الله عنه على الأمة التستر وقوله "إنما القناع للحرائر" قال: ولو كان نظر ذلك محرما لما منع من ستره بل أمر به،
وكذلك احتج هو وغيره على الأصحاب وغيرهم بقول النبي ﷺ (إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحتجب منه) - ثم ذكر ابن مفلح القول الآخر - وقال الشيخ تقي الدين وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز، ولمن اختار هذا أن يقول حديث جرير لا حجة فيه لأنه إنما فيه وقوعه ولا يلزم منه جوازه، فعلى هذا هل يشرع الإنكار؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف وقد تقدم الكلام فيه، فأما على أقوالنا وقول جماعة من الشافعية وغيرهم أن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة فلا ينبغي أن يسوغ الإنكار. اهـ
فكلام ابن مفلح كما أسلفنا عن حكم النظر حال جواز الكشف، ولذلك كان جوابه أنه لايسوغ الإنكار، أما رأيه في حكم النظر إلى الحرائر من النساء ممن يجب عليهن الاحتجاب منه فقد كان من الأولى بالشيخ الألباني أن يأخذ رأيه في هذه المسألة من كتبه في الأحكام الفقهية؛ لا من كتابه الآداب الشرعية!
فقد قال ابن مفلح في كتابه الفروع (٥/ ١٠٩ - ١١٢): وجوَّز جماعة وذكره شيخنا رواية نظر رجل من حرة ما ليس بعورة صلاة والمذْهب لا؛ نقل أبو طالب (ظفر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خفُّها فإن الخُفَّ يصف القدم وأحب إليَّ أن تجعل لكمِّها زرًّا عند يدها لا يبين منها شيء)
ويجوز غير عورة صلاة من أمة ومن لا تشتهى. وذكر الشيخ ينظر من أمة ومن لا تشتهى ما يظهر غالبا، ونقل حنبل إن لم تختمر الأمة فلا بأس، وقيل الأمة
стр. 212
والقبيحة كالحرة والجميلة. نقل المروذي: لا ينظر إلى المملوكة، كم من نظرة ألقت في قلب صاحبها البلاء. ونقل ابن منصور: لا تنتقب الأمة. ونقل أيضا تنتقب الجميلة. اهـ
ثانيا: أما قول القاضي عياض تعليقا على حديث نظر الفجأة " قال العلماء: وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض شرعي" اهـ فمراده الإماء المملوكات، لأن الحجاب لم يفرض عليهن، فلا يجب عليهن ستر وجوههن عند ملاقاة الرجال في الطرقات، وعلى الرجل أن يغض بصره عنها سواء كانت حسناء أو شوهاء، وسواء كان نظره بشهوة أو بغير شهوة، فلا يحل له النظر إليها إلا لعذر شرعي من شهادة ونحوها، فالقاضي عياض ممن يرى منع النظر حال جواز الكشف. ولهذا نقل النووي قول القاضي عياض في هذه المسألة ولم يزد عليه.
ومما يشهد لذلك ما جاء في إكمال المعلم للقاضي عياض (٢/ ٦١٠): وقيل: فيه دليل على خروج النساء للمساجد، ومبادرة خروجهن قبل الرجال عند تمام الصلاة لئلا يزاحمن الرجال، أو ليستترن منهم، ولاغتنام ظلمة الغلس.
وقال في موضع آخر منه عن مبيت العبيد المملوكين ونحوهم في البيوت (٧/ ٦٠): وفى الحديث: " لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحا أو ذا محرم ": خص الثيب دون الأبكار؛ إذ العادة احتجاب الأبكار عن الرجال، فكيف أن يدخل عليهن أو يبات عندهن.
стр. 213
ــ:: البحث السادس:: ــ
تعطيلهم الأحاديث الصحيحة المخالفة لهم
قال الشيخ الألباني تحت هذا العنوان: قد جاءت أحاديث كثيرة في كشف النساء لوجوههن وأيديهن يبلغ مجموعها مبلغ التواتر المعنوي عند أهل العلم ... فلا أقل من ذكر بعض النماذج منها:
الحديث الأول: حديث الخثعمية وفيه أنها كانت حسناء وضيئة وفيه: " فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها" ... ولذلك قال ابن بطال: " لم يحول النبي ﷺ وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لإعجابه بها ... "ـ
стр. 214
ــ:: مناقشة البحث السادس:: ــ
استشهد الشيخ الألباني في هذا البحث ببعض الأحاديث والآثار التي بسطها في كتابه الجلباب محتجا بها على جواز كشف الوجه! فسنتتبعها كلها ونجيب عليها بعون الله:
(الحديث الأول)
عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: كان الفضل رديف رسول الله ﷺ ، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي ﷺ ، يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع. (١)
كان أول ما استشهد به الشيخ الألباني في رده المفحم هو حديث المرأة الخثعمية وهو الثاني في كتابه الجلباب/٦٢ وسنجيب عنه أولا لأن الجواب عنه هو جواب لكثير من الأحاديث والآثار التي استشهد بها الشيخ الألباني فنقول:
أولا: لن نستطرد في نقل رد الشيخ الألباني على مخالفيه لضعف جوابهم عن هذا الحديث لأننا لا نخالفه في كونها كانت كاشفة عن وجهها وكان الفضل ينظر إليها
стр. 215
معجبا بحسنها، فأنكر رسول ﷺ عليه ذلك بأقوى درجات الإنكار، فأخذ بذقن الفضل وصرف وجهه عنها.
ولكن الحكم الشرعي الذي أباح للخثعمية كشف وجهها والذي ذهل عنه أكثر أهل العلم المتأخرين، وانطوت آثاره في التصانيف المتأخرة، ولم يشر إليه بعض المتقدمين لما هو معلوم عندهمبالضرورة؛ هو ما بيناه في مناقشة البحث الخامس؛ أن الحجاب (تغطية الوجه) إنما هو فرض على النساء الحرائر دون الإماء. وهذا هو سبب كشف المرأة الخثعمية لوجهها (أنها كانت جارية؛ أي أمة مملوكة) (١) ولذلك لم يأمرها الرسول ﷺ بتغطية وجهها لعدم وجوب ذلك على الإماء، وقد يكون والدها قد أعتق عند كبر سنه فلزمته فريضة الحج ولذلك قالت (إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة اللَّه في الحج). وقد جاء التصريح بأنها كانت جارية (٢) في الرواية التي أخرجها أحمد والترمذي والبيهقي
стр. 216
عن علي بن أبي طالب ﵁ قال (وقف رسول اللَّه ﷺ بعرفة ... حتى جاوز الوادي فوقف وأردف الفضل، ثم أتى الجمرة فرماها، ثم أتى المنحر فقال هذا المنحر ومنى كلها منحر، واستفتته جارية شابة من خثعم؛ فقالت إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة اللَّه في الحج أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال:
حجي عن أبيك، قال ولوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول اللَّه لم لويت عنق بن عمك؟ قال: رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما) (١).
وفي الاستذكار لابن عبد البر (٤/ ٢٩٩) ولفظه: (ثم أتى المنحر بمنى فقال هذا المنحر ومنى كلها منحر فاستقبلته جارية من خثعم شابة فقالت أبي شيخ كبير).
