بالضعف، لأن كثيراً من علل الضعف يوجد في الصالحين، وعن ابن مسعود أنه دخل المسجد وقد أقيمت صلاة الصبح فركع ركعتي الفجر إلى أسطوانة بمحضر حذيفة وأبي موسى، قال ابن بَطَّال: ورُوي مثلُه عن عمر بن الخطاب وأبي الدرداء وابن عباس، وعن ابن عمر أنه أتى المسجد لصلاة الصبح فوجد الإمام يصلي، فدخل بيت حفصة فصلى ركعتين ثم دخل في صلاة الإمام، وعند ابن أبي شيبة عن إبراهيم كان يقول: إن بقي من صلاتك شيء فأتممه، وعنه: إذا افتتحتَ الصلاة تطوعاً وأقيمت الصلاة فأتمّ.
الثاني: من الوجوه في حكمة إنكار النبي ﷺ الصلاةَ عند إقامة الفرض، فقال عياض: لئلا يتطاول الزمانُ فيُظن وجوبُها، ويؤيده قوله ﵇ فيما رواه مسلم من حديث إبراهيم بن سعد: ((يوشك أحدكم أن يصلي الصبح أربعاً))، وقد ذكرناه عن قريب، وعلى هذا إذا حصل الأمنُ لا يُكره ذلك، قال شيخنا: وهو متعقَّب بحديث الترجمة، قال العَيْنِي: قولُه تعالى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] يخُص هذا، مع ما روي من هؤلاء الصحابة المذكورين آنفاً، وقال شيخنا أيضاً: وقيل لئلا تلتبس صلاةُ الفرض بالنفل، وإلى هذا جنح الطحاويُّ واحتج له، ومقتضاه أنه لو كان خارج المسجد أو في زاويةٍ منه لم يُكره، وهو متعقب أيضاً بما ذُكِر، قال العَيْنِي: دعواه التَعقُّب متعَقبةٌ لأن الأصل في النصوص التعليلُ، وهو وجهُ الحكمةِ، فالعلة في حديث الترجمة هي كونه جامعاً بين الفرض والنفل في مكان واحد، فإذا صلى خارج المسجد أو في زاوية منه لا يلزم ذلك، وهو كنهيه ﵇ من صلى الجمعة أن يصلي بعدها تطوعاً في مكان واحد، كما نهى من صلى الجمعة أن يتكلم أو يتقدم.
قال شيخنا أيضاً: وذهب بعضهم إلى أن سبب الإنكار عدم الفصل بين الفرض والنفل لئلا تلتبسان، وإلى هذا جنح الطحاوي واحتج له بالأحاديث الواردة بالأمر بذلك، ومقتضاه أنه لو كان في زاوية المسجد لم يكره، وهو متعقب بما ذكرنا، إذ لو كان المراد مجرد الفصل بين الفرض والنفل لم يحصل إنكارٌ أصلاً، لأن ابن بُحَيْنة سلَّم من صلاته قطعاً ثم دخل في الفرض، قال العَيْنِي: ذَكَر شيئا لا يجدي لرده ما قاله الطحاوي، فلو نقل ما رواه الطحاوي أيضاً لكان علم أن رده ليس بشيء، وهو أنه رَوى بسنده أن رسول الله ﷺ مرَّ بابن بُحَيْنة وهو يصلي بين يدي نداء (١) الصبح فقال: ((لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة الظهر واجعلوا بينهما فصلاً))، فما بان بهذا أن الذي كرهه رسول الله ﷺ لابن بُحَيْنة وصْلُه إياها بالفريضة في مكان واحد دون أن يفصِل بينهما بشيء يسير، يُعلَم بذلك أنه ما اعتبر الفصل اليسير والسلامَ منه، وكان سببَ الكراهة الوصلُ بين الفرض والنفل في مكان واحد، والاعتبارُ بالفصل بالسلام، فمقتضى ذلك أنْ لا يُكره خارجَ المسجد ولا في زاويةٍ منه وهذا هو التحقيق
стр. 422
في استنباط (١) الأحكام من النصوص، وليس ذلك بالتحسيس من الخارج. انتهى.
قلت: لا شك في قوة شيخنا في استنباط الأحكام من النصوص، ومن تأمل سياق كلامه في هذا الباب وفي الباب الذي قبله علم ذلك، وغالب ما قاله العَيْني ﵀ متعقِّباً به كلامَ شيخنا فيه نظر، غيرَ أنه أطال وبِرَدِّه يطول الأمرُ لكن نُنَبِّه بشيءٍ يدل على ذلك، قال شيخنا عقب قوله لأن ابن بُحَيْنة سلَّم من صلاتِه قطعاً ثمَّ دخل في الفرض: ويدل على ذلك حديث قيس بن عمر، والذي أخرجه أبو داود وغيره أنه صلى ركعتين الفجر بعد الفراغ من صلاة الصبح متصلاً بها فدل على أن الإنكار على ابن بُحَيْنة إنما كان للتنفيل حالَ صلاةِ الفرض، وهو موافق لعموم حديث الترجمة، وقال ابن عبد البرِّ وغيرُه: الحجة عند التنازع للسنة فمن أولى بها فقد أفلح، وتَركُ التنفل عند إقامة الصلاة ويداركها (٢) بعد قضاء الفرض أقرب إلى اتباع السنة، ويتأيد ذلك من حيث المعنى بأن قوله في الإقامة: حيَّ على الصلاة معناه هلموا إلى الصلاة، أي التي تقام لها، فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره.
وقال النووي: الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع عقب شروع الإمام، والمحافظةُ على مكملات الفريضةِ أولى من التشاغل بالنافلة، وهذا يليق بقول من يرى بقضاء النافلة ومن ثَم قال من لا يرى بذلك إذا علم أنه يدرك الركعة الأولى مع الإمام، وقال بعضهم: الأخيرة، لم يكره له التشاغل بالنافلة بشرط الأمن من الالتباس كما تقدَّم، والأولُ عن المالكية والثاني عن الحنفية ولهم في ذلك سلفٌ عن ابن مسعودٍ وغيرِه، وكأنهم لما تعارض عندهم الأمرُ بتحصيل النافلة والنهي عن إيقاعها في تلك الحال جمعوا بين الأمرين بذلك. انتهى.
فانظر -رحمك الله- إلى هذه العبارةِ التي جمع شيخنا فيها جُمَلاً مما قدمناه بأوجز مقالةٍ وألطف إشارةٍ وقال أيضاً واستدل بعموم قوله: ((فلا صلاة إلا المكتوبة)) لمن قال بقطع النافلة إذا أقيمت الفريضةُ، وقد قدمنا أنه قول الظاهرية، قال: وبه قال أبو حامد - أي الغزالي- وغيرُه من الشافعية، وخص آخرون النهيَ بمن ينشئ النافلةَ عملاً بقوله ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، وقيل: يُفَرَّقُ بين من يخشى فوْت الفريضة في الجماعة فيقطَعُ وإلا فلا، واستدل بقوله: التي أقيمت، بأن المأموم لا يصلي فرضاً ولا نفلاً خلف من يصلي فرضاً آخر كالظهر مثلاً خلف من يصلي العصر، وإن جازت إعادةُ الفرض خلف من يصلي ذلك الفرض. انتهى.
الوجه الثالث: أن قوله في الترجمة (إِلَّا المَكْتُوبَةَ) أي المفروضة، يشمل الحاضرةَ والفائتة كما تقدَّم، ولكن المراد الحاضرة، وصرح بذلك أحمد والطَّحاوي من طريقٍ أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وقد تقدم عن قريب.
قوله:
стр. 423
(تَابَعَهُ غُنْدَرٌ) أي بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة، محمد بن جعفر ترجمته في باب ظلم دون ظلم.
قوله: (وَمُعَاذٌ) أي بضم الميم وفتح العين المهملة وفي آخره ذالٌ معجمة، ابنُ معاذٍ أيضاً أبو المثنى البصري قاضيها ترجمته في باب وقت الظهر.
قوله: (عَنْ شُعْبَةَ) أي تابَع غندرُ ومعاذٌ بَهْزَ بن أسدٍ في روايته عن شعبة بهذا الإسناد فقالا: عن مالك بن بُحَيْنة، وفي رواية الكُشْمِيهَني عن شعبة عن مالك أي بإسناده، والأول يقتضي اختصاص المتابعةِ بقوله عن مالك بن بُحَيْنة فقط، والثاني يشمل جميعَ الإسنادِ والمتنَ وهو أولى لأنه الواقع في نفس الأمر فطريقُ غُندَر وصَلَها أحمدُ في «مسنده» عنه كذلك، وطريق معاذ وصلها الإسماعيلي من رواية عبيد الله بن معاذ عن أبيه، وقد رواه أبو داود الطيالِسي في «مسنده» عن شعبة وكذا أخرجه أحمد عن يحيى القطان وحجاج، والنسائي من رواية وهب بن جَرير، والإسماعيلي من رواية زيد بن هارون كلُّهُم عن شعبةَ كذلك.
قوله: (وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ) أي محمد بن إسحاق صاحب «المغازي».
قوله: (عَنْ سَعْدٍ) ابن إبراهيم (عَنْ حَفْصٍ) أي ابن عاصم، وهذه الرواية موافقةٌ لرواية إبراهيم بن سعد عن أبيه، وهي الراجحةُ، وقال أبو مسعود: أهل المدينة يقولون: عبد الله بن بُحَيْنة وأهل العراق يقولون: مالك بن بُحَيْنة، والأول هو الصواب.
قوله: (وَقَالَ حَمَّادٌ: أَخْبَرَنَا سَعْدٌ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ مَالِكٍ) أي ابن سلمة، جزم به المِزِّي وجماعةٌ آخرون، وأخرجه الطحاوي وابن مندهْ موصولاً من طريقه، وقال الكِرماني: حماد أي ابن زيد، وهو وهمُ منه، والمراد أن حماد بن سلمة وافق شعبة في قوله: عن مالك بن بُحَيْنة، وقد وافقهما أبو عَوانة فيما أخرجه الإسماعيلي عن جعفر الفِريابي عن قتيبة عنه، لكن أخرجه مسلم والنسائي عن قتيبة فوقع في روايتهما عن ابن بُحَيْنة مبهماً، وكأنَّ ذلك وقع من قتيبةَ في وقتٍ عمداً ليكون أقربَ إلى الصواب، قال شيخنا عقب قول أبي مسعودٍ: وأهل المدينة يقولون... إلى آخره: فيُحمل أن السهو فيه من سعيد بن إبراهيم لَمَّا حدَّث به بالعراق، وقد رواه القَعْنَبي عن إبراهيم بن سعد على وجهٍ آخر من الوهم قال: عن عبيد الله بن مالك بن بُحَيْنة عن أبيه، قال مسلم: قوله عن أبيه خطأ، وأسقط مسلم في كتابه من هذا الإسناد قوله: عن أبيه، وكان لَمَّا رأى أهل العراق يقولون: عن مالك بن بُحَيْنة ظن أن رواية أهل المدينة مرسلة فوهِم في ذلك والله أعلم.
(٣٩) (بابُ حَدِّ الْمَرِيضِ أنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ)
أي هذا بابٌ في بيان حد المريض لأنْ يشهد الجماعة، وكلمة (أنْ) مصدرية والتقدير: لشهود الجماعة، وحاصلُ المعنى: بابٌ في بيان ما يحَد للمريض أن يشهد الجماعة حتى إذا جاوز ذلك الحد لم يُستحبَّ له شهودُها، وإليه أشار
стр. 424
ابن رشيد، وقد تكلف الشُّراحُ فيه بالتصرفِ التعسفَ، منهم ابنُ بطَّالٍ فقال: معنى الحدِّ هنا الحِدَّة كما قال عمر ﵁ في أبي بكر ﵁: كنت أُداري (١) منه بعض الحَدِّ، أي الحِدة، وتبعه على ذلك ابن التين، والمعنى على هذا الحضُّ على شهود الجماعة، وقال ابن التين أيضاً: ويصح أن يقال أيضاً: باب جِدِّ المريض بالجيم المكسورة، يعني باب اجتهاد المريض لشهود الجماعة. ثم قال: لكن لم أسمع أحداً رواه بالجيم. انتهى. قال شيخنا: وقد أثبتَ ابن قُرقُول رواية الجيم وعزاها للقابِسي.
٦٦٤ - قوله: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) ترجمتُه في باب المضمضة والاستنشاق من الجنابة.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) أي حَفص، ترجمتُه في الباب أيضاً.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) أي سليمان، ترجمته في باب ظلم دون ظلم.
قوله: (عَنِ الأَسْوَدِ) أي ابن يزيدَ النخعي، ترجمتُه في باب من ترك بعض الاختيار في كتاب العلم.
قوله: (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ) أي أمِّ المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي.
في هذا الإسناد التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه القول في أربع مواضع، وفيه أن رواته كُوفِيُّون، وفيه رواية الابن عن الأب، وفيه التصريح باسم الجد.
قوله: (فَذَكَرْنَا الموَاظَبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالتَّعْظِيمَ لَهَا، قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَأُذِّنَ فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)) فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إِذَا قَامَ مَقَامكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَأَعَادَ فَأَعَادُوا لَهُ، فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: ((إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي فَوَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ الأَرضَ مِنَ الوَجَعِ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ مَكَانَكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ، فقِيلَ لِلْأَعْمَشِ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: بِرَأْسِهِ نَعَمْ)
مناسبتُه للترجمة من حيث إنه ﷺ خرج إلى الجماعة وهو مريض يهادَى بين رجلين، فكان هذا المقدار هو الحد لحضور الجماعة، حتى لو زاد على ذلك أو لم يجد من يحملُه إليها لا يستحب له الحضور، وأما قوله في الحديث الماضي: ((لأتوهما ولو حبواً)) وقع على طريق المبالغة، ولما تحامل النبي ﷺ ذلك وخرج بين اثنين دل على تعظيم أمر الصلاة، ودل على فضل الشِّدَّة على الرخصة، وفيه ترغيب لأمته في شهود الجماعة لما لهم فيه من عظيم الأجر، ولئلا يعذُرَ أحدٌ منهم نفسَه في التخلف عن الجماعة ما أمكنه وقدر عليها.
وقد وقع في هذه القصة اختلافٌ في الروايات فعند
стр. 425
مسلم في لفظ: أول ما اشتكى ﵇ في بيت ميمونة ﵂ واستأذن أزواجه أن يمرَّض في بيتي فأذِنَّ له. قالت: فخرج ويده على الفضل بن العباس والأخرى على رجل آخر، وهو يخط برجليه في الأرض. قالت: فلما اشتد به وجعه قال: ((أهريقوا عليَّ من سبع قِرَب لم تُحلل أوكيتُهنَّ لعلي أعهد إلى الناس))، فأجلسناه في مِخضَبٍ لحفصة، ثم طفقنا نصبُّ عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا أنْ قد فعلتُنَّ، ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم، وفي لفظٍ: قالت عائشة: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يُسمع الناس من البكاء، فمُرْ عمر فيصلي بالناس. ففعلت حفصة، فقال: ((مه، إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس))، فقالت لعائشة: ما كنت لأصيب منكِ خيراً.
وفي «فضائل الصحابة» لأسد بن موسى حدثنا أبو معاوية عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن ابن أبي مليكة عن عائشة في حديث طويل في مرضه ﵇: ورأى رسولُ الله ﷺ من نفسِه خِفَّةً، فانطلق يهادَى بين رجلين، فذهب أبو بكر يستأخر فأشار إليه النبي ﷺ بيده: مكانَك، فاستفتح النبي ﷺ من حيث انتهى أبو بكر من القراءة، وفي حديثه عن المبارك بن فضالة عن الحسن مرسلاً: فلما دخل المسجدَ ذهب أبو بكر يجلس فأومأ إليه: أنْ كما أنت، فصلى ﷺ خلف أبي بكر ليريَهم أنه صاحبُ صلاتهم من بعدِه، وتوفي رسول الله ﷺ من يومه ذلك يوم الإثنين.
وعند ابن حبان: فأجلسناه في مِخضَبٍ لحفصة من نحاس، ثم خرج فحمد الله تعالى وأثنى عليه واستغفر للشهداء الذين قتلوا يوم أحد. وعنها ﵂: رجع ﵇ من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعاً في رأسي، وأنا أقول: وارأساه، فقال: ((بل أنا يا عائشة وارأساه)). ثم قال: ((وما ضركِ لو متِّ قبلي فغسَّلتك وكفنتك وصليتُ عليك ثم دفنتك؟))، فقلت: لكأني بكَ لو فعلتَ ذلك رجعتَ إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك، فتبسَّم رسولُ الله ﷺ ، ثم بدأ في وجعه الذي مات فيه. وعنها: أغمي عليه ورأسُه في حِجْري، فجعلتُ أمسحه وأدعو له بالشفاء، فلما أفاق قال: ((لا، بل اسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل ﵈). وفي لفظ: سمعته، وأنا مسندتُه إلى صدري يقول: ((اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى)).
