٢ - وإما أن يكون الناظر ممن يحل له الدخول على المرأة في البيت والنظر إليها دون حجاب وهم من تكلم الفقهاء عن أحكام نظرهم إلى المرأة وهم قسمان:
القسم الأول: من استثناهم الله في آية النور بقوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ النور: ٣١ وهم (البعولة وآباؤهم وأبناءهم، والمحارم من النسب، والنساء المسلمات وعبد المرأة إذا كان من غير أولي الإربة، والتابع إذا كان من غير أولي الإربة، والأطفال الغير مميزين) وحدود ما تبديه المرأة لهم ينحصر في مواضع الزينة كما قال الشيخ الألباني في الرد المفحم (ص/٧٤): "فإن المراد مواضع الزينة، وهي: القرط والدملج والخلخال والقلادة، وهذا باتفاق علماء التفسير وهو المروي عن ابن مسعود". وسيأتي في مناقشة البحث التاسع بيان ذلك مفصلا.
والقسم الثاني: من لم يستثن في الآية ممن يحل له الدخول والنظر دون حجاب ومنهم (عبد المرأة إذا كان من أولي الأربة، العبيد المملوكون للغير، الذي لم يبلغ الحلم من الأحرار- أي الصبية المميزين-) وهؤلاء وإن كان يحل لهم الدخول والنظر إلا أن المرأة لا تبدي لهم إلا الزينة الظاهرة (الوجه
стр. 142
والكفين) والأصل في ذلك قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ النور: ٣١ ــ وسيأتي بيان ذلك مستوفيا أيضا في مناقشة البحث التاسع إن شاء الله ــ وهؤلاء هم من وقع الخلاف بين الفقهاء في حكم نظرهم للمرأة، فمنهم من أطلق جواز نظره للوجه والكفين من المرأة للآية، ومنهم من قيد الجواز بالحاجة وأمن الفتنة، ومنهم من منع من النظر لغير حاجة لأنه مظنة الفتنة.
وكذلك حصل الخلاف في حكم النظر للإماء (المملوكات اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب) فمنهم من أوجب عليهن تغطية الوجه في هذا الزمان لأنه مظنة الفتنة، ومنهم من لم يوجب عليهن ذلك ولكن قال هو في حقهن مستحب وعلى الرجل غض البصر للآية ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ النور: ٣٠
هذا مدار الخلاف بين الفقهاء في مسألة النظر؛ وهو الذي بنى عليه الشيخ الألباني رأيه في مسألة تغطية الوجه كما سترى استشهاده ببعض أقوالهم في هذه البحوث، وقد استشهدنا من أقوالهم ما يبطل ما نسبه لهم الشيخ الألباني. أما وجوب تغطية الوجه على الحرائر من نساء المسلمين فهو أمر مجمع عليه لا خلاف فيه.
стр. 143
* خامسا: مما استشهد به الشيخ الألباني من هذه الخلافات:
١) ما ذكره الشوكاني تحت حديث عائشة "يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه". وفيه دليل لمن قال: إنه يجوز نظر الأجنبية. قال ابن رسلان: وهذا عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو دونه أما عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق. وحكى القاضي عياض عن العلماء: أنه لا يلزم ستر وجهها في طريقها، وعلى الرجال غض البصر للآية وقد تقدم الخلاف في أصل المسألة"اهـ
فيقال أولا: إن هذا الحديث مما حمله المتأخرون على غير محمله حيث حملوه على ما يجوز للمرأة الحرة إظهاره للرجال الأحرار الأجانب؛ فاستدلوا به على جواز كشف وجه المرأة، وهذا خلاف معنى الحديث وما حمله عليه
المتقدمون، وهو ما يجوز للمرأة إظهاره ويحل النظر إليه لمن يحل له النظر إليها كما أسلفنا - وسيأتي بيان ذلك مفصلا في مناقشة البحث الثامن إن شاء الله - فإن الأمر في هذا الحديث (لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه) موافق لما جاء في آية النور ... ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي أنه لا يحل للمرأة أن تبدي إلا الوجه والكفين بما فيهما من الزينة، أمام من يحل له النظر إليها ممن لا يعد محرما لها؛ وهم العبيد المملوكين
стр. 144
بالنسبة للنساء الحرائر لحاجتها للمعاملة معهم بالأخذ والإعطاء، وعامة الرجال الأجانب بالنسبة للإماء للحاجة لكشف وجهها عند بيعها أو شرائها، وهذا يوافق ما ذكره الشوكاني " والحاصل أن المرأة تبدي من مواضع الزينة ما تدعو إليه الحاجة عند مزاولة الأشياء والبيع والشراء والشهادة، فيكون ذلك مستثنى من عموم النهي عن إبداء مواضع الزينة وهذا على ما يدل على أن الوجه والكفين مما يستثنى".
ثانيا: قوله "وفيه دليل لمن قال: إنه يجوز نظر الأجنبية. قال ابن رسلان: وهذا عند أمن الفتنة ... اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق. وحكى القاضي عياض عن العلماء: أنه لا يلزم ستر وجهها في طريقها، وعلى الرجال غض البصر للآية وقد تقدم الخلاف في أصل المسألة" هذا الخلاف كما أسلفنا هو عن جواز النظر حال جواز الكشف، والمراد به هنا النظر للإماء يشهد لذلك قول ابن رسلان (لاتفاق المسلمين. . .) فإن حجاب الحرائر فرض قد افترضه الله عليهن عند الخروج بقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ وليس الأصل في حجاب الحرائر اتفاق المسلمين على منعهن من الخروج سافرات! وإنما كان المنع من المتأخرين لمن لم يفرض عليهن الحجاب وهن الإماء لخوف الفتنة بهن فاتفقوا على
منعهن من الخروج سافرات (١)، ويرى بعضهم
стр. 145
ومنهم القاضي عياض؛ التمسك بالأصل في ذلك، وهو أن الإماء لم يؤمرن بالحجاب، فلا يلزمن به، ولكن على الرجال ما أمرهم الله به من غض البصر. وبذلك يتبين أن ما نقله الشيخ الألباني عن الشوكاني وعن القاضي عياض إنما كان عن جواز النظر حال جواز الكشف؛ وليس عن حكم كشف النساء الحرائر للأحرار الأجانب، ومما يؤكد ذلك ويبين رأي الشوكاني في هذه المسألة: قوله في السيل الجرار (٤/ ١٢٧ - ١٢٩): ولا يخفاك أن الأدلة الدالة على تحريم النظر إلى وجه الأجنبية ثابتة في الكتاب والسنة. فمن الكتاب ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الآية ...
ومن ذلك قوله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فقد ثبت في الصحيح أن هذه الآية لما نزلت قالت عائشة "رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله (وليضربن بخمرهن على جيوبهن)؛ شققن مروطهن فاختمرن بها" أي وقعت منهن التغطية لوجوههم وما يتصل بها، ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ وفي هذه الآيات أعظم دلالة على وجوب التستر عليهن وتحريم النظر إليهن. اهـ
٢) استشهد الشيخ الألباني بقول ابن حزم في مراتب الإجماع" (ص ٢٩) " واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما عورة هي أم لا؟ " وأقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه، ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى. اهـ
стр. 146
ويجاب عليه بأن هذا القول من ابن حزم؛ كان عن عورة المرأة في الصلاة وليس عن عورة المرأة بالنسبة للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم؛ ولذلك أقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه، ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى!!