وقد تكون المرأة أمة ولو كانت من نسبة قبلية لكونها سبيّة؛ فقد كان النبي ﷺ وسلم يبعث سرايا من أصحابه فيغيروا على القبائل ويسوقوا السبي إلى المدينة النساء منهم والرجال، كما في صحيح مسلم (٣/ ١٣٧٥): عن سلمة بن الأكوع قال: " غزونا فزارة وعلينا أبو بكر، أمره رسول الله ﷺ علينا، فلما كان بيننا وبين الماء ساعة، أمرنا أبو بكر فعرسنا، ثم شن الغارة ... فجئت بهم أسوقهم وفيهم امرأة من بني فزارة معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر، فنفلني أبو بكر ابنتها ".
стр. 217
بل وجاء النص على قبيلة خثعم كما ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ١٢٣): سرية قطبة بن عامر إلى خثعم سنة تسع من مهاجر رسول الله ﷺ قالوا: (بعث رسول الله ﷺ قطبة بن عامر في عشرين رجلا إلى حي من خثعم ... فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعا. وقتل قطبة بن عامر من قتل وساقوا النعم والشاء والنساء إلى المدينة).
* ومما يشهد أن المرأة الخثعمية من الإماء وليست من النساء الحرائر الآتي:
١) أن البخاري في صحيحه مهد لهذا الحديث بثلاثة آثار في غض البصر؛ بيّن فيها المنع من النظر إلى نساء العجم، والنظر إلى ما يشتهى من الصغيرة، والنظر إلى الإماء؛ ثم ذكر الحديث دون ذكر لغض البصر عن وجوه النساء الحرائر.
قال البخاري في صحيحه (٥/ ٢٢٩٩) معلقا: " قال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن قال اصرف بصرك عنهن، وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليه وإن كانت صغيرة، وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يبعن بمكة إلا أن يريد أن يشتري. اهـ - ثم ساق البخاري حديث المرأة الخثعمية -
وكذلك القرطبي في تفسيره حيث قال (١٢/ ٢٢٧): وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر ... ) الحديث. وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء: لا يصلح النظر إلى شي منهن ممن يشتهى النظر إليهن وإن كانت صغيرة. وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يبعن بمكة
стр. 218
إلا أن يريد أن يشتري. وفي الصحيحين عنه ﵇ أنه صرف وجه الفضل عن الخثعمية حين سألته، وطفق الفضل ينظر إليها ... فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تبدي زينتها إلا لمن تحل له، أو لمن هي محرمة عليه على التأبيد، فهو آمن أن يتحرك طبعه إليها لوقوع اليأس له منها.
٢) استشهاد ابن حزم بهذا الحديث على أنه لا يجوز النظر من الأمة إلا إلى الوجه والكفين: قال ابن حزم في المحلى (١٠/ ٣٠): مسألة ومن أراد أن يتزوج امرأة حرة أو أمة فله أن ينظر منها متغفلا لها وغير متغفل إلى ما بطن منها وظهر، ولا يجوز ذلك في أمة يريد شراءها، ولا يجوز له أن ينظر منها - الأمة - إلا إلى الوجه والكفين فقط لكن يأمر امرأة تنظر إلى جميع جسمها وتخبره - يرى ابن حزم أنه يجوز للخاطب أن يرى من المرأة ما يدعوه إلى نكاحها، بينما لا يجوز له من الأمة يريد شراءها إلا الوجهوالكفين - برهان ذلك قول الله ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ النور: ٣٠ فافترض الله غض البصر جملة كما افترض حفظ الفرج، فهو عموم لا يجوز أن يخص منه إلا ما خصه نص صحيح، وقد خص النص نظر من أراد الزواج فقط، كما روينا ... عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل ... فكان هذا عموما مخرجا لهذه الحال من جملة ما حرم من غض البصر. وأما النظر إلى الجارية يريد ابتياعها فلا نص في ذلك عن رسول الله ﷺ ولا حجة فيما جاء عن سواه ... فبقي أمر الابتياع على وجوب غض البصر. وأما - جواز النظر من الجارية إلى - الوجه والكفان فقد
стр. 219
جاء فيهما الخبر المشهور الذي أوردناه في غير هذا المكان من أمر الخثعمية التي سألت رسول الله ﷺ عن الحج عن أبيها وأن الفضل بن العباس جعل ينظر إلى وجهها فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل عنها ولم يأمرها بستر وجهها ففي هذا إباحة النظر إلى وجه المرأة لغير اللذة. مسألة ولا يحل لأحد أن ينظر من أجنبية لا يريد زواجها إن كانت أمة لتلذذ إلا لضرورة، فإن نظر في الزنى إلى الفرجين ليشهد بذلك فمباح له لأنه مأمور بأداء الشهادة وأما في غير ذلك فالوجه والكفان كما قدمنا آنفا عند الشهادة عليها أو لها أو منها. اهـ
٣) أنه لم يستشهد أحد من المتقدمين بهذا الحديث على جواز الكشف للمرأة الحرة؛ وإنما كان استشهادهم به على تحريم النظر إلى الأجنبية:
- ومن ذلك ما جاء في شرح النووي على صحيح مسلم (٩/ ٩٨): هذا الحديث فيه فوائد؛ منها جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة، وجواز سماع صوت الأجنبية عند الحاجة في الاستفتاء والمعاملة وغير ذلك، ومنها تحريم النظر إلى الأجنبية، ومنها إزالة المنكر باليد لمن أمكنه. اهـ
- قال ابن حجر في تلخيص الحبير (٣/ ١٥٠): وأولى منه ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس وفيه قصة المرأة الوضية الخثعمية، واستنبط منه ابن القطان جواز النظر عند أمن الفتنة من حيث إنه لم يأمرها بتغطية وجهها ولو لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل ولو لم يكن ما فهمه جائزا لما أقره عليه. فائدة اختار النووي أن الأمة كالحرة في تحريم النظر إليها، لكن يعكّر عليه ما في الصحيحين في قصة صفية (فقلنا إن حجبها فهي زوجته وإن لم يحجبها فهي أم
стр. 220
ولد) كذا اعترضه ابن الرِّفعة وتُعقِّب بأنه يدل على أن الأمة تُخالف الحرَّة فيما تبديه أكثر مما تبديه الحرة وليس فيه دلالة على جواز النظر إليها مطلقا. اهـ
* إلا ما نقله الشيخ الألباني عن ابن بطال " أن ستر المرأة وجهها ليس فرضاً " الذي نقله من فتح الباري لابن حجر، وكان من الأولى أن يُنقل قول ابن بطال من كتابه (شرح ابن بطال على صحيح البخاري) بدلا من النقل عن ابن حجر حتى يتبين مراده: قال ابن بطال في شرحه على صحيح البخاري (١٧/ ٨): (وفيه أن نساء المؤمنين ليس لزوم الحجاب لهم فرضًا في كل حال كلزومه لأزواج النبي ﷺ ) فهذا كما ذكرنا إن نساء المؤمنين الحرائر إنما يلزمهن الحجاب فرضا عن الرجال الأحرار الأجانب؛ أما العبيد فلا يلزمهن الاحتجاب منهم، أما زوجات النبي ﷺ فإن فريقا من أهل العلم ومنهم ابن بطال يرون أنه لا يحل دخول العبيد عليهن إلا ما ملكت أيمانهن، ومن جهة أخرى فإن الحجاب لم يفرض على جميع النساء وإنما فرض على الحرائر منهن دون الإماء، ولذلك لم يأمر النبي ﷺ الخثعمية بالاستتار لأنها كانت من الإماء، ولذلك قال ابن بطال (ولو لزم جميع النساء فرضًا لأمر النبي الخثعمية بالاستتار ولما صرف وجه الفضل عن وجهها، بل كان يأمره بصرف بصره، ويعلمه أن ذلك فرضه، فصرف وجهه وقت خوف الفتنة وتركه قبل ذلك الوقت) وعلى ذلك فحكم ستر وجه الحرة أمام من أباح لهم الشرع الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممن لا يعد محرما لها من العبيد المملوكين والأتباع؛ سُنّة وليس فرضا، ولذا قال ابن بطال (وهذا الحديث يدل أن ستر المؤمنات وجوههن عن غير ذوي محارمهن سنة لإجماعهم أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة ويراه منها الغرباء) أي من
стр. 221
يحل له الدخول عليها والنظر إليها من العبيد والأتباع، أما الأحرار الأجانب فقد حرم الشارع عليهم الدخول عليها والنظر إليها كما بيّناه آنفا. ومما يؤكد ما ذكرنا وأن ابن بطال يرى وجوب تغطية الوجه على النساء الحرائر أمام الرجال الأحرار الأجانب؛ قوله في شرح صحيح البخاري (٤/ ٢١٧): وأجمع العلماء أن المرأة تلبس المخيط كله والخمُر والخفاف، وأن إحرامها في وجهها، وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها، وتسدل الثوب على وجهها سدلا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال. وقوله في موضع آخر منه (٢٢٢/ ٢): وذلك أن تلفعهن وتسترهن بمروطهن مانع من معرفتهن، وكان الرجال يصلون ووجوههم بادية بخلاف زي النساء وهيئاتهن
(الحديث الثاني) الذي استشهد به الشيخ الألباني:
* حديث جابر ﵁ قال" شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال ... ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن، وذكّرهن، فقال: تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم، فقامت امرأة من سطة - سفلة - النساء (١) سفعاء الخدين (أي فيهما تغير وسواد) فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير" (٢) قال الألباني في جلباب المرأة /٦٠: والحديث واضح الدلالة، وإلا لما استطاع الراوي أن يصف تلك المرأة بأنها" سفعاء الخدين" اهـ
стр. 222
فيجاب على ذلك بأن هذه المرأة كانت من الإماء المملوكات ولذلك كانت كاشفة عن وجهها، يؤيد ذلك أن جابر وصف تلك المرأة بأنها من (سفلة النساء) (١) كما قال ابن الأثير: أي السُّقّاط من الناس، وفي رواية (فقامت امرأة ليست من علية النساء) (٢)، ووصفها بأنها (سفعاء الخدين) وهذا يكفي دليلا على أنها كانت من الإماء. (٣) قال القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٢٩٤): حذاق شيوخنا زعموا أن هذا الحرف مغير فى كتاب مسلم، وأن صوابه: " من سفلة الناس " وكذا رواه النسائى فى سننه، وابن أبى شيبة فى مصنفه، وذكره من طريق آخر: " فقامت امرأة ليست من علية النساء " ويعضده قوله بعدها " سفعاء الخدين" (٤).
لكن الشيخ الألباني اختار لفظ مسلم (سطة) الذي يحتمل فيه التصحيف! لما قيل في معنى (سطة): (أي جالسة في وسطهن) وهذا المعنى بعيد لأنه لا حاجة لأن يشير جابر إلى أنها كانت جالسة في وسطهن! أما قوله (من سفلة النساء) ففيه الإشارة إلى أن هذه المرأة كانت من الإماء.
стр. 223
وقد سبق أن أشار الشيخ الألباني إلى هذا التصحيف في كتابه الثمر المستطاب ١/ ٣٠٨: فقال: قوله: (سطة) كذا هو عند مسلم ورواية الباقين: (سفلة) ولعل تلك الرواية محرفة أو مصحفة من هذه.
ولذلك تجد أنه لم يستشهد بهذا الحديث أحد من أهل العلم المتقدمين على جواز كشف النساء.
(الحديث الثالث) الذي استشهد به الشيخ الألباني:
* حديث سهل بن سعد" صحيح البخاري (٦/ ١٩٢): أن امرأة جاءت رسول الله ﷺ ] وهو في المسجد [فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعد النظر إليها وصوبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست" (١)
أولا: نسوق الحديث بتمامه كما عند البخاري في صحيحه:
عن سهل بن سعد أن امرأة جاءت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعد النظر إليها وصوبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست، فقام رجل من أصحابه، فقال: أي رسول الله، إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال: (هل عندك من شيء)؟ قال: لا والله يا رسول الله، قال: (اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا)
стр. 224
فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئا، قال: (انظر ولو خاتما من حديد) فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتما من حديد، ولكن هذا إزاري - قال سهل: ما له رداء - فلها نصفه، فقال رسول الله ﷺ : (ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء) فجلس الرجل حتى طال مجلسه، ثم قام، فرآه رسول الله ﷺ موليا فأمر به فدعي، فلما جاء قال: (ماذا معك من القرآن)؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا وسورة كذا - عددها - قال: (أتقرؤهن عن ظهر قلبك)؟ قال: نعم، قال: (اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن). (١)
والجواب عليه بالآتي:
١) ليس في نظر سهل بن سعد إليها حجة: لأن سهل حينها كان غلاما لم يبلغ الحلم، كما ثبت في السير أنه كان له من العمر عند وفاة النبي ﷺ خمس عشرة سنة. (٢) كما يحتمل أن هذا كان قبل نزول الحجاب، وليس في الحديث ما يبعد ذلك.
٢) على فرض أن هذا الحديث كان بعد الحجاب وأن هذه المرأة كانت كاشفة لوجهها على مرأى من الصحابة، فلا حجة فيه أيضا؛ لأن هذه المرأة كانت من الإماء، أذن لها مولاها أن تتزوج ومما يشهد لذلك:
стр. 225
أن البخاري بوب لهذا الحديث في صحيحه (٥/ ١٩٥٦) باب تزويج الْمُعْسِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ والآية هي كما قال تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ النور: ٣٢ يشهد لذلك فقر الرجل الذي تزوجها حتى إنه لم يجد حتى خاتما من حديد، بل كان لا يملك إلا إزاره الذي عليه من غير رداء. كما يشهد لذلك أيضا المهر الذي رضيه رسول الله ﷺ لهذه المرأة؛ (فقال رجل زوجنيها، قال: أعطها ثوبا، قال لا أجد، قال أعطها ولو خاتما من حديد) (١). ولذلك لم يستشهد بهذا الحديث أحد من أهل العلم على جواز النظر للنساء؛ فضلا عن أن يستشهدوا به على جواز كشف المرأة لوجهها، بل لم يتطرق شراح الحديث ولا غيرهم ممن يستشهد بهذا الحديث إلا لنظر رسول الله ﷺ لها على أنه من باب نظر الرجل للمرأة يريد أن يتزوجها. (٢)
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٩/ ٢١٠): وفيه جواز تأمل محاسن المرأة لإرادة تزويجها، وإن لم تتقدم الرغبة في تزويجها ولا وقعت خطبتها لأنه ﷺ ولو لم يقصد أنه إذا رأى منها ما يعجبه أنه يقبلها ما كان للمبالغة في تأملها فائدة
стр. 226
ويمكن الانفصال عن ذلك بدعوى الخصوصية له لمحل العصمة والذي تحرر عندنا أنه ﷺ كان لا يحرم عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيات بخلاف غيره!
(الحديث الرابع) الذي استشهد به الشيخ الألباني:
* حديث عائشة ﵂ قالت "كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول اللَّه ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهنّ (١) ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يُعرفن من الغلس (٢) " (٣) قال الشيخ الألباني: ووجه الاستدلال به هو قولها" لا يُعرفن من الغلس"، فإن مفهومه أنه لولا الغلس لعرفن، وإنما يعرفن عادة من وجوههن وهي مكشوفة. وقد ذكر هذا الشوكاني عن الباجي. ثم وجدت رواية صريحة في ذلك بلفظ: "وما يعرف بعضنا وجوه بعض". (٤)
والجواب عليه بالآتي:
١) ثبت عنها في رواية أخرى أنها قالت (أن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح مع النبي ﷺ ثم يرجعن متلفعات بمروطهن لا يعرفهن أحد). (٥) وقد استشهد الشيخ الألباني بقولها (لا يعرفن من الغلس) وأعرض عن قولها (متلفعات بمروطهن) الذي يعني؛ مغطيات وجوههن بما يشتملن به من الأكسية،
стр. 227
فإن التلفع يعني تغطية الوجه عند أهل العلم:
- قال الحكيم الترمذي (ت ٣٢٠ هـ) في نوادر الأصول (٢/ ٣٥١): الالتفاع؛ الالتحاف بالثوب متقنعا.
- قال ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) في شرح صحيح البخارى (٢/ ٢٢٢): وذلك أن تلفعهن وتسترهن بمروطهن مانع من معرفتهن، وكان الرجال يصلون ووجوههم بادية بخلاف زى النساء وهيئاتهن.
- قال البيضاوي (ت ٦٨٥ هـ) في تحفة الأبرار (١/ ٢٣٨) والطيبي (ت ٧٤٣ هـ) في شرحه على المشكاة (٣/ ٨٨٦) والكرماني (ت ٧٨٦ هـ) في الكواكب الدراري (٤/ ٢١٨) والعيني (ت ٨٥٥ هـ) في عمدة القاري (٥/ ٧٤): التلفع شد اللفاع وهو ما يغطي الوجه ويتلحف به.
- وقال علي القاري (ت ١٠١٤ هـ) في مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٣٠): (ملتفعات) أي: مستترات وجوههن وأبدانهن.
- وقال المناوي (ت ١٠٣١ هـ) في فيض القدير (٣/ ١٧٤): (والالتفاع) وهو تغطية الرأس وأكثر الوجه.
стр. 228
* وهو كذلك عند أهل اللغة:
- قال أبو منصور الهروي (ت ٣٧٠ هـ) في الزاهر (ص: ٥٢): فالمتلفعات: النساء اللاتي قد اشتملن بجلابيبهن حتى لا يظهر منهن شيء غير عيونهن, ويقال: وقد تلفع بثوبه والتفع به إذا اشتمل به أي تغطى به.
- قال ابن القطّاع (ت ٥١٥ هـ) في الأفعال (٣/ ١٢٧): لفع ومنه لفاع المرأة كالقناع.
- قال أبو الفضل عياض السبتي (ت ٥٤٤ هـ) في مشارق الأنوار (١/ ٣٦١): والتلفع يستعمل في الالتحاف مع تغطية الرأس.
- قال ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) في (غريب الحديث (٢/ ٣٢٦): (متلفعات بمروطهن) أي متجللات بأكسيتهن ... قال أبو زيد تميم تقول تلثمت وغيرهم يقول تلفعت.
٢) قال الشيخ الألباني: وقد ذكر هذا الشوكاني عن الباجي. اهـ
وبالرجوع إلى قول الباجي يتبين أنه لا يقول بجواز كشف الوجه:
قال أبو الوليد الباجي في المنتقى شرح الموطأ (١/ ٤): وروى يحيى متلففات والأكثر على متلفعات والمعنى متقارب إلا أن التلفع يستعمل مع تغطية الرأس، والمروط أكسية مربعة سداها شعر، وقوله ما يعرفن من الغلس (١) يحتمل
стр. 229
أمرين؛ أحدهما لا يعرف أرجال هن أم نساء من شدة الغلس إنما يظهر إلى الرائي أشخاصهن خاصة، قال ذلك الراوي، ويحتمل أيضا أن يريد لا يعرفن من هن من النساء من شدة الغلس وإن عرف أنهن نساء، إلا أن هذا الوجه يقتضي أنهن سافرات عن وجوههن ولو كن غير سافرات لمنع النقاب وتغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس، إلا أنه يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن أحد أمرين؛ إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب أو يكون بعده لكنهن أمِنَّ أن تدرك صورهن من شدة الغلس فأبيح لهن كشف وجوههن. اهـ
وعلى فرض أنهن كن كاشفات لوجوههن لكونهن في الغلس، لا يعرف بعضهن وجوه بعض، فكيف يستشهد به على جواز كشفهن في حال يستطيع الرجال معرفتهن ورؤية وجوههن! هذا استشهاد باطل ولا شك.
٣) يضاف إلى ذلك أن خروجهن هذا كان على غير مرأى من الرجال كما يدل على ذلك قولها (فينصرفن نساء المؤمنين لا يعرفن من الغلس أو لا يعرفن بعضهن بعضا) (١) فهذا يدل على أنهن كن كلهن نساء لا يخالطهن في انصرافهن رجال. وهذا يشهد له ما جاء في الصحيح عن أم سلمة ﵂ (أن النساء في عهد
стр. 230
رسول الله ﷺ كُنَّ إذا سَلَّمن من المكتوبة قمن، وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء الله فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال). (١) وفي رواية (كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله ﷺ ) (٢) وفي رواية عن الزهري قال؛ قالت (كان رسول الله ﷺ إذا سلّم قام النساء حين يقضي تسليمه ويمكث هو في مقامه يسيرا قبل أن يقوم) قال نرى والله أعلم أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال. (٣)
٤) أما قول الشيخ الألباني ثم وجدت رواية صريحة في ذلك بلفظ: "وما يعرف بعضنا وجوه بعض" فبالرجوع لهذه الرواية بتمامها يتبين أن عائشة ﵂ إنما أرادت بقولها توجيه النساء إلى زيادة التستر؛ لا الدعوة إلى السفور والتكشف! فقالت منكرة على النساء ما رأت من تعرضهن للرجال: (لو رأى رسول الله ﷺ من النساء ما نرى لمنعهن من المساجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها، لقد رأيتنا نصلي مع رسول الله ﷺ الفجر في مروطنا وننصرف وما يعرف بعضنا وجوه بعض ((٤).
وبذلك يسقط الاحتجاج بهذا الحديث، ويضم إلى أدلة وجوب تغطية الوجه.
стр. 231
(الحديث الخامس) الذي استشهد به الشيخ الألباني:
* حديث فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب ... فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: (تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك) وفي رواية: فقال: (انتقلي إلى أم شريك)، وأم شريك امرأة غنية، من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله، ينزل عليها الضيفان، فقلت: سأفعل، فقال: (لا تفعلي، إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان، فإني أكره أن يسقط عنك خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم منك بعض ما تكرهين ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم) - وهو رجل من بني فهر، فهر قريش وهو من البطن الذي هي منه - فانتقلت إليه، فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي، منادي رسول الله ﷺ ، ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول الله ﷺ ، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته ... قال: (إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم، لأن تميما الداري كان رجلا نصرانيا، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال ... ) (١)
قال الشيخ الألباني: حديث فاطمة بنت قيس وأمره ﷺ إياها بالانتقال إلى ابن أم مكتوم الأعمى وقال لها: " فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك" لقد بينت هناك وجه
стр. 232
دلالة الحديث وذلك أن النبي ﷺ أذن لها في أن تظهر أمام الضيفان بخمارها الذي لا يغطي الوجه لولا خشية سقوطه عنها فيرون رأسها ولذلك أمرها بالانتقال إلى ابن أم مكتوم وعلل ﷺ ذلك بقوله: "فإنك إذا وضعت خمارك لم يركِ" والخمار غطاء الرأس عند جماهير العلماء كما تقدم تحقيقه.
والجواب عليه بالآتي:
أولا: من العجيب استشهاد الشيخ الألباني بهذا الحديث على جواز كشف الوجه مع أن رسول الله ﷺ لم يأذن لفاطمة بالاعتداد عند رجل يبصرها! ولذلك لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الحديث على جواز النظر إلى المرأة فضلا عن أن يستشهدوا به على جواز كشف وجهها!
- فهذا النووي يقول في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ٩٩): قوله ﷺ (تضعين ثيابك عنده) وفي الرواية الأخرى (فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك) هذه الرواية مفسرة للأولى ومعناه لا تخافين من رؤية رجل إليك.
وقال في موضع آخر منه (١٠/ ٩٦): ومعنى هذا الحديث أن الصحابة ﵃ كانوا يزورون أم شريك ويكثرون التردد إليها لصلاحها فرأى النبي ﷺ أن على فاطمة من الاعتداد عندها حرجا، من حيث أنه يلزمها التحفظ من نظرهم إليها ونظرها إليهم وانكشاف شيء منها وفي التحفظ من هذا مع كثرة دخولهم وترددهم مشقة ظاهرة، فأمرها بالاعتداد عند ابن أم مكتوم لأنه لا يبصرها ولا يتردد إلى بيته من يتردد إلى بيت أم شريك. وقد احتج بعض الناس بهذا على
стр. 233
جواز نظر المرأة إلى الأجنبي بخلاف نظره إليها وهذا قول ضعيف، بل الصحيح الذي عليه جمهور العلماء وأكثر الصحابة أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي كما يحرم عليه النظر إليها لقوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ و ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ ولأن الفتنة مشتركة وكما يخاف الافتتان بها تخاف الافتتان به. . . فليس فيه إذن لها في النظر إليه بل فيه أنها تأمن عنده من نظر غيرها، وهي مأمورة بغض بصرها فيمكنها الاحتراز عن النظر بلا مشقة بخلاف مكثها في بيت أم شريك.
- وبوّب لهذا الحديث أبو عوانة في مسنده (٣/ ١٧٦): بيان الأخبار التي لا تجعل للمطلقة ثلاثا على زوجها نفقة ولا سكنى وإيجاب خروجها من بيته والانتقال إلى منزل لا يراها الرجال فتعتد فيه.
- وقال ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٣٨١): إن انتقالها من بيت أم شريك إلى بيت ابن أم مكتوم كان أولى بها من بقائها في بيت أم شريك إذ كانت في بيت أم شريك يكثر الداخل فيه والرائي لها وفي بيت ابن أم مكتوم كان لا يراها أحد.
- وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٥٢ - ١٥٦): وفي هذا الحديث وجوب استتار المرأة إذا كانت ممن للعين فيها حظ عن عيون الرجال، وفي ذلك تحريم للنظر إليهن. . . وأما قوله يغشاها أصحابي فمعلوم أنها عورة كما أن فاطمة عورة إلا أنه علم أن أم شريك من السترة والاحتجاب بحال ليست بها فاطمة
стр. 234
ولعل فاطمة من شأنها أن تقعد فضلا (١) لا تحترز كاحتراز أم شريك ولا يجوز أن تكون أم شريك وإن كانت من القواعد أن تكون فضلا، ويجوز أن تكون فاطمة شابة ليست من القواعد وتكون أم شريك من القواعد فليس عليها جناح ما لم تتبرز بزينة، فهذا كله فرق بين حال أم شريك وفاطمة وإن كانتا جميعا امرأتين العورة منهما واحدة، ولاختلاف الحالتين أمرت فاطمة بأن تصير إلى ابن أم مكتوم الأعمى حيث لا يراها هو ولا غيره في بيته ذلك.
ثانيا: قال الشيخ الألباني: "وجه دلالة الحديث أن النبي ﷺ أذن لها في أن تظهر أمام الضيفان بخمارها الذي لا يغطي الوجه لولا خشية سقوطه عنها فيرون رأسها ولذلك أمرها بالانتقال" استشهد الشيخ الألباني بالرواية التي جاء فيها لفظ (خمارك) المخالف للروايات الأخرى التي جاءت بلفظ (ثيابك) ورواتها أثبت وأوثق!
وعلى فرض صحة الحديث بهذا اللفظ (خمارك) فإن ما بناه الشيخ الألباني على قولها (فأني أكره أن يسقط عنك خمارك) أنه أذن لها أن تخرج بخمار يستر شعرها دون وجهها؛ فعليه ينبني على قولها (أو ينكشف الثوب عن ساقيك) أنه أذن لها تخرج لهم بثوب يستر ساقيها دون قدميها أيضا!! وهذا مما لم يقل الشيخ الألباني بجواز إظهاره!!
стр. 235
وهذا يكشف أن إباحة كشف وجهها وقدميها للرجال؛ لكونها من الإماء المملوكات، يشهد لذلك الآتي:
١ - ما صح عن شعبة قال أخبرني أبو بكر بن أبي الجهم قال دخلت أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف على فاطمة بنت قيس في ملك آل الزبير فسألناها عن المطلقة ثلاثا (١).
٢ - لم يصرح أحد ممن ترجم لها أنها كانت زوجة لأبي عمرو وإنما اتفقت أقوالهم عند ترجمتها (كانت عند أبي عمرو ... ) وهذا يدل على أنها كانت أمة مملوكة فتزوجها.
٣ - أنها حينما خرجت من بيت زوجها لم تعتد في بيت من أهلها وإنما حولت إلى بيت رجل غريب عنها وهو الأعمى، وما جاء في بعض الروايات أنها ابنة عم للأعمى وأنها من البطن الذي هو منه قد نفاه القاضي كما نقله عنه النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ١٠٣): قال القاضي والمشهور خلاف هذا وليس هما من بطن واحد هي من بنى محارب بن فهر (٢) وهو من بنى عامر بن لؤي (٣). اهـ
стр. 236
٤ - أن رسول الله ﷺ هو الذي تولى تزويجها دون إرجاع الأمر إلى وليها.
٥ - أن الرجل الذي زوجها إياه رسول الله ﷺ من الموالي وهو أسامة بن زيد.
ثالثا: قال بعض أهل العلم أن هذا الحديث معلل الإسناد والمتن:
قال الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) في الكفاية في علم الرواية (١/ ٨١ ـ ٨٣): زعم أهل العراق أن العدالة هي إظهار الإسلام وسلامة المسلم من فسق ظاهر فمتى كانت هذه حاله وجب أن يكون عدلا ... فيقال لهم هذا غير صحيح ولا نعلم الصحابة قبلوا خبر أحد الا بعد اختبار حاله والعلم بسداده واستقامة مذاهبه وصلاح طرائقه ... يدل على صحة ما ذكرناه أن عمر بن الخطاب رد خبر فاطمة بنت قيس في إسقاط نفقتها وسكناها لما طلقها زوجها ثلاثا مع ظهور إسلامها واستقامة طريقتها ... فثبت بما ذكرناه أن العدالة شيء زائد على ظهور الإسلام يحصل بتتبع الأفعال واختبار الأحوال.
قال الكاساني (ت ٥٨٧ هـ) في بدائع الصنائع (٣/ ٢١٠): وأما حديث فاطمة بنت قيس فقد رده عمر ﵁ فإنه روي أنها لما روت أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة قال عمر ﵁: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت ... وروي أن زوجها أسامة بن زيد كان إذا سمعها تتحدث بذلك حصبها بكل شيء في يده، وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت لها: لقد فتنت الناس بهذا الحديث، وأقل أحوال إنكار الصحابة على راوي الحديث أن يوجب طعنا فيه.
стр. 237
قال الزيلعي الحنفي (ت ٧٤٣ هـ) في تبيين الحقائق (٣/ ٦٠): وحديث فاطمة لا يجوز الاحتجاج به لوجوه: أحدها: أن كبار الصحابة أنكروا عليها كعمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وأسامة بن زيد وعائشة حتى قالت لفاطمة فيما رواه البخاري "ألا تتقي الله" (١) وروي أنها قالت لها "لا خير لك فيه" (٢) ومثل هذا الكلام لا يقال إلا لمن ارتكب بدعة محرمة، وفي صحيح مسلم لما حدث الشعبي عنها بهذا الحديث أخذ الأسود بن يزيد كفا من حصى وحصب به الشعبي فقال له "ويلك أتحدث بمثل هذا الحديث" (٣)، وقال أبو سلمة أنكر الناس عليها فصار منكرا فلا يجوز الاحتجاج به، والثاني: لاضطرابه؛ فإنه جاء طلقها ألبتة وجاء طلقها ثلاثا، وجاء أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت من طلاقها وجاء طلقها ألبتة وهو غائب، وجاء مات عنها وجاء حين قتل زوجها، وجاء طلقها أبو عمرو بن حفص وجاء طلقها أبو حفص بن المغيرة، فلما اضطرب سقط الاحتجاج به،
وقال كمال الدين ابن الهمام (ت ٨٦١ هـ) في فتح القدير (٤/ ٤٠٥ - ٤٠٧): شرط قبول خبر الواحد عدم طعن السلف فيه وعدم الاضطراب وعدم معارض يجب تقديمه والمتحقق في هذا الحديث ضد كل من هذه الأمور.
فإحدى هذه العلل كافية لإسقاط الاحتجاج بهذا الحديث؛ فكيف بها مجتمعة!!
стр. 238
(الحديث السادس) الذي استشهد به الشيخ الألباني:
* حديث ابن عباس ﵁: عن ابن عباس قيل له أشهدت العيد مع النبي ﷺ قال نعم ولولا مكاني من الصغر ما شهدته .. فصلّى ثم خطب ثم أتى النساء ومعه بلال (فقال يا أيّها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك الآية ثم قال حين فرغ منها أنتن على ذلك قالت امرأة واحدة منهن لم يُجبه غيرها نعم) فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة (قال فبسط بِلال ثوبه ثم قال هلُم لكن فداء أبي وأمي) فرأيتهن يهوين بِأيديهنّ يقذفنه (فيلقين الفتخ (١) والخواتيم) في ثوب بلال ثم انطلق هو وبلال إلى بيته. (٢) قال الشيخ الألباني: قال ابن حزم بعد أن استدل بآية الضرب بالخمار على أن الوجه ليس بعورة: " فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله ﷺ رأى أيديهن، فصح أن اليد من المرأة والوجه ليسا بعورة، وما عداهما ففرض ستره".اهـ
والجواب عليه بالآتي؛ أولا؛ أن رؤية ابن عباس لهن ليس فيها حجة على جواز نظر الرجال الأجانب للنساء الأجنبيات فضلا عن أن يكون فيها حجة على جواز الكشف وذلك لأنه ثبت في الحديث تصريح ابن عباس بصغر سِنِّه (ولولا مكاني من الصغر ما شهدته) وأما بلال فكان عبدا مملوكا لا تحتجب منه النساء، وعلى فرض أنه كان حينها حرا فليس في الحديث ما يدل على أنه رأى وجوههن ولا أنهن كن كاشفات عن وجوههن.
стр. 239
قال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٣٤٤): والحجة منه هنا مشاهدة ابن عباس ما وقع من النساء حينئذ وكان صغيرا فلم يحتجبن منه وأما بلال فكان من ملك اليمين كذا أجاب بعض الشراح وفيه نظر لأنه كان حينئذ حرا والجواب أنه يجوز ألا يكون في تلك الحالة يشاهدهن مسفرات.
وقال في موضع آخر منه (٢/ ٤٦٦): قوله (ثم أتى النساء) يشعر بأن النساء كن على حدة من الرجال غير مختلطات بهم، قوله (ومعه بلال) فيه أن الأدب في مخاطبة النساء في الموعظة أو الحكم ألا يحضر من الرجال إلا من تدعو الحاجة إليه من شاهد ونحوه لأن بلالا كان خادم النبي ﷺ ومتولي قبض الصدقة وأما ابن عباس فقد تقدم أن ذلك اغتفر له بسبب صغره.
ثانيا؛ أن مراد ابن حزم قصر ما يجوز إظهاره من الأمة، وما يجوز إظهاره من الحرة أمام من يحل له النظر إليها؛ على الوجه والكفين فقط، ولذلك قال (فصح أن اليد من المرأة والوجه ليسا بعورة، وما عداهما ففرض ستره) كما أن استشهاد ابن حزم بهذا الحديث كان على نظر بلال لأكفهن وليس لوجوههن حيث قال (فلولا ظهور أكفهن ما أمكنهن إلقاء الفتخ) (١) فلا حجة فيه على كشف الوجه!
стр. 240
كما أن قول ابن حزم (فلولا ظهور أكفهن ما أمكنهن إلقاء الفتخ) ضعيف؛ فإنه بإمكانهن إلقاء الخواتم مع ستر أيديهن! وسياق الحديث يشهد لذلك (فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه) وفي الرواية الأخرى (فرأيتهن يهوين إلى آذانهن وحلوقهن يدفعن إلى بلال) (١)
فهل يؤخذ منه أنهن كن كاشفات عن حلوقهن وآذانهن!! وهذا يشهد لكونهن لم يكن كاشفات عن أكفهن وأن ابن عباس إنما رأى حركة أيديهن من تحت الجلابيب، وهذا ما جاء مصرحا به في رواية أخرى عند البخاري قال فيها ابن عباس (ثم أمر بالصدقة، فجعل النساء يشرن إلى آذانهن وحلوقهن، فأمر بلالا فأتاهن). (٢)
ثالثا: أن في الحديث ما يشهد أن النساء كن مغطيات وجوههن وذلك فيما أسقط من الحديث وهو قوله (قالت امرأة واحدة منهن لم يُجبه غيرها "نعم"] لا يدري حسن من هي [) (٣) وحسن هو راوي الحديث. وفي رواية مسلم (فقالت امرأة واحدة لم يُجبه غيرها منهنَّ نعم يا نبي الله [لا يُدْرَى حينئذ من هي [) (٤) وهذا تصريح من الراوي أن المرأة المتحدثة لا يُدرى من هي لأنها كانت مغطية وجهها فلم تُعرف.
стр. 241
قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (٦/ ١٧٢): (لا يدري حينئذ من هي) هكذا وقع في جميع نسخ مسلم (حينئذ) وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ، قال هو وغيره وهو تصحيف وصوابه (لا يدري حسن من هي). قال النووي: ويحتمل تصحيح (حينئذ) ويكون معناه لكثرة النساء واشتمالهن ثيابهن لا يدري من هي. (١)
وبذلك يبطل الاحتجاج بهذا الحديث، ويضم إلى أدلة وجوب تغطية الوجه.
(الحديث السابع) الذي استشهد به الشيخ الألباني:
* حديث سبيعة بنت الحارث الأسلمية: أنها كانت تحت سعد ابن خولة فتوفي عنها في حجة الوداع فوضعت حملها قبل أن تنقضي أربعة أشهر وعشر من وفاته، فلقيها أبو السنابل يعني ابن بعكك حين تعلت من نفاسها وقد اكتحلت] واختضبت وتهيأت [(٢) فقال لها: اربعي على نفسك لعلك تريدين النكاح إنها أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجك قالت: فأتيت النبي ﷺ فذكرت له ما قال أبو السنابل بن بعكك، فقال لها النبي ﷺ " قد حللت حين وضعت حملك " (٣)
стр. 242
والجواب عليه بالآتي: أولا: أن مما لا خلاف فيه أن القائلين بكشف الوجه ومنهم الشيخ الألباني يشترطون ألا يكون على الوجه شيئا من الزينة، وقد صرحت سبيعة بأنها كانت متجملة حين دخل عليها أبو السنابل، وهذا مما لم يقل بجوازه أحد من أهل العلم ولا حتى الشيخ الألباني نفسه، ولذلك لم يجد الشيخ الألباني بدا من القول بأنها قد تكون مغطية وجهها ماعدا عينيها! فقال في كتابه جلباب المرأة /٦٩: (والحديث صريح الدلالة على أن الكفين ليسا من العورة في عرف نساء الصحابة، وكذا الوجه أو العينين على الأقل)!!
ثانيا: أنه على فرض أنها كانت كاشفة عن وجهها فلا حجة فيه أيضا؛ لأن سبيعة الأسلمية كانت أمة مملوكة اتخذها سعد بن خولة أم ولد. (١) كما جاء ذلك مصرحا به في الرواية التي نقلها الهيثمي عن أحمد في مجمع الزوائد (٥/ ٢): عن أبي بن كعب قال: نازعني عمر بن الخطاب في المتوفى عنها وهي حامل، فقلت تزوج إذا وضعت، فقالت أم الطفيل -أم ولدي- لعُمر (قد أمر رسول الله ﷺ أم ولد؛ سبيعة الأسلمية أن تنكح إذا وضعت). (٢)
وفي مسند الشافعي (١/ ٢٩٨) قال: "أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال في أم الولد يتوفى عنها سيدها قال تعتد بحيضة" ثم استشهد بحديث
стр. 243
سبيعة، ولذلك لم يعلق أحد من شراح الحديث على دخول أبو السنابل عليها ونظره إليها البتة، بل لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الحديث - مع كونه مخرج في الصحيحين- على جواز النظر إلى النساء فضلا أن يستشهدوا به على جواز الكشف!
(الحديث الثامن):
* حديث عائشة ﵂" أن امرأة أتت النبي ﷺ تبايعه، ولم تكن مختضبة، فلم يبايعها حتى اختضبت" (١) قال الشيخ الأباني:
حديث حسن أو صحيح، أخرجه أبو داود (٢/ ١٩٠) وله شواهد كثيرة أوردتها في" الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب". اهـ
أولا: عزّا الشيخ الألباني هذا الحديث لأبي داود! والصحيح أنه بهذا اللفظ للبزار عن ابن عباس وليس عن عائشة! وقد ضعّفه ابن القطان فقال: فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وفيه نكارة فإن النبي ﷺ لم يكن تصافحه المبايعات. (٢)
أما ما أخرجه أبو داود فهو ما روته صفية بنت عصمة عن عائشة ﵂ أنها قالت (أومأت امرأة من وراء ستر بيدها كتاب إلى رسول الله ﷺ فقبض النبي ﷺ يده فقال ما أدري أيد رجل أم يد امرأة، قالت بل امرأة، قال لو كنت
стр. 244
امرأة لغيرت أظفارك يعني بالحناء) (١) وهذا ليس فيه حجة لأن فيه أنها كانت تكلم النبي ﷺ من وراء حجاب.
ثانيا: قال الشيخ الألباني: " وله شواهد كثيرة أوردتها في" الثمر المستطاب" وبالرجوع إلى الثمر المستطاب لا تجد إلا أسانيد هالكة لا تصلح لتقوية الحديث، لأن أسانيدها لا تخلو ممن لا يُعرف (٢)!!
قال ابن القطان: وفي الباب حديثان لعائشة، وهما في غاية الضعف. اهـ
وبذلك يسقط الاحتجاج بهذا الحديث.
(الحديث التاسع)
*حديث ابن عباس: "عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك) فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها" (٣).
стр. 245
وهذا لا حجة فيه أيضا لأن هذه المرأة السوداء كانت من الإماء ولذلك كانت كاشفة عن وجهها، قال البخاري عقب هذا الحديث: حدثنا محمد ... أخبرني عطاء: " أنه رأى أم زفر تلك امرأة طويلة سوداء، على ستر الكعبة" (١) وقال ابن حجر في الإصابة (٨/ ٢١٠): هي أم زفر الحبشية السوداء.
(الحديث العاشر)
* حديث ابن عباس ﵁ قال" كانت امرأة تصلي خلف رسول الله ﷺ ؛ حسناء من أحسن الناس فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطه، فأنزل الله (ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين) (٢).
والجواب عليه بالآتي؛ أولا: أن هذا الأثر معلل الإسناد والمتن، أما المتن؛ فإن في متنه نكارة شديدة كما قال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٥٥١) والمباركفوري في تحفة الأحوذي (٨/ ٤٣٨)، أما إسناده؛ فقيل أنه روي موقوفا على أبي الجوزاء دون رفعه لابن عباس وليس فيه ذكر للمرأة، وقال الترمذي والقرطبي وقفه أصح، أي أنه مرسل كما قال الزيلعي فلا يصح الاحتجاج به.
стр. 246
- كما في جامع الترمذي (٥/ ٢٩٦) وتفسير القرطبي (١٠/ ١٩): قال أبو عيسى وروى جعفر بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء نحوه ولم يذكر فيه عن ابن عباس وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح.
- قال أبو نعيم في حلية الأولياء (٣/ ٨١): غريب من حديث أبي الجوزاء عن ابن عباس تفرد برفعه نوح بن قيس.
- وقال الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/ ٢١١): روي مرسلا.
- وقال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٥٥١): ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ الحجر: ٢٤ وقد ورد فيه حديث غريب جدا، عن ابن عباس ﵃ قال (كانت تصلي خلف النبي ﷺ امرأة حسناء. . .) وهذا الحديث فيه نكارة شديدة وقد رواه عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن عمرو بن مالك أنه سمع أبا الجوزاء يقول ... فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر، وقد قال الترمذي هذا أشبه من رواية نوح بن قيس. اهـ
ثانيا: على فرض ثبوت صحة هذا الأثر؛ فإنه يحتمل أن يكون قبل نزول الحجاب، وليس في الحديث ما يبعد ذلك فلا يكون فيه حجة.
كما يحتمل أن تكون هذه المرأة من الجواري المملوكات - الإماء - وليست من الحرائر، ولذلك لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الخبر على جواز النظر، ولا على جواز كشف وجوه النساء الحرائر!
стр. 247
(الحديث الحادي عشر)
*قول ابن مسعود ﵁ " رأى رسول اللَّه ﷺ امرأة فأعجبته فأتى سودة وهي تصنع طيبا وعندها نساء فأخلينه فقضى حاجته ثم قال أيّما رجل رأى امرأة تعجبه فليقم إلى أهله فإن معها مثل الذي معها". (١)
والجواب عليه بالآتي: أولا: أن المراد بقوله ﷺ (أيما رجل رأى امرأة تعجبه) أي من الإماء اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب، أو من نساء العجم الكاشفات لوجوههن، كما أشار إلى ذلك البخاري في صحيحه معلقا (٥/ ٢٢٩٩): قال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن قال اصرف بصرك عنهن، وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليه وإن كانت صغيرة، وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يُبَعن بمكة إلا أن يريد أن يشتري. اهـ
ثانيا: لم يخرج الحديث بهذا اللفظ إلا الدارمي عن ابن مسعود؛ وقد أخرجه مسلم في صحيحه وأبي داود والترمذي وغيرهم عن جابر بلفظ آخر؛ (عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ رأى امرأة فأتى امرأته زينب وهي تمعس (٢) منيئة (٣) لها فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه فقال:
إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان
стр. 248
فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرُدُّ ما في نفسه) (١) فقوله (إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان) بيان لما يغلب عند النظر إلى المرأة من إثارة للشهوة، ولذا لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الحديث على جواز النظر إلى المرأة الحرة فضلا على أن يستشهدوا به على جواز كشف الوجه، وقد ذكر ابن القطان في أحكام النظر (ص/١٩٣): أن الحديث مندفع الدلالة من حيث إنه ليس فيه ذكر للإبداء، ولعل حركة النفس من رؤية الشخص مستترا.
وقال النووي في شرح هذا الحديث (٩/ ١٧٨): قال العلماء معناه الإشارة إلى الهوى والدعاء إلى الفتنة بها لما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء والالتذاذ بنظرهن وما يتعلق بهن، فهي شبيهة بالشيطان في دعائه إلى الشر بوسوسته وتزيينه له، ويستنبط من هذا أنه ينبغي لها ألا تخرج بين الرجال إلا لضرورة وأنه ينبغي للرجل الغض عن ثيابها والإعراض عنها مطلقا.
قال العظيم آبادي في عون المعبود شرح سنن أبي داود (٦/ ١٣٢): شبهها بالشيطان في صفة الوسوسة والإضلال فإن رؤيتها من جميع الجهات داعية للفساد ... ويستنبط من هذا أنه ينبغي لها ألا تخرج إلا لضرورة ولا تلبس ثيابا فاخرة وينبغي للرجل ألا ينظر إليها ولا إلى ثيابها. اهـ
وبذلك يسقط الاحتجاج بهذا الحديث على جواز الكشف للنساء الحرائر.
стр. 249
(الحديث الثاني عشر)
*ما روي عن عبد الله بن محمد عن امرأة منهم قالت دخل علي رسول الله ﷺ وأنا آكل بشمالي وكنت امرأة عسراء فضرب يدي فسقطت اللقمة فقال لا تأكلي بشمالك وقد جعل الله ﵎ لك يمينا أو قال قد أطلق الله يمينك قال فتحولت شمالي يمنيا فما أكلت بها بعد" (١)
والجواب عليه بالآتي؛
أولا: مع احتمال أن يكون هذا قبل الحجاب، أو أن هذه المرأة كانت من الإماء، إلا أن ليس فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أنها كانت كاشفة عن وجهها!
ثانيا: أن في متنه نكارة، تتبين بما صح عن عائشة ﵂ أنها قالت (ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما). (٢)
ثالثا: ضعف إسناد هذا الحديث: قال الشيخ الألباني عقب الحديث: (قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٦) رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات) ثم قال الشيخ الألباني (رجاله ثقات كما قال؛ رجال الشيخين؛ غير عبدالله بن محمد وهو ابن عقيل المدني فيما أظن وهو حسن الحديث) (٣) وكان من الأولى وقد قال الهيثمي عن رجال إسناد هذا الحديث بأنهم ثقات؛ بألّا يحمل عبدالله بن محمد
стр. 250
على (ابن عقيل) لأن ابن عقيل ليس من الثقات قال عنه الهيثمي "حديثه حسن وفيه ضعف" هذا علاوة على أن الهيثمي قد صرح بكونه غير ابن عقيل؛ فقال في الموضع الذي أشار إليه الشيخ الألباني في مجمع الزوائد (٥/ ٢٦): عن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد عن امرأة منهم قالت دخل علي ... ) فصرح بأنه عبد الله بن زيد الأنصاري، وهذا يكشف علّة في إسناده: وهي الانقطاع بين عبد الله بن زيد الأنصاري والمرأة فإنه إن لم يكن معضلا كان منقطعا! علاوة على أنه ليس له موثق غير ابن حبان وعليه قال الهيثمي (رجاله ثقات) قال ابن القطان في " الوهم والإيهام " (٣/ ٣٤٨) هو مجهول لا يعرف حاله. وذكره ابن الجارود وابن عدي في " جملة الضعفاء"اهـ وليست هذه علّة إسناده فقط فإن فيه علّة أخرى ذكرها أبو بكر بن أبي عاصم الشيباني في الآحاد والمثاني (٦/ ١٧٥) قال: حدثنا ... عن إسحاق بن عبد الله عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن امرأة من قومه قالت دخل علي رسول الله ﷺ وأنا آكل بشمالي ... ) قال أبو بكر بن أبي عاصم: وإسحاق هو بن عبد الله بن أبي فروة ليس بشيء ومن زعم أنه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة فقد أخطأ. اهـ وفيه شاهد على أن عبدالله بن محمد هو الأنصاري وليس ابن عقيل، وفيه أن إسحاق بن عبدالله هو ابن أبي فروة وهو متروك كما ذكر ابن حجر في التقريب (١/ ١٠٢). وعليه فمن وثق رواته كالهيثمي؛ فهو لتوهمه أن إسحاق بن عبد الله؛ هو ابن أبي طلحة.
وعلى هذا فإن إحدى هذه العلل تضعف الحديث وتسقط الاحتجاج به فكيف بها مجتمعه.