وكان أبو بكر أعلمَنا، ومراجعة الشارع بأنه هو الذي يصلي يدل على ترجيحه على جميع الصحابة وتفضيله. فإن قلتَ: في حديث أبي مسعودٍ البدري الثابت في مسلم: ((يؤم (١) القوم أقرؤهم لكتاب الله)) يعارض هذا؟ قال العيني: لا، لأنه لا يكاد يوجد إذ ذاك قارئ إلا وهو فقيه. انتهى. وأجاب بعضهم: بأن تقديم الأقرأ كان في أول الإسلام حين كان حفاظ الإسلام قليلاً، وقد قُدِّمَ عمرو بن سلمة وهو صغير على الشيوخ لذلك، وكان سالم يؤم المهاجرين والأنصار في مسجد قباء حين أقبلوا من مكة لعدم الحُفَّاظِ حينئذ، وقال الحنفيةُ: أولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسُّنَّة، أي بالفقه والأحكام الشرعية إذا كان يُحسِن من القراءة ما تجوز به الصلاة، وهو قول الجمهور، وإليه ذهب عطاء والأوزاعي ومالك والشافعي. وعن أبي يوسف: أقرأ الناس أولى بالإمامة، يعني: أعلمهم بالقراءة وكيفية أداء حروفها ووقوفها وما يتعلق بالقراءة، وهو أحد الوجوه عند الشافعية. وفي «االمبسوط» وغيرِه: إنما قدم الأقرأ في الحديث لأنهم كانوا في ذلك الوقت يتَلَقَّوْنَه (٢) بأحكامه، حتى روي أن ابن عمر حفظ سورة البقرة في اثني عشرة سنة، فكان الأقرأ فيهم هو الأعلم بالسنة والأحكام. وعن ابن عمر أنه قال: ما كانت تنزل السورة على رسول الله ﷺ إلا ويُعلم أمرُها ونهيُها وزجرُها وحلالُها وحرامُها، والرجل اليوم يقرأ السورة ولا يعرف من أحكامها شيئاً.
فإن قلتَ: لما كان أقرؤُهم أعلمَهم فما معنى قوله ﵇: ((فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة))، وأقرؤهم هو: أعلمهم بالسنة في ذلك الوقت لا محالة على ما قالوا؟ قال العيني: المساواة في القراءة توجيهاً في العلم في ذلك الزمان ظاهراً لا قطعاً، فجاز تصور مساواة الإثنين في القراءة مع التفاوت في الأحكام، ألا ترى أن أُبَيَّ بن كعب ﵁ كان أقرأ وابن مسعود كان أعلم وأفقه. وفي «االنهاية» : اشتغل بحفظ القرآن ستة: أبو بكر وعثمان وعلي وزيد و أُبَيَّ بن كعب وابن مسعود ﵃، وعمر ﵁ كان أعلم وأفقه من عثمان، ولكن كان يعسُر عليه حفظ القرآن، فجرى كلامه ﵇ على الأعم الأغلب.
فإن قلتَ: الكلام في الأفضلية مع الاتفاق على الجواز على أي وجه كان، وقوله ﷺ : ((فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة)) بصيغته تدل على عدم جواز إمامة الثاني عند وجود الأول، لأن صيغته صيغة إخبار، وهو في اقتضاء الوجوب آكد من الأمر، وأيضاً فإنه ذَكَره بالشرط والجزاء فكان اعتبارُ الثاني إنما كان بعد وجود الأول لا قبله. قال العيني: صيغة الإخبار لبيان الشرعية لا أنه لا يجوز
стр. 457
غيره، لقوله: ((يمسحُ (١) المقيمُ يوماً وليلةً)). ولئن سلمنا أن صيغة الإخبار محمولة على معنى الأمر، ولكن الأمر يحمل على الاستحباب لوجود الجواز بدون الاقتداء بالإجماع.
فإن قلتَ: لو كان المراد في الحديث من قوله: ((يؤم القومَ أقرؤُهم)) هو الأعلم لكان يلزم تكرار الأعلم في الحديث، ويكون التقدير: يؤم القوم أعلمهم، فإن تساووا فأعلمهم؟ قال العيني: المراد من قوله: كان أقرؤهم أعلَمهم، يعني: أعلمهم بكتاب الله دون السنة. ومن قوله: ((أعلمهم بالسنة)) أعلمهم بأحكام الكتاب والسنة جميعاً. فكان الأعلمُ الثاني غير الأعلمِ الأول.
فإن قلتَ: حديثُ أبي مسعود الذي أخرجه البخاري ومسلم: ((يؤم القوم أقرؤهم...)) الحديث، يعارضه قوله ﵇: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ)، إذْ كان فيهم من هو أقرأ منه للقرآن مثل: أُبَيٍّ وغيرِه وهو أولى. قال العيني: حديثُ أبي مسعود كان في أول الهجرة وحديثُ أبي بكر في آخر الأمر، وقد تفقهوا في القرآن، وكان أبو بكر، ﵁، أعلمَهم وأفقهَهم في كلِّ أمرِه، قال أصحابنا - أي الحنفية -: فإن تساووا في العلم والقراءة فأولاهُم أورعُهم. وفي «البدرية» : الورعُ الاجتناب عن الشبهات، والتقوَى الاجتنابُ عن المحرمات، فإن تساووا في القراءة والعلم والورع فأَسَنُّهم أولى بالإمامة لقوله ﵇: ((وليؤمكما أكبركما))، وفي «المحيط» : الأسنُّ أوْلى من الأورع وإن لم يكن فيه فسق ظاهر. وقال النووي: المراد بالسنِّ سنٌّ مضى في الإسلام، فلا يُقدَّم شيخٌ أسلم قريباً على شابٍّ نشأَ في الإسلام أو أسلم قبلَه. قال الحنفية: فإن تساوَوا في السن فأحسنُهم خُلُقَاً، وزاد بعضهم: فإن تساووا فأحسنُهم وجهاً. وفي «مختصر الجواهر» : يُرجَّح بالفضائل الشرعيةِ والخُلُقيةِ والمكانيةِ وكمالِ الصورة، كالشرف في النسبِ والسنِّ، ويُلحَقُ بذلك حسنُ اللباس. وقيل: وبصباحِيَّة الوجه وحُسْنِ الخَلْقِ وبملكِ رَقَبَةِ المكانِ أو منفعته. قال المرغيناني (٢) : المستأجِر أولى من المالك، وفي «الخلاصة» : فإن تساووا في هذه الخصال يُقرَع، أو الخيار إلى القوم. وقيل: إمامة المقيم أولى من العكس، وقال أبو الفضل الكِرماني: هما سواء، وللشافعي قولان: في القديم يُقدَّمُ الأشرف ثم الأقدم هجرة ثم الأسن، وهو الأصح. والقول الثاني: تقديمُ الأسنِّ ثم الأشرف ثم الأقدم هجرةً، وفي «التتمة» : ثم بعد الكِبَرِ والشرَف تقدم نظافة الثوب، والمراد به النظافة عن الوسخ لا عن النجاسات، لأن الصلاة مع النجاسات لا تصح، ثم بعد ذلك حسن الصوت، لأنَّ به تميل الناس إلى الصلاة خلفه فتكثر الجماعة، ثم حُسْنُ الصُّورة.
٦٧٩ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂،
стр. 458
ترجمة هؤلاء الرواة في بدء الوحي.
وفي هذا السندِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع، وفيه: العنعنة في ثلاثِ مواضع، وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع، وفيه: القول في موضعين.
قوله: (قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ)). قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَهْ إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ)) فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا)
مطابقته للترجمة ظاهرة.
هذا الحديث رواه جماعةٌ عن مالك موصولا، وهو في أكثر نسخ «الموطَّأ» مرسلاً ليس فيه عائشة. وأخرجه البخاري أيضاً في الاعتصام. وأخرجه الترمذي في المناقب عن إسحاق بن موسى عن معن. وأخرجه النسائي في التفسير عن محمد بن سلمة (١) عن ابن القاسم.
قوله: (فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ)، ويروى (لِلنَّاسِ)، وهي رواية الكُشْمِيهَني، ويروى (فَلْيُصَلِّي)، بالياء.
قوله: (مَهْ) كلمةُ بُنِيت على السكون، وهو اسم سُمِّي به الفعلُ، ومعناه: اكفف، لأنه زجرٌ فإن وَصلتَ نوَّنْتَ وقلتَ: مهٍ مهْ.
قوله: (إِنَّكُنَّ) ويروى (فَإِنَّكُنَّ) أي إن هذا الجنس هن اللاتي شوَّشْن يوسفَ وكدَّرْنَه وأوقعنه في الْمَلامة. فجُمِع باعتبار الجنس، أو لأن أقل الجمع عند طائفةٍ اثنان.
وهذين الحديثين تقدم الكلامُ على فوائدهما في باب حد المريض أن يشهد الجماعة.
٦٨٠ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) أي الحكم بن نافع الحمصي، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة، ترجمته في بدء الوحي أيضاً.
قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمد بن مسلم بن شهاب، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَخَدَمَهُ وَصَحِبَهُ) ترجمته مِن الإيمان أن يحب لأخيه.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع، وفيه: الإخبارُ بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه: العنعنةُ في موضع، وفيه: القولُ في موضعين.
قوله: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ سِتْرَ الحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ، ((فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ وَأَرْخَى السِّتْرَ فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ))).
مطابقته للترجمة في قوله (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ).
قوله (تَبِعَ النَّبِيَّ ﷺ ما ذُكِر المتبوعُ فيه ليُشعِرَ بالعموم، أي تبعه في
стр. 459
العقائد والأقوال والأفعال والأخلاق.
قوله: (وَخَدَمَهُ) أي وخدم النبي ﷺ ، إنما ذَكَر خدمته لبيان زيادة شرفه، وهو كان خادماً له عشر سنين ليلاً ونهاراً. وذَكَر صحبته معه ﵇ لأن الصحبة معه أفضلُ أحوال المؤمنين وأعلا مكاناتهم.
قوله: (يَوْمُ الِاثْنَيْنِ) بالنصب أي كان الزمان يوم الإثنين، ويجوز أن تكون كان تامةً ويكونَ (يَوْمُ الِاثْنَيْنِ) مرفوعاً.
قوله: (وَهُمْ صُفُوفٌ) جملةٌ اسمية وقعت حالاً.
وكذا قوله: (يَنْظُرُ) وقعت حالاً، ويروى (فَنَظَرَ).
قوله: (كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ) الورقة بفتح الراء والمصحف مثلثة الميم، ووجهُ التشبيه عبارةٌ عن الجمال البارع وحُسْنِ الوجه وصفاء البشرة.
قوله: (يَضْحَكُ (١)) جملةٌ وقعت حالاً تقديره (٢) : فتبسم ضاحكاً، وسبب تبسمِه فرحُه بما رأى من اجتماعهم على الصلاة واتفاق كلمتهم وإقامتهم شريعته ولهذا استنار وجهه. ويروى: (فَضَحِكَ) بفاء العطف.
قوله: (فَهَمَمْنَا) أي قصدنا.
قوله: (فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ) أي رجع.
قوله: (لِيَصِلَ الصَّفَّ) مِنَ الوُصول لا من الوَصْل. قوله (الصَّفَّ) منصوب بنزع الخافض أي إلى الصفِّ.
قوله: (فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ) ويروى: (وَتُوُفِّيَ) بالواو.
٦٨١ - قوله (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) أي بفتح الميم، عبد الله بن عمرو، ترجمته في باب قول النبي اللهم علمه الكتاب.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) أي ابن سعيد، ترجمته في الباب أيضاً.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) أي ابن صهيب، ترجمته في باب حب الرسول من الإيمان.
قوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابْنِ مَالِكٍ ﵁، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه: العنعنة في موضعٍ واحد، وفيه القول في ثلاث مواضع، وفيه أن رواته كلهم بصريون.
قوله: (قَالَ: لَمْ يَخْرُجِ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثًا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ فَتَقَدَّمُ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﵇: بِالحِجَابِ فَرَفَعَهُ، فَلَمَّا وَضَحَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ ، مَا رَأَيْنَا مَنْظَرًا كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ وَضَحَ لَنَا، فَأَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنْ يَتَقَدَّمَ، وَأَرْخَى النَّبِيُّ ﷺ الحِجَابَ، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ)
مطابقته للترجمة في قوله: (فَأَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ) لأن إشارته إليه بالتقدم أمر له بالصلاة للقوم على سبيل الخلافة، ولم يُومِ إلا إليه لكونه أعلمهم وأفضلهم.
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن أبي موسى وهارون الجمال، كلاهما عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه به.
قوله: (ثَلَاثًا) أي: ثلاثة أيام، وقد قلنا غير مرة: إن المميَّز إذا لم يكن مذكوراً جاز في لفظ العددِ التاءُ وعدمُه. وكان ابتداءُ الثلاث من حين خرج فصلى بهم قاعداً ﵇.
قوله: (فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ فَتَقَدَّمُ) ويروى (يَتَقَدَّمُ) بياءِ المضارَعة، وموقعُها حالٌ، أي فذهب متقدماً.
قوله: (فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﵇: بِالحِجَابِ فَرَفَعَهُ) أي: أخذ الحجاب فرفعه. وإجراءُ لفظِ: قال بمعنى: فَعَلَ شائعٌ في كلام العرب.
قوله: (فَلَمَّا وَضَحَ) أي: فلما ظهر وجهُ النبي ﷺ ، وقال ابن التين:
стр. 460
أي ظهر لنا بياضُه وحُسنه، لأن الوضَّاحَ عند العرب هو الأبيضُ اللونِ الحَسَنُهُ.
قوله: (مَا رَأَيْنَا) وفي رواية الكُشْمِيهَني: (مَا نَظَرْنَا).
قوله: (فَأَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ) كلمةُ (أَنْ) مصدريةٌ، أي فأومأ النبي ﷺ إلى أبي بكرٍ بِالتَّقَدُّم إلى الصلاة ليصلي بهم. قال شيخنا: قوله (فَأَوْمَأَ...) إلى آخره ليس مخالفاً لقوله في أول الحديث (فَتَقَدَّمُ أَبُو بَكْرٍ (١)) بل في السياق حذف يظهر من رواية الزهري حيث قال فيها: (فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ)، والحاصلُ أنه تَقدَّمَ ثم ظَنَّ أن النبي ﷺ يخرُجُ فتأخر فأشار إليه حينئذ أن يرجع إلى مكانه.
فائدة: وقع في حديث بن عباس في نحو هذه القصة أنه ﷺ قال لهم في تلك الحالة ألا وإني نُهيت أن أقرأ راكعاً أو ساجداً الحديث أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن معبد عنه. انتهى.
قوله: (فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ) أي على النبي ﷺ ، ويُقدَر بضم الياء وفتح الدال بلفظ المتكلم المفرد الغائب (٢) على صيغة المجهول، ويروى (فَلَمْ نَقْدِرْ) بفتح النون وكسر الدال بلفظ المتكلم، قاله الكِرماني.
قال العيني: ومما يستفاد منه: أن أبا بكر ﵁ كان خليفةً في الصلاة إلى موت النبي ﷺ ولم يعزله عنها كما زعمت الشيعة أنه عُزِلَ بخروج النبي ﷺ وتخلُّفِه وتقدُّمِ النبي ﷺ . وأن الإشارة باليد تقوم مقام الأمر في مثل هذا الموضع.
٦٨٢ - قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أي ابن يحيى أبو سعيد الجُعفي الكوفي، سكن مصر ومات بها سنة ثمان، ويقال: سبع وثلاثين ومائتين، ترجمته في باب كتابة العلم.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَني ابْنُ وَهْبٍ) أي عبد الله المصري، ترجمته في باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ) أي ابن يزيد الأَيْلي، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أي محمد بن مسلم الزهري، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
قوله: (عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن عمر بن الخطاب، أبو عمارة أخو سالم. أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ، أبوه عبد الله بن عمر. قال شيخنا: في كلام ابن بطَّال ما يوهِمُ أنه حمزة بن عمرو الأسلمي، وهو خطأ. انتهى. ترجمته في كتاب الإيمان.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضعين، وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضع، وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه: القول في ثلاث مواضع، وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده، وفيه: أن رواته ما بين كوفي وأيلي ومصري ومدني.
قوله: (قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ قِيلَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)) قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَرَأَ غَلَبَهُ البُكَاءُ، قَالَ: ((مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ)) فَعَاوَدَتْهُ، قَالَ: ((مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ، إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ))).
مطابقته
стр. 461
للترجمة ظاهرة.
والحديث أخرجه النسائي أيضاً في عِشرة النساء، عن صفوان بن عمرو عن بِشْر بن شعيب عن أبيه عن الزهري به.
قوله: (فِي الصَّلَاةِ) أي: في شأن الصلاة وتعيينِ الإمام.
قوله: (فَلْيُصَلِّ) ويروى: (فَلْيُصَلِّي) بالياء.
قوله: (فَعَاوَدَتْهُ) بفتح الدال وسكون التاء أي: فعاودَتْه عائشة، ويروى: (فعاودْنَه) بسكون الدال بعدها نون الجمع، وهي: عائشة ومن معها من النساء.
