ثالثا: هل كون الوجه ليس بعورة في الصلاة يبيح كشفه وإن كانت المرأة الحرة تصلي على مرأى من رجال أجانب؟
* المذهب الحنبلي:
شرح العمدة (٤/ ٢٦٨): وأما صحة الصلاة مع كشفه - الوجه - فلا خلاف بين المسلمين بل يكره للمرأة ستره في الصلاة ... اللهم ألا إن تكون بين رجال أجانب.
سبل السلام (١/ ١٣٢): ويباح كشف وجهها حيث لم يأت دليل بتغطيته والمراد كشفه عند صلاتها بحيث لا يراها أجنبي فهذه عورتها في الصلاة.
* المذهب الشافعي:
الإقناع للشربيني (١/ ١٢٤) كفاية الأخيار (١/ ٩٣) إعانة الطالبين (١/ ١١٤): نهاية الزين (١/ ٤٧): ويكره أن يصلي الرجل متلثما والمرأة منتقبة، إلا أن تكون في مكان وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر إليها فلا يجوز لها رفع النقاب.
* المذهب المالكي:
التاج والإكليل (١/ ٥٠٢): قال مالك من المدونة إن صلت الحرة منتقبة لم تعد وقال ابن القاسم وكذا المتلثمة وقال اللخمي يكرهان وتسدل على وجهها إن خشيت رؤية رجل.
стр. 177
* المذهب الحنفي:
الدر المختار (١/ ٤٠٥): قال في فصل شروط الصلاة: وستر عورته وهي للرجل ما تحت سرته إلى ما تحت ركبته ... وللحرة جميع بدنها خلا الوجه والكفين والقدمين، وتمنع من كشف الوجه بين الرجال لخوف الفتنة.
وهذا يبين أن كون الوجه والكفين ليسا بعورة من المرأة في الصلاة؛ لا يعني أن المرأة الحرة تصلي كاشفة عن وجهها إذا كانت على مرأى من رجال أجانب، وإنما ذلك إذا كانت تصلي في بيتها أو أمام من يحل له الدخول والنظر إليها من محارم ورقيق ونحوهم.
تحقق لدينا مما سبق أن المأثور عن الأئمة الثلاثة؛ أبي حنيفة ومالك والشافعي إنما هو عن عورة المرأة في الصلاة، فلم يؤثر عن أحد الأئمة الأربعة قول صريح عن عورة المرأة عند الرجال الأحرار الأجانب، إلا قول الإمام أحمد (ظفر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ... ).
رابعا: ١) استشهد في مذهب الإمام أبي حنيفة بقول أبي جعفر الطحاوي" أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرَّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي ﷺ وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد"
وبالرجوع إلى قول أبي جعفر الطحاوي يتبين أن ما نقله الشيخ الألباني عنه كان من (باب نظر العبد إلى شعور الحرائر) وهل لعبد المرأة أن ينظر إلى
стр. 178
شعرها كالمحارم، أم أنه كالعبيد المملوكين للغير لايباح له إلا النظر إلى الوجه والكفين؟ ثم أسند الطحاوي ما وصل إليه في هذه المسألة لأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن:
قال أبو جعفر الطحاوي (ت ٣٢١ هـ) في كتابه شرح معاني الآثار ٤/ ٣٣١ - ٣٣٤:
باب نظر العبد إلى شعور الحرائر: عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال (إذاكان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) قال أبو جعفر: فذهب قوم من أهل المدينة إلى أن العبد لا بأس أن ينظر إلى شعر مولاته ووجهها وإلى ما ينظر إليه ذو محرمها منها، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث ... قال بكير عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت كانت عائشة ﵂ يراها العبيد لغيرها، قال بكير عن عبد الله بن رافع لم تكن أم سلمة تحتجب من عبيد الناس.
وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا لا ينظر العبد من الحرة إلا إلى ما ينظر إليه منها الحر الذي لا محرم بينه وبينها - أي لا يرى منها شيء - وكان من الحجة لهم في ذلك أن قول النبي ﷺ يجوز أن يكون أراد بذلك حجاب أمهات المؤمنين فإنهن قد كن حجبن عن الناس جميعا إلا من كان منهم ذو رحم محرم فكان لا يجوز لأحد أن يراهن أصلا إلا من كان بينهن وبينه رحم محرم - أي لا يباح للعبيد والأتباع النظر لهن، ولا يخاطبوهن إلا من وراء حجاب - وغيرهن من النساء لسن كذلك لأنه لا بأس أن ينظر الرجل - المملوك للغير - من المرأة التي لا رحم بينه وبينها وليست عليه بمحرمة إلى وجهها وكفيها.
وقد قال الله -
стр. 179
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فأبيح للناس - أي من الرقيق والأتباع والذين لم يبلغوا الحلم من الأحرار - أن ينظروا إلى ما ليس بمحرم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي ﷺ لما نزلت آية الحجاب ففضلن بذلك على سائر الناس ... قال عمر قلت يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر - من العبيد - فلو حجبت أمهات المؤمنين فأنزل الله آية الحجاب ... ، عن أنس بن مالك قال "لما أنزلت آية الحجاب جئت أدخل كما أدخل؛ فقال النبي ﷺ : رويدا وراءك يا بني" ... ثم رأينا العبد حرام عليه في قولهم جميعا أن ينظر إلى صدر المرأة مكشوفا أو إلى ساقيها، سواء كان رقه لها أو لغيرها، فلما كان - عبدها - فيما ذكرنا كالأجنبي منها - أي في نظره لصدرها وساقها كالعبد المملوك لغيرها - لا كذي رحمها المحرم عليها، كان في النظر إلى شعرها أيضا كالأجنبي - العبد المملوك لغيرها - لا كذي رحمها المحرم عليها، فهذا هو النظر في هذا الباب وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى وقد وافقهم في ذلك من المتقدمين الحسن والشعبي حدثنا ... عن الشعبي ويونس عن الحسن أنهما كرها أن ينظر العبد إلى شعر مولاته. اهـ
ومما يشهد أنه لايباح للمرأة أن تكشف وجهها لمطلق الرجال الأجانب في مذهب أبي حنيفة علاوة على ما سبق بسطه في البحوث السابقة:
ما جاء في البحر الرائق لابن نجيم (٣/ ٣٤٥): ولو شتمت أجنبيا كان جناية، وكذا لو كشفت وجهها لغير محرم لأنه لا يجوز النظر والكشف بلا ضرورة.
стр. 180
وفي الدر المختار شرح تنوير الأبصار (٤/ ٧٧): يعزر المولى عبده، والزوج زوجته ولو صغيرة لما سيجيء. . . أو كشفت وجهها لغير محرم.
وجاء في غمز عيون البصائر لأحمد بن محمد الحنفي (٢/ ١٠٧): قال في فصل التعزير: قال الولوالجي في فتاواه للزوج أن يضرب زوجته على أربعة أشياء وما في معناها ... ومنه ما إذا كشفت وجهها لغير محرم. أهـ
فلو لم تكن تغطية الوجه واجبة على المرأة؛ لما كان كشفها عن وجهها جناية تستحق التعزير عليها؟!
