متعلق بفئات أبيح لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وعلى ذلك فقول ابن حجر (غطين وجوههن) ليست خطأ من الناسخ ولا سبق قلم بل إنها من قصد المؤلف يدل على ذلك قوله في موضع آخر من الفتح (٩/ ٣٢٤): (وقد قالت عائشة كما تقدم في تفسير سورة النور لما نزلت وليضربن بخمرهن على جيوبهن أخذن أزرهن من قبل الحواشي فشققنهن فاختمرن بها ولم تزل عادة النساء قديما وحديثا يسترن وجوههن عن الأجانب).
أما قول الشيخ الألباني: أن (تفسير الحافظ المذكور: " غطين وجوههن" يناقض قوله: " وصفة ذلك ... "" فإن هذا لو طبَّقه في خماره لوجد وجهه مكشوفاً غير مغطى"!!) فليس شرطا؛ فإن ما ذكره ابن حجر من صفة ضرب الخمار بقوله" وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيسر على العاتق الأيمن" يمكن أن يقتضي تغطية الوجه، فإن المرأة سترمي طرف خمارها من الجانب الأيسر على العاتق الأيمن مرورا بالوجه عدا العينين. وهذا ما عناه الحافظ ولذلك قال مؤكدا لهذا المعنى " وهو التقنع ".
ثانياً: أنكر الشيخ الألباني أن التقنع يعني تغطية الوجه؛ وقصر معناه على تغطية الرأس دون الوجه؛ مخالفا بذلك معناه عند أهل اللغة والتفسير والفقه والحديث، على أنه ليس له شاهد على ذلك إلا ما نقله من المعجم الوسيط (١) وهو قوله: (تقنعت المرأة أي: لبست القناع وهو ما تغطي به المرأة
стр. 107
رأسها) هذا فقط ما احتج به الشيخ الألباني مما في كتب اللغة! وهو لفظ عام، لا ينفي كون الوجه داخلا فيما يغطيه القناع من الرأس! فإطلاق الرأس إما أن يراد به أعلاه وهو موضع العمامة من الرجل والخمار من المرأة، وإما أن يراد به الرأس كله بما فيه الوجه، وهذا المعنى هو الذي أنكره الشيخ الألباني فقصره على المعنى الأول فقط رغم ثبوت المعنى الثاني لغة وشرعا!
ومما يشهد أن التقنع يعني تغطية الوجه لغة:
- جاء في العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (١/ ١٧٠): والقناع أوسع من المقنعة وتقول ألقى فلان عن وجهه قناع الحياء.
- وفي تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (١٢/ ٢٧٩): سمّي المسافر مسافراً لكشفه قناع الكنِّ عن وجهه.
- وفي الأزمنة والأمكنة لأبي علي أحمد المرزوقي الأصفهاني (١/ ٢٠٠): أول من كشف القناع طريف العنبري لما رآهم يطلعون في وجهه ويتفرسون في شمائله، رمى بالقناع وحسر عن وجهه.
- وفي المحكم والمحيط الأعظم لأبي الحسن علي بن سيده المرسي (١/ ٢٢٨): والقناع أوسع من المقنعة وقد تقنعت به وقنعت رأسها وألقى عن وجهه قناع الحياء. وفي موضع آخر منه (٦/ ٤٥٣): والنقاب: القناع على مارن الأنف.
стр. 108
- وفي مفتاح العلوم لأبي يعقوب يوسف بن أبي بكر السكاكي (١/ ٢): حسر عن وجهه القناع.
- وفي تهذيب الأسماء واللغات لمحيي الدين بن شرف النووي (٣/ ٢٨٣): والقناع والمقنعة ما تغطي به المرأة رأسها ومحاسنها من ثوب.
- وفي لسان العرب لابن منظور (٨/ ٣٠٠): والمقنعة ما تغطي به المرأة رأسها ... والقناع والمقنعة: ما تتقنع به المرأة من ثوب تغطي رأسها ومحاسنها، وألقى عن وجهه قناع الحياء.
- وفي مختار الصحاح لمحمد بن أبي بكر الرازي (١/ ٢٠): البُرْقُع للدواب ونساء الأعراب وبرقعه فتبرقع أي ألبسه البرقع فلبسه وهو القناع.
- وفي تاج العروس (٢٢/ ٩١): والمقنع والمقنعة؛ عن اللحياني: ما تقنع به المرأة رأسها ومحاسنها، أي تغطي.
- وفي القاموس المحيط (ص: ١٠٦٠) وتاج العروس (٣٠/ ٤٣٧): "المميلات": يملن المقانع لتظهر وجوههن وشعورهن.
- المعجم الوسيط (١/ ٥١): (البرقع) قناع النساء.
стр. 109
*أما ثبوت ذلك شرعا:
- ففي مسند أحمد عن أسامة بن زيد ﵁ قال: (استأذنت لأناس من أصحاب النبي ... ﷺ فأذن لهم فإذا هو مقنّع رأسه ببرد له معافري (١) فكشف القناع عن رأسه ثم قال لعن الله اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (٢). وقد ثبت أن عائشة وعبد الله بن عباس ﵃ فسرا هذا التقنع بتغطية الوجه حيث قالا في رواية أخرى: (لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة (٣) له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال؛ لعنة الله على اليهود ... ) (٤).
- وفي مسند أحمد عن كعب بن عُجْرة قال: "ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقرَّبها وعظَّمها قال ثم مر رجل متقنع في ملحفة فقال هذا يومئذ على الحق فانطلقت مسرعا فأخذت بضبعيه (٥) فقلت هذا يا رسول الله قال هذا، فإذا هو عثمان بن عفان ﵁". (٦) والشاهد هنا أن كعب بن عُجْرة لم يعرف عثمان ﵁ لما
стр. 110
كان مقنعا رأسه، ولو كان التقنع لا يعني تغطية الوجه لما خفي عليه أنه عثمان حتى قام إليه وأخذ بضبعيه!
- وفي أثر عبيدة السلماني الذي أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٢/ ٤٦) بإسناد صحيح إليه في تفسير قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أنه لبس رداءه" فتقنع به؛ فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب".
* وهو كذلك عند المفسرين:
- قال الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٥٦٠) والنسفي في تفسيره (٣/ ٣١٥): " ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع به.
- قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٩): وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب مع إرخاء الباقي على بقية البدن.
* وكذلك عند أهل الحديث:
- قال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢٧٤) والعيني في عمدة القاري (٢١/ ٣٠٨) والعظيم آبادي في عون المعبود (١١/ ٩٢) والمناوي في فيض القدير (٥/ ٢٤٠): التقنع: تغطية الرأس وأكثر الوجه.
стр. 111
وقال ابن حجر في موضع آخر من الفتح (٧/ ٣٤٣) والعيني في عمدة القاري (١٧/ ١٣٦): قوله تقنع بثوبه؛ أي تغطّى به ليخفى شخصه لئلا يعرف.
وقال المناوي في موضع آخر من فيض القدير (٣/ ٢٥٨): التقنع بالليل ريبة أي تهمة يستراب منها فإن من وجد إنسانا متقنعا ليلا إنما يظن به أنه لص أو يريد الفجور بامرأة أو نحو ذلك وإلا لما غطى وجهه.
ثالثاً: نقل الشيخ الألباني قول الحافظ ابن حجر " التقنع: تغطية الرأس" مبتورا! فإن الحافظ ابن حجر قال في الموضع الذي أشار إليه الشيخ الألباني من الفتح (١٠/ ٢٧٤): التقنع: تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره.
وفي الموضع الآخر الذي أشار له الشيخ الألباني من الفتح (٧/ ٢٣٥) قال فيه ابن حجر: (قوله هذا رسول الله متقنعا أي مغطيا رأسه ... قال ولم يكن يفعل التقنع عادة بل للحاجة). اهـ وهذا يبين أنه أراد بقوله تغطية الرأس؛ تغطية الرأس بما فيه الوجه، لأنه كان من عادة رسول ﷺ تغطية رأسه بالعمامة وغيرها (١)، أما تغطية الوجه فهو الذي كان رسول الله ﷺ لا يفعله عادة بل للحاجة.
стр. 112
رابعا: نقل الشيخ الألباني قول ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٥): (قوله مُقنَّع؛ وهو كناية عن تغطية وجهه بآلة الحرب) عند شرحه لحديث البراء ﵁؛ (أتى رسول الله ﷺ رجل مقنع بالحديد) (١) وتعقبه الشيخ الألباني بقوله: "فإنه يعني ما جاور الوجه، وإلا لم يستطع المشي فضلا عن القتال"!! لكن مما يضعف قول الشيخ الألباني هذا؛ أن القناع يغطي الوجه دون العينين، فالقناع لا يحول دون شيء من المشي أو القتال! ومما يؤكد أن ابن حجر يعني تغطية الوجه؛ أنه صرح بهذا المعنى للتقنع في أكثر من موضع كما أسلفنا. (٢)
* وبذلك ثبت أن التقنع يعني تغطية الوجه، وهو إحدى الصفتين لإدناء الجلباب؛ فإن إدناء الجلباب إما أن يكون بشد الجلباب على الجبين ثم عطفه على الأنف وهو التقنع وما في معناه من النقاب والبرقع واللثام - وهي الصفة المنهية عنها المرأة حال إحرامها- أو يكون بسدل الجلباب من فوق الرأس على الوجه - وهي الصفة المشروعة للمرأة حال الإحرام-.
стр. 113
خامساً: قال الشيخ الألباني: أن " الاعتجار مطابق للاختمار " بالمعنى المتقدم للاختمار وأما بمعنى تغطية الوجه عند الإطلاق فهو باطل لغة. اهـ
والصحيح أن القول بأن الاعتجار مطابق لضرب الخمار على الجيب، وأنه لا يعني تغطية الوجه؛ قول باطل من عدّة وجوه:
١) أن الاعتجار كما في المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده المرسي (١/ ٣١١): والاعتجار لبسة كالالتحاف. وفي تاج العروس (١٢/ ٥٣٤) للزبيدي: الاعتجار: (لبسة للمرأة) شبه الالتحاف. اهـ وضرب الخمار على الجيب لايمكن أن يطلق عليه التحاف! لأن الخمار كما ذكر الشيخ الألباني: (الخمار للمرأة كالعمامة للرجل) والذي يمكن أن يطلق عليه الالتحاف هو إدناء الجلباب؛ وقد قال الشيخ الألباني: (الجلباب هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها).
٢) أن ضرب الخمار على الجيب يستلزم إدارة الخمار وليّه تحت الحنك، وهذا ينفي أن يكون الاعتجار مطابق له؛ لأن الاعتجار كما نقله الشيخ الألباني عن الزبيدي في" تاجه" (٣/ ٣٨٣): ليُّ الثوب على الرأس من غير إدارة تحت الحنك.
٣) أن نفي إدارة الثوب تحت الحنك يستلزم منه المرور بالوجه عند إدارته وليّه على الرأس، وهذا الذي ينبغي أن يفهم من قولهم إن الاعتجار (ليُّ الثوب على الرأس من غير إدارة تحت الحنك) كما ثبت ذلك شرعا؛ فيما صح عن جعفر بن عمرو بن أمية قال: خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار إلى الشام فلما قدمنا حمص. . . قال فجئنا حتى وقفنا عليه فسلمنا فرد السلام قال وعبيد الله
стр. 114
معتجر بعمامته ما يرى وحشي إلا عينيه ورجليه" (١) قال الحافظ ابن حجر (٧/ ٣٦٩): معتجر أي لاف عمامته على رأسه من غير تحنيك. أهـ
لكن الشيخ الألباني تعقبه بقوله (هذه ليست صفة لازمة للاعتجار بالعمامة)!! غير أن كتب اللغة؛ تؤكد أن هذه الصفة لازمة للاعتجار:
- كما جاء في النهاية في غريب الأثر للجزري (٣/ ١٨٥): الاعتجار بالعمامة هو أن يلفها على رأسه ويرد طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه.
- وفي المغرب في ترتيب المعرب للمطرز (٢/ ٤٣): وفي الأجناس عن محمد بن الحسن ﵀: المعتجر المنتقب بعمامته وقد غطى أنفه.
وجاء في طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية (ص/ ٥) لنجم الدين النسفي (ت: ٥٣٧ هـ): الاعتجار ... وقيل هو التقنع بالمنديل كما تفعله النساء بمعاجرهن.
كما أكد ذلك الفقهاء: ففي المبسوط للسرخسي (١/ ٣١) وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢١٦): قال محمد بن الحسن: " لا يكون الاعتجار إلا مع تنقب وهو أن يلف بعض العمامة على رأسه وطرفا منه يجعله شبه المعجر للنساء وهو أن يلفه حول وجهه". وقال ابن نجيم في البحر الرائق (٢/ ٢٥): "وقيل أن يتنقب بعمامته فيغطي أنفه كمعجر النساء".
стр. 115
وبذلك ثبت أن الاعتجار يحمل معنى تغطية الوجه، وأنه مطابق لإدناء الجلباب، يشهد لذلك ما أخرجه ابن مردويه عن عائشة ﵂ أنها قالت (رحم الله نساء الأنصار لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله ﷺ فكأنما على رؤوسهن الغربان) (١)
كما أخرجه أبو داود عن أم سلمة قالت: (لما نزلت خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية). وفي رواية (من أكسية سود يلبسنها) (٢).
* فنخلص في نهاية هذا المبحث بأن التقنع والاعتجار مترادفة المعنى، وأنها تحمل معنى تغطية الوجه، وأن نساء المؤمنين امتثلن الأمر بإدناء الجلابيب بتغطية وجوههن بالتقنع والاعتجار والتلفع (٣) بالأردية والجلابيب.
стр. 116
ــ:: البحث الخامس:: ــ
قال الشيخ الألباني: هل أجمع المسلمون على أن وجه المرأة عورة وأنها تمنع أن تخرج سافرة الوجه؟ ... فإليك نص ما في" نيل الأوطار" (٦/ ٩٨) تحت حديث عائشة: " يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه": " وفيه دليل لمن قال: إنه يجوز نظر الأجنبية. قال ابن رسلان: وهذا عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو دونه أما عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق. وحكى القاضي عياض عن العلماء: أنه لا يلزم ستر وجهها في طريقها، وعلى الرجال غض البصر للآية وقد تقدم الخلاف في أصل المسألة" يشير إلى بحث له في الباب شرح فيه آية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ النور: ٣١ قال الشوكاني عقبه: " والحاصل أن المرأة تبدي من مواضع الزينة ما تدعو إليه الحاجة عند مزاولة الأشياء والبيع والشراء والشهادة، فيكون ذلك مستثنى من عموم النهي عن إبداء مواضع الزينة وهذا على ما يدل على أن الوجه والكفين مما يستثنى" ... - إلى أن قال الشيخ الألباني منكرا على أحد مخالفية - قوله في بعض أجوبته: " الصواب مع المشايخ الذين يذهبون إلى أن وجه المرأة عورة لا يجوز لها كشفه عند الرجال الأجانب ودليلهم على ذلك الكتاب والسنة والإجماع"! فأقول: لم ينطق بكلمة" الإجماع" في هذه المسألة أحد
стр. 117
من أهل العلم فيما بلغني وأحاط به علمي، فإن الخلاف فيها قديم لا يخلو منه كتاب من الكتب المتخصصة في بحث الخلافيات، وأنقل هنا من أقوالهم في هذه المسألة، مما يدل على بطلان الإجماع الذي ادَّعاه فأقول:
الأول: قال ابن حزم في كتابه" مراتب الإجماع" (ص ٢٩) ما نصه: " واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما عورة هي أم لا؟ " وأقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه، ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى.
الثاني: قال ابن هبيرة الحنبلي في" الإفصاح" (١/ ١١٨): " واختلفوا في عورة المرأة الحرة وحدِّها فقال أبو حنيفة: كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين. وقد روي عنه أن قدميها عورة وقال مالك والشافعي: كلها عورة إلا وجهها وكفيها وهو قول أحمد في إحدى روايتيه والرواية الأخرى: كلها عورة إلا وجهها خاصة. وهي المشهورة واختارها الخرقي". وفاتته رواية ثالثة وهي: أنها كلها عورة حتى ظفرها كما يأتي مع بيان رد ابن عبد البر لها قريباً.
الثالث: جاء في كتاب" الفقه على المذاهب الأربعة" تأليف لجنة من العلماء منهم الجزيري: في بحث حد عورة المرأة (١/ ١٦٧): " أما إذا كانت بحضور رجل أجنبي أو امرأة غير مسلمة فعورتها جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين فإنهما ليسا بعورة فيحل النظر لهما عند أمن الفتنة". ثم استثنى من ذلك مذهب الشافعية وفيه نظر ظاهر لما تقدم في" الإفصاح" وغيره مما تقدم ويأتي.
стр. 118
الرابع: قال ابن عبد البر في" التمهيد" (٦/ ٣٦٤) ــ وقد ذكر أن المرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين وأنه قول الأئمة الثلاثة وأصحابهم وقول الأوزاعي وأبي ثورـ" على هذا أكثر أهل العلم وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة والإحرام وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها! " ثم قال ابن عبد البر: " قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم، لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ذلك كله منها تباشر الأرض به وأجمعوا أنها لا تصلي منتقبة ولا عليها أن تلبس القفازين في الصلاة وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك منها غير عورة وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه، وأما النظر للشهوة فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة؟! وقد روي نحو قول أبي بكر هذا عن أحمد بن حنبل ... " قلت: وقد كنت نقلت فيما يأتي من الكتاب (٨٩) عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على وجه المرأة ليس بعورة وعن النووي مثله، وأنه مذهب الأئمة الثلاثة ورواية عن أحمد فبعض هذه الأقوال من هؤلاء العلماء الكبار كافية لإبطال دعوى الشيخ الإجماع فكيف بها مجتمعة؟! ... فقد ذكرت في غير موضع من كتابي من قال من العلماء بخلاف إجماعه المزعوم مثل ابن جرير وابن رشد والنووي ومنهم ابن بطال الذي نقلت عنه فيما يأتي أنه استدل بحديث الخثعمية أن ستر المرأة وجهها ليس فرضاً. اهـ.
стр. 119
ــ:: مناقشة البحث الخامس:: ــ
- أولا: يجب أن نُذكّر هنا أن هناك حكمين شرعيين ذهل عنهما أكثر أهل العلم المتأخرين، وانطوت آثارها في التصانيف المتأخرة، ولم يشر إليها بعض المتقدمين لما هي معلومة عندهم بالضرورة؛
الأول: أن هناك فئات من الذكور الأجانب لم يفرض على النساء الحرائر الاحتجاب منهم، ولم ينهاهم الشرع من الدخول عليهن في البيوت ورؤيتهن دون حجاب، وهم من ذكرهم الله تعالى في سورة النور في قوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ النور: ٣١ وقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ ... النور: ٥٨ وهم:
١ - العبيد المملوكون. (١)
стр. 120
٢ - التابعون غير أولي الإربة (١).
٣ - من لم يبلغ الحلم من الأحرار (٢).
وهذا أحدث اللبس عند الحديث عن عورة المرأة أمام هذا الأجنبي وجواز نظره للوجه والكفين منها، فأشكل ذلك على بعضهم، فحمله على جواز نظر الرجل الحر للوجه والكفين من المرأة الحرة الأجنبية عنه!!
الثاني: أن الحجاب (تغطية الوجه) فرض على النساء الحرائر دون الإماء (الجواري المملوكات) والأصل في ذلك:
(١) قول الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ الأحزاب: ٥٩ فأخرج الله تعالى بقوله (نساء المؤمنين) إماؤهم،
- قال ابن عباس ﵁ " كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها". (٣)
стр. 121
- قال مجاهد؛ يتجلببن فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن فاسق بأذى. (١)
- قال قتادة أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ وقد كانت المملوكة إذا مرت تناولوها بالإيذاء فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء. (٢)
- قال أبو صالح؛ يقنعن بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة. (٣)
- قال الكلبي؛ فأمرهن الله أن يدنين عليهن من جلابيبهن حتى تعلم الحرة من الامة (٤).
- قال محمد بن كعب القرظي: فأمرهن الله أن يخالفن زي الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن تخمر وجهها إلا إحدى عينيها. (٥)
(٢) ما جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ لما اصطفى لنفسه من سبي خيبر صفية بنت حيي؛ (فقال المسلمون إحدى أمهات المؤمنين أو مما ملكت يمينه؟ فقالوا إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطئ لها خلفه ومد الحجاب بينها وبين الناس) (١) وفي رواية: (وسترها رسول الله وحملها وراءه وجعل رداءه على ظهرها ووجهها ثم شده من تحت رجلها وتحمل بها وجعلها بمنزلة نسائه). (٢)
- قال ابن قدامة في المغني (٧/ ٧٩): وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضا بينهم مشهورا وأن الحجب لغيرهن كان معلوما.
(٣) ما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان لا يدع في خلافته أمة تقنَّع ويقول إنما القناع للحرائر: ومن ذلك ما صح عن أبي قلابة ﵁ قال كان عمر بن الخطاب لا يدع في خلافته أمة تقنَّع قال: قال عمر: (إنما القناع للحرائر) (٣).
стр. 124
وكذلك ما روي بعدة طرق صححها الألباني في كتابه الجلباب/٩٩ عن أنس ﵁ قال: رأى عمر أمة لنا متقنعة فضربها وقال (لا تشبهي بالحرائر). (١)
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية تعقيبا على هذه النصوص في شرح العمدة (٤/ ٢٧١): فعلم بهذا أن ما ملكت أيمانهم لم يكونوا يحجبونهن كحجب الحرائر، وأن آية الحجاب خاصة بالحرائر دون الإماء.
وبذلك فإن ما ورد عن عمر ﵁ أنه كان يقول (إنما القناع للحرائر) له حكم المرفوع، لأنه لا مجال فيه للاجتهاد، ويشبه أن يكون تفسيرا لآية إدناء الجلابيب، فيكون بذلك حجة، يجب العمل به كالمرفوع كما هو معلوم عند أهل المصطلح (٢). فإن فعل عمر هذا ليس نابعا من اجتهاده في مسألة تحتمل الاجتهاد حتى يحتمل قوله أو فعله القبول أو الرد؛ ولكن فعله هذا كان تطبيقا عمليا لأمر رباني ولذلك تلقته الأمة بالقبول ولم ينكره أحد! بل إنك لو وقفت على ما أقرّه الشيخ الألباني في رده المفحم من أن " تفسير الصحابي حجة بل قال بعض العلماء: إنه في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ " فماذا عسى أن يكون تفسيره إذا كان الصحابي هو عمر بن الخطاب الذي كان يوافق رأيه القرآن حتى كان يقول" وافقت ربي في ثلاث وذكر منها الحجاب" فكان من الأولى أن يكون المأثور عنه هو المقدم في تفسير آية إدناء الجلابيب لو انفرد به، فكيف إذا كان قد وافق قول مجموع الصحابة (إن حجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم
стр. 125
ولد) ووافق قول ابن عباس (كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن) ووافقه من كبار التابعين عبيدة السلماني وممن أشتهر بالتفسير من تلامذة ابن عباس؛ مجاهد وقتاده!
ولذلك أجمع أهل العلم من فقهاء ولغويين ومفسرين على أن الحجاب فرض على الحرائر دون الإماء:
* فقال أئمة المفسرون في تفسير قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾
- قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٠/ ٣٢٤): لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن.
- قال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢٤٥): في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين ... وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر وجهها وشعرها لأن قوله تعالى ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ظاهره أنه أراد الحرائر لئلا يكن مثل الإماء اللاتي هن غير مأمورات بستر الرأس والوجه.
- قال الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٦٩): فأمرن أن يخالفن بزيهنّ عن زي الإماء بالأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه.
стр. 126
- قال ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٦٢٥): فدل على أنه أراد تمييزهن على الإماء.
- قال البيضاوي في تفسيره (٤/ ٣٨٦): ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ يميزن من الإماء والقينات.
- قال النسفي في تفسيره (٣/ ٣١٥): ترخى بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة.
- قال الكلبي في التسهيل لعلوم (٣/ ١٤٤): كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء وكان ذلك داعيا إلى نظر الرجال لهن فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن ويفهم الفرق بين الحرائر والإماء.
- قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥١٩): ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ أي إذا فعلن ذلك عرفن أنهن حرائر لسن بإماء.
- قال الثعالبي في تفسيره (٨/ ٦٤): يرخين أرديتهن وملاحفهن فيتقنّعن بها ويغطّين وجوههن ورؤوسهن ليُعلم أنّهنّ حرائر.
- وفي تفسير الجلالين (١/ ٥٦٠): ﴿أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ بأنهن حرائر ﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ بالتعرض لهن بخلاف الإماء فلا يغطين وجوههن.
стр. 127
- قال الشوكاني في فتح القدير (٤/ ٣٠٤): يغطين وجوههن ورؤوسهن إلا عينا واحدة فيعلم أنهن حرائر.
- قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٩): والنساء مختصات بحكم العرف بالحرائر، وسبب النزول يقتضيه وما بعد ظاهر فيه فإماء المؤمنين غير داخلات في حكم الآية.
* ومن الفقهاء:
- قال أبو يوسف الحنفي في الآثار (ت ١٨٢ هـ) (١/ ٢٩): كان يكره أن يتقنعن يتشبهن بالحرائر.
- قال السرخسي الحنفي في المبسوط (ت ٤٨٣ هـ) (١٠/ ١٥١): فأمر الله تعالى الحرائر باتخاذ الجلباب ليعرفن به من الإماء.
- قال ابن عبدالبر المالكي في الاستذكار (ت ٤٦٣ هـ) (٨/ ٥٤١): والعلماء مجمعون على أن الله لم يرد بما أمر به النساء من الاحتجاب؛ الإماء وإنما أراد بذلك الحرائر.
- مغني المحتاج الشافعي (ت ٩٧٧ هـ) (٣/ ١٣١): وكانت الحرائر تعرف بالستر فخشي أنه إذا استترت الإماء حصل الأذى للحرائر فأمر الإماء بالتكشف.
стр. 128
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٥/ ٣٧٢): والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي ﷺ وخلفائه إن الحرة تحتجب والأمة تبرز.
- قال ابن قدامة الحنبلي في المغني (ت ٦٢٠ هـ) (٧/ ٧٩): وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضا بينهم مشهورا وأن الحجب لغيرهن كان معلوما.
- قال إبراهيم بن مفلح الحنبلي في المبدع (ت ٨٨٤ هـ) (١/ ٣٦١): كان عمر ينهى الإماء عن التقنع وقال إنما القناع للحرائر واشتهر ذلك ولم ينكر فكان كالإجماع.
* ومن علماء اللغة:
- في غريب الحديث لابن سلام (ت ٢٢٤ هـ) (٣/ ٣٠٥): (إن الأمة ألقت فروة رأسها من وراء الدار). . . إنما أراد بالفروة القناع، يقول ليس عليها قناع ولا حجاب.
- وفي غريب الحديث للخطابي (ت ٣٨٨ هـ) (٢/ ١٢١): وذلك أن الحجاب إنما ضرب على الحرائر دون الإماء.
ومن ذلك قول الشاعر سبرة بن عمر الفقعس يعيّر أعداءه:
ونسوتكم في الروع باد وجوهها ... يخلن إماء والإماء حرائر
стр. 129
- ثانيا: بعد أن تقرر أن الحجاب فُرض على الحرائر دون الإماء؛ فعليه فإنه سيكون هناك نساء كاشفات عن وجوههن لعدم فرض ذلك عليهن وهن الإماء: وهذا أحدث اللبس عند المتأخرين؛ فيما ورد في بعض الأحاديث والآثار من كشف بعض النساء لوجوههن لكونهن منالإماء؛ وعدم إيجاب بعض أهل العلم تغطية الوجه عليهن إذا خرجن في الطرقات لعدم فرض ذلك عليهن وإنما يوجبون على الرجل ما أمره الله به من غض البصر، فأشكل هذا على المتأخرين فحملوه على أن المراد به جواز الكشف للحرائر من النساء.
فغياب هذه الأحكام عن الأذهان هو الذي أحدث اللبس عند المتأخرين في مسألة الحجاب وحدود عورة المرأة، إذ إنه لا خلاف حقيقة بين الأئمة الأربعة ومن تقدم من الفقهاء في وجوب الحجاب وتغطية الوجه على النساء الحرائر، وإنما نشأ الخلاف بين من تأخر من فقهاء المذاهب بناء على ما ذكرنا، وسيأتي مزيد بيان لذلك في مناقشة البحوث القادمة إن شاء الله.
- ثالثا: احتج الشيخ الألباني على إنكاره للتفريق بين الحرائر والإماء بالآتي:
١) بعد أن نقل عن البيهقي قوله" والآثار عن عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك صحيحة" استشهد بقول ابن حزم فقال: وقد صرح ابن حزم فيما بعد (٣/ ٢٢١) بأنه لم يخف عليه هذا، قال: " ولكن لا حجة في أحد دون رسول الله ﷺ " اهـ
وهذا يوهم أن ابن حزم لم يقبل ما صح عن عمر من تفريقه بين الحرائر والإماء في تغطية الوجه (التقنع)! والصحيح أن الذي أنكره ابن حزم هو قول من قال
стр. 130
بأن للأمة أن تصلي مكشوفة الشعر احتجاجا بما ورد عن عمر، لا أنه ينكر على من فرق بينهن في الحجاب عند الخروج، بل إنه أكَّد أن ما ورد عن عمر كان في التفريق بينهن في لبس الجلابيب عند الخروج؛ وليس في عورة الصلاة.
قال ابن حزم في المحلى (٣/ ٢٢١ - ٢٢٢): لم يخف علينا ما روي عن عمر ﵁ في خلاف هذا (١) وعن غيره، ولكن لا حجة في أحد دون رسول الله ﷺ
وإذا تنازع السلف ﵃ وجب الرد إلى ما افترض الله تعالى الرد إليه من القرآن والسنة وليس في القرآن ولا في السنة فرق في الصلاة بين حرة ولا أمة ... مع أن الذي عن عمر في ذلك؛ إنما هو في خروجهن لا في الصلاة، فبطل تمويههم بعمر. وقال في موضع آخر من المحلى (٢/ ٢٥٢): فإن قالوا: قد جاء الفرق في الحدود بين الحرة والأمة. قلنا: نعم، وبين الحر والعبد؛ فلم ساويتم بين الحر والعبد فيما هو منهما عورة في الصلاة، وفرقتم بين الحرة والأمة فيما هو منهما عورة في الصلاة، وقد صح الإجماع والنص على وجوب الصلاة على الأمة كوجوبها على الحرة في جميع أحكامها، من الطهارة، والقبلة، وعدد الركوع، وغير ذلك، فمن أين وقع لكم الفرق بينهما في العورة. اهـ
стр. 131
فقد بالغ بعضهم في ذلك التفريق حتى جعل عورتها كعورة الرجل من السرة إلى الركبة! (١) وهذا هو الذي ينبغي أن يُنكر لأنه لا صحة له في الشرع! ولكن لا يكون ذلك حجة لرد ما ثبت في الشرع من التفريق بين الحرائر والإماء في ستر الوجه!
стр. 132
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة (٤/ ٢٧٥): الفرق بين الحرة والأمة إنما هو في القناع ونحوه كما دلت عليه الآثار ولأنهن كن قبل أن ينزل الحجاب مستويات في ستر الأبدان فلما أمر الحرائر بالاحتجاب والتجلبب بقي الإماء على ما كن عليه، ولأن الأصل أن عورة الأمة كعورة الحرة كما أن عورة العبد كعورة الحر لكن لما كانت مظنة المهنة والخدمة وحرمتها تنقص عن حرمة الحرة رخص لها في إبداء ما تحتاج إلى إبدائه وقطع شبهها بالحرة وتمييز الحرة عليها.
٢) استشهد الشيخ الألباني بما نقله عن أبي حيان الأندلسي على أنه ينكر أن يوجب الشارع على الحرائر زيادة تستّر مما لم يوجبه على الإماء وهن أكثر فتنة
стр. 133
منهن! فقال الشيخ الألباني في كتابه جلباب المرأة المسلمة/٩٢: قال أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط (٧/ ٢٥٠): والظاهر أن قوله ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشمل الحرائر والإماء والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح. اهـ
وبالرجوع إلى كلام أبي حيان الذي نقل منه الشيخ الألباني موضع الشاهد يتبين أنه إنما أراد بهذا القول؛ وجوب تغطية الوجه حتى على الإماء:
قال أبو حيان في تفسير البحر المحيط (٧/ ٢٤٠): " كان دأب الجاهلية أن تخرج الحرة والأمة مكشوفتي الوجه في درع وخمار وكان الزناة يتعرضون إذا خرجن بالليل لقضاء حوائجهن في النخيل والغيطان للإماء وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة يقولون حسبناها أمة فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه ... وقال أبو عبيدة السلماني حين سئل عن ذلك فقال أن تضع رداءها فوق الحاجب ثم تديره حتى تضعه على أنفها ... وقال ابن عباس وقتادة وذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه والظاهر أن قوله ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشمل الحرائر والإماء والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح ومن في ﴿مِنْ
стр. 134
جَلَابِيبِهِنَّ﴾ للتبعيض و ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ شامل لجميع أجسادهن أو ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ على وجوههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه".
٣) علل الشيخ الألباني إنكاره للتفريق بين الحرائر والإماء في الحجاب؛ بأن ذلك سيكون مدعاة للافتتان بهن لأنه لم يُفرض عليهن ما يدفع عنهن الأذية! واستشهد بقول ابن حزم في المحلى (٢/ ٢٤٩): وقد ذهب بعض من وهل في قول الله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ إلى أنه إنما أمر الله تعالى بذلك لأن الفساق كانوا يتعرضون للنساء للفسق؛ فأمر الحرائر بأن يلبسن الجلابيب ليعرف الفساق أنهن حرائر فلا يعترضوهن. قال علي: ونحن نبرأ من هذا التفسير الفاسد ... لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين، وهذه مصيبة الأبد، وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنى بالحرة كتحريمه بالأمة. اهـ
والجواب عليه بالآتي:
أولا: لم ينكر ابن حزم أن الله تعالى في هذه الآية أمر النساء الحرائر بتغطية الوجه دون الإماء وإنما أنكر التعليل الذي عُلل به هذا الأمر، فإنكاره للتعليل وليس للمعلل! ولذلك بيّن سبب إنكاره لهذا التفسير قائلا (لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين وهذه مصيبة الأبد وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنا بالحرة كتحريمه بالأمة وأن الحد على الزاني بالحرة كالحد على الزاني بالأمة ولا فرق).
стр. 135
ثانيا: إن الشرع قد فرق بين الحرة والأمة في الحدود والعدة فلا غرابة أن يفرق بينهما في الحجاب؛ كما قال تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ... إلى قوله ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (١) النساء: ٢٥ فإن الله تعالى لما لم يأمرهن بما أمر به الحرائر من الستر مما يجعلهن أكثر عرضة للوقوع في الفواحش خفف عنهن العقوبة فجعلها نصف ما على الحرائر من العذاب.
ثالثا: أن الشرع لم يبح للأمة إلا كشف الوجه الذي لا يرى فيه الشيخ الألباني غضاضة على الحرائر، وفي إنكاره لهذا في حق الإماء تناقض وإقرار بأن كشف الوجه سيكون مدعاة للافتتان بالنساء الحرائر وعدم دفع الأذية عنهن!!
كما أن الله تعالى بعد أن أمر الحرائر بتغطية الوجه لدفع الأذية عنهن؛ لم يوقف الأمر على ذلك؛ بل أعقبه بما يدفع ما يمكن أن يتوهمه متوهم بأن الله تعالى قد أطلق الفساق على أعراض الإماء؛ فقال سبحانه دافعا هذه الشبهة محرما أذيتهن متوعدا من يتعرض لهن من الفساق ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ
стр. 136
مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ الأحزاب: ٦٠ - ٦١ فكيف يقال بعد هذا أن الله تعالى قد أطلق الفساق على أعراض الإماء؟! ولكن حكمة الله اقتضت أن يكون ذلك سببا في ذلك الوقت لفرض الحجاب،
ولم يغب عنه سبحانه أنه في الأزمنة التي سيعم فيها الفساد سينقطع الرق حتى لا تبقى نساء مسلمات كاشفات الوجوه يتعرضن لإيذاء أهل الفساد.
قال ابن القيم في إعلام الموقعين (٢/ ٨٠): وأما تحريم النَّظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة؛ وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال، فكذب على الشارِع فأين حرم اللَّه هذا وأباح هذا والله سبحانه إنما قال ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ولم يطلق الله ورسوله للأعين النظر إلى الإماء البارعات الجمال، وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حرم عليه بلا ريب، وإنّما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك.
كما قال الشنقيطي في أضواء البيان (٦/ ٢٤٥): وليس المراد منه أن تعرض الفساق للإماء جائز هو حرام ولا شك أن المتعرضين لهن من الذين في قلوبهم مرض وأنهم يدخلون في قوله تعالى ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ إلى قوله ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ ... الأحزاب: ٦٠ - ٦١
стр. 137
٤) أنكر الشيخ الألباني أن يكون المراد بقوله تعالى ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الحرائر منهن دون الإماء؛ قياسا على عموم قوله تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ النساء: ٤٣ وهذا قياس ضعيف! فإن العموم ظاهر في قوله تعالى (النِّسَاءَ) حيث جاءت معرفة بـ (ال) التي تفيد الاستغراق أي تشمل جميع النساء حرائر وإماء، أما قوله ... ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ... في آية الحجاب فإنها جاءت عارية من (ال) ولذلك فقياسها على ما عري مثلها أولى، كقوله ... ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ الأحزاب: ٣٠ وقوله ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ البقرة: ٢٢٦
وقوله ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ المجادلة: ٢ وهذا كله مما علم أنه يراد به في الأسلوب القرآني زوجاتهم الحرائر دون الإماء.
- قال شيخ الإسلام في شرح العمدة (٤/ ٢٧٠ - ٢٧٣): وقد مضت السنة بالفرق بين الحرة والأمة ... والأصل في ذلك إن الله سبحانه قال ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فاختص الله سبحانه بالأمر بإدناء الجلابيب أزواج النبي ﷺ وبناته ونساء المؤمنين ولم يذكر إماءه ولا إماء المؤمنين ولسن داخلات في نساء المؤمنين بدليل أن قوله تعالى ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ وقوله ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وقوله ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ إنما عنى به الأزواج خاصة.
стр. 138
- قال الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢٤٥): وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر وجهها وشعرها لأن قوله تعالى (ونساء المؤمنين) ظاهره أنه أراد الحرائر.
- قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٩): والنساء مختصات بحكم العرف بالحرائر. اهـ
يشهد لذلك قول عائشة ﵂ "كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن" (١) فقولها (نساء المؤمنات) يدل على أن مرادها الحرائر منهن، إذ لو كانت تريد عموم النساء لقالت
(كن النساء يشهدن) كما في قولها " لو أن رسول الله ﷺ رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد" (٢).
٥) أنكر الشيخ الألباني على شيخ الإسلام ابن تيمية القول باختصاص الحرائر بالحجاب فقال في جلباب المرأة / ٩٥: وأما قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تفسير سورة النور" والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين زمن النبي ﷺ وخلفائه؛ أن الحرة تحتجب والأمة تبرز" فغريب؛ ووجه الغرابة عزو ذلك إلى سنة المؤمنين زمن النبي ﷺ ، أي إقراره ﷺ ، ولو صح هذا في نص صريح لكان حجة كافية في صحة دعوى الاختصاص، ودليلا واضحا على تخصيص قوله تعالى (ونساء المؤمنين) بالحرائر، ولكني لا أراه ورد فضلا عن أن يصح. اهـ
стр. 139
فيقال؛ إن وجه الغرابة هو إنكار الشيخ الألباني لهذا الحكم الثابت بالنصوص الصريحة والصحيحة في التفريق بين الحرائر والإماء - ومنها ما شهد الشيخ الألباني على صحته كقول عمر ﵁ وقتادة - وهو سبق أن أقرَّ به وقال بمثل قول شيخ الإسلام الذي أنكره!! فقد قال الشيخ الألباني في كتابه حجاب المرأة /٧٣: والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي ﷺ وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز وكان عمر ﵁ إذا رأى أمة مختمرة ضربها وقال: أتتشبهين بالحرائر أي لكاع) اهـ وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على خطأ الشيخ الألباني فيما ذهب إليه مؤخرا من إنكار اختصاص الحجاب بالحرائر دون الإماء.
عورة المرأة الحرة
- رابعا: للمرأة الحرّة عورتان (١):
(١) عورة في الصلاة؛ وهي كلها عورة إلا وجهها وكفيها واختلف في قدميها، وليس هذا مجال بحثنا.
(٢) وعورة في النظر؛ وهي تختلف باختلاف الناظرين، وهم قسمان:
стр. 140
١ - فإما أن يكون الناظر رجل حرٌ أجنبي عنها؛ فالمرأة كلها عورة؛ يجب عليها أن تحتجب منه ولا يحل له الدخول عليها ولا النظر إليها إلا عند سؤال حاجة فيكون من وراء ساتر. والأصل في ذلك - كما بينّاه في مناقشة البحث الثاني - آية الحجاب قال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ومن صحيح السنة ما يؤكد معنى الآية ويشهد لعمومها لنساء المسلمين وهو قول المصطفى ﷺ "إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار يا رسول اللَّه أفرأيت الحمو؟ قال: "الحمو الموت" (١) فهذا حجاب البيوت؛ أما عند الخروج فَفُرِضَ على المرأة ستر وجهها عنه بآية الحجاب الثانية - كما بينّاه في مناقشة البحث الثاني أيضا - وهي قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الأحزاب: ٥٩ فمُنعوا من النظر إلى المرأة الحرة الأجنبية، ولذلك أخرج جل أهل العلم هذه الفئة من الناظرين وهم (الأحرار الأجانب) عند الكلام عن عورة المرأة الحرة لأن الحجاب حال دون نظرهم إليها، فلا يصح أن يدرجوا في أحكام النظر وقد حال الحجاب بينهم وبين النظر للنساء الأجنبيات الحرائر.
стр. 141
٢ - وإما أن يكون الناظر ممن يحل له الدخول على المرأة في البيت والنظر إليها دون حجاب وهم من تكلم الفقهاء عن أحكام نظرهم إلى المرأة وهم قسمان:
القسم الأول: من استثناهم الله في آية النور بقوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ النور: ٣١ وهم (البعولة وآباؤهم وأبناءهم، والمحارم من النسب، والنساء المسلمات وعبد المرأة إذا كان من غير أولي الإربة، والتابع إذا كان من غير أولي الإربة، والأطفال الغير مميزين) وحدود ما تبديه المرأة لهم ينحصر في مواضع الزينة كما قال الشيخ الألباني في الرد المفحم (ص/٧٤): "فإن المراد مواضع الزينة، وهي: القرط والدملج والخلخال والقلادة، وهذا باتفاق علماء التفسير وهو المروي عن ابن مسعود". وسيأتي في مناقشة البحث التاسع بيان ذلك مفصلا.
والقسم الثاني: من لم يستثن في الآية ممن يحل له الدخول والنظر دون حجاب ومنهم (عبد المرأة إذا كان من أولي الأربة، العبيد المملوكون للغير، الذي لم يبلغ الحلم من الأحرار- أي الصبية المميزين-) وهؤلاء وإن كان يحل لهم الدخول والنظر إلا أن المرأة لا تبدي لهم إلا الزينة الظاهرة (الوجه
стр. 142
والكفين) والأصل في ذلك قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ النور: ٣١ ــ وسيأتي بيان ذلك مستوفيا أيضا في مناقشة البحث التاسع إن شاء الله ــ وهؤلاء هم من وقع الخلاف بين الفقهاء في حكم نظرهم للمرأة، فمنهم من أطلق جواز نظره للوجه والكفين من المرأة للآية، ومنهم من قيد الجواز بالحاجة وأمن الفتنة، ومنهم من منع من النظر لغير حاجة لأنه مظنة الفتنة.
وكذلك حصل الخلاف في حكم النظر للإماء (المملوكات اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب) فمنهم من أوجب عليهن تغطية الوجه في هذا الزمان لأنه مظنة الفتنة، ومنهم من لم يوجب عليهن ذلك ولكن قال هو في حقهن مستحب وعلى الرجل غض البصر للآية ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ النور: ٣٠
هذا مدار الخلاف بين الفقهاء في مسألة النظر؛ وهو الذي بنى عليه الشيخ الألباني رأيه في مسألة تغطية الوجه كما سترى استشهاده ببعض أقوالهم في هذه البحوث، وقد استشهدنا من أقوالهم ما يبطل ما نسبه لهم الشيخ الألباني. أما وجوب تغطية الوجه على الحرائر من نساء المسلمين فهو أمر مجمع عليه لا خلاف فيه.
стр. 143
* خامسا: مما استشهد به الشيخ الألباني من هذه الخلافات:
١) ما ذكره الشوكاني تحت حديث عائشة "يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه". وفيه دليل لمن قال: إنه يجوز نظر الأجنبية. قال ابن رسلان: وهذا عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو دونه أما عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق. وحكى القاضي عياض عن العلماء: أنه لا يلزم ستر وجهها في طريقها، وعلى الرجال غض البصر للآية وقد تقدم الخلاف في أصل المسألة"اهـ
فيقال أولا: إن هذا الحديث مما حمله المتأخرون على غير محمله حيث حملوه على ما يجوز للمرأة الحرة إظهاره للرجال الأحرار الأجانب؛ فاستدلوا به على جواز كشف وجه المرأة، وهذا خلاف معنى الحديث وما حمله عليه
المتقدمون، وهو ما يجوز للمرأة إظهاره ويحل النظر إليه لمن يحل له النظر إليها كما أسلفنا - وسيأتي بيان ذلك مفصلا في مناقشة البحث الثامن إن شاء الله - فإن الأمر في هذا الحديث (لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه) موافق لما جاء في آية النور ... ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي أنه لا يحل للمرأة أن تبدي إلا الوجه والكفين بما فيهما من الزينة، أمام من يحل له النظر إليها ممن لا يعد محرما لها؛ وهم العبيد المملوكين
стр. 144
بالنسبة للنساء الحرائر لحاجتها للمعاملة معهم بالأخذ والإعطاء، وعامة الرجال الأجانب بالنسبة للإماء للحاجة لكشف وجهها عند بيعها أو شرائها، وهذا يوافق ما ذكره الشوكاني " والحاصل أن المرأة تبدي من مواضع الزينة ما تدعو إليه الحاجة عند مزاولة الأشياء والبيع والشراء والشهادة، فيكون ذلك مستثنى من عموم النهي عن إبداء مواضع الزينة وهذا على ما يدل على أن الوجه والكفين مما يستثنى".
ثانيا: قوله "وفيه دليل لمن قال: إنه يجوز نظر الأجنبية. قال ابن رسلان: وهذا عند أمن الفتنة ... اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق. وحكى القاضي عياض عن العلماء: أنه لا يلزم ستر وجهها في طريقها، وعلى الرجال غض البصر للآية وقد تقدم الخلاف في أصل المسألة" هذا الخلاف كما أسلفنا هو عن جواز النظر حال جواز الكشف، والمراد به هنا النظر للإماء يشهد لذلك قول ابن رسلان (لاتفاق المسلمين. . .) فإن حجاب الحرائر فرض قد افترضه الله عليهن عند الخروج بقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ وليس الأصل في حجاب الحرائر اتفاق المسلمين على منعهن من الخروج سافرات! وإنما كان المنع من المتأخرين لمن لم يفرض عليهن الحجاب وهن الإماء لخوف الفتنة بهن فاتفقوا على
منعهن من الخروج سافرات (١)، ويرى بعضهم
стр. 145
ومنهم القاضي عياض؛ التمسك بالأصل في ذلك، وهو أن الإماء لم يؤمرن بالحجاب، فلا يلزمن به، ولكن على الرجال ما أمرهم الله به من غض البصر. وبذلك يتبين أن ما نقله الشيخ الألباني عن الشوكاني وعن القاضي عياض إنما كان عن جواز النظر حال جواز الكشف؛ وليس عن حكم كشف النساء الحرائر للأحرار الأجانب، ومما يؤكد ذلك ويبين رأي الشوكاني في هذه المسألة: قوله في السيل الجرار (٤/ ١٢٧ - ١٢٩): ولا يخفاك أن الأدلة الدالة على تحريم النظر إلى وجه الأجنبية ثابتة في الكتاب والسنة. فمن الكتاب ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الآية ...
ومن ذلك قوله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فقد ثبت في الصحيح أن هذه الآية لما نزلت قالت عائشة "رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله (وليضربن بخمرهن على جيوبهن)؛ شققن مروطهن فاختمرن بها" أي وقعت منهن التغطية لوجوههم وما يتصل بها، ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ وفي هذه الآيات أعظم دلالة على وجوب التستر عليهن وتحريم النظر إليهن. اهـ
٢) استشهد الشيخ الألباني بقول ابن حزم في مراتب الإجماع" (ص ٢٩) " واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما عورة هي أم لا؟ " وأقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه، ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى. اهـ