وهذا قول ابن حزم الذي نقل منه الشيخ الألباني موضع الشاهد في مراتب الإجماع (١/ ٢٩): "كتاب الصلاة" واتفقوا أن ستر العورة فيها لمن قدر على ثوب مباح لباسه له فرض واتفقوا على أن من لبس ثوبا طاهرا مباحا لباسه كثيفا واحدا فغطى سرته وركبته وما بينهما وطرح منه على عاتقه أن صلاته فيه تجزئه، واتفقوا على أن الفرج والدبر عورة. واتفقوا أن الفكرة في أمور الدنيا لا تفسد الصلاة، (واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما أعورة هي أم لا) واتفقوا أن الأمة إن سترت في صلاتها شعرها وجميع جسدها فقد أدت صلاتها. اهـ
٣) استشهد الشيخ الألباني بما ذكره ابن هبيرة في الإفصاح" (١/ ١١٨) " واختلفوا في عورة المرأة الحرة وحدِّها فقال أبو حنيفة: كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين. وقد روي عنه أن قدميها عورة وقال مالك والشافعي: كلها عورة إلا وجهها وكفيها وهو قول أحمد في إحدى روايتيه" والرواية الأخرى: كلها عورة إلا وجهها خاصة. وهي المشهورة واختارها الخرقي. وفاتته رواية ثالثة وهي: أنها كلها عورة حتى ظفرها. اهـ
стр. 147
فيجاب عليه بالآتي؛ أولا: إن ما استشهد به الشيخ الألباني من قول ابن هبيرة؛ ليس كما أشار إليه الشيخ الألباني أنه من كتابه " الإفصاح عن معاني الصحاح " الذي يعد من كتب شروح الحديث، وإنما هو من كتابه في الفقه: "اختلاف الأئمة العلماء" وفي معرض كلامه عن عورة المرأة في الصلاة، وإليك الموضع الذي نقل منه الشيخ الألباني قول ابن هبيرة من كتابه "اختلاف الأئمة العلماء" للوزير أبي المظفر يحيى بن هبيرة الشيباني
(١/ ١٠١): باب شروط صحة الصلاة ... واختلفوا في عورة المرأة الحرة وحدها. وقال أبو حنيفة: كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين. وقد روي عنه أن قدميها عورة. وقال مالك والشافعي: كلها عورة إلا وجهها وكفيها. وقال أحمد في إحدى روايتيه: كلها عورة إلا وجهها وكفيها كمذهبهما، وهي اختيار الخرقي. واختلفوا في عورة الأمة ... اهـ
أما في عورة المرأة في النظر: فاختيار الخرقي كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة (٤/ ٢٦٧) والثانية: هما ـ الوجه والكفان ـ عورة وهي اختيار الخرقي وكثير من أصحابنا" اهـ
وابن هبيرة يرى أن المشهور من كلام أحمد أن المرأة كلها عورة حتى ظفرها، قال إبراهيم بن محمد بن مفلح في المبدع (١/ ٣٦٢): الحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، ذكر ابن هبيرة أنه المشهور، وقال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد لقول النبي ﷺ المرأة عورة. اهـ
стр. 148
وفي هذا استدراك لقول الشيخ الألباني (وفاتته رواية ثالثة وهي: أنها كلها عورة حتى ظفرها) فإن ابن هبيرة لم يتطرق لهذه الرواية في الموضع الذي نقل منه الشيخ الألباني لأنه كان يتكلم فيه عن عورة المرأة في الصلاة.
ثانيا: من العجيب استشهاد بعض فقهاء المذاهب الأخرى بقول الإمام أحمد:
(ظفر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خفها فإن الخف يصف القدم وأحب إلي أن تجعل لكمها زرا عند يدها لا يبين منها شيء) (١) على عورة المرأة في الصلاة! رغم أن قوله صريح بأنه عند الخروج من البيت (٢)، بقرينة
قوله" فإذاخرجت"، وكما ذكر القاضي في المبدع أن مستند الإمام أحمد في ذلك قول الرسول ﷺ " المرأة عورة" (٣) وهذا الحديث مما لم يتطرق له الشيخ الألباني بذكر رغم صريح دلالته وصحة إسناده!! كما أُثر هذا القول عن التابعي الجليل أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أحد الفقهاء السبعة بإسناد صحيح إليه أنه قال (كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها) (٤) ولكن الشيخ الألباني ردَّه بقول ابن
стр. 149
عبد البر (قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف)!!
وهذا كما هو ظاهر لأن ابن عبد البر حمل كلام أبي بكر على أنه يعني عورتها في الصلاة ولذلك أنكر عليه هذا القول، وسأنقل لك قول ابن عبد البر بتمامة ليتبين لك ذلك:
قال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٧): وقد أجمعوا أنه من صلى مستور العورة فلا إعادة عليه، وإن كانت امرأة فكل ثوب يغيب ظهور قدميها ويستر جميع جسدها وشعرها فجائز لها الصلاة فيه لأنها كلها عورة إلا الوجه والكفين، على هذا أكثر أهل العلم وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة والإحرام، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم وهو قول الأوزاعي وأبي ثور؛ على المرأة أن تغطي منها ما سوى وجهها وكفيها، وقال أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها ... قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ذلك كله منها تباشر
الأرض به وأجمعوا على أنها لا تصلى متنقبة ولا عليها أن تلبس قفازين في الصلاة وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك منها غير عورة، وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه، وأما النظر للشهوة فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة. وقد روي نحو قول أبي بكر بن عبدالرحمن عن أحمد
стр. 150
بن حنبل ــ ثم أردف ابن عبد البر يبين أقوال الأئمة الأربعة في المسألة ــ قال الأثرم سئل أحمد بن حنبل عن المرأة تصلي وبعض شعرها مكشوف وقدمها قال ... وقال مالك إن صلت المرأة الحرة وشعرها مكشوف أو قدماها ... اهـ.
فتبين من ذلك أن إنكار ابن عبد البر لقول أبي بكر بن الحارث لأجل حمل قوله على عورة الصلاة، أما قول ابن عبد البر (وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها) فمراده كل من جاز له النظر إليها دون حجاب؛ من محارم، أو أجانب مملوكين، أو مراهقين لم يبلغوا الحلم، أما الرجال الأحرار الأجانب فمن المعلوم منعهم من النظر إليها، ومما يشهد لذلك؛ أن ابن عبد البر صرّح في موضع آخر بأن الحجاب حال دون النظر للنساء لتغطيتهن لوجوههن إثر نزول آيات الحجاب: فقال في التمهيد (٨/ ٢٣٥): احتجاب النساء من الرجال لم يكن في أول الإسلام وأنهم كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم إلا بمثل ما كان يستتر رجالهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب ... فأنزل الله ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ ... ثم نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع.