٢) ثم استشهد الشيخ الألباني في مذهب الإمام مالك بقول ابن عبد البر؛ الذي يتبين بالرجوع إليه أنه عن استتار المرأة في الصلاة وفي بيتها أمام من يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب:
قال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٩): وقد أجمعوا أنه من صلى مستور العورة فلا إعادة عليه وإن كانت امرأة فكل ثوب يغيب ظهور قدميها ويستر جميع جسدها وشعرها فجائز لها الصلاة فيه ... والأصل في هذا الباب أن أم سلمة سئلت ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب فقالت تصلي في الدرع والخمار السابغ الذي يغيب ظهور قدميها ... عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) قال أبو عمر- ابن عبد البر- اختلف العلماء في تأويل قول الله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فروي عن ابن عباس وابن عمر إلا ما ظهر منها "الوجه والكفان" ... وعلى قول ابن عباس
стр. 181
وابن عمر الفقهاء في هذا الباب فهذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها، وأما الرجل فإن أهل العلم يستحبون أن يكون على عاتق الرجل ثوب إذا لم يكن متزرا لئلا تقع عينه على عورة نفسه. اهـ
استشهاد ابن عبد البر بآية النور ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بعد أن بيّن الأصل في باب ستر العورة في الصلاة يشهد لما ذكرنا وما سيأتي تفصيله من أن هذه الآية تبين عورة المرأة واستتارها في بيتها أمام من أبيح له الدخول عليها دون حجاب من العبيد المملوكين للغير ونحوهم؛ ولذلك قال (فهذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها) ولم يقل في حجابها، فمراده استتارها في بيتها أمام من يحل له الدخول عليها والنظر إليها ولم يتطرق لخروجها من بيتها واحتجابها من الرجال الأجانب!
ومما يؤكد ذلك أن ابن عبد البر بيّن حكم احتجاب المرأة من الرجال الأجانب في موضع آخر وفرق بينه وبين الاستتار من المحارم فقال في التمهيد (٨/ ٢٣٥): احتجاب النساء من الرجال لم يكن في أول الإسلام وأنهم كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم إلا بمثل ما كان يستتر رجالهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب ... فأنزل الله ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ وأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ النور: ٢٧ ثم نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ
стр. 182
لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع، وهو عند جماعة العلماء في الحرائر دون الإماء، وفيه أيضا أن ذوي المحارم من النسب والرضاع لا يحتجب منهم ولا يستتر عنهم إلا العورات، والمرأة في ما عدا وجهها وكفيها عورة بدليل أنها لا يجوز لها كشفه في الصلاة. اهـ
وهذا القول شاهد لما ذكرنا وما سيأتي بيانه؛ فبعد أن ذكر أن الحجاب مختص بالحرائر ويكون بالتقنع وتغطية الوجه بالجلباب؛ ذكر أن المحارم لا يحتجب منهم ولا يستر عنهم إلا العورة، والمرأة فيما عدا وجهها وكفيها عورة، أي أنه لا يجوز لها كشف ما عداهما للمحارم قياسا على ما لا يجوز لها كشفه في الصلاة.
ثم استشهد الشيخ الألباني بقول الإمام مالك لما سئل" هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله". اهـ قال الباجي في" المنتقى شرح الموطأ" عقب هذا النص: " يقضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها"ـ
والجواب عليه بالآتي:
ننقل أولا قول الإمام مالك من الموطأ (٢/ ٩٣٤) " سئل مالك هل تأكل المرأة مع ذي محرم منها أو مع غلامها فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه
стр. 183
ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال، قال وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن تؤاكله أو مع أخيها على مثل ذلك، ويكره للمرأة أن تخلو مع الرجل ليس بينه وبينها حرمة".اهـ
فالمراد بقول الإمام مالك هو جواز مؤاكلة المرأة لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممن لا يعد محرما لها كعبدها وعبد زوجها، فإن هذا ما اتفق عليه شرّاح الحديث؛ أن الإمام مالك إنما أجاز مؤاكلة المرأة لغلامها أو غلام زوجها، وهذا ما تناقله فقهاء المالكية عن إمامهم؛ فلم يقل أحد منهم بجواز مؤاكلة المرأة الحرة للرجل الحر الأجنبي بناء على قول الإمام مالك كما قال الشيخ الألباني!! بل إنهم لم يطلقوا لها جواز مؤاكلة غلامها بل اشترطوا أن يكون وغدا أي قبيحا، فإن لم يكن وغدا وكان له منظر فإنهم لم يجيزوا لها أن تؤاكله:
- قال أبو بكر الصقلي (ت ٤٥١ هـ) في الجامع لمسائل المدونة (٢٤/ ١٦٠): وقال في الموطأ لا بأس أن تأكل المرأة مع ذي محرم منها أو مع غلامها. قال ابن الجهم: يعني العجوز المتجالة. ولا يخلو رجل مع امرأة ليس بينه وبينها محرم.
- قال أبو الوليد ابن رشد القرطبي (ت ٥٢٠ هـ) في المقدمات الممهدات (٣/ ٤٦٠): فصل فيما يجوز للرجل أن ينظر إليه من النساء: ولا يجوز لرجل أن يخلو بامرأة ليست منه بمحرم للنهي عن ذلك، ويجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة المتجالة؛ ولا يجوز له أن ينظر إلى الشابة إلا لعذر من شهادة أو علاج، أو عند إرادة نكاحها ... فصل ويجوز للعبد أن يرى من سيدته ما يراه ذو المحرم منها؛ إلا
стр. 184
أن يكون له منظرة فيكره أن يرى منها ما عدا وجهها. ولها أن تؤاكله إذا كان وغدا دنيا، يؤمن منه التلذذ بها، بخلاف الشاب الذي لا يؤمن ذلك منه.
- قال جلال الدين السعدي (ت ٦١٦ هـ) في عقد الجواهر الثمينة (٣/ ١٣٠٥): وعثمان بن عمر الكردي (ت ٦٤٦ هـ) في جامع الأمهات (١/ ٥٦٩): ولا يحل خلوة الرجل بامرأة إذا لم يكن زوجا ولا محرما، ويحرم عليه النظر إلى شيء من بدنها إلا الوجه والكفين من المتجالة، وأما الشابة فلا ينظر إليها أصلاً إلا لضرورة لتحمل شهادة أو علاج وإرادة نكاح، ويجوز لذي المحرم أن يرى منها الوجه والكفين، وكذلك لعبدها إلا أن يكون له منظر فيكره أن يرى ما عدا وجهها، ولها أن تؤاكله إن كان وغدا يؤمن منه التلذذ بها، واستخف في عبد زوجها للمشقة عليها في استتارها منه.
ولنا شاهد من قول الإمام مالك على وجوب تغطية الوجه:
قال الإمام مالك في المدونة الكبرى (٥/ ٤٦): إن قال لها زوجها أنت طالق ثلاثا فجحدها، قال مالك: " لا تزين له ولا يرى لها وجها ولا شعرا ولا صدرا إن قدرت على ذلك".اهـ فإذا كان هذا قول مالك في المطلقة؛ فكيف يقال بأنه يجيز كشف وجه المرأة الأجنبية ومؤاكلتها؟!!
