنهما صليا مع جماعة، إذ حصل لهما ما يحصل لمن يصلي بالجماعة، فصار الاثنان ههنا كأنهما جماعة بهذا الاعتبار لا باعتبار الحقيقة. انتهى. قال شيخنا: واعترض أيضاً على أصل الاستدلال هذا الحديث بأنَّ مالك بن الحويرث كان مع جماعة من أصحابه فلعل الاقتصار على التسمية من تصرف الرواة، والجواب أنهما قضيتان كما تقدم. انتهى. وقد تقدم حديث مالك بن الحويرث في باب الأذان للمسافرين وقد مضى الكلام فيه هناك. قال شيخنا: واستدل به على أنَّ أقل الجماعة إمام ومأموم أعم من أن يكون المأموم رجلاً

стр. 399

أو صبياً أو امرأة، وتكلم ابن بطال هنا على مسألة أقل الجمع والاختلاف فيها، ورده الزين ابن المنير بأنه لا يلزم من قوله الاثنان جماعة أن يكون أقل الجمع اثنين، قال شيخنا وهو واضح. انتهى. (٣٦) باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد أي: هذا باب في بيان فضل من جلس في المسجد حال كونه منتظر الصلاة ليصليها بالجماعة وفي بيان فضل المساجد. ٦٥٩ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْد الله بن مَسْلَمَة عن مَالِك عَنْ أبِي الزِّنَاد) أي بالزاي والنون عبد الله (عَنِ الأعرج عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قَال: الملائكة تُصلِّي على أحَدِكُم ما دَام في مُصَلَّاه ما لمْ يُحْدِث، اللهمَّ اغْفِرْ له، اللَّهم ارْحمْه، لا يزَاَل أحدُكُم في صلَاٍة ما دَامَتِ الصَّلاةُ تَحِبِسُه لا يمنعه أن ينقلِبَ إلى أهْلِه إلَّا الصَّلَاة). مطابقته للترجمة ظاهرة. هذا الحديث إلى قوله: (لا يزالُ أحَدُكُم)، ذكره البخاري في: باب الحدث في المسجد، أخرجه عن عبد الله بن يوسف عن مالك إلى آخره، نحوه، غير أن هناك: (إنَّ الملائِكَة تصلي). وقوله: (لا يَزَالُ أَحَدُكُم) إلى آخره، أفرده مالك في «موَطَّأِه» عما قبله، وأكثر الرواة ضموه إلى الأول وجعلوه حديثاً واحداً. وذكر البخاري: في: باب فضل الجماعة، حديث أبي هريرة مطولاً، وفيه: (لا يزَالُ أَحَدُكُم في صَلَاةٍ ما انْتَظرَ الصَّلَاة). قوله: (تُصَلِّي على أَحَدِكُم)، قد ذكرنا غير مرة أنَّ الصلاة من الملائكة الاستغفار. فإنْ قلت: ما النُّكْتة في ذكر لفظ الصلاة دون لفظ الاستغفار؟ قلت: لتقع المناسبة بين العمل والجزاء. قوله: (مَا دَامَ في مُصَلَّاه) كلمة: ما للمدة في الموضعين، ومعناه: ما دام في موضعه الذي يصلي فيه منتظرا للصلاة، كما صرح به البخاري في الطهارة من وجه آخر. قوله: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَه)، بيان لقوله: (تُصَلِّي)، وفيه مقدر، وهو إمَّا لفظ: تقول الملائكة: اللهم اغفر له، وإما: قائلين: اللهم، وعلى التقديرين كلاهما بالنصب على الحال. [قوله: (لا يزال أحدكم) إلى آخره، هذا القدر أفرده مالك في (موطأه) عما قبله، وأكثر الرواة ضموه إلى الأول وجعلوه حديثاً واحداً.] (١) قال شيخنا: ولا حجر في ذلك. انتهى. قوله: (في صَلَاةٍ) أي: في ثواب صلاة، لا في حكم الصلاة، لأنَّه يحل له الكلام وغيره مما منع الصلاة. قوله: (ما دَامَت) وفي رواية الكُشْمِيهَنِي: (ما كانت) وهو عكس ما مضى في الطهارة. قوله: (لا يمْنَعُه)، جملة من الفعل والمفعول. قوله: (أن ينْقَلِبَ)، فإنْ مصدرية في محل الرفع على الفاعلية تقديره: لا يمنعه الانقلاب، أي: إلى أهله إلا الصلاة، وهذا يقتضي أنَّه إذا صرف نيته عن ذلك صارف آخر انقطع عنه الثواب المذكور، ولذلك إذا شارك نية الانتظار أمر آخر، ويدخل في ذلك من أشبههم في المعنى ممن حبس نفسه على أفعال البر كلها. وهل يحصل ذلك لمن نيته إيقاع الصلاة في المسجد ولو لم يكن فيه؟ قال شيخنا: الظاهر خلافه؛ لأنَّه يرتب الثواب المذكور على المجموع من النية وشغل البقعة بالعبادة، لكن للمذكور فيه أن يخصه. ٦٦٠ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن بَشَّار) - أي بفتح الباء الموحدة وتشديد الشين المعجمة- ترجمته في باب ما كان النبي صلى الله

стр. 400

عليه وسلم يتَخَوَّلُنا بالموعظة. قوله: قال: (حَدَّثَنا يَحْيَى) أي - ابن سعيد القَطَّان- ترجمته في باب من الإيمان أن يحب. قوله: (عن عُبَيْد الله) -بتصغير العبد- ابن عمر العمري ترجمته في باب الصلاة في مواضع الإبل. قوله: قال: (حَدَّثَني خُبَيْب بن عَبْد الرَّحمن) أي - بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره بالموحدة- بن خُبَيْب بن يَسَاف أبو الحارث الأنصاري المدني وهو خال عبيد الله بن عمر المذكور. قوله: (عن حَفْص بن عَاصِم) أي - ابن عمر بن الخطاب- وهو جد عبيد الله المذكور لأبيه. قوله: (عن أبي هُرَيْرَة) أي -عبد الرحمن بن صخر- ترجمته في باب أمور الإيمان. في هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه العنعنة في أربع مواضع، وفيه القول في موضعين، وفيه رواية الرجل عن خاله، وفيه أنَّ رواته ما بين بصريين وهما محمد بن بشار ويحيى والبقية مدنيون، وفيه عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة في حديث يحيى بن يحيى، والترمذي من حديث معن قالا: حدثنا مالك عن خُبَيْب عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة وأبي سعيد. قال الترمذي: كذا روى غير واحد عن مالك وشك فيه، وقال ابن عبد البر: كل من رواه عن مالك قال فيه: أو أبي سعيد إلا أبا قرة ومصعباً فإنهما قالا: عن مالك عن خُبَيْب عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعاً، وكذا رواه أبو معاذ البلخي عن مالك، ورواه الوَقَّار زكريا بن يحيى عن ثلاثة من أصحاب مالك عن أبي سعيد وحده ولم يتابع. قال العيني: الثلاثة هم: عبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم، ويوسف بن عمرو بن يزيد. وفي «غرائب مالك» للدارقطني: رواه أبو معاذ عن أبي سعيد أو عن أبي هريرة أو عنهما جميعاً أنهما قالا فذكره. قلت: وفيه رد لما ذكره ابن عبد البر. انتهى. قال شيخنا: لم يختلف الرواة عن عبيد الله في ذلك. ورواه مالك في الموطأ عن خبيب، فقال: عن أبي سعيد أو أبي هريرة على الشك، ورواه أبو قُرَّة عن مالك فواو العطف جعله عنهما وتابعه مصعب الزبيري وشذَّ في ذلك عن أصحاب مالك، والظاهر أنَّ عبيد الله حفظه لكونه لم يشك فيه، ولكونه من رواية خاله وجده. انتهى. قوله: عن النبي ﷺ قال: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم الله في ظِلِّه يوم لا ظل َّإلا ظله، الإمَامُ العَادِلُ وشابٌّ نَشَأ في عبادة ربِّه، ورجُلٌ قلْبُه مُعَلَّقٌ في المساجد ورجلان تحابَّا في الله اجتَمَعا عليه وتفرَّقَا عليه ورجل طلبته امْرَأةٌ ذاتُ منصِبٍ وجمَال فَقَال إنِّي أخَاف الله ورجل تصَدَّق أخفى حتَّى لا تعْلم شماله ما تنفقُ يمينه ورجُلٌ ذكرَ الله خَالياً ففَاضَتْ عيْنَاه). مطابقته للترجمة في قوله: (وَرَجُلٌ قَلْبُه مُعَلَّقٌ في المَسَاجِد)، أي: متعلق، ولو لم يكن للمساجد فضل لم يكن لمن قلبه معلق فيها هذا الفضل العظيم، وهذا للجزء الثاني من الترجمة، وهو قوله: (وَفَضْلُ المَسَاجد) ويدل على هذا الجزء أيضا قوله: (وشَابٌّ نَشَأ في عِبَادة رَبِّه)،

стр. 401

لأنَّ من هذه صفته يكون له ملازمة للمساجد بقالبه، وأما عن قلبه فلا يخلو، وإن عرض لقالبه عارض، وهذا أيضا يدل على فضل المساجد. هذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في الزكاة عن مسدد، وفي الرقاق عن محمد بن بشار، وفي المحاربين عن محمد بن سلام. وأخرجه مسلم في الزكاة عن زهير بن حرب، ومحمد بن المثنى وعن يحيى بن يحيى عن مالك. وأخرجه الترمذي في الزهد عن سَوَّارُ بن عبد الله العنبري ومحمد بن المثنى وعن إسحاق بن موسى. وأخرجه النسائي في القضاء وفي الرقاق عن سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك به. قوله: (سَبْعَةٌ) أي: سبعة أشخاص، وإنما قدرنا هكذا ليدخل فيه النساء، والأصوليون ذكروا أنَّ أحكام الشرع عامة لجميع المكلفين، وحكمه على الواحد حكم على الجماعة إلا ما دل الدليل على خصوص البعض، فإن قلت: ما وجه التخصيص بذكر هذه السبعة؟ قال العيني: التنصيص بالعدد في شيء لا ينفي الحكم عما عداه، وقال الكرماني: وأما التخصيص بذكر هذه السبعة فيحتمل أن يقال فيه: ذلك لأن الطاعة إما تكون بين العبد وبين الله أو بينه وبين الخلق، والأول: إما أن يكون باللسان أو بالقلب أو بجميع البدن، والثاني: إما أن يكون عاماً وهو العدل، أو خاصاً وهو إما من جهة النفس وهو التحاب أو من جهة البدن، أو من جهة المال. انتهى. قال العيني: أراد كونه باللسان الذكر، وأراد كونه بالقلب هو المعلق بالمسجد، وأراد بجهة جميع البدن في الصورة الخاصة هي: العفة. انتهى. قال شيخنا: ظاهر الحديث اختصاص السبعة بالثواب المذكور. وقد نظم السبعة العلامة أبو شَامَة عبد الرحمن بن إسماعيل فيما أنشدناه أبو إسحاق التَّنوخي إذناً عن أبي الهدى أحمد بن أبي شامة عن أبيه سماعاً من لفظه قال: وقال النبي المصطفى إنَّ سبعة... يظلُّهُم الله العظيم بظله محبٌّ عفيف ناشئ متصدق... وبَاكٍ مصَلٍّ والإمام بعدله ووقع في صحيح مسلم من حديث أبي اليسر مرفوعاً: ((من أنظر معسراً أو وضع له أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله))، وهاتان الخصلتان غير السبعة الماضية فدل على أن العدد المذكور لا مفهوم له وقد ألقيت هذه المسألة على العالم شمس الدين الرازي المعروف بالهروي لما قدم القاهرة، وادعى أنه يحفظ صحيح مسلم، فسألته بحضرة الملك المؤيد، أيٌّ شيخ عن هذا وعن غيره فما استحضر في ذلك شيئاً قلت: ومن ثمَّ نظر الملك المؤيد لشيخنا بعين التعظيم فلم يزل مقرباً ﵀. انتهى. قال شيخنا: ثم تتبعت بعد ذلك الأحاديث الواردة في مثل ذلك فزادت على عشر خصال، وقد انتقيت منها سبعة وردت بأسانيد جياد ونظمتها في بيتين تذييلا على بيتي أبي شامة وهما وزد سبعة إظلال غازٍ وعونه... وإنظار ذي عسر وتخفيف حمله