٥) استشهد الشيخ الألباني من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ونسبه للجنة من العلماء؛ وهو لعبد الرحمن الجزيري (ت ١٣٦٠ هـ) فقط وليس للجنة من
стр. 151
العلماء!! كما أن ما استشهد به منه؛ فهو عن عورة المرأة في بيتها وعند خدمتها أمام من يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب من الرقيق ونحوهم، وهذا قول عبد
الرحمن الجزيري في كتابه الفقه على المذاهب الأربعة (١/ ١٩٨): ستر العورة خارج الصلاة: يجب على المكلف ستر عورته خارج الصلاة ... وحد العورة من المرأة الحرة خارج الصلاة هو ما بين السرة والركبة إذا كانت في خلوة، أو في حضرة محارمها ... أو في حضرة نساء مسلمات فيحل لها كشف ما عدا ذلك من بدنها بحضرة هؤلاء، أو في الخلوة، أما إذا كانت بحضرة رجل أجنبي أو امرأة غير مسلمة فعورتها جميع بدنها، ما عدا الوجه والكفين، فإنهما ليسا بعورة، فيحل النظر لهما عند أمن الفتنة (الشافعية قالوا: إن وجه المرأة وكفيها عورة بالنسبة للرجل الأجنبي، أما بالنسبة للكافرة فإنهما ليستا بعورة، وكذلك ما يظهر من المرأة المسلمة عند الخدمة في بيتها كالعنق والذراعين، ومثل الكافرة كل امرأة فاسدة الأخلاق). اهـ
وممّا يشهد أن مراده من يجوز له الدخول على المرأة في بيتها والنظر إليها دون حجاب من الرقيق ونحوهم الآتي:
١ - قوله (إذا كانت بحضرة رجل أجنبي) أي بدخوله عليها، وهذا يبعد عموم الرجال الأجانب ويخص من أباح لهم الشرع الدخول من العبيد ونحوهم.
стр. 152
٢ - قوله (أو امرأة غير مسلمة) بعد قوله (أما إذا كانت بحضرة رجل أجنبي) فقرن بين فئتين قرن الله بينهما في كتابه ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ وهذا يشهد أن مراده بالرجل الأجنبي العبد المملوك.
٣ - قوله (وكذلك ما يظهر من المرأة المسلمة عند الخدمة في بيتها كالعنق والذراعين).
٤ - قول الجزيري (الشافعية قالوا: إن وجه المرأة وكفيها عورة بالنسبة للرجل الأجنبي) يشهد أن مراده نظر من يحل له النظر من العبيد المملوكين ونحوهم، لأنه لو كان كلامه عن عورة الحرة بالنسبة للأحرار الأجانب؛ لكان الحنابلة أولى بالاستثناء من الشافعية لصريح قول الإمام أحمد بأن المرأة كلها عورة حتى ظفرها! فهذا يكشف أن ما ذكره الجزيري كان عن
عورة المرأة في بيتها أمام من يحل له الدخول والنظر إليها، لا عن نظر الرجال الأحرار الأجانب للمرأة الحرة. ولذلك تجد أن الشيخ الألباني قد أنكر عليه هذا الاستثناء للشافعية بما ذكر ابن هبيرة! وقد أسلفنا أن ما نقله ابن هبيرة كان عن عورة المرأة في الصلاة، أما ما نقله الجزيري فكان عن عورة النظر فلا يسوغ هذا الإنكار، وقد كان من الأولى أن يكون التعقيب على الجزيري بما ذُكر في كتب الشافعية لا بما ذكر ابن هبيرة! ومما يشهد لصحة قول الجزيري من منع الشافعية للنظر إلى الوجه والكفين من المرأة الحرة ممن يحل له النظر إليها من العبيد ونحوهم حتى عند أمن الفتنة الآتي:
стр. 153
ماجاء في منهاج الطالبين للنووي (١/ ٩٥): ويحرم نظر فحل بالغ إلى عورة حرة كبيرة أجنبية وكذا وجهها وكفيها عند خوف فتنة وكذا عند الأمن على الصحيح.
وفي تحفة الحبيب على شرح الخطيب (البجيرمي على الخطيب) (٢/ ١٠٧): أما عورتها خارج الصلاة بالنسبة لنظر الأجنبي إليها فهي جميع بدنها حتى الوجه والكفين، ولو عند أمن الفتنة.
وفي حواشي الشرواني على تحفة المحتاج بشرح المنهاج لعبدالحميد الشرواني (٢/ ١١٢): قوله (وإنما حرم نظرهما الخ) أي الوجه والكفين من الحرة ولو بلا شهوة قال الزيادي في شرح المحرر بعد كلام وعرف بهذا التقرير أن لها ثلاث عورات عورة في الصلاة وهو ما تقدم وعورة بالنسبة لنظر الأجانب إليها جميع بدنها حتى الوجه والكفين على المعتمد، وعورة في الخلوة وعند المحارم.
٦) قال الشيخ الألباني: وقد كنت نقلت عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على وجه المرأة ليس بعورة وعن النووي مثله، وأنه مذهب
الأئمة الثلاثة ورواية عن أحمد، فبعض هذه الأقوال من هؤلاء العلماء الكبار كافية لإبطال دعوى الشيخ الإجماع فكيف بها مجتمعة؟! ... فقد ذكرت في غير موضع من كتابي من قال من العلماء بخلاف إجماعه المزعوم مثل ابن جرير وابن رشد والنووي. اهـ
والجواب عليه بالآتي:
стр. 154
١ - قوله " كنت نقلت عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على وجه المرأة ليس بعورة" فهذا مثل ما نقله أيضا عن المرداوي وابن قدامه وابن هبيرة عن عورة المرأة في الصلاة!
وهذا قول ابن رشد الذي نقل منه الشيخ الألباني موضع الشاهد من كتابه بداية المجتهد (١/ ٧٦ - ٩٥): كتاب الصلاة ... الصلاة تنقسم أولا وبالجملة إلى فرض، وندب ... الباب الرابع ينقسم إلى فصلين: أحدهما: في ستر العورة والثاني: فيما يجزئ من اللباس في الصلاة ... الفصل الاول اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بإطلاق، واختلفوا هل هو شرط من شروط صحة الصلاة أم لا؟ وكذلك اختلفوا في حد العورة من الرجل والمرأة ... وأما المسألة الثانية: وهو حد العورة من الرجل، ... وأما المسألة الثالثة: وهي حد العورة من المرأة، فأكثر العلماء على أن بدنها كله عورة، ما خلا الوجه، والكفين. وذهب أبو حنيفة إلى أن قدمها ليست بعورة. اهـ (١)
стр. 155
ومما يؤكد أن كلام ابن رشد لم يكن عن عورة المرأة الحرة أمام من أوجب الله عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب؛ أنه صرّح في موضع آخر بأن فرض الحجاب على النساء حال دون النظر إليهن:
قال أبو الوليد ابن رشد القرطبي (ت ٥٩٥ هـ) في بداية المجتهد (١/ ١٨٣): وسبب الفرق أن نظر الرجال إلى النساء أغلظ من نظر النساء إلى الرجال بدليل أن النساء حجبن عن نظر الرجال إليهن، ولم يحجب الرجال عن النساء.
كما قال ابن رشد في البيان والتحصيل (١٧/ ٤٩١): فيصح للمرأة أن تنظر من الرجل الأجنبي إلى ما يصح للرجل أن ينظر إليه من ذوات محارمه، وقد قيل إنه لا يصح للمرأة أن تنظر من الرجل إلا إلى ما يصح للرجل أن ينظر منها، على فعل عائشة في احتجابها من الرجل الأعمى. أهـ
٢ - قوله (وعن النووي مثله) صحيح أيضا مثله عن عورة المرأة في الصلاة؛ وهو قول النووي في كتابه المجموع (٣/ ١٦٧): (فرع) في مذاهب العلماء في ستر العورة في الصلاة. . . وعورة الرجل ما بين السرة والركبة. . . وأما الحرة فجميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين. اهـ
أما عورة النظر؛ فقال النووي في شرحه على صحيح مسلم (٤/ ٣١): وأما نظر الرجل إلى المرأة فحرام في كل شيء من بدنها.
