- كما في جامع الترمذي (٥/ ٢٩٦) وتفسير القرطبي (١٠/ ١٩): قال أبو عيسى وروى جعفر بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء نحوه ولم يذكر فيه عن ابن عباس وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح.
- قال أبو نعيم في حلية الأولياء (٣/ ٨١): غريب من حديث أبي الجوزاء عن ابن عباس تفرد برفعه نوح بن قيس.
- وقال الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/ ٢١١): روي مرسلا.
- وقال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٥٥١): ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ الحجر: ٢٤ وقد ورد فيه حديث غريب جدا، عن ابن عباس ﵃ قال (كانت تصلي خلف النبي ﷺ امرأة حسناء. . .) وهذا الحديث فيه نكارة شديدة وقد رواه عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن عمرو بن مالك أنه سمع أبا الجوزاء يقول ... فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر، وقد قال الترمذي هذا أشبه من رواية نوح بن قيس. اهـ
ثانيا: على فرض ثبوت صحة هذا الأثر؛ فإنه يحتمل أن يكون قبل نزول الحجاب، وليس في الحديث ما يبعد ذلك فلا يكون فيه حجة.
كما يحتمل أن تكون هذه المرأة من الجواري المملوكات - الإماء - وليست من الحرائر، ولذلك لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الخبر على جواز النظر، ولا على جواز كشف وجوه النساء الحرائر!
стр. 247
(الحديث الحادي عشر)
*قول ابن مسعود ﵁ " رأى رسول اللَّه ﷺ امرأة فأعجبته فأتى سودة وهي تصنع طيبا وعندها نساء فأخلينه فقضى حاجته ثم قال أيّما رجل رأى امرأة تعجبه فليقم إلى أهله فإن معها مثل الذي معها". (١)
والجواب عليه بالآتي: أولا: أن المراد بقوله ﷺ (أيما رجل رأى امرأة تعجبه) أي من الإماء اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب، أو من نساء العجم الكاشفات لوجوههن، كما أشار إلى ذلك البخاري في صحيحه معلقا (٥/ ٢٢٩٩): قال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن قال اصرف بصرك عنهن، وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليه وإن كانت صغيرة، وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يُبَعن بمكة إلا أن يريد أن يشتري. اهـ
ثانيا: لم يخرج الحديث بهذا اللفظ إلا الدارمي عن ابن مسعود؛ وقد أخرجه مسلم في صحيحه وأبي داود والترمذي وغيرهم عن جابر بلفظ آخر؛ (عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ رأى امرأة فأتى امرأته زينب وهي تمعس (٢) منيئة (٣) لها فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه فقال:
إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان
стр. 248
فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرُدُّ ما في نفسه) (١) فقوله (إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان) بيان لما يغلب عند النظر إلى المرأة من إثارة للشهوة، ولذا لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الحديث على جواز النظر إلى المرأة الحرة فضلا على أن يستشهدوا به على جواز كشف الوجه، وقد ذكر ابن القطان في أحكام النظر (ص/١٩٣): أن الحديث مندفع الدلالة من حيث إنه ليس فيه ذكر للإبداء، ولعل حركة النفس من رؤية الشخص مستترا.
وقال النووي في شرح هذا الحديث (٩/ ١٧٨): قال العلماء معناه الإشارة إلى الهوى والدعاء إلى الفتنة بها لما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء والالتذاذ بنظرهن وما يتعلق بهن، فهي شبيهة بالشيطان في دعائه إلى الشر بوسوسته وتزيينه له، ويستنبط من هذا أنه ينبغي لها ألا تخرج بين الرجال إلا لضرورة وأنه ينبغي للرجل الغض عن ثيابها والإعراض عنها مطلقا.
قال العظيم آبادي في عون المعبود شرح سنن أبي داود (٦/ ١٣٢): شبهها بالشيطان في صفة الوسوسة والإضلال فإن رؤيتها من جميع الجهات داعية للفساد ... ويستنبط من هذا أنه ينبغي لها ألا تخرج إلا لضرورة ولا تلبس ثيابا فاخرة وينبغي للرجل ألا ينظر إليها ولا إلى ثيابها. اهـ
وبذلك يسقط الاحتجاج بهذا الحديث على جواز الكشف للنساء الحرائر.
стр. 249
(الحديث الثاني عشر)
*ما روي عن عبد الله بن محمد عن امرأة منهم قالت دخل علي رسول الله ﷺ وأنا آكل بشمالي وكنت امرأة عسراء فضرب يدي فسقطت اللقمة فقال لا تأكلي بشمالك وقد جعل الله ﵎ لك يمينا أو قال قد أطلق الله يمينك قال فتحولت شمالي يمنيا فما أكلت بها بعد" (١)
والجواب عليه بالآتي؛
أولا: مع احتمال أن يكون هذا قبل الحجاب، أو أن هذه المرأة كانت من الإماء، إلا أن ليس فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أنها كانت كاشفة عن وجهها!
ثانيا: أن في متنه نكارة، تتبين بما صح عن عائشة ﵂ أنها قالت (ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما). (٢)
ثالثا: ضعف إسناد هذا الحديث: قال الشيخ الألباني عقب الحديث: (قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٦) رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات) ثم قال الشيخ الألباني (رجاله ثقات كما قال؛ رجال الشيخين؛ غير عبدالله بن محمد وهو ابن عقيل المدني فيما أظن وهو حسن الحديث) (٣) وكان من الأولى وقد قال الهيثمي عن رجال إسناد هذا الحديث بأنهم ثقات؛ بألّا يحمل عبدالله بن محمد
стр. 250
على (ابن عقيل) لأن ابن عقيل ليس من الثقات قال عنه الهيثمي "حديثه حسن وفيه ضعف" هذا علاوة على أن الهيثمي قد صرح بكونه غير ابن عقيل؛ فقال في الموضع الذي أشار إليه الشيخ الألباني في مجمع الزوائد (٥/ ٢٦): عن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد عن امرأة منهم قالت دخل علي ... ) فصرح بأنه عبد الله بن زيد الأنصاري، وهذا يكشف علّة في إسناده: وهي الانقطاع بين عبد الله بن زيد الأنصاري والمرأة فإنه إن لم يكن معضلا كان منقطعا! علاوة على أنه ليس له موثق غير ابن حبان وعليه قال الهيثمي (رجاله ثقات) قال ابن القطان في " الوهم والإيهام " (٣/ ٣٤٨) هو مجهول لا يعرف حاله. وذكره ابن الجارود وابن عدي في " جملة الضعفاء"اهـ وليست هذه علّة إسناده فقط فإن فيه علّة أخرى ذكرها أبو بكر بن أبي عاصم الشيباني في الآحاد والمثاني (٦/ ١٧٥) قال: حدثنا ... عن إسحاق بن عبد الله عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن امرأة من قومه قالت دخل علي رسول الله ﷺ وأنا آكل بشمالي ... ) قال أبو بكر بن أبي عاصم: وإسحاق هو بن عبد الله بن أبي فروة ليس بشيء ومن زعم أنه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة فقد أخطأ. اهـ وفيه شاهد على أن عبدالله بن محمد هو الأنصاري وليس ابن عقيل، وفيه أن إسحاق بن عبدالله هو ابن أبي فروة وهو متروك كما ذكر ابن حجر في التقريب (١/ ١٠٢). وعليه فمن وثق رواته كالهيثمي؛ فهو لتوهمه أن إسحاق بن عبد الله؛ هو ابن أبي طلحة.