أما مانقله الشيخ الألباني عن الباجي فالرجوع إلى قوله يبين مراده:
стр. 185
قال أبو الوليد سليمان الباجي (ت ٤٧٤ هـ) في المنتقى شرح الموطأ (٤/ ٣٤٧):
قول مالك ﵀ (لا بأس أن تأكل المرأة مع ذي محرم) يريد من تأبد تحريمها عليه كالأب والابن والأخ والعم والخال لأنه ليس في مؤاكلتها له أكثر من النظر إلى وجهها وكفيها. وقوله (ومع غلامها) يريد عبدها وذلك لما قلناه من أن الأكل ليس فيه إلا النظر إلى الوجه والكفين وذلك مباح للعبد وأما نظره إلى شعرها فاختلف فيه العلماء ... وقوله (وقد تأكل المرأة مع زوجها وغيره ممن تؤاكله أو مع أخيها على مثل ذلك) يقتضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح؛ لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها وقد اختلف الناس في ذلك، والأصل فيه قول الله ﵎ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ... وفي ذلك دليل على أن الوجه والكفين يجوز للقربى أن يروه من المرأة. اهـ
فقوله (يجوز للقربى) يكشف أنه لايعني الرجال الأجانب الذين تحتجب منهم المرأة؛ ولذا فتعقيبه على قول الإمام مالك (وقد تأكل المرأة مع زوجها وغيره ممن تؤاكله أو مع أخيها) بقوله (يقتضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح) يعني أنه مباح لكل من أبيح له الدخول عليها دون حجاب من العبيد المملوكين سواء كان العبد لها أو لزوجها أو لأخيها ممن يدخل عليها ويؤاكلهم.
يشهد لصحة ما ذكرنا قوله عن كشف المرأة لوجهها في موضع آخر من المنتقى (١/ ٤) عند شرحه لحديث عائشة ﵂ قالت (كن نساء المؤمنات
стр. 186
يشهدن مع رسول اللَّه ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهنّ (١) ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يُعرفن من الغلس (٢)) (٣) قال الباجي: يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن أحد أمرين: إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب، أو يكون بعده لكنهن أمِنَّ أن تُدرك صورهن من شدة الغلس فأبيح لهن كشف وجوههن.
٣) استشهد الشيخ الألباني في مذهب الإمام الشافعي بقول البغوي في شرح السنة (٩/ ٢٣ - ٢٤): "فإن كانت أجنبية حرة فجميع بدنها عورة في حق الرجل لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضا عند خوف الفتنة ... فأما القصد إلى النظر، فلا يجوز لغير غرض، وهو أن يريد نكاح امرأة، أو شراء جارية، أو تحمل شهادة عليها، فيتأملها". اهـ.
فيجاب عليه بأن مراده بالرجل هنا؛ من أباح له الشرع الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب من العبيد والأتباع كما أسلفنا وليس مراده جواز كشف المرأة الحرة وجهها للرجال الأحرار الأجانب، ومما يؤكد ذلك؛ قوله عن حكم احتجاب المرأة الحرة من الأحرار الأجانب في تفسيره معالم التنزيل
стр. 187
(٣/ ٥٤١): ولما نزلت آية الحجاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ قال الآباء والأبناء والأقارب: ونحن أيضا نكلمهن من وراء الحجاب؟ فأنزل الله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٥ أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ ... ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ ... ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ أن يراكن غير هؤلاء. إلى أن قال (٣/ ٥٤٤): ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء فقال جل ذكره ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ جمع الجلباب وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار وقال ابن عباس وأبو عبيدة أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة. اهـ
ولنا شاهد من قول الشافعي كما جاء في المجموع للنووي (٨/ ٧٥): قال الشافعي في الأم، والأصحاب؛ يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة، فإن طافت نهارا جاز، وتسدل على وجهها ما يستره. اهـ
٤) وفي مذهب الإمام أحمد أشار الشيخ الألباني إلى ما سبق أن نقله عن ابن هبيرة وابن قدامة والمرداوي؛ والذي بينا أنه عن عورة المرأة في الصلاة، واستشهدنا من أقوالهم عن عورة النظر بما يأتي:
стр. 188
(ابن هبيرة) قال إبراهيم بن محمد بن مفلح في المبدع (١/ ٣٦٢): الحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، ذكر ابن هبيرة أنه المشهور، وقال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد لقول النبي ﷺ المرأة عورة.
(ابن قدامة) المغني لابن قدامة (٧/ ٧٨): فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد.
(المرداوي) الإنصاف للمرداوي (٨/ ٢٧ - ٢٩): فلا يجوز له النظر إلى الأجنبية قصدا وهو صحيح وهو المذهب ... واختاره الشيخ تقي الدين فقال أصح الوجهين لا يجوز كما أن الراجح في مذهب الإمام أحمد ﵀ أن النظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز.
ويكفي صريح قول الإمام أحمد كما في الفروع (٨/ ١٨٦): (ظُفُر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خُفُّها فإن الخُفَّ يصِفُ القدم وأحبُّ إلي أن تجعل لِكُمِّها زرًّا عند يدها لا يبِين منها شيء).
خامسا: احتج الشيخ الألباني بما تناقلته بعض كتب الفقه: " لأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء "وذكر ممن قال ذلك كابن قدامة والشوكاني وابن نجيم؛ وقد سبق أن بينا في مناقشة البحث الأول أن المراد هو الحاجة للمعاملة مع من لم يضرب دونهم الحجاب؛ وهم العبيد المملوكون، ومن لم يؤمرن بحجاب وهن الإماء. وليس المراد الرجال الأحرار الأجانب الذين ضرب دونهم الحجاب ومنعوا من النظر إليها والمعاملة معها بقوله
стр. 189
تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ... الأحزاب: ٥٣ وبينا ما يشهد لما ذكرنا من أن المراد؛ المعاملة مع هؤلاء:
كما جاء في المبسوط للسرخسي ١٠/ ١٥٨ (ت ٤٨٣ هـ): وحديث أم سلمة ﵂ (إذا كان لإحداكن مكاتب (١) وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) (٢) محمول على الاحتجاب لمعنى زوال الحاجة فإن قبل ذلك تحتاج إلى المعاملة معه بالأخذ والإعطاء فتبدي وجهها وكفها له وقد زال ذلك بالأداء فلتحتجب.
وما جاء في قواطع الأدلة في الأصول لأبي المظفر السمعاني ٢/ ٨٢ (ت ٤٨٩ هـ): فإن الجارية سلعة تباع وتشترى وبالناس حاجة إلى النظر إلى وجهها وشعرها عند المعاملات فأعرض الشرع عن خوف الفتنة لوقوع الحاجة، بخلاف الحرة فإن الأصل أنها عورة فالشرع حرم النظر سواء كانت شوهاء أو حسناء حسما للباب وسدا له وزيادة احتياط للأمور.
سادسا: لم يجد الشيخ الألباني ما يستشهد به من أقوال الأئمة الأربعة مسندة إليهم ليحتج بها على إباحتهم كشف المرأة وجهها للرجال الأجانب؛ ولينفي أن أقوالهم المنسوبة إليهم هي عن عورة المرأة في الصلاة؛ إلا أقوالهم
стр. 190
عن كيفية ستر المرأة لوجهها حال إحرامها لما هو معلوم من نهي المحرمة من تغطية وجهها بالشّد عليه بالبرقع والنقاب (١).