وفي لفظ: إن أبا بكر صلى بالناس ورسولُ الله ﷺ في الصف خلفه. ولفظه عند الترمذي: صلى خلفَ أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعداً. وقال: حسن صحيح غريب، وعنده من حديث أنس: صلى في مرضه خلف أبي بكر قاعداً في ثوبٍ متوشحاً فيه. وقال: حسن صحيح. زاد النَّسائي: وهي آخر صلاة صلاها مع القوم. قال ابن حبان: خالف
стр. 426
شعبةُ زائدةَ بن قدامة في متن هذا الخبر عن موسى، فجعل شعبةُ النبي ﷺ مأموماً حيث صلى قاعداً، والقومَ قيام، وهما متقِنان حافظان وليس بين حديثيهما تضادٌّ ولا تهاتر ولا ناسخٌ ولا منسوخ، بل مجمَل مفسَّر، وإذا ضُّمَّ بعضُها إلى بعض بطل التضادُّ بينهما، واستعمل كل خبر في موضعه، بيان ذلك أنه ﵇ صلى في علته صلاتين في المسجد جماعةً لا صلاةً واحدةً، في إحداهما كان إماماً، وفي الأخرى كان مأموماً، والدليل على ذلك أن في خبر عبد الله بن جريج: بين رجلين أحدهما العباس والآخر علي ﵁، وفي خبر مسروق: خرج بين بريرة ونُوبَة، فهذا يدل على أنها كانت صلاتين لا صلاةً واحدة، وكذلك التوفيقُ بين كلام أبي نُعَيم بن أبي هند، وبين كلام عاصم بن أبي النَّجود في متن خبر أبي وائل، فإنَّ فيه: وجيء بنبي الله ﷺ فوُضِع بحِذاء أبي بكرٍ في الصف.
قال أبو حاتم: في هذه الصلاة كان النبي ﷺ مأموماً وصلى قاعداً خلف أبي بكر، فإن عاصماً جعل أبا بكر مأمومًا وجعل أبو نعيمٍ أبا بكر إماماً، وهما ثقتان حافظان متقنان. وذكر أبو حاتم أنه ﵇ خرج بين الجاريتين إلى الباب، وفي الباب أخَذه العباسُ وعليٌ ﵄ حتى دخلا به المسجد، وذكر الدارقطني في «سننه» : خرج رسول الله ﷺ يهادَى بين الرجلين: أسامةَ والفضلِ، حتى صلى خلف أبي بكر، فيما ذكره السهيلي، وقال بعضهم: طريق الجمع كانوا يتناوبون الأخذ بيده ﵇، وكان العباسُ ألزمَهم ليده، وأولئك يتناوبونها، فذكرتْ عائشةُ أكثرَهم ملازمةً ليده وهو: العباس، وعبَّرت عن أحد المتناوبِين برجلٍ آخر.
فإن قلتَ: ليس بين المسجد الشريف وبيته ﵇ مسافة تقتضي التناوب، يقال: يحتمل أن يكون لزيادةٍ في إكرامه ﵇، أو لالتماس البركة من يده ﵇، وفي حديث حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان وجِعاً، فأمَر أبا بكر فصلى بالناس، فوجد رسولُ الله ﷺ خفةً فجاء فقعد إلى جنب أبي بكر، فأم رسولُ الله ﷺ أبا بكر وهو قاعد، وأم أبو بكر الناسَ وهو قائم.
وفي حديث قيس عن عبد الله بن أبي السفر عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس عن العباس بن عبد المطلب: أن النبي ﷺ قال في مرضه: ((مروا أبا بكر فليصل بالناس))، ووجد النبي ﷺ من نفسه خفةً فخرج يهادَى بين رجلين، فتأخر أبو بكر فجلس إلى جنب أبي بكر، فقرأ من المكان الذي انتهى إليه أبو بكر من السورة، وفي حديث ابن خزيمة أخرجه عن سالم بن عبيد قال: مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 427
فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: ((أحضرت الصلاة؟)) قلن: نعم. قال: ((مروا بلالاً فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس))، ثم أغمي عليه. فذكر الحديث. وفيه: ((أقيمت الصلاة؟)) قلن: نعم. قال: ((جيئوني بإنسان أعتمد عليه))، فجاؤوا ببريرة ورجل آخر فاعتمد عليهما. ثم خرج إلى الصلاة، فأُجلِس إلى جنب أبي بكر فذهب أبو بكر يتنحى، فأمسكه حتى فرغ من الصلاة.
وفي كتاب عبد الرزاق: أخبرني ابن جريج أخبرني عطاء قال: اشتكى رسول الله ﷺ فأمر أبا بكر فصلى بالناس، فصلى النبي ﷺ للناس يوماً قاعداً وجعل أبا بكر وراءه بينَه وبين الناس، قال: وصلى الناسُ وراءه قياماَ، فقال النبي ﷺ : ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما صليتم إلا قعوداً، فصلُّوا صلاة إمامكم ما كان، إنْ صلى قائماً فصلُّوا قياماً وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً)).
وعند أبي داود من حديث عبد الله بن زمعة: فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكرٍ غائباً، فقال: قم يا عمر فصل بالناس، فتقدمَ فلما سمع رسول الله ﷺ صوتَه قال: ((أين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون)). فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى أبو بكر بالناس. قوله: (وَالتَّعْظِيمَ لَهَا) بالنصب عطفا على المواظبة. قوله: (مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) قال شيخنا: سيأتي الكلام عليه مبيَّناً في آخر المغازي في سببه ووقتِ ابتدائه وقدرِه، وقد بيَّن الزهريُّ في روايته كما في الحديث الآتي من هذا الباب أن ذلك كان بعد ما اشتد به المرض واستقر في بيت عائشة ﵂. انتهى.
قوله: (فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ) هي العشاء كما في رواية موسى بن أبي عائشة الآتية في باب إنما جعل الإمام ليؤتمَّ به، وسنذكر هناك الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى، قال العيني: وفي رواية أخرى أن هذه الصلاة صلاةُ الظهر، وفي مسلم: خرج لصلاة العصر.
قوله: (فَأُذِّنَ لَهُ) على صيغة المجهول مِن التأذين. قال شيخنا: وفي رواية الأصيلي: (وَأُذِّنَ) بالواو، وهو أوجه، والمراد به أذان الصلاة ويحتمل أن يكون معناه: أُعلِمَ، ويقويه رواية أبي معاوية عن الأعمش الآتية في باب الرجل يأتم بالإمام، ولفظه: جاء بلال يؤْذِنه بالصلاة. انتهى.
قال العيني: لم يبيِّن ما وجه الأوجهية، بل الفاء أوجه على ما لا يخفى. انتهى.
قلت: لم يبيِّن العيني أيضاً ما وجه الأوجهية، فما تَعَقَّب به تُعُقِّب به عليه. انتهى.
قوله: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ) أصلُه: اؤمروا، لأنه من أَمَرَ فحذفت الهمزة للاستثقال واستغني عن الألف فحذفت، فبقي مُروا على وزن عُلوا، لأن المحذوف فاءُ الفعل. وقال الكِرماني: وهذا أمرٌ من رسول الله ﷺ لأبي بكر، ولفظ مُروا، يدل على أنهم الآمِرون لا رسولُ الله ﷺ ، ثم أجاب بقوله: الأصح عند الأصولي أن المأمور بالأمر بالشيء ليس آمراً به، سِيَما وقد صرح النبيُّ صلى الله عليه وسلم
стр. 428
بقوله ههنا بلفظ الأمر، حيث قال: فليصل. قال العيني: هذه مسألة معروفة في الأصول، وفيها خلاف. فبعضهم قال: إن الأمر به بالشيء يكون أمراً به، ومنهم من منع ذلك، وقالوا: معناه: بلِّغوا فلاناً أني أمرته. قال شيخنا: وفصْلُ النزاع أنَّ النافي إن أراد أنه ليس آمراً حقيقةً فمُسَلَّمٌ لأنه ليس فيه صيغة أمرٍ للثاني، وإن أراد أنه لا يستلزم فمردود والله أعلم.
قوله: (فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) الفاء فيه للعطف، تقديره: فقولوا له قَوْلي لِيُصَلِّ.
قوله: (فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ) قائل ذلك هي عائشة كما جاء في بعض الروايات الآتية.
قوله: (أَسِيفٌ) على وزن: فعيل بمعنى فاعل، من الأسف وهو شدة الحزن، والمراد أنه رقيقُ القلب سريعُ البكاء، ولا يستطيع لغلبة البكاء وشدة الحزن، والأسفُ عند العرب شدة الحزن والندم، يقال منه: أسف فلان على كذا يأسف (١) إذا اشتد حزنُه، وهو رجل أسيف وأَسوف، ومنه قول يعقوب ﵇: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف:٨٤] يعني: واحُزناه واجَزَعاه تأسفاً وتوجعاً لفقده، وقيل: الأسيف: الضعيفُ من الرجال في بطشه. وأما الآسف فهو: الغضبان المتلهف. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف:١٥٠]، وسيأتي بعد ستة أبواب من حديث ابن عمر في هذه القصة: فقالت له عائشة: إنه رجل رقيق القلب إذا قرأ غلبه البكاء. ومن رواية مالك عن هشام عن أبيه عنها بلفظ: قالت عائشة: قلت: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يُسمع الناس من البكاء، فمُرْ عمر، كما ذكرنا عن قريب.
قوله: (وَأَعَادَ) أي رسولُ الله ﷺ ، مقالته في أبي بكر بالصلاة.
قوله: (فَأَعَادُوا لَهُ) أي من كان في البيت، يعني الحاضرون له مقالتَه (٢) في كون أبي بكر أسيفا. قال شيخنا: والمخاطِب بذلك عائشة كما ترى، لكن جمَعَ لأنهم كانوا موافقين لها على ذلك، ووقع في حديث أبي موسى بالإفراد، ولفظه: فعادت. ولابن عمر: فعاودته. انتهى.
قوله: (فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ) أي فأعاد ﵇ المرةَ الثالثة من مقالته تلك. وفي رواية أخرى: فراجعتُه مرتين أو ثلاثة.
وفي قوله: (إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ) حذفٌ بيَّنَهُ مالكُ في روايته المذكورة، وأن المخاطِب له حينئذٍ حفصةُ بنت عمر بأمرِ عائشةَ وفيه أيضاً: فمُرْ عمرَ، فقال: ((مه إنكن لأنتن صواحبُ يوسف))، وصواحبُ جمع صاحبة على خلاف القياس، وهو شاذ. قاله العيني. والمراد أنهن مثلُ صواحب، في إظهار خلافِ ما في الباطن، ثم إن هذا الخطاب وإن كان بلفظ الجمع فالمراد به واحدٌ وهي عائشة فقط، كما أن صواحب صيغة جمعٍ، والمراد زليخا فقط، ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة وأظهرتْ لهن الإكرامَ بالضيافة ومرادُها زيادةٌ على ذلك، وهو أن ينظرن إلى حُسْنِ يوسف ويعذرْنها في محبته، وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرفُ الإمامة عن أبيها كونُه لا يُسمع المأمومين القراءةَ لبكائه،
стр. 429
ومرادُها زيادةٌ على ذلك، وهو أنه لا يتشاءم الناسُ به، وقيل: لأنها علمت أن الناس علموا أن أباها يصلح للخلافة فإذا رأوه استشعروا بموت رسول الله ﷺ بخلاف غيره.
قال شيخنا: وقد صرحت عائشة فيما بعدَ ذلك بقضية التشاؤم فقالت: لقد راجعتُه وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعدَه رجلاً قام مقامَه أبداً. الحديث، وسيأتي بتمامه في باب وفاة النبي ﷺ في أواخر المغازي إن شاء الله تعالى، وأخرجه مسلم أيضاً، قال شيخنا: وبهذا التقدير يندفع إشكال من قال: إن صواحب يوسف لم يقع منهن إظهارٌ يخالف ما في الباطن، قلت: مراد شيخنا بقوله: وبهذا التقدير... إلى آخر قوله إن المراد بصواحب يوسف زليخا فقط. انتهى. قال: ووقع في مرسل الحسن عند ابن أبي خُثَيمة أن أبا بكر ﵁ أمر عائشة أن تكلم النبي ﷺ أنْ يَصرف ذلك عنه، فأرادت التوصُّل إلى ذلك بكل طريق فلم يَتِمَّ، ووقع في «أمالي ابن عبدالسلام» أن النسوة أتين امرأة العزيز يظهرن (١) تعنيفها ومقصودُهن في الباطن أن يدعون يوسف إلى أنفسهن، كذا قال، وليس في سياق الآية ما يساعد ما قاله.
فائدة: زاد حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم في هذا الحديث أن أبا بكر هو الذي أمر عائشة أن تشير على رسول الله ﷺ بأن يأمر عمر بالصلاة، أخرجه الدورقي في «مسنده»، وزاد مالك في روايته التي ذكرناها فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منكِ خيراً، ومثلُه للإسماعيلي في حديث الباب، وإنما قالت حفصةُ ذلك لأن كلامها صادف المرةَ الثالثة من المعاودة وكان ﷺ لا يراجَع بعدَ ثلاثٍ، فلما أشار إلى الإنكار عليها بما ذَكَر من أنهن صواحبُ يوسف وجدت حفصة في نفسها من ذلك لكون عائشة هي التي أمرتها بذلك، ولعلها تذكرت ما وقع لها معها أيضا في قصة المغافير كما سيأتي في موضعه. انتهى.
قوله: (فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) وفي رواية الكُشْمِيهَني: (لِلنَّاسِ).
قوله: (فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي) فإن قلت: كيف تتصور الصلاة وقت الخروج؟ يقال: لفظُ يصلي، وقع حالا من الأحوال المنتظرة. وفي رواية: (فَصَلَّى)، بفاء العطف، وهي رواية المستملي والسَّرَخْسي، ورواية غيرهما: (يُصَلِّي) بالياء آخر الحروف، وظاهرُه أنه شرع في الصلاة، ويحتمل أنه تهيأ لها، ويؤيده رواية الأكثرين لأنه حال، ففي حالة الخروج كان متهيأً للصلاة ولم يكن مصلياً.
فإن قلتَ: في رواية أبي معاوية عن الأعمش: فلما دخل في الصلاة، يقال: يحتمل أن يكون المعنى: فلما أراد الدخول في الصلاة، أو: فلما دخل في مكان الصلاة، وفي رواية موسى بن أبي عائشة: فأتاه الرسولُ، أي بلالٌ لأنه هو الذي أعلَمَ بحضور الصلاة. وفي رواية: فقال له: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصليَ بالناس. فقال
стр. 430
أبو بكرٍ -وكان رجلاً رقيقاً-: يا عمر صل بالناس. فقال له عمر: أنت أحق بذلك. وقولُ أبي بكر هذا لم يُرِدْ به ما أرادت عائشة. قال النووي: تأولَّه بعضهم على أنه قال ذلك تواضعاً وليس كذلك، بل قاله للعذر المذكور، وهو أنه رقيق القلب كثيرُ البكاء، فخشيَ ألّا يُسمع الناس. وقيل: يحتمل أن يكون فهم ﵁ من الإمامةِ الصغرى الإمامةَ الكبرى، وعلم ما في تحمُّلها من الخطر، وعلم قوة عمر ﵁ على ذلك فاختاره. ويؤيده أنه عند البيعة أشار عليهم أن يبايعوه أو يبايعوا أبا عبيدة بن الجراح.
قلت: ويحتمل أن أبا بكر ﵁ أراد بذلك تطييب قلب عمر وتسكين خواطر المأمومين، لكون النبي ﷺ منع عمر من الإمامة مع وجود أبي بكر ﵄، فكأنه يقول له: يا عمر وإن قدمَني النبيُّ ﷺ عليك فأنا راض بتقديمك عَلَيَّ، فإنَّ قول أبي بكر: يا عمر صلِّ بالناس يدل على رضاه بأن يكون إماماً له في الصلاة وقد عُلِم من تقديم النبي ﷺ لأبي بكر على عمر فضلُه عليه فيكون رضي مَن عمر أفضل منه من باب أولى. انتهى.
قوله: (فَوَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً) ظاهرُه أنه ﵇ وجدها في تلك الصلاة بعينها، ويحتمل أن يكون ذلك بعدَها. وفي رواية موسى بن أبي عائشة: فصلى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله ﷺ وجد من نفسه خفة، فعلى هذا لا يتعين أن تكون الصلاة المذكورة هي العشاء.
قوله: (يُهَادَى) بلفظ المجهول من المفاعلة، يقال: جاء فلان يهادَى بين اثنين، إذا كان يمشي بينهما معْتمداً عليهما من ضعفه، متمايلاً إليهما في مشيه من شدة الضعف، والتهادي التمايل في المشي البطيء.
قوله: (بَيْنَ رَجُلَيْنِ) سيأتي في الحديث الثاني من حديثَيْ الباب أنهما العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب ﵄، وقد مر في بيان اختلاف الروايات: فخرج بين بَرِيرة ونُوبَة، بضم النون وفتح الباء الموحدة، وكان عبداً أسود، ويدل عليه حديث سالم بن عبيد في «صحيح ابن خزيمة» بلفظ: فخرج بين بَرِيرة ورجلٍ آخر، قال شيخنا: وذكره بعضُهم في النساء الصحابيات فوهِم، وإنما هو عبد أسود كما وقع عند (١) سيف في كتاب «الردة»، ويؤيده حديث سالم بن عبيد أي المذكور، قال العيني: أراد بالبعضِ الذهبيَّ، فإنه ذكر نُوبة في باب النون في الصحابيات، وقال: خرج رسول الله ﷺ ، في مرضه بين بريرة ونُوبة، وإسناده جيد، وقد علمتَ أن الذهبي من جهابذة المتأخرين لا يجارىَ في فنِّه.