وعلى هذا فإن إحدى هذه العلل تضعف الحديث وتسقط الاحتجاج به فكيف بها مجتمعه.
стр. 251
(الحديث الثالث عشر)
وهو آخر ما استشهد به الشيخ الألباني من الأحاديث وهو حديث ثوبان ﵁ قال: جاءت بنت هبيرة إلى رسول الله ﷺ وفي يدها فتخ من ذهب (أي خواتيم ضخام) فجعل رسول الله ﷺ يضرب يدها، فدخلت على فاطمة بنت رسول الله ﷺ تشكو إليها الذي صنع بها رسول الله ﷺ ، فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب وقالت هذه أهداها إلي أبو حسن، فدخل رسول الله ﷺ والسلسلة في يدها فقال: يا فاطمة أيغرك أن يقول الناس ابنة رسول الله وفي يدها سلسلة من نار ثم خرج ولم يقعد، فأرسلت فاطمة بالسلسلة إلى السوق فباعتها واشترت بثمنها غلاما فأعتقته فحُدث بذلك فقال الحمد لله الذي أنجى فاطمة من النار" (١)
والجواب عليه بالآتي: أولا: مع احتمال أن يكون هذا قبل الحجاب، أو أن ابنة هبيرة هذه كانت من الإماء، إلا أن ليس فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أنها كانت كاشفة عن وجهها! كما أن راوي الحديث عبد مملوك وهو ثوبان مولى رسول الله ﷺ فليس في نظره حجة على جواز نظر الأحرار الأجانب. والذي كان ينبغي أن يؤخذ من هذا الحديث كما قال بعض أهل العلم كابن حزم أن ضرب النبي ﷺ ليدها كان لإظهارها هذه الزينة.
стр. 252
ثانيا: في متنه نكارة تبعد صحته كالذي سبق، وهي الضرب منه ﷺ وقد صح عن عائشة ﵂ أنها قالت (ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما). (١)
ثالثا: الحديث لايصح لأن إسناده منقطع؛ قال ابن الملقن في التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٨/ ٦٦): حديث ثوبان منقطع. وقال ابن القيم في حاشيته تهذيب سنن أبي داود (١١/ ٢٠١): قال ابن القطان: علته أن رواية يحي بن أبي كثير عن أبي سلام الرحبي منقطعة. كما قاله الذهبي أيضا في الميزان (٧/ ٢١٢).
وجاء موصولا عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن أبي سلام، كما في مسند أحمد والنسائي؛ ولكن قال ابن معين وأحمد وغيرهم أنه لم يسمع من زيد بن سلام وإنما دلّسه عنه. كما ذكر المزي في تهذيب الكمال في أسماء الرجال (١٠/ ٧٨): قال معاوية بن سلام: أخذ مني يحيى بن أبي كثير كتب أخي زيد بن سلام. قال يحيى بن معين: لم يلق يحيى بن أبي كثير زيد بن سلام، قدم معاوية بن سلام عليهم، فلم يسمع يحيى بن أبي كثير منه شيئا، أخذ كتابه عن أخيه، ولم يسمعه، فدلسه عنه. اهـ ولهذا قال الشيخ الألباني في كتابه آداب الزفاف /١٥٣ (إسناده صحيح موصول) أي إذا ثبت اتصاله! أما إذا لم يثبت اتصال إسناده فلا يصح. وقد ثبت أن إسناده منقطع فلا يصح الحديث إذن. وعليه فلا حجة بمن صحح الحديث لروايته الموصوله.
стр. 253
ولذلك لم يستشهد بهذا الحديث أحد من أهل العلم على جواز النظر فضلا أن يستشهدوا به على جواز الكشف.
وبذلك تبين أنه لاحجة فيما استشهد به الشيخ الألباني من الأحاديث على جواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب.
الآثار التي استشهد بها الشيخ الألباني ومناقشتها
* من المناسب هنا قبل الانتقال إلى مناقشة بحثه السابع؛ أن نجيب على ما استشهد به الشيخ الألباني من الآثار وذلك مما استدرك في الطبعة الجديدة من كتابه (جلباب المرأة ص ٩٦ - ١٠٣) حتى نستوعب الإجابة عن كل ما استشهد به الشيخ الألباني حتى لا نترك مجالا لمن شك، وليتبين الحق لمن أراد الله له قبوله. فيُبيّن أولا القول فيها جملة؛ بأن هذه الآثار لو ثبت في شيء منها كشف وجه امرأة حرة لرجل حر أجنبي فلا يعد حجة على جواز الكشف ولا يحل العمل به؛ لأن هذه الآثار إن لم تكن مقطوعة فهي موقوفة (١) لم يُرفع منها شيء للنبي ﷺ وليس لأي منها حكم الرفع، وإنما هي وقائع لا يؤخذ منها حكم شرعي ولا يلزم العمل بها على فرض صحتها.
ثم يُبيّن القول فيها تفصيلا:
стр. 254
(الأثر الأول)
عن قيس بن أبي حازم قال: دخلت أنا وأبي على أبي بكر وإذا هو رجل أبيض خفيف الجسم عنده أسماء ابنت عميس تذب عنه وهي] امرأة بيضاء [موشومة اليدين كانوا وشموها في الجاهلية نحو وشم البربر فعرض عليه فرسان فرضيهما فحملني على أحدهما وحمل أبي على الآخر (٢).
أولا: روي هذا الأثر موقوفا على قيس وفي رواية أخرى عند الطبراني روي عن قيس عن معاوية، فساقه الشيخ الألباني على أنه غير هذا الأثر وجعله (الأثر الخامس عشر!! (عن قيس قال: قال معاوية ﵁ دخلت مع أبي على أبي بكر ﵁ فرأيت أسماء قائمة على رأسه بيضاء ورأيت أبا بكر ﵁ أبيض نحيفا فحملني وأبي على فرسين ثم عرضنا عليه وأجازنا) (٣) وهذا اضطراب في السند يوجب ضعف هذا الأثر.