وقال في موضع آخر منه (١٧/ ١١٦): واعلم أن في حديث الإفك فوائد كثيرة. . . التاسعة عشر: تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي سواء كان صالحا أو غيره.
стр. 156
وقال في روضة الطالبين وعمدة المفتين (٧/ ٣٠٧): السابعة: أصدقها ـ جعل صداقهاـ تعلم سورة ... وإن طلقها قبل التعليم؛ فقد استحقت جميع التعليم وفيه وجهان: أحدهما يعلمها وراء حجاب بغير خلوة، وأصحهما وهو المنصوص في المختصر أنه قد تعذر التعليم لأنها قد صارت أجنبية ولا تؤمن مفسدة.
وقال في المجموع (٨/ ٧٥): قال الشافعي في الأم، والأصحاب؛ يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة، فان طافت نهارا جاز، وتسدل على وجهها ما يستره.
٣ - أما قول الشيخ الألباني: "ذكرت في غير موضع من كتابي من قال من العلماء بخلاف إجماعه المزعوم مثل ابن جرير".اهـ فلا يصح ما نسبه لابن جرير؛ فإن ابن جرير لم يحكي خلافا في وجوب تغطية وجه المرأة، وإنما ذكر أنهم اختلفوا في كيفية تغطية المرأة لوجهها؛ فمنهم من قال تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها حتى لا يبدو منها إلا عينا واحدة كما قال ابن عباس وعبيدة السلماني، ومنهم من قال بل تتقنع فتشد الجلباب على جبينها ثم تعطفه على أنفها كما قال ابن عباس وقتادة.
وهذا قول ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٠/ ٣٢٤): القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين: لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن
стр. 157
لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن. ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهنّ؛ ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به فقال بعضهم: هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منهن إلا عينا واحدة. ذكر من قال ذلك: ... عن ابن عباس (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة) ... عن ابن عون عن محمد عن عبيدة في قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فتقنع بردائه، فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى، وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب.
وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن. ذكر من قال ذلك: ... عن ابن عباس قال: "كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن. وإدناء الجلباب: أن تقنع وتشد على جبينها" ... عن قتادة قال "أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب".اهـ
وقد سبق أن بينا في مناقشة البحث الثالث أن قول ابن عباس وقتادة تعني تغطية الوجه برد طرف الثوب عليه كما فسرها أئمة التفسير.
قال القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٤٣): قوله تعالى: ﴿مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الجلابيب جمع جلباب ... والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن. واختلف الناس في صورة إرخائه، فقال ابن عباس وعبيدة السلماني: ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها. وقال ابن عباس أيضا وقتادة: ذلك أن
стр. 158
تلويه فوق الجبين وتشده، ثم تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. اهـ
ولذلك لم ينسب أحد من أهل العلم القول بأن هناك فريق قال بالكشف لابن جرير؛ قال العظيم آبادي في عون المعبود (١١/ ١٠٦): وقوله ﴿جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينا واحدة كذا في الجلالين، وقال ــ ابن جرير ــ في جامع البيان الجلباب رداء فوق الخمار تستر من فوق إلى أسفل يعني يرخينها عليهن ويغطين وجوههن وأبدانهن. اهـ
٧) قال الشيخ الألباني (ومنهم ابن بطال الذي نقلت عنه أنه استدل بحديث الخثعمية أن ستر المرأة وجهها ليس فرضاً) اهـ وبالرجوع إلى قول ابن بطال يتضح لنا مراده؛ قال ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) في شرح صحيح البخارى (٩/ ١١) في شرحه لحديث المرأة الخثعمية: فيه أن نساء المؤمنين ليس لزوم الحجاب لهم فرضًا في كل حال كلزومه لأزواج النبي ﷺ ولو لزم جميع النساء فرضًا لأمر النبي الخثعمية بالاستتار. اهـ
فقوله (أن نساء المؤمنين ليس لزوم الحجاب لهم فرضًا في كل حال) يؤيد ماذكرنا من أن النساء لم يفرض عليهن الاحتجاب من الرقيق والتابعين غير أولي الإربة (١)
стр. 159
والذين لم يبلغو الحلم من الأحرار، وقوله (كلزومه لأزواج النبي ﷺ ) فإن هناك فريق من أهل العلم ومنهم ابن بطال؛ يرى أن الحجاب مفروض على زوجات النبي ﷺ حتى عن الرقيق والأتباع فلا يحل لهم الدخول عليهن ولا إظهار شخوصهن إلا لما ملكت أيمانهن كما قال أبو جعفر النحاس (ت ٣٣٨ هـ) في معاني القرآن (٥/ ٣٧٢): فكان لا يحل لأحد أن يسألهن طعاما ولا غيره ولا ينظر إليهن متنقبات ولا غير متنقبات إلا من وراء حجاب وكانت عائشة إذا طافت بالبيت سترت، وفي الحديث لما ماتت زينب قال عمر لا يخرج في جنازتها إلا ذو محرم منها فوصف له النعش فاستحسنه وأمر به وقال اخرجوا فصلوا على أمكم، قال أنس كنت أدخل على أزواج النبي ﷺ فلما نزلت هذه الآية جئت لأدخل فقال لي النبي ﷺ وراءك يا بني. اهـ
أما قوله (ولو لزم جميع النساء فرضًا لأمر النبي الخثعمية بالاستتار) فهذا كما ذكرنا أيضا؛ فإن الحجاب لم يفرض إلا على الحرائر من النساء، أما الإماء المملوكات فلم يفرض عليهن الحجاب، ولذلك لم يأمر النبي ﷺ الخثعمية بالاستتار لأنها كانت أمة مملوكة، وسيأتي زيادة تفصيل وبيان لذلك في مناقشة البحث السادس إن شاء الله.
ومما يؤكد أن ابن بطال لا يعني عدم وجوب الحجاب مطلقا؛ قوله في شرح صحيح البخارى (٢/ ٢٢٢): وذلك أن تلفعهن وتسترهن بمروطهن مانع من معرفتهن، وكان الرجال يصلون ووجوههم بادية بخلاف زى النساء وهيئاتهن.