стр. 402

وإرفاد ذي غرم وعون مكاتب... وتاجر صدق في المقال وفعله فأما إظلال الغازي فرواه بن حبان وغيره من حديث عمر ﵁، وأما عون المجاهد فرواه أحمد والحاكم من حديث سَهْل بن حُنَيْف، وأما إنظار المعسر والوضيعة عنه فرواهما مسلم كما ذكرنا، وأما عون المجاهد وإرفاد الغارم وعون المكاتب فرواها أحمد والحاكم من حديث سهل بن حنيف، وأما التاجر الصدوق فرواه البَغَوِي في شرح السنة من حديث سلمان، وأبو القاسم التيمي من حديث أنس، والله أعلم، ونظمته مرة أخرى فقلت في البيت الثاني: وتحسين خلق مع إعانة غارم... خفيف يد حتى مكاتب أهله وحديث تحسين الخلق أخرجه الطبراني من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف، ثم تتبعت ذلك فجمعت سبعة أخرى ونظمتها في بيتين آخرين وهما وزد سبعة حزن ومشي لمسجد... وكره وضوء ثم مطعم فضله وآخذ حق باذل ثم كافل... وتاجر صدق في المقال وصدقه ثم تتبعت ذلك فجمعت سبعة أخرى ولكن أحاديثها ضعيفة قلت: والسبعة السابقة أيضاً ضعيفة لأن شيخنا نظم السَّبْعَيْن في أبيات فقال في أولها: وزد مع ضعف سبعين، وهي هذه: وزد مع ضعف سبعين إعانة... لأخرق مع أخذ بحق وبذله وكره وضوء ثم مشي لمسجد... وتحسين خلق ثم مطعم فضله وكافل ذي يتم وأرمله وهتْ... وتاجر صدق في المقال وفعله وحزن وتصبير ونصح ورأفة... تربع بها السبعات من فيض فضله قال شيخنا: ثم أوردت الجميع في «الأمالي» وقد أفردته في جزء سميته «معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال» انتهى. قلت: وقد تتبعت ذلك فزدت على ما ذكره شيخنا عشرين خصلة وأردتها في كتابي المسمى «عناية الخالق لمن وفقه من الخلائق» وذكرتها أجمع مسندة وتكلمت على الأحاديث بالحكم على الأسانيد، ثم بلغني أنَّ حافظ العصر شمس الدين السخاوي أورد ذلك في جزء وأوصل الخصال إلى نيف وسبعين خصلة بسبب سؤال ورد من دمشق، فنسب زيادة وقلت في حديث من ذلك؟؟؟ أوردها محذوفة الأسانيد خوف الإطالة، وذكر لي أنه لم يقف على الجزء الذي لشيخنا في ذلك، وقد نظمت ما وقفت عليه من الخصال في أبيات قد ملا عليَّ أبيات شيخنا وأبيات شيخنا قد ملا عليَّ أبيات أبي شامة فتصير قصيدة واحدة وهي: وزد قاصر الطرف عن حالة الزنا... وتارك منهي الربا لحله ومن لم ير أخذ الرشا في حكومة... وحب علي ثم سبعة عدله ومن حفظ القرآن في حال صغره... على كبر يتلوه صدقاً لأجله

стр. 403

وصاحب ضعف؟؟؟ (١) وقد نظم السبعة الولي العارف عبد الله اليافعي فيما أنْشَدْنِيْه قاضي القضاة السيد الشريف حسام الدين ابن جرير المالكي قراءةً مني عليه قال: أنشدنيه العارف بالله حسين بن الأهْدَل تجاه البيت الحرام إذناً مشافهة قال: أنشدني أبو الحسين نور الدين بن أبي بكر بن الأزرق بن ثوب الهمداني قال: انشدني العارف بالله عبد الله بن أسعد اليافعي ﵀ روينا حديثاً في الصحيحين سبعة... يظلهم المولى بخير ظلال يظلهم في ظله الله يوم لا... سوى ظله ظل فهاك مقالي إمام له عدل ومن في عبادة... نشأ بالتقى لله لا بضلال ومن قلبه يهوى المساجد دائماً... تعلقه فيها بغير زوال وشخصان فى الله الكريم تحابَبَا... بحال افتراق منهما ووصال وإني أخاف الله من قال عندما... دعت ذات عالي منصب وجمال ومصدق أخفى التصدق لم يكن... بما أنفقت يمناه علم شمال ومن ذكر الرب المهيمن خاليا... ففاضت به عيناه خوف نكال وخوف القلى والهجر بعد وصاله... وشوقا إلى رؤيا جمال جلال فأكرم بهن من سبعة طيبي الثَّنَا... وأكرم بها في القوم سبع خصال وأكرم به فخرا سما كل مفخر... ومجد فعال فوق كل فعال بمقعد صدق تحت عرش مَلِيْكِهِم... تجلى لهم باهي جمال كمال تراهم ملوكا فوق نجب من البها... وغرفات در كالنجوم عوال على سرر الياقوت في فرش سندس... وحور من النور المضيء غوال وما تشتهيه النفس من كل لذة... ومن زينة والكل ليس ببال

стр. 404

هنيئا لهم طوبى لهم سعدهم لقد... أَنِيْلُو نوالا خير كل نوال قلت: قد ذكر شيخنا من خرج الأحاديث السبعة التي أسانيدها جيدة ولم يذكر من خرج السَبْعَيْن التي أسانيدها ضعيفة وها أنا أذكرها مع الأحاديث التي زدتها فأقول: أما حديث إعانة الأخرق فرواه الطبراني في «الأوسط». فائدة: الأخرق الذي لا صناعة له ولا يقدر أن يتعلم صنعة. وأما حديث أخذ الحق ورده أخرجه ابن منيع، وأما كره الوضوء والمشي للمسجد وتحسين الخلق أخرجه ابن عدي، وأمَّا مطعم فضله وكافل اليتيم أو الأرملة والتاجر الصدوق أخرجه شيخنا في «الأمالي» أيضاً، وأما الذين لا ينظرون بأعينهم الزنا ولايَتَّبِعُون في أموالهم الربا ولا يأخذون على أحكامهم الرَّشَا والذي إذا صلى الغداة قرأ ثلاث آيات: منْ أول سورة الأنعام إلى ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ فأخرجها شيخنا في «أمَالِيه» وأمَّا من تعلم القرآن في صغره فهو يتلوه في كبره فرواه البيهقي في «شعب الإيمان» وأمَّا واصل الرحم وكافل أولادها الأيتام وطاعم اليتيم والمسكين لوجه الله فرواه أبو الشيخ وغيره، وأورده أبو الليث السمرقندي في «تنبيه الغافلين» له بلا إسناد. وأما راعي الشمس والقمر لذكر الله أخرجه أبو منصور الديلمي، المراقب أي: الذي حيث ما توجه علم أنَّ الله معه، والرجل الذي يحب الناس بجلال الله ذكره الحافظ شمس الدين في «مؤلفه» في ذلك. وأمَّا من أحيا سنة النبي ﷺ وأكثر الصلاة عليه ذكره صاحب «الدر المنظم في المولد المعظم» أبو العباس السبتي لكن بغير إسناد، وعزاه بعضهم «لفوائد الخِلَعِي» لكن قال من حديث أبي هريرة، وأما حامل القرآن أخرجه أبو منصور الدَّيْلَمي في «الفردوس» وأما قائد أخاه المسلم الضعيف والجالس عنده أخرجه أبو يعلى في «مسنده» وعباد بن كثير. وأما من تثبت بحكم وعلم أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب «الحلم» له وهو موقوف وحكمه الرفع لأن مثله لا يقال بالرأي، فإنْ قلت: ما السر في تخصيص هذا العدد بالذكر دون سائر الأعداد؟ قلت: قال صاحب «النسمات الفائحة» السبعة أول الأعداد الكاملة لأنها جمعت العدد كله، لأَنَّ العدد أزواج وأفراد وأجمع منهما أول وثاني، فالاثنان أول الأزواج والأربعة عدد ثاني والثلاثة أول الفرد الأول والخمسة فرد ثاني، فإذا جمعت الزوج الأول مع الفرد الثاني أو الفرد الأول مع الزوج الثاني كانت سبعة وهذه الخاصية لا توجد في عدد قبل السبعة، قال: وواو الثَّمَانِيَة إنما أدخلتها العرب في العدد بعد السبعة لأنها عدد كامل فما بعدها مستأنف، وقال تعالى: سبعة وثامنهم كلبهم، وفي المسألة كلام ذكره

стр. 405

صاحب «الجَنَى الدَّانِي» في واو الثمانية فقد علمت بهذا لأن الشارع ﵇ ذكر أول الأعداد الكاملة لأصحاب المقامات الكاملة. قلت: وقد وقع في هذا الحدث عددان باعتبارين، عدد باعتبار الأوصاف، وعدد باعتبار المتصفين، فالأوصاف سبعة والمتصفين ثمانية لأن المحبة من اثنين فكأنهما جَامِعَان لمعان السِتَّة، من عمل بمجموع الأوصاف غلقت عنه أبواب النار، وفتحت له أبواب الجنة انتهى. قوله: (يُظِلُّهُم الله) جملة في محل الرفع على أنَّها خبر المبتدأ وهو قوله (سَبْعَة). قوله: (في ظِلِّه) قال عياض: إضافة الظل إلى الله إضافة ملك، وكل ظل فهو ملكه كذا قال، وكان حقه أن يقول إضافة تشريف ليحصل امتياز هذا على غيره كما قيل للكعبة بيت الله مع أن المساجد كلها ملكه، وأما الظل الحقيقي فالله تعالى منزه عنه لأنَّه من خواص الأجسام، وقيل المراد بظله كرامته وحمايته كما يقال فلان في ظل الملك وهو قول عيسى بن دينار وقواه عياض، يقول العرب: أنَا في ظل فلان، أي في ستره وكنفه. وتسمي العرب الليل ظلاً لبرده، ويقال المراد ظل عرشه. ويؤيده ما رواه سعيد بن منصور بإسناد حسن من حديث سلمان ﵁: ((سبعة يظلهم الله في ظل عرشه...)) فذكر الحديث، وإذا كان المراد ظل العرش استلزم ما ذكر من كونهم في كنف الله وكرامته من غير عكس، قال شيخنا: فهو أرجح، وبه جزم القرطبي، ويؤيد أيضاً تقييد ذلك بيوم القيامة كما صرح به عبد الله بن المبارك في روايته عن عبيد الله بن عمر وهو عنْد البخاري في كتاب الحدود، وبهذا يندفع قول من قال المراد ظل طوبى أو ظل الجنة لأنَّ ظلهما إنما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنة، ثم إنَّ ذلك مشترك لجميع من يدخلها والسياق يدل على امتياز أصحاب الخصال المذكورة ولا يكون ذلك إلا يوم يقوم الناس لرب العالمين ودنت منهم الشمس ويشتد عليهم حرها ويأخذهم العرق ولا ظل إلا العرش فترجح أنَّ المراد ظل العرش. وروى الترمذي وحسنه من حديث أبي سعيد مرفوعا: ((أحب الناس إلى الله تعالى يوم القيامة منه إمام عادل)). قوله: (يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه) أي يوم القيامة الذي ليس لأحد فيه الشفاعة لدفع مكروه عن غيره، وإنَّما الحماية له. قوله: (الإمَامُ العَادِلُ) خبر مبتدأ محذوف تقديره أحد السبعة الإمام العادل، والعادل اسم فاعل من العدل، وقال أبو عمر: أكثر رواة الموطأ عادل، وقد رواه بعضهم عدل وهو المختار عند أهل اللغة، يقال رجل عدل ورجال عدل وامرأة عدل، ويجوز إمام عادل على اسم الفاعل يقال عدل فهو عادل كما يقال ضرب فهو ضارب. وقال ابن الأثير: العدل في الأصل مصدر سمي به ووضع موضع العادل فهو أبلغ منه لأنَّه جعل المسمى نفسه عدلاً. انتهى. ومعنى الإمام العدل الواضع كل شيء في موضعه، وقيل الوسط بين طرفي