ثانيا: حمل بعضهم أن المراد من هذا الأثر أن قيسا إنما رأى كفيها التي اضطرت للكشف عنها للذب عن أبي بكر ﵁ كما قال أبو عبيد القاسم بن سلام
стр. 255
(ت ٢٢٤ هـ) في غريب الحديث (١/ ١٦٨): "إنما يراد من الحديث أنه رأى كفها".اهـ
لكن الشيخ الألباني أنكر على من قال أن كشفها عن يديها كان للضرورة فقال: كأنه لا يعلم أنها لم تكن محرمة يحرم عليها القفازان! وأن الذبَّ المذكور يمكن أن يكون باليد الواحدة، فأين الضرورة المجوِّزة للكشف عن اليدين كلتيهما!!
ومع ذلك فليس الشأن في كشفها ليديها؛ وإنما الشأن في بروزها لقيس ووالده وعدم استتارها وراء الحجاب! فإن هذا يكشف أن أسماء بنت عميس الخثعمية كانت من الإماء وليست من النساء الحرائر؛ اتخذها أبو بكر أم ولد (١) ولذلك لم تحتجب، ومما يشهد لذلك الآتي:
١) ما روي عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال ( ... فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب ـ في الحبشة ـ فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر، وكان أناس من الناس يقولون لنا، يعني لأهل السفينة: سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس قال عمر: الحبشية هذه، البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال: سبقناكم بالهجرة ... فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله إن عمر قال: كذا وكذا؟ ... قال (ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم -
стр. 256
أهل السفينة - هجرتان) قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالا، يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي ﷺ قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني). (١)
فدل بروزها لعمر ﵁ عند دخوله على حفصة دون الاستتار وراء حجاب، وذهابها لرسول الله ﷺ لسؤاله، وذكرها لدخول الرجال عليها أرسالا من أهل السفينة بما فيهم من الأحرار لسؤالها عن قول رسول الله ﷺ لها؛ كل ذلك يدل على أنها كانت من الإماء وليست من الحرائر اللاتي لم يعهد عنهن البروز للرجال والخروج والمشي في الطرقات، ودخول الرجال عليهن بعد نزول الحجاب. وقد كان قدوم أسماء بنت عميس من الحبشة كما ذكرت حين افتتح خيبر وذلك في العام السابع من الهجرة أي بعد نزول الحجاب.
٢) ثبت عن أم عطية، عن النبي ﷺ قالت: (كنا ننهى أن نحد (٢) على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوبا مصبوغا) (٣) قال في تيسير العلام شرح عمدة الأحكام (ص: ٦٠٨): يؤخذ من الحديث وجوب إحداد المرأة على زوجها المتوفى، أربعة أشهر وعشراً.
стр. 257
وقال ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) في إحكام الأحكام (٢/ ١٩٦): يؤخذ من هذا الحديث: أنه لا إحداد على الأمة المستولدة، لتعليق الحكم بالزوجية.
قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (٧/ ٥٠٦): وأجمعوا أن أم الولد لا إحداد عليها إذا توفى سيدها، والحجة في ذلك أن الأحاديث إنما جاءت فى الأزواج، وأم الولد ليست بزوجة، ذكر هذا كله ابن المنذر.
وجاء في الجامع لعلوم الإمام أحمد (١١/ ٥٣٤): هل على أم الولد إحداد؟ قال سفيان: إذا مات الرجل عن سريته، تخرج وتطيب وتُخطب، ولكن لا تزوج حتى تحيض ثلاث حيض.
وقد أخرج أحمد في مسنده (٤٥/ ٢١): عن أسماء بنت عميس قالت: (لما أصيب جعفر أتانا النبي ﷺ فقال: " تسلبي (١) ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت") وفي رواية عنها قالت: (دخل علي رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر فقال: " لا تحدي بعد يومك هذا ") (٢) صححه الإمام أحمد، وابن الملقن في التوضيح (٢٥/ ٥٥٣) والعيني في نخب الأفكار (١١/ ١٥٣).
стр. 258
وبذلك ثبت أنها لم تكن من النساء الحرائر ولذلك لم يجب عليها الإحداد. ولصحة هذا الحديث ومخالفته لما صح عن أم عطية في وجوب الإحداد أربعة أشهر وعشرا؛ تجد أن بعض أهل العلم قد أوّلوا هذا الحديث بعدة تأويلات في غاية البعد والضعف، رغم أنه ليس هناك ما ينفي أنها كانت أم ولد لأبي بكر، ولا ما يثبت أنها كانت زوجة له من الحرائر!!
قال المغربي في البدر التمام شرح بلوغ المرام (٨/ ١٩٥): أن أسماء بنت عميس استأذنت النبي ﷺ أن تبكي على جعفر وهي امرأته، فأذن لها ثلاثة أيام، ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام، أن تطهري واكتحلي. قالوا: وهذا ناسخ لأحاديث الإحداد؛ لأنه بعدها، فإن أم سلمة أمرت بالإحداد بعد موت زوجها، وموته متقدم على قتل جعفر ﵄. وقد أجيب عن هذا بأجوبة منها؛ أنه مخالف للأحاديث الصحيحة، وقد أجمعوا على خلافه. ولا يخفى ما في هذا الجواب من الركَّة. ومنها أن جعفرا قتل شهيدًا،
والشهداء أحياء عند ربهم. وهذا كذلك، فإنه كان يلزم جريه في حق غيره من الشهداء كحمزة وغيره. ومنها أن أحاديث وجوب الإحداد ناسخة لهذه الأحاديث المبيحة. ذكره الطحاوي، ودعوى النسخ لا تصح مع ما قد عرفت من تأخر قصة أسماء بنت عميس، بل الأمر بالعكس. ومنها أنه يحتمل أن أسماء فعلت من الإحداد قدرا زائدا على ما يجب عليها، فنهيت بعد الثلاث عن ذلك الزائد، ووسع لها في الثلاث لشدة ما ألم بها من المصيبة. ومنها أنه يحتمل أنها كانت حاملًا فوضعت بعد الثلاثة الأيام فانقضت عدتها، وحديث: "تسَلَّبي ثلاثا". يحمل على أنه ﷺ اطلع على أن عدتها تنقضي بعد الثلاث، ويكون
стр. 259
من أعلام النبوة. ومنها أنه يحتمل أنه كان قد أبان طلاقها، فتكون عدتها عدة طلاق ولا إحداد عليها ... وهذه الأجوبة لا يخفى عليك ما فيها. اهـ
ولو قيل أنها أم ولد لجعفر ولذلك لم يجب عليها الإحداد عليه فوق ثلاث؛ لزالت تلك المعارضة ولأمكن الجمع بين الأحاديث. ثم إن أبا بكر اتخذها بعد ذلك أم ولد له أيضا ولم تكن زوجة له من الحرائر ومما يثبت ذلك:
١) ماجاء في تهذيب الكمال (١٠/ ١٥٠) وتهذيب التهذيب (٣/ ٤٣٧): كان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد، حتى نشأ فيهم القراء: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر، ففاقوا أهل المدينة علما وتقى وعبادة وورعا، فرغب الناس حينئذ في السراري.