стр. 160
وقوله في موضع آخر منه (٤/ ٢١٧): وأجمع العلماء أن المرأة تلبس المخيط كله والخمُر والخفاف، وأن إحرامها في وجهها، وأن لها أن تغطى رأسها وتستر شعرها، وتسدل الثوب على وجهها سدلا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال. اهـ
وبذلك بطل احتجاج الشيخ الألباني بـ (ابن رشد وابن جرير والنووي وابن بطال) على وجود خلاف بين الأئمة والفقهاء في عورة المرأة الحرة بالنسبة لنظر الرجال الأحرار الأجانب، مع أن الحجة بالإجماع لا بوجود الخلاف:
قال ابن عبد البر في التمهيد لما في الموطأ (١/ ١٤٣): ولا يجوز أن يراعي الاختلاف عند طلب الحجة، لأن الاختلاف ليس منه شيء لازم دون دليل، وإنما الحجة اللازمة الإجماع لا الاختلاف، لأن الإجماع يجب الانقياد إليه لقول الله (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المومنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا). النساء ١١٥
٨) أما قول الشيخ الألباني (لم ينطق بكلمة" الإجماع" في هذه المسألة أحد من أهل العلم فيما بلغني وأحاط به علمي فإن الخلاف فيها قديم لا يخلو منه كتاب من الكتب المتخصصة في بحث الخلافيات)؛ فإن الشيخ الألباني نفسه قد نطق بكلمة الإجماع بعد أن ذكر أن إدناء الجلباب يكون بتغطية الوجه؛
فقال في كتابه جلباب المرأة المسلمة (ص ١٥١ - ١٥٢): ومن هنا يظهر الضابط في نهيه ﷺ عن تشبه الرجال بالنساء، وعن تشبه النساء بالرجال، وأن الأصل في ذلك ليس هو راجعا إلى مجرد ما تختاره الرجال والنساء ويشتهونه ويعتادونه، فإنه لو كان كذلك؛ لكان إذا اصطلح قوم على أن يلبس الرجال الخمر التي تغطي الرأس
стр. 161
والوجه والعنق، والجلابيب التي تسدل من فوق الرءوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان! وأن تلبس النساء العمائم والأقبية ونحو ذلك أن يكون هذا سائغا! وهذا خلاف النص والإجماع، فإن الله تعالى قال للنساء: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ النور: ٣١ الآية، وقال: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ اهـ.
فكيف يسوغ إنكاره لهذا الإجماع وهو قد أقرّ به في كتابه!
- سادسا: ومما يثبت إجماع أهل العلم على وجوب تغطية الوجه على الحرائر من النساء:
١) التصريح من بعض أهل العلم على اختلاف مذاهبهم بهذا الإجماع:
- قال ابن عبد البر المالكي في الاستذكار (٨/ ٥٤٢): والعلماء مجمعون على أن الله لم يرد بما أمر به النساء من الاحتجاب وأن يدنين عليهن من جلابيبهن؛ الإماء؛ وإنما أراد بذلك الحرائر.
- قال بدر الدين العيني الحنفي في عمدة القاري (٢٠/ ٢٤٥): لايجوز للمرأة أن تأذن للرجل الذي ليس بمحرم لها في الدخول عليها ويجب عليها الاحتجاب منه بالإجماع، ما ورد من بروز النساء فإنما كان قبل نزول الحجاب.
стр. 162
- قال الإمام العلامة يوسف بن عبدالهادي المقدسي الشهير بابن المَبْرَد في مغني ذوي الأفهام /١٢٠: ويجب عليها ستر وجهها إذا برزت بالاتفاق.
- وقال العلامة المجتهد الكبير محمد بن إبراهيم الوزير اليماني في الروض الباسم (٢/ ٢٢٨): وأجمعوا على وجوب الحجاب للنّساء.
- وقال مفتي باكستان الشيخ شفيع الحنفي في كتابه المرأة المسلمة /٢٠٢: وبالجملة فقد اتفقت مذاهب الفقهاء وجمهور الأمة على أنه لا يجوز للنساء الشواب كشف الوجوه والأكف بين الأجانب.
٢) استمرار العمل يدل على الإجماع كما قال إمام الحرمين الجويني في الورقات في أصول الفقه: والإجماع يصح بقولهم وبفعلهم وبقول البعض وبفعل البعض وانتشار ذلك.
- قال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٣٣٧): لم تزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، فلو استووا لأمر الرجال بالتنقب، أو منعوا من الخروج.
- قال الإمام ابن نور الدين بن الخطيب الشافعي في تيسير البيان لأحكام القرآن (٢/ ١٠٠١): لم يزل عمل الناس على هذا قديما وحديثا في جميع الأمصار والأقطار، فيتسامحون للعجوز في كشف وجهها ولا يتسامحون للشابة ويرونه عورة ومنكرا.
стр. 163
٣) القول بوجوب ستر وجه المرأة وإليك بعض أقوال أهل العلم التي سبق بسطها في البحوث السابقة:
- قال أبو بكر الجصاص الحنفي (ت ٣٧٠ هـ): المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين.
- قال ابن عبد البر المالكي (ت ٤٦٣ هـ): كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب ... فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع.
- قال أبو الحسن الكيا الهراس (ت ٥٠٤ هـ): فأمرهن بتغطية وجوههن ورؤوسهن.
- قال أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ): لأمر الرجال أيضا بالتنقب كما أمر النساء.
- قال ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): ستر وجهها بالبرقع فرض.
- قال ابن قدامة (ت ٦٢٠ هـ): ولأنهن لو منعن النظر ــ للرجال ــ لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء لئلا ينظرن إليهم.
- قال القرطبي (ت ٦٧١ هـ): وكان عمر ﵁ إذا رأى أمة قد تقنعت ضربها بالدرة، محافظة على زي الحرائر. وقد قيل: إنه يجب الستر والتقنع الآن في حق الجميع من الحرائر والاماء.
стр. 164
- قال النسفي الحنفي (ت ٧١٠ هـ) وأبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ) ونظام الدين الحسن القمي (ت ٧٢٨ هـ): أمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه.
- قال ابن جزي الكلبي (ت ٧٤١ هـ): فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن.
- قال السبكي (ت ٧٥٦ هـ): من نصفها حر ونصفها رقيق، في السترة؛ حكم الأرقاء، لأن وجوب ستر الرأس من أمارات الحرية وعلامات الكمال. (١)
- وقال ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥ هـ): كن قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب، ويرى من المرأة وجهها وكفاها. ثم أمرت بستر وجهها وكفيها.
- قال ابن الملقن الشافعي (٨٠٤ هـ): وجميعُ النسوان لم يكن يحتجبن ... إلى أن نزلت آية الحجاب فحجبن وجوههن عن عيون الناس أجمعين.
- قال العيني الحنفي (ت ٨٥٥ هـ): الأمر بستر وجوههن يدل عليه قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾
- قال أحمد بن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ): من تحققت نظر أجنبي لها يلزمها ستر وجهها عنه. (٢)
стр. 165
- قال الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): قوله (ومن الحرة غير الوجه والكفين) أقول قد دل الدليل على أن هذا يجب عليها ستره من الرجال ولا يجوز لهم النظر إليه.
- قال الجاوي في نهاية الزين (ت ١٣١٦ هـ) (١/ ٤٧): جميع بدنها حتى قلامة ظفرها وهي عورتها عند الرجال الأجانب فيحرم على الرجل الأجنبي النظر إلى شيء من ذلك ويجب على المرأة ستر ذلك عنه. (١)
- وقال محمد الجرداني الحنفي: وبالنسبة لنظر الأجنبي إليها؛ جميع بدنها بدون استثناء شيء منه أصلا ولو كانت عجوزاً شوهاء، فيحرم على الرجل أن ينظر إلى شيء منها، ولو بغير شهوة، ويجب أن تستتر عنه. هذا هو المعتمد. (٢)
وبذلك تبين إجماع أهل العلم على وجوب تغطية المرأة لوجهها وأن "الصواب مع المشايخ الذين يذهبون إلى أن وجه المرأة عورة لا يجوز لها كشفه عند الرجال الأجانب ودليلهم على ذلك الكتاب والسنة والإجماع" وتبين خطأ الشيخ الألباني في إنكاره على من قال بذلك.