ولا يصح الاحتجاج بهذا النهي على جواز كشف المرأة لوجهها للرجال الأجانب حال إحرامها فضلا أن يحتج به على جواز كشفه حال حلِّها؛ لأنه لم يرد النهي عن تغطيتها لوجهها مطلقا، بل هي مأمورة بتغطية وجهها بسدل الثوب عليه من فوق رأسها، وإنما نُهيت عن عطف الثوب على أنفها وشدّه على وجهها للتلثم والتبرقع، فالمنهي عنه هو طريقة التغطية وليس التغطية نفسها، ومما يشهد لذلك الآثار الآتية:
١ - صح عن عائشة ﵂ أنها قالت " تسدل المحرمة جلبابها من فوق رأسها على وجهها" (٢). وهذه الرواية مما لم يتطرق لها الشيخ الألباني بذكر!
وصح عنها أنها قالت "كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا
стр. 191
كشفناه". (١) وفي رواية: "سدلنا الثوب على وجوهنا من خلفنا ولم يجئ من ها هنا يعني من قبل خديها فإذا جاوزنا نزعناه ". (٢)
وصح عنا أنها قالت " المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوباً مَسَّه ورس أو زعفران، ولا تتبرقع ولا تَلَثَّم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت". (٣)
٢ - صح عن ابن عباس ﵁ قال (تدلي عليها من جلبابها ولا تضرب به) قلت وما لا تضرب به؟ فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال (لا تعطفه فتضرب به على وجهها فذلك الذي يبقى عليها، ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا، ولا تقلبه، ولا تضرب به، ولا تعطفه) (٤).
٣ - صح عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت" كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نتمشط قبل ذلك في الإحرام" (٥)
٤ - صح عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق. (٦)
стр. 192
٥ - صح عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال" تلبس المحرمة السراويل والقفازين وتخمر وجهها كله". (١)
فهذه الروايات تؤكد أن المنهي عنه حال الإحرام هو الشد على الوجه بالنقاب والبرقع واللثام وليس المنهي عنه ستر الوجه مطلقا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٤٩ - ١٥٠): وأما المرأة فإنها لم تنه عن شيء من اللباس لأنها مأمورة بالاستتار والاحتجاب فلا يشرع لها ضد ذلك، لكن منعت أن تنتقب ... وقد تنازع الفقهاء هل وجهها كرأس الرجل أو كيديه على قولين في مذهب أحمد وغيره فمن جعل وجهها كرأسه أمرها إذا سدلت الثوب من فوق رأسها أن تجافيه عن الوجه كما يجافى عن الرأس ما يظلل به. ومن جعله كاليدين وهو الصحيح قال هي لم تنه عن ستر الوجه وإنما نهيت عن الانتقاب.
قال ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) في المحلى (٧/ ٩٢): وما نهيت المرأة عن تغطية وجهها بل هو مباح لها في الإحرام وإن نهيت عن النقاب فقط.
قال ابن عبدالبر في التمهيد (ت ٤٦٣ هـ) (١٥/ ١٠٨): وأجمعوا أن إحرامها في وجهها دون رأسها وأنها تخمر رأسها وتستر شعرها وهي محرمة، وأجمعوا أن لها
стр. 193
أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا تستتر به عن نظر الرجال إليها.
قال صدر الدين عليّ بن أبي العز الحنفي (ت ٧٩٢ هـ) في التنبيه على مشكلات الهداية (٣/ ١٠٠٦): فإن النبي لم يشرع للمرأة كشف الوجه للرجال في الإحرام ولا غيره خصوصًا عند خوف الفتنة، وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصًا، كما جاء النهي عن القفازين ... وقد تقدم أن القول بأن إحرام المرأة في وجهها إنما هو من كلام ابن عمر ... فالذي دلت عليه السنة أن وجه المرأة كبدن الرجل يحرم ستره بالمفصل على قدره كالنقاب، والبرقع، بل وكيدها يحرم سترها بالمفصل على قدر اليد كالقفاز، وأما سترها بالكم، وستر الوجه بالملحفة، والخمار ونحوهما فلم تنه عنه المرأة: البتة.
قال الشوكاني في السيل الجرار (٢/ ١٨٠): وأما تغطية وجه المرأة فلما روي أن إحرام المرأة في وجهها ولكنه لم يثبت ذلك من وجه يصلح للاحتجاج ... فليس في المنع من تغطية وجه المرأة ما يتمسك به والأصل الجواز حتى يرد الدليل الدال على المنع. اهـ
وقد أطلق بعض أهل العلم جواز تغطية وجه المحرمة بالسدل عليه وإن لم تكن بحضرة رجال أجانب؛ وقيّده البعض الآخر فقال إن لم تكن بحضرة رجال أجانب فلا تسدل، أي فلا يشرع لها إدامة تغطية وجهها إلا للستر من الرجال، وهذا خلاصة ما ذهب إليه الأئمة الأربعة في أقوالهم التي استشهد بها الشيخ الألباني على أنهم يخيرون بها المرأة بين الكشف أو السدل!!
стр. 194
١) في مذهب الإمام أبي حنيفة نقل الشيخ الألباني قول محمد بن الحسن" ولا ينبغي للمرأة المحرمة أن تنتقب فإن أرادت أن تغطي وجهها فلتسدل الثوب سدلاً من فوق خمارها"
وهذا ليس فيه إباحة كشف وجه المرأة المحرمة للرجال الأجانب! فإنه إنما بين أن تغطية وجهها تكون بسدل الثوب عليه من فوق خمارها، وليس لها أن تنتقب برد طرف الجلباب من أسفل وعطفه وشده على الوجه، هذا كل ما يعنيه قول محمد بن الحسن، أما ما فهمه الشيخ من قوله (إذا أرادت) أنه للتخيير؛ فغير صحيح! لأن المراد به هو الشروع في الفعل، أي إذا شرعت بتغطية وجهها لكونها على مرأى من رجال أجانب فلتسدل الغطاء من فوق رأسها. كقولك (إذا أردتِ أن تصلي فالبسي الرداء، أو إذا أردت أن تصلي فصل إلى سترة) فهل يفهم من ذلك التخيير في الصلاة؟!
٢) استشهد الشيخ الألباني بقول الإمام مالك" فإن كانت لا تريد ستراً فلا تسدل" على أنه يخير المرأة كذلك بين الستر أو الكشف!!
وقول الإمام مالك كما في المدونة الكبرى (٢/ ٤٦١): قلت له أرأيت لو أن محرما غطى وجهه أو رأسه ما قول مالك فيه؟ قال: قال مالك إن نزعه مكانه فلا شيء عليه، وإن تركه لم ينزعه مكانه حتى انتفع به افتدى. قلت: وكذلك المرأة إذا غطت وجهها؟ قال: نعم إلا أن مالكا كان يُوسع للمرأة أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترا، فإن كانت لا تريد سترا فلا تسدل. اهـ
стр. 195
فإن الذي ينبغي أن يفهم من قوله؛ أن الإمام مالك يرى أن المرأة لا ينبغي لها أن تغطي وجهها حال إحرامها إلا للستر من الرجال الأجانب، أما إن لم تكن على مرأى من رجال أجانب فلا ينبغي لها أن تغطي وجهها، وهذا ما فهمه الشرّاح عن الإمام مالك:
قال الباجي في المنتقى شرح الموطأ (٢/ ٢٠٠): وإنما يجوز أن يخمرن وجوههن على ما ذكرنا بأن تسدل ثوبا على وجهها تريد الستر، ولا يجوز أن تسدله لحر ولا لبرد. قال الزرقاني في شرحه على موطأ الإمام مالك (٢/ ٣١٤): يجوز للمرأة المحرمة ستر وجهها بقصد الستر عن أعين الناس بل يجب إن علمت أو ظنت الفتنة بها أو ينظر لها بقصد لذة، قال ابن المنذر أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف وإن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلا خفيفا تستر به عن نظر الرجال.
٣) استشهد الشيخ الألباني بقول الإمام الشافعي" المحرمة لا تخمِّر وجهها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي ... " اهـ
وقول الإمام الشافعي كما في الأم (٢/ ٢١٩): وتلبس المرأة السراويل والخفين والقميص والخمار وكل ما كانت تلبسه غير محرمة إلا ثوبا فيه طيب ولا تخمر
стр. 196
وجهها وتخمر رأسها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي الخمار (١) ثم تسدل الثّوب على وجهها. اهـ
ومراده أيضا كقول الإمام مالك؛ أن المحرمة لا تغطي وجهها إلا للستر من الرجال، ومما يشهد لذلك ويبين أنها مأمورة بالستر عن الرجال لا مخيّرة:
قول الشافعي في مختصر المزني (١/ ٦٥): والمرأة في ذلك كالرجل إلا ما أمرت به من الستر وأستر لها أن تخفض صوتها بالتلبية وإن لها أن تلبس القميص والقباء والدرع والسراويل والخمار والخفين والقفازين وإحرامها في وجهها فلا تخمره وتسدل عليه الثوب وتجافيه عنه.
وقال النووي في المجموع (٨/ ٧٥): قال الشافعي في الأم والأصحاب يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة فان طافت نهارا جاز، وتسدل على وجهها ما يستره.
стр. 197
وفي معرفة السنن والآثار (٤/ ٩): قال الشافعي والمرأة في تلبيتها مثل الرجل إلا أنها لا ترفع الصوت بالتلبية لذهاب أكثر أهل العلم إلى ذلك، وأنها مأمورة بالخفر (١) والتستر عن كل ما دعى إلى الشهوة من الرجال.
٤) استشهد بقول الإمام أحمد" المحرمة لا تخمِّر وجهها ولا تتنقب والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها" قال الشيخ الألباني فقوله" ليس به بأس" يدل على جواز السدل.
وقول الإمام أحمد كما في مسائله رواية ابنه أبي الفضل (١/ ٣١٠): بيان معنى إحرام المرأة في وجهها: وسألته عمن قال إحرام المرأة في وجهها ما معناه كأنها لا تجتنب الزينة إلا في وجهها أو كيف؟ قال لا تخمر وجهها ولا تنتقب والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها. اهـ
فقول الإمام أحمد (ليس به بأس) عائد على طريقة التغطية لا على التغطية نفسها. أي ليس في السدل المحظور وهو الشد، وقد روي عن الإمام أحمد ما يبين أن هذا السدل واجب وليس جائز: ففي مسائل ابن هانئ (١/ ١٥٧): سألت أبا عبد الله عن المرأة المحرمة تسدل ثوبها على وجهها؟ قال: تسدله على وجهها إذا لقيت الرفاق، فإذا جاوزت الرفاق كشفت عن وجهها. اهـ
стр. 198
وبذلك تبين خطأ الشيخ الألباني فيما نسبه للأئمة من تخيير المحرمة بين تغطية الوجه أو الكشف؟! إذ لم يحمل أحد ممن سبقه أقوال الأئمة عليه!
قال البغوي في شرح السُنَّة (٧/ ٢٤٠): فإن احتاجت إلى ستر الوجه لحر أو برد، أو منع أبصار الأجانب، سدلت ثوبا على وجهها. وممن قال: تسدل الثوب، عطاء، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
قال ابن قدامة في المغني (٣/ ١٥٤): فأما إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبا منها فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها روي ذلك عن عثمان وعائشة وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وإسحاق ومحمد بن الحسن ولا نعلم فيه خلافا. اهـ
ولهذا لم يقل أحد من فقهاء المذاهب بناء على أقوال أئمتهم بأن المحرمة مخيرة بين السدل أو الكشف إذا كانت على مرأى من رجال أجانب:
* مذهب الإمام أحمد:
- شرح العمدة (٣/ ٢٦٨): فإن احتاجت إلى ستر الوجه مثل أن يمر بها الرجال وتخاف أن يروا وجهها فإنها ترسل من فوق رأسها على وجهها ثوبا.
- كشاف القناع (٢/ ٤٤٧): فإن غطته لغير حاجة فدت، والحاجة كمرور رجال قريبا منها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها.
стр. 199
- منار السبيل (١/ ٢٣٧): فإن احتاجت لتغطيته لمرور الرجال قريبا منها سدلت الثوب من فوق رأسها لا نعلم فيه خلافا.
- كشف المخدرات (١/ ٣٠٦): وتجتنب تغطية الوجه لكن تسدل عليه لحاجة كمرور رجال قريبا.
- شرح الزركشي (١/ ٤٩٥): إذا احتاجت المرأة لستر وجهها حذاراً من رؤية الرجال سدلت على وجهها ثوباً ونحوه.
* مذهب الإمام الشافعي:
- أبو الحسين يحيى العمراني (ت: ٥٥٨ هـ) في البيان في مذهب الإمام الشافعي (٤/ ١٥٤): وإذا أحرمت المرأة .. فإنه لا يجب عليها كشف رأسها، ولكن لا يجوز لها تغطية وجهها، ولسنا نريد بذلك أنها تبرزه للناس ـ أي ليس المراد أنها تظهره للرجال ـ وإنما نريد أنها لا تغطيه ... فإن أرادت المرأة أن تستر وجهها عن الناس عقدت الثوب على رأسها، وسدلته على وجهها.
- الإقناع للماوردي (١/ ٨٩): الثالث تغطية رأس الرجل ووجه المرأة وهو حرام عليهما فإن غطياه عمدا كفرا بدم ولكن لا بأس أن يستظل الرجل سائرا أو نازلا، وتستر المرأة وجهها بما لا يماسه من برقع أو خمار.
стр. 200
- حواشي الشرواني (٤/ ١٦٥): قوله (ولها أن تسدل) بل عليها فيما يظهر، حيث تعيّن طريقا لدفع نظر محرم. قال ع ش بل ينبغي وجوبه ولا ينافيه التعبير بالجواز لأنه جواز بعد منع فيصدق بالواجب.
* مذهب الإمام أبو حنيفة:
- البحر الرائق (٢/ ٣٨١): وفي فتاوي قاضيخان ودلت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة، وهو يدل على أن هذا الإِرخاء عند الإمكان ووجود الأجانب واجب عليها إن كان المراد لا يحل أن تكشف، فمحمل الاستحباب عند عدمهم.
- مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (١/ ٤٢١): وفي شرح الطحاوي؛ الأولى كشف وجهها، لكن في النهاية أن السدل أوجب ودلت المسألة على أن المرأة لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة.
- حاشية ابن عابدين على الدر المختار (٢/ ٥٢٧): (ولو سدلت شيئا عليه وجافته عنه جاز، بل يندب) والمراد بكشف الوجه عدم مماسة شيء له فلذلك يكره لها أن تلبس البرقع لأن ذلك يماس وجهها كذا في المبسوط، وقوله بل يندب أي خوفا من رؤية الأجانب، وعبر في الفتح بالاستحباب لكن صرح في النهاية بالوجوب، وفي المحيط ودلت المسألة على أن المرأة منهية عن إظهار وجهها للأجانب بلا ضرورة ... ووفق في البحر بما حاصله أن محمل الاستحباب عند عدم الأجانب، وأما عند وجودهم فالإرخاء واجب عليها.
стр. 201
* مذهب الإمام مالك:
- عارضة الأحوذي لابن العربي (٤/ ٥٦): قوله في حديث ابن عمر (ولا تنتقب المرأة) وذلك لأن ستر وجهها بالبرقع فرض، إلا في الحج فإنها ترخي شيئاً من خمارها على وجهها غير لاصق به، وتعرض عن الرجال، ويعرضون عنها.
- إرشاد المسترشد (٢/ ٦١) باب محظورات الإحرام: وكذلك المرأة لا تغطي وجهها ولا كفيها إلا عند ملاقاة الرجال الأجانب.
- مواهب الجليل (٣/ ١٤١): قال في الطراز للمرأة أن تستر وجهها عن الرجال فإن أمكنها بشيء في يديها كالمروحة وشبهها فحسن وإن لم يمكنها وكان لها جلباب سدلته على رأسها فإن لم يكن لها جلباب فلها أن تنصب بعض ثوبها تجاهها بيدها ولها أن تلقي كمها على رأسها وتسدل بعضه على وجهها فإن لم تجد إلا خمارها الذي على رأسها فإن كان فيه فضل ترفعه على رأسها فتسدله على وجهها فعلته وإن رفعت حجز خمارها فألقته على رأسها فلا شيء عليها لأن ستر الوجه ولبس المخيط إنما تجب فيه الفدية مع الطول والانتفاع باللبس من حر أو برد وشبهه مما وضع له ذلك اللباس وليس هذا منه في شيء.
وبذلك ثبت أنه لم ينقل عن الأئمة الأربعة قول ينص على جواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب، بل إن المنقول عنهم يدل على وجوب تغطية الوجه إذا كانت بحضرة رجال أجانب سواء كانت في الصلاة أو خارجها
стр. 202
وسواء كانت محلّة أو محرمة، إلا أنها حال الإحرام تغطي وجهها بالسدل عليه من فوق رأسها ولا تنتقب.
سابعا: استند الشيخ الألباني في قوله بتخيير المحرمة بين السدل أو الكشف بقول عائشة ﵂" المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوباً مَسَّه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تَلَثَّم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت" (١)
والذي ينبغي أن يفهم من قول عائشة ﵂ هو؛ تقييد كيفية التغطية بالسدل؛ وإطلاق سببها بقولها "إن شاءت" أي متى أرادت أن تغطي وجهها فلتسدل سواء كانت على مرأى من رجال أجانب أو لا، أما أن يفهم أن مراد عائشة من قولها "إن شاءت" هو التخيير إذا كانت على مرأى من رجال أجانب فهذا فهم في غاية الضعف!
ثم استشهد الشيخ الألباني على قولها هذا بفعلها وهو ما جاء في حديث عمرتها من التنعيم مع أخيها عبد الرحمن قالت: " فأردفني خلفه على جمل له قالت: فجعلت أرفع خماري أحسره عن عنقي فيضرب رجلي بعلّة الراحلة قلت له: وهل ترى من أحد"اهـ. وهذا ليس فيه حجة على جواز الكشف لأنها لم تكن على مرأى من رجال أجانب، يشهد لذلك قولها " هل ترى من أحد؟ " وكذلك كشفها عن عنقها؛ فإنها لم تقل بأنها كشفت عن وجهها وإنما رفعت الخمار عن عنقها؛ فهل يقال بجواز كشف العنق للرجال الأجانب؟!!
стр. 203
قال النووي في شرح صحيح مسلم (٨/ ١٥٧): المعنى أنه يضرب رجلها بسوط أو عصا أو غير ذلك حين تكشف خمارها عن عنقها غيرة عليها، فتقول له هي: وهل ترى من أحد؛ أي نحن في خلاء ليس هنا أجنبي أستتر منه. اهـ
بل إن فعلها الذي يشهد لقولها هو ما أخبرت عنه بقولها: " كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه". (١)
وهناك شاهدا آخر من فعلها في الصحيح لم يتطرق له الشيخ الألباني بذكر! وهو ما أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال قال: كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال، قلت: أبعد الحجاب أو قبل، قال: إي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب، قلت: كيف يخالطن الرجال، قال: لم يكن يخالطن، كانت عائشة ﵂ تطوف حَجْرَة (٢) من الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة انطلقي نستلم يا أم المؤمنين، قالت عنك وأبت، وكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال. (٣)
стр. 204
قال العيني: فيه طواف النساء متنكرات. (١) قال المهلب: قول عطاء: قد طاف الرجال مع النساء، يريد أنهم طافوا في وقت واحد غير مختلطات بالرجال؛ لأن سنتهن أن يطفن ويصلين وراء الرجال ويستترن عنهم.
ثامنا: هل نهي المرأة المحرمة عن النقاب ثابت عن النبي ﷺ -:
١) لم يرد نص صحيح مرفوع إلى النبي ﷺ على أن إحرام المرأة في وجهها:
مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢٦/ ١١٢): ولم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي ﷺ أنه قال (إحرام المرأة في وجهها) (٢) وإنما هذا قول بعض السلف.
حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (٥/ ١٩٨ - ١٩٩): فإن قيل فما تصنعون بالحديث المروي عن النبي ﷺ أنه قال (إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها) فجعل وجه المرأة كرأس الرجل؟ قيل هذا الحديث لا أصل له ولم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمد عليها ولا يعرف له إسناد ولا تقوم به حجة ولا يترك له الحديث الصحيح الدال على أن وجهها كبدنها وأنه يحرم عليها فيه ما أعد للعضو كالنقاب والبرقع ونحوه لا مطلق الستر كاليدين والله أعلم.
стр. 205
معرفة السنن والآثار للبيهقي (٤/ ٧): روينا عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه قال لا ترفع المرأة صوتها وعنه أنه قال إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه. وروي ذلك عنه في المرأة مرفوعاً ورفعه ضعيف.
٢) وكذلك ما روي في المنع من النقاب فإنه لم يثبت رفعه إلى النبي ﷺ :
كما بين ذلك البخاري في صحيحة ٢/ ٦٥٣ (١٧٤١): حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ قال قام رجل فقال يا رسول الَله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإِحرام فقال النبي ﷺ (لا تلبسوا القميص ولا السراويلات ولا العمائم ولا البرانس) إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفّين وليقطع أسفل من الكعبين ولا تلبسوا شيئا مسه زعفران ولا الورس ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين، تابعه موسى بن عقبة وإسماعِيل بن إبراهيم بن عقبة وجويرية وبن إسحاق في النقاب والقفازين وقال عُبيد الله ولا ورس، وكان يقول لا تتنقب المحرمَة ولا تلبس القفازين، وقال مالك عن نافع عن ابن عمر لا تتنقب المحرمة وتابعه ليث بن أبي سليم.
قال ابن حجر في فتح الباري (٤/ ٥٣): قوله وقال عبيد الله يعني ابن عمر العمري ولا ورس وكان يقول لا تتنقب المحرمة ولا تلبس القفازين يعني أن عبيد الله المذكور خالف المذكورين قبل في رواية هذا الحديث عن نافع فوافقهم على رفعه إلى قوله زعفران ولا ورس، وفصل بقية الحديث فجعله من قول ابن عمر ... الثقات إذا اختلفوا وكان مع أحدهم زيادة قدمت ولا سيما إن كان حافظا ولا سيما إن كان أحفظ والأمر هنا كذلك فإن عبيد الله بن عمر في نافع
стр. 206
أحفظ من جميع من خالفه وقد فصل المرفوع من الموقوف وأما الذي اقتصر على الموقوف فرفعه فقد شذ بذلك وهو ضعيف وأما الذي ابتدأ في المرفوع بالموقوف فإنه من التصرف في الرواية بالمعنى وكأنه رأى أشياء متعاطفة فقدم وأخر لجواز ذلك عنده ومع الذي فصل زيادة علم فهو أولى، أشار إلى ذلك شيخنا في شرح الترمذي. (١)
سنن البيهقي الكبرى (٥/ ٤٧): قال أبو داود ورواه عبيد الله بن عمر ومالك بن أنس وأيوب عن نافع موقوفا على ابن عمر (المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين) قال الشيخ وعبيد الله بن عمر ساق الحديث إلى قوله ولا ورس، ثم قال وكان يقول (لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين).
(٨٨٢٩) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قال أبو علي الحافظ: لا تنتقب المرأة من قول ابن عمر وقد أدرج في الحديث.
شرح الزرقاني (٢/ ٣١٤): بينت رواية عبيد الله عن نافع عن ابن راهويه وابن خزيمة أنه مدرج من قول ابن عمر كما أشار إليه البخاري وأيده برواية مالك.
فخلاصة القول في ذلك: أن نهي المحرمة عن النقاب والقفاز لم يصح رفعه إلى الرسول ﷺ والصحيح وقفه على ابن عمر.
стр. 207
ويؤكد ذلك عدة أمور:
(١) لو كان النهي عن الانتقاب من قول الرسول ﷺ لنصت عليه عائشة ﵂ ولكنها عبرت عنه بالبرقع فقالت فيما صح عنها مما رواه الأسود بن يزيد النخعي عن عائشة ﵂ قالت (تلبس المحرمة ما شاءت إلا البرقع والمتورد بالعصفر) (١) وقالت في رواية البيهقي "ولا تتبرقع ولا تلثم".
ولذلك قال ابن المنذر (ت: ٣١٩ هـ) في الإشراف على مذاهب العلماء (٣/ ٢٢١):
أما البرقع والنقاب - للمحرمة- فمكروه، لأن كراهية ذلك ثابتة عن سعد وابن عمر وابن عباس وعائشة".اهـ
فلو كان النهي نهي رسول الله ﷺ لكان مرجع النهي إليه ولم ينسب النهي والكراهة إليهم.
(٢) أنه لم يرد النص على تسمية ما تغطي به النساء وجوههن؛ نقاب (٢) على عهد النبي ﷺ في حديث صحيح.
стр. 208
ويؤكد ذلك ما أُثر عن محمد بن سيرين أنه قال (النقاب محدث) كما في غريب الحديث لأبي عبيد بن سلام (٤/ ٤٦٣) قال: حديث محمد بن سيرين أنه قال (النقاب محدث)، النقاب عند العرب هو الذي يبدو منه المحجر، والذي أراد محمد أن يقول إن إبداءهن المحاجر محدث؛ وإنما كان النقاب لاحقا بالعين أو أن يبدوا إحدى العينين والأخرى مستورة، عرفنا ذلك بحديث يحدثه هو عن عبيدة أنه سأله عن قوله عز وعلا ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال فقنع رأسه وغطى وجهه وأخرج إحدى عينيه وقال هكذا. فإذا كان النقاب لا يبدو منه إلا العينان فقط فذلك الوصوصة واسم ذلك الشيء الوصواص وهو الثوب الذي يغطى به الوجه. قال وإنما قال هذا محمد لأن الوصاوص والبراقع كانت لباس النساء ثم أحدثن النقاب بعد ذلك. اهـ
فالذي ينبغي أن تحمل عليه الآثار الواردة في نهي المرأة المحرمة عن البرقع والنقاب؛ أن المراد هو عدم تكشفها بالشد على وجهها وإبداء شيء من وجهها، بل يجب عليها حال إحرامها أن تكون أكثر تسترا بإسدال الثوب على وجهها كله دون كشف للعينين ولا لغيرهما، يشهد لذلك ما صح عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال " تلبس المحرمة السراويل والقفازين وتخمر وجهها كله". (١)
стр. 209
ــ:: تتمة البحث الخامس (٢):: ــ
قال الشيخ الألباني: قال ابن مفلح في كتابه" الآداب الشرعية" (١/ ٣١٦) ما نصه: " هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق؟ ينبني (الجواب) على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها أو يجب غض النظر عنها؟ وفي المسألة قولان قال القاضي عياض في حديث جرير ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة؟ فأمرني أن أصرف بصري. رواه مسلم. قال العلماء رحمهم الله تعالى: وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض شرعي. ذكره الشيخ محيي الدين النووي ولم يزد عليه" في" شرح مسلم" وأقرَّه ثم ذكر المفلح قول ابن تيمية. . . وقول القاضي عياض الذي نقله المفلح وارتضاه تبعاً للنووي. ثم قال المفلح: " فعلى هذا هل يشرع الإنكار؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف وقد تقدم الكلام فيه فأما على قولنا وقول جماعة من
الشافعية وغيرهم: إن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة". قلت: هذا ما قاله هذا الإمام الحنبلي قبل ستة قرون (ت ٧٦٣) تبعاً لمن اقتديت بهم من الأئمة السالفين.
стр. 210
ــ:: مناقشة تتمة البحث الخامس (٢):: ــ
أولا: أن ما ذكره ابن مفلح في كتابه الآداب الشرعية؛ فهو عن حكم الإنكار على من لم يجب عليهن ستر وجوههن وهن الإماء، وليس عن حكم كشف الحرائر! ولذا قال: ينبني (الجواب) على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها أو يجب غض النظر عنها؟ أي: أيُّ الأمرين واجب في هذه الحال، ستر وجه الأمة أم غض البصر عنها، فذكر أن في المسألة قولان؛ فاستشهد بما نقله النووي من قول القاضي عياض في هذه المسألة، ثم زاد في البيان فاستشهد بماء جاء في المغني من منع عمر ﵁ الإماء تغطية وجوههن؛ وحديث المكاتب الذي فيه جواز نظر العبيد للحرائر من النساء، وهذا مما أسقط من قول ابن مفلح! ولذلك أجاب ابن مفلح بأنه يرى أنه لا يسوغ الإنكار عليهن إذا كشفن وجوههن لأن الحجاب ليس واجبا عليهن في هذه الأحوال.
وهذا قول ابن مفلح في الآداب الشرعية (١/ ٢٩٦): هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق، ينبني على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها أو يجب غض البصر عنها، أو في المسألة قولان، قال القاضي عياض في حديث جرير ﵁ قال "سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري" أخرجه مسلم قال العلماء رحمهم الله تعالى وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة مستحبة لها ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض صحيح شرعي، ذكره الشيخ محيي الدين النووي ولم يزد عليه، وقال في المغني عقيب إنكار عمر رضي
стр. 211
الله عنه على الأمة التستر وقوله "إنما القناع للحرائر" قال: ولو كان نظر ذلك محرما لما منع من ستره بل أمر به،
وكذلك احتج هو وغيره على الأصحاب وغيرهم بقول النبي ﷺ (إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحتجب منه) - ثم ذكر ابن مفلح القول الآخر - وقال الشيخ تقي الدين وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز، ولمن اختار هذا أن يقول حديث جرير لا حجة فيه لأنه إنما فيه وقوعه ولا يلزم منه جوازه، فعلى هذا هل يشرع الإنكار؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف وقد تقدم الكلام فيه، فأما على أقوالنا وقول جماعة من الشافعية وغيرهم أن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة فلا ينبغي أن يسوغ الإنكار. اهـ
فكلام ابن مفلح كما أسلفنا عن حكم النظر حال جواز الكشف، ولذلك كان جوابه أنه لايسوغ الإنكار، أما رأيه في حكم النظر إلى الحرائر من النساء ممن يجب عليهن الاحتجاب منه فقد كان من الأولى بالشيخ الألباني أن يأخذ رأيه في هذه المسألة من كتبه في الأحكام الفقهية؛ لا من كتابه الآداب الشرعية!
فقد قال ابن مفلح في كتابه الفروع (٥/ ١٠٩ - ١١٢): وجوَّز جماعة وذكره شيخنا رواية نظر رجل من حرة ما ليس بعورة صلاة والمذْهب لا؛ نقل أبو طالب (ظفر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خفُّها فإن الخُفَّ يصف القدم وأحب إليَّ أن تجعل لكمِّها زرًّا عند يدها لا يبين منها شيء)
ويجوز غير عورة صلاة من أمة ومن لا تشتهى. وذكر الشيخ ينظر من أمة ومن لا تشتهى ما يظهر غالبا، ونقل حنبل إن لم تختمر الأمة فلا بأس، وقيل الأمة
стр. 212
والقبيحة كالحرة والجميلة. نقل المروذي: لا ينظر إلى المملوكة، كم من نظرة ألقت في قلب صاحبها البلاء. ونقل ابن منصور: لا تنتقب الأمة. ونقل أيضا تنتقب الجميلة. اهـ
ثانيا: أما قول القاضي عياض تعليقا على حديث نظر الفجأة " قال العلماء: وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض شرعي" اهـ فمراده الإماء المملوكات، لأن الحجاب لم يفرض عليهن، فلا يجب عليهن ستر وجوههن عند ملاقاة الرجال في الطرقات، وعلى الرجل أن يغض بصره عنها سواء كانت حسناء أو شوهاء، وسواء كان نظره بشهوة أو بغير شهوة، فلا يحل له النظر إليها إلا لعذر شرعي من شهادة ونحوها، فالقاضي عياض ممن يرى منع النظر حال جواز الكشف. ولهذا نقل النووي قول القاضي عياض في هذه المسألة ولم يزد عليه.
ومما يشهد لذلك ما جاء في إكمال المعلم للقاضي عياض (٢/ ٦١٠): وقيل: فيه دليل على خروج النساء للمساجد، ومبادرة خروجهن قبل الرجال عند تمام الصلاة لئلا يزاحمن الرجال، أو ليستترن منهم، ولاغتنام ظلمة الغلس.
وقال في موضع آخر منه عن مبيت العبيد المملوكين ونحوهم في البيوت (٧/ ٦٠): وفى الحديث: " لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحا أو ذا محرم ": خص الثيب دون الأبكار؛ إذ العادة احتجاب الأبكار عن الرجال، فكيف أن يدخل عليهن أو يبات عندهن.
стр. 213
ــ:: البحث السادس:: ــ
تعطيلهم الأحاديث الصحيحة المخالفة لهم
قال الشيخ الألباني تحت هذا العنوان: قد جاءت أحاديث كثيرة في كشف النساء لوجوههن وأيديهن يبلغ مجموعها مبلغ التواتر المعنوي عند أهل العلم ... فلا أقل من ذكر بعض النماذج منها:
الحديث الأول: حديث الخثعمية وفيه أنها كانت حسناء وضيئة وفيه: " فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها" ... ولذلك قال ابن بطال: " لم يحول النبي ﷺ وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لإعجابه بها ... "ـ
стр. 214
ــ:: مناقشة البحث السادس:: ــ
استشهد الشيخ الألباني في هذا البحث ببعض الأحاديث والآثار التي بسطها في كتابه الجلباب محتجا بها على جواز كشف الوجه! فسنتتبعها كلها ونجيب عليها بعون الله:
(الحديث الأول)
عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: كان الفضل رديف رسول الله ﷺ ، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي ﷺ ، يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع. (١)
كان أول ما استشهد به الشيخ الألباني في رده المفحم هو حديث المرأة الخثعمية وهو الثاني في كتابه الجلباب/٦٢ وسنجيب عنه أولا لأن الجواب عنه هو جواب لكثير من الأحاديث والآثار التي استشهد بها الشيخ الألباني فنقول:
أولا: لن نستطرد في نقل رد الشيخ الألباني على مخالفيه لضعف جوابهم عن هذا الحديث لأننا لا نخالفه في كونها كانت كاشفة عن وجهها وكان الفضل ينظر إليها
стр. 215
معجبا بحسنها، فأنكر رسول ﷺ عليه ذلك بأقوى درجات الإنكار، فأخذ بذقن الفضل وصرف وجهه عنها.
ولكن الحكم الشرعي الذي أباح للخثعمية كشف وجهها والذي ذهل عنه أكثر أهل العلم المتأخرين، وانطوت آثاره في التصانيف المتأخرة، ولم يشر إليه بعض المتقدمين لما هو معلوم عندهمبالضرورة؛ هو ما بيناه في مناقشة البحث الخامس؛ أن الحجاب (تغطية الوجه) إنما هو فرض على النساء الحرائر دون الإماء. وهذا هو سبب كشف المرأة الخثعمية لوجهها (أنها كانت جارية؛ أي أمة مملوكة) (١) ولذلك لم يأمرها الرسول ﷺ بتغطية وجهها لعدم وجوب ذلك على الإماء، وقد يكون والدها قد أعتق عند كبر سنه فلزمته فريضة الحج ولذلك قالت (إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة اللَّه في الحج). وقد جاء التصريح بأنها كانت جارية (٢) في الرواية التي أخرجها أحمد والترمذي والبيهقي