٢) ما جاء في صحيح مسلم (٤/ ١٧١١): أن نفرا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس، فدخل أبو بكر الصديق، وهي تحته يومئذ، فرآهم، فكره ذلك، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ وقال: لم أر إلا خيرا، فقال رسول الله ﷺ : (إن الله قد برأها من ذلك) ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر فقال: (لا يدخلن رجل، بعد يومي هذا، على مغيّبة (١)، إلا ومعه رجل أو اثنان).
стр. 260
فلما كان الحجاب حائلا دون الدخول على النساء الحرائر منهي عنه بقوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وبقوله ﷺ (إياكم والدخول على النساء) (١) فالسماح لدخول جمع من الرجال يدل على أن من أُذن في الدخول عليهن هن ممن لم يفرض عليهن الحجاب من الإماء.
٣) ما أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (٣/ ١٧٩) والبيهقي في معرفة السنن والآثار (٥/ ٢٣١): عن أسماء بنت عميس قالت: (غسلت أنا وعلي فاطمة بنت رسول الله ﷺ ) (٢) ففي مشاركتها لعلي بن أبي طالب ﵁ في تغسيل فاطمة ﵂ دليل على أنها ليست ممن ضرب عليهن الحجاب من الحرائر. وهذا يسقط الاحتجاج بهذا الأثر.
(الأثر الثاني)
وهو الخامس في كتابه قدمته لتعلقه بالأثر الثاني؛ (عن أبي أسماء الرحبي أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة له سوداء مسغبة قال فقال ألا تنظرون إلى ما تأمرني به هذه السويداء).
أولا: ننقل هذا الأثر بتمامه ليتبين ما أسقط من سياقه:
стр. 261
عن قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي (أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة له سوداء مسغبة (١) ليس عليها أثر المجاسد (٢) ولا الخلوق (٣) قال فقال ألا تنظرون إلى ما تأمرني به هذه السويداء). (٤)
وهذ يبين أنها لم تكن كاشفة لوجهها وكفيها فقط؛ بل كانت تكشف أوسع من ذلك حتى تمكن من وصفها بأنها شعثة الرأس وليس عليها أثر صفرة الطيب والزينة! وهذا مما لم يقل بجواز كشفه ولا النظر إليه الشيخ الألباني نفسه!! فإن دل ذلك على شيء؛ فإنما يدل على أنها كانت أمة مملوكة، يشهد لذلك قوله (امرأة له سوداء) وما جاء في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٣٦): عن عبد الله بن الصامت "أنه كان مع أبي ذر ﵁ فخرج عطاؤه، وكان معه جارية له، فجعلت تقضي حوائجه) رواه أبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل بسند صحيح. وفي مصنف ابن أبي شيبة (٧/ ١٢٤): عن عبد الله بن خراش، قال: رأيت أبا ذر بالربذة وعنده امرأة له سحماء أو شحباء، قال: وهو في مظلة سوداء، قال فقيل
стр. 262
له: يا أبا ذر، لو اتخذت امرأة هي أرفع من هذه، قال: فقال إني والله لأن أتخذ امرأة تضعني أحب إلي من أن أتخذ امرأة ترفعني.
وهذا يسقط الاحتجاج به على جواز الكشف للنساء الحرائر.
(الأثر الثالث)
(عن أبي السليل قال جاءت ابنة أبي ذر وعليها مجنبتا صوف سفعاء الخدين ومعها قفة لها فمثلت بين يديه وعنده أصحابه فقالت يا أبتاه زعم الحراثون والزراعون أن أفلسك هذه بهرجة فقال يا بنية ضعيها فإن أباك أصبح بحمد الله ما يملك من صفراء ولا بيضاء إلا أفلسه هذه) (١).
الجواب عليه بالآتي:
أولا: إسناده ضعيف لا يحتج به لأنه منقطع، فإن أبا السليل لم يدرك أبا ذر الغفاري (٢). (٣)
ثانيا: على فرض صحته فإن ابنة أبي ذر هذه قد تكون صغيرة لم تحتجب بعد فلا يكون فيه حجة على جواز كشف المرأة البالغة.
стр. 263
ثالثا: إن ابنة أبي ذر قد تكون رقيقة تبعا لأمّها (١) كما تبين في الأثر السابق، فلا يكون في كشفها حجة على جواز كشف النساء الحرائر.
(الأثر الرابع)
أخرجه ابن جرير قال حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي قال حدثنا عمرو بن طلحة القناد عن مسهر بن عبد الملك بن سلع الهمداني عن عتبة أبي معاذ البصرى عن عكرمة (عن عمران بن حصين قال كنت مع رسول الله ﷺ قاعدا إذ أقبلت فاطمة رحمها الله فوقفت بين يديه فنظرت إليها وقد ذهب الدم من وجهها وغلبت الصفرة من شدة الجوع قال فنظر إليها رسول الله ﷺ فقال أدني يا فاطمة، فدنت ثم قال أدنى يا فاطمة، فدنت ثم قال أدني يا فاطمة، فدنت حتى قامت بين يديه فرفع يده فوضعها على صدرها في موضع القلادة وفرج بين أصابعه ثم قال" اللهم مشبع الجاعة ورافع الوضعة لا تجع فاطمة بنت محمد ﷺ " قال عمران فنظرت إليها وقد غلب الدم على وجهها وذهبت الصفرة كما كانت الصفرة قد غلبت على الدم. قال عمران: فلقيتها بعد فسألتها فقالت ما جعت بعد يا عمران!) (٢)
стр. 264
أولا: هذا الأثر إسناده ضعيف لا تقوم به حجة (١)؛ ولذلك قال عنه الشيخ الألباني: إسناده لا بأس به في الشواهد.
ثانيا: أن فاطمة ﵂ كانت حينئذ صغيرة لم تحتجب بعد ولذلك رأى موضع القلادة منها، أما قوله (فلقيتها بعد فسألتها فقالت ما جعت بعد يا عمران) فهذا ليس فيه شاهد أنه رأى وجهها ولا أنها كانت كاشفة عن وجهها! كما أنه قد يكون قبل نزول الحجاب؛ أو أن عمران كان من الموالي، ولذلك لم يستشهد بهذا الأثر أحد من أهل العلم على جواز النظر؛ فضلا على أن يستشهدوا به على جواز الكشف!!