قوله: (فَقَالَ) ويروى (قَالَ) بدون الفاء.
قوله: (فَلْيُصَلِّ)، ويروى (فَلْيُصَلِّي) بالياء.
قوله: (تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ) أي بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة، محمد بن الوليد الحمصي أبو الهذيل. قال: أقمت مع الزهري عشر سنين بالرصافة، مات بالشام سنة ثمان وأربعين ومائة، ترجمته في باب متى يصح سماع الصبي. المعنَى: تابع الزبيديُّ يونسَ بن يزيد، ومتابعتُه هذه وصلها الطبراني في «مسند الشاميين» من طريق عبد الله بن سالم الحمصي عنه موصولاً مرفوعاً، وزاد فيه قولها: فمر عمر. وقال فيه: فراجعتْه عائشةُ ﵂.
قوله: (وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) أي محمد بن عبد الله بن مسلم، قتله غلمانه بأمر ولده في خلافة أبي جعفر، وقال الواقدي: وكان ولده سفيهاً شاطراً، قتله للميراث، فوثب غلمانه بعد سِنين فقتلوه. وصل متابعة محمد هذا ليونس ابنُ عدي من رواية الدراوردي عنه، ترجمته في باب ما يُستر من العورة.
قوله: (وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى الكَلْبِيُّ) أي: تابع يونسَ أيضاً إسحاقُ بن يحيى الكلبي الحمصي، ووصل متابعته هذه أبو بكر بن شاذان البغدادي في نسخة إسحاق بين يحي روايةَ يحيى بن صالح عنه.
قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) قال العيني: يتعلق بالثلاثة المذكورين. قال شيخنا: ظن بعضُهم - أي الكِرماني - أن قولَه عن الزهري أي موقوفاً عليه، وهو فاسد لما بيَّنَّاه. انتهى.
قوله: (وَقَالَ عُقَيْلٌ) أي بضم العين ابن خالد الأيْلي، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (وَمَعْمَرٌ) أي بفتح الميمين ابنُ راشد، ترجمته في بدء الوحي أيضاً.
قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي المتقدم.
قوله: (عَنْ حَمْزَةَ) أي المذكور معه أيضاً.
قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أشار بهذا إلى أن عقيلاً ومعمراً خالَفَا يونسَ ومَن تابعه فأرسَلا الحديث، قال الكِرماني: الفرق بين رواية الزُّبَيْدي عن الزهري وإسحاق بن يحيى، وبين رواية عُقَيل ومَعمَر أن الأولى متابعة والثانية مقاولة. قال شيخنا: ومراده بالمقاولةِ الإتيانُ فيها بصيغةِ قالَ، وليس في اصطلاح النحويين (١) صيغة مقاولة، وإنما السر في تركه عطف رواية عقيل ومعمر على رواية يونس ومن تابعه أنهما أرسلا الحديث وأولئك وصلوه، فأما رواية عقيل فوصلها الذهلي في الزهريات، وأما معمر فاختلفا عليه فرواه عبد الله بن المبارك عنه مرسلاً كذلك أخرجه ابن سعد وأبو يعلى مِن طريقه، ورواه عبد الرزاق عن معمر موصولاً لكن قال: عن عائشة، بدل قوله: عن أبيه، كذلك أخرجه مسلم وكأنه تَرجَّح عنده لكون عائشة صاحبة القصة ولقاءُ حمزة لها ممكن، وترجح الأولُ عند البخاري، لأن المحفوظ
стр. 462
في هذا عن الزهري من حديث عائشة روايتُه كذلك عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عنها. ومما يؤيده أن في رواية عبد الرزاق عن معمر متصلاً بالحديث المذكور أن عائشة قالت: لقد عاودته وما حملني على معاودته إلا أني خشيت أن يتشاءم الناس بأبي بكر. الحديث. وهذه الزيادة إنما تُحَفظ من رواية الزهري عن عبيد الله (١) عنها لا من رواية الزهري عن حمزة، وقد روى الإسماعيلي هذا الحديث عن الحسن بن سفيان عن يحيى بن سليمان شيخِ البخاري عنه مُفصَّلاً جَعل أولَه من رواية الزهري عن حمزة عن أبيه بالقدْر الذي أخرجه البخاري، وآخرَه من رواية الزهري عن عبيد الله عنها والله أعلم.
(٤٧) (بَابُ مَنْ قَامَ إِلَى جَنْبِ الإِمَامِ لِعِلَّةٍ)
أي هذا باب في بيان حكم مَن قام مِن المصلين إلى جنب الإمام لأجل علة، وإنما قال هذا لأن الأصل أن يتقدم الإمام على المأموم، ولكن للمأموم أن يقف بجنب الإمام عند وجود سبب يقتضي ذلك: أحده: هو العلة التي ذكره. والثاني: ضيق الموضع، فلا يقدر الإمام على التقدم فيكون مع القوم في الصف. والثالث: جماعة العراة فإنَّ إمامهم يقف معهم في الصف. والرابع: أن يكون مع الإمام واحد فقط يقف عن يمينه، كما فعل النبي ﷺ بابن عباس إذْ أَداره من خلفه إلى يمينِه، وبهذا يُرَدُّ على التميمي حيث حصر الجواز المذكور على صورتين فقال: لا يجوز أن يكون أحد مع الإمام في صف إلا في موضعين: أحدهما: مثلُ ما في الحديث من ضيق الموضع وعدم القدرة على التقدم. والثاني: أن يكون رجلٌ واحدٌ مع الإمام، كما فعل النبي ﷺ بابن عباس.
٦٨٣ - قوله: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى) أي ابن عمر بن حُصين، ترجمته في باب إذا لم يجد ماءً ولا تراباً في التيمم.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) أي عبد الله، ترجمته في باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) أي ابن الزبير.
قوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي عروة بن الزبير.
قوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي الصِّدِّيقة ﵂، ترجمتها هي وعروة في بدء الوحي أيضاً.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين، والإخبارِ كذلك في موضع، والعنعنةِ في موضعين، وفيه: القول في ثلاث مواضع.
قوله: (قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، قَالَ عُرْوَةُ: فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ اسْتَأْخَرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ: ((أَنْ كَمَا أَنْتَ))، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁.
مطابقته للترجمة ظاهرة.
هذا الحديث أخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن أبي بكر بن أبي
стр. 463
شيبة وأبي كريب ومحمد بن عبد الله بن نمير به، وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة به.
قوله: (قَالَ عُرْوَةُ...) إلى آخره، قال الكِرماني: من ههنا إلى آخره موقوف عليه، وهو من مراسيل التابعين ومن تعليقات البخاري، ويحتمل دخوله تحت الإسناد الأول. انتهى. قال شيخنا: هو بالإسناد المذكور، ووهِم من جعله معلقاً ثم إن ظاهره الإرسال من قوله (فَوَجَدَ...) إلى آخره لكن رواه ابن أبي شيبة عن ابن نمير بهذا الإسناد متصلاً بما قبله، وأخرجه ابن ماجه عنه وكذا (١) وصله الشافعي عن يحيى بن حسان (٢) عن حماد بن سلمة عن هشام، وكذا وصله غيرُ عروة عنها كما تقدم. انتهى.
فإن قلتَ: إذا كان الحديثُ متصلاً فلم قطعه عروة عن القدْر الأول الذي أخذه عن عائشة؟ أجيب: بأنه يحتمل أن يكون عروة أخذه عن غير عائشة، فقطع الثاني عن القدْر الأول لذلك.
قوله: (اسْتَأْخَرَ) أي: تأخر.
قوله: (أَنْ كَمَا أَنْتَ) كلمةُ ما موصولةٌ. وأنتَ مبتدأٌ وخبرُه محذوف، أي كما أنت عليه أو فيه، والكافُ للتشبيه. أي كن مشابهاً لما أنت عليه، أي يكون حالك في المستقبل مشابهاً بحالك في الماضي. ويجوز أن تكون الكاف زائدة، أي اِلزَمْ الذي أنت عليه، وهو الإمامة.
قوله: (حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ) أي: محاذياً من جهة الجنب لا من جهة القُدَّام والخلف، ولا منافاة بين قوله في الترجمة: (قَامَ إِلَى جَنْبِ الإِمَامِ)، وهنا قال: (جَلَسَ... إِلَى جَنْبِهِ)، لأن القيام إلى جنب الإمام قد يكون انتهاؤه بالجلوس في جنبه، ولا شك أنه كان قائماً في الابتداء ثم صار جالساً، أو قاس القيام على الجلوس في جواز كونه في الجنب، أو المراد: قيامُ أبي بكر لا قيام رسول الله ﷺ ، والمعنى: قام أبو بكر بجنب رسول الله ﷺ محاذياً له لا متخلفاً عنه، لغرض مشاهدة أحوال رسول الله ﷺ .
ومما يستفاد منه: جواز الإشارة المفهِمة عند الحاجة، وجواز جلوس المأموم إلى جنب الإمام عند الضرورة والحاجة. قال شيخُنا: الأصل في الإمام أن يكون متقدماً على المأموم إلا إن ضاق المكان أو لم يكن إلا مأمومٌ (٣) واحدٌ، وكذا لو كانوا عراة، وما عدا ذلك يجوز ويجزئُ ولكن تفوت الفضيلة. انتهى.
وفي الحديث إشعار بصحة صلاة المأموم وإن لم يتقدم الإمام عليه، كما هو مذهب المالكية. وأجيب: بأنه قد يكون بينهما المحاذاة مع تقدم العقِب على عقب المأموم، أو جازَ محاذاة العقبيْن لا سيما عند الضرورة أو الحاجة. وفيه: دلالة أن الأئمة إذا كانوا بحيث لا يراهم من يأتمُّ بهم جاز أن يركع المأموم بركوع المكبِّر. وفيه: أن العمل القليل لا يُفسِد الصلاة، ففي قوله: استأخر، دليل واضح أنه لم يكن عنده مستنكراً أن يتقدم الرجل عن مَقامه الذي قام فيه في صلاته ويتأخر، وذلك عملٌ في الصلاة مِن غيرها، فكلُّ ما كان نظير ذلك فَفَعله فاعلٌ في صلاته لأمرٍ دعاه إليه فذلك جائز.
(٤٨) (بَابُ مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ النَّاسَ، فَجَاءَ الإِمَامُ الأَوَّلُ، فَتَأَخَّرَ الأَوَّلُ أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ، جَازَتْ صَلَاتُهُ)
стр. 464
أي هذا بابٌ ترجمته من دخل... إلى آخره.
قوله: (الإِمَامُ الأَوَّلُ) أي الراتب.
قوله: (فَتَأَخَّرَ الأَوَّلُ) أي الذي أراد أن ينوب عن الراتب، والمعرفة إذا أعيدت إنما تكون عينَ الأُولى عند عدم القرينة الدالة على المغايَرة، وقرينةُ كونها غيرَها هنا ظاهرة، ويروى (فَتَأَخَّرَ الآخَرُ)، والمراد منه الداخل. وكلٌّ منهما أولٌ باعتبار.
قوله: (فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أي في المذكور من قوله: (فَجَاءَ الإِمَامُ (١) الأَوَّلُ، فَتَأَخَّرَ الأَوَّلُ...) إلى آخره، قال شيخنا: يشير بالسبق (٢) الأول وهو ما إذا تأخر إلى رواية عروة عنها في الباب الذي قبله حيث قال: فلما رآه استأخر، والثاني وهو ما إذا لم يستأخر إلى رواية عبيد الله عنها حيث قال: فأراد أبو بكر أن يتأخر. وقد تقدمتْ في باب حد المريض، والجوازُ مستفاد من التقرير وكلا الأمرين قد وقعا في حديث الباب.
٦٨٤ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي التنيسي.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَي مَالِكٌ) أي ابن أنس، ترجمتهما في بدء الوحي.
قوله: (عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ) أي بالحاء المهملة والزاي، واسمه سلمة، ترجمته في باب غسل المرأة أبَاها الدم.
قوله: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) أي الأنصاري، ترجمته في الباب أيضاً.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه: الإخبارُ بصيغة الإفراد، وفيه: العنعنة في موضعين، وفيه: القول في موضع واحد، وفيه: عن سهل، وفي رواية النسائي من طريق سفيان (٣) عن أبي حازم سمعت سهلاً، وفيه: أن رواته ما بين تنسي ومدني.
قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ المُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأُقِيمَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ التَفَتَ (٤)، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ))، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ)) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ التُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ))).
مطابقته للترجمة في قوله: (ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى).
وهذا الحديث أخرجه البخاري في سبعة
стр. 465
مواضع: هنا وفي الصلاة أيضاً فيما يجوز من التسبيح والحمدِ للرجال ورفعِ الأيدي فيها لأمرٍ ينزل به والإشارةِ فيها والسهو والصلح والأحكام. وأخرجه مسلم في الصلاة عن قتيبة وعن محمد بن عبد الله بن بَزِيع وعن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو دواد عن القَعْنَبي وعن عمرو بن عون، وأخرجه النسائي عن محمد بن عبد الله وعن أحمد بن عبده.
قوله: (إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) هم من ولد مالك بن الأوس والخزرج، وبنو عمرو بن عوف بطنٌ كبير من الأوس فيه عدة أحياء منهم: بنو أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، وبنو ضبيعة بن زيد، وبنو ثعلبة بن عمرو بن عوف. والسبب في ذهابه ﵇ إليهم ما رواه البخاري في الصلح من طريق محمد بن جعفر عن أبي حازم: (أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: ((اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ))). وروَى في الأحكام من طريق حماد بن زيد أن توجهه كان بعد أن صلى الظهر. وروى الطبراني من طريق عمر بن علي عن أبي حازم أن الخبر جاء بذلك وقد أذَّن بلال لصلاة الظهر.
قوله: (فَحَانَتِ الصَّلَاةُ) أي صلاة العصر، وصرَّح به في الأحكام. ولفظه: (فَلَمَّا حَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ، فَأَذَّنَ بِلَالٌ وَأَقَامَ، وَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ) ولم يبين فاعلَ ذلك، وقد أخرجه أبو داود في «سننه» بسند صحيح، ولفظه: كان قتالٌ بين بني عمرو بن عوف فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فأتاهم ليصلح بينهم بعد الظهر، فقال لبلال: ((إن حضرتْ صلاةُ العصر ولم آتك فمُرْ أبا بكر فليصل بالناس))، فلما حضرت صلاة العصر أذن بلال ثم أقام ثم أمر أبا بكر فتقدم. وعُلم من ذلك أن المراد من قوله: (فَجَاءَ المؤَذِّنُ) هو: بلال.
قال شيخنا: وأخرجه أحمد وابن حبان من رواية حماد المذكورة، ونحوُه للطبراني من رواية موسى بن محمد عن أبي حازم.
قوله: (فَقَالَ) أي المؤذن الذي هو بلال.
قوله: (أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ؟) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل التقرير، وبهذا يندفع إشكال من يقول: هذا يخالف ما ذُكِر في رواية أبي داود من قوله: ثم أمَرَ أبا بكر فتقدم. لأنه يُحمل على أنه استفهمه هل يبادر أولَ الوقت أو ينتظر قليلاً ليأتي النبيُّ ﷺ ، ورجح عند أبي بكر المبادرة، لأنها فضيلة محققة فلا تُترك لفضيلة متوهمة. قال شيخنا: وفي هذه الزيادة أي التي في رواية أبي داود رَدٌّ لما اختاره الروياني أن الإمام الراتب إذا غاب ولم يستنِبْ أحداً أنَّ الحاضرين يقدمون منهم رجلاً يؤمُهم، واحتج مِن حديث الباب بفعل أبي بكر ولم ينكر النبي ﷺ ذلك، وقد أفادت الزيادة المذكورة أنَّ النبي ﷺ عَهِد إلى بلال أن يقدم أبا بكر إذا أبطأ هو عن العادة التي كان يصلي فيها، لأن محله إذا لم يقع من الإمام الراتب استنابةٌ.
قوله: (فَأُقِيمَ) قال الكِرماني: بالرفع والنصب، وسكت على ذلك. قال العيني: وجه الرفع على أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ تقديره: فأنا أقيمُ، ووجه النصب على أنه جواب الاستفهام، والتقدير: فأن أقيمَ؟
стр. 466
قوله: (قَالَ نَعَمْ) أي قال أبو بكر: نعم أقم الصلاة، وزاد في رواية عبد العزيز (١) عن أبي حازم عن أبيه لفظة: (إِنْ شِئْتَ). وأخرج البخاري هذه الرواية في باب رفع الأيدي، ووجه هذا التفويض إليه لاحتمال أن يكون عنده زيادةُ علمٍ من النبي ﷺ في ذلك. قلت: قال علماء اللسان: نعم بفتح العين وكذا بكسرها، وهي حرفُ تصديقٍ ووعد وإعلام: فالأول: بعد الخبر كقام زيدٌ أو ما قام زيدٌ، والثاني: بعد افعل أو لا تفعل وما في معناهما نحو: أتفعل؟ وهلَاّ لم تفعل؟ وبعد الاستفهام في نحو: هل تعطيني؟ ويحتمل أن تفسر في هذا بالمعنى. والثالث: المعنيين بعد الاستفهام في نحو: هل جاءك زيد؟ ونحو: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤]، ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾؟ [الأعراف: ١١٣]. وهي في الحديث بالمعنى الثاني. انتهى.
قوله: (فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ) ليس على حقيقته، بل معناه دخل في الصلاة، ويدل عليه رواية عبد العزيز: (وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَكَبَّرَ) وفي رواية المسعودي عن أبي حازم: (فَاسْتَفْتَحَ أَبُو بَكْرٍ الصَّلَاةَ)، وهي عند الطبراني. وبهذا يجاب عن الفرق بين المقامين حيث امتنع هنا أن يستمرَّ إماماً وحيث استمر في مرض موته ﵇ حين صلى خلفه الركعة الثانية من الصبح، كما صرح به موسى بن عقبة في «المغازي» فكأنه لَمَّا أن مضى معظم الصلاة حسُن الاستمرارُ، ولما أنْ لم يمض منها إلا اليسيرُ لم يستمر، وكذا وقع لعبد الرحمن بن عوف حيث صلى النبي ﷺ خلفه الركعة الثانية من الصبح، فإنه استمر في صلاته إماماً لهذا المعنى، وقصة عبد الرحمن عند مسلم من حديث المغيرة بن شعبة.
قوله: (وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ) جملة حالية، يعني: شرعوا فيها مع شروع أبي بكر.
قوله: (فَتَخَلَّصَ) قال الكِرماني: صار خالصاً من الأشغال. قال العيني: ليس المراد هذا المعنى ههنا، بل معناه فتخلص من شق الصفوف حتى وصل إلى الصف الأول. انتهى. قال شيخنا: في رواية عبد العزيز: فجاء النبي ﷺ يمشي في الصفوف يشقها شقاً حتى قام في الصف الأول، ولمسلم: فخرَق الصفوف حتى قام عند الصف الْمُقَدَّم.
قوله: (فَصَفَّقَ النَّاسُ) بتشديد الفاء، من التصفيق. قال الكِرماني: التصفيق الضربُ الذي يُسمَع له صوت، والتصفيق باليد التصويتُ بها. انتهى. قال العيني: التصفيق هو التصفيحُ بالحاء سواءٌ صفَّق بيده أو صفح. وقيل: هو بالحاء الضربُ بظاهر اليد إحداهما على صفحة الأخرى، وهو للإنذار والتنبيه. وبالقاف: ضرب إحدى الصفحتين على الأخرى، وهو لَّلهو واللعب. وقال أبو داود: قال عيسى بن أيوب: التصفيحُ للنساء ضربٌ بإصبعين من يمينها على كفها اليسرى. وقال الداودي: في بعض الروايات: فصفَّح القوم. وإنما التصفيح للنساء. يحتمل أنهم ضربوا أكفهم على أفخاذهم. قال العيني: في رواية عبد العزيز: فأخذ الناس في التصفيح، قال سهل: أتدرون ما التصفيح؟ هو التصفيق. قال شيخنا: وهذا
стр. 467
يدل على ترادفهما عنده فلا يلتفت إلى ما يخالف ذلك، وسيأتي البحث فيه في باب مفرد إن شاء الله تعالى.
قوله: (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ (١)) وذلك لعلمه بالنهي عن ذلك. وفي صحيح ابن خزيمة: سألت عائشة النبي ﷺ عن التفات الرجل في صلاته فقال: ((هو اختلاسٌ يختلسه الشيطانُ من صلاة الرجل)). قال شيخنا: وسيأتي في بابٍ مفرد في صفة الصلاة.
قوله: (فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ) وفي رواية حماد بن زيد: (فَلَمَّا رَأَىْ التَّصْفِيْحَ لَا يُمْسَكُ عَنْهُ الْتَفَتَ).
قوله: (فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ) كلمة (أَنِ)، مصدرية، والمعنى: فأشار إليه النبي ﷺ بالْمَكث في مكانه. وفي رواية عبد العزيز: (فَأَشَاْرَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِأَنْ يُصَلِّيَ)، وفي رواية عمر بن علي: (فَدَفَعَ فِيْ صَدْرِهْ لِيَتَقَدَّمَ فَأَبَىْ).
قوله: (فَرَفَعَ (٢) أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ). ظاهرُه أنه حمِد الله بلفظه صريحاً، لكن في رواية الحميدي عن سفيان: (فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ شُكْرَاً لِلّهِ وَرَجَعَ القَهْقَرَى)، وادعى ابن الجوزي أنه أشار بالشكر والحمد بيده ولم يتكلم، وليس في رواية الحميدي ما يمنع أن يكون بلفظ، ويقوي ذلك ما رواه أحمد في رواية عبد العزيز الماجِشون عن أبي حازم: ((يا أبا بكر لم رفعت يديك؟ وما منعك أن تثبت حين أشرت إليك؟)) قال: رفعتُ يديَّ لأنِّي حمدتُ الله على ما رأيت منك. وزاد المسعودي: فلما تنحى تقدم النبي ﷺ . ونحوُه في رواية حماد بن زيد.
قوله: (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي رسول الله ﷺ من الصلاة.
قوله: (إِذْ أَمَرْتُكَ) أي حين أمرتك.
قوله: (لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ) بضم القاف وتخفيف الحاء المهملة وبعد الألف فاء، واسمه عثمان بن عامر القرشي، أسلم عام الفتح، عاش إلى خلافة عمر ﵁، ومات سنة أربع عشرة، وإنما لم يقل أبو بكر: ما لي، أو: ما لأبي بكر تحقيراً لنفسه واستصغاراً لمرتبته عند رسول الله ﷺ . وقد تقدمت ترجمته أيضاً في باب الخوخة والممر في المسجد.
قوله: (أَنْ يُصَلِّيَ). في رواية الحمَّاديْن والماجِشون: (أَنْ يَؤُمَّ النَّبِيَّ ﷺ .
قوله: (بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمراد بين يدي: القُدَّامُ. وقال الكِرماني: أو لفظُ يدي مقحم (٣). قال العيني: إذا كان لفظ: يدي مقحماً لا ينتظم المعنى على ما لا يخفى.
قوله: (أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ) ظاهرُه أن الإنكار إنما حصل عليهم لكثرته لا لمطلقه. قال شيخنا: وسيأتي البحث فيه.
قوله: (مَنْ نَابَهُ) أي من أصابه.
قوله: (فَلْيُسَبِّحْ) أي فليقل: سبحان الله، وكذا هو في رواية يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم (فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ الله) وسيأتي في باب الإشارة في الصلاة.
قوله: (التُفِتَ) بضم المثناة على صيغة المجهول وفي رواية يعقوب المذكورة: (فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ إِلَاّ الْتَفَتَ).
قوله: (وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ) وفي رواية عبد العزيز: (وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ)، زاد الحميدي: (وَالتَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ). وقد روى المصنف هذه الجملة الأخيرة مقتصرا عليها من رواية الثوري عن أبي حازم كما سيأتي في باب التصفيق للنساء،
стр. 468
ووقع في رواية حماد بن زيد بصيغة الأمر، ولفظه: (إِذَا نَابَكُمْ أَمْرٌ، فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلْيُصَفِّحِ النِّسَاءُ).
في هذا الحديث فضل الإصلاح بين الناس وجمع كلمة القبيلة وحسم مادة القطيعة، وتوجُّهُ الإمام بنفسه إلى بعض رعيته لذلك، وتقديمُ مثل ذلك على مصلحة الإمام بنفسه. واستُنبِط منه توجهُ الحاكم لسماع دعوى بعض الخصوم إذا رَجَحَ ذلك على استحضارهم.
وفيه: جواز الصلاة الواحدة بإمامين أحدُهما بعد الآخر، وأَنَّ الإمام الراتب إذا غاب يستخلف غيرَه، وأنه إذا حضر بعد أن دخل نائبُه في الصلاة يتخير بين أن يأتم به أو يؤم هو ويصيرَ النائبُ مأموماً من غير أن يقطع الصلاة، ولا يبطُل بشيءٍ من ذلك صلاةُ أحدٍ من المأمومين. وادعى ابنُ عبد البر أن ذلك من خصائص النبي ﷺ ، وادعى الإجماعَ على عدم جواز ذلك لغيره ﷺ ، ونوقض بأن الخلاف ثابت، فالصحيحُ المشهور عند الشافعية: الجوازُ، وعن ابن القاسم في الإمام يُحِدثُ فيستخلفُ ثم يرجع فيَخرُج المستخلَف ويُتِمُّ الأول: أن الصلاة صحيحةٌ. قال العيني: هذا خَرْقُ الإجماعِ السابقِ قَبْلَ هؤلاء الشافعية، وَخَرْقُ الإجماع باطل. انتهى.
وفيه: جواز إحرام المأموم قبل الإمام، وأن المرء قد يكون في بعض صلاته إماماً وفي بعضها مأموماً، وأن من أحرم منفردا ثم أقيمت الصلاة جاز له الدخول مع الجماعة من غير قطعٍ لصلاتِه، كذا استنبطه الطبري من هذه القصة، وهو مأخوذ من لازم جواز إحرام الإمام بعد المأموم. قال العيني: هذا قول غير صحيح يَرُدُّهُ قوله ﵇: ((إذا كبَّر الإمامُ فكبروا))، ولفظ البخاري: ((فإذا كبَّرَ فكبروا))، وقد رَتب تكبير المأموم على تكبير الإمام فلا يصح أن يسبقه. وقال ابن بطال: لا أعلم من يقول: إن من كبر قبل إمامه فصلاته تامة إلا الشافعي بناء على مذهبه، وهو أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام، وسائر الفقهاء لا يجيزون ذلك. انتهى. قلت: الحديث حجة على من خالفَ الشافعيَّ ﵀.
وفيه: فضل أبي بكر على جميع الصحابة، واستدل به جمع من الشرَّاح ومن الفقهاء كالروياني على أن أبا بكر كان عند الصحابة أفضلهم لكونهم اختاروه دون غيره. وعلى جواز تقديم الناس لأنفسهم إذا غاب إمامهم، قالوا: ومحل ذلك إذا أُمِنت الفتنةُ والإنكار من الإمام، وأن الذي يتقدم نيابةً عن الإمام يكون أصلحَهم لذلك الأمر وأقومَهم به، وأن المؤذن وغيره يعرِض التقدم على الفاضل، وأنَّ الفاضل يوافقُه بعد أن يعلمَ أن ذلك بِرِضَى الجماعة. انتهى. وكل ذلك مبني على أن الصحابة فعلوا ذلك بالاجتهاد وقد قدمنا أنهم إنما فعلوا ذلك بأمر النبي ﷺ .
وفيه: أن الإقامة واستدعاء الإمامِ مِن وظيفةِ المؤذن. وأنه لا يقيم إلا بإذن الإمام. وأنَّ فِعْلَ ذلك - لا سيما العصر - مِن
стр. 469
أول الوقت متقدم على انتظار الإمامِ الأفضلِ.
وفيه: أن المؤذن هو الذي يقيم وهذا السنة، فإن أقام غيرُه كان خلاف السنة. قيل: يعتد بإذنه عند الجمهور. قال العيني: وبغير إذنه أيضا يُعتَدُّ به، وإذا أقام غير المؤذن أيضاً يُعتَدُّ عندنا، لقوله ﵇ لعبد الله بن زيد حين رأى الأذان: ((ألقها على بلال فإنه أمدُّ صوتاً منك، وأقم أنت)). وقولُه ﵇: ((مَن أذَّن فهو يقيمُ)) كان في حق زياد بن الحارث الصُّدائي، وكان حديث العهد بالإسلام، أمره به لئلا يدخلَه الوحشةُ.
وفيه: جواز التسبيح والحمد في الصلاة لأنه من ذكر الله، ولو كان مرادُ المسبِّحِ إعلامُ غيره بما صدر منه، وسيأتي في باب مفرد.
وفيه: رفع الأيدي في الصلاة عند الدعاء والثناء وسيأتي كذلك.
وفيه: استحبابُ حمد الله لمن تجددتْ له نعمةٌ ولو كان في الصلاة. وأما إذا قال: الحمد لله، وأراد الجواب اختلف المشايخ في فساد صلاته. وفي «المحيط» : لو حمد الله العاطسُ في نفسه ولا يحرك لسانه عن أبي حنيفة لا تفسد، فلو حرك يفسد. وفي «فتاوى العتَّابي» : لو قال السامع: الحمد لله على رجاء الثواب من غير إرادة الجواب لا تفسد، وإذا فتح على إمامه لا تفسد، وعلى غيره تفسد. وقال ابن قدامة: قال أبو حنيفة: إن فتح على إمامه بطلت صلاته قال العيني: هذا غير صحيح. انتهى. ومذهبُ مالك والشافعي: إذا سبح لأعمى خوفَ أن يقع في بئرٍ أو دابةٍ أو حيةٍ أنه جائز.
وفيه: جواز الالتفات للحاجة، وأن مخاطبة المصلي بالإشارة أَوْلَى من مخاطبته بالعِبارة، وأنها تقوم مَقام النطق لمعاتبة النبي ﷺ أبا بكر على مخالفة إشارته، قاله ابن عبد البر (١)، وجمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسيراً. قال العيني: هذا إذا كان لحاجة، لما رَوَى سهلُ بن الحنظلية من حديث فيه: فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشِّعبِ. وقال أبو داود: كان أَرسَلَ فارساً إلى الشِّعْبِ يحرس. وقال الحاكم: سنده صحيح، وأما إذا كان لا لحاجة فإنه يكره، لما رُوي عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال الله تعالى مقبلاً على العبد وهو في صلاتِه ما لم يلتفتْ، فإذا التفَتَ انصرفَ عنه)). وعند ابن خزيمة عن ابن عباس: كان ﵇ يلتَفِتُ يميناً وشِمالًا ولا يَلوي عنقه خلفَ ظهرِه. وعند ابن خزيمة عن علي بن شيبان - وكان أحد الوفد - قال: صليتُ خلف النبي ﷺ فلَمَحَ بمؤخَّر عينه إلى رجل لا يقيم صلبَه في الركوع ولا في السجود. فإن قلتَ: روى أبو داود: ((لا صلاة لملتفت)) قال العيني: ضعَّفَه ابن القطان وغيرُه.
وفيه: جواز شقِّ الصفوفِ والمشيِ بين المصلين لقصد الوصول إلى الصف الأول، لكنَّه مقصور على من يليق ذلك به كالإمام، أو من كان بصدد أن يحتاج الإمام إلى استخلافه، أو من أراد سد فُرجة في الصف الأول أو ما يليه مع ترْكِ من يليه سدَّها، ولا يكون ذلك معدوداً من الأذى. قال المهلب: ولا تعارض بين هذا وبين النهي عن التخطي لأن النبي ﷺ
стр. 470
ليس كغيره في أمر الصلاة ولا غيرِها، لأن له أن يتقدم بسبب ما ينزل عليه من الأحكام. وأطال في تقرير ذلك، وتُعُقِّبَ بأن هذا ليس من الخصائص، وقد أشار هو إلى المعتمد في ذلك فقال: ليس في ذلك شيء من الأذى والجفاء الذي يقع في التخطي، وليس كمن شق الصفوفَ والناسُ جلوسٌ لما فيه من تخطي رقابهم. انتهى.
وفيه: الحمد والشكر على الوجاهة في الدِّين، وأن من أُكرِم بكرامةُ يتخَيَّر بين الَقبول والترك إذا فَهم أن ذلك الأمر على غير جهة اللزوم، وكأنَّ القرينة التي بيَّنَت لأبي بكرٍ ذلك هي كونه ﷺ شقَّ الصفوف إلى أن انتهى إليه فكأنه فهم من ذلك أن مراده أنَّ يؤمَّ الناسَ وأنَّ أمره إياه بالاستمرار في الإمامة من باب الإكرام له والتنويهِ بقدْره فسلك هو طريقَ الأدب والتواضع ورجَّح ذلك عنده احتمالُ نزول الوحي في حالة الصلاة لتغيير حكمٍ من أحكامها، وكان لأجل هذا لم يَتَعَقَّبْ ﵇ اعتذارَه بِرَدٍّ عليه.
وفيه: جوازُ إمامة المفضولِ للفاضلِ. وفيه: سؤال الرئيس عن سببِ مخالفة أمرِه قبل الزجر عن ذلك. وفيه: إكرامُ (١) الكبير بمخاطبته بالكنية، و [اعتماد] (٢) ذكر الرجل لنفسه بما يُشعر بالتواضع من جهة استعمال أبي بكر خطاب الغيبة مكان الحضور إذْ كان حَدُّ الكلام أن يقول أبو بكر: ما كان لي. فعَدَل عنه إلى قوله: ما كان لابن أبي قحافة، لأنه أَدَلُّ على التواضع من الأول.
وفيه: جواز العمل القليل في الصلاة، لتأخُّرِ أبي بكر عن مَقامه إلى الصف الذي يليه، وأَنَّ مَن احتاج إلى مثل ذلك يرجِع القَهقَرى ولا يستدبر (٣) القبلة ولا ينحرف عنها، واستنبط ابن عبد البر منه جواز الفتح على الإمام لأن التسبيح إذا جاز جازت التلاوة من باب الأولى.
وفيه: أن المصلي إذا نابه شيء فليسبح، أي فليقل: سبحان الله. وعن مالك: المرأةُ تُسَبِّح كالرجل، لأن كلمة (مَنْ) في الحديث تقع على الذكور والإناث. قال: والتصفيقُ منسوخٌ بقوله: (مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيُسَبِّحْ)، وأنكره بعضهم وقال: أنه لا يُختَلَف أن أول الحديث لا يَنسخ آخره، ومذهب الشافعي والأوزاعي تخصيصُ النساء بالتصفيق، وهو ظاهرُ الحديث، وفي «سنن أبي داود» : ((إذا نابَكُم شيءٌ في صلاة فلْيسبِّح الرجالُ ولْيصفح النساء)).
(٤٩) (بَابٌ: إِذَا اسْتَوَوْا فِي القِرَاءَةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ)
أي هذا باب ترجمته: إذا استووا... إلى آخره، يعني إذا استوت الحاضرون للصلاة في القراءة فليؤمهم من كان أكبر السن منهم.
قال شيخنا: هذه الترجمة مع ما سأبيِّنُه من زيادةٍ في بعض طرق حديث الباب منتَزعة من حديثٍ أخرجه مسلم من رواية أبي مسعود الأنصاري مرفوعاً: ((يؤم القومَ أقرؤُهم لكتاب الله فإن كانت قراءَتُهم سواء فلْيؤمَّهم أقدمُهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فلْيؤمَّهم أكبرهم سنَّاً...)) الحديثُ ومداره على إسماعيل بن رجاء عن أوس بن ضَمْعَجٍ عنه وليسا جميعاً مِن
стр. 471
شرط كتاب البخاري، وقد نقل ابنُ أبي حاتم في «العلل» عن أبيه أن شعبة كان يتوقف في صحة هذا الحديث، ولكن هو في الجملة يصلح للاحتجاج به عند البخاري فقد علَّق منه طرفاً بصيغة الجمع (١) كما سيأتي، واستعملَه هنا في الترجمة وأَوْرَد في الباب ما يؤدي معناه، وهو حديث مالك بن الحويرث، لكن ليس فيه التصريح باستواء المخاطَبِينَ في القراءة، وأجاب الزين بن المنير وغيره بما حاصلُه: أن تساويَ هجرتِهم وإقامتهم وعَرَضِهم بها مع ما في الشباب غالباً من الفهم، ثم توجه الخِطَاب إليهم بأنْ يُعلِّمُوا مَن وراءَهم مِن غير تخصيص بعضِهم دون بعضٍ دالٌّ على استوائهم في القراءة والتفقُّه في الدين. قال شيخنا: وقد وقع التصريحُ بذلك فيما رواه أبو داود من طريق مَسلمة بن محمد عن خالد الحَذَّاء عن أبي قلابة في هذا الحديث قال: وكنا يومئذ متقاربين في العلم. انتهى. قال: وأظن في هذه الرواية إدراجاً، فإن ابن خزيمة رواه من طريق إسماعيل بن عُليَّة عن خالد قال: قلت لأبي قِلابة: فأين القُرآن؟ قال: إنهما كانا متقاربَيْن.
وأخرجه مسلم من طريق حفص بن غياث عن خالد الحَذَّاء وقال فيه: قال الحَذَّاء: وكانا متقاربيْنِ في القراءة، ويحتمل أن يكون مستند أبي قِلابة في ذلك هو إخبار مالك بن الحويرث، كما أن مستند الحَذَّاء هو إخبار أبي قلابة، فينبغي (٢) الإدراج عن الإسناد والله أعلم.
تنبيه: ضَمْعَج والدُ أوس بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وفتح العين المهملة بعدها جيم، معناه: الغليظ.
٦٨٥ - قوله: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) ترجمته في باب من كره أن يعود في الكفر.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) ترجمته في باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا.
قوله: (عَنْ أَيُّوبَ) أي السختياني، ترجمته في باب حلاوة الإيمان.
قوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) أي عبد الله بن زيد الجرمي، ترجمته في البا أيضاً.
قوله: (عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ) ترجمته (٣) في باب تحريض النبي وفد عبد القيس في كتاب الإيمان.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه: القول في موضعين.
قوله: (قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ، فَلَبِثْنَا عِنْدَهُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ رَحِيمًا فَقَالَ: ((لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى بِلَادِكُمْ، فَعَلَّمْتُمُوهُمْ مُرُوهُمْ، فَلْيُصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ))).
مطابقته للترجمة ظاهرة، وإن لم يُذكر في الحديث صريحاً استواؤُهم في القراءة من حيثُ اقتضاءِ القصة هذا القيد، لأنهم أسلموا وهاجروا معاً، وصحبوا رسول الله ﷺ ولازموه عشرين ليلة واستووا في الأخْذِ عنه، فلم يبق مما يُقدَّم به إلا السنُّ. وقد تقدَّم حديث مالك بن الحويرث هذا في (بَابُ مَنْ قَالَ: لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ)، أخرجه عن معلى بن أسد عن وهيب عن أيوب عن أبي قِلابة عن مالك بن الحويرث قال: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي...) الحديثُ، وقد ذكرنا هناك جميع متعلقات الحديث
стр. 472
مستوفىً.
قوله: (وَنَحْنُ شَبَبَةٌ) بفتح الشين المعجمة والموحدتين، جملةٌ إسمية وقعت حالاً، زاد في الأدب من طريق ابن عُلَيَّة: (شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ) والمراد تقاربهم في السن، لأن ذلك كان في حال قدومهم. والشَّبَبَة جمع شاب.
قوله: (نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً)، وفي رواية ابن عُلَيَّة المذكورة الجزمُ به، ولفظه: (فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً) والمراد بأيامها، ووقع التصريح بذلك في روايته في خبر الواحد من طريق عبد الوهاب عن أيوب.
قوله: (رَحِيمًا فَقَالَ: لَوْ رَجَعْتُمْ) وفي رواية ابن عُلَيَّة وعبد الوهاب: (رَحِيمًا رَفِيقَاً فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا إِلَى أَهْلِنَا وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ. فَقَالَ: ارْجِعُوا). قال العيني: جواب: (لَوْ (١)) قولُه: (مُرُوهُمْ)، وقولُه: (فَعَلَّمْتُمُوهُمْ)، عطْفٌ على قولِه: (رَجَعْتُمْ)، ويجوز أن يكون جواب: (لَوْ) محذوفاً تقديرُه: لو رجعتُم لكان خيراً لكم. إنما قال ﵇ ذلك لأنه علم مِنهم أنَّهم اشتاقوا إلى أهلِهم وأولادِهم، والدليل على هذا رواية عبد الوهاب: (فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا إِلَى أَهْلِنَا...) الحديثُ. فقال ذلك على طريق الإيناس، لأن في الأمر بالرجوع بغير هذا الوجه تنفيراً، والنبي ﷺ يتحاشى عن ذلك، ثم على تقدير أن يكون جواب: (لَوْ) محذوفاً يكون قوله: (مُرُوهُمْ) استئنافاً، كأنَّ سائلاً سأل: ماذا نعلمهم؟ فقال: مروهم بالطاعات كذا وكذا، والأمرُ بها مستلزِمٌ للتعليم. انتهى.
قال شيخنا: ويمكن الجمع بين الحديثين أي في قولِه: (لَوْ رَجَعْتُمْ)، وقولِه: (ارْجِعُوا) بأن يكون عرض ذلك عليهم على طريق الإيناس بقولِه: (لَوْ رَجَعْتُمْ) فأجابوه بِنَعم فأمرهم حينئذٍ بقولِه: (ارْجِعُوا) واقتصارُ الصحابي على ذكر سبب الأمر برجوعهم بأنه الشوق إلى أهليهم دون قَصْدِ التعليم هو لِمَا قام عنده من القرينة الدالة على ذلك، ويمكن أن يكون عَرَفَ ذلك بصرائح القول منه ﷺ وإن كان سببُ تعليمِهم قومَهم أشرفُ في حقهم، لكنه أخبر بالواقع ولم يتزين بما ليس فيهم، وَلَمَّا كانت نيتُهم صادقةً صادفَ (٢) شوقُهم إلى أهلهم الحظَّ الكامل في الدين وهو: أهليةُ التعليم، كما قال الإمام أحمد في الحرص على طلب الحديثِ: حظٌّ وافَقَ حقاً.
قوله: (وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) قال العيني: يعني بالسن عند التساوي في شروط الإمامة، وإلا فالأسنُّ إذا وُجِدَ وكان فيهم من هو أصغر منه ولكنه أقرأ قدم الأقرأ، كما في حديث عمرو بن سلمة، وكان قَدَّ أَمَّ قومَه في مسجد عشيرتِه وهو صغير، وفيهم الشيوخ والكهول، ولكن قالوا: إنما كان تقديم الأقرأ في ذلك الزمان لأن كان في أول الإسلام حين كان الحفاظ قليلَا، وتقديم عمرو كان لذلك، أو نقول: لا يكاد يوجد قارئ إذ ذاك إلا وهو فقيه، وقد بسطنا القول فيه في باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة. انتهى.
قال شيخنا: ظاهر قولِه: (أَكْبَرُكُمْ) تقديم الأكبر بكثيرِ السِّن وقليله، وأمَّا مَن جوَّزَ أن يكون مراده بالكِبَر ما هو أعمُّ من السن أو القدْر كالتقدم في الفقه والقراءة والدِّين فبعيد لِمَا
стр. 473
تَقدَّم مِن فهم راوي الخبر حيث قال التابعي: فأين القراءة؟ فإنَّه دالٌّ على أنه أراد كِبَر السن، وكذا دعوى من زعم أن قوله (وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) معارَضٌ بقوله: ((يؤم القومَ أقرؤهم))، لأن الأول يقتضي تقديم الأكبر على الأقرأ، والثاني عكسُه، ثم انفصل عنه بأن قصة مالك بن الحويرث واقعةُ عينٍ (١) قابلةٌ للاحتمال بخلاف الحديث الآخر فإنه تقريرُ قاعدةٍ تفيد التعميم، قال: فيحتمل أن يكون الأكبرُ منهم كانَ يومَئذ هو الأفقه. انتهى. والتنصيصُ على تقاربهم في العلم يرُدُّ عليه فالجمع الذي قدمناه أَوْلى والله أعلم.
قلت: هو قوله: وقوله في حديث أبي مسعودٍ ((أَقْرَؤُهُمْ)) قيل: المراد به الأفقه، وقيل: هو على ظاهره، وبحسب ذلك اختلف الفقهاء: قال النووي: قال أصحابنا الأفقه مقدم على الأقرأ فإنَّ الذي يُحتاج إليه من القراءة مضبوٌط والذي يُحتاج إليه من الفقه غيرُ مضبوطٍ، فقد يَعرِض في الصلاة أمر لا يَقدِر على مراعاة الصلواتِ فيه إلا كاملُ الفقه، ولهذا قدَّم النبيُّ ﷺ أبا بكر في الصلاة على الباقين مع أنه ﷺ نصَّ على أنَّ غيرَه أقرأُ منه، كأنَّه عنى حديث أُبَيٍّ. قال: وأجابوا عن الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه، وهذا الجواب يلزم منه أنَّ مَنْ نَصَّ النبيُّ ﷺ على أنه أقرأُ من أبي بكر كان أفقهَ من أبي بكر، فيفسُد الاحتجاجُ بأنَّ تقديمَ أبا بكر كان لأنه الأفقه.
ثم قال النووي بعد ذلك: قولُه في حديث أبي مسعودٍ: ((فإن كانوا في القراءةِ سواءً فأعلمُهم بالسنةِ، فإنْ كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرةً))، يدل على تقديم الأقرأ مطلقاً. انتهى. قال شيخنا: وهذا واضحٌ للمغايَرة (٢). وهذه الرواية أخرجها مسلم أيضاً من وجه آخر عن إسماعيل بن رجاء، ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو حيث يكون عارفاً بما تتعين معرفته من أحوال الصلاة فأما إذا كان جاهلاً بذلك فلا يقدم اتفاقاً، والسبب فيه أن أهل ذلك العصر كانوا يعرفون معاني القرآن لكونهم أهلَ اللسان، فالأقرأ منهم لا بل القارئ (٣) كان أفقه في الدين من كثير من الفقهاء الذين جاؤوا بعدهم. انتهى.
(٥٠) (بَابُ إِذَا زَارَ الإِمَامُ قَوْمًا فَأَمَّهُمْ)
أي هذا باب ترجمته: إذا زار الإمام أي الإمامُ الأعظم، أو من يجري مجراه، إذا زار قوماً فأَمَّهم في الصلاة، ولم يبين حكمه. هل للإمام ذلك أم يحتاج إلى إذن القوم؟ فاكتفى بما ذُكِر في حديث الباب، فإنَّه يُشعِر بالاستئذان كما سنذكره، إن شاء الله تعالى.
وقال شيخنا: أشار بهذه الترجمة إلى أن حديث مالك بن الحويرث الذي أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه مرفوعاً: ((مَن زارَ قوماً فلا يؤمَّهم، ولْيؤمَّهم رجلٌ منهم)) محمولٌ على مَن عدا الإمامِ الأعظمِ. وقال الزين ابن المنير: مرادُه أن الإمامَ الأعظم ومن يجري مجراه إذا حضر بمكانٍ مملوكٍ لا يَتقدم عليه مالكَ الدارِ والمنفعةِ
стр. 474
ولكن ينبغي للمالك أن يأذن له ليجمع بين الحَقَّين: حقِّ الإمام في التقديم وحق المالك في منع التصرف بغير إذنه. انتهى ملخصاً. قال شيخنا: ويُحتمل أنه أشار إلى ما في حديث أبي مسعودٍ المتقدم: ((ولا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانِه، ولا يُجلَس على تَكرِمَتِه إلا بإذنه))، فإنَّ مالكَ الشيء سلطانٌ عليه، والإمام الأعظم سلطان على المالك. وقوله: ((إلا بإذنه)) يُحتمل عَودُه على الأمرين: الإمامةِ والجلوسِ، وبذلك جزم أحمدُ كما حكاه الترمذي عنه، فيَحصُلُ بالإذن مراعاةُ الجانبين. انتهى.
٦٨٦ - قوله: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ) أي أبو عبد الله المروزي نزيل البصرة، وليس هو أخاً لِمُعَلَّى بن أسد أحدِ شيوخ البخاري أيضاً، وكان معاذُ المذكور كاتباً لعبد الله بن المبارك، وهو شيخه في هذا الإسناد، وحكى عنه البخاري أنه قال في سنة إحدى وعشرين ومائتين: أنا ابن إحدى سبعين سنة، لأنه وُلِد سنة خمسين ومائة.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن المبارك، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) أي بفتح الميم، ابنُ راشد، ترجمته في البدء أيضاً.
قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمد بن مسلم بن شهاب، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلامُ على الحقيقة.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) أي بفتح الراء، أبو محمد الأنصاري. وقال أبو نعيم، عقل مَجَّةً مَجَّهَا رسول الله ﷺ في وجهه من دلو في دارهم، ذكرَه الذهبي في كتاب «تجريد الصحابة» منهم، قال العيني: وتقدم في باب المساجد في البيوت. انتهى. قلت: ذكرت قبل ذلك في باب متى يصح سماع الصبيِّ في كتاب العلم. انتهى.
قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصارِيَّ) ترجمته في باب إذا دخل بيتاً يصلي فيه حيث شاء أو حيث أُمِر.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: القول في خمس مواضع. وفيه: السماع. وفيه: رواية التابعيِّ عن الصحابيِّ والصحابيِّ عن الصحابيِّ. وفيه: أن شيخه من أفراده. وفيه: أن رواته ما بين مروزيين والبصري والمدني. قلت: وفيه العنعنة.
قوله: (قَالَ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَذِنْتُ لَهُ فَقَالَ: ((أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟)) فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى المَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ، فَقَامَ وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ فَسَلَّمْنَا)
مطابقته للترجمة في قوله: (فَقَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ...) إلى آخره، فإنه يتضمن أمرين: أحدهما: قصداً، وهو تعيين المكان من صاحب المنزل. والآخر: ضمناً، وهو الاستئذان بالإمامة.
وقد ذكرنا تعدد موضعه، ومَن أخرجه غيره في باب إذا دخل بيتاً يصلي حيث شاء، وبقية ما يتعلق به في باب المساجد في البيوت.
قوله: (وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ) بفتح الفاء الأولى وسكون الثانية، جمعُ المتكلم، ويروى: (وَصَفَّنَا) بتشديد الفاء أي: صفَّنا رسول الله ﷺ خلفه.
(٥١) (بَابٌ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ)
أي هذا باب ترجمته: إنما جعل الإمام ليؤتَمَّ أي: يُقتَدَى به، وهذه الترجمة قطعةٌ من حديث مالك من أحاديث الباب على ما يأتي إن شاء
стр. 475
الله تعالى.
قوله: (وَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ بِالنَّاسِ وَهُوَ جَالِسٌ) هذا التعليقُ تقدم مسنداً من حديث عائشة ﵂. فإن قلتَ: هذا لا دخل له في الترجمة، فما فائدة ذكره؟ أجيب: بأنه يشير به إلى أن الترجمة التي هي قطعةٌ من الحديث عامٌّ يقتضي متابعة المأمومِ الإمامَ مطلقاً، وقد لحقه دليل الخصوص، وهو حديث عائشة: فإن النبي ﷺ صلى في مرضه الذي توفي فيه وهو جالس والناس خلفه قيام، ولم يأمرهم بالجلوس. فدل على دخول التخصيصِ في عموم قوله: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ).
قوله: (وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) قلتُ: أي عبد الله، ترجمته في باب بنيَ الإسلام على خمس.
قوله: (إِذَا رَفَعَ قَبْلَ الإِمَامِ يَعُودُ، فَيَمْكُثُ بِقَدْرِ مَا رَفَعَ، ثُمَّ يَتْبَعُ الإِمَامَ) هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ عن هشيم أخبرنا حصين عن هلال بن يَساف عن أبي حَيَّان الأشجعي - وكان من أصحاب عبد الله - قال: قال عبد الله: لا تبادروا أئمتكم بالركوع ولا بالسجود، وإذا رفع أحدكم رأسه والإمام ساجد فليسجد ثم ليمكث قدر ما سبقه به الإمام.
قال شيخنا: هذا السياق أتمُّ، وكأنه أخذه من قوله ﵇: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ). ومِن قوله: (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا). وروى عبد الرزاق عن عمر نحو قولِ ابن مسعود بإسنادٍ صحيح، ولفظه: ((أيَّما رجل رَفَعَ رأسَه قبل الإمام في ركوعٍ أو سجودٍ فليضع رأسه بقدْر رفعه إياه)). قال ابن المنير: إذا كان الرافع المذكور يؤمَر عنده بقضاء القدْر الذي خرج عنه عن الإمام فأوْلَى أن يَتَّبِعَه في جملة السجودِ فلا يسجدُ حتى يسجدَ. وظهرت بها مناسبة هذا الأثر للترجمة. انتهى.
ورواه البيهقي من طريق ابن لَهِيعة، وقال البيهقي: وروينا عن إبراهيمَ والشعبي أنه يعود فيسجد. وحكى ابن سحنون عن أبيه نحوَه. قال العيني: ومذهب مالك أن مَن خفض أو رفع قبل إمامه أنه يرجع فيفعل ما دام إمامه لم يرفعْ من ذلك، وبه قال أحمد وإسحاق والحسنُ والنَّخَعِيُّ، وروي نحوه عن عمر، ﵁، وقال ابنه: من رفع أو سجد قبل إمامه لا صلاة له. وهو قول أهل الظاهر. وقال الشافعي وأبو ثور: إذا ركع أو سجد قبلَه فإن أدركه الإمامُ فيهما أساءَ وتجزيه، حكاه ابن بطال. قال العيني: ولو أدرك الإمامَ في الركوع فكبر مقتدياً (١) به ووقَفَ حتى رفع الإمام رأسه فركع لا تجزيه عندنا، خلافاً لزفر. انتهى. قلت: وعندنا إذا لم يدرك الإمام في الركوع مع الطمأنينة بعد بلوغ أقلِّه لم تُحسَب له تلك الركعة. انتهى.
قوله: (وَقَالَ الحَسَنُ) أي البصري، ترجمته في باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا في كتاب الإيمان.
قوله: (فِيمَنْ يَرْكَعُ مَعَ الإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ: يَسْجُدُ لِلرَّكْعَةِ الآخِرَةِ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الأُولَى بِسُجُودِهَا، وَفِيمَنْ نَسِيَ سَجْدَةً حَتَّى قَامَ: يَسْجُد) في قول الحسن هذا فرعان: أما الفرع الأول وهو قوله: (فِيمَنْ يَرْكَعُ) إلى قوله (بِسُجُودِهَا) فوصله ابن المنذر في كتابه «الكبير»، رواه
стр. 476
سعيد بن منصور عن هُشَيم عن يونس عن الحسن، ولفظه: في الرجل يركع يوم الجمعة فيزحَمُه الناس فلا يقدر على السجود، قال: فإذا فرغوا من صلاتهم سجد سجدتين لركعته الأولى ثم يقوم فيصلي ركعة وسجدتين. قال شيخنا: ومقتضاه أن الإمام لا يتحمل الأركان، فمَن لم يقدر على السجود معه لم تصح له الركعة.
قوله: (وَلَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ) أي لزحامٍ ونحوه، على السجود بين الركعتين، وقد فسَّره فيما رواه سعيد بن منصور بقوله: في الرجل يركع يوم الجمعة فيزْحَمُه الناس... إلى آخره. وإنما ذكر يوم الجمعة في هذا، وإن كان الحكم عامَّاً، لأن الغالب في يوم الجمعة ازدحام الناس.
قوله: (الآخِرَةِ) ويروى: (الْأَخِيرَةِ)، وإنما قال: الركعة الأولى دون الثانية لاتصال الركوع الثاني به.
وأما الفرع الثاني وهو قوله: (وَفِيمَنْ نَسِيَ سَجْدَةً حَتَّى قَامَ: يَسْجُد) فوصله بن أبي شيبة وسياقه أتمُ ولفظُه: في رجلٍ نسيَ سجدة مِن أول صلاته فلم يذكرها حتى كان آخرُ ركعةٍ من صلاته، قال: يسجد ثلاث سجدات فإن ذكرها قبل السلام يسجد سجدة واحدة، وإن ذكرها بعد انقضاء الصلاة يستأنف الصلاة. قال شيخنا: ومناسبته للترجمة من جهة أنَّ المأمومَ لو كان له أن ينفرد عن الإمام لم يستمر متابِعاً له في صلاته التي اختل بعضُ أركانها حتى يحتاجَ إلى تدارُكِه بعد فراغِ الإمام. قال العيني: وقال مالك في مسألة الزحامِ: لا يَسجُد على ظهر أحدٍ، فإنْ خالفَ يُعيد، وقال أصحابُنا - أي الحنفيةُ - والشافعيُّ وأبو ثور: يسجد ولا إعادة عليه. انتهى.
٦٨٧ - قوله: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) أي أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي الكوفي، ترجمته في باب مَن قال: الإيمان هو العمل.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) أي ابن قدامة البكري الكوفي، ترجمته في باب غسل المذي والوضوء منه.
قوله: (عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ) أي الهمداني أبو بكر الكوفي، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أي بتصغير العبد، ابن عتبة بن مسعود أبو عبد الله الهذلي أحد الفقهاء السبعة، مات سنة ثمان وتسعين (١)، ترجمته في البدء أيضاً.
قوله: (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ) أي أم المؤمنين، ترجمتها في البدء أيضاً.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: العنعنة في موضعين، وفيه: القول في ثلاث مواضع، وفيه: أن الثلاثةَ الأُوَلَ من الرواة كوفيون، وفيه: شيخُ البخاري مذكورٌ بِاسْم جدِّه.
قوله: (فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) فَقُلْنَا: لَا، يَا رَسُولَ اللهِ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، قَالَ: ((ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ)). قَالَتْ: فَقَعَدَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) قُلْنَا: لَا، يَا رَسُولَ اللهِ هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ (٢) يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي المَسْجِدِ، يَنْتَظِرُونَ
стр. 477
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِصَلَاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا -: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا العَبَّاسُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، قَالَ: أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالنَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَاعِدٌ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ (١) : فَدَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ (٢) لَهُ: أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: هَاتِ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ العَبَّاسِ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ).
مطابقته (٣) للترجمة في قوله: (فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وكون الإمام جُعِل ليؤتم به ظاهر هنا.
وهذا الحديث أخرجه البخاري فإنه أخرجه هذا الحديث مُقَطَّعاً ومطولاً ومختصراً في مواضع عديدة قد ذكرنا أكثرها. قال شيخنا: وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في باب حد المريض أن يشهد الجماعة. انتهى.
قوله: (أَلَا) للعرضِ والاستفتاحِ.
قوله (بَلَى) يعني نعم.
قوله (ثَقُلَ (٤)) بضم القاف يعني: لما اشتد مرضه. قال العيني: وقد استقصينا الكلام فيه في باب الغسل والوضوء في المخضب، وفي حد المريض أن يشهد الجماعة وغيرِهما، ونذكر هنا بعض شيء مما يحتاج إليه لسرعة الوقوف عليه.
قوله: (أَصَلَّى النَّاسُ؟) الهمزة فيه للاستفهام والاستخبار.
قوله (فَقُلْنَا: لَا) ويروى (قُلْنَا: لَا) بدون الفاء.
قوله: (وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ) الواو فيه للحال.
قوله: (ضَعُوا لِي مَاءً) باللام، وفي رواية المستملي والسرخسي: (ضَعُونِي). قال شيخنا: ورواية اللام أوجه، وكذا أخرجه مسلم عن أحمد بن يونس شيخِ البخاري فيه، ورواية النون محمولة على تضمين الوضعِ معنى الإعطاءِ أو على نزعِ الخافض أي: ضعوني في ماء. والمخضبُ: تقدم الكلام عنه في أبواب الوضوء، وأَنَّ الماء الذي اغتسل به كان من سبع قرب وذكرتُ حكمة ذلك هناك. انتهى.
قال العيني: وذهل الكِرماني ذهل عن رواية الجمهور التي هي باللام، وسَأَلَ على رواية النون فقال: القياسُ (٥) باللام لا بالنون لأن الماء مفعول وهو لا يتعدى إلى مفعولين. ثم أجاب: بأن الوضع ضُمِّن معنى الإيتاءِ، أو لفظُ الماءِ تمييزٌ عن المخضب مقدمٌ عليه إن جوَّزْنا التقديم، أو هو منصوبٌ بنزع الخافض. انتهى.
قوله: (فِي المِخْضَبِ) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الضاد المعجمة وفي آخره باء موحدة، وهو المِرْكَنُ أي الإجَانَة.
قوله (فَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ) ويروى (فَفَعَلْنَا فَقَعَدَ،
стр. 478
فَاغْتَسَلَ).
قوله: (فَذَهَبَ) بالفاء وفي رواية الكُشْمِيهَني: (ثُمَّ ذَهَبَ).
قوله: (لِيَنُوءَ) بضم النون بعدها همزة أي لينهض بجهدٍ، وقال الكِرماني: وينوء كيقوم لفظاً ومعنىً.
قوله: (فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ) فيه أن الإغماء جائز على الأنبياء، لأنه شبيهٌ بالنوم، وقال النووي: لأنه مرض من الأمراض بخلاف الجنون، فلم يجز عليهم لأنه نقص. قال العيني: العقل في الإغماء يكون مغلوباً، وفي الجنون يكون مسلوباً.
قوله (قُلْنَا: لَا) يعني لم يُصَلُّوا.
قوله (هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ) جملةٌ اسمية وقعت حالاً بلا واو وهو جائز، وقد وقع في القرآن نحوُ ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، وكذلك (هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ) الثاني.
قوله: (لِصَلَاةِ العِشَاءِ) كذا للأكثر بلام التعليل، وفي رواية المستملي والسرخسي: (الصَّلَاةَ العِشَاءَ الآخِرَةَ)، قال شيخنا: وتوجيهُه أنَّ الراوي كأنَّهُ فسر الصلاةَ المسؤولَ عنها هي العشاء الآخرة.
قوله: (عُكُوفٌ) بضم العين جمعُ العاكف، أي مجتمعون، وأصل العَكْف اللُّبْثُ ومنه الاعتكاف، لأنه لبثٌ في المسجد.
قوله: (تِلْكَ الأَيَّامَ) أي التي كان رسول الله ﷺ فيها مريضاً غيرَ قادر على الخروج.
قوله: (فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ)، كذا للكُشْمِيهَني، وللباقين (وَخَرَجَ) بالواو.
قوله: (لِصَلَاةِ الظُّهْرِ) هو صريح في أن الصلاة المذكورة كانت صلاة الظهر، وزعم بعضهم أنها الصبح، واستدل بقوله في رواية أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس: وأخذَ رسول الله ﷺ القراءة من حيث بلغ أبو بكر. هذا لفظ ابن ماجه.
قال شيخنا: وإسناده حسن لكن في الاستدلال به نظر، لاحتمال أن يكون ﷺ سمع لما قرُب من أبي بكر الآية التي كان انتهى إليها خاصة، وقد كان هو ﷺ يُسْمِع الآية أحياناً في الصلاة السرية كما سيأتي من حديث أبي قتادة، ثم لو سلم لم يكن فيه دليل على أنها الصبح بل يحتمل أن تكون المغرب فقد ثبت في الصحيحين عن أم الفضل بنت الحارث قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفاً، ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله. لفظُ البخاري. وسيأتي في باب الوفاة من آخر المغازي، لكن وجدتُ بعدُ في النَّسائي أن هذه الصلاة التي ذكرتها أم الفضل كانت في بيته، وقد صرَّح الشافعي بأنه ﷺ لم يصل بالناس في مرض موته في المسجد إلا مرةً واحدةً، وهي هذه التي صلى فيها قاعداً وكان أبو بكر فيها أولاً إماماً ثم صار مأموماً يُسمِع الناسَ التكبيرَ.
قوله: (أَجْلِسَانِي) من الإجلاس.
قوله (فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ) من القيام، كذا للأكثر. وللمستملي والسرخسي: (وَهُوَ يَأْتَمُّ) من الائتمام.
قوله: (بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ويروى: (بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قوله: (أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: هَاتِ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ العَبَّاسِ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُو (َ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) الهمزةُ للاستفهام و (لَا) للنفيِّ. قال العيني: وليس حرفَ التنبيه ولا حرفَ التخصيصِ، بل هو استفهامُ للعرض. انتهى.
فيه: دليل على أن استخلاف الإمام الراتب إذا اشتكى أولى من صلاتِه بالقومِ قاعداً لأنه ﵇ استخلف أبا بكرٍ ولم يصلِّ بهم قاعداً غيرَ مرةٍ واحدةٍ.
واستُدِلَّ به أيضاً على صحة
стр. 479
إمامة القاعدِ المعذورِ لمثله وللقائم أيضاً، وخالف مالكٌ في المشهور عنه ومحمدُ بن الحسن فيما حكاه الطحاوي، ونقل عنه أن ذلك خاصٌّ بالنبي ﷺ واحتج بحديث جابر عن الشعبي مرفوعاً: ((لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعدي جالساً))، واعترضه الشافعي فقال: قد عَلِم مَن احتج بهذا أنْ لا حجةَ فيه لأنه مرسلٌ ومن رواية رجلٍ يرغب أهلُ العلم عن الرواية عنه. يعني: جابراً الجعفي. قلتُ: قال بعض الحفَّاظ: قال أبو حنيفة: ما لقيتُ فيمن لقيتُ أكذبَ من جابرٍ الجُعفي. انتهى. وقال ابن بَزِيزَة: لو صح لم يكن فيه حجة، لأنه يحتمل أن يكون المراد منع الصلاة بالجالس، أي يعرب قوله: ((جالساً)) مفعولاً لا حالاً. وحكى عياض عن بعض مشايخه: أن الحديث المذكور يدل على نسخ الأمرِ المتقدم لهُم بالجلوس لَمَّا صَلَّوْا خلفه قياماً. وتُعُقِّبَ بأن ذلك يحتاج - لو صَحَّ - إلى تاريخٍ وهو لا يصح، لكنه زَعم أنه يُقَوَّى بأن الخلفاء الراشدين لم يفعله أحدٌ منهم.
قال: والنسخُ لا يثبت بعد النبي ﷺ ، لكنَّ مواظبتَهم على ترك ذلك تَشْهَدُ لصحة الحديث المذكور. وتُعُقِّبَ بأن عدم النقل لا يدل على (١) عدم الوقوع، ثم لو سُلِّم لا يلزم منه عدم الجواز لاحتمال أن يكونوا اكتفوا باستخلاف القادر على القيام للاتفاق على أن صلاة القاعد بالقائم مرجوحة بالنسبة إلى صلاة القائم بمثله، وهذا كافٍ في بيان سبب تركهم الإمامة من قعود. واحتَجَّ أيضاً بأنه ﷺ إنما صلى بهم قاعداً لأنه لا يصح التقدم بين يديه، لنهي الله عن ذلك، ولأن الأئمة شفعاء ولا يكون أحد شافعاً له، وتُعُقِّبَ بصلاته ﵇ خلف عبد الرحمن بن عوف وهو ثابت بلا خلافٍ، وصح أيضاً أنه صلى خلف أبي بكر كما قدمنا. قال شيخنا: والعجب أن عُمدة مالكٍ في منع إمامة القاعد قولُ ربيعةَ: أن النبي ﷺ كان في تلك الصلاة مأموماً خلف أبي بكر. وإنكارُه أن يكون ﷺ أَمَّ في مرض موته قاعداً كما حكاه عنه الشافعي في «الأم»، وكيف يَدَّعِي أصحابُه عدمَ تصويرِ أنه صلى مأموماً، وكأنَّ حديثَ إمامته المذكورَ لَمَّا كان في غاية الصحة ولم يمكنهُم (٢) ردُّه سلكوا في الانتصار (٣) وجوهاً مختلفة. وقد تَبَيَّن بصلاته خلف عبد الرحمن بن عوف أَّن المراد بمنع التقدُّمِ بين يديه في غير الإمامة، وأنَّ المراد بكون الأئمة شفعاء أي في حق من يحتاج إلى الشفاعة، ثم لو سُلِّمَ أنه لا يجوز أن يؤمَّه أحدٌ لم يدلَّ ذلك على منع إمامة القاعد، وقد أَمَّ قاعداً جماعةٌ من الصحابة بعده، منهم: أُسَيْدُ بن حُضَيْر وجابر وقيس بن قَهْد وأنس بن مالك وغيرُهم، بل ادَّعى بن حبان وغيرُه إجماعَ الصحابة على صحة إمامة القاعد كما سيأتي.
وقال أبو بكر بن العربي: لا جوابَ لأصحابنا عن حديثِ مرضِ النبي ﷺ يَخلُصُ عند الشكِّ، واتباعُ السنة أولى والتخصيصُ لا يثبت بالاحتمال. قال: إلا أني سمعت بعض الأشياخ يقول: الحالُ أحدُ وجوه التخصيصِ، وحالُ النبي ﷺ والتبركُ به وعدم العِوَضِ عنه يقتضي الصلاة معه على أي حال كان عليها وليس
стр. 480
ذلك لغيره، وأيضاً فنقصُ صلاة القاعد عن القائم لا يُتصور في حقه ويُتصور في حق غيره. والجواب عن الأول: رده بعموم قوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، وعن الثاني: بأن النقص إنما يكون في حق القادر في النافلة وأما المعذور في الفريضة فلا نقص في صلاته عن القائم.
واستُدِل به على نسخ الأمر بصلاة المأموم قاعداً إذا صلى الإمام قاعداً لكونه ﷺ أقر الصحابة على القيام خلفَه وهو قاعد، هكذا قرره الشافعي وكذا نقله المصنف في آخر الباب عن شيخه الحميدي وهو تلميذ الشافعي، وبذلك يقول أبو حنيفة وأبو يوسف والأوزاعي وحكاه الوليد بن مسلم عن مالك وأنكر أحمد نسخ الأمر المذكور بذلك.
وجَمَعَ بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين: إحداهما إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعداً لِمرضٍ يرجى برؤه فحينئذ يصلون خلفه قعوداً، ثانيهما إذا ابتدأ الإمام الراتب قائماً لزِم المأمومين أن يصلوا خلفه قياماً سواءٌ طرَأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعداً أم لا كما في الأحاديث التي في مرض موته ﷺ ، فإن تقريرَه لهم على القيام دل على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة، لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة بهم قائماً وصلَّوا معه قياماً بخلاف الحالةِ الأولى فإنه ﷺ ابتدأ الصلاة جالساً فلما صلَّوْا خلفه قياماً أنكر عليهم. ويقوِّي هذا الجمعَ أن الأصل عدمُ النسخ لا سيما وهو في هذه الحالة يستلزِمُ دعوى النسخ مرتين، لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصليَ قاعداً، وقد نُسِخ إلى القعود في حق من صلى إمامُه قاعداً، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك يقتضي وقوع النسخ مرتين وهو بعيد، وأبعد منه ما تقدم عن القاضي عياض فإنه يقتضي وقوع النسخ ثلاث مرات.
وقد قال بقول أحمدَ جماعةٌ من محدِّثي الشافعية كابن خزيمة وابنِ المنذر وابن حبان، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة أخرى منها: قولُ ابنِ خزيمة إن الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يصليَ قاعداً تبعاً لإمامِه لم يُختَلَف في صحتها ولا في سياقها وأما صلاته ﵇ قاعداً فاختُلِف فيها: هل كان إماماً أو مأموماً. قال: وما لم يُختَلفْ فيه لا ينبغي تركه لِمُختَلَفٍ فيه.
وأجيب: بدفع الاختلاف والحَملِ على أنه كان إماماً مرةً ومأموماً أخرى. ومنها: أن بعضهم جمع بين القصتين بأن الأمر بالجلوس كان للندب، وتقريرُه قيامَهم خلفَه كان لبيان الجواز، فعلى هذا إِنْ أَمَّ قاعداً لعذر تخيرَ من صلى خلفَه بين القعود ِوالقيامِ، والقعودُ أولى لثبوت الأمر بالائتمام والاتباعِ وكثرةِ الأحاديث الواردة في ذلك.
وأجاب ابن خزيمة عن استبعادِ من استبعد ذلك بأن الأمر قد صدر من النبي ﷺ بذلك واستمر عملُ الصحابة في حياته وبعده، فروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن قيس بن قَهْدٍ - بفتح القاف وسكون الهاء - الأنصاري:
стр. 481
أن إماماً لهم اشتكى على عهد رسول الله ﷺ قال: فكان يؤمُّنا وهو جالسٌ ونحن جلوس. وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن أُسَيدِ بن حُضَير: أنه كان يؤم قومَه فاشتكى فخرج إليهم بعد شكواه (١) فأمروه أن يصلي بهم فقال: إني لا أستطيع أن أصليَ قائماً، فقعَدوا فصلى بهم قاعداً وهم قعود. وروى أبو داود من وجه آخر عن أُسَيدِ بن حُضَير أنه قال: يا رسول الله إن إمامنا مريضٌ. قال: ((إذا صلى قاعداً فصلُّوا قعوداً)). وفي إسناده انقطاع. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر أنه اشتكى فحضرت الصلاة فصلى بهم جالساً (٢) وصلَّوا معه جلوسا. وعن أبي هريرة: أنه أفتى بذلك. وإسناده صحيح أيضاً.
وقد ألزم ابنُ المنذر من قال: فإنَّ الصحابي أعلمُ بتأويل ما رَوَى، فَأَن يقول بذلك، لأن أبا هريرة وجابراً رَوَيا الأمرَ المذكور واستمرَّا (٣) على العمل به والفتيا بعد النبي ﷺ ، ويلزمُ ذلك مَن قال: إن الصحابي إذا روى وعمل بخلافه أنَّ العبرة بما عمل من باب الأولى، لأنه هنا عمل بوفق ما رَوَى. وقد ادعى ابنُ حبان الإجماعَ على العمل به، وكأنه أراد السكوتيَّ، لأنه حكاه عن الأربعة الذين ذكرناهم، وقال: لا أحفظُ عن أحد من الصحابة غيرِهم القولَ بخلافه من طريقٍ صحيح ولا ضعيف.
وكذا قال ابن حزم: إنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة خلافَ ذلك، ثم نازَعَ في ثبوت كون الصحابة صلَّوْا خلفَه ﵇ وهو قاعدٌ قياماً غيرَ أبي بكر، قال: لأن ذلك لم يرِدْ صريحاً. قال شيخُنا: وأطال في ذلك بما لا طائل فيه، والذي ادعى نفيه قد أثبته (٤) الشافعيُّ وقال: إنه في رواية إبراهيم عن الأسود، ثم وجدتُه مصرَّحاً به أيضا في مصنف عبد الرزاق عن ابن جُريج أخبرني عطاء... فذَكَر الحديثَ ولفظُه: فصلى النبي ﷺ قاعداً وجعل أبا بكر بينَه وبين الناس، وصلى الناسُ وراءَه قياماً. وهذا مرسلٌ مُعتضِدٌ بالرواية التي علَّقها الشافعي عن النخعي، وهذا هو الذي يقتضيه النظر فإنهم ابتدؤوا الصلاةَ مع أبي بكر قياماً بلا نزاع، فمَن ادَّعى أنهم قعَدوا بعد ذلك فعليه البيان.
ثم رأيتُ ابنَ حِبَّان استدل على أنهم قعدوا بعدَ أن كانوا قياماً بما رواه من طريق أبي (٥) الزبير عن جابر قال: اشتكى رسولُ الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعدٌ وأبو بكر يُسمِعُ الناس التَّكبير، قال: فالتفت إلينا فرآنا قياماً فأشار إلينا فقعدنا، فلمَّا سلَّم قال: ((إن كدتم لتفعلون فعلَ فارس والروم فلا تفعلوا...)). الحديثُ. وهو حديث صحيح أخرجه مسلم، لكن ذلك لم يكن في مرض موته وإنما كان ذلك حيث سقط عن الفرس كما في رواية أبي سفيان عن جابر أيضاً قال: ركب رسول الله ﷺ فرساً بالمدينة فصرعه (٦) على جذم نخلة فانقلَبَ قدمُه... الحديثُ. قلت: الجذمُ: القطع. انتهى. أخرجه أبو داود وابن خزيمة بإسناد صحيح.
فلا حجة على هذا لِما ادعاه إلا أنه تمسُّكَ بقولِ في رواية أبي الزبير: وأبو بكر يُسمع الناس التكبيرَ. وقال: إن ذلك لم يكن إلا
стр. 482
في مرض موته، لأن صلاته في مرضه الأول كانت في مشرَبة عائشة ومعه نفر من أصحابه لا يحتاجون إلى من يُسمِعُهم تكبيرَه بخلاف صلاته في مرض موته فإنها كانت في المسجد بجمع كثيرٍ من الصحابة فاحتاج أبو بكر أن يُسمعهم التكبيرَ. انتهى. ولا رَاحة له فيما تَمسك به، لأن إسماعَ التكبير في هذا لم يتابِع أبا الزبير عليه أحدٌ، وعلى تقدير أنه حفِظه فلا مانع أن يُسمعَهم أبو بكر التكبيرَ في تلك الحالة، لأنه يُحمل على أن صوَته ﷺ كان خفياً من الوجع، وكان من عادته أن يجهَرَ بالتكبير فكان أبو بكر يجهرُ عنه بالتكبير لذلك.
ووراء ذلك كلِّه أنه أمْرٌ محتمِلٌ لا يُترَك لأجله الخبرُ الصحيح بأنهم صلوا قياماً كما تقدم في مرسل عطاء وغيرِه، بل في مرسل عطاء متصلاً به بعد قوله: وصلى الناس وراءه قياماً فقال النبي ﷺ : ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما صليتم إلا قعوداً فصلوا صلاة إمامكم ما كان، إن صلى قائماً فصلوا قياماً، وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً)). وهذه الزيادة تُقَوِّي ما قال ابن حبان: إن هذه القصة كانت في مرض النبي ﷺ الأخير.
ويستفاد منها: نسخُ (١) الأمرِ بوجوب صلاة المأمومين قعوداً إذا صلى إمامُهم قاعداً، لأنه ﷺ لم يأمرهم في هذه المرة الأخيرة بالإعادة، لكنْ إذا نُسِخ الوجوبُ بقيَ الجوازُ، والجواز لا ينافي الاستحبابَ، فيُحمل أمرُه الأخير بأن الصلاة قعوداً على الاستحباب، لأن الوجوب قد رُفِع بتقريره لهم وترْكِ أمرِهم بالإعادة، هذا مقتضى الجمع بين الأدلة وبالله التوفيق. انتهى.
قال العيني: ثم اعلم أن صلاة القائم خلف القاعد هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي ومالكٍ في روايةٍ والأوزاعي، واحتجوا في ذلك بحديث عائشة ﵂ المذكور. فإن قلتَ: روى البخاري ومسلم والأربعة عن أنس قال: ((سقط رسول الله ﷺ عن فرس...)) الحديثُ. وفيه: ((إذا صلى قاعداً فصلُّوا قعوداً))، وروى البخاري أيضاً ومسلم عن عائشة قالت: اشتكى رسول الله ﷺ فدخل عليه ناسٌ من أصحابه... الحديثُ. وفيه: ((إذا صلى جالساً فصلُّوا جلوساً)). قلتُ: هؤلاء يجعلون هذا منسوخاً بحديث عائشة المتقدم أنه صلى آخر صلاته قاعداً والناسُ خلفه قيامٌ، وأيضاً أنَّ تلك الصلوات كانت تطوعاً والتطوعات يحتمل فيها ما لا يحتمل في الفرائض، ومما يدل على ذلك ما أخرجه الترمذي عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((إياك والالتفات في الصلاة فإنه هَلَكَةٌ، فإنْ كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة)). وقال: حديث حسن. انتهى.
٦٨٨ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي التنيسي المصري.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي ابن أنس الإمام.
قوله: (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ)
قوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي عروة بن الزبير.
قوله: (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) ﵂، ترجمة هؤلاء اخمسة في بدء الوحي.
وهذا الإسنادُ فيه: التحديثُ بصيغة
стр. 483
الجمع في موضع واحد والإخبار كذلك، وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه: القول في موضعين.
قوله: (أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ))).
مطابقته للترجمة ظاهرة لأن الترجمة هي بعينها. قوله ﵇: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ).
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن قتيبة، وفي السهو عن إسماعيل. وأخرجه أبو داود في الصلاة عن القَعْنَبِي عن مالك به.
قوله: (فِي بَيْتِهِ) أي في المشرَبة التي في حجرة عائشة، كما بينه أبو سفيان عن جابر، وهو دالٌّ على أن تلك الصلاة لم تكن في المسجد، وكأنه ﷺ عجز عن الصلاة بالناس في المسجد، وكان يصلي في بيته بمن حضَر، لكنه لم يُنقل أنه استخلف، ومن ثَمَّةَ قال عياض: إنَّ الظاهر أنه صلى في حجرة عائشة وائتَمَّ به من حضر عنده ومن كان في المسجد. وهذا الذي قاله يحتمِل، ويحتمِل أيضاً أن يكون استخلف، وإن لم يُنقَل. ويلزم على الأولِ صلاةُ الإمام أعلى من المأمومين، ومذهب عياض خلافه. لكن له أن يقول: محل المنع ما إذا لم يكن مع الإمامِ في مكانه العالي أحدٌ، وهنا كان معه بعضُ الصحابة.
قوله: (وَهُوَ شَاكٍ) بتخفيف الكاف وأصله: شاكِيٌ، نحوُ: قاضٍ أصله قاضِيٌ، استُثْقِلَت الضمة على الياء فحُذِفَت، وهو من الشِّكاية وهي المرض، والمعنى هنا: شاكٍ عن مِزاجِه لانحرافِه عن الصحة. وقال ابن الأثير: الشَّكْوُ والشَّكْوى والشِّكاة والشِّكايةُ: المرض. وكأنَّ سببَ ذلك ما في (١) حديثِ أنسٍ المذكور بعده: أنه سَقَطَ عن فرس.
قوله: (فَصَلَّى جَالِسًا) أي حالَ كونه جالساً. وقال عياض: يحتمل أن يكون أصابه من السقطة رَضٌّ في الأعضاء مَنَعَهُ مِنَ القيام. ورُدَّ هذا بأنه ليس كذلك، وإنما كانت قدمه مُنفكَّةً، كما في رواية بشر بن المفضل عن حميد عن أنس عند الإسماعيلي، وكذا لأبي داود وابن خزيمة من رواية أبي سفيان عن جابرٍ قال: ركب رسول لله ﷺ فرساً بالمدينة فصرعَه على جذم نخلة فانفكت قدمُه، فأتيناه نعودُه فوجدناه في مشرَبة لعائشة... الحديثُ، وفي رواية يزيد بن حميد: جُحِشَ ساقُه أو كتفُه. وفي رواية الزهري عن أنس: جُحِشَ شِقُّه الأيمن. وأما قوله في رواية الزهري عن أنس: فجُحِشَ ساقُه أو كتفُه، كما تقدم في باب الصلاة على السطوح فلا ينافي ذلك كونَ قدمِه انفكت، لاحتمال وقوع الأمرين.
وقد تقدم تفسير الجَحْش بأنه الخَدش، والخَدش قَشْرُ الجلد، ووقع عند المصنف في باب يَهوِي بالتكبير من رواية سفيان عن الزهري: شِقُّه الأيمن، فلما خرجنا. قال ابن جريج: ساقُه الأيمن. ورواية ابن جريج (٢) أخرجها عبد الرزاق عنه وليست مصحَّفَةً كما زعم بعضُهم
стр. 484
سقط بالورد
стр. 485
سقط بالورد
стр. 486
الصلاة (١) الكلام على زيادة: اللهم قبلها، ونقل عياض عن القاضي عبد الوهاب أنه استدل به على أن حمد الإمام مقتصرٌ على قول: سمع الله لمن حمده، وأن المأموم يقتصر على قوله: ربنا لك الحمد، وليس في السياق ما يقتضي المنع، لأن السكوت عن الشيء لا يقتضي تركَ فعلِه، نعم مقتضاهُ أن المأمومَ يقولُ: ربنا لك الحمد عقِب قولِ الإمام: سمع الله لمن حمده، فأمَّم منعُ الإمام من قول: ربنا لك الحمد فليس بشيء، لأنه ثبت أنَّ النبي ﷺ كان يجمعُ بينهما كما سيأتي في باب ما يقول عند رفع رأسه من الركوع، ويأتي باقي الكلام عليه هناك.
قوله: (وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا) أي حال كونه جالسا.
قوله: (فَصَلُّوا جُلُوسًا) أي جالسين، وهو أيضا حال.
قوله: (أَجْمَعُونَ) تأكيدٌ للضمير الذي في (فَصَلُّوا)، كذا وقع بالواو في جميع الطرق في «الصحيحين»، إلا أن الرواة اختلفوا في رواية همام عن أبي هريرة فقال بعضهم: (أَجْمَعِينَ) بالياء، فوجهُه أن يكونَ منصوباً على الحال، أي جلوسا مجتمعين، أو يكونَ تأكيداً له، وقال بعضهم: يكون أيضاً على التأكيد لضميرٍ مقدر منصوب، كأنه قال: أَعْنيكُم أجمعين. قال العيني: هذا تعسف جداً، ليس في الكلام ما يصحح هذا التقدير. انتهى.
فيه: جواز صلاة القائمين وراء الجالس، وقد مر الكلام فيه مستوفى عن قريب.
وفيه: وجوب متابعة المأمومِ الإمامَ حتى في الصحة والفساد، قاله العيني على مقتضى مذهبه، وقال الشافعي: يُتبَع في الموافقة لا في الصحة والفساد. وقد مرَّ البحثُ فيه عن قريب.
الثالث: استدل أبو حنيفة بقوله: (وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) على أن وظيفة الإمام التسميعُ ووظيفةَ المقتدي التحميدُ، لأنه ﵇ قَسَم، والقسمةُ تنافي الشركة، وبه قال مالك وأحمد في رواية، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد في رواية: يأتي الإمام بهما. قال العيني: والحديث حجة عليهم. انتهى. قلتُ: ليس فيه حجة، وقد تقدم البحث منه عن قريب. انتهى. وأما المؤتمُّ قال العيني: فلا يقول إلا: ربنا ولك الحمد، ليس إلا عندنا، وقال الشافعي ومالك: يجمع بينهما. انتهى.
٦٨٩ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي التنيسي.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي الإمام، ترجمتهما في بدء الوحي.
قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
قوله: (عَنْ أَنَسِ) أي ابنِ مَالِك، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع والإخبار كذلك، وفيه: العنعنة في موضعين، وفيه: القولُ في موضع، وفيه: عن أنس، وفي رواية شعيب عن الزهري: أخبرني أنس.
قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا، فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا
стр. 487
رَكَعَ، فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ))).
مطابقته للترجمة مثلُ ما ذكرنا في الحديث الذي قبله.
قوله: (رَكِبَ فَرَسًا) بفتح الفاء والراء. قلتُ: هو الحيوان الصاهل وله خواصٌّ منها: أن المرأة إذا سُقيت من لبنه ولم تعلم أنه لبن فرس وواقعها زوجُها حملت في ساعتها، ومنها: أنه إذا أخذت شعرةً من ذنب فرس وجُعِلت على باب بيتٍ ممدودةً لم يدخله بَقٌّ ما دامت ممدودةً عليه، فهذه فائدتان إحداهما لِجلبِ نفعٍ والأخرى لدفع ضرر، وأنتَ إذا تأملتَ حالَ الفرس رأيتَه لجلب نفعٍ أو دفعِ ضرر. انتهى.
قوله: (فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ) وفي رواية سفيان عن الزهري: (فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ)، وكذا في رواية حميد عن أنس عند الإسماعيلي. وقال القرطبي: اللام للعهد ظاهراً، والمراد الفرضُ لأن المعهود من عادتهم اجتماعُهم للفرض بخلاف النافلة، وحكى عياض عن ابن القاسم: أن هذه الصلاة كانت نفلاً. قال شيخنا: وتُعُقِّبَ: بأن في رواية جابر عند ابن خزيمة وأبي داود الجزمُ بأنها فرضٌ كما سيأتي، لكن لم أقف على تعيينها إلا في حديث أنس: فصلى بنا يومئذ. فكأنها نهاريَّةُ الظهر أو العصر. انتهى. قال العيني: لا ظاهر هنا يدل على ما ادَّعاه وَلِمَ لا يجوز أن تكون التي صلى بهم يومئذ نفلاً. انتهى. قلتُ: ظهورُ كونها فرضاً ثابتٌ من جزم روايةِ ابن خزيمة وأبي داود وتعليلِ القرطبي فلا وجه لنفيِ الظهورِ والله أعلم. انتهى.
قوله: (فَجُحِشَ) بجيم مضمومة ثم حاءٍ مهملة مكسورة أي: خُدِشَ، وهو أن يتقشَّر جِلدُ العضو.
قوله: (فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا) أي حال كوننا قاعدين. ظاهرُه يخالف حديث عائشة، لأن فيه: (فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا). وفي الجمع بينهما وجوه: الأول: أنَّ في رواية أنس اختصاراً وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس. الثاني: ما قاله القرطبي وهو أنه: يحتمل أن يكون بعضُهم قعد من أول الحال، وهو الذي حكاه أنس، وبعضُهم قام حتى أشار إليه بالجلوس، وهو الذي حكته عائشة.
قال شيخنا: وتُعُقِّبَ باستبعاد قعودِ بعضِهِم بغير إذنِه ﷺ لأنه يستلزم النسخ بالاجتهاد، ولأن فرضَ القادر في الأصلِ القيامُ. انتهى. الثالث: ما قاله قومٌ وهو احتمال تعدد الواقعة، وقال شيخنا: وفيه بُعْدٌ لأن حديث أنسٍ إن كانت القصةُ سابقةً لزم منه ما ذكرنا من النسخِ بالاجتهاد، وإن كانت متأخرةً لم يُحَتج إلى إعادة قولِه: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ...) إلى آخره، لأنهم قد امتثلوا أمره السابق وصلَّوْا قعوداً لكونه قاعداً. انتهى.
قال العيني: البُعد في الوجهين الأوَّلين، والوجه الثالث هو القريب، ويدل عليه ما وقع في رواية أبي داود عن جابر: أنهم دخلوا يعودونه مرتين، فصلى بهم فيهما. وبيَّنَ أنَّ الأولى كانت نافلةً وأقرَّهُم على القيام وهو جالس، والثانية كانت فريضةً وابتدأوا قياماً فأشار إليهم بالجلوس. وفي رواية بشر عن حميد
стр. 488
عن أنس نحوُه عند الإسماعيلي.
قوله: (وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا) استُدِلَّ به على صحة إمامة الجالس كما تقدم، وادَّعى بعضُهم أن المراد بالأمر أن يقتدي به في جلوسه في التشهد وبين السجدتين لأنه ذَكَرَ ذلك عقب ذكر الركوع والرفع عنه والسجود، قال: فيُحمل على أنه لما جلس للتشهد قاموا تعظيماً له فأمرهم بالجلوس تواضعاً، وقد نبه على ذلك بقوله في حديث جابر: ((إنْ كدتم آنفاً تفعلون فعلَ فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا)). وتعقَّبَه ابن دقيق العيد وغيرُه بالاستبعاد وبأنَّ سياق طرق الحديث تأباه وبأَّنهُ لو كان المراد الأمرُ بالجلوس في الركن لقال: وإذا جلستُ فاجلسوا، لتُناسب قوله: ((وإذا سجد فاسجدوا))، فلما عَدَل عن ذلك إلى قوله: (وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا) كان كقوله: (وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا) والمراد بذلك جميعُ الصلاة. ويؤيد ذلك قولُ أنس: فصلينا وراءه قعوداً.
قوله (أَجْمَعُونَ) تقدم الكلام عليه آنفاً.
فيه من الفوائد غير ما تقدم في الحديث السابق: مشروعيةُ ركوب الخيل والتدرب على أخلاقها. واستحبابُ التأسي إذا حصل له منها سقوطٌ أو غيرُه أو غيرُ ذلك بما اتَّفَقَ للنبي ﷺ في هذه الواقعة. وبه الأسوة الحسنة. وفي ذلك أنه يجوز على النبيِّ ﷺ ما يجوزُ على البَشَر من الأسقام ونحوِها من غير نقصٍ في مقدارِه بذلك بل ليزداد قدرُه رِفْعَةً ومنصبُه جلالة عليه أفضل الصلاة والسلام.
قوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أي البخاري ﵀، ترجمته في مقدمة هذا الشرح.
قوله: (قَالَ الحُمَيْدِيُّ) أي عبد الله بن الزبير بن عيسى ابن عبيد الله بن حميد القرشي الأسدي المكي، ويكنى أبا بكر، وهو شيخ البخاري ومن أفراده وتلميذُ الشافعي ﵀، مات سنة تسع عشر ومائتين، قلتُ: تقدمت ترجمته في بدء الوحي. انتهى.
قولُه: (قَوْلُهُ: ((إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا)) هُوَ فِي مَرَضِهِ القَدِيمِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ، لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالقُعُودِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ، مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ قد تقدم أنه يُفهم من هذا ميلُ البخاري إلى ما قاله الحميدي ومذهب الأئمة.
قال ابن حبان - كما تقدم بعضُه وتعقبه شيخنا بعد أن روى حديث عائشة المذكور -: في هذا الخبر بيانٌ واضحٌ أنَّ الإمام إذا صلى قاعداً كان على المأمومين أن يصلوا قعوداً، وأفتى به من الصحابة جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن قَهْدٍ، ولم يُرْوَ عن غيرهم من الصحابة خلافُ هذا بإسناد متصل ولا منقطع، فكان إجماعاً، والإجماع عندنا إجماع الصحابة. وقد أفتى به من التابعين أيضاً، وأولُ من أبطل ذلك من الأئمة المغيرةُ بن مقسم، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ثم أخذه عنه أبو حنيفة ثم عنه أصحابه، وأعلى حديثٍ احتجوا به حديثٌ رواه جابر الجعفي
стр. 489
عن الشعبي، وهو قوله ﵇: ((لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعدي جالساً))، وهذا لو صح إسناده لكان مرسلاً، والمرسل عندنا وما لم يُروَ سِيَّان، لأنَّا لو قبلنا إرسال تابعيٍّ وإن كان ثقة لَلَزِمَنا قَبول مثله عن أتْباع التابعين، ويؤدي ذلك إلى أن يُقبل من كل أحد إذا قال: قال رسول الله ﷺ . وفي هذا نقض (١) الشريعة، والعجب أن أبا حنيفة يجرح جابراً ويكذِّبه، ثم لما اضطره الأمر جعل يحتج بحديثه، وذلك كما أخبرنا به الحسين بن يزيد القطان بالرَّقة حدثنا أحمد بن أبي الحوراء سمعت أبا يحيى الجُمَّاني سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيتُه بشيء إلا جاءني فيه بحديث.
قال العيني: أما إنكاره النسخ فليس له وجه لأنَّ الذي يجب به العمل هو ما استقرَّ عليه آخرُ الأمرين منه ﵇ صلاتُه قاعداً والناس وراءَه قيامٌ دلَّ على أنَّ ما كان قبلَه من ذلك مرفوعُ الحكم.
وأما قوله: أفتى به من الصحابة جابر وغيره، فقد قال الشافعي: إنهم لم يبلغهم النسخ، وعلم الحاجة يوجد عند بعض ويعزب عن بعض، وأما قوله: والإجماع إجماع الصحابة، فغير مُسَلَّم، لأن الأدلة غير فارقة بين أهل عصر بل يتناول لكل أهل عصر كتناولها لأهل عصر الصحابة، إذْ لو كان خطاباً للموحِّدِين وقتَ النزول فقط يلزم أن لا ينعقد إجماع الصحابة بعد موت من كان موحِّداً وقت النزول، لأنه حينئذ لا يكون إجماعُهم أجماعَ جميع المخاطبين وقت النزول، ويلزم أن لا يُعتَدَّ بخلاف من أسلم أو وُلِد من الصحابة بعد النزول لكونهم خارجين عن الخطاب، وقد اتفقتم معنا على إجماع هؤلاء فلا يختص بالمخاطَبين، والخطاب لا يختص بالموجودين كالخطاب بسائر التكاليف، وهذا الذي قاله ابن حبان هو من مذهب داودَ وأتباعِه.
وأما قوله: والمرسل عندنا وما لم يُرْوَ سِيَّان... إلى آخره، فغير مسَلَّم أيضاً لأن إرسال العدل من الأئمة تعديلٌ له، إذْ لو كان غيرَ عدل لوجب عليه التنبيهُ على جرحه والإخبارُ عن حاله، فالسكوت بعد الرواية عنه يكون تلبيساً أو تحميلاً للناس على العمل مِمَّا ليس بحجة، والعدلُ لا يُتَّهَم بمثل ذلك، فيكون إرساله توثيقاً (٢) له، لأنه يُحتمل أنه كان مشهوراً عنده فروى عنه بناءً على ظاهر حاله، وفوَّض تعريف حالِه إلى السامع حيث ذَكَرَ اسمَه. وقد استدل بعضُ أصحابنا لقَبول المرسل باتفاق الصحابة، فإنهم اتفقوا على قبول روايات ابن عباس مع أنه لم يسمع من النبي ﷺ إلا أربعَ أحاديث لصغر سنه كما ذكره الغزالي، أو بضعَ عشر حديثاً كما ذكره شمس الأئمة السرَخْسي. وقال ابن سيرين: ما كنا نسند الحديث إلى أن وقعت الفتنة، وقال بعضهم: رد المراسيل بدعة حادثة
стр. 490
بعد المائتين، والشعبي والنخعي من أهل الكوفة، وأبو العالية والحسن من أهل البصرة، ومكحول من أهل الشام كانوا يرسلون، ولا يُظن بهم إلا الصدق، فدلَّ على كون المرسل حجةً. نعم، الاختلافُ في مراسيل من دونَ القرن الثاني والثالث، فعند أبي الحسن الكرخي: يُقبَل إرسالُ كلِّ عدل في كل عصر، لأن العلة الموجبة لقَبول المراسيل في القرون الثلاثة وهي: العدالة والضبط، تشمل سائر القرون، فبهذا التقدير انتقض قوله: وفي هذا نقض الشريعة.
وأما قوله: والعجب من أبي حنيفة... إلى آخره، كلامٌ فيه إساءة أدب ومجردُ تشنيع بدون دليل جلي: فإن أبا حنيفة في أين احتجَّ بحديث جابر الجعفي في كونه ناسخا؟ ومن نقل هذا من الثقات عن أبي حنيفة حتى يكون متناقضا في قوله وفعله؟ بل احتج أبو حنيفة في نسخ هذا الباب مثلَ ما احتج به غيره كالثوري والشافعي وأبو ثور وجمهور السلف، كما مر مستوفى. انتهى.
(٥٢) (بابٌ: مَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلْفَ الإِمَامِ ؟)
أي هذا باب ترجمته: متى يسجد من خلف الإمام، يعني إذا اعتدل أو جلس بين السجدتين. وقوله: (مَنْ) فاعلُ قولِه: (يَسْجُدُ).
قوله: (وَقَالَ أَنَسٌ) أي ابن مالك.
قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ((فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا)) وقال صاحب «التلويح» : وفي بعض النسخ: (قَالَ أَنَسٌ: فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا) يعني: من غير ذكرِه ﷺ .
مطابقته للترجمة من حيث إنه يبين معنى متى يسجد مَن خلف الإمام، وهو أنه إذا سجد الإمام، بناء على تقدم الشرط على الجزاء، وحديث الباب يفسره.
وهذا التعليق أخرجه موصولاً في: باب إيجاب التكبير، فإن فيه: (فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا). قال العيني: قال شيخنا: وهو طرف من حديثه الماضي في الباب الذي قبله. قال العيني: ليست هذه اللفظة في الحديث الماضي، وإنما هي في باب إيجاب التكبير، كما ذكرنا. انتهى. قلتُ: فكأنَّ العيني ﵀ لَمَّا لم ير هذه اللفظة مذكورة في الباب الماضي نفى أن تكون منه، وهذا لا يلزم، لأنها قد تكون منه لكن لم يذكرها في الباب على عادته في تقطيع الحديث، أو تكون مذكورةً في بعض النسخ دون بعض لأن هذا قَدرٌ يبعُد أن يغفل شيخنا عنه. انتهى.
٦٩٠ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسرهَد، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) أي القطان، ترجمته في الباب أيضاً.
قوله: (عَنْ سُفْيَانَ) أي الثوري، ترجمته في باب علامات المنافق.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ) واسمه: عمرو بن عبد الله السَّبِيعي، بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة، نسبةً إلى سَبِيع بطنٍ من همدان، ترجمته في باب الصلاة من الإيمان.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) أي من الزيادة، الخطمي كذا وقع منسوباً عند الإسماعيلي في روايةٍ لشعبة عن أبي إسحاق،
стр. 491
وهو منسوب إلى خَطْمي، بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء: بطن من الأوس. وقال الذهبي: عبد الله بن يزيد بن زيد بن حصين بن (١) عمرو الأوسي الخطمي أبو موسى، شهد الحديبية ومات قبل ابن الزبير ﵃. قلتُ: عبد الله هذا تقدمت ترجمته في باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحِسبة. انتهى.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي البَرَاءُ -وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ-) أي ابن عازب، ترجمته في باب الصلاة من الإيمان.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في ثلاث مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في أربع مواضع. وفيه: عبد الله بن يزيد الصحابي من أفراد البخاري. وفيه: رواية الصحابي ابنِ الصحابي عن الصحابي ابن الصحابي، كلاهُما من الأنصار ثم من الأوس وكلاهمُا سكن الكوفة، وذكر الذهبي في «تجريد الصحابة» والدَ عبد الله ووالد البراء كليهما في الصحابة، فقال: يزيد بن زيد بن حصين الأنصاري الخطمي، والد عبد الله وجد عدي بن ثابت لأمه. وقال أيضاً: عازب بن الحارث والدُ البراء، قال البراء: اشترى أبو بكر من عازب رجلاً.
وفيه: أن أبا إسحاق كان معروفاً بالرواية عن البراء بن عازب لكنه روى الحديث المذكور ههنا بواسطة وهو: عبد الله بن يزيد.
وفيه: أن أحد الرواة كان أميراً وهو: عبد الله بن يزيد، وكان أميراً على الكوفة في زمن عبد الله بن الزبير، وفي رواية البخاري في باب رفع البصر في الصلاة: أن أبا إسحاق قال: سمعت عبد الله بن يزيد يخطب.
وفيه: قوله: (غَيْرُ كَذُوبٍ) على وزن: فعول، وهو صيغة مبالغة: كصبور وشكور، واختلفوا في هذا قيل: في حق من؟ فقال يحيى بن معين والحميدي وابن الجوزي: إن الإشارة في قول أبي إسحاق: غير كذوب، إلى عبد الله بن يزيد (٢)، لا إلى البراء، لأن الصحابة عدول فلا يحتاج أحدٌ منهم إلى تزكيةٍ وتعديل. وقال الخطيب: إن كان هذا القول من أبي إسحاق فهو في عبد الله بن يزيد، وإن كان من عبد الله فهو في البراء. وقال الخطابي: هذا القول لا يوجب تهمةً في الراوي، إنما يوجب حقيقةَ الصدق له لأن هذه عادتُهم إذا أرادوا تأكيد العلم بالراوي والعمل بما رَوَى، وكان أبو هريرة يقول: سمعت خليلي الصادقَ المصدوقَ، وقال ابن مسعود: حدثني الصادق المصدوق، وسلك عياض أيضا هذا المسلك وقال: لم يُرِد به التعديل وإنما أراد به تقوية الحديث إذْ حدَّث به البراء، وهو غير متهم، ومثل هذا قول أبي مسلم الخولاني: حدثني الحبيب الأمين. وقال النووي: معنى الكلام: حدثني البراء وهو غير متهم، كما علمتم فثقوا بما أخبركم به عنه.
قال شيخنا: وقد اعترض بعض المتأخرين على التنظير المذكور فقال: كأنه لم يُلِمَّ بشيء من علم البيان، للفرق الواضح بين قولنا: فلان صدوق وفلان غير كذوب، لأن في الأول إثبات الصفة للموصوف، وفي الثاني نفي ضدها عنه فهما مفترقان قال:
стр. 492
والسرُّ فيه أن نفي الضد كأنه يقع جواباً لمن أثبته بخلافِ إثبات الصفة. انتهى كلامه المعترِض. والذي يظهر لي أن الفرق بينهما أنه يقع في الإثبات بالمطابقة وفي النفي بالالتزام، لكن التنظير صحيح بالنسبة إلى المعنى المراد باللفظين لأن كلاً منهما يرِد عليه أنه تزكية في حقِّ مقطوعٍ بتزكيتِه فيكون من تحصيل الحاصل، ويحصل الانفصال عن ذلك بما تقدم من أن المراد بكل منهما تفخيم الأمر وتقويته في نفس السامع.
قال العيني: قد ظهر من كلام الخطابي وعياض والنووي أن هذا القول في البراءِ، وتَرَجَّحَ هذا بوجهين:
الأول: أنه روي عن أبي إسحاق في بعض طرقه: سمعت عبد الله بن يزيد وهو يخطب يقول: حدثني البراء، وكان غير كَذوب. قال ابن دقيق العيد: استدل به بعضُهم على أنه كلام عبد الله بن يزيد. قال العيني: إذا كان هذا كلامَ عبد الله فيكون ذلك في البراء، وأوضَحُ من هذا وأبْيَنُ ما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» من طريق محارب بن دثار، قال: سمعت عبد الله بن يزيد على المنبر يقول: حدثني البراء وكان غير كذوب.
الثاني: أن الضمير أعني قوله: (وَهُوَ) يرجع إلى أقرب المذكورَيْن وهو البراء، فإن قلت: كيف نزَّه يحيى بن معين البراء عن التعديل لأجل صحبته ولم ينزه عبد الله بن يزيد وهو أيضاً صحابي؟ أجيب: يحيى بن معين لا يُثبِتُ صحبتَه فلذلك تنسب هذه اللفظة إليه، ووافقه على ذلك مصعب الزبيري، وتوقف في صحبته أحمد وأبو حاتم وأبو داود، وأثبتها ابن البَرقي والدارقطني وآخرون. فإن قلت: نفي الكَذُوبية لا يستلزِم نفي الكاذبية، مع أنه يجب نفي مطلق الكذب عنهما. أجيب: معناه غيرُ ذي كذب، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. أي: وما ربك بذي ظلم. فإن قلتَ: ما سبب رواية عبد الله بن يزيد هذا الحديث؟ قال العيني: روى الطبراني من طريقه أنه كان يصلي بالناس بالكوفة، فكان الناس يضعون رؤوسهم قبل أن يضع رأسه، ويرفعون قبل أن يرفع رأسه، فذكر الحديث في إنكاره عليهم.
قوله: (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ)
مطابقته للترجمة في قوله: (ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ)، فإنه يقتضي أن يكون سجودُ من خلف الإمام إذا شرَع الإمام في السجدة.
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً عن أبي نعيم وعن حجاج عن شعبة وعن آدم عن إسرائيل. وأخرجه مسلم فيه عن أحمد بن يونس ويحيى بن يحيى كلاهما عن زهير وعن أبي بكر بن خلاد. وأخرجه أبو داود فيه عن حفص بن عمر عن شعبة به. وأخرجه الترمذي فيه عن بندار عن ابن مهدي عن سفيان به. وأخرجه النسائي عن يعقوب بن إبراهيم عن إسماعيل بن عُليَّة وعن علي بن الحسين الدرهمي عن أمية بن خالد، كلاهما عن شعبة به.
قوله: (إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وفي رواية شعبة: (إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكَوعِ). ولمسلم من رواية محارب بن دثار: ((فإذا رفع رأسه من الركوع
стр. 493
فقال: سمع الله لمن حمده لم نزلْ قياماً)).
قوله: (لَمْ يَحْنِ) ((بفتح التحتانية وسكون الحاء المهملة: لم يثْنِ، يقال: حنيتُ العود عطفتُه وحنوت لغةٌ، قاله الجوهري،)) وهي لغة صحيحة يقال: حنوت وحنيت بمعنى. قاله شيخُنا. وقال العيني: وفي رواية مسلم: ((لا يحنو أحد)) و ((لا يحني)) روايتانِ أي: لا يقوس ظهره. انتهى.
قوله: (حَتَّى يَقَعَ سَاجِدًا) أي حال كونه ساجداً. قال العيني: ويجوز في (يَقَعَ) الرفع والنصب. وفي رواية إسرائيل عن أبي إسحاق: (حَتَّى يَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ) وسيأتي في باب السجود، ونحوُه لمسلم من رواية زهير عن أبي إسحاق، وفي رواية أحمد عن غُندَر عن شعبة: حتى يسجد ثم يسجدون.
قوله: (ثُمَّ نَقَعُ) بنون المتكلم مع الغير.
قوله: (سُجُودًا) حال، وهو جمعُ ساجد، و (نَقَعُ) مرفوع لا غير.
فيه: وجوب متابعة الإمام في أفعاله، واستدل به ابن الجوزي على أن المأموم لا يَشرع في الركن حتى يتمَه الإمام، وتُعُقِّبَ بأنه ليس فيه إلا التأخر حتى يتلبس الإمامُ بالركن الذي ينتقل إليه بحيث يَشرع المأموم بعد شروعه وقبل فراغه منه. وقال العيني: وفي استدلال ابن الجوزي نظر، لأن الإمام إذا أتم الركنَ ثم شرع المأموم فيه لا يكون متابعاً للإمام ولا يعتد بما فعله، ومعنى الحديث أن المأموم يشرع بعد شروع الإمام في الركن وقبل فراغِه منه حتى تقع المتابعة، ووقع في حديث عمرو بن حريث عند مسلم: فكان لا يحني أحد منا ظهره حتى يستقيم ساجداً. ولأبي يعلى من حديث أنس: حتى يتمكن النبي ﷺ من السجود. وهو واضح في انتفاء المقارنة. واستدل به قوم على طول الطمأنينة، وفيه نظر، لأن الحديث لا يدل على هذا.
وفيه: جواز النظر إلى الإمام لأجل اتِّباعه في انتقالاته في الأركان.
قلتُ: وفيه: نقل الأحكام الشرعية من الأقوال والأفعال. انتهى.
قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفضل بن دُكَيْن، ترجمته في باب فضل من استبرأ لدينه في كتاب الإيمان.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانَ) أي الثوري، نبهتُ عليه في السند السابق
قوله: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) أي السبيعي المذكور فيه أيضاً.
قوله: (نَحْوَهُ) أي نحو الحديث المتقدم، هذا السند وقع في البخاري في رواية المستملي وكريمة، وليس بموجود في رواية الباقين. وقال صاحب «التلويح» : هذا السند مذكور في نسخة سماعنا، وفي بعض النسخ عليه ضرب، ولم يذكره أصحاب الأطراف: أبو العباس الطرقي وخلف وأبو مسعود فمن بعدهم، ولم يذكره أبو نُعيم في «المستخرج»، وقد أخرجه أبو عوانة عن الصاغاني وغيرِه عن أبي نُعيم، ولفظه: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ لم يَحْنِ أحدٌ منا ظهره حتى يضَعَ النبيُّ ﷺ جبهته.
(٥٣) (بَابُ إِثْمِ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ)
أي هذا بابٌ في بيان إثم من رفع رأسه في الصلاة قبل رفع الإمام رأسه.
قال شيخنا: أي من السجود كما سيأتي بيانُه. قال العيني: ومن الركوع أيضاً، فلا وجه لتخصيص السجود، لأن الحديث أيضاً يشمل
стр. 494
الاثنين بحسب الظاهر كما يجيء. فإن قلتَ: لهذا القائل أن يقول: إنما قلتُ: أي من السجود، لأن في رواية أبي داود عن حفص بن عمرو عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((أَمَا يَخْشَى - أَوْ: لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ وَالإِمَامُ سَاجِدٌ...)) الحديث. فَبَيَّنَ أن المراد الرفع من السجود.
قال العيني: روايةُ البخاري تتناول المنعَ من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معاً، ولا يجوز أن تُخصَّص روايةُ البخاري برواية أبي داود، لأن الحكم فيهما سواء، ولو كان الحكم مقصوراً على الرفع من السجود لكان لدعوى التخصيص وجه، ومع هذا فالقائل المذكور ذكر الحديث عن البزَّار من رواية مليح بن عبد الله السعدي عن أبي هريرة مرفوعاً: ((الذي يخفِض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيتُه بيد الشيطان)). وهذا ينقض عليه ما قاله. وأعجَبُ من هذا أنه رَدَّ على ابن دقيق العيد حيث قال: إن الحديث نصٌّ في المنع من تقدم المأموم على الإمام في الركوع والسجود معاً، فهذا دقيقُ الكلام الذي قاله ابن الدقيق، ومستنده في الرد عليه هو قوله: وإنما هو نص في السجود، ويلتحق به الركوع لأنه في معناه.
قال العيني: وهذا كلام ساقط جداً، لأن الكلام ههنا في رواية البخاري وليس فيها نص في السجود، بل هو نص عام في السجود والركوع. ودعوى التَّخصيص لا يصح كما ذكرنا، نعم لو ذكر النكتةَ في رواية أبي داود في تخصيص السجدة بالذِّكْرِ لكان له وجه، وهي أن رواية أبي داود من باب الاكتفاء، فاكتفى بذكر حكم السجدة عن ذكر حكم الركوع لكون العلة واحدة وهي: السبقُ على الإمام، كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أي والبرد أيضاً، وإنما لم يعكس الأمرَ لأن السجدة أعظم من الركوع في إظهار التواضع والتذلل، والعبدُ أقرب ما يكون إلى الرب وهو ساجد. انتهى.
قال شيخنا: في هذا الكلام - أي قوله: نعم لو ذكر... إلى آخره - دعوى التخصيص، وهو فرع التعميم، ولم تقع في رواية الباب صيغةُ تعميم وإنما هو مطلق، فَرَدَّ به رواية أبي داود فتَّعَيَّن المرادُ منه، ونظائر ذلك كما مرَّ كثيرة، وأما قوله: لو ذكر النكتة... إلى آخره. أعجبُ من الأول، لأنه ذكرها. انتهى.
٦٩١ - قوله: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) أي السُّلَمي الأنماطي البصري أبو محمد، وقد مر ذكره في باب ما جاء أن الأعمال بالنية في آخر كتاب الإيمان.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان.
قوله: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) أي بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف، الجُمَحِي المدني سكن البصرة، ترجمته في باب غسل الأعقاب.
قوله: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: القول في ثلاث مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري وواسطي
стр. 495
ومدني. وفيه: أنه من رباعيات البخاري.
قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - أَوْ: لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ، أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ))).
مطابقته للترجمة من حيث إنَّ فيه وعيداً شديداً وتهديداً، ومرتكب الشيء الذي فيه الوعيد آثمٌ بلا نزاع.
قوله: (أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ) وفي رواية الكُشْمِيهَني: (أَوْ: لَا يَخْشَى). قال العيني: اختلفت ألفاظ هذا الحديث، فرواية مسلم والترمذي وابن ماجه: ((أما يخشى الذي يرفع رأسه))، وفي رواية النسائي: ((ألا يخشى))، وفي رواية البخاري وأبي داود من رواية شعبة: ((أما يخشى أو ألا يخشى)) بالشك، قال الكِرماني: الشك من أبي هريرة، وكلمة: (أَمَا) بتخفيف الميم، حرف استفتاح مثل ألا. وأصلُها ما النافية دخلت عليها همزة استفهام، وهو ههنا استفهام توبيخ وإنكار.
قوله: (إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ)، زاد ابن خزيمة من رواية حماد بن زيد عن محمد بن زياد: ((في صلاته))، وفي رواية حفص بن عمر: ((الذي يرفع رأسه والإمامُ ساجد)). فتبيَّنَ أن المراد بالرفع: من السجود، ففيه التعقُّب على من قال: إن الحديث نصٌّ في المنع من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معاً، وإنما هو نص في السجود ويلتحق به الركوع لكونه في معناه كما تقدم ذلك آنفاً.
قال شيخنا: ويمكن الفرق بينهما بأنَّ السجود له مزية لأن العبد أقرب ما يكون فيه من ربه، لأنه غاية الخضوع المطلوب منه فلذلك خُصَّ بالتنصيص عليه، ويحتمل أن يكون من باب الاكتفاء وهو: ذِكرُ أحد الشيئين المشتركين في الحكم إذا كان للمذكور مزية، وأما التقدم على الإمام في الخفض للركوع والسجود فقيل: يلتحق به من باب الأولى، لأن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الوسائلِ، والركوعُ والسجودُ من المقاصد، وإذا دل الدليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة فأولى أن يجب فيما هو مقصد. ويمكن أن يقال: ليس هذا بواضح، لأن الرفع من الركوع والسجود يستلزم قطعَهُ عن غاية كماله، ودخولُ النقص في المقاصد أشدُّ من دخوله في الوسائل، وقد ورد الزجر عن الخفض والرفع قبل الإمام في حديث آخرَ أخرجه البزار من رواية مليح بن عبد الله السعدي عن أبي هريرة مرفوعاً: ((الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان)) وأخرجه عبد الرزاق من هذا الوجه موقوفاً، وهو المحفوظ. انتهى.
قوله: (أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ). قال العيني: وههنا أيضا اختلف ألفاظ الحديث، ففي رواية يونس بن عبيد عند مسلم: ((ما يأمن الذي يرفع رأسه في صلاته أن يحوِّلَ الله صورتَه في صورة حمار؟)). وفي رواية الربيع بن مسلم عند مسلم: ((أن يجعل الله وجهَه وجهَ حمار؟)). وفي روايةٍ لابن حِبَّان من رواية محمد بن ميسرة عن محمد بن زياد: ((أن يحوِّلَ الله رأسَه رأسَ كلب)). وفي رواية الطبراني في «الأوسط» من رواية محمد بن عمر عن ابن سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً: ((ما يُؤَمِّنُ مَن يرفع رأسه قبل الإمام ويضعه)). وفي رواية الدارقطني من رواية