وفي نهاية هذا المبحث وبعد أن تقرر لدينا إجماع أهل العلم على وجوب تغطية الوجه على المرأة الحرة من الرجل الأجنبي الحر؛ وبعد أن بينا أن مراد من قال من الفقهاء بجواز النظر إلى الوجه والكفين من المرأة؛ هو ما يباح للعبيد المملوكين النظر إليه من المرأة الحرة، وما يباح النظر إليه من الإماء،
стр. 166
فإنه إن وجد من الفقهاء أو غيرهم من أهل العلم من يقول بجواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب؛ فلا حجة في قوله امتثالاً للقاعدة الأصولية التي تقول:
(أقوال العلماء يحتج لها بالدليل، ولا يحتج بها على الدليل)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٢/ ٥٣٧):
وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، إنما الحجة النص والإجماع، ودليل مستنبط من ذلك تقدر مقدماته بالأدلة الشرعية، لا بأقوال بعض العلماء فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية، لا يحتج بها على الأدلة الشرعية.
стр. 167
ــ:: تتمة البحث الخامس (١):: ــ
أنكر الشيخ الألباني على من قال "إن المذهب الذي نسبه الألباني لأكثر العلماء ـ ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية عنه ـ إنما هو في الصلاة إذا كانت المرأة ليست بحضرة الرجال الأجانب"! فقال الشيخ الألباني: وتأكيداً لهذا الذي ذكرت لا يسعني هنا إلا أن أذكر مذاهب الأئمة ... فأقول: أولا: مذهب أبي حنيفة: قال الإمام محمد بن الحسن في "الموطأ": " ولا ينبغي للمرأة المحرمة أن تنتقب فإن أرادت أن تغطي وجهها فلتستدل الثوب سدلاً من فوق خمارها. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا".
وقال أبو جعفر الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٣٩٢): " أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرَّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي ﷺ وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد".
ثانياً: مذهب مالك: روى عنه صاحبه عبد الرحمن بن القاسم في" المدونة" (٢/ ٢٢١) نحو قول الإمام محمد في المحرمة إذا أرادت أن تسدل على وجهها وزاد في البيان فقال: " فإن كانت لا تريد ستراً فلا تسدل". ونقله ابن عبد البر في" التمهيد" (١٥ - ١١١) وارتضاه.
стр. 168
وقال بعد أن ذكر تفسير ابن عباس وابن عمر لآية: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ بالوجه والكفين (٦/ ٣٦٩): " وعلى قول ابن عباس وابن عمر الفقهاء في هذا الباب" قال "هذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها".
وفي" الموطأ" رواية يحيى (٢/ ٩٣٥): " سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله". قال الباجي في" المنتفى شرح الموطأ" (٧/ ٢٥٢) عقب هذا النص: " يقضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها".
ثالثاً: مذهب الشافعي: قال في كتابه" الأم" (٢/ ١٨٥): " المحرمة لا تخمِّر وجهها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي ... " وقال البغوي في" شرح السنة" (٩/ ٢٣): "فإن كانت أجنبية حرة فجميع بدنها عورة في حق الرجل لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضاً عند خوف الفتنة".
رابعاً: مذهب أحمد: روى ابنه صالح في" مسائله" (١/ ٣١٠) عنه قال: " المحرمة لا تخمِّر وجهها ولا تتنقب والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها". قلت: فقوله: " ليس به بأس" يدل على جواز السدل فبطل القول بوجوبه كما بطل تقييده للرواية الأخرى عن الإمام الموافقة لقول الأئمة الثلاثة بأن وجهها وكفيها ليسا بعورة كما تقدم في كلام ابن هبيرة وقد أقرّها ابن تيمية في" الفتاوى" (١٥/ ٣٧١)
стр. 169
وهو الصحيح من مذهبه كما تقدم عن" الإنصاف" وهو اختيار ابن قدامة كما تقدم في" البحث الأول" وعلل ذلك بقوله: " ولو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما بالنقاب لأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء"، ومثل هذا التعليل ذكر في كثير ممن الكتب الفقهية وغيرهما كـ "البحر الرائق" لابن نجيم المصري (١/ ٢٨٤) وتقدم نحوه عن الشوكاني.
ومما سبق يتبين للقراء الكرام أن أقوال الأئمة الأربعة متفقة على تخيير المرأة المحرمة في السدل على وجهها وعدم إيجاب ذلك عليها هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد دل قول مالك في" الموطأ" وقول ابن عبد البر: "وغير صلاتها" وكذلك تخيير الأئمة المحرمات بالسدل؛ أن ذلك خارج الصلاة. اهـ
ثم استشهد الشيخ الألباني بما ورد عن أمُّ المؤمنين عائشة ﵂ قولاً وفعلاً فقال: أما القول فهو: " المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوباً مَسَّه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تَلَثَّم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت" أخرجه البيهقي في" سننه" (٥/ ٤٧) بسند صحيح ... وأما الفعل فهو ما جاء في حديث عمرتها من التنعيم مع أخيها عبد الرحمن قالت: " فأردفني خلفه على جمل له قالت: فجعلت أرفع خماري أحسره عن عنقي فيضرب رجلي بعلّة الراحلة قلت له: وهل ترى من أحد ... "أخرجه مسلم (٤/ ٣٤) فلكونها معتمرة فلا يجوز لها أن تلثم به كما قالت آنفاً فتغطيتها لوجهها بالسدل فعلٌ منها نقول به، ولكن لا يدل على الوجوب خلافاً لزعم المخالفين.
стр. 170
ــ:: مناقشة تتمة البحث الخامس (١):: ــ
أولا: هل الجق مع من قال " أن المذهب الذي نسبه للأئمة إنما هو في الصلاة إذا كانت المرأة ليست بحضرة الرجال الأجانب، وأن هذا تأويل لكلام الأئمة على خلاف مرادهم "وهل دفع الشيخ الألباني هذا القول بما هو حجة من كلام الأئمة؟!
قال ابن نور الدين بن الخطيب الشافعي (ت ٨٢٥) في تيسير البيان لأحكام القرآن (٢/ ١٠٠١): لم يزل عمل الناس على هذا قديماً وحديثاً في جميع الأمصار والأقطار، فيتسامحون للعجوز في كشف وجهها، ولا يتسامحون للشابة، ويرونه عورة ومنكراً، وقد تبين لك وجه الجمع بين الآيتين، ووجه الغلط لمن أباح النظر إلى وجه المرأة لغير حاجة، والسلف والأئمة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم لم يتكلموا إلا في عورة الصلاة، فقال الشافعي ومالك: ماعدا الوجه والكفين وزاد أبو حنيفة والقدمين. وما أظن أحداً منهم يبيح للشابة أن تكشف وجهها لغير حاجة ولا يبيح للشاب أن ينظر إليها لغير حاجة.