(الأثر الخامس)
(عن قبيصة بن جابر قال كنا نشارك المرأة في السورة من القرآن نتعلمها فانطلقت مع عجوز من بني أسد إلى ابن مسعود في بيته فرأى جبينها يبرق فقال أتحلقينه فغضبت ثم قالت التي تحلق جبينها امرأتك قال فادخلي عليها فإن كانت تفعله فهي مني بريئة فانطلقت ثم جاءت فقالت لا والله ما رأيتها تفعله فقال ابن
стр. 265
مسعود سمعت رسول الله ﷺ يلعن المتنمصات والمتفلجات والمتوشمات اللائي يغيرن خلق الله تعالى) (١).
أولا: لم يخرج هذا الأثر بهذا اللفظ الذي فيه نظر ابن مسعود إلى جبين تلك العجوز؛ إلا الشاشي في مسنده، وإسناد هذه الرواية ضعيف: فيه عبد الملك بن عمير مشهور بالتدليس وقد عنعنه، كما أن أحمد ضعفه جدا وقال مضطرب الحديث، وقال أبو حاتم ليس بالحافظ. (٢) وفيه العريان بن الهيثم؛ قال ابن حجر مقبول وقال أبو حاتم مجهول. (٣)
وقد ساقه الشيخ الألباني دون عزوه لأحد، واكتفى بقوله: سنده حسن وهو مخرج في" آداب الزفاف" وبالرجوع إلى كتابه آداب الزفاف تجد أنه إنما ذكر الحديث مقتصرا على قول الرسول ﷺ (لعن الله ... ) الذي أخذه من الرواية المشتهرة للحديث المروية في الصحاح والجوامع والمسانيد والمصنفات والتي ليس فيها ذكر لرؤية جبين هذه المرأة (عن عبد الله قال لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، قال فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن؛ فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ... فقالت المرأة: فإني أرى شيئا من هذا على امرأتك
стр. 266
الآن، قال: اذهبي فانظري، قال فدخلت على امرأة عبد الله فلم تر شيئا) (١) ولذلك قال الشيخ الألباني عقبه: " رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم".
كما أنه على فرض صحة الرواية التي ساقها الشيخ فكلا الروايتين لا حجة فيها على جواز كشف النساء الحرائر لأن هذه المرأة العجوز كانت من الإماء كما هو مصرح به في الحديث (عجوز من بني أسد) من الحبش، فلا يكون فيه حجة على جواز كشف النساء الحرائر.
(الأثر السادس)
قال الشيخ الألباني وفي" تاريخ ابن عساكر" وفي قصة صلب ابن الزبير أن أمه (أسماء بنت أبي بكر) جاءت مسفرة الوجه متبسمة.
استشهد الشيخ الألباني بهذا الأثر دون التعليق على إسناده!! الذي يتبين بالرجوع إليه عند ابن عساكر أنه إسناد هالك لا يحتج ولا يستشهد به: أنبأنا أبو محمد بن الأكفاني وابن السمرقندي قالا أنا ... أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة (مدلس له مناكير) نا أبو عثمان (مبهم) عن شيخ يسمى عطية (مجهول) وكان قد بلغ مائة سنة قال: "رأيت ابن الزبير على جذع مصلوبا وامرأة تحمل معه في محفة حتى صارت إليه فقال الناس هذه أمة، فرأيتها مسفرة الوجه متبسمة،
стр. 267
فجاء الحجاج فأحدره لها، وقال يا أسماء إني وإياه استبقنا إلى هذا الجذع فسبقني هو إليه". (١)
فهو رواية مجهول عن مجهول! علاوة على أن الراوي عن المجهولَين هو أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة مدلس له مناكير. (٢)
ومما يبطل الاستشهاد بهذا الأثر عن أسماء بنت أبي بكر؛ ماساقه الشيخ الألباني (ص ١٠٨) بسند صحيح عنها أنها قالت: (كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام) فمن لم تكشف عن وجهها حال إحرامها فكيف تكشفه حال حلِّها!!
(الأثر السابع)
(عن أنس بن مالك قال دخلت على عمر بن الخطاب أمة قد كان يعرفها ببعض المهاجرين أو الأنصار وعليها جلباب متقنعة به فسألها عتقت قالت لا قال فما بال الجلباب ضعيه عن رأسك إنما الجلباب على الحرائر من نساء المؤمنين فتلكأت فقام إليها بالدرة فضرب بها رأسها حتى ألقته عن رأسها) (٣).
أولا: استشهاد الشيخ الألباني بهذا الأثر فيه إقرار لما أنكره مسبقا من التفريق بين الحرائر والإماء في الحجاب.
стр. 268
ثانيا: سبق أن بينا في بداية مناقشة هذا البحث أن هذا الأثر يعد من أدلة وجوب تغطية الوجه؛ وبيان ذلك من عدة وجوه:
١ - أن سبب معرفة عمر ﵁ لها ليس لكونها كانت كاشفة عن وجهها؛ وإنما كان سبب معرفته لها ما بيّنه أنس بقوله (قد كان يعرفها ببعض المهاجرين أو الأنصار) لأنه لو قال" دخلت على عمر بن الخطاب أمة وعليها جلباب فسألها عتقت" لكان لقول الشيخ الألباني وجه حق، ولكن قول أنس هذا يؤكد أنها كانت مغطية لوجهها فأراد أن يبين سبب معرفة عمر لها، ولو لم يكن كذلك لما كان لقول أنس هذا فائدة، ولما احتاج أن يعلل معرفته لها؟!
٢ - أن عمر ﵁ ضربها حتى ألقت الجلباب عن رأسها؛ فلو كان الجلباب على رأسها فوق الخمار دون أن تكون مغطية به وجهها فما الذي سينكشف إذا ألقته عن رأسها حتى يعد هذا المنكشف منها هو الفارق بين الحرائر والإماء؟!
٣ - أن أنس صرح بأنها كانت متقنعة بالجلباب وقد سبق أن بيّنا في مناقشة البحث الرابع أن التقنع يعني تغطية الوجه، وكان الشيخ الألباني يقول بذلك كما في كتابه حجاب المرأة، ولكنه عاد مؤخرا في كتابه الجلباب فعدل عن رأيه! كما في كتابه الجلباب/ ١٠٣: (وجاءت المرأة متقنعة) قال في حاشيته: "كنت قد وهمت في إيراد هذا الأثر في جملة ما يدل على جريان العمل على ستر الوجه من النساء في العهد الأول، ثم تبين لي أن الأمر على العكس من ذلك"!