стр. 406

الإفراط والتفريط سواء كان في العقائد أو في الأعمال أو في الأخلاق، وقيل: الجامع بين أمهات كمالات الإنسان الثلاث. وهي الحكمة والشجاعة والعفة التي هي أوساط القوى الثلاث أعني القوة العقلية والغضبية والشهوانية، وقيل: المطيع لأحكام الله، وقيل: المراعي لحقوق الرعية. قال شيخنا: وأحسن ما فسر به العادل أنَّه الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط والمراد به صاحب الولاية العظمى؛ وهو الخليفة أو السلطان، ويلتحق به كل من ولي شيئاً من أمور المسلمين فعدل فيه ويؤيده رواية مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رفعه: ((أنَّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)) قال العلماء: وبدأ به في الحديث لكثرة مصالحه وعموم نفعه، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: العادل من الأئمة والولاة والحكام أعظم أجراً من جميع الأنام بإجماع أهل الإسلام. قوله: (وشَابٌّ نَشَأ في عِبَادَة ربِّه) أي: والثاني من السبعة شاب آخره، يقال: نشأ الصبي ينشأ نشأ فهو ناشئ إذا كبر وشب. يقال: نشأ وأنشأ إذا خرج وابتدا، وأنشأ يفعل كذا أي: ابتدا يفعل، وفي رواية الإمام أحمد عن يحيى القطان: ((شاب نشأ بعبادة ربه))، وهي رواية مسلم أيضاً، وزاد حماد بن زيد عن عبيد الله بن عمر: ((حتى توفي على ذلك))، أخرجه الجَوْزَقِي. وفي حديث سلمان: ((أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله)). فإنْ قلت: لم خص الثاني من السبعة بالشباب، ولم يقل: ورجل نشأ في عبادة ربه؟ كما قال: ورجل قلبه متعلق، يقال: لأن العبادة في الشباب أشد وأشق لكثرة الدواعي وغلبة الشهوات، وقوة البواعث على متابعة الهوى تلازمه العبادة مع ذلك تدل على غلبة التقوى. قوله: (ورجُلٌ قَلْبُهٌ مُتَعلِّقٌ في المسَاجد) أي: الثالث رجل قلبه معلق أي بفتح اللام هكذا في الصحيحين وظاهره أنَّه من التعليق كأن شبهه بالشيء المعلق في المسجد كالقنديل مثلاً إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان جسده خارجاً عنه، ويدل عليه رواية الجوزقي: ((كأنما قلبه معلق في المسجد)) ويحتمل أنْ يكون من العلاقة وهي شدة الحب، ويدل عليه رواية الحموي والمستملي ((متعلق)) بزيادة التاء المثناة بعد الميم وكسر اللام، زاد سلمان ((من جهة)) وزاد مالك ((إذا خرج منه حتى يعود إليه)) وهذه الخصلة هي المقصودة من هذا الحديث للترجمة كما تقدم. قلت: وقد تقدم الكلام على لفظة (رَجُلٌ) في بدء الوحي عند قوله: ((يتمثل إلي الملك رجلاً)) انتهى. قوله: (ورجُلَانِ تَحَابَّا) أي: الرابع: رجلان تحابا، بتشديد الباء الموحدة، وأصله تحابَبَا، فلما اجتمع الحرفان المتماثلان أسكن الأول منهما وأدرج في الثاني وهو حد

стр. 407

الإدغام، وهو من باب: التفاعل، وقال الكرماني فإن قلت: التفاعل هو للإظهار أن أصل الفعل حاصل له وهو منتف ولا يريد حصوله نحو تجاهلت، قلت: يجيء لغير ذلك نحو: باعدته فتباعد. انتهى. قال العيني: التحقيق في هذا أن تفاعل لمشاركة أمرين أو أكثر في أصله، يعني في مصدر فعله الثلاثي صريحاً، نحو: تضارب زيد وعمرو، فلذلك نقص مفعولاً عن فاعل. وحاصله أنَّ وضع فاعل لنسبة الفعل إلى الفاعل متعلقاً بغيره، مع أنَّ الغير فعل مثل ذلك، ووضع تفاعل لنسبة المشتركين فيه من غير قصد إلى تعلق له، فلذلك جاء الأول زائداً على الثاني بمفعول أبداً، فإذا كان الأمر كذلك كان المقام يقتضي أنْ يقال: ورجلان تحاببا، من باب: المفاعلة، لا من باب: التفاعل، ليدل على أن الغير فعل مثل ما فعل هو، فالجواب عنه: أن تفاعل قد يجيء للمطاوعة وهو كونها دالة على معنى حصل عن تعلق فعل آخر متعد كقولك: باعدته فتباعد، فقولك: تباعد، عبارة عن معنى حصل عن تعلق تحاببا عبارة عن معنى حصل عن تعلق حابب. والجواب الذي قاله الكرماني غير مستقيم، لأنَّ معنى ذاك هو الدلالة على أنَّ الفاعل أظهر أن المعنى الذي اشتق منه: تفاعل حاصل له مع أنه ليس في الحقيقة كذلك. فمعنى: تجاهل زيد أنه أظهر الجهل من نفسه، وليس عليه في الحقيقة فافهم، فإنَّه موضع دقيق. انتهى. قال شيخنا: (تَحَابَّا) أي: اشتركا في جنس المحبة وأحب كل منهما الآخر حقيقة لا إظهار فقط، ووقع في رواية حماد بن زيد: ((ورجلان قال كل منهما للآخر إني أحبك في الله فصدرا على ذلك)) ونحوه في حديث سلمان قوله: (فِي الله) أي: لأجل الله لا لغرض دنيوي، وكلمة: (في) قد تجيء للسببية كما في قوله ﵇: ((في النفس المؤمنة مائة إبل)) أي بسبب قتل النفس المؤمنة. قلت: وقد تقدم الكلام في الاسم العظيم الأعظم في أول كتاب الوحي. انتهى. قوله: (اجْتَمَعا عَلَى ذَلِك وتَفَرَّقَا عَلَيْه) في رواية الكُشْمِيهَنِي اجتمعا عليه وهي رواية مسلم أي على الحب يعني كان سبب اجتماعهما حب الله واستمروا عليه حتى تفرقا من مجلسهما، كذا قاله الكَرْمَاني. قال العيني: ولا نحتاج إلى قوله: (حَتَّى يَتَفَرَّقَا مِنْ مَجِلسِهِمَا) بل المعنى أنهما داما على المحبة الدينية ولم يقطعاها بعارض دنيوي سواء اجتمعا حقيقة أم لا حتى فرق بينهما الموت. انتهى. قال شيخنا: ووقع في «الجمع» للحميدي ((اجتمعا على خير)) ولم أر ذلك في شيء من نسخ «الصحيحين» ولا غيرهما من «المستخرجات» وهي عندي تحريف. انتهى. فإن قلت: قال ﵇: (سَبْعَةٌ) ثم قال في التفصيل: (رَجُلَان) فيكون المتصفون ثمانية لا سبعة؟ أجيب عن ذلك: بأنَّ المعنى ورجل يحب غيره في الله، والمحبة أمر نسبي فلا بد لها من المنتسبين فلذلك قال: (رجُلَان)، ولأنَّ الغرض عد الخصال لا عد جميع من اتصف بها. قلت: قد تقرر آنفاً أنَّ المراد الاجتماع على المحبة سواء اجتمعا حقيقة

стр. 408

أم لا حتى لو كان أحدهما في المشرق والآخر في المغرب وسمع كل واحد منهما أنَّ الآخر من الطائعين لله فأحب كل واحد صاحبه لله كان الحكم كذلك، إذا علمت ذلك فاعلم أنَّ في هذا بشارة عظيمة لجميع الأمة لأنهم يحبون رسول الله ﷺ وهو يحبهم وذلك في الله بلا شك، ويؤيده قوله ﵇: للذي سأله عن الساعة ((أنت مع من أحببت)). انتهى. قوله: (وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ) أي: الخامس رجل طلبته ذات منصب، قال شيخنا: بين المحذوف أحمد في روايته عن يحيى القطان فقال: (دَعَتْهُ امْرَأةٌ) وكذا في رواية كريمة، ولمسلم وهو عند المصنف في الحدود عن ابن المبارك انتهى. وزاد ابن المبارك: (إلى نَفْسِهَا) وفي رواية البيهقي في «شعب الإيمان» من طريق أبي صالح عن أبي هريرة: (فَعَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْه) والمراد بالمنصب: الأصل أو شرف. وفي رواية قال: (دَعَتْه ذَاتُ حَسَبٍ) وهو يطلق أيضاً على الأصل وعلى المال أيضاً ووصفها بأكمل الأوصاف التي جرت العادة بمزيد الرغبة لمن تحصل فيه وهو المنصب الذي يستلزم الجاه والمال مع الجمال وقلَّ من يجتمع ذلك فيها من النساء. قال شيخنا: والظَّاهر أنها دعته إلى الفاحشة وبه جزم القرطبي ولم يحك غيره، وقيل: يحتمل أنْ تكون دعته إلى التزوج بها فخاف أن يشتغل عن العبادة بالافتتان بها، أو خاف أنْ لا يقوم بحقها لشغله بالعبادة عن التكسب لما يليق بها، والأول أظهرٌ ويؤيده وجود الكناية في قوله: (إلى نفسها) ولو كان المراد التزويج لصرح به والصبر عن الموصوفة بما ذكر من أكمل المراتب لكثرة الرغبة في مثلها وعسر تحصيلها لا سيما وقد أغنت من مشاق التوصل إليها بمراودة ونحوها. قلت: قد وقع هذا بعينه ليوسف ﵇، وحكي أنَّه وقع مثله لابن سيرين فرأى يوسف في المنام وقال له أنت الذي راوَدَتْك فلانةٌ عن نفسها فتركتها خوفاً من الله كما وقع لي مع زليخة، فقال: نعم، فقال: افتح فاك فخذ ما وهبني الله من العلم، ففتح فاه فتفل فيه فأوتي ما حصل له من علم التعبير. انتهى. قوله: (فَقَالَ إنِّي أخَافُ الله) زاد في رواية كريمة رب العالمين، قال القاضي عياض: يحتمل أنْ يقول ذلك بلسانه ويحتمل بقلبه ليزجر نفسه. قال القرطبي: إنما يصدر ذلك عن شدة خوف من الله والصبر عنها لخوف الله من أكمل المراتب وأعظم الطاعات. قوله: (ورجُلٌ تَصَدَّقَ) أي: السادس (رَجُلٌ تَصَدَّق أخفَى) بلفظ الماضي وهو جملة وقعت حالاً بتقدير: قد، ومفعول: أخفى، محذوف أي: أخفى الصدقة، ووقع في رواية أحمد: (فأخفى)، وكذا في رواية البخاري في الزكاة: عن مسدد عن يحيى: ((تصدق بصدقة فأخفاها))، ومثله لمالك في «الموطأ». ظاهر أنَّ راوي الأول حذف العاطف. ووقع في رواية الأَصِيْلِي: تصدق إخفاء، بكسر الهمزة ممدوداً

стр. 409

على أنه مصدر منصوب، على أنه حال بمعنى مخفياً. قوله: (بِصَدَقَةٍ) نكَّرها ليشمل كل ما يتصدق به من قليل وكثير، وظاهره أيضاً يشمل المندوبة والمفروضة، لكن نقل النووي عن العلماء أنَّ إظهار المفروضة أولى من إخفائها، وسيأتي في فقه الحديث طرق من ذلك. قوله: (حَتَّى لا تَعْلَم) بضم الميم وفتحها، نحو: مرض حتى لا يرجونه، وسرت حتى تغيب الشمس. قوله: (شمَالُه) مرفوع لأنه فاعل لقوله: (لا تعْلَم). قوله: (مَا تُنْفِقُ يَميْنُه) جملة في محل النصب على أنها مفعول. ثم اعلم أنَّ معظم الروايات في هذا الحديث في البخاري وغيره ((حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه))، ووقع في صحيح مسلم مقلوباً ((حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)) وهو نوع من أنواع علوم الحديث أغفله ابن الصلاح، وإن ْكان أفرد نوع المقلوب لكنه قصره على ما يقع في الإسناد. ونبه عليه شيخ الإسلام البُلْقِيْنِي في «محاسن الاصطلاح» : ومثَّل له بحديث ابن أم مكتوم يؤذن بليل وقد قدمنا الكلام عليه في كتاب الأذان، وقال شيخ الإسلام البُلْقِيْنِي: ينبغي أنْ يسمى هذا النوع المعكوس. انتهى. قال شيخنا: والأولى تسميته مقلوباً فيكون المقلوب تارة في الإسناد وتارة في المتن، كما قالوه في المدرج سواء، وقد سمَّاه بعض من تقدم مقلوباً. قال عياض: هكذا في جميع النسخ التي وصلت إلينا من صحيح مسلم وهو مقلوب والصواب الأول أي قوله: (مَا تنْفِقُ يمِيْنُه) وهو وجه الكلام لأنَّ السنة المعهودة في الصدقة بإعطائها باليمين، وقد ترجم عليه البخاري في الزكاة باب الصدقة باليمين. قلت: ويحتمل أنَّه جعل التصدق بالشمال في هذه الصورة لأنه من أسباب الإخفاء لكون المعهود أنْ تكون الصدقة باليمين، فإذا بالغ في إخفائها تصدق بشماله حتى لا يتفطن لذلك. انتهى. قال عياض: ويشبهه أنْ يكون الوهم فيه ممن دون (١) مسلم بدليل قوله في رواية مالك لما أوردها عقب رواية عبيد الله بن عمر، فقال: بمثل حديث عبيد الله، فلو كانت بينهما مخالفة لبينها كما نبه على الزيادة في قوله: ((ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه)). انتهى. قال شيخنا: وليس الوهم فيه ممن دون مسلم ولا منه، بل هو من شيخه أو من شيخ شيخه يحيى القطان فإنَّ مسلماً أخرجه عن زهير بن حرب وابن نمير كلاهما عن يحيى، وأشعر سياقه بأن اللفظ لزهير وكذا أخرجه أبو يعلى في مسنده عن زهير وأخرجه الجَوْزَقِي في «مستخرجه» عن أبي حامد بن الشرقي فقول يحيى القطان عندنا واهم في هذا، إنما هو: ((حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)). قال شيخنا: والجزم بكون يحيى هو الواهم فيه نسبة نظر؛ لأنَّ الإمام أحمد قد رواه عنه على الصواب، ولذلك أخرجه البخاري هنا عن محمد بن بشار، وفي الزكاة عن مسدد. وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق يعقوب الدَّوْرَقِي وحفص بن عمر وكلهم عن يحيى، وكأنَّ أبا حامد لما رأى عبد الرحمن تابع زهيراً ترجح عنده أنَّ

стр. 410

الوهم من يحيى وهو محتمل بأن يكون منه لما حدث به هذين خاصة مع احتمال أن يكون الوهم منهما تواردا عليه. وقد تكلف بعض المتأخرين توجيه هذه الرواية المقلوبة وليس بجيد، لأن المخرج متحد ولم يختلفوا فيه على عبيد الله بن عمر شيخ يحيى فيه ولا على شيخه خبيب ولا على مالك رفيق عبيد الله بن عمر فيه، وأمَّا استدلال عياض على أنَّ الوهم فيه ممن دون مسلم بقوله في رواية مالك مثل عبيد الله لكونهما ليستا متساويتين، والذي يظهر أنَّ مسلماً لا يقصر لفظ المثل على المساوي في جميع اللفظ، والترتيب بل في المعظم إذا تساويا في المعنى. والمعنى المقصود من هذا الموضع: إنَّما هو أخفى الصدقة، ولم نجد هذا الحديث من وجه من الوجوه إلا عن أبي هريرة إلا ما وقع عند مالك من التردد هل هو عنه أو عن أبي سعيد كما قدمناه قبل، ولم نجده عن أبي هريرة إلا من رواية حفص ولا عن حفص إلا من رواية خبيب، نعم أخرجه البيهقي في «الشعب» من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، والراوي له عن سهيل عبيد الله بن عامر الأسلمي وهو ضعيف لكنه ليس بمتروك، وحديثه حسن في المتابعات. ووافق في قوله: (تَصَدَّق بِيَمِيْنِه) وكذا أخرجه سعيد بن منصور من حديث سلمان الفارسي بإسناد حسن مرفوعاً: ((أنَّ الملائكة قالت: رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد، قالت: فهل أشد من الحديد قال نعم النار قالت فهل أشد من النار قال نعم الماء، قالت فهل أشد من الماء قال نعم الريح قالت فهل أشد من الريح قال نعم بن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها عن شماله)). ثم إن المقصود منه المبالغة في إخفاء الصدقة بحيث إنَّ شماله مع قربتها من يمينه وملازمتها بحيث لو تصور أنها تعلم لما علمت ما فعلت اليمين لشدة إخفائها، فهو على هذا من مجاز التشبيه. ويؤيده رواية حماد بن زيد عند الجَوْزَقِي: ((تصدق بصدقة كأنما أخفى يمينه من شماله))، ويحتمل أن يكون من مجاز الحذف، والتقدير حتى لا يعلم ملك شماله. وأبعد من زعم أنَّ المراد بشماله نفسه وأنه من تسمية الكل باسم الجزء فإنه ينحل إلى أن نفسه لا تعلم ما تنفق نفسه، قلت: ويمكن أنْ يراد بهذا أنَّ المتصدق لا ينظر إلى صدقته فأطلق العلم على النظر. انتهى. وقيل: هو من مجاز الحذف والمراد بشماله من على شماله من الناس كأنَّه قال: مجاور شماله، وقيل: المراد أنه لا يرائي بصدقته فلا يكتبها كاتب الشمال، وحكى القرطبي عن بعض مشايخه: أنَّ معناه أن يتصدق على الضعيف المكتسب في صورة الشراء لترويج سلعته أو رفع قيمتها واستحسنه. قال شيخنا: وفيه نظر، إن كان أراد أنَّ هذه الصورة مراد الحديث خاصة، وإنْ أراد أنَّ هذا من صور الصدقة المخفية فمُسَلَّمٌ والله أعلم. انتهى. قوله: (وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله) أي: السابع رجل ذكر الله خالياً أي خالياً من الخلق لأنه حينئذٍ

стр. 411

يكون أبعد من الرياء، وقيل: خالياً من الالتفات إلى غير الله ولو كان في ملأ، ويؤيده رواية البيهقي: ((ذكر الله بين يديه)) ويؤيد الأول رواية ابن المبارك وحماد بن زيد: ((ذكر الله في خلاء)) أي: في موضع خال وهو أصح. وقال شيخنا: ذكر الله أي بقلبه من التذكر أو لسانه من الذكر. انتهى. قال العيني: ليس كذلك فإنَّ الذكر بالقلب من الذكر بضم الذال، وباللسان من الذكر بكسر الذال وأيضاً لفظ ذكر ثلاثي لا يكون مشتقاً من التذكر فمن له يد في علم التصريف يفهم هذا. انتهى. قال شيخنا: انظر وتعجب أي من قول العيني لأنَّ العيني أثبت أولاً الذكر بالقلب ثم جعله مشتقاً من الذكر بضم الذال وذلك بعد قوله ليس كذلك، فإن ْكان مراده أنَّ الذاكر بقلبه مع الفيض بعينه لا يعطى هذا الفضل فهو عجيب، مع أن الذكر بالقلب عمل، والمطلوب ذكر القلب. حتى قال بعض العارفين: اعلم أنَّ المطلوب من الذكر ذكر القلب، وإنما جعل ذكر اللسان طريقاً إليه ممن لازم ذكر الله بلسانه مخلصاً وصلت بركة الذكر إلى قلبه فعاش قلبه بذكر الله فيصير محمولاً بعد أن كان حاملاً. انتهى. قوله: (ففَاضَتْ عَيْنَاه) إنما أسند الفيض إلى العين مع أن العين لا تفيض، لأنَّ الفائض هو الدمع، مبالغة كأنها هو الفائض، وذلك كقوله: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣]. قال القرطبي: وفيض العين بحسب حال الذاكر وبحسب ما يكشف له، ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء من خشية الله وفي حال أوصاف الكمال يكون البكاء من الشوق إليه، ويشهد للأول ما رواه الجَوْزَقِي في رواية حماد بن زيد: ((ففاضت عيناه من خشية الله)) ومثله في رواية البيهقي، ويشهد له ما رواه الحاكم من حديث أنس مرفوعاً: ((من ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله حتى يصيب الأرض من دموعه لم يعذب يوم القيامة)). انتهى. قلت: فإنْ قال هل يتأتى العبد في حال وصاله البكاء، وإذا تَأتَّى ذلك فهل يكون بكاؤه حال جلال أو حالة كمال؟ فأقول: إنْ قصر نظره عن التلفت إلى ما فاته من محبوبه منْ ما لم ينله بعد فإن حالة الوصال لا تنتهي، واستشعر خوف البعد بعد الوصل فبكى يكون من خشية الله، وإن تلفت إلى ذلك فبكى يكون بكاؤه شوقاً إلى الله. انتهى. وفي الحديث فضيلة الإمام العادل، وقد روي عن ابن عباس: ((ما أخر قوم العهد إلا سلط عليهم العذاب، وما نقص قوم المكيال إلا منعوا القطر، ولا كثر الزنا في قوم إلا سلط عليهم الوباء، وما حكم قوم بغير حق إلا سلط عليهم إمام جائر))، فالإمام العادل يصلحه الله به، وفيه: فضيلة الشاب الذي نشأ في عبادة ربه، وفي الحديث: ((يعجب ربك من شاب ليست له صَبْوَة)) وفيه: فضل منْ سلم من الذنوب واشتغل بطاعة ربه طول عمره. وقد يحتج به من قال إنَّ الملَك أفضل من البشر لأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وقيل لابن عباس: رجل

стр. 412

كثير الصلاة كثير القيام يقارف بعض الأشياء، ورجل يصلي المكتوبة ويصوم مع السلامة. قال: لا أعدل بالسلامة شيئاً، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]. وفيه: فضيلة من يلازم المسجد للصلاة مع الجماعة، لأنَّ المسجد بيت الله وبيت كل تقي، وحقيق على المزور إكرام الزائر، فكيف بأكرم الكرماء؟ وفيه: فضيلة التَّحابُب في الله تعالى، فإنَّ الحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وعند مالك من الفرائض. وروى ابن مسعود والبراء بن عازب مرفوعاً: ((إن ذلك من أوثق عرى الإيمان))، وروى ثابت عن أنس يرفعه: ((ما تحاب رجلان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حباً لصاحبه)). وروى أبو رزين، قال: ((قال لي النبي ﷺ : يا أبا رزين إذا خلوت حرك لسانك بذكر الله، وحب في الله وأبغض في الله، فإن المسلم إذا زار في الله شيعه سبعون ألف ملك يقولون: اللهم وصله فيك فصله، ومن فضل المتحابين في الله أن كل واحد منهما إذا دعا لأخيه بظهر الغيب أمن الملك على دعائه)). رواه أبو داود مرفوعاً. وفيه: فضيلة من يخاف الله قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠]. وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] وروى أبو معمر عن سلمة بن نَبيْط عن عبيد بن أبي الجعد عن كعب الأحبار، قال: إن في الجنة لداراً، درة فوق درة، ولؤلؤة فوق لؤلؤة، فيها سبعون ألف قصر، في كل قصر سبعون ألف دار، في كل دار سبعون ألف بيت، لا ينزلها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو محكم في نفسه أو إمام عادل. قال سلمة: فسألت عبيداً عن المحكم في نفسه قال: هو الرجل يطلب الحرام من النساء أو من المال فيتعرض له، فإذا ظفر به تركه مخافة الله تعالى، فذلك المحكم في نفسه. وفيه: فضيلة المخفي صدقته ومصداق هذا الحديث في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. وقالت العلماء: هذا في صدقة التطوع، فالسر فيها أفضل لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء. وأما الواجب فإعلانها أفضل ليُقْتَدى به في ذلك ويظهر دعائم الإسلام، وهكذا حكم الصوم فإعلان فرائضها أفضل. واختلف في السنن: كالوتر وركعتي الفجر، هل إعلانهما أفضل أو كتمانهما؟ حكاه ابن التين. وفيه: فضيلة ذكر الله في الخلوات مع فيضان الدمع من عينيه، وروى أبو هريرة مرفوعاً: ((لا يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع)). وروى أبو عمران عن أبي الخَلْد، قال: قرأت في مسألة داود، عليه والسلام، ربه تعالى: إلهي ما جزاء من بكى من خشيتك حتى تسيل دموعه على وجهه؟ قال: أسَلِّمُ وجهه من لفح النار. تنبيهات: الأول: ذكر الرجال في هذا الحديث لا مفهوم له بل يشترك النساء معهم فيما ذكر

стр. 413

إلا إنْ كان المراد بالإمام العادل الإمامة العظمى، وإلا فيمكن دخول المرأة حيث تكون ذات عيال فتعدل فيهم وتخرج خصلة ملازمة المسجد؛ لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل كذا قالوه. قلت: ويتصور أيضاً دخول المرأة في هذه الخصلة بما لو بنى شخص رباط النسوة وجعل لكل امرأة بيتاً وجعل بصدر الرباط مسجداً للنسوة خاصة وصار النسوة يصلين فيه جماعة. انتهى. قال شيخنا: وما عدا ذلك فالمشاركة حاصلة لهن حتى الرجل الذي دعته المرأة فإنه يتصور في امرأة دعاها ملك جميل مثلاً فامتنعت خوفاً من الله تعالى مع حاجتها، أو شاب جميل دعاه ملك إلى أن يزوجه ابنته مثلاً فخشي أن يرتكب منه الفاحشة فامتنع مع حاجته إليه. الثاني (١) قال شيخنا: أليق المواضع بعد هذا الحديث كتاب الرقائق، وقد اختصره المصنف حيث أورده فيه وساقه تاماً في الزكاة والحدود فاستوعب شرحه هنا لأن للأولية وجهاً من الأولوية ٦٦١ - قوله: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَة) أي-ابن سعيد-ترجمته في باب السلام من الإسلام. قوله: قال (حَدَّثَنَا إسْمَاعِيل بن جَعْفَر) أي -أبو إبراهيم الأنصاري-المدني ترجمته في باب تفاضل أهل الإيمان. قوله: (عن حُمَيْد) أي -الطويل-ترجمته في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله. قوله: (سُئِلَ أنَس) أي -ابن مالك-ترجمته في باب من الإيمان أن يحب. في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه القول في موضع، وفيه العنعنة في موضع، وفيه السؤال. قال شيخنا: قوله سئل أنس تقدم التصريح بسماع حميد له منه في باب وقت العشاء. انتهى. قوله: (هَلِ اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ أَخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ العِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَ مَا صَلَّى، فَقَالَ: صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ). مطابقته للجزء الأول من الترجمة وهو قوله: (مَنْ جلَسَ في المسْجِد ينتظر الصلاة) وفي الحديث هو قوله: ((ولم تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها)). قال العيني: وهذا الحديث قد مضى في: باب وقت العشاء إلى نصف الليل، عن عبد الرحيم المحاربي عن زائدة عن حميد عن أنس، وقد مضى الكلام فيه مستوفى. قوله: (إلى شطْرِ اللَّيْل) أي: نصفه، على ما صرح به في الحديث المذكور. قوله: (صَلَّى النَّاسُ) أي: غير المخاطبين ممن صلى في داره أو مسجد قبيلته. قال شيخنا: ويستأنس به لمن قال أنَّ الجماعة غير واجبة. قوله: (ولمْ تَزَالُوا في صَلَاة) أي: في ثواب صلاة. قوله: (وَبِيْص) بفتح الواو وكسر الباء الموحدة وبالصاد المهملة، وهو: بريق الخاتم ولمعانه. قال شيخنا: وسيأتي الكلام على الخاتم في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى. (٣٧) باب فضل من غدا إلى المسجد ومن راح أي هذا باب في بيان فضل من غدا إلى المسجد ومن راح كذا للأكثر موافقاً للفظ الحديث في الغدو والرواح،

стр. 414

ولأبي ذر بلفظ (خَرَج) بدل (غَدا)، وله عن المستملي والسرخسي بلفظ (من يخْرُجْ) بصيغة المضارع، وعلى هذا فالمراد بالغدو الذهاب وبالرواح الرجوع، والأصل في الغدو المضي من بكرة النهار والرواح بعد الزوال، ثم قد يستعملان في كل ذهاب ورجوع توسعاً. قال العيني: وقال ابن سيده: الغدوة: البكرة علم للوقت، والغداة كالغدوة وجمعها غدوات. وقال ابن الأعرابي: غَدِية لغة في غدوة، كضحية لغة في ضحوة. والغدو جمع غداة نادرة، وغدا عليه غَدْواً وغُدُواً، واغتدى: بكَّر، وغاداه: باكره. وفي «الجامع» للقزاز: الغدوة اسم سمي به الوقت فجعل معرفة لذلك وصار اسماً لشيء بعينه. وقال الخليل: الغُدُّو الجمع مثل الغدوات، وجمع غدوة غداوٍ، في «الصحاح» : الغدوة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والغدو نقيض الرواح، وزعم ابن قرُقُول أنه قد استعمل الغدوة والرواح في جميع النهار. وفي «المحكم» : الرواح: العشي. وقيل: من لدن زوال الشمس إلى الليل، ورحنا رواحاً وتروحنا: سرنا في ذلك الوقت، أو: عملنا. وفي «الصحاح» : الرواح نقيض الصباح، وهو اسم للوقت. ويقال: الغدو: السير في أول النهار إلى زوال الشمس، والرواح من الزوال إلى آخر النهار، ويقال: غدا: خرج مبكراً، وراح: رجع. وقد يستعملان في الخروج والرجوع مطلقاً توسعاً. ٦٦٢ - قوله: (حَدَّثنا عَلي بن عَبْدِ الله) أي-ابن جعفر أبو الحسن-يقال له: ابن المديني ترجمته في باب الفهم في العلم. قوله: قال (حَدَّثَنَا يَزِيْد بن هَارُوْن) أي-ابن زادان الواسطي- ترجمته في باب التبرز في البيوت. قوله: قال (أخْبَرنَا مُحَمَّد بن مُطَرِّف) أي-بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء وبالفاء-أبو غسان الليثي المدني نزل عسقلان سمع زيد بن أرقم وأبا حازم سلمة عندهما، ومحمد بن المنكدر عند البخاري روى عنه يزيد بن هارون وسعيد بن أبي مريم والوليد بن مسلم عندهما، وعلي بن عثمان عند البخاري. قوله: (عن زيْدِ بن أَسْلَم) ترجمته في باب كفران العشير. قوله: (عن عَطَاءِ بن يَسَار) أي: ضد اليمين أبو محمد الهلالي مولى ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ ، مات سنة ثلاث ومائة، ترجمته في باب كفران العشير. قوله: (عن أبِي هَرِيْرة) أي: عبد الرحمن ترجمته في باب أمور الإيمان. في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار كذلك في موضع، وفيه العنعنة في أربع مواضع، وفيه القول في موضعين، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي، وفيه أن رواته مابين بصري وواسطي ومدني.

стр. 415

قوله: عن النبي ﷺ قال: (مَنْ غَدَا إلى المسْجِد ورَاح أعَدَّ الله لَهُ نزُلًا مَن الجَنَّة كلَّمَا غَدَا أو رَاح). مطابقته للترجمة ظاهرة. وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة. قوله: (أعَدَّ) بفتح الهمزة والعين المهملة وتشديد الدال، من الإعداد وهي التهيئة. قوله: (نُزُلاً)، بضم النون وسكون الزاي وضمها وبالتنوين رواية الكُشْميْهَنِي، وفي رواية غيره: نزله، بالإضافة إلى الضمير، وفي رواية مسلم وابن خزيمة وأحمد مثل رواية الكُشْمِيهَنِي. وهو: ما يهيأ من الأشياء للقادم من الضيافة ونحوها هذا إذا كان بسكون الزاي، وأما إذا كان بضم الزاي فهو المكان الذي يهيئ للنزول فيه، فعلى الأول تكون من في قوله: (مِنَ الجِنَّة) للتبين، وعلى الثاني للتبعيض، ورواية مسلم وابن خزيمة وأحمد: (في الجنة) وهو محتمل للمعنيين. قوله: (كُلَّمَا غدَا أو رَاح) أي: بكل غدوة وروحة، وقال الكرماني: في بعض الروايات: وراح، بواو العطف، والفرق بين الروايتين أنه على: الواو، لا بد له من الأمرين حتى يعد له نزل، وعلى كلمة: أو، يكفي أحدهما في الإعداد. وقال بعضهم: الغدو والرواح في الحديث كالبكرة والعشي. في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]. يراد بها: الديمومة، لا الوقتان المعينان. قال شيخنا: وظاهر الحديث حصول الفضل لمن أتى المسجد مطلقاً، لكن المقصود منه اختصاصه بمن يأتيه للعبادة والصلاة رأسها. والله أعلم. انتهى. (٣٨) باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة أي: هذا باب ترجمته: إذا أقيمت إلى آخره، وهذه الترجمة بعينها لفظ حديث أخرجه مسلم في: كتاب الصلاة، من طرق كثيرة عن عمرو بن دينار المكي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة. وأخرجه أبو داود عن أحمد بن حنبل، وأخرجه الترمذي عن أحمد بن منيع. وأخرجه النسائي عن أحمد بن عبد الله بن الحكم. وأخرجه ابن ماجه عن أبي بشر بن خلف. وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان من رواية عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة، فإن قلت: لأي شيء جعله البخاري جعل ترجمة ولم يخرجه؟ قيل: اختلف على عمرو بن دينار في رفعه ووقفه، ولما كان الحكم صحيحاً ذكره في الترجمة، وأخرج في الباب ما يغني عنه، لكن حديث الترجمة أعم من حديث الباب لأنَّه يشمل الصلوات كلها وحديث الباب يختص بالصبح كما سنوضحه. ويحتمل أن يقال اللام في حديث الترجمة عهدية فيتفقان، هذا من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى فالحكم في جميع الصلوات واحد وقد أخرجه أحمد من وجه آخر بلفظ: ((فلا صلاة إلا التي أقيمت)). قال العيني: الحكمة في الإنكار فيه أن يتفرغ المصلي للفريضة من أولها حتى لا تفوته فضيلة الإحرام مع الإمام فهذا يعم الكل في الحقيقة انتهى. وقال شيخنا: قوله إذا أقيمت أي: إذا شرع في الإقامة، وصرح بذلك محمد بن جحادة عن عمرو بن دينار فيما

стр. 416

أخرجه ابن حبان بلفظ: ((إذا أخذ المؤذن في الإقامة)). وقوله: (فَلا صَلَاة) أي: صحيحة أو كاملة والتقدير الأول أقوى؛ لأنه أقرب إلى يقين (١) الحقيقة، لكن لما لم يقطع النبي ﷺ صلاة المصلي واقتصر على الإنكار دل على أن المراد نفي الكمال، ويحتمل أن يكون النفي بمعنى النهي أي فلا تصلوا حينئذٍ. ويؤيده ما رواه البخاري في «التاريخ» والبزار وغيرهما من رواية محمد بن عمار عن شريك بن أبي نمر عن أنس مرفوعاً في نحو حديث الباب وفيه: ((ونهى أن يصلوا إذا أقيمت الصلاة)) وورد بصيغة النهي أيضاً فيما رواه أحمد من وجه آخر عن بن بحينة في قصته هذه فقال: ((لا تجعلوا هذه الصلاة مثل الظهر واجعلوا بينهما فصلاً)) والنهي المذكور للتنزيه كما تقدم من كونه لم يقطع صلاته. قوله: (إلا المكْتُوبَة) فيه منع التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة سواء كانت راتبة أم لا؛ لأن المراد بالمكتوبة المفروضة، وزاد مسلم بن خالد عن عمرو بن دينار في هذا الحديث قيل: ((يا رسول الله ولا ركعتي الفجر قال: ولا ركعتي الفجر)) أخرجه ابن عدي في ترجمة يحيى بن نصر بن حاجب وإسناده حسن، والمفروضة تشمل الحاضرة والفائتة لكن المراد الحاضرة، وصرح بذاك أحمد والطحاوي من طريق آخر عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت)). ٦٦٣ - قوله: (حَدَّثَنا عبد العَزِيز بن عبد الله) أي-ابن يحيى أبو القاسم القرشي العامري الأوَيْسِي المدني-ترجمته في باب الحرص على الحديث في كتاب العلم. قوله: قال: (حَدَّثنا إبْراهيْم بن سَعْد) أي -ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق الزهري المدني-ترجمته في باب تفاضل أهل الإيمان. قوله: (عَنْ أبيْه) أي-سعد بن إبراهيم-ترجمته في باب الرجل يوصي صاحبه. قوله: (عن حَفْص بن عَاصِم) أي-ابن عمر بن الخطاب-﵁ ترجمته في باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة. قوله: (عَنْ عَبْد الله بن مَالِك بن بُحَيْنَة) أي-بضم الباء الموحدة وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح النون وفي آخره هاء-وهي بنت الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وهي اسم أم عبد الله. وقال أبو نعيم الأصفهاني: بحينة أم أبيه، مالك ابن القشب بكسر القاف وسكون الشين المعجمة وفي آخره باء موحدة، وهو لقب، واسمه جندب بن نضلة بن عبد الله بن رافع الأزدي. وقال ابن سعد بحينة عبدة بنت الحارث، لها صحبة، وقال: قدم مالك بن القِشْب مكة في الجاهلية فحالف بني عبد المطلب بن عبد المطلب بن عبد مناف، وتزوج بحينة بنت الحارث بن المطلب، وأدركت بحينة الإسلام فأسلمت وصحبت، وأسلم ابنها عبد الله قديماً، وحكى ابن عبد البر خلافاً لبحينة هل هي أم عبد الله أو أم مالك؟ والصواب أنَّها أم عبد الله وينبغي أن تكتب ابن بحينة بزيادة ألف

стр. 417

ويعرب إعراب عبد الله كما في ابن سلول كما قلنا، ترجمة عبد الله بن مالك في باب يبدي ضبعيه. قوله: ح، قال: (وَحَدَّثَنِي عبْدُ الرَّحْمن) أي-ابن بشر بن الحكم أبو محمد النيسابوري-مات في سنة ستين ومائتين. قوله: قال: (حَدَّثَنا بَهْز بن أسَد) أي-بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وفي آخره زاي-العمي أبو الأسود البصري، ترجمته في باب الغسل بالصاع ونحوه. قوله: قال (حَدَّثَنَا شُعْبَة) أي-ابن الحجاج-ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان. قوله: قال (حَدَّثَنِي إبْراهيْم بن سَعْد) أي -المذكور آنفاً-. قوله: (عنْ أبِيْه) أي-سعد المذكور أيضاً-. قوله: قال (سمِعْتُ حَفْصَ بن عَاصِم) أي -المذكور آنفاً أيضاً-. قوله: قال (سَمِعْت رجُلاً مِنَ الأَزْد يقال له مَالِك ابن بُحَيْنَة) أي-المذكور أيضاً-. في هذا الحديث إسنادان: الأول: عن عبد العزيز عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن حفص بن عاصم عن عبد الله بن مالك. الإسناد الثاني: عن عبد الرحمن عن بهز عن سعيد (١) عن سعد عن حفص عن مالك بن بحينة هكذا يقول شعبة في هذا الصحابي، وتابعه على ذلك أبو عوانة وحماد بن سلمة. قال العيني: وحكم الحفاظ يحيى بن معين وأحمد ومسلم والنسائي والإسماعيلي والدَّارَقُطْني وأبو مسعود وآخرون عليهم بالوهم في موضعين: أحدهما: أنَّ بحينة والدة عبد الله لا والدة مالك. والآخر: أن الصحبة والرواية لعبد الله لا لمالك. وجنح الداودي إلى أن مالكاً له صحبة حيث قال: وهذا الاختلاف لا يضر بأي الرجلين كان فهو صاحب. فإن قلت لمَ لمْ يسق البخاري لفظ رواية إبراهيم بن سعد وتحول إلى رواية شعبة؟ قال العيني: كأنه أوهم أنهما متوافقتان وليس كذلك وقد ساق (٢) مسلم رواية إبراهيم بن سعد بالسند المذكور ولفظه: ((مر برجل يصلي وقد أقيمت صلاة الصبح فكلمة بشيء لا ندري ما هو فلما انصرفنا أحطنا نقول ماذا قال لك رسول الله ﷺ قال: قال لي يوشك أحدكم أن يصلي الصبح أربعاً)) ففي هذا السياق مخالفة لسياق شعبة في كونه ﵇ كلم الرجل وهو يصلي، ورواية شعبة تقتضي أنَّه كلمه بعد أن فرغ. قال العيني: يمكن الجمع بينهما أنه كلمه أولاً سراً، ولهذا احتاجوا أن يسألوه، ثم كلمه ثانياً جهراً فسمعوه، وفائدة التكرار تقرير الإنكار. انتهى. وفي السَّند: التحديث بصيغة الجمع في أربع مواضع، وبصيغة الإفراد في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه السماع في موضعين، وفيه القول في سبع مواضع، وفيه أن رواته ما بين نيسابوري وبصري ومدني وواسطي، وفيه أن شيخه عبد العزيز من أفراد [(٣)]، وفيه اثنان من الصحابة على قول من يقول مالك بن بحينة من الصحابة، وفيه اثنان من التابعين أحدهما: سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف

стр. 418

كان من جلة التابعين، والآخر حفص بن عاصم. قوله: (أنَّ رَسُول الله ﷺ َرأى رجلا وَقد أُقِيمَت الصَّلَاة يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا انْصَرف رَسُول الله ﷺ َلاث بِهِ النَّاس، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ آلصبح أَرْبعاً) مطابقته للترجمة في قوله: آلصبح أربعاً، حيث أنكر ﵇ على الرجل الذي كان يصلي ركعتين بعد أن أقيمت الصلاة ثم يصلي مع الإمام ركعتين صلاة الصبح فيكون في معنى من صلى الصبح أربعاً فدل هذا على أن لا صلاة بعد الإقامة للصلاة المكتوبة. هذا الحديث أخرجه مسلم في الصلاة عن القَعْنَبِي عن إبراهيم بن سعد عن أبيه، وعن قتيبة عن أبي عوانة عن سعد بن إبراهيم عن حفص بن عاصم عن ابن بحينة به قال، وقوله عن أبيه خطأ، بحينة هي أم عبد الله، قال أبو مسعود: وهذا يخطئ فيه القعنبي بقوله عن أبيه، وأسقط مسلم من أوله عن أبيه، ثم قال في عَقِبه وقال القعنبي: عن أبيه، وأهل العراق منهم شعبة وحماد بن سلمة وأبو عوانة يقولون: عن سعد عن حفص عن مالك بن بحينة، وأهل الحجاز قالوا: في نسبة عبد الله بن مالك بن بحينة وهو الأصح، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة به عن محمود بن غيلان عن وهب بن جرير عن شعبة بإسناده نحوه، وقال: هذا خطأ، والصواب عبد الله بن مالك ابن بحينة، وأخرجه ابن ماجة فيه عن أبي مروان محمد بن عثمان العثماني عن إبراهيم بن سعد به. قوله: (مِنَ الأَزْدِ) بسكون الزاي، ويقال له الأسد أيضاً، وهم أزد شنوءة وبالسين رواية الأصيلي. قوله: (رَأى رَجُلاً) هو عبد الله الراوي، كما رواه أحمد من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عنه: ((أن النبي ﷺ مرَّ به وهو يصلي))، وفي رواية: ((خرج وابن القشب يصلي)). وأخرج ابن خزيمة وابن حبان والبزار والحاكم وغيرهم عن ابن عباس ﵄ قال: ((كنت أصلي وأخذ المؤذن بالإقامة فجذبني النبي ﷺ وقال: أتصلي الصبح أربعاً))، فإن قلت: يحتمل أن يكون الرجل هو ابن عباس، قال العيني: لا، بل هي قصتان. قوله: (وَقَدْ أُقِيْمَت الصَّلَاة) هي ملتقى الإسنادين، والقدر المشترك بين الطريقتين، إذ تقديره مرَّ النبي ﷺ برجل وقد أقيمت ومعناه وقد نودي للصلاة بالألفاظ المخصوصة. قوله: (فلَمَّا انْصَرَفَ) أي: من الصلاة. قوله: (لاثَ بهِ النَّاس) بالثاء المثلثة الخفيفة، أي: دار وأحاط، وقال ابن قتيبة: أصل اللوث الطي. ويقال: لاث عمامته إذا أدارها، ويقال: فلان يلوث بي أي يلوذ بي، والمقصود أن الناس أحاطوا به والتفوا حوله، والضمير في به يرجع إلى النبي ﷺ ، ولكن طريق إبراهيم بن سعد المتقدمة يقتضي أنه يرجع إلى الرجل.

стр. 419

قوله: (الصُّبْحَ أَرْبَعًا) بهمزة ممدودة في أوله، ويجوز قصرها، وهو استفهام للإنكار التوبيخي، و (الصُّبْحَ) منصوب بإضمار فعل مقدر تقديره: أتصلي الصبح، وقال الكِرماني: ويجوز الصبحُ بالرفع، أي الصبحُ تصلي أربعاً، قال العَيْنِي: يكون الصبح على هذا مبتدأً. وقوله: (تُصَلِّي (١) أَرْبَعَاً) جملةٌ وقعت خبراً والضمير محذوف لأن تقديره تصليه أربعاً، والضمير الذي يقع مفعولاً حذفه شائع ذائع، وانتصاب (أَرْبَعَاً) على الحال، قاله ابن مالك، وقال الكِرماني: على البدلية، قال العَيْنِي: يكون بدل الكل من الكل لأن الصبح صار في معنى الأربع، ويجوز أن يكون بدل الكل من البعض لأن الأربع ضِعف صلاة الصبح، ويجوز أن يكون بدل الاشتمال لأن الذي صلاها الرجل أربع ركعات في المعنى. ذِكرُ ما يستفاد من هذا الحديث، وهو على وجوه: الأول: اختُلف فيمن دخل المسجد لصلاة الصبح فأقيمت الصلاة هل يصلي ركعتي الفجر أم لا؟ فكرهت طائفة أن يركع ركعتي الفجر في المسجد والإمامُ في صلاة الفجر محتجين بهذا الحديث، وروي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة وسعيد بن جبير وعروة وابن سيرين وإبراهيم وعطاء والشافعي وأحمد واسحاق وأبي ثور، وقالت طائفة: لا بأس أن يصليها خارج المسجد إذا تيقن أنه يدرك الركعة الأخيرة مع الإمام، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي إلا أن الأوزاعي أجاز أن يركعهما في المسجد، وقال الثوري: إن خشي فوت ركعة دخل معه ولم يصليهما وإلا صلاهما في المسجد، وقال صاحب «الهداية» : ومن انتهى إلى الإمام في صلاة الفجر وهو لم يصل ركعتي الفجر إن خشي أن يفوته ركعة -يعني من صلاة الفجر- لاشتغاله بالسنة ويدرك الركعة الأخرى -وهي الثانية- يصلي ركعتي الفجر عند باب المسجد ثم (٢) يدخل المسجد، لأنه أمكنه الجمع بين الفضيلتين، يعني فضيلة السنة وفضل الجماعة. قال العَيْنِي: وإنما قيد بقوله: عند باب المسجد، لأنه لو صلاهما في المسجد كان متنفلاً فيه مع اشتغال الإمام بالفرض وإنه مكروه، لقوله ﵇: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة))، وخصت سنة الفجر بقوله ﵇: ((لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل)) رواه أبو داود عن أبي هريرة، هذا إذا كان عند باب المسجد موضعٌ لذلك فإن لم يكن يصليهما في المسجد خلف سارية من سواريه خلف الصفوف، وذكر فخرُ الإسلام وأشدُّها كراهةً أن يصلي مخالطاً للصف مخالفاً للجماعة، والذي يلي ذلك خلفَ الصف من غير حائلٍ بينه وبين الصف، وفي «الذخيرة» : السنةُ في سنة الفجر يعني ركعتي الفجر أن (٣) يأتي بهما في بيته، فإن لم يفعل فعند باب المسجد إذا كان الإمام يصلي فيه، فإن لم يمكِنه ففي المسجد الجامع إذا كان الإمام في المسجد الداخل، وفي الداخل إذا كان الإمام في الجامع وفي المحيط، وقيل: يكره ذلك كله لأن ذلك بمنزلة مسجد واحد. وعند الظاهرية أنه قطع (٤) الصلاة إذا أقيمت الصلاة، وفي [الخلاف] (٥) يصليهما وإن فاتته

стр. 420

الصلاة مع الإمام إذا كان الوقت واسعاً، واستدل من كره بحديث الباب وبما في مسلم من حديث عبد الله بن جرجس: جاء رجل والنبي ﷺ يصلي الصبح فصلى الركعتين ثم دخل مع النبي ﷺ في الصلاة، فلما انصرف قال له: ((يا فلان أيتُهما صلاتُك التي صليتَ وحدَك أو التي صليتَ معنا))، وبما ذكره ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث ابن عباس قال: كنت أصلي... الحديث، وقد ذكرناه عن قريب، وعند ابن خزيمة عن أنس: خرج النبي ﷺ حين أقيمت الصلاة فرأى ناساً يصلون ركعتين بالعجلة فقال: ((أصلاتان معاً)) فنهى أن يُصَلَّيا في المسجد إذا أقيمت الصلاة. فإن قلتَ: قد روى ابن عباس أن النبي ﷺ كان يصلي عند الإقامة في بيت ميمونة، قال العَيْنِي: هذا الحديث وهّاهُ ابن القطان وغيرُه، وفي كتاب الصلاة للدُّكَيني (١) عن سُوَيْد بن غَفَلة: كان عمر بن الخطاب ﵁ يضرب على الصلاة قبل الإقامة، ورأى ابن جبير رجلاً يصلي حين أقيمت الصلاة فقال: ليست هذه ساعة صلاة، وعن صفوان بن موهب أنه سمع مسلم بن عقيل يقول للناس وهم يصلون وقد أقيمت الصلاة: ويلكم إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، وعند البيهقي: رأى ابن عمر رجلاً يصلي الركعتين والمؤذن يقيم فحصَبَه وقال: أتصلي الصبح أربعاً؟ وذكر أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي في كتاب «مسند ابن عمر» يرفعه من حديث قدامة بن موسى عن رجلٍ من بني حنظلة عن أبي علقمة عن يسار بن نمير مولى ابن عمر قال: رآني وأنا أصلي الفجر فقال: يا يسار إن النبي ﷺ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فتغيظ علينا وقال: ((ليبلغ شاهدكم غائبكم لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتين))، وذكر ابن حزم نحوَه عن ابن سيرين وإبراهيم وعند أبي نعيم الفضل عن طاوُس: إذا أقيمت الصلاة وأنت في الصلاة فدعها، وعند عبد الرزاق قال سعيد بن جبير: اقطع صلاتك عند الإقامة، وعند ابن أبي شيبة قال بَيَان: كان قيسُ بن أبي حازم يؤمُّنا فأقام المؤذن الصلاة وقد صلى ركعةً فتركها ثم تقدم فصلى بنا، و [كذا] (٢) قال الشعبي، قلت: هذه أدلة الظاهرية. انتهى. واستدل من أجاز ذلك بقوله تعالى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، وبما رواه البيهقي من طريق حجاج بن نصير عن عباد بن كثير عن ليث عن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الفجر))، قال البيهقي: هذه الزيادة لا أصل لها وحجَّاج وعبَّاد ضعيفان، قال العَيْنِي: قال يعقوب بن شيبة: سألتُ ابن مَعين عن حجَّاج بن نُصَيْر الفساطِيطي البصري فقال: صدوق، وذكره ابن حِبان في «الثقات»، وعباد بن كثير كان من الصالحين. انتهى. قلت: كونُه من الصالحين لا ينفي وصفَه

стр. 421

بالضعف، لأن كثيراً من علل الضعف يوجد في الصالحين، وعن ابن مسعود أنه دخل المسجد وقد أقيمت صلاة الصبح فركع ركعتي الفجر إلى أسطوانة بمحضر حذيفة وأبي موسى، قال ابن بَطَّال: ورُوي مثلُه عن عمر بن الخطاب وأبي الدرداء وابن عباس، وعن ابن عمر أنه أتى المسجد لصلاة الصبح فوجد الإمام يصلي، فدخل بيت حفصة فصلى ركعتين ثم دخل في صلاة الإمام، وعند ابن أبي شيبة عن إبراهيم كان يقول: إن بقي من صلاتك شيء فأتممه، وعنه: إذا افتتحتَ الصلاة تطوعاً وأقيمت الصلاة فأتمّ. الثاني: من الوجوه في حكمة إنكار النبي ﷺ الصلاةَ عند إقامة الفرض، فقال عياض: لئلا يتطاول الزمانُ فيُظن وجوبُها، ويؤيده قوله ﵇ فيما رواه مسلم من حديث إبراهيم بن سعد: ((يوشك أحدكم أن يصلي الصبح أربعاً))، وقد ذكرناه عن قريب، وعلى هذا إذا حصل الأمنُ لا يُكره ذلك، قال شيخنا: وهو متعقَّب بحديث الترجمة، قال العَيْنِي: قولُه تعالى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] يخُص هذا، مع ما روي من هؤلاء الصحابة المذكورين آنفاً، وقال شيخنا أيضاً: وقيل لئلا تلتبس صلاةُ الفرض بالنفل، وإلى هذا جنح الطحاويُّ واحتج له، ومقتضاه أنه لو كان خارج المسجد أو في زاويةٍ منه لم يُكره، وهو متعقب أيضاً بما ذُكِر، قال العَيْنِي: دعواه التَعقُّب متعَقبةٌ لأن الأصل في النصوص التعليلُ، وهو وجهُ الحكمةِ، فالعلة في حديث الترجمة هي كونه جامعاً بين الفرض والنفل في مكان واحد، فإذا صلى خارج المسجد أو في زاوية منه لا يلزم ذلك، وهو كنهيه ﵇ من صلى الجمعة أن يصلي بعدها تطوعاً في مكان واحد، كما نهى من صلى الجمعة أن يتكلم أو يتقدم. قال شيخنا أيضاً: وذهب بعضهم إلى أن سبب الإنكار عدم الفصل بين الفرض والنفل لئلا تلتبسان، وإلى هذا جنح الطحاوي واحتج له بالأحاديث الواردة بالأمر بذلك، ومقتضاه أنه لو كان في زاوية المسجد لم يكره، وهو متعقب بما ذكرنا، إذ لو كان المراد مجرد الفصل بين الفرض والنفل لم يحصل إنكارٌ أصلاً، لأن ابن بُحَيْنة سلَّم من صلاته قطعاً ثم دخل في الفرض، قال العَيْنِي: ذَكَر شيئا لا يجدي لرده ما قاله الطحاوي، فلو نقل ما رواه الطحاوي أيضاً لكان علم أن رده ليس بشيء، وهو أنه رَوى بسنده أن رسول الله ﷺ مرَّ بابن بُحَيْنة وهو يصلي بين يدي نداء (١) الصبح فقال: ((لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة الظهر واجعلوا بينهما فصلاً))، فما بان بهذا أن الذي كرهه رسول الله ﷺ لابن بُحَيْنة وصْلُه إياها بالفريضة في مكان واحد دون أن يفصِل بينهما بشيء يسير، يُعلَم بذلك أنه ما اعتبر الفصل اليسير والسلامَ منه، وكان سببَ الكراهة الوصلُ بين الفرض والنفل في مكان واحد، والاعتبارُ بالفصل بالسلام، فمقتضى ذلك أنْ لا يُكره خارجَ المسجد ولا في زاويةٍ منه وهذا هو التحقيق

стр. 422

في استنباط (١) الأحكام من النصوص، وليس ذلك بالتحسيس من الخارج. انتهى. قلت: لا شك في قوة شيخنا في استنباط الأحكام من النصوص، ومن تأمل سياق كلامه في هذا الباب وفي الباب الذي قبله علم ذلك، وغالب ما قاله العَيْني ﵀ متعقِّباً به كلامَ شيخنا فيه نظر، غيرَ أنه أطال وبِرَدِّه يطول الأمرُ لكن نُنَبِّه بشيءٍ يدل على ذلك، قال شيخنا عقب قوله لأن ابن بُحَيْنة سلَّم من صلاتِه قطعاً ثمَّ دخل في الفرض: ويدل على ذلك حديث قيس بن عمر، والذي أخرجه أبو داود وغيره أنه صلى ركعتين الفجر بعد الفراغ من صلاة الصبح متصلاً بها فدل على أن الإنكار على ابن بُحَيْنة إنما كان للتنفيل حالَ صلاةِ الفرض، وهو موافق لعموم حديث الترجمة، وقال ابن عبد البرِّ وغيرُه: الحجة عند التنازع للسنة فمن أولى بها فقد أفلح، وتَركُ التنفل عند إقامة الصلاة ويداركها (٢) بعد قضاء الفرض أقرب إلى اتباع السنة، ويتأيد ذلك من حيث المعنى بأن قوله في الإقامة: حيَّ على الصلاة معناه هلموا إلى الصلاة، أي التي تقام لها، فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره. وقال النووي: الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع عقب شروع الإمام، والمحافظةُ على مكملات الفريضةِ أولى من التشاغل بالنافلة، وهذا يليق بقول من يرى بقضاء النافلة ومن ثَم قال من لا يرى بذلك إذا علم أنه يدرك الركعة الأولى مع الإمام، وقال بعضهم: الأخيرة، لم يكره له التشاغل بالنافلة بشرط الأمن من الالتباس كما تقدَّم، والأولُ عن المالكية والثاني عن الحنفية ولهم في ذلك سلفٌ عن ابن مسعودٍ وغيرِه، وكأنهم لما تعارض عندهم الأمرُ بتحصيل النافلة والنهي عن إيقاعها في تلك الحال جمعوا بين الأمرين بذلك. انتهى. فانظر -رحمك الله- إلى هذه العبارةِ التي جمع شيخنا فيها جُمَلاً مما قدمناه بأوجز مقالةٍ وألطف إشارةٍ وقال أيضاً واستدل بعموم قوله: ((فلا صلاة إلا المكتوبة)) لمن قال بقطع النافلة إذا أقيمت الفريضةُ، وقد قدمنا أنه قول الظاهرية، قال: وبه قال أبو حامد - أي الغزالي- وغيرُه من الشافعية، وخص آخرون النهيَ بمن ينشئ النافلةَ عملاً بقوله ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، وقيل: يُفَرَّقُ بين من يخشى فوْت الفريضة في الجماعة فيقطَعُ وإلا فلا، واستدل بقوله: التي أقيمت، بأن المأموم لا يصلي فرضاً ولا نفلاً خلف من يصلي فرضاً آخر كالظهر مثلاً خلف من يصلي العصر، وإن جازت إعادةُ الفرض خلف من يصلي ذلك الفرض. انتهى. الوجه الثالث: أن قوله في الترجمة (إِلَّا المَكْتُوبَةَ) أي المفروضة، يشمل الحاضرةَ والفائتة كما تقدَّم، ولكن المراد الحاضرة، وصرح بذلك أحمد والطَّحاوي من طريقٍ أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وقد تقدم عن قريب. قوله:

стр. 423

(تَابَعَهُ غُنْدَرٌ) أي بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة، محمد بن جعفر ترجمته في باب ظلم دون ظلم. قوله: (وَمُعَاذٌ) أي بضم الميم وفتح العين المهملة وفي آخره ذالٌ معجمة، ابنُ معاذٍ أيضاً أبو المثنى البصري قاضيها ترجمته في باب وقت الظهر. قوله: (عَنْ شُعْبَةَ) أي تابَع غندرُ ومعاذٌ بَهْزَ بن أسدٍ في روايته عن شعبة بهذا الإسناد فقالا: عن مالك بن بُحَيْنة، وفي رواية الكُشْمِيهَني عن شعبة عن مالك أي بإسناده، والأول يقتضي اختصاص المتابعةِ بقوله عن مالك بن بُحَيْنة فقط، والثاني يشمل جميعَ الإسنادِ والمتنَ وهو أولى لأنه الواقع في نفس الأمر فطريقُ غُندَر وصَلَها أحمدُ في «مسنده» عنه كذلك، وطريق معاذ وصلها الإسماعيلي من رواية عبيد الله بن معاذ عن أبيه، وقد رواه أبو داود الطيالِسي في «مسنده» عن شعبة وكذا أخرجه أحمد عن يحيى القطان وحجاج، والنسائي من رواية وهب بن جَرير، والإسماعيلي من رواية زيد بن هارون كلُّهُم عن شعبةَ كذلك. قوله: (وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ) أي محمد بن إسحاق صاحب «المغازي». قوله: (عَنْ سَعْدٍ) ابن إبراهيم (عَنْ حَفْصٍ) أي ابن عاصم، وهذه الرواية موافقةٌ لرواية إبراهيم بن سعد عن أبيه، وهي الراجحةُ، وقال أبو مسعود: أهل المدينة يقولون: عبد الله بن بُحَيْنة وأهل العراق يقولون: مالك بن بُحَيْنة، والأول هو الصواب. قوله: (وَقَالَ حَمَّادٌ: أَخْبَرَنَا سَعْدٌ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ مَالِكٍ) أي ابن سلمة، جزم به المِزِّي وجماعةٌ آخرون، وأخرجه الطحاوي وابن مندهْ موصولاً من طريقه، وقال الكِرماني: حماد أي ابن زيد، وهو وهمُ منه، والمراد أن حماد بن سلمة وافق شعبة في قوله: عن مالك بن بُحَيْنة، وقد وافقهما أبو عَوانة فيما أخرجه الإسماعيلي عن جعفر الفِريابي عن قتيبة عنه، لكن أخرجه مسلم والنسائي عن قتيبة فوقع في روايتهما عن ابن بُحَيْنة مبهماً، وكأنَّ ذلك وقع من قتيبةَ في وقتٍ عمداً ليكون أقربَ إلى الصواب، قال شيخنا عقب قول أبي مسعودٍ: وأهل المدينة يقولون... إلى آخره: فيُحمل أن السهو فيه من سعيد بن إبراهيم لَمَّا حدَّث به بالعراق، وقد رواه القَعْنَبي عن إبراهيم بن سعد على وجهٍ آخر من الوهم قال: عن عبيد الله بن مالك بن بُحَيْنة عن أبيه، قال مسلم: قوله عن أبيه خطأ، وأسقط مسلم في كتابه من هذا الإسناد قوله: عن أبيه، وكان لَمَّا رأى أهل العراق يقولون: عن مالك بن بُحَيْنة ظن أن رواية أهل المدينة مرسلة فوهِم في ذلك والله أعلم. (٣٩) (بابُ حَدِّ الْمَرِيضِ أنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ) أي هذا بابٌ في بيان حد المريض لأنْ يشهد الجماعة، وكلمة (أنْ) مصدرية والتقدير: لشهود الجماعة، وحاصلُ المعنى: بابٌ في بيان ما يحَد للمريض أن يشهد الجماعة حتى إذا جاوز ذلك الحد لم يُستحبَّ له شهودُها، وإليه أشار

стр. 424

ابن رشيد، وقد تكلف الشُّراحُ فيه بالتصرفِ التعسفَ، منهم ابنُ بطَّالٍ فقال: معنى الحدِّ هنا الحِدَّة كما قال عمر ﵁ في أبي بكر ﵁: كنت أُداري (١) منه بعض الحَدِّ، أي الحِدة، وتبعه على ذلك ابن التين، والمعنى على هذا الحضُّ على شهود الجماعة، وقال ابن التين أيضاً: ويصح أن يقال أيضاً: باب جِدِّ المريض بالجيم المكسورة، يعني باب اجتهاد المريض لشهود الجماعة. ثم قال: لكن لم أسمع أحداً رواه بالجيم. انتهى. قال شيخنا: وقد أثبتَ ابن قُرقُول رواية الجيم وعزاها للقابِسي. ٦٦٤ - قوله: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) ترجمتُه في باب المضمضة والاستنشاق من الجنابة. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) أي حَفص، ترجمتُه في الباب أيضاً. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) أي سليمان، ترجمته في باب ظلم دون ظلم. قوله: (عَنِ الأَسْوَدِ) أي ابن يزيدَ النخعي، ترجمتُه في باب من ترك بعض الاختيار في كتاب العلم. قوله: (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ) أي أمِّ المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي. في هذا الإسناد التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه القول في أربع مواضع، وفيه أن رواته كُوفِيُّون، وفيه رواية الابن عن الأب، وفيه التصريح باسم الجد. قوله: (فَذَكَرْنَا الموَاظَبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالتَّعْظِيمَ لَهَا، قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَأُذِّنَ فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)) فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إِذَا قَامَ مَقَامكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَأَعَادَ فَأَعَادُوا لَهُ، فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: ((إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي فَوَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ الأَرضَ مِنَ الوَجَعِ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ مَكَانَكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ، فقِيلَ لِلْأَعْمَشِ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: بِرَأْسِهِ نَعَمْ) مناسبتُه للترجمة من حيث إنه ﷺ خرج إلى الجماعة وهو مريض يهادَى بين رجلين، فكان هذا المقدار هو الحد لحضور الجماعة، حتى لو زاد على ذلك أو لم يجد من يحملُه إليها لا يستحب له الحضور، وأما قوله في الحديث الماضي: ((لأتوهما ولو حبواً)) وقع على طريق المبالغة، ولما تحامل النبي ﷺ ذلك وخرج بين اثنين دل على تعظيم أمر الصلاة، ودل على فضل الشِّدَّة على الرخصة، وفيه ترغيب لأمته في شهود الجماعة لما لهم فيه من عظيم الأجر، ولئلا يعذُرَ أحدٌ منهم نفسَه في التخلف عن الجماعة ما أمكنه وقدر عليها. وقد وقع في هذه القصة اختلافٌ في الروايات فعند

стр. 425

مسلم في لفظ: أول ما اشتكى ﵇ في بيت ميمونة ﵂ واستأذن أزواجه أن يمرَّض في بيتي فأذِنَّ له. قالت: فخرج ويده على الفضل بن العباس والأخرى على رجل آخر، وهو يخط برجليه في الأرض. قالت: فلما اشتد به وجعه قال: ((أهريقوا عليَّ من سبع قِرَب لم تُحلل أوكيتُهنَّ لعلي أعهد إلى الناس))، فأجلسناه في مِخضَبٍ لحفصة، ثم طفقنا نصبُّ عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا أنْ قد فعلتُنَّ، ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم، وفي لفظٍ: قالت عائشة: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يُسمع الناس من البكاء، فمُرْ عمر فيصلي بالناس. ففعلت حفصة، فقال: ((مه، إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس))، فقالت لعائشة: ما كنت لأصيب منكِ خيراً. وفي «فضائل الصحابة» لأسد بن موسى حدثنا أبو معاوية عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن ابن أبي مليكة عن عائشة في حديث طويل في مرضه ﵇: ورأى رسولُ الله ﷺ من نفسِه خِفَّةً، فانطلق يهادَى بين رجلين، فذهب أبو بكر يستأخر فأشار إليه النبي ﷺ بيده: مكانَك، فاستفتح النبي ﷺ من حيث انتهى أبو بكر من القراءة، وفي حديثه عن المبارك بن فضالة عن الحسن مرسلاً: فلما دخل المسجدَ ذهب أبو بكر يجلس فأومأ إليه: أنْ كما أنت، فصلى ﷺ خلف أبي بكر ليريَهم أنه صاحبُ صلاتهم من بعدِه، وتوفي رسول الله ﷺ من يومه ذلك يوم الإثنين. وعند ابن حبان: فأجلسناه في مِخضَبٍ لحفصة من نحاس، ثم خرج فحمد الله تعالى وأثنى عليه واستغفر للشهداء الذين قتلوا يوم أحد. وعنها ﵂: رجع ﵇ من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعاً في رأسي، وأنا أقول: وارأساه، فقال: ((بل أنا يا عائشة وارأساه)). ثم قال: ((وما ضركِ لو متِّ قبلي فغسَّلتك وكفنتك وصليتُ عليك ثم دفنتك؟))، فقلت: لكأني بكَ لو فعلتَ ذلك رجعتَ إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك، فتبسَّم رسولُ الله ﷺ ، ثم بدأ في وجعه الذي مات فيه. وعنها: أغمي عليه ورأسُه في حِجْري، فجعلتُ أمسحه وأدعو له بالشفاء، فلما أفاق قال: ((لا، بل اسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل ﵈). وفي لفظ: سمعته، وأنا مسندتُه إلى صدري يقول: ((اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى)). وفي لفظ: إن أبا بكر صلى بالناس ورسولُ الله ﷺ في الصف خلفه. ولفظه عند الترمذي: صلى خلفَ أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعداً. وقال: حسن صحيح غريب، وعنده من حديث أنس: صلى في مرضه خلف أبي بكر قاعداً في ثوبٍ متوشحاً فيه. وقال: حسن صحيح. زاد النَّسائي: وهي آخر صلاة صلاها مع القوم. قال ابن حبان: خالف
следующие страницы →