قال الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ١٢٧ - ١٢٩): حكى المصنف في البحر عن الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل أنهم يجوزون النظر إلى وجه الأجنبية وهذا النقل عنهم باطل فكتبهم على اختلافها مصرحة بخلاف ذلك، فإن الرواة عنهم من أهل مذاهبهم في كتبهم المعتمدة منهم من صرح بأنهم لم يتكلموا إلا على العورة في الصلاة ولم يتكلموا على النظر، ومنهم من صرح بأنهم قائلون بالمنع من النظر ومنهم من صرح بأن القائلين بالمنع
стр. 171
المتأخرون من أتباعهم ولا يخفاك أن الأدلة الدالة على تحريم النظر إلى وجه الأجنبية ثابتة في الكتاب والسنة. اهـ
فهذا يبين أن الحق مع من قال بأن الخلاف المنقول عن الأئمة الأربعة إنما هو عن عورة المرأة في الصلاة، والخلاف بالتحديد في القدمين؛ هل هما عورة في الصلاة أم لا، مع اتفاقهم أن الوجه والكفين ليست بعورة منها في الصلاة.
وإليك أقوال الائمة الأربعة التي اعتمد عليها من أجاز الكشف ونسبه إليهم:
- قال الشافعي في كتابه الأم (١/ ٨٩): فعلمنا أن نهيه أن يصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء اختيارا، وأنه يجزي الرجل والمرأة كل واحد أن يصلي متواري العورة، وعورة الرجل ما وصفت، وكل المرأة عورة إلا كفيها ووجهها، وظهر قدميها عورة.
وقال الشافعي أيضا في مختصر المزني (١/ ١٦): وعلى المرأة إذا كانت حرة أن تستتر في صلاتها حتى لا يظهر منها شيء إلا وجهها وكفاها فإن ظهر منها شيء سوى ذلك أعادت الصلاة. اهـ
أي أن الإمام الشافعي يرى أن ما عدا الوجه والكفين عورة في الصلاة بما في ذلك ظهور القدمين.
стр. 172
- قال مالك في المدونة الكبرى باب صلاة الحرائر والإماء (٢/ ٥٣): إذا صلت المرأة وشعرها باد أو صدرها أو ظهور قدميها أو معصميها فلتعد الصلاة ما دامت في الوقت. اهـ
أي أن كل ذلك منها عورة في الصلاة يجب عليها ستره، ما عدا وجهها وكفيها، وبذلك فإنه يوافق الإمام الشافعي في كون ظهور القدمين عورة في الصلاة - قال محمد يعقوب عن أبي حنيفة في الجامع الصغير (١/ ٨٢): في امرأة صلت وربع ساقها مكشوف تعيد وإن كان أقل من الربع لم تعد. اهـ
أي أن قدمها عنده ليس بعورة في الصلاة.
* قال ابن عبد البر في الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار (٢/ ٢٠١): والذي عليه فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق أن على المرأة الحرة أن تغطي جسمها كله بدرع صفيق سابغ وتخمر رأسها فإنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها وأن عليها ستر ما عدا وجهها وكفيها واختلفوا في ظهور قدميها فقال مالك تستر قدميها في الصلاة قال مالك فإن لم تفعل أعادت ما دامت في الوقت، وقال الشافعي ما عدا وجهها وكفيها عورة فإن انكشف ذلك منها في الصلاة أعادت وقال أبو حنيفة والثوري قدم المرأة ليست بعورة إن صلت وقدمها مكشوفة لم تعد. اهـ
стр. 173
هذا مدار اختلافهم! وهو في عورة المرأة في الصلاة، فهل يسوغ نسبة إخراج الوجه والكفين مما يجب أن يُستر أمام الرجال الأحرار الأجانب للأئمة الثلاثة؛ بناء على أقوالهم عن عورة المرأة في الصلاة؟!!
ثانيا: هل يسوغ قياس عورة النظر على عورة المرأة في الصلاة ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قد يستر المصلي في الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة وقد يبدي في الصلاة ما يستره عن الرجال؛ ... كذلك المرأة الحرة تختمر في الصلاة وهى لا تختمر عند زوجها ولا عند ذوي محارمها .. وعكس ذلك الوجه واليدان والقدمان ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين، وأما ستر ذلك في الصلاة فلا يجب باتفاق المسلمين بل يجوز لها إبداؤهما في الصلاة عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما وهو إحدى الروايتين عن أحمد فكذلك القدم يجوز إبداؤه عند أبى حنيفة وهو الأقوى، وحينئذ فتصلي في بيتها وإن رؤي وجهها ويداها وقدماها فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر لا طردا ولا عكسا. (١) وقال: فإن الفقهاء يسمون ذلك باب ستر العورة وليس هذا من ألفاظ الرسول ﷺ ولا في الكتاب والسنة أن ما يستره المصلي فهو عورة بل قال تعالى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الأعراف: ٣١. (٢) اهـ
стр. 174
ولذلك فرَّق الفقهاء على اختلاف مذاهبهم بين عورة الصلاة وعورة النظر:
* الفقه الحنبلي: - شرح العمدة (٤/ ٢٦٨): هل يسمى الوجه عورة أو لا؛ والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذ لم يجز النظر إليه.
- إعلام الموقعين لابن القيم (٢/ ٨٠): فإن العورة عورتان؛ عورة في النظر وعورة في الصلاة فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك.
- كشاف القناع (١/ ٢٦٦): والحرة البالغة كلها عورة في الصلاة حتى ظفرها إلا وجهها، قال جمع وكفيها، وهما عورة خارجها باعتبار النظر كبقية بدنها.
* الفقه الشافعي:
- مغني المحتاج (٣/ ١٢٩): وقال السبكي إن الأقرب إلى صنع الأصحاب أن وجهها وكفيها عورة في النظر لا في الصلاة.
- إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين لشرح قرة العين (١/ ١١٣): واعلم أن للحرة أربع عورات: فعند الأجانب جميع البدن ... وفي الصلاة جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها.
стр. 175
- حاشية سليمان الجمل على شرح المنهج لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (٢/ ٤٠٨): قوله (غير وجه وكفين) ... هذه عورتها في الصلاة ... وأما عند الرجال الأجانب فجميع البدن.
* الفقه المالكي:
- الثمر الداني (١/ ١٦٣) وكفاية الطالب الرباني (١/ ٣٩٤): فيجب على المرأة في الصلاة أن تستر ظهور قدميها وشعرها وعنقها ودلاليها ويجوز أن تظهر وجهها وكفيها في الصلاة خاصة.
- وفي الأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ٢٤٠): المرأة في العورة لها أحوال: حالة مع الزوج ولا عورة بينهما، وحالة مع الأجانب وعورتها كل البدن حتى الوجه والكفين في الأصح، وحالة في الصلاة وعورتها كل البدن إلا الوجه والكفين.
* الفقه الحنفي:
- حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (١/ ٢٤١): قال الكمال وصحح بعضهم أنه ليس بعورة في الصلاة لا خارجها، ولا تلازم بين كونه ليس بعورة وجواز النظر إليه.
- فتح العلام للشيخ صديق حسن خان (١/ ٩٧): يباح كشف وجهها في الصلاة، وأما عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي إليها فكلها عورة.
стр. 176
ثالثا: هل كون الوجه ليس بعورة في الصلاة يبيح كشفه وإن كانت المرأة الحرة تصلي على مرأى من رجال أجانب؟
* المذهب الحنبلي:
شرح العمدة (٤/ ٢٦٨): وأما صحة الصلاة مع كشفه - الوجه - فلا خلاف بين المسلمين بل يكره للمرأة ستره في الصلاة ... اللهم ألا إن تكون بين رجال أجانب.
سبل السلام (١/ ١٣٢): ويباح كشف وجهها حيث لم يأت دليل بتغطيته والمراد كشفه عند صلاتها بحيث لا يراها أجنبي فهذه عورتها في الصلاة.
* المذهب الشافعي:
الإقناع للشربيني (١/ ١٢٤) كفاية الأخيار (١/ ٩٣) إعانة الطالبين (١/ ١١٤): نهاية الزين (١/ ٤٧): ويكره أن يصلي الرجل متلثما والمرأة منتقبة، إلا أن تكون في مكان وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر إليها فلا يجوز لها رفع النقاب.
* المذهب المالكي:
التاج والإكليل (١/ ٥٠٢): قال مالك من المدونة إن صلت الحرة منتقبة لم تعد وقال ابن القاسم وكذا المتلثمة وقال اللخمي يكرهان وتسدل على وجهها إن خشيت رؤية رجل.
стр. 177
* المذهب الحنفي:
الدر المختار (١/ ٤٠٥): قال في فصل شروط الصلاة: وستر عورته وهي للرجل ما تحت سرته إلى ما تحت ركبته ... وللحرة جميع بدنها خلا الوجه والكفين والقدمين، وتمنع من كشف الوجه بين الرجال لخوف الفتنة.
وهذا يبين أن كون الوجه والكفين ليسا بعورة من المرأة في الصلاة؛ لا يعني أن المرأة الحرة تصلي كاشفة عن وجهها إذا كانت على مرأى من رجال أجانب، وإنما ذلك إذا كانت تصلي في بيتها أو أمام من يحل له الدخول والنظر إليها من محارم ورقيق ونحوهم.
تحقق لدينا مما سبق أن المأثور عن الأئمة الثلاثة؛ أبي حنيفة ومالك والشافعي إنما هو عن عورة المرأة في الصلاة، فلم يؤثر عن أحد الأئمة الأربعة قول صريح عن عورة المرأة عند الرجال الأحرار الأجانب، إلا قول الإمام أحمد (ظفر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ... ).
رابعا: ١) استشهد في مذهب الإمام أبي حنيفة بقول أبي جعفر الطحاوي" أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرَّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي ﷺ وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد"
وبالرجوع إلى قول أبي جعفر الطحاوي يتبين أن ما نقله الشيخ الألباني عنه كان من (باب نظر العبد إلى شعور الحرائر) وهل لعبد المرأة أن ينظر إلى
стр. 178
شعرها كالمحارم، أم أنه كالعبيد المملوكين للغير لايباح له إلا النظر إلى الوجه والكفين؟ ثم أسند الطحاوي ما وصل إليه في هذه المسألة لأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن:
قال أبو جعفر الطحاوي (ت ٣٢١ هـ) في كتابه شرح معاني الآثار ٤/ ٣٣١ - ٣٣٤:
باب نظر العبد إلى شعور الحرائر: عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال (إذاكان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) قال أبو جعفر: فذهب قوم من أهل المدينة إلى أن العبد لا بأس أن ينظر إلى شعر مولاته ووجهها وإلى ما ينظر إليه ذو محرمها منها، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث ... قال بكير عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت كانت عائشة ﵂ يراها العبيد لغيرها، قال بكير عن عبد الله بن رافع لم تكن أم سلمة تحتجب من عبيد الناس.
وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا لا ينظر العبد من الحرة إلا إلى ما ينظر إليه منها الحر الذي لا محرم بينه وبينها - أي لا يرى منها شيء - وكان من الحجة لهم في ذلك أن قول النبي ﷺ يجوز أن يكون أراد بذلك حجاب أمهات المؤمنين فإنهن قد كن حجبن عن الناس جميعا إلا من كان منهم ذو رحم محرم فكان لا يجوز لأحد أن يراهن أصلا إلا من كان بينهن وبينه رحم محرم - أي لا يباح للعبيد والأتباع النظر لهن، ولا يخاطبوهن إلا من وراء حجاب - وغيرهن من النساء لسن كذلك لأنه لا بأس أن ينظر الرجل - المملوك للغير - من المرأة التي لا رحم بينه وبينها وليست عليه بمحرمة إلى وجهها وكفيها.
وقد قال الله -
стр. 179
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فأبيح للناس - أي من الرقيق والأتباع والذين لم يبلغوا الحلم من الأحرار - أن ينظروا إلى ما ليس بمحرم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي ﷺ لما نزلت آية الحجاب ففضلن بذلك على سائر الناس ... قال عمر قلت يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر - من العبيد - فلو حجبت أمهات المؤمنين فأنزل الله آية الحجاب ... ، عن أنس بن مالك قال "لما أنزلت آية الحجاب جئت أدخل كما أدخل؛ فقال النبي ﷺ : رويدا وراءك يا بني" ... ثم رأينا العبد حرام عليه في قولهم جميعا أن ينظر إلى صدر المرأة مكشوفا أو إلى ساقيها، سواء كان رقه لها أو لغيرها، فلما كان - عبدها - فيما ذكرنا كالأجنبي منها - أي في نظره لصدرها وساقها كالعبد المملوك لغيرها - لا كذي رحمها المحرم عليها، كان في النظر إلى شعرها أيضا كالأجنبي - العبد المملوك لغيرها - لا كذي رحمها المحرم عليها، فهذا هو النظر في هذا الباب وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى وقد وافقهم في ذلك من المتقدمين الحسن والشعبي حدثنا ... عن الشعبي ويونس عن الحسن أنهما كرها أن ينظر العبد إلى شعر مولاته. اهـ
ومما يشهد أنه لايباح للمرأة أن تكشف وجهها لمطلق الرجال الأجانب في مذهب أبي حنيفة علاوة على ما سبق بسطه في البحوث السابقة:
ما جاء في البحر الرائق لابن نجيم (٣/ ٣٤٥): ولو شتمت أجنبيا كان جناية، وكذا لو كشفت وجهها لغير محرم لأنه لا يجوز النظر والكشف بلا ضرورة.
стр. 180
وفي الدر المختار شرح تنوير الأبصار (٤/ ٧٧): يعزر المولى عبده، والزوج زوجته ولو صغيرة لما سيجيء. . . أو كشفت وجهها لغير محرم.
وجاء في غمز عيون البصائر لأحمد بن محمد الحنفي (٢/ ١٠٧): قال في فصل التعزير: قال الولوالجي في فتاواه للزوج أن يضرب زوجته على أربعة أشياء وما في معناها ... ومنه ما إذا كشفت وجهها لغير محرم. أهـ
فلو لم تكن تغطية الوجه واجبة على المرأة؛ لما كان كشفها عن وجهها جناية تستحق التعزير عليها؟!
٢) ثم استشهد الشيخ الألباني في مذهب الإمام مالك بقول ابن عبد البر؛ الذي يتبين بالرجوع إليه أنه عن استتار المرأة في الصلاة وفي بيتها أمام من يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب:
قال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٩): وقد أجمعوا أنه من صلى مستور العورة فلا إعادة عليه وإن كانت امرأة فكل ثوب يغيب ظهور قدميها ويستر جميع جسدها وشعرها فجائز لها الصلاة فيه ... والأصل في هذا الباب أن أم سلمة سئلت ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب فقالت تصلي في الدرع والخمار السابغ الذي يغيب ظهور قدميها ... عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) قال أبو عمر- ابن عبد البر- اختلف العلماء في تأويل قول الله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فروي عن ابن عباس وابن عمر إلا ما ظهر منها "الوجه والكفان" ... وعلى قول ابن عباس