стр. 269
٤ - يشهد لما ذكرنا: ما روي عن عمر ﵁ أنه رأى- وهو يخطب الناس- أمة خرجت من بيت حفصة تجوس الناس ملتبسة لباس الحرائر (متقنعة) فلما انصرف دخل على حفصة ابنة عمر فقال: من المرأة التي خرجت من عندك تجوس الرجال؟ قالت تلك جارية عبد الرحمن. قال: فما يحملك أن تلبسي جارية أخيك لباس الحرائر فقد دخلت عليك ولا أراها إلا حرّة فأردت أن أعاقبها. (١)
فها هو عمر ﵁ لم يعرف جارية ابنه عبد الرحمن لما كانت متقنعة بالجلباب. فهل بعد هذا حجة على أن التقنع لا يعني تغطية الوجه، وأنه مما افترض على الحرائر دون الإماء!
(الأثر الثامن)
(عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: أن أروى خاصمته في بعض داره، فقال دعوها وإياها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول" من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه في سبع أرضين يوم القيامة" (اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في دارها) قال فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول أصابتني دعوة
стр. 270
سعيد بن زيد فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها). (١)
وهذا الأثر ليس فيه حجة؛ إذ ليس فيه أنه رأى وجهها ولا أنها كانت كاشفة عن وجهها، وكل ما فيه أنه رآها تلتمس الجدر! وهذا لا يشترط معه أن تكون كاشفة عن وجهها ولا حتى عن عينيها لأنها عمياء لن تنتفع بكشف ذلك!! كما أنها قد تكون من الإماء، ولذلك لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الأثر على جواز النظر للمرأة ولا على جواز كشف الوجه.
(الأثر التاسع)
(عن عطاء بن أبي رباح يقول رأيت عائشة تفتل القلائد للغنم تساق معها هديا). (٢) قال الشيخ الألباني - غفر الله له -: ولعل متنطعا يرد دلالة الحديث على أن الكفين ليسا بعورة، فيقول: كانت تلبس القفازين!!
فنقول مع أن هذا الأثر ليس فيه حجة على جواز كشف الوجه لأنه ليس فيه إلا رؤية الكفين، ومع ذلك فإن من المتفق عليه عند أهل العلم أن الحجاب واجب على أمهات المؤمنين دون استثناء لوجه أو كف، وأنهن لم يكن يبرزن للرجال الذين يجب عليهن الاحتجاب منهم ولو كن مستترات بالجلابيب كما أسلفنا؛ فكيف يسوغ الاستشهاد بهذا الأثر على أنها كانت كاشفة لكفيها على مرأى من
стр. 271
رجل حر أجنبي يجب عليها الاحتجاب منه؟!! ولذلك يُبطِل الاستشهاد بهذا الأثر أمران:
الأول؛ قال ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٢٢١): ذكر عبد الرزاق قال حدثنا عمر بن ذر قال سمعت عطاء بن أبي رباح يقول (رأيت عائشة تفتل القلائد للغنم تساق معها هديا) ولم أجده بهذا اللفظ في مصنف عبد الرزاق ولا في غيره! ولذلك عزاه الشيخ الألباني لابن عبد البر في حاشية جلباب المرأة ص/١٠١ فقال (كذا في "التمهيد" لابن عبد البر "١٧/ ٢٢١") ولم يجزم بعزوه لعبدالرزاق!! ولعل ابن عبد البر أراد ما رواه البخاري (٧/ ١٠٢) ومسلم (٢/ ٩٥٩): عن مسروق قال: سمعت عائشة، وهي من وراء الحجاب تصفق، وتقول: (كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي) (١) فقد ذكره في كتابيه التمهيد والاستذكار، وهذا هو الثابت في الصحيحين كذلك عن الأسود وأبي قلابة أنهم سمعوه من عائشة، كما رواه عنها عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعمرة بنت عبد الرحمن.
الثاني: أن عطاء بن أبي رباح كان من الموالي (عبد مملوك) قال ابن المديني: هو مولى حبيبة بنت ميسرة بن أبي خيثم. (٢) ولذلك فليس في هذا الأثر حجة على
стр. 272
جواز كشف الكفين للرجال الأحرار الأجانب، هذا على فرض صحة هذا الأثر، وعلى فرض ثبوت رؤيته لكفيها؛ لأن قول عطاء قد يكون من باب الإخبار بأنه رأى القلائد التي فتلت دون أن تكون وقعت منه الرؤية لها عند فتلها، فأراد الإخبار أنها كانت تفتل القلائد للهدي؛ ولم يكن مراده الإخبار بوقوع النظر منه لها عندما كانت تفتلها.
(الأثر العاشر)
عن الحميدي قال ثنا سفيان قال ثنا (عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال أرسلني علي بن الحسين إلى الربيع بنت معوذ بن عفراء أسألها عن وضوء رسول الله ﷺ وكان يتوضأ عندها فأتيتها، فأخرجت إلي إناء يكون مدا أو مدا وربع، فقالت بهذا كنت أخرج لرسول الله ﷺ الوضوء. . . الحديث).
١) هذا الحديث ضعيف كما قال النووي في المجموع (١/ ٤٩٩): حديث الربيع ضعيف رواه البيهقي وغيره من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ضعيف عند أكثر أهل الحديث. (١)
стр. 273
وقال الشيخ الألباني: "سنده حسن للخلاف المعروف في ابن عقيل" وهنا يتبين أنه ليس من الإنصاف الحكم بالضعف على أثر العين الواحدة لابن عباس لضعف في عبد الله بن صالح وهو ليس كضعف ابن عقيل، وله شواهد!!
٢) مع أنه ليس في هذا الأثر أنها كانت كاشفة أو أنه رأى وجهها؛ إلا أن ليس فيه حجة؛ لأن الربيع بنت معوذ كانت من الإماء يشهد لذلك ما روى عنها الترمذي في سننه (١١٨٥) ٣/ ٤٩١؛ وصححه الشيخ الألباني (أنها اختلعت على عهد النبي ﷺ فأمرها النبي ﷺ أو أمرت أن تعتد بحيضة) وقد ذكر البغوي في شرح السنة (٩/ ٣١٧): أم الولد قال قوم: (تعتد بحيضة) روي ذلك عن ابن عمر ... وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد.
وبذلك يسقط الاستشهاد بهذا الأثر على جواز كشف الوجه للنساء الحرائر.