قلت: هذا مشهورٌ بين أئمة الفن وغيرهم، لكن لا يلزم من ذلك عدم وهمِه، بل هذا شيء لا ينفك
стр. 431
عنه غالبُ أهل العلم. انتهى.
قوله: (تَخُطَّانِ الأَرْضَ) أي: لم يكن يَقدر على رفعهما من الأرض، وسقط لفظ الأرض من رواية الكُشْمِيهَني، وفي رواية عاصم المذكورة عند ابن حبان: إني لأنظر إلى بطون قدميه.
قوله: (فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ) زاد أبو معاوية عن الأعمش: فلما سمع أبو بكر حسَّه، وفي رواية أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس في هذا الحديث: فلما أحس الناس به سبَّحوا، أخرجه ابن ماجه وغيرُه بإسناد حسن.
قوله: (أَنْ مَكَانَكَ) كلمة أنْ، بفتح الهمزة وسكون النون، ومكانَك، منصوبٌ على معنى: الزم مكانك، وفي رواية عاصم: أن اثبت مكانك، وفي رواية موسى بن أبي عائشة: فأومأ إليه بأن لا يتأخر.
قوله: (ثُمَّ أُتِيَ بِهِ) كذا هنا بضم الهمزة أي: أُتي برسول الله ﷺ . وفي رواية موسى بن أبي عائشة أن ذلك بأمرِه ولفظه، فقال: ((أجلساني إلى جنبه)) فأجلساه، وعيَّن أبو معاوية عن الأعمش بإسنادِ حديث الباب كما سيأتي بعد أبواب مكانَ الجلوس فقال في روايته: حتى جلس عن يسار أبي بكر، وهذا هو مقام الإمام وسيأتي القول فيه، وأغربَ القرطبيُّ شارحُ مسلم لما حكى الخلافَ: هل كان أبو بكر إماماً أو مأموماً؟ فقال: لم يقع في الصحيح بيانُ جلوسِه ﷺ هل كان عن يمين أبي بكر أو عن يساره. انتهى. وروايةُ أبي معاوية هذه عند مسلمٍ أيضاً، قال شيخنا: فالعجب منه كيف يغفل عن ذلك في حال شرحه له.
قوله: (فقِيلَ لِلْأَعْمَشِ) أي سليمان، ويروى: (قِيلَ) بدون الفاء، وظاهرُ هذا أنه منقطعٌ لأن الأعمش لم يسنده، لكن في رواية أبي معاوية عنه ذكر ذلك متصلاً بالحديث، وكذا في رواية موسى بن أبي عائشة وغيرها.
ذِكْرُ ما يستفاد من هذه القصة، وهو على وجوه:
الأول: فيه الإشارة إلى تعظيم الصلاة بالجماعة.
الثاني: فيه تقديم أبي بكر وترجيحه على جميع الصحابة.
الثالث: فيه فضيلة عمر بن الخطاب بعده.
الرابع: فيه جواز الثناء في الوجه لمن أمِن على نفسه الإعجاب.
الخامس: فيه ملاطفة النبي ﷺ لأزواجه وخصوصا لعائشة.
السادس: في هذه القصة وجوب القسْم على النبي ﷺ حيث قال فيها: فأذِنَّ له، أي: فأذنت نساؤه له بالتمريض في بيت عائشة على ما سيأتي.
السابع: جواز مراجعة الصغير للكبير.
الثامن: المشاورة في الأمر العام.
التاسع: الأدب مع الكبير، حيث أراد أبو بكر التأخرَ عن الصف.
العاشر: البكاء في الصلاة لا يبطلها وإن كثر، وذلك لأنه ﵇ علم حال أبي بكر في رقة القلب وكثرة البكاء ولم يَعدِل عنه، ولا نهاه عن البكاء. قال العيني: وأما في هذا الزمان فقد قال أصحابنا -أي الحنفية-: إذا بكى في الصلاة فارتفع بكاؤه، فإن كان من ذِكْرِ الجنة و النار لم يقطع صلاته، وإن كان من وجعٍ في بدنه
стр. 432
أو مصيبةٍ في ماله أو أهلِه قطعها (١)، وبه قال مالك وأحمد، وقال الشافعي ﵁: البكاء والأنين والتأوه تبطل الصلاة إذا كانت حرفين، سواء بكى للدنيا أو الآخرة.
الحادي عشر: أن الإيماء يقوم مقام النطق، لكن يحتمل أن اقتصار النبي ﷺ على الإشارة أن يكون لضعف صوته، ويحتمل أن يكون للإعلام بأنَّ مخاطبةَ مَن يكون في الصلاة بالإيماء أولى من النطق.
الثاني عشر: فيه تأكيدُ أمر الجماعة والأخذ فيها بالأشد، وإن كان المرض يرخص في تركها، ويحتمل أن يكون فَعَل ذلك لبيان جواز الأخذ بالأمثل، وإن كانت الرخصة أولى.
الثالث عشر: استدل به الشعبي على جواز ائتمام بعض المأمومين ببعض، قال العيني: وهو مختار الطبري أيضا، وأشار إليه البخاري كما يأتي إن شاء الله تعالى، ورُدَّ بأن أبا بكر ﵁ كان مبلغاً، وعلى هذا فمعنى الاقتداء اقتداؤهم بصوته، والدليل عليه أنه ﵇ كان جالساً وأبو بكر كان قائماً، فكان بعضُ أفعاله تخفى على بعض المأمومين، فلأجل ذلك كان أبو بكر كالإمام في حقهم.
الرابع عشر: استدل به البعض على جواز استخلاف الإمام لغير ضرورة، لصنع أبي بكر ﵁.
الخامس عشر: استدل به البعض على جواز مخالفة موقف المأموم للضرورة، كمن قصد أن يبلِّغ عنه، ويلتحق به من زُحِم عن الصف.
السادس عشر: فيه اتِّباعُ صوتَ المكبر، وصحةُ صلاة المستمع والسامع، ومنهم من شرَط في صحته تقدُّمَ إذن الإمام.
السابع عشر: استدل به الطبري على أن للإمام أن يقطع الاقتداء به ويقتدي هو بغيره من غير أن يقطع الصلاة.
الثامن عشر: فيه جواز إنشاء القدوة في أثناء الصلاة.
التاسع عشر: استدل به البعض على جواز تقدُّم إحرام المأموم على الإمام، بناءً على أن أبا بكر كان دخل في الصلاة ثم قطع القدوة وائتم برسول الله ﷺ ، والدليل عليه ما رواه أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس: فابتدأ النبي ﷺ القراءة من حيث انتهى أبو بكر، كما قدمناه.
العشرون: استُدِل به على صحة صلاة القادر على القيام قائماً خلف القاعد، خلافاً للمالكية وأحمد، حيث أوجب القعود على من يصلي خلف القاعد. وقال العيني: يصلي القائمُ خلف القاعد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال الشافعي ومالك في رواية، وقال أحمد والأوزاعي: يصلون خلفه قعوداً، وبه قال حماد بن زيد وإسحاق وابن المنذر، وهو المروي عن أربعة من الصحابة وهم: جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن فهد، حتى لو صلوا قياماً لا يجزئهم، وعند محمد بن الحسن: لا تجوز صلاة القائم خلف القاعد، وبه قال مالك في رواية ابن القاسم عنه وزفر.
الحادي والعشرون:
стр. 433
استدل به ابنُ المسيب على أن مقام المأموم يكون عن يسار الإمام، لأنه ﵇ جلس على يسار أبي بكر، والجماعةُ على خلافه، ويتمشَّى قوله على أن الإمام هو أبو بكر، وأما من قال: الإمامُ هو النبي ﷺ فلا يتمشى قولُه. قال العيني: اختلفت الروايات: هل كان النبي ﷺ الإمامُ أو أبو بكر الصديق ﵁؟ فجماعة قالوا: الذي رواه البخاري من حديث عائشة ﵂ صريحٌ في أن النبي ﷺ كان الإمامَ إذْ جلس عن يسار أبي بكر، ولقوله: وكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس جالساً وأبو بكر قائماً يقتدي به، وكان أبو بكر مبلغاً، لأنه لا يجوز أن يكون للناس إمامان. وجماعةٌ قالوا: كان أبو بكر هو الإمام، لِما رواه شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة: أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر، وفي رواية مسروق عنها: أنه ﵇ صلى خلف أبي بكر جالساً في مرضه الذي توفي فيه، وروي حديثُ عائشة بطرق كثيرة في الصحيحين وغيرهما، وفيه اضطراب غير قادح. وقال البيهقي: لا تعارض في أحاديثها، فإن الصلاة التي كان فيها النبي ﷺ إماماً هي صلاة الظهر يومَ السبت أو يومَ الأحد، والتي كان فيها مأموماً هي صلاة الصبح من يوم الإثنين، وهي آخر صلاة صلاها ﵇ حتى خرج من الدنيا.
وقال نُعيم بن أبي هند: الأخبار التي وردت في هذه القصة كلها صحيحة، وليس فيها معارض، فإن النبي ﷺ صلى في مرضه الذي مات فيه صلاتين في المسجد، في إحداهما كان إماماً، وفي الأخرى كان مأموماً. وقال الضياء المقدسي وابنُ ناصر: صح وثبت أنه ﵇ صلى خلفه مقتدياً به في مرضه الذي توفي فيه ثلاث مرات، ولا ينكِر ذلك إلا جاهلٌ لا علم له بالرواية. وقيل: إن ذلك مرتين جمعاً بين الأحاديث، وبه جزم ابن حبان. وقال ابن عبد البر: الآثار الصحاح على أن النبي ﷺ هو الإمام.
الثاني والعشرون: فيه تقديم الأفقه الأقرأ، وقد جمع الصِّديق ﵁ القرآنَ في حياة رسول الله ﷺ ، كما ذكره أبو بكر بن الطيب وأبو عمرو الداني.
الثالث والعشرون: فيه جواز تشبيه أحد بأحد وصف (١) مشهور بين الناس.
الرابع والعشرون: فيه أن للمستخلَف أن يَستخلِف في الصلاة ولا يتوقف على أذن خاص له بذلك.
قلت: وفيه شيء من دلائل النبوة وهو: كونُه ﷺ عَلِمَ ما أبطنت عائشة ﵂، وفيه خطاب الشخص بشيء والمراد به غيرُه، وفيه الصدع بالحق ولو حصل به مشقة، وفيه ذكر ما يلقاه الشخص من المشقة بسبب غيره ومعاتبةِ مَن كان السبب فيه، وفيه المشقةُ على الأب والمسارعةُ لدفع المكروه عنه، وفيه أن من عجز عن القيام صلى قاعداً. انتهى.
قوله: (رَوَاهُ أَبُو
стр. 434
دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ بَعْضَهُ) أي روى الحديثَ المذكورَ أبو داود سليمانُ الطيالسي.
قوله: (بَعْضَهُ) بالنصب بدلٌ من الضمير الذي في رواه، وروايته هذه وصَلها البزار، قال: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا أبو داود به. ولفظه: كان رسول الله ﷺ المقدَّم بين يدي أبي بكر، هكذا رواه مختصراً، يعني: يوم صلى بالناس وأبو بكر إلى جنبه. وهو موافق لقصة حديث الباب لكن رواه ابن خزيمة في «صحيحه» عن محمد بن بشار عن أبي داود بسنده هذا عن عائشة قالت: مِن الناس من يقول: كان أبو بكر المقدَّم بين يدي رسول الله ﷺ ، ومنهم من يقول كان النبي ﷺ المقدَّم، ورواه مسلم بن إبراهيم عن شعبة بلفظ: أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر. أخرجه ابن المنذر. وهذا عكس رواية أبي موسى، وهو اختلافٌ شديد، ووقع في رواية مسروق عنها أيضاً اختلافٌ فأخرجه ابن حِبَّان من رواية عاصمٍ عن شقيق عنه بلفظ: كان أبو بكر يصلي بصلاته، والناسُ يُصلُّون بصلاة أبي بكر.
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن خزيمة من رواية شعبة عن نُعيم بن أبي هند عن شقيق بلفظ: أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر، وظاهرُ رواية محمد بن بشار أن عائشة لم تشاهد الهيئة المذكورة، لكن تضافرت الروايات عنها بالجزم بما يدل على أن النبي ﷺ كان هو الإمامَ في تلك الصلاة، منها: روايةُ موسى بن أبي عائشة التي أشرنا إليها ففيها: فجعل أبو بكرٍ يصلي بصلاة النبي ﷺ والناسُ يصلون بصلاة أبي بكر. وهذه روايةُ زائدة بن قدامة عن موسى، وخالفه شعبةُ أيضاً فرواه عن موسى بلفظ: أن أبا بكر صلى بالناس ورسولُ الله ﷺ في الصفِّ خلفه.
فمن العلماء من سلك الترجيح فقدَّم الروايةَ التي فيه أن أبا بكر كان مأموماً للجزم بها، ولأن أبا معاوية أحفظ من حديث الأعمش من غيره، ومنهم مَن عكس ذلك ورجح أنه كان إماماً وتمسَّك بقول أبي بكر الآتي في باب من دخل ليؤمّ الناس حيث قال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ ، ومنهم من سلك الجمعَ فحمل القصةَ على التعدد وأجاب عن قول أبي بكر كما سيأتي في بابٍه، ويؤيده اختلاف النقل عن الصحابة عن عائشة، فحديث ابن عباس فيه أن أبا بكر كان مأموماً كما سيأتي في رواية موسى ابن أبي عائشة، وكذا في رواية أرقم بن شرحبيل التي أشرنا إليها عن ابن عباس. وحيثُ أنس فيه أن أبا بكر كان إماماً. أخرجه الترمذي وغيره من رواية حميد عن ثابت عنه بلفظ: آخرُ صلاة صلاها النبي ﷺ خلف أبي بكر في ثوب. وأخرجه النسائي من وجه آخرَ عن أنس فلم يذكر ثابتاً، وسيأتي بيان
стр. 435
ما يترتب على هذا الاختلاف في الحكم في باب إنما جُعل الإمام ليؤتمّ به قريباً إن شاء الله تعالى.
قوله: (وَزَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا) يعني روى الحديثَ المذكور أبو معاوية محمدُ بن حازم الضرير عن الأعمش كما رواه حفص بن غياث مطوَّلاً وشعبةُ مختصراً كلهم عن الأعمش بإسناده المذكور فزاد أبو معاوية ما ذُكر، وقد تقدمت الإشارةُ إلى المكان الذي وصله المصنف فيه وهو باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناسُ بالمأموم عن قتيبة عنه.
قال شيخنا: وغفل مغلَطاي ومن تبعه فنسبوا أصله إلى رواية ابن نمير عن أبي معاوية في صحيح ابن حبان، وليس بجيد من وجهين: أحدهما: أن رواية ابن نمير ليس فيها: عن يسار أبي بكر. والثاني: أن نسبته إلى تخريج صاحب الكتاب أولى من نسبته لغيره.
٦٦٥ - قوله: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) أي ابن يزيد بن زاذان التميمي الفراء، أبو إسحاق الرازي، يعرف بالصغير، روى عنه مسلم أيضا. ترجمته في باب غسل المرأة رأس زوجها وترجيله.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) أي أبو عبد الرحمن الصنعاني اليماني قاضيها، مات سنة سبع وتسعين ومائة. ترجمته في الباب أيضاً.
قوله: (عَنْ مَعْمَرٍ) أ ي بفتح الميم وسكون العين: ابن راشد البصري. ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمد بن مسلم بن شهاب، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلامُ على الحقيقة.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي بتصغير عبد الأول وتكبير عبد الثاني، ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂، ترجمتها بالبدء أيضاً.
في هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد، وفيه القول في أربع مواضع، وفيه هشام بن يوسف من أفراد البخاري، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية، وفيه أن رواته ما بين رازي ويماني وبصري ومدني.
قوله: (: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ الأَرْضَ، وَكَانَ بَيْنَ عَبَّاسِ وَرَجُلٍ آخَرَ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَذَكَرْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَ له: وَهَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁
مناسبته للترجمة ظاهرة. وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في الطهارة في باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح والخشب والحجارة عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري إلى آخره مطولاً، وقد ذكرنا هناك أنه أخرجه أيضاً في المغازي وفي الطب وفي الصلاة وفي الهبة وفي الخمس وفي ذكر استئذان أزواجه. وأخرجه
стр. 436
مسلم والنسائي وابن ماجه أيضاً، وذكرنا أيضاً هناك ما يتعلق به من الأشياء، ونذكر بعض شيء.
فقولها (ثَقُلَ) بفتح الثاء المثلثة وبضم القاف، من الثقل وهو عبارة عن اشتداد المرض وتناهي الضعف وركود الأعضاء عن خفة الحركات.
قوله: (اسْتَأْذَنَ) من الاستئذان وهو طلب الإذن.
قوله: (فَأَذِنَّ) بفتح الهمزة وكسر المعجمة وتشديد النون جماعة النساء. وقال الكِرماني: (فَأُذِنَ) بلفظ المجهول، يعني بضم الهمزة وكسر الذال وتخفيف النون، قال العيني: يعني بصيغة الإفراد. ثم قال: وفي بعضها بلفظ المعروف بصيغة جمع المؤنث، وجعلها رواية.
قوله: (لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) قال الكِرماني: لم ما سمَّتْه؟ ثم قال: تحقيراً أو عداوةً؟ حاشاها من ذلك. قال شيخنا: زاد الإسماعيلي من رواية عبد الرزاق عن معمر: ولكن عائشة لا تطيب نفساً له بخير. ولابن إسحاق في المغازي عن الزهري: ولكن لا يقدر أن تذكره بخير. ولم يقف الكِرماني على هذه الزيادة فعبر عنها بعبارة شنيعة، وفي هذا رد على من قال: لا يجوز أن يظن ذلك بعائشة ﵂، وردٌ على من زعم أنها أبهمت الثاني لكونه لم يتعيَّن في جميع المسافة إذا (١) كان يتوكأ على الفضل وتارة على أسامة وتارة على عليّ، وفي جميع ذلك الرجل الآخر هو العباس، واختص بذلك إكراماً له، وهذا توهم ممن قاله والواقع خلافه لأن ابن عباس في جميع الروايات الصحيحة جازمٌ بأن المبهَمَ عليٌّ فهو المعتمد والله أعلم، ودعوى وجود العباس في كل مرة والذي يتبدلُ غيرُه مردودةٌ بدليل رواية عاصم التي تقدمت الإشارة إليها، وغيرها صريح في أن العباس لم يكن في مرة ولا في مرتين منها والله أعلم. انتهى.
(٤٠) (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي المَطَرِ وَالعِلَّةِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي رَحْلِهِ)
أي هذا بابٌ في بيان الرخصة عند نزول المطر وعند حدوث علة من العلل المانعة من حضور الجماعة مثل الريح الشديدة والظلمة الشديدة والخوف في الطريق من البشر أو الحيوان ونحو ذلك، وعطْفُ العلة على المطر من عطف العام على الخاص لأنها أعم من أن تكون بالمطر أو غيره.
قوله: (أَنْ يُصَلِّيَ) كلمةُ (أَنْ) مصدرية، واللامُ فيه مقدرةٌ أي: للصلاة في رَحله، وهو منزله ومأواه. والصلاة في الرَّحل أيضاً أعم من أن يكون جماعةً أو منفرداً لكنها مظِنة الانفراد الأصلي، وفي الجماعة إيقاعها في المسجد.
٦٦٦ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ المؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ
стр. 437
ذَاتُ (١) بَرْدٍ وَمَطَرٍ، يَقُولُ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ)
مطابقته للترجمة ظاهرة، وإسناده بعينه مر غير مرة، والحديث قد مر في باب الأذان للمسافر عن مسدد عن يحيى عن عبيد الله بن عمر عن نافع... الحديث، وتقدم الكلام عليه هناك.
٦٦٧ - قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) أي ابن أبي أويس (قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ، كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ، وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلَّى، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ((أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ؟))، فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِنَ البَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ)
مطابقته أيضاً للترجمة ظاهرة، وهذا الحديث قد مر مطولاً في باب المساجد في البيوت عن سعيد بن عفير عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن محمود بن الربيع الأنصاري... الحديث، وإسماعيل شيخ البخاري هنا هو.
قوله: (الرَّبِيعِ) بفتح الراء، و (عِتْبَانَ) بكسر العين المهملة وسكون التاء المثنَّاة من فوق وبالباء الموحدة.
قوله: (إِنَّهَا) أي القصةُ أو الحالةُ.
قوله: (تَكُونُ) تامةٌ لا تحتاج إلى الخبر.
قوله: (وَالسَّيْلُ) سيل الماء.
قوله: (أَتَّخِذهُ) بالرفع والجزم.
قوله: (مُصَلَّى) بضم الميم أي موضعاً للصلاة. وقال الكِرماني: الظُّلْمة هل لها دخل في الرخصة أم السيل وحده يكفي فيها؟ فأجاب: بأنه لا دخل لها، وكذا ضرارة البصر، بل كل واحد من الثلاثة عذر كاف في ترك الجماعة، لكن عتبان جمع بين الثلاثة بياناً لتعدد أعذاره ليَعلم أنه شديد الحرص على الجماعة لا يتركها إلا عند كثرة الموانع.
وفيه من الفوائد: جوازُ إمامة الأعمى، وتركِ الجماعة للعذر، وفيه: دخولُ الأكابر منزل الأصاغر، واتخاذُ موضع معين من البيت مسجداً وغيرَه.
قوله في حديث ابن عمر: (ثُمَّ قَالَ) هذا مشعر بأنه قال بعد الأذان، وتقدم في باب الكلام في الأذان (٢) أنه كان في أثناء الأذان، فعُلِم منه جواز الأمرين.
وقوله: (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ المؤَذِّنَ) محتمل لهما لا تخصيص له بأحدهما.
قوله: (ذَاتِ بَرْدٍ) بسكون الراء، وكذلك حكمه في ليلة ذات برَد، بفتح الراء. وقال الكِرماني: ابنُ عمر أذّن عند الريح والبرد، وأمْرُ رسولِ الله ﷺ كان عند المطر والبرد، فما وجه استدلاله؟ فأجاب: بأنه قاس الريح على المطر بجامع المشقة، ثم قال: هل يكفي المطر فقط أو الريح أو البرد في رخصة ترك الجماعة أم احتاج إلى ضم أحد الأمرين بالمطر؟ فأجاب: كل واحد منها عذر مستقل في ترك الحضور إلى الجماعة نظراً إلى العلةِ، وهي المشقةُ.
(٤١) (بَابٌ: هَلْ يُصَلِّي الإِمَامُ بِمَنْ حَضَرَ ؟ وَهَلْ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المَطَرِ؟)
أي هذا باب ترجمتُه هل يصلي الإمام بمن حضر من الذين لهم العلة المرخِّصة للتخلف عن الجماعة؟ يعني يصلي بهم
стр. 438
ولا يُكره ذلك؟ فإن قلتَ: فحينئذ ما فائدة الأمر بالصلاة في الرحال؟ يقال: فائدته الإباحة، لأن من له العذر إذا تكلف وحضر فله ذلك ولا حرج عليه.
قوله: (وَهَلْ يَخْطُبُ) أي الخطيبُ يوم الجمعة في المطر إذا حضر أصحاب الأعذار المذكورين، يعني يخطب ولا يترك ويصلي بهم الجمعة.
٦٦٨ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) أي الحَجَبِي، بفتح الحاء المهملة والجيم وكسر الباء الموحدة، البصري، وقد تقدم في باب ليبلغ الشاهدُ الغائبَ في كتاب العلم.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي ابن درهم، ترجمته في باب وإن طائفتان في كتاب الإيمان.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ، صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ) أي ابن دينار، ترجمته في باب الكلام في الأذان.
قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الحَارِثِ) ترجمته في الباب أيضاً.
قوله: (قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ) أي عبد الله، ترجمته في بدء الوحي.
في هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه السماع، وفيه القول في أربع مواضع.
قوله: (فِي يَوْمٍ ذِي رَدْغٍ، فَأَمَرَ المؤَذِّنَ لَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: قُلْ: الصَّلَاةَ فِي الرِّحَالِ، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا، فَقَالَ: كَأَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ هَذَا، إِنَّ هَذَا فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، - يَعْنِي رَسُولَ الله ﷺ إِنَّهَا عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُخْرِجَكُمْ (١))
مطابقته للترجمة تفهم من قوله: (خَطَبَنَا) لأن ذلك كان يوم الجمعة، وكان يوم مطر.
وفي قوله أيضاً: (إِنَّهَا عَزْمَةٌ) أي إن الجمعة متحتمة، ومع هذا كره ابن عباس أن يكلفهم بها لأجل الحرج، وقال شيخنا: الأمر بالصلاة في الرحال على هذا للإباحة لا للندب، ومطابقة ذلك لحديث ابن عباس من قوله فيه (فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) لَمَّا أمر المؤذن أن يقول الصلاة في الرِّحال فإنه دالٌّ على أن بعضهم حضر وبعضهم لم يحضر ومع ذلك خطب وصلَّى بمن حضر، وهذا الحديث مضى في باب الكلام في الأذان، أخرجه هناك عن مسدد عن حماد عن أيوب، وعبد (٢) الحميد صاحب الزيادي وعاصم الأحول عن عبد الله بن الحارث قال: خطبَنا ابن عباس... الحديث. وفي متني الجزئين تفاوت يقف عليه المُعاوِد، وقد ذكرنا هناك جميع تعلقات الحديث.
قوله: (ذِي رَدْغٍ) بفتح الراء وسكون الدال المهملة بعدها غينٌ معجمة، أي ذي وحل.
قوله: (الصَّلَاةَ) بالنصب أي الزموها، ويجوز بالرفع، أي: الصلاةُ رخصة في الرحال.
قوله: (كَأَنَّهُمْ)، ويروى (فَكَأَنَّهُمْ).
قوله: (إِنَّ هَذَا فَعَلَهُ) على صيغة الماضي، ويروى: (هَذَا فِعْلُ رَسُولِ الله ﷺ .
قوله: (أَنْ أُحْرِجَكُمْ) بضم الهمزة وسكون الحاء المهملة وكسر الراء وفتح الجيم، ومعناه أن أؤثِّمَكم من الإثم، وأحرجكم من الإحراج، وثُلاثيِّهُ من الحَرَجِ، وهو الإثم. ويروى: (أَنْ أُخْرِجَكُمْ) من الإخراج، بالخاء المعجمة.
قوله: (وَعَنْ حَمَّادٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كَرِهْتُ أَنْ أُؤَثِّمَكُمْ فَتَجِيئُونَ تَدُوسُونَ الطِّينَ إِلَى رُكَبِكُمْ).
قوله: (وَعَنْ حَمَّادٍ)
стр. 439
عَطْفٌ على قوله: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) وليس بمعلق، وقد ذكرنا الآن أنه رواه في باب الكلام في الأذان عن مسدد عن حماد عن أيوب، وعبد (١) الحميد وعاصم، وهنا عن حماد عن عاصم الأحول وحده.
قوله: (نَحْوَهُ) أي نحو الحديث المذكور بمعظم معناه، ولهذا استثني منه لفظُ (أُحْرِجَكُمْ)، وأنّ في هذا بدَلها: (أُؤَثِّمَكُمْ) إلى آخره، ويحتمل أن يكون المراد بالاستثناء أنهما متفقان في المعنى، وفي الرواية الثانية هذه الزيادة، أي: (فَتَجِيئُونَ) وهذه اللفظة رويت على وجهين أحدهما: أن أُؤْثِمكم، من الإيثام من باب الإفعال، يقال: آثمه يؤْثِمه، إذا أوقعه في الإثم. والآخر: أن أُؤَثِّمَكُمْ من التأثيم من باب التفعيل.
قوله: (فَتَجِيئُونَ) إلى آخره، زائد صِرف على الرواية الأولى، وتجيئون بالنون على الأصل في رواية الأكثرين، وهو على حذف مقدرٍ، وفي رواية الكُشْمِيهَني: (فَتَجِيئُوا) بحذف النون، وهو لغة للعَرب حيث يحذفون نون الجمع بدون الجازم والناصب.
قوله (تَدُوسُونَ) من الدَّوس وهو الوطء.
٦٦٩ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ) أي ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الأزدي القَصَّاب البصري، ترجمته في باب زيادة الإيمان.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي الدستوائي، ترجمته في الباب أيضاً.
قوله: (عَنْ يَحْيَى) أي ابن أبي كثير اليماني الطائي، ترجمته في باب كتابة العلم.
قوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرحمن، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ) أي سعيد بن مالك ﵁، ترجمته في باب من الدِّين الفرارُ من الفتن.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السؤال. وفيه: القول في ثلاث مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري وأهوازي ويماني ومدني.
قوله: (فَقَالَ: جَاءَتْ سَحَابَةٌ، فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ السَّقْفُ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ)
مطابقته للترجمة في الجزء الأول منها من حيث إن العادة أن في يوم المطر بِتَخلُّفِ بعض الناس عن الجماعة، فلا شك أن صلاة الإمام تكون حينئذ مع من حضر، فينطبق على قوله: (بَابٌ: هَلْ يُصَلِّي الإِمَامُ بِمَنْ حَضَرَ؟)، وقال الكِرماني: وإن صح أن هذا كان في يوم الجمعة فدلالته على الجزء الأخير ظاهرة. قال شيخنا: وأما قول بعض الشُّراح: يحتمل أن يكون ذلك في الجمعة فمردود لأنه سيأتي في الاعتكاف أنها كانت صلاة الصبح، وحديث أنس الآتي لا ذِكْرَ للخطبة فيه ولا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل ما في الترجمة.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في الاعتكاف عن معاذ بن فضالة، وفي الصلاة في موضعين عن مسلم بن إبراهيم، وفيه أيضا عن موسى بن إسماعيل. وفي الصوم أيضا عن عبد الله بن منير (٢) وفي الاعتكاف أيضاً عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك وعن إبراهيم بن حمزة وفي الصوم أيضاً عن عبد الرحمن بن بشر وعن عبد الله بن يوسف عن مالك.
стр. 440
وأخرجه مسلم في الصوم عن قتيبة وعن ابن أبي عمرو، وعن محمد بن عبد الأعلى وعن عبد بن حميد وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأخرجه أبو داود في الصلاة عن القَعنبي عن مالك وعن محمد بن المثنَّى وعن محمد بن يحيى وعن مؤمل بن الفضل. وأخرجه النسائي في الاعتكاف عن قتيبة به وعن محمد بن عبد الأعلى وعن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين وعن محمد بن بشار. وأخرجه ابن ماجه في الصوم عن محمد بن عبد الأعلى عن معتمر ببعضه.
قوله: (سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ) المسؤول عنه محذوف بيَّنه في الاعتكاف وهو قوله: أَنَّ (أَبَا سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ، قُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَذْكُرُ لَيْلَةَ القَدْرِ؟ قَالَ: نَعَمِ) وسرد تمام الحديث.
قوله: (حَتَّى سَالَ السَّقْفُ) هو إسناد مجازي لأن السقف لا يسيل، وإنما يسيل الماء الذي يصيبه، وهذا من قبيل قولهم: سال الوادي، أي ماء الوادي، وهو من قبيل ذكر المحل وإرادة الحالِّ. قوله: (وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ) أي وكان سقف المسجد من جريد النخل، والجريد بمعنى المجرود، وهو القضيب الذي يُجرَد عنه الخُوص، يعني يقشَر، وسيأتي تمام الكلام في باب الاعتكاف.
٦٧٠ - قوله (حَدَّثَنَا آدَمُ) أي ابن أبي إياس، ترجمته في باب بعد باب أمور الإيمان.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحَجَّاج، ترجمته في الباب أيضاً.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ) أخو محمد بن سيرين، مولى أنس بن مالك الأنصاري، مات بعد سنة عشر ومائة.
قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَاً يَقُولُ) أي ابن مالك، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.
قوله: (قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ)، قال شيخنا: قيل: هو عِتبان بن مالك، وهو محتمل لتقارب القصتين لكن لم أر ذلك صريحاً، وقد وقع في رواية ابن ماجه الآتية أنه بعضُ عُمومةِ أنس، وليس عِتبان عمَّاً لأنس إلا على سبيل المجاز لأنهما من قبيلة واحدةٍ وهي الخزرج، لكنْ كلٌّ منهما من بطنٍ. انتهى.
في هذا الإسناد: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع. وفيه: السماع. وفيه: القول في خمس مواضع. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: أن رواته ما بين عسقلاني وواسطي وبصري.
قوله: (إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الصَّلَاةَ مَعَكَ، وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا، يَصَنَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، فَدَعَاهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَبَسَطَ لَهُ حَصِيرًا، وَنَضَحَ طَرَفَ الحَصِيرِ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ آلِ الجَارُودِ لِأَنَس: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: مَا رَأَيْتُهُ صَلَّاهَا إِلَّا يَوْمَئِذٍ)
مطابقته للترجمة من حيث إنه ﵇ كان يصلي بسائر الحاضرين عند غيبة الرجل الضخم، فينطلق الحديث على قوله: (بَابٌ: هَلْ يُصَلِّي الإِمَامُ بِمَنْ حَضَرَ؟) وقد قلنا عن قريب أن هذا الحديث ليس للخطبة (١) فيه ذِكرٌ، وأنه لا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل الترجمة، بل لو دل البعض على البعض كفى.
وهذا الحديث
стр. 441
أخرجه البخاري أيضاً في صلاة الضحى عن علي بن الجعد عن شعبة، وفي الأدب عن محمد بن سلام. وأخرجه أبو داود في الصلاة عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة به.
قوله: (مَعَكَ) أي: في الجماعة في المسجد.
قوله: (ضَخْمًا) أي سمينا، والضخم الغليظ من كل شيء. زاد عبد الحميد عن أنس: وإني أحب أن تأكل في بيتي وتصليَ فيه. وسيأتي في فقه الحديث أن السِّمَن عذرٌ في ترك الجماعة.
قوله: (حَصِيرًا) قال ابن سيده: الحصير سَقيفةٌ تصنع من بَرْدِيٍّ وأَسَلٍ ثم تفترش، سُمي بذلك لأنه يلي وجه الأرض، ووجه الأرض سمي (١) حصيراً. وفي «الجمهرة» : الحصير عربي، سمي حصيراً لانضمام بعضه إلى بعض. وقال الجوهري: الحصير الباريَّةُ.
قوله: (وَنَضَحَ طَرَفَ الحَصِيرِ) النضح بمعنى الرش إن كانت النجاسة متوهَّمة في طرف الحصير، وبمعنى الغسل إن كانت محَقَّقةً، أو يكون النضح لأجل تليينه لأجل الصلاة عليه. وقد سبق الكلام فيه في حديث أنس في باب الصلاة في الحصير.
قوله: (فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ) زاد عند الحُمَيدي: (فَصَلَّى وَصَلَّيْنَا مَعَهُ).
قوله: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ آلِ الجَارُودِ) أي بالجيم وبضم الراء وفي آخره دال مهملة. وفي رواية علي بن الجعد عن شعبة الآتية للمصنف في صلاة الضحى: فقال فلان بن فلان بن الجارود النضري. قال شيخنا: وذلك أن البخاري أخرج هذا الحديث من رواية شعبة وأخرجه في موضع آخر من رواية خالد الحَذَّاء كلاهما عن أنس بن سيرين عن عبد الحميد بن المنذر بن الجارود عن أنس فاقتضى ذلك أن في رواية البخاري انقطاعاً، وهو مندفع بتصريح أنس بن سيرين بسماعه من أنس، فحينئذ رواية ابن ماجه إما من المزيد في متصل الأسانيد وإما أن يكون فيها وهمٌ لكون ابن الجارود كان حاضراً عند أنس لَمَّا حدَّث بهذا الحديث وسأله عما سأله من ذلك فظن بعض الرواة أن له فيه رواية وسيأتي الكلام على فوائده في باب صلاة الضحى. انتهى.
قال العيني: فيه: جواز اتخاذ الطعام لأولي الفضل ليستفيد من علمهم.
وفيه: استحباب إجابة الدعوة، وقيل بالوجوب.
وفيه: جواز الصلاة على الحصير من غير كراهة، وفي معناه كل شيء يُعمل من نبات الأرض، وهذا إجماعٌ إلا ما روي عن عمر بن عبد العزيز، فإنه كان يعمل لأجل التواضع، كما في قوله ﵇ لمعاذ بن جبل: ((عفر وجهك بالتراب))، فإن قلتَ: ما تقول في حديث يزيد بن المقدام من عند ابن أبي شيبة: عن المقدام عن أبيه شريح أنه سأل عائشة: أكان النبي ﷺ يصلي على الحصير؟ فإني سمعت في كتاب الله ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]. فقالت: لا لم يكن يصلي عليه. قلت: هذا الحديث ليس بصحيح لضعف يزيد، ورده الرواية الصحيحة.
وفيه جواز التطوع بالجماعة.
وفيه استحباب صلاة الضحى، لأن أنساً أخبر أنه ﵇ صلاها، ولكن ما رآها إلا يومئذ، يعني يومَ كان في منزل رجل من الأنصار. وروى أبو داود من حديث أم هانئ: أن رسول الله ﷺ صلى يوم الفتح سبحة الضحى ثمان ركعات فسلم في كل ركعتين. وروى أيضاً من حديث عائشة: أن عبد الله بن شقيق
стр. 442
سألها: هل كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: لا إلا أن يجيء من مغيبه... الحديث. وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي مطولاً ومختصراً، والجمع بين حديث عائشة في نفي صلاته ﵇ الضحى وإثباتها هو: أن النبي ﷺ كان يصليها في بعض الأوقات لفضلها ويتركها في بعضها خشية أن تفرض. وتأويل قولها: لا إلا أن يجيء من مغيبه، ما رأيتَه، كما قالت في الرواية الأخرى: ما رأيتُ رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى. وسببه أنه ﵇ ما كان يكون عند عائشة في وقت الضحى إلا في نادرٍ من الأوقات، وقد يكون في ذلك مسافراً، وقد يكون حاضراً ولكنه في المسجد أو في موضع آخر، فإذا كان عند نسائه فإنما كان لها يوم من تسعة، فيصح قولها: ما رأيته يصليها، كما في رواية مسلم، وكذا يصح قولها: لا. كما في رواية أبي داود، أو يكون معنى قولها لا: ما رأيتُه يصليها ويداومُ عليها، فيكون نفياً للمداومة لا لأصلها. فافهم.
فإن قلتَ: صح عن ابن عمر أنه قال في الضحى: هي بدعة. قال العيني: هو محمول على أن صلاتها في المسجد والتظاهرَ بها كما كانوا يفعلونه بدعة، لا أن أصلها في البيوت ونحوها مذموم، أو يقال: قوله: بدعة أي: المواظبة عليها، لأنه ﵇ لم يواظب عليها خشية أن تفرض. وقد يقال: إن ابن عمر لم يبلغه فعل النبي ﷺ الضحى وأمره بها، وكيف ما كان، فجمهور العلماء على استحباب الضحى، وإنما فعل التوقيف فيها عن ابن مسعود وابن عمر. وقال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع حدثنا شعبة عن توبة العنبري عن مورِّق العجلي، قال: قلت لابن عمر: أتصلي الضحى؟ قال: لا. قلت: صلاها عمر؟ قال: لا. قلت: صلاها أبو بكر؟ قال: لا. قلت: صلاها النبي ﷺ ؟ قال: لا أخال. حدثنا وكيع حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة، قال: لم يخبرني أحد من الناس أنه رأى ابن مسعود يصلي الضحى.
وفيه: جواز ترك الجماعة لأجل السِّمَن، وزعم ابن حبان في «صحيحه» : أنه تتبع الأعذار المانعة من إثبات الجماعة من السنن فوجدها عشراً: المرضُ المانع من الإتيان إليها، وحضورُ الطعام عند المغرب، والنسيانُ العارض في بعض الأحوال، والسِّمَنُ المفرط، ووجودُ المرء حاجتَه في نفسه، وخوفُ الإنسان على نفسه وماله في طريقه إلى المسجد، والبرد الشديد، والمطر المؤذي، ووجود الظلمة التي يخاف المرء على نفسه المشي فيها، وأكل الثوم والبصل والكراث.
(٤٢) (بَابٌ: إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ)
أي هذا باب ترجم فيه إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة، وجواب إذا محذوفٌ تقديره: يقدَّم الطعامُ على الصلاة، وإنما لم يذكر الجواب تنبيهاً على أن الحكم بالنفي أو بالإثبات غير مجزوم به لقوة الخلاف فيه.
قوله:
стр. 443
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: يَبْدَأُ بِالعَشَاءِ) أي بفتح العين المهملة وبالمد: الطعامُ بعينه، وهو خلاف الغداء. هذا الأثر يبين أن جواب: (إِذَا) في الترجمةِ الإثباتُ، وفيه المطابقة بينه وبين الترجمة، وهذا الأثر مذكور في الباب بمعناه مسنداً قريباً حيث قال: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ، وَتُقَامُ الصَّلَاةُ، فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ). وفي «سنن ابن ماجه» من طريقٍ صحيحٍ: وتعشى ابنُ عمر ليلة وهو يسمع الإقامة.
قوله: (وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) أي عويمر بن مالك، ترجمته في باب من حمل معه الماء لطُهوره. (مِنْ فِقْهِ المَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ) هذا الأثر مثل ذاك في بيان جواب (إِذَا) في الترجمة. وفيه المطابقة للترجمة، لأن معنى قوله: (إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ) أعم مِن إقبالِه إلى الطعام إذا حضر، ومِن قضاءِ حاجة نفسه إذا دعته إليه.
قوله: (وَقَلْبُهُ فَارِغٌ) أي من الشواغل الدنياوية ليقف بين يدي الرب على أكمل حال. قال شيخنا: وكأنَّ البخاري أشار بالأثرين المذكورين إلى مَنزِع العلماء في ذلك، فإن ابن عمر حمله على إطلاقِه وأشار أبو الدرداء إلى تقييده بما إذا كان القلبُ مشغولاً بالأكلِ، وأثرُه وصله عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد، وأخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب «تعظيم قدر الصلاة» من طريقه.
٦٧١ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسرْهَد بن مُسَربَل، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي ابن سعيد القطان، ترجمته في الباب أيضاً.
قوله: (عَنْ هِشَامٍ) أي ابن عروة، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي) أي عروة بن الزبير، ترجمته في البدء أيضاً.
قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) أي زوج النبي ﷺ ، ترجمتها فيه أيضاً.
في هذا الإسنادِ: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه: العنعنة في موضع، وفيه: السماعُ، وفيه: القولُ في ثلاث مواضع.
قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَؤُوا بِالعَشَاءِ))).
مطابقته للترجمة مثل ما ذكرنا في أثر ابن عمر.
قوله: (إِذَا وُضِعَ) وقد أخرجه السراج من طريق يحيى بن سعيد الأموي عن هشام بلفظ: ((إذا حضر))، وذكره المصنف في كتاب الأطعمة من طريق سليمان عن هشام بلفظ: (إِذَا حَضَرَ) وقال بعده: قال يحيى بن سعيد ووهيب عن هشيم (إِذَا وُضِعَ). انتهى. ورواية وهيب وصلها الإسماعيلي، وأخرجه مسلم من رواية بن نمير وحفص ووكيع بلفظ: (إِذَا حَضَرَ) ووافق كلاً (١) جماعةٌ من الرواة عن هشام لكن الذين رووه بلفظ: (إِذَا وُضِعَ) كما قال الإسماعيلي أكثر، والفرق بين اللفظين أن الحضور أعمُّ من الوضع فيحمل قوله (حَضَرَ) أي بين يديه لتأتَلِفَ الروايتان لاتحاد المخرَج ويؤيده حديث أنس الآتي بعده بلفظ (إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ) ولمسلم: ((إذا قُرِّب)) وعلى هذا فلا يناط الحكم بما إذا حضر العشاء لكنه لم يقرَّب للأكل كما لو لم يُعَدَّ.
قوله: (وَأُقِيمَتِ
стр. 444
الصَّلَاةُ) قال ابن دقيق: الألف واللام في (الصَّلَاةُ) لا تنبغي أن تحمل على الاستغراق ولا على تعريف الماهية بل ينبغي أن تحمل على المغرب، لقوله (فَابْدَؤُوا بِالعَشَاءِ) ويترجح حمله على المغرب، والحديث يفسر بعضه بعضاً. وفي رواية صحيحة: ((إذا وُضع العَشاءُ وأحدُكم صائم)). انتهى. وسنذكر مَن أخرج هذه الرواية في الكلام على الحديث الآتي. وقال الفاكِهاني: ينبغي حمله على العموم نظراً إلى العلة وهو التشويش المفضي إلى ترك الخشوع، وذِكْرُ المغرب لا يقتضي حصراً فيها لأن الجائعَ غيرَ الصائمِ قد يكون أشوقَ إلى الأكل من الصائم. انتهى. وحملُه على العموم إنما هو بالنظر إلى المعنى إلحاقاً للجائع (١) بالصائم وللغَداء بالعَشاء لا بالنظر إلى اللفظ الوارد.
قوله: (فَابْدَؤُوا بِالعَشَاءِ) حمل الجمهور هذا الأمر على الندب ثم اختلفوا: فمنهم من قيده بمن كان محتاجاً إلى الأكل، وهو المشهور عند الشافعية، وزاد الغزالي: ما إذا خشي فساد المأكول، ومنهم من لم يقيده، وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق، وعليه يدل فعل ابن عمر الآتي، ولفظ (٢) ابن حزم الظاهري فقال: (٣) إذا حضر طعامه بين يديه وسمع الإقامة أنه يبدأ بالصلاة قبل العَشاء فإنْ فَعَلَ فصلاته باطلة، ومنهم من اختار البداءة بالصلاة إلا إن كان الطعام خفيفاً، نقله بن المنذر عن مالك، وعند أصحابه تفصيلٌ قالوا: يبدأ بالصلاة إن لم يكن متعلق النفس بالأكل أو كان متعلقاً به لكن لا يُعجِلُه، فإن كان يُعجِلُه بدأ بالطعام واستحب له الإعادة. وفي الدار قطني قال حميد: كنا عند أنس فأذن بالمغرب، فقال أنس: ابدؤوا بالعَشاء، وكان عَشاؤه خفيفاً.
قال النووي: في أحاديث هذا الباب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله، لما فيه من اشتغال القلب وذهاب كمال الخشوع، وهذه الكراهة إذا صلى كذلك وفي الوقت سعة، فإن ضاق بحيث لو أكل خرج الوقت لا يجوز تأخير الصلاة. ولأصحابنا وجه: أنه يأكل وإن خرج الوقت، لأن المقصود في الصلاة الخشوع فلا يفوته. وفي حديث الباب دليل على امتداد وقت المغرب، وعلى أنه يأكل حاجته من الأكل بكماله. وقال في «شرح السنة» : الابتداء بالطعام إنما هو فيما إذا كانت نفسه شديدة التوقان إلى الطعام، وكان في الوقت سَعة، وإلا فيبدأ بالصلاة لأن النبي ﷺ كان يحتَزُّ من كتف شاة، فدُعِيَ إلى الصلاة فألقاها وقام يصلي.
وقال أحمد بن حنبل: يؤوَّل هذا الحديث بأنَّ مَن شرع في الأكل ثم أقيمت الصلاة أنه يقوم إلى الصلاة ولا يتمادى في الأكل، لأنه قد أخذ منه ما يمنعه من شغل البال، وإنما الذي أُمِر بالأكل قبل الصلاة من لم يكن بدأ به لِئلا يُشغَل بالُه به. وقال ابن بطال: ويرُدُّ هذا التأويل حديث ابن عمر: ((ولا يعْجَل حتى يقضيَ حاجتَه منه)). انتهى.
قيل لا رد عليه، لأنه يقول: قد قضى حاجته، كما في الحديث، إذْ ليس
стр. 445
من شرطه أنه يستوفي أكل الكتف لا سيما قلة أكله ﷺ ، وأنه يكتفي بحزة واحدة، ولكن لقائل أن يقول: ليست الصلاة التي دعي إليها في حديث عمرو بن أمية -وهو حديث الحزِّ من كتف الشاة- أنها المغرب، وإذا ثبت ذلك زال ما تُؤُوِّل به.
وقال ابن الجوزي: وقد ظن قوم أن هذا من باب تقديم حظ العبد على حق الحق ، وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق الحق ليدخل العِبادُ في العبادة بقلوب غير مشغولة. فإن قلتَ: روى أبو داود من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تؤخر الصلاة لطعامٍ ولا لغيره)). قال العيني: هذا حديث ضعيف، فبالضعيف لا يعترض على الصحيح، ولئن سلَّمنا صحتَه فله معنى غير معنى الآخر، بمعنى إذا وجبت لا تؤخر، وإذا كان الوقت باقيا يبدأ بالعَشاء فاجتمع معناهما. قلتُ: ويصح الجمعُ أيضاً بحمل قوله ((لطعامٍ)) أب لم يحضُر بين يديه. انتهى.
٦٧٢ - قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) أي الأنصاري.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي الإمام ابن سعد.
قوله: (عَنْ عُقَيْلٍ) أي ابن خالد، ترجمة هؤلاء الثلاثة في بدء الوحي.
قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
قوله: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه.
في هذا الإسناد: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع. وفيه: عن عُقَيل، وفي رواية الإسماعيلي: حدثني عُقَيل، وفيه: ابن شهاب عن أنس، وعند الإسماعيلي أيضاً: أخبرني أنس. قلت: ووقع في هذا الموضع بخط العيني: وفيه: عُقَيل عن أنس. وهو سبق قلم. انتهى. وفيه: شيخُ البخاري منسوبٌ إلى جده وهو: يحيى بن عبد الله بن بُكَير، وفيه: الراويان الأولان مصريان، والثالث إيليٌّ وابن شهاب مدني.
قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ، فَابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ المَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ))).
مطابقته للترجمة ظاهرة، لكن الترجمة أعم منه وهي تشمل المغرب وغيرها.
هذا الحديث أخرجه البخاري في موضع آخر، ولمسلم: ((إذا أقيمت الصلاة والعَشاء فابدؤوا بالعَشاء)).
قوله: (إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ) زاد ابن حبان والطبراني في «الأوسط» من رواية موسى بن أعين عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب: ((وأحدُكم صائم)). وقد أخرج مسلم من طريق ابن وهب عن عمرو بدون هذه الزيادة، وذكر الطبراني أن موسى بن أعين تفرد بها. انتهى. وموسى ثقة متفق عليه، ولما ذكر الدارقطني هذه الزيادة قال: ولو لم تصح هذه الزيادة لكان معلوماً من قاعدة الشرع الأمرُ بحضور القلب في الصلاة والإقبال.
قوله: (وَلَا تَعْجَلُوا)، بفتح التاء المثناة من فوق والجيم من الثلاثي، ويروى: بضم التاء وفتح الجيم أيضاً، ويروى: بضم أوله وكسر الجيم من الإفعال.
٦٧٣ - قوله: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أي الهباري القرش الكوفي، ترجمته في باب نقض المرأة شعرها عند غُسل المحيضِ.
قوله: (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ)
стр. 446
أي حماد بن أسامة، ترجمته في باب فضل من عَلِمَ وعَلَّم.
قوله: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) أي بتصغير العبد ابنُ عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ترجمته في باب التبرُّز في البيوت.
قوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي ابن جرجس، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد.
قوله: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه: العنعنة في أربع مواضع، وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده.
قوله: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَؤُوا بِالعَشَاءِ وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ)) وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ، وَتُقَامُ الصَّلَاةُ، فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وَإِنَّهُ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ)
مطابقته للترجمة ظاهرة.
وهذا الحديث أخرجه مسلم عن ابن أبي شيبة.
قوله: (وَلَا يَعْجَلْ) الضمير فيه يرجع إلى الأحد في (أَحَدِكُمْ)، قال الطيبي: الأحدُ إذا كان في سياق النفي يستوي الواحد والجمع، وفي الحديث في سياق الإثبات، فكيف وُجِّه الأمرُ إليه تارة بالجمع وأخرى بالإفراد؟ أي بأنه أَفرَد (يَعْجَلْ) وجَمَع في قوله (فَابْدَؤُوا)، وأجاب: بأنه جمَع نظراً إلى لفظ: (أَحَدِكُمْ)، وأفرد نظراً إلى لفظ: الأحد، والمعنى: إذا وُضع عَشاء أحدكم فابدؤوا أنتم بالعَشاء، ولا يعجل هو حتى يفرغ معكم منه.
قوله: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) هو موصول عطفاً على المرفوع، وقد رواه السراج من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع فذكر المرفوع، ثم قال: قال نافع: وكان ابن عمر إذا حضر عَشاؤه وسمع الإقامة وقراءة الإمام لم يقم حتى يفرغ. ورواه بن حبان من طريق بن جريج عن نافع أن ابن عمر كان يصلي المغرب إذا غابت الشمس، وكان أحياناً يلقاه وهو صائم فيقدَّم له عَشاؤه وقد نودي للصلاة ثم تقام وهو يسمع فلا يترك عَشاءَه، وسمع الإقامة وقراءة القرآن لم يقم حتى يفرغ. ورواه من طريق ابن جريج عن نافع أن ابن عمر كان يصلي المغرب إذا غابت الشمس، وكان أحياناً يلقاه وهو صائم فيقدَّم له عَشاؤه وقد نودي للصلاة ثم تقام وهو يسمع فلا يترك عَشاءَه، ولا يعجل حتى يقضي عشاءه ثم يخرج فيصلي. انتهى. وهذا أصرح ما ورد عنه من ذلك.
قوله: (وَإِنَّهُ يَسْمَعُ)، وفي رواية الكُشْمِيهَني: (لَيَسْمَعُ)، بزيادة لام التأكيد في أوله.
٦٧٤ - قوله: (وَقَالَ زُهَيْرٌ) أي بضم الزاي ابنُ معاوية الجعفي، ترجمته في باب الصلاة من الإيمان.
قوله: (وَوَهْبُ بْنُ عُثْمَانَ) عَطْفٌ عليه.
قوله: (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ)، أي ابن أبي عباس أبو محمد المدني مولى الزبير بن العوَّم، ترجمته في باب إسباغ الوضوء، يعني أن زهيراً ووهباً يرويان عن موسى... إلى آخره.
قوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي ابن جرجس.
قوله: (عَنْ ابْنِ عُمَرَ) أي عبد الله.
قوله: (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ، فَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ، وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ))) هذا تعليق من البخاري، وزعْمُ
стр. 447
الحميدي في كتابه «الجمع بين الصحيحين» أن الشيخين خرجاه من حديث موسى بن عقبة غيرُ صواب، لأن البخاري علقه كما ترى. وأما مسلم فإنه خرجه في «صحيحه» عن محمد بن إسحاق عن أنس بن عياض عن موسى، وطريقُ زهير المذكورة وَصَلها أبو عوانة في «مستخرجه». وأما رواية وهب بن عثمان فقد ذكر المصنف أن إبراهيم بن المنذر رواها عنه، وإبراهيم من شيوخ البخاري ومن أفراده، وقد وافق زهيراً ووهباً أبو ضمرة عند مسلم وأبو زيد عند أبي عوانة والدارَورْدي عند السراج كلهم عن موسى بن عقبة.
قوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ الله) أي البخاريُّ نفسُه، ترجمته في مقدمة هذا الشرح.
قوله: (رَوَاهُ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ عُثْمَانَ) قد قدمنا آنفاً أن البخاري ذكر ذلك.
قوله: (وَوَهْبٌ مَدِينِيٌّ) بكسر الدال، ويروى بفتحها، وكلاهما نسبة إلى مدينة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام. قلت: هنا ثلاثة اصطلاحات في المدني والمديني والمدائِني، وقد تقدم بيانُ ذلك. انتهى. قال العيني: القياسُ فتحُ الدال كما يقال في النسبة إلى ربيعة: ربعي، وإلى جذيمة: جذمي. فإن قلتَ: ما فائدة ذكر البخاري نسبة وهب بقوله مديني أو مدني؟ قال العيني: لم يظهر شيء يجدي إلا أنه أشار إلى أنه مدني، كما أن إبراهيم بن المنذر الذي روى عنه مدني أيضاً.
قد قدَّمْنا حكاية النووي في كراهة الصلاة بِحضرة الطعام إذا كان في الوقت سَعَةٌ، فإن ضاق صلى وترك الطعام محافَظةً على حُرمة الوقت. وحكى المتولي من الشافعية وجهاً أنه يبدا بالأكل وإن خرج الوقتُ، لأن مقصود الصلاة الخشوعُ فلا يُفوِّتْه. قال شيخنا: وهذا إنما يجيء على قول من يوجب الخشوع، ثم فيه نظرٌ لأن المفسدتين إذا تعارضتا يُقتَصر على أخفهما، وخروج الوقت أشدُّ من ترك الخشوع بدليل صلاة الخوف والغريقِ وغيرِ ذلك، وإذا صلى لمحافظة الوقت صحت مع الكراهة وتستحب الإعادة عند الجمهور، وادعى ابنُ حزم أنَّ في الحديث دليلاً على امتداد الوقت في حق من وُضِع له الطعام ولو خرج الوقت المحدود، وقال مثلَ ذلك في حق النائم والناسي.
واستدل النووي وغيره بحديث أنس على امتداد وقت المغرب، واعترضه ابن دقيق العيد بأنه إن أريد بذلك التوسعة إلى غروب الشفق ففيه نظر وإن أريد به مطلق التوسعة فمسلَّم، ولكن ليس محل الخلاف المشهور، فإن بعض من ذهب إلى ضيق وقتها جعله مقدَّراً بزمن يدخل فيه مقدارُ ما يتناولُ لقيماتٍ يكسر بها سَوْرة الجوع.
واستدل به القرطبي على أن شهود صلاة الجماعة ليس بواجب، لأنَّ ظاهره أن يشتغل بالأكل وإن فاتته الصلاة في الجماعة، وفيه نظر، لأن بعض من ذهب إلى الوجوب كابن حبان جعل حضور الطعام عذرا في ترك الجماعة، فلا دليل فيه حينئذ على إسقاط الوجوب مطلقا.
وفيه دليل على تقديم فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة
стр. 448
أول الوقت، واستدل بعض الشافعية والحنابلة بقوله (فَابْدَؤُوا) على تخصيص ذلك بمن لم يشرع في الأكل، فأما من شرع ثم أقيمت الصلاة فلا يتمادى، وقلنا إن صنيع ابن عمر يبطل ذلك، وتُعُقِّبَ بأن صنيع ابن عمر اختيارٌ له وإلا فالنظر إلى المعنى يقتضي ما ذكروه، لأنه يكون قد أخذ من الطعام ما وقع شغلُ البال به، ويؤيد ذلك حديث عمرو بن أمية المذكور في الباب بعدَه، ولعل ذلك هو السرُّ في إيراد المصنف له عَقِبَه. وروى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة بإسنادٍ حسن عن أبي هريرة ﵁ وابن عباس ﵄: أنهما كانا يأكلان طعاماً وفي التنور شِواءٌ فأراد المؤذن أن يقيم فقال له ابن عباس لا تعجل لِئلَاّ نقوم وفي أنفسنا منه شيء. وفي رواية بن أبي شيبة: لئلا يعرِض لنا في صلاتنا. وله عن الحسن بن علي قال: العَشاء قبل الصلاة يُذهِب النفس اللوَّامة. قلتُ: أوصاف النفس ثلاث: الأولى: أمَّارَة، الثاني: لوَّامة، الثالث: مطمئنَّة. فاللَّوَّامة (١).
قال شيخُنا: وفي هذا كله إشارة إلى أن العلة في ذلك تَشَوَّقُ النفس إلى الطعام فينبغي أن يدار الحكم مع علته وجودا وعدما ولا يُقيَّد بكلٍّ ولا بعضٍ، ويستثنى من ذلك الصائم فلا تكره صلاته بحضرة الطعام إذْ الممتنعُ بالشرع لا يشغل العاقلُ نفسَه به، لكن إن غُلِبَ استُحِبَّ له التحول من ذلك المكان، وهذا مثلُ من حضر طعامُ غيرِه وأقيمت الصلاة.
فائدة: وقع في بعض كتب الفقه: ((إذا حضر العِشاء والعَشاء فابدؤوا بالعَشاء))، لا أصل له في كتب الحديث بهذا اللفظ، كذا في شرح الترمذي لأبي الفضل، قال شيخُنا: لكن رأيتُ بخط الحافظ قطب الدين أنَّ ابن أبي شيبة أخرج عن إسماعيل وهو ابنُ علية عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن رافع عن أم سلمة مرفوعاً: ((إذا حضر العَشاء وحضرت العِشاء فابدؤوا بالعَشاء))، فإن كان ضَبَطَه فذاك وإلا فقد رواه أحمد في «مسنده» عن إسماعيل بلفظ: ((وحضرت الصلاة)) ثم راجعتُ مصنف ابن أبي شيبة فرأيت الحديث فيه كما أخرجه أحمد والله أعلم.
(٤٣) (بَابٌ: إِذَا دُعِيَ الإِمَامُ إِلَى الصَّلَاةِ وَبِيَدِهِ مَا يَأْكُلُ)
أي هذا باب ترجمته إذا دُعِيَ الإمام... إلى آخره، والواو في (وَبِيَدِهِ) للحال.
وقوله: (مَا) موصولةٌ، و (يَأْكُلُ) صلتها، والعائد محذوف تقديرُه: ما يأكله، ومحلها مرفوع بالابتداء، وخبره هو قوله: (بِيَدِهِ)، ويجوز أن تكون ما مصدريةً والتقدير: وبيده الأكل، أي: المأكول.
وإنما ذَكَر هذا الباب عقيب الباب السابق تنبيهاً على أن الأمر فيه للندب لا للإيجاب، إذْ لو كان تقديمُ العَشاء على الصلاة التي أقيمت واجباً، لكان النبي ﷺ كَمَّلَ
стр. 449
أكلَه ولا ألقى السكين في الحديث الذي يأتي في الباب، ولا قام إلى الصلاة. فإن قلتَ: العلة في تقديم العَشاء إخلاُء القلب عن الشواغل التي أكثرُها ميلُ النفس إلى الطعام الذي حضر، والنبي ﷺ كان قوياً على مدافعة قوة الشهوة، وأَيُّكُم يملِك أَرَبَه، قال الزينُ ابنُ المنير: لعله ﵇ أخذ في خاصة نفسه بالعزيمة فقدَّم الصلاة على الطعام، وأمر غيرَه بالرُّخصة. قال شيخنا: ويعكِّر على من استدل به على أن الأمر للندب احتمالُ أن يكون اتَّفَقَ في تلك الحالة أنه قضى حاجته في الأكل فلا تتم الدلالة به.
فإن قلتَ: ما فائدة تقييد الترجمة بالإمام؟ قال أيضاً: تقييده به يحتمل أنه يرى التفصيل بين ما إذا أقيمت الصلاة قبل الشروع في الأكل أو بعده، كما ذهب إليه قوم كما ذكرنا، ثم إنه يرى بأن يكون الإمام مخصوصاً به، وغيره من المأمومين يكون الأمر متوجها إليهم على الإطلاق. قال شيخنا: ويؤيده قوله فيما سبق (إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ).
٦٧٥ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّه) أي ابن يحيى بن عمرو أبو القاسم الأُويسي المدني، ترجمته في باب الحرص على الحديث.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) أي ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني، ترجمته في باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.
قوله: (عَنْ صَالِحٍ) أي ابن كيسان أبو محمد، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أي محمد بن مسلم الزهري، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ) أي الضَّمْري، ترجمته في باب المسح على الخفين.
قوله: (أَنَّ أَبَاهُ) أي عمرو بن أمية بن خويلد، أبو أمية الضَّمْري، شهد بدراً وأُحُداً مشركاً، وأسلم بعدُ وعُمِّر. قال الواقدي: بقي إلى دهرِ معاوية بالمدينة ومات بها. وقد مر في باب المسح على الخفين.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في ثلاث مواضع. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون.
قوله: (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ ذِرَاعًا يَحْتَزُّ مِنْهَا، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَامَ، فَطَرَحَ السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)
مطابقته للترجمة من حيث ما يتضمنه معنى الحديث وهو ظاهر.
وقد مر هذا الحديث في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة، وتكلمنا هناك على جميع ما يتعلق به من الأشياء.
(٤٤) (بَابٌ: مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَهْلِهِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَخَرَجَ)
أي هذا بابٌ في بيان شأن من كان... إلى آخره، وأشار بهذا الباب إلى أن حكم هذا خلافُ الباب السابق، إذْ لو قيس عليه كلُّ أمر تَتَشَوَّفُ النفس إليه لم يبق للصلاة وقت، وإنما حُكْمُ هذا أن من كان في حاجة
стр. 450
بيته فأقيمت الصلاة يخرج إليها ويترك الحاجة، بخلاف ما إذا حضر العَشاء، وأقيمت الصلاة، فإنه يقدم العَشاء على الصلاة إلا إذا خاف فوْتها.
قال شيخنا: وأيضاً فوَضْعُ الطعامٍ بين يدي الآكلِ فيه زيادة تشوُّفٍ، وكلما تأخر تناولُه ازداد بخلاف باقي الأمور، ومحل النص إذا اشتمل على وصف يمكن اعتباره بُتَعَيُّنِ عدم إلغائه.
٦٧٦ - قوله: (حَدَّثَنَا آدَمُ) أي ابن إياس، ترجمته في بابٍ يتلو بابَ أمور الإيمان.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج، ترجمته في الباب أيضاً.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ) أي بفتح الحاء المهملة والكاف، ابن عتَيْبة، ترجمته في باب السَّمَرِ بالعلم.
قوله: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) أي النَّخَعِي، ترجمته في باب ظلم دون ظلم في كتاب الإيمان.
قوله: (عَنِ الأَسْوَدِ) أي ابن يزيد النخعي، ترجمته في باب من ترك بعض الاختيار في كتاب العلم.
قوله: (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) أي أم المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السؤال. يروي عن خاله الأسود (١).
قوله: (مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ (٢) : كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ - تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ - فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ)
مطابقته للترجمة ظاهرة.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأدب عن حفص بن عمر، وفي النفقات عن محمد بن عرعرة. وأخرجه الترمذي في «الزهد» عن هناد عن وكيع، وقال: صحيح.
قوله: (مَا كَانَ) كلمة: (مَا) للاستفهام.
قوله: (كَانَ يَكُونُ) فائدة تكرير الكونِ: الاستمرارُ وبيانُ أنه ﵇ كان يداوم عليه. واسم كان ضميرُ الشأن.
قوله: (فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ)، بفتح الميم وكسرها وسكون الهاء فيهما، وقد فسرها في الحديث بالخدمة، وهي من تفسير آدمَ بن أبي إياس شيخِ المصنف لأنه أخرجه في الأدب عن حفص بن عمر وفي النفقات عن محمد بن عرعرة، وأخرجه أحمد عن يحيى القطان وغندر وإسماعيل من طريق ابن مهدي، ورواه أبو داود الطيالسي كلهم عن شعبة بدونها. وفي «الصحاح» : الْمَهنة بالفتح الخدمة. وهذا موافق لما قاله، لكن فسرها صاحب «المحكم» بأخص من ذلك فقال: المهنة الحذق بالخدمة والعمل، وقال: بفتح الميم وكسرها وبفتح الهاء أيضاً، وأنكر الأصمعي الكسر فقال: مَهَنَهُم يَمْهُنُهم مَهْناً ومَهَنَةً مِن نصَر ينصُر، والماهِنُ الخادمُ وجمعُهُ مُهَّان ومَهَنَةٌ بفتح الميم والهاء. ووقع في رواية المستملي وحده: (فِي مِهْنَةِ بَيتِ أَهْلِهِ) وهي موجهةٌ مع شذوذها، والمراد بالأهل نفسُه أو ما هو أعم من ذلك. وقال الكِرماني: البيت تارة يضاف إلى الرسول ﷺ وتارة إلى أهله، وهو في الواقع إما له أو لهم. ثم أجاب بقوله: فيما يُثبِتُ الملكية فالإضافيَّة حقيقيَّة، وفيما لم يُثبت بالإضافة فيه بأدنى ملابسة، وهو نحو كونه مسكناً له. وقد وقع المهنة مفسرة في «الشمائل» للترمذي، من طريق عمرة عن عائشة
стр. 451
بلفظ: ما كان إلا بشراً من البشر يَفْلي ثوبَه ويحلِب شاتَه ويخدم نفسَه. ولأحمد وابن حبان من رواية عروة عنها: يَخيط ثوبه ويخصف نعله. وزاد ابن حبان: ويرفع دلوه، وزاد الحاكم في «الإكليل» : وما رأيتُه ضرب بيده امرأةً ولا خادماً.
قوله: (فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ) في رواية بن عرعرة: فإذا سمع الأذان. وهو أخص ووقع في الترجمة (فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) وهي أخص، وكأنه أخذه من حديثها المتقدم في باب من انتظر الإقامة فإن فيه: (حَتَّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ).
واستدل بحديث الباب على أنه لا يكره التشمير في الصلاة. وأن النهي عن كف الشعر والثياب للتنزيه، لكونها لم تَذكُر أنه أزاح عن نفسه هيئة المهنة، كذا ذكر ابنُ بطال ومن تبعه. قال شيخنا: وفيه نظرٌ، لأنه يحتاج إلى ثبوت أنه كان له هيئتان، ثم لا يلزم من ترك ذكر التهيئة للصلاة عدم وقوعه. وفيه: الترغيبُ في التواضعِ وتركِ التكبر. وخدمةُ الرجل أهلَه، وترجم عليه المؤلف في الأدب: كيف يكون الرجل في أهله (١).
(٤٥) (بَابٌ: مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يُعَلِّمَهُمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ وَسُنَّتَهُ)
أي هذا باب ترجمةِ من صلى بالناس... إلى آخره. والواو، في قوله: (وَهُوَ) للحال.
قوله: (وَسُنَّتَهُ) بالنصب عَطفٌ على صلاة النبي ﷺ .
٦٧٧ - قوله: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أي أبو سلمة التبوذكي، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) أي تصغير وهب، ابن خالد صاحبُ الكرابيسي، ترجمته في باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) أي ابن أبي تميمة السختياني، ترجمته في باب حلاوة الإيمان.
قوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) أي بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي، ترجمته في الباب أيضاً.
قوله: (قَالَ: جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ) أي الليثي، ترجمته في باب تحريض النبي ﷺ وفدَ عبد القيس.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي لأن أيوب رأى أنس بن مالك ﵁. وفيه: أن رواته كلهم بصريون، ومالك بن الحويرث سكن البصرة.
قوله: (فِي مَسْجِدِنَا هَذَا فَقَالَ: إِنِّي لَأُصَلِّي بِكُمْ وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ، أُصَلِّي كَيْفَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي، فَقُلْتُ لِأَبِي قِلَابَةَ: كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي؟ قَالَ: مِثْلَ شَيْخِنَا هَذَا، قَالَ: وَكَانَ الشَّيْخُ يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى)
مطابقته للترجمة ظاهرة.
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن مُعلَّى بن أسد، وعن سليمان بن حرب وأبي النعمان محمد بن الفضل، وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد وزياد بن أيوب. وأخرجه النسائي فيه عن زياد بن أيوب وعن محمد بن بشار.
قوله: (فِي مَسْجِدِنَا هَذَا)، قال العيني: الظاهر أنه مسجد البصرة.
قوله: (إِنِّي لَأُصَلِّي)
стр. 452
اللام فيه للتأكيد، وهي مفتوحة.
قوله: (وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ) الواو فيه للحال، أي ليس مقصودي أداءُ فرض الصلاة، لأنه ليس وقت الفرض، أو لأني صليته، بل المقصود أن أعلمكم صلاة رسول الله ﷺ وكيفيتها. وقد استُشكٍل نفيُ هذه الإرادة لِما يلزم عنها من وجوبِ صلاةٍ بغير قُربة، ومثلُها لا يصح. وأجيبَ: بأنه لم يُرَدْ نفيُ القربة، وإنما أريد بيانُ السببِ الباعث له على الصلاة في غير وقت صلاةٍ معينةٍ جماعةً. فإن قلتَ: هل تعين التعليم عليه حتى فعل ذلك؟ يقال: يحتمل ذلك لأنه أحد من خوطب بذلك في قوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فإن قلتَ: فيه نوع التشريك في العبادة. قال العيني: لا، لأن قصده كان التعليم وليس للتشريك فيه دخل. قال شيخنا: لأنه رأى التعليمَ بالفعل أوضحَ من القول، ففيه دليلٌ على جواز مثل ذلك. انتهى.
قوله: (أُصَلِّي) زاد في باب كيف يعتَمد على الأرض عن معلى عن وهيب (وَلَكن أُرِيدُ أَنْ أُرِيكُم).
قوله: (كَيْفَ رَأَيْتُ) أي أصلي هذه الصلاة على الكيفية التي رأيت رسول الله ﷺ يصلي، وفي الحقيقة كيفَ مفعولُ فعلٍ مقدرٍ، تقديرُه: أريكم كيفَ رأيتُ، والمراد من الرؤيةِ لازمُها، وهي كيفية صلاتِه ﵇، لأن كيفية الرؤية لا يمكن أن يريَهُم إياها.
قوله: (فَقُلْتُ لِأَبِي قِلَابَةَ) القائل هو أيوب السختياني.
قوله: (مِثْلَ شَيْخِنَا هَذَا) أي عمرو بن سلمة كما سيأتي في باب اللبث بين السجدتين. قال شيخنا: وسياقه هناك أتم، ونذكر فوائده هناك إن شاء الله تعالى.
قوله: (وَكَانَ الشَّيْخُ يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ) أي قال أيوب: وكان ذلك الشيخ يتم الركوع، وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام.
قوله: (فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى) يتعلق بقوله: (مِنَ (١) السُّجُودِ) أي السجودِ الذي في الركعة الأولى، لا بقوله: (قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ)، لأن النهوض يكون منها لا فيها، ويجوز أن يكون في الركعة الأولى خبر مبتدأ محذوف، أي هو الجلوس أو هذا الحكم به كان في الركعة الأولى، ويجوز أن يكون كلمة (فِي) بمعنى: مِن. فإن قلتَ: هل جاء: في، بمعنى: مِن؟ قال العيني: نعم، كما في قول امرئ القيس:
وَهَل يَعِمَنْ مَن كان أحدثُ عَهدِه... ثَلاثِينَ شهراً في ثَلاثَة ِ أحوَالِ
أي: مِن ثلاثة أحوال. فإن قلتَ: هذه ضرورة الشاعر. قال العيني: لا ضرورة هنا لأن هذا من الطويل فلو قال: مِن، لا يختل الوزن. انتهى.
قال الشافعي محتجَّاً بهذا الحديث: إذا رفع رأسه من السجدة الثانية يجلسُ جلسةً خفيفةً ثم ينهضُ معتمداً بيديه على الأرض. وفي «التلويح» : اختلف العلماء في هذه الجلسة التي تسمى جلسةَ الاستراحة، عقيب الفراغ من الركعة الأولى والثالثة (٢)، فقال بها الشافعي في قول، وقال ابن الأثير: إنها مستحبة. وقال
стр. 453
في «الأم» : يقوم من السجدة الثانية، ولم يأمر بالجلوس. فقال بعض أصحابه: إن ذلك على اختلاف حالين إن كان كبيراً أو ضعيفاً جلس، وإلا لم يجلس. وقال بعض أصحابه: في المسألة قولان: أحدهما: لا يجلس، وبه قال أبو حنيفة ومالك والثوري وأحمد وإسحاق، وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعمر وعلي وأبي الزناد والنخعي. وقال ابن قدامة: وعن أحمد قولٌ إنه يجلس، وهو اختيار الخلال، وقيل إنه فصَّل بين الضعيف وغيره. وقال أحمد: وترْكُ الجلوس عليه أكثر الأحاديث. وقال النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ لا يجلس. قال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم. وقال أبو الزياد (١) : تلك السنة، وأجابوا عن حديث مالك بن الحويرث بأنه: يحتمل ذلك أن يكون بسبب ضعف كان به ﵇. وقال السفاقسي: قال أبو عبد الملك: كيف ذهب هذا الذي أخذ به الشافعي على أهل المدينة والنبي ﷺ ، يصلي بهم عشر سنين؟ وصلى بهم أبو بكر وعمر وعثمان والصحابة والتابعون، فأين كان يذهب عليهم هذا المذهب؟ قال الطحاوي: والنظر يوجب أنه ليس بين السجود والقيام جلوس، لأن من بيان الصلاة التكبير فيها والتحميد عند كل خفض ورفع وانتقال من حال إلى حال، فلو كان بينهما جلوس لاحتاج أن يكبِّر عند قيامه من ذلك الجلوس تكبيرة، كما يكبر عند قيامه من الجلوس في صلاته إذا أراد القيام إلى الركعة التي بعد الجلوس. انتهى.
قلتُ: لا يرجع إلى هذا ثبوتُ فعله ﵇، لذلك قال صاحب «التوضيح» : وجلسة الاستراحة ثابتة في حديث أبي حُميد الساعدي، لا كما نفاها الطحاوي، بل هي ثابتة في حديث المسيء في صلاته في البخاري. قال العيني: ما نفى الطحاوي إلا كونها سنة، وقد روى الترمذي من حديث أبي هريرة: ((أن النبي ﷺ كان ينهض في الصلاة معتمدا على صدور قدميه)). وقال الترمذي: هذا الحديث عليه العمل عند أهل العلم. فإن قلتَ: في مسنده خالد بن إياس، وقيل: إلياس ضعَّفَه البخاري والنسائي وأحمد وابن معين. قال العيني: قال الترمذي: مع ضعفه يكتب حديثه، ويقويه ما روي عن الصحابة في ذلك على ما ذكرناه. انتهى.
قلتُ: هذا الحديث لا يقاوم حديث مالك ولا حديث المسيء صلاته، وما نُقِل عن الصحابة لا يرقى في حديث أبي هريرة إلى رتبة الحديثين المذكورين، وحديث مالك اجتمع فيه القول والفعلُ، وما روي عن الصحابة فعلٌ وليس فيه قولٌ بنفي ما أثبتَه مالك بن الحويرث. انتهى. ونُقل عن ابن عمر أنه كان يعتمد عند قيامه، وفَعَلَه مسروق ومكحول وعطاء والحسن، وهو قول الشافعي وأحمد محتجَّيْنِ بهذا الحديث، وأجازه مالك في «العتبية» ثم كرهه
стр. 454
ورأت طائفةٌ أنه لا يعتمد على يديه إلا أن يكونَ شيخاً أو مريضاً، وقال ابن بطال: روي ذلك عن علي والنخعي والثوري، وكره الاعتمادَ ابنُ سيرين وقال صاحب «الهداية» : وما رواه الشافعي - وهو حديث مالك بن الحويرث - محمولٌ على فعله ﵇ بعدما كبر وأسن. قال العيني: فيه تأمل، لأن أنهى ما عُمِّر ﵇ ثلاث وستون سنة، وفي هذا القدر لا يعجز الرجل عن النهوض، اللهم إلا إذا كان لِعذرِ مرضٍ أو جراحةٍ ونحوهما. وفي «التوضيح» : وحمْلُ مالكٍ هذا الحديثَ على حالة الضعف بعيدٌ، وكذا قول من قال: أن مالك بن الحويرث رجل من أهل البادية أقام عند رسول الله ﷺ عشرين ليلة ولعله رآه فعل ذلك في صلاة واحدة لِعذر فظن أنه من سنة الصلاة أبعد وأبعد. انتهى.
وفي الحديث دليل على أنه يجوز للرجل أن يعلم غيره الصلاة والوضوء، عملاً وعياناً، كما فعل جبريل، ﵊، بالنبي ﷺ . وفيه: أن التعليم بالفعل أوضح من القول.
(٤٦) (بَابٌ: أَهْلُ العِلْمِ وَالفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ)
أي هذا باب ترجمتُه: أهل العلم والفضل أحق بالإمامة من غيرهم ممن ليس من أهل العلم، قال شيخنا: ومقتضاه أن الأعلم والأفضل أحق من العالم والفاضل، وسيأتي الكلام على ترتيب الأئمَّة بعد بابين. قال العيني: هذا التركيب لا يقتضي أصلاً هذا المعنى، بل مقتضاه أن العالم أحق من الجاهل، والفاضل أحق من غير الفاضل. انتهى. قلتُ: إنما استحق العالِم التقديمَ لأجل ما اتَّصفَ به من الزيادة في أوصافه الحميدة إذْ لا شكَّ أن الأعلمَ فيه زيادةُ وصفٍ جميلٍ على العالم، فمقتضى هذا أن يكون أحق بالإمامة، وقد قرر الفقهاءُ هذا الحكم في الفروع. انتهى. وقال شيخنا أيضاً: وذِكرُ الفضل بعد العلمِ من العام بعد الخاص. قال العيني: هذا إنما يتَمشى إذا أريد من لفظ الفضل معنى العموم، وأما إذا أريد منه معنى خاص لا يتمشى هذا على ما لا يخفى. انتهى.
٦٧٨ - قوله: (حَدَّثَني إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) أي بفتح النون وسكون الصاد المهملة: وهو إسحاق بن إبراهيم بن نصر أبو إبراهيم، وروى عنه البخاري في غير موضع من كتابه، مرةً يقول: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن نصر، ومرة يقول: حدثنا إسحاق بن نصر، فينسبه إلى جده، ترجمته في باب فضل من علم وعلَّم.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ) أي ابن علي بن الوليد الجعفي الكوفي، ترجمته (١).
قوله: (عَنْ زَائِدَةَ) أي ابن قدامة، ترجمته في باب غسل المذي والوضوء منه.
قوله: (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) أي تصغير عمرو، ابن سويد الكوفي كان معروفاً بعبد الملك القبطي، لأنه كان له فرس سابق يعرف بالقبطي، فنسب إليه، وكان على قضاء الكوفة بعد الشعبي وهو أول مَن عَبَر نهر جيحون نهر بلخ على طريق سمرقند، مات
стр. 455
سنة ست وثلاثين ومائة وعمره مائة سنة وثلاث سنين.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ) أي ابن أبي موسى، ووهِمَ مَن قال: إنه أخوه. واسمه: عامر، ترجمته في باب أيُّ الإسلام أفضل.
قوله: (عَنْ أَبِي مُوسَى) أي الأشعري، عبد الله بن قيس، ترجمته في الباب أيضاً.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد في موضعين، وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع. وفيه: القول في ثلاث مواضع، وفيه: نسبة الراوي إلى جده وهو شيخ البخاري، وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي، وفيه: أن رواته كلهم كوفيون سوى شيخ البخاري. وفيه: أن شيخه من أفراده.
قال شيخنا: والظاهر أن حديث أبي موسى من مراسيل الصحابة، ويحتمل أن يكون تلقَّاه عن عائشة أو بلال.
قوله: (قَالَ: مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))، قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، قَالَ: ((مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))، فَعَادَتْ، فَقَالَ: ((مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ))، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ .
مطابقته للترجمة ظاهرة، فإن أبا بكر أفضلُ الصحابة ﵃.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في أحاديث الأنبياء ﵈، عن الربيع بن يحيى، وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة.
قد ذكرنا أكثر معاني هذا الحديث وما يتعلق به في باب حد المريض أن يشهد الجماعة، فإنه روَى هذا الحديث هناك من حديث الأسود عن عائشة، وبَيَّنَّا هناك ما ذُكِر فيه من اختلاف الروايات.
قوله: (رَقِيقٌ) أي رقيق القلب.
قوله: (لَمْ يَسْتَطِعْ) أي من البكاء لكثرة الحزن ورقة القلب.
قوله: (فَعَادَتْ) أي: عائشة إلى مقالتها الأولى.
قوله: (فَإِنَّكُنَّ)، الخطابُ لجنس عائشة، وإلا فالقياس أن يقال: إنكِ، بلفظ المفرد.
قوله: (فَأَتَاهُ الرَّسُولُ) أي فأتى أبا بكر رسولُ النبيِّ ﷺ بتبليغ الأمر بصلاته بالناس، وكان الرسولُ هو بلال.
قوله: (فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ أي إلى أن مات، وكذا صرَّح به موسى بن عقبة في «المغازي».
فيه: دلالة على فضل أبي بكر ﵁. وفيه: أن أبا بكر صلى بالناس في حياة النبي ﷺ ، وكانت في هذه الإمامة - التي هي الصغرى - دلالة على الإمامة الكبرى.
وفيه: أن الأحق بالإمامة هو الأعلم، واختلف العلماء فيمن هو أولى بالإمامة، فقالت طائفةٌ: الأفقهُ، وبه قال أبو حنيفة ومالك والجمهور. وقال أبو يوسف وأحمد وإسحاق: الأقرأُ، وهو قول ابن سيرين وبعضِ الشافعية، ولا شك في اجتماع هذين الوصفين في حق الصِّديق، ألا ترى إلى قول أبي سعيد:
стр. 456
وكان أبو بكر أعلمَنا، ومراجعة الشارع بأنه هو الذي يصلي يدل على ترجيحه على جميع الصحابة وتفضيله. فإن قلتَ: في حديث أبي مسعودٍ البدري الثابت في مسلم: ((يؤم (١) القوم أقرؤهم لكتاب الله)) يعارض هذا؟ قال العيني: لا، لأنه لا يكاد يوجد إذ ذاك قارئ إلا وهو فقيه. انتهى. وأجاب بعضهم: بأن تقديم الأقرأ كان في أول الإسلام حين كان حفاظ الإسلام قليلاً، وقد قُدِّمَ عمرو بن سلمة وهو صغير على الشيوخ لذلك، وكان سالم يؤم المهاجرين والأنصار في مسجد قباء حين أقبلوا من مكة لعدم الحُفَّاظِ حينئذ، وقال الحنفيةُ: أولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسُّنَّة، أي بالفقه والأحكام الشرعية إذا كان يُحسِن من القراءة ما تجوز به الصلاة، وهو قول الجمهور، وإليه ذهب عطاء والأوزاعي ومالك والشافعي. وعن أبي يوسف: أقرأ الناس أولى بالإمامة، يعني: أعلمهم بالقراءة وكيفية أداء حروفها ووقوفها وما يتعلق بالقراءة، وهو أحد الوجوه عند الشافعية. وفي «االمبسوط» وغيرِه: إنما قدم الأقرأ في الحديث لأنهم كانوا في ذلك الوقت يتَلَقَّوْنَه (٢) بأحكامه، حتى روي أن ابن عمر حفظ سورة البقرة في اثني عشرة سنة، فكان الأقرأ فيهم هو الأعلم بالسنة والأحكام. وعن ابن عمر أنه قال: ما كانت تنزل السورة على رسول الله ﷺ إلا ويُعلم أمرُها ونهيُها وزجرُها وحلالُها وحرامُها، والرجل اليوم يقرأ السورة ولا يعرف من أحكامها شيئاً.
فإن قلتَ: لما كان أقرؤُهم أعلمَهم فما معنى قوله ﵇: ((فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة))، وأقرؤهم هو: أعلمهم بالسنة في ذلك الوقت لا محالة على ما قالوا؟ قال العيني: المساواة في القراءة توجيهاً في العلم في ذلك الزمان ظاهراً لا قطعاً، فجاز تصور مساواة الإثنين في القراءة مع التفاوت في الأحكام، ألا ترى أن أُبَيَّ بن كعب ﵁ كان أقرأ وابن مسعود كان أعلم وأفقه. وفي «االنهاية» : اشتغل بحفظ القرآن ستة: أبو بكر وعثمان وعلي وزيد و أُبَيَّ بن كعب وابن مسعود ﵃، وعمر ﵁ كان أعلم وأفقه من عثمان، ولكن كان يعسُر عليه حفظ القرآن، فجرى كلامه ﵇ على الأعم الأغلب.
فإن قلتَ: الكلام في الأفضلية مع الاتفاق على الجواز على أي وجه كان، وقوله ﷺ : ((فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة)) بصيغته تدل على عدم جواز إمامة الثاني عند وجود الأول، لأن صيغته صيغة إخبار، وهو في اقتضاء الوجوب آكد من الأمر، وأيضاً فإنه ذَكَره بالشرط والجزاء فكان اعتبارُ الثاني إنما كان بعد وجود الأول لا قبله. قال العيني: صيغة الإخبار لبيان الشرعية لا أنه لا يجوز
стр. 457
غيره، لقوله: ((يمسحُ (١) المقيمُ يوماً وليلةً)). ولئن سلمنا أن صيغة الإخبار محمولة على معنى الأمر، ولكن الأمر يحمل على الاستحباب لوجود الجواز بدون الاقتداء بالإجماع.
فإن قلتَ: لو كان المراد في الحديث من قوله: ((يؤم القومَ أقرؤُهم)) هو الأعلم لكان يلزم تكرار الأعلم في الحديث، ويكون التقدير: يؤم القوم أعلمهم، فإن تساووا فأعلمهم؟ قال العيني: المراد من قوله: كان أقرؤهم أعلَمهم، يعني: أعلمهم بكتاب الله دون السنة. ومن قوله: ((أعلمهم بالسنة)) أعلمهم بأحكام الكتاب والسنة جميعاً. فكان الأعلمُ الثاني غير الأعلمِ الأول.
فإن قلتَ: حديثُ أبي مسعود الذي أخرجه البخاري ومسلم: ((يؤم القوم أقرؤهم...)) الحديث، يعارضه قوله ﵇: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ)، إذْ كان فيهم من هو أقرأ منه للقرآن مثل: أُبَيٍّ وغيرِه وهو أولى. قال العيني: حديثُ أبي مسعود كان في أول الهجرة وحديثُ أبي بكر في آخر الأمر، وقد تفقهوا في القرآن، وكان أبو بكر، ﵁، أعلمَهم وأفقهَهم في كلِّ أمرِه، قال أصحابنا - أي الحنفية -: فإن تساووا في العلم والقراءة فأولاهُم أورعُهم. وفي «البدرية» : الورعُ الاجتناب عن الشبهات، والتقوَى الاجتنابُ عن المحرمات، فإن تساووا في القراءة والعلم والورع فأَسَنُّهم أولى بالإمامة لقوله ﵇: ((وليؤمكما أكبركما))، وفي «المحيط» : الأسنُّ أوْلى من الأورع وإن لم يكن فيه فسق ظاهر. وقال النووي: المراد بالسنِّ سنٌّ مضى في الإسلام، فلا يُقدَّم شيخٌ أسلم قريباً على شابٍّ نشأَ في الإسلام أو أسلم قبلَه. قال الحنفية: فإن تساوَوا في السن فأحسنُهم خُلُقَاً، وزاد بعضهم: فإن تساووا فأحسنُهم وجهاً. وفي «مختصر الجواهر» : يُرجَّح بالفضائل الشرعيةِ والخُلُقيةِ والمكانيةِ وكمالِ الصورة، كالشرف في النسبِ والسنِّ، ويُلحَقُ بذلك حسنُ اللباس. وقيل: وبصباحِيَّة الوجه وحُسْنِ الخَلْقِ وبملكِ رَقَبَةِ المكانِ أو منفعته. قال المرغيناني (٢) : المستأجِر أولى من المالك، وفي «الخلاصة» : فإن تساووا في هذه الخصال يُقرَع، أو الخيار إلى القوم. وقيل: إمامة المقيم أولى من العكس، وقال أبو الفضل الكِرماني: هما سواء، وللشافعي قولان: في القديم يُقدَّمُ الأشرف ثم الأقدم هجرة ثم الأسن، وهو الأصح. والقول الثاني: تقديمُ الأسنِّ ثم الأشرف ثم الأقدم هجرةً، وفي «التتمة» : ثم بعد الكِبَرِ والشرَف تقدم نظافة الثوب، والمراد به النظافة عن الوسخ لا عن النجاسات، لأن الصلاة مع النجاسات لا تصح، ثم بعد ذلك حسن الصوت، لأنَّ به تميل الناس إلى الصلاة خلفه فتكثر الجماعة، ثم حُسْنُ الصُّورة.
٦٧٩ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂،
стр. 458
ترجمة هؤلاء الرواة في بدء الوحي.
وفي هذا السندِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع، وفيه: العنعنة في ثلاثِ مواضع، وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع، وفيه: القول في موضعين.
قوله: (قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ)). قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَهْ إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ)) فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا)
مطابقته للترجمة ظاهرة.
هذا الحديث رواه جماعةٌ عن مالك موصولا، وهو في أكثر نسخ «الموطَّأ» مرسلاً ليس فيه عائشة. وأخرجه البخاري أيضاً في الاعتصام. وأخرجه الترمذي في المناقب عن إسحاق بن موسى عن معن. وأخرجه النسائي في التفسير عن محمد بن سلمة (١) عن ابن القاسم.
قوله: (فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ)، ويروى (لِلنَّاسِ)، وهي رواية الكُشْمِيهَني، ويروى (فَلْيُصَلِّي)، بالياء.
قوله: (مَهْ) كلمةُ بُنِيت على السكون، وهو اسم سُمِّي به الفعلُ، ومعناه: اكفف، لأنه زجرٌ فإن وَصلتَ نوَّنْتَ وقلتَ: مهٍ مهْ.
قوله: (إِنَّكُنَّ) ويروى (فَإِنَّكُنَّ) أي إن هذا الجنس هن اللاتي شوَّشْن يوسفَ وكدَّرْنَه وأوقعنه في الْمَلامة. فجُمِع باعتبار الجنس، أو لأن أقل الجمع عند طائفةٍ اثنان.
وهذين الحديثين تقدم الكلامُ على فوائدهما في باب حد المريض أن يشهد الجماعة.
٦٨٠ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) أي الحكم بن نافع الحمصي، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة، ترجمته في بدء الوحي أيضاً.
قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمد بن مسلم بن شهاب، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَخَدَمَهُ وَصَحِبَهُ) ترجمته مِن الإيمان أن يحب لأخيه.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع، وفيه: الإخبارُ بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه: العنعنةُ في موضع، وفيه: القولُ في موضعين.
قوله: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ سِتْرَ الحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ، ((فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ وَأَرْخَى السِّتْرَ فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ))).
مطابقته للترجمة في قوله (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ).
قوله (تَبِعَ النَّبِيَّ ﷺ ما ذُكِر المتبوعُ فيه ليُشعِرَ بالعموم، أي تبعه في
стр. 459
العقائد والأقوال والأفعال والأخلاق.
قوله: (وَخَدَمَهُ) أي وخدم النبي ﷺ ، إنما ذَكَر خدمته لبيان زيادة شرفه، وهو كان خادماً له عشر سنين ليلاً ونهاراً. وذَكَر صحبته معه ﵇ لأن الصحبة معه أفضلُ أحوال المؤمنين وأعلا مكاناتهم.
قوله: (يَوْمُ الِاثْنَيْنِ) بالنصب أي كان الزمان يوم الإثنين، ويجوز أن تكون كان تامةً ويكونَ (يَوْمُ الِاثْنَيْنِ) مرفوعاً.
قوله: (وَهُمْ صُفُوفٌ) جملةٌ اسمية وقعت حالاً.
وكذا قوله: (يَنْظُرُ) وقعت حالاً، ويروى (فَنَظَرَ).
قوله: (كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ) الورقة بفتح الراء والمصحف مثلثة الميم، ووجهُ التشبيه عبارةٌ عن الجمال البارع وحُسْنِ الوجه وصفاء البشرة.
قوله: (يَضْحَكُ (١)) جملةٌ وقعت حالاً تقديره (٢) : فتبسم ضاحكاً، وسبب تبسمِه فرحُه بما رأى من اجتماعهم على الصلاة واتفاق كلمتهم وإقامتهم شريعته ولهذا استنار وجهه. ويروى: (فَضَحِكَ) بفاء العطف.
قوله: (فَهَمَمْنَا) أي قصدنا.
قوله: (فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ) أي رجع.
قوله: (لِيَصِلَ الصَّفَّ) مِنَ الوُصول لا من الوَصْل. قوله (الصَّفَّ) منصوب بنزع الخافض أي إلى الصفِّ.
قوله: (فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ) ويروى: (وَتُوُفِّيَ) بالواو.
٦٨١ - قوله (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) أي بفتح الميم، عبد الله بن عمرو، ترجمته في باب قول النبي اللهم علمه الكتاب.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) أي ابن سعيد، ترجمته في الباب أيضاً.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) أي ابن صهيب، ترجمته في باب حب الرسول من الإيمان.
قوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابْنِ مَالِكٍ ﵁، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه: العنعنة في موضعٍ واحد، وفيه القول في ثلاث مواضع، وفيه أن رواته كلهم بصريون.
قوله: (قَالَ: لَمْ يَخْرُجِ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثًا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ فَتَقَدَّمُ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﵇: بِالحِجَابِ فَرَفَعَهُ، فَلَمَّا وَضَحَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ ، مَا رَأَيْنَا مَنْظَرًا كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ وَضَحَ لَنَا، فَأَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنْ يَتَقَدَّمَ، وَأَرْخَى النَّبِيُّ ﷺ الحِجَابَ، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ)
مطابقته للترجمة في قوله: (فَأَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ) لأن إشارته إليه بالتقدم أمر له بالصلاة للقوم على سبيل الخلافة، ولم يُومِ إلا إليه لكونه أعلمهم وأفضلهم.
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن أبي موسى وهارون الجمال، كلاهما عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه به.
قوله: (ثَلَاثًا) أي: ثلاثة أيام، وقد قلنا غير مرة: إن المميَّز إذا لم يكن مذكوراً جاز في لفظ العددِ التاءُ وعدمُه. وكان ابتداءُ الثلاث من حين خرج فصلى بهم قاعداً ﵇.
قوله: (فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ فَتَقَدَّمُ) ويروى (يَتَقَدَّمُ) بياءِ المضارَعة، وموقعُها حالٌ، أي فذهب متقدماً.
قوله: (فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﵇: بِالحِجَابِ فَرَفَعَهُ) أي: أخذ الحجاب فرفعه. وإجراءُ لفظِ: قال بمعنى: فَعَلَ شائعٌ في كلام العرب.
قوله: (فَلَمَّا وَضَحَ) أي: فلما ظهر وجهُ النبي ﷺ ، وقال ابن التين:
стр. 460
أي ظهر لنا بياضُه وحُسنه، لأن الوضَّاحَ عند العرب هو الأبيضُ اللونِ الحَسَنُهُ.
قوله: (مَا رَأَيْنَا) وفي رواية الكُشْمِيهَني: (مَا نَظَرْنَا).
قوله: (فَأَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ) كلمةُ (أَنْ) مصدريةٌ، أي فأومأ النبي ﷺ إلى أبي بكرٍ بِالتَّقَدُّم إلى الصلاة ليصلي بهم. قال شيخنا: قوله (فَأَوْمَأَ...) إلى آخره ليس مخالفاً لقوله في أول الحديث (فَتَقَدَّمُ أَبُو بَكْرٍ (١)) بل في السياق حذف يظهر من رواية الزهري حيث قال فيها: (فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ)، والحاصلُ أنه تَقدَّمَ ثم ظَنَّ أن النبي ﷺ يخرُجُ فتأخر فأشار إليه حينئذ أن يرجع إلى مكانه.
فائدة: وقع في حديث بن عباس في نحو هذه القصة أنه ﷺ قال لهم في تلك الحالة ألا وإني نُهيت أن أقرأ راكعاً أو ساجداً الحديث أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن معبد عنه. انتهى.
قوله: (فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ) أي على النبي ﷺ ، ويُقدَر بضم الياء وفتح الدال بلفظ المتكلم المفرد الغائب (٢) على صيغة المجهول، ويروى (فَلَمْ نَقْدِرْ) بفتح النون وكسر الدال بلفظ المتكلم، قاله الكِرماني.
قال العيني: ومما يستفاد منه: أن أبا بكر ﵁ كان خليفةً في الصلاة إلى موت النبي ﷺ ولم يعزله عنها كما زعمت الشيعة أنه عُزِلَ بخروج النبي ﷺ وتخلُّفِه وتقدُّمِ النبي ﷺ . وأن الإشارة باليد تقوم مقام الأمر في مثل هذا الموضع.
٦٨٢ - قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أي ابن يحيى أبو سعيد الجُعفي الكوفي، سكن مصر ومات بها سنة ثمان، ويقال: سبع وثلاثين ومائتين، ترجمته في باب كتابة العلم.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَني ابْنُ وَهْبٍ) أي عبد الله المصري، ترجمته في باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ) أي ابن يزيد الأَيْلي، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أي محمد بن مسلم الزهري، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
قوله: (عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن عمر بن الخطاب، أبو عمارة أخو سالم. أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ، أبوه عبد الله بن عمر. قال شيخنا: في كلام ابن بطَّال ما يوهِمُ أنه حمزة بن عمرو الأسلمي، وهو خطأ. انتهى. ترجمته في كتاب الإيمان.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضعين، وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضع، وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه: القول في ثلاث مواضع، وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده، وفيه: أن رواته ما بين كوفي وأيلي ومصري ومدني.
قوله: (قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ قِيلَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)) قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَرَأَ غَلَبَهُ البُكَاءُ، قَالَ: ((مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ)) فَعَاوَدَتْهُ، قَالَ: ((مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ، إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ))).
مطابقته