(الأثر الحادي عشر)
عن عروة بن عبد الله بن قشير أنه دخل على فاطمة بنت علي بن أبي طالب (١) قال "فرأيت في يديها مسكا غلاظا في كل يد اثنين اثنين قال ورأيت في يدها
стр. 274
خاتما". (١) ولو أتم الشيخ الألباني هذا الأثر لتبين أن ليس فيه حجة: (قال فرأيت في يديها مسكا غلاظا في كل يد اثنين اثنين قال ورأيت في يدها خاتما وفي عنقها خيطا فيه خرز). فقوله (وفي عنقها خيطا فيه خرز ... ) يدل على أنها كانت حاسرة عن عنقها وهذا مما لم يقل بجواز كشفه للرجال الأجانب أحد من أهل العلم ولا الشيخ الألباني!
وهذا يكشف أن رؤية عروة لفاطمة ودخوله عليها كان لسببٍ من رق أو رضاع، لأن مما هو مجمع عليه أن موضع القلادة من العنق من الزينة الباطنة التي لا يجوز كشفها إلا لمن سمى الله تعالى في آية النور، وبذلك يبطل الاحتجاج بهذا الأثر على جواز كشف الوجه للرجال الأجانب.
(الأثر الثاني عشر)
(عن عيسى بن عثمان قال كنت عند فاطمة بنت علي فجاء رجل يثني على أبيها عندها فأخذت رمادا فسفت في وجهه). (٢)
وهذا الأثر إسناده ضعيف، قال الشيخ الألباني في حاشيته: " إسناده جيد؛ وعيسى بن عثمان ذكره ابن حبان في ثقاته، وروى عنه جمع". ولعله وهم بذلك؛ إذ إن عيسى بن عثمان هذا لم يعرف إلا بهذا الأثر (٣)، ولا يوجد له في كتب
стр. 275
التراجم إلا قول ابن حبان وابن أبي حاتم (عيسى بن عثمان رأى فاطمة بنت علي بن أبي طالب ﵁) بناء على هذه الرواية دون جرح له أو تعديل!! ... مع أنه على فرض صحتة فليس فيه حجة لأنه لم يثبت فيه أن فاطمة كانت كاشفة عن وجهها!! وقد تكون فاطمة حينها صغيرة لم تبلغ، أو أن هؤلاء من الرقيق، فلا يكون فيه حجة.
(الأثر الثالث عشر)
(عن محمد بن يزيد الواسطي عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم (١) قال رأيت سمراء بنت نهيك وكانت قد أدركت النبي ﷺ عليها درع غليظ وخمار غليظ بيدها سوط تؤدب الناس وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر). (٢)
стр. 276
قال ابن عبد البر في الاستيعاب ٤/ ١٨٦٣: سمراء بنت نهيك الأسدية أدركت رسول الله ﷺ وعمّرت وكانت تمر في الأسواق وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتضرب الناس على ذلك بسوط كان معها، روى عنها أبو بلج جارية بن بلج. اهـ
وهذا يشهد أن سمراء بنت نهيك كانت من الإماء؛ لأن المشي في الأسواق كان من عادة الإماء دون الحرائر، كما أسلفنا مما ورد عن عمر ﵁ (لما رأى أمة خرجت من بيت حفصة تجوس الناس ملتبسة لباس الحرائر، فدخل على حفصة ابنة عمر فقال: "من المرأة التي خرجت من عندك تجوس الرجال"؟ قالت تلك جارية عبد الرحمن. قال: "فما يحملك أن تلبسي جارية أخيك لباس الحرائر، فقد دخلت عليك ولا أراها إلا حرّة فأردت أن أعاقبها".
قال ابن عبد البر في الاستذكار ٨/ ٥٤٢: وإنما كره عمر للإماء أن يتهيأن بهيئة الحرائر لئلا يظن أنهن حرائر فيضاف إليهن التبرج والمشي وينسب ذلك منهن إلى ما وقع الظن عليهن فيأثم بذلك الظان، ومعلوم أن الإماء ينصرفن في خدمة ساداتهن فيكثر خروجهن لذلك وتطوافهن، وقوله تجوس الناس معناه تجول في أزقة المدينة مقبلة ومدبرة.
كما أنها كانت من القواعد يشهد لذلك قول ابن عبد البر السابق (سمراء بنت نهيك الأسدية أدركت رسول الله ﷺ وعمّرت) وهذا سبب خروجها بلا جلباب، كما ذكر أبو بلج أنه إنما رأى عليها درعا وخمارا، ولكن الشيخ الألباني أوّل معنى الدرع هنا إلى الجلباب فقال: الدرع هنا فيما يبدو لي هو الجلباب؛ ففي كتب
стр. 277
اللغة" درع المرأة قميصها" ومن معاني القميص الجلباب (١)! لكنه لم يرد في أيّ من كتب اللغة أن من معاني الدرع الجلباب!! كما أن المتعارف عليه في عرف الصحابة أن الدرع للمرأة يطلق على الثوب الملاصق للبدن، أما ما تلبسه فوق الثياب فهو الملحفة والرداء والجلباب، كما سيأتي بيان ذلك في مناقشة البحث الثامن. وبذلك يسقط الاستشهاد بهذا الأثر على جواز كشف الوجه للنساء الحرائر.
(الأثر الرابع عشر)
عن أبي القاسم بن السمرقندي أنا أبو الحسين أنا عيسى أنا (البغوي نا عيسى بن سالم الشاشي نا أبو المليح عن ميمون بن مهران قال: دخلت على أم الدرداء فرأيتها مختمرة بخمار صفيق قد ضربت على حاجبها قال وكان فيه قصر فوصلته بسير قال وما دخلت عليها في ساعة صلاة إلا وجدتها مصلية). (٢)
أولا: ميمون بن مهران كان عبدا مملوكا ولذلك كان يدخل عليها ويراها دون حجاب؛ ذكره ابن حبان في ثقاته وقال: " كان مولى بني أسد، كان مملوكا لامرأة بالكوفة" (٣). وهذا كاف لإبطال الاستشهاد به على جواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب.
стр. 278
ثانيا: إسناده ضعيف لا يعرف بعض رجاله، والشيخ الألباني إنما حكم بالصحة على آخر الإسناد (البغوي: نا عيسى بن سالم الشاشي: نا أبو المليح عن ميمون) (١) أما أوله (أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي أنا أبو الحسين أنا عيسى) فلم يتطرق له بذكر! فلا يصح أثر صح آخر إسناده دون أوله؟!
(الأثر السادس عشر)
عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال جاءت امرأة إلى سمرة بن جندب فذكرت أن زوجها لا يصل إليها، فسأل الرجل قال فأنكر ذلك، وكتب فيه إلى معاوية ﵁، قال فكتب: أن زوّجه امرأة من بيت المال لها حظ من جمال ودين فإن زعمت أنه يصل إليها فاجمع بينهما وإن زعمت أنه لا يصل إليها ففرق بينهما، قال نفعل. . . قال وجاءت المرأة متقنعة ... " (٢)
الصواب أن يستشهد بهذا الأثر على تغطية الوجه، لأن فيه أن المرأة جاءت متقنعة، والتقنع كما بيناه في مناقشة البحث الرابع يعني تغطية الوجه، يشهد لذلك أن البخاري أشار في صحيحه إلى هذا الأثر في التعاليق واصفا هذه المرأة التي جاءت متقنعة بقوله: (وأجاز سمرة بن جندب شهادة امرأة منتقبة) (٣). وقد
стр. 279
سبق أن استشهد الشيخ الألباني بهذا الأثر في كتابه حجاب المرأة على أنه شاهد على جريان العمل على ستر الوجه، ثم عاد وعدل عن رأيه ليستشهد به على جواز الكشف!! فقال بعد أن ساق هذا الأثر: "كنت قد وهمت في إيراد هذا الأثر في جملة ما يدل على جريان العمل على ستر الوجه من النساء في العهد الأول، ثم تبين لي أن الأمر على العكس من ذلك ... ولذلك نقلت هذا الأثر إلى هنا" (١). اهـ
كان هذا كل ما استشهد به الشيخ الألباني من الأحاديث والآثار التي لم يثبت في أي واحد منها دلالة على جواز كشف الوجه للنساء الحرائر، ولذلك فلا حجة للقول بجواز كشف الوجه للمرأة، بل الحجة قائمة على وجوب تغطيته كما سيأتي مزيد بيان لذلك في البحوث القادمة.
стр. 280
ــ:: البحث السابع:: ــ
قال الشيخ الألباني: استدلالهم بالأحاديث الضعيفة والآثار الواهية وإليك بعض الأمثلة: الحديث الأول: عن ابن عباس قال: " أمر الله النساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن ... ويبدين عيناً واحدة" لقد بينت أن للحديث علتين فأغمضوا أعينهم عنهما وتتابعوا جميعاً على الاحتجاج به وكتموا الرواية الأخرى عن ابن عباس ونصها في تفسير آية الإدناء: "وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها" رواه ابن جرير وابن مردويه. وذكره ابن جرير (٢٢/ ٣٣) تحت قوله: " وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن". وهذا وإن كان إسناده ضعيفاً فإنه أرجح من الأول لأمور:
١ - أنه الأقرب إلى لفظ (الإدناء) كما تقدم في" البحث الأول".
٢ - أنه الموافق لما صح عن ابن عباس من طرق سبعة عنده: أن الوجه والكفين من الزينة الظاهرة التي يجوز كشفها وقد خرجت الطرق السبعة في" المقدمة" وبعضها صحيح وهو نص في المقصود كما قال ابن القطان الفاسي في" النظر في أحكام النظر" (ق ٢٠/ ٢) وقواه بتوثيقه لرجاله.
٣ - أنه الموافق لما رواه أبو الشعثاء أن ابن عباس قال: "تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به". أخرجه أبو داود في" مسائله" (ص ١١٠) بسند صحيح جدًا.
стр. 281
٤ - أنه المنقول عن بعض تلامذة ابن عباس ﵁ كسعيد بن جبير فإنه فسر الإدناء: بوضع القناع على الخمار وقال" لا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت بها رأسها ونحرها". وذكر نحوه أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" (٣/ ٣٧٢) عن مجاهد أيضاً مقروناً مع ابن عباس: " تغطي الحُرَّة إذا خرجت جبينها ورأسها". ومجاهد ممن تلقى تفسير القرآن عن ابن عباس. ثم تلقاه عن مجاهد قتادة فإنه من تلامذته والرواة عنه فقال في تفسير (الإدناء) " "أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يُقَنِّعن على الحواجب". أخرجه ابن جرير (٢٢/ ٢٣) بسند صحيح عنه.
فمن العجيب الغريب حقاً أن يذكر بعضهم هذا الأثر عقب حديث ابن عباس الضعيف هذا وعقب أثر عبيدة السلماني مستشهداً به! وهو حجة عليه!
وإن مما يسترعي الانتباه ويلفت النظر قول الشيخ الفاضل ابن عثيمين بعد أن ساق الحديث جازماً به "وتفسير الصحابي حجة بل قال بعض العلماء: إنه في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ". فأقول: نعم ولكن أثبت العرش ثم انقش! فقد كان الواجب قبل هذا أن تجيب عن علَّتي الحديث وتثبت صحته على أصول علم الحديث كما هو المفروض في أمثال هذه المسألة الخلافية ولا سيما وأنت في صدد الرد على مخالفك وقد ضعف حديثك هذا من قبل فإذا كنت مسَلِّماً بضعفه فلم احتججت به؟! وإن كنت ترى صحته فلماذا لم ترد عليه وتقيم الحجة على صحته؟!
стр. 282
ــ:: مناقشة البحث السابع:: ــ
أولا: أطلق الشيخ الألباني الحكم بالضعف على الآثار التي استشهد بها المخالفين له ولم يُعمل معها قواعد التحديث التي عمل بها مع أدلته، وإنما حكم عليها بالضعف بما لا يوجب لها الضعف! مما يوهم أن كل ما احتجوا به ضعيف واهٍ!!
ثانيا: أنكر الاستشهاد بأثر ابن عباس في تفسير آية إدناء الجلابيب الذي فيه إبداء العين الواحدة وهو قوله (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة) وذلك لعلتين في إسناده - خفة في ضبط راويين - رغم أن هذه العلل لا تسقطه من درجة الاحتجاج به! فإنه لاينزل بها عن رتبة الحسن، كما أن له شواهد صحيحة يتقوى بها، ويرتقي بها من الحسن إلى الصحيح - كما بينا ذلك مفصلا في مناقشة البحث الثالث فليرجع إليه - ولذلك فإن هذا الأثر يعد من الآثار الثابتة التي اعتمد عليها جل أهل العلم في تفسير هذه الآية:
قال الإمام جلال الدين السيوطي في الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٣ - ٥): وأولى ما يرجع إليه في ذلك ما ثبت عن ابن عباس وأصحابه الآخذين عنه فإنه ورد عنهم ما يستوعب تفسير غريب القرآن بالأسانيد الثابتة الصحيحة. وها أنا أسوق هنا ما ورد من ذلك عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه. اهـ
стр. 283
كما احتج بها أئمة التفسير: ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، واعتمد على هذه الرواية علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في تفسيره، والإمام القرطبي في تفسيره، وكذلك الإمام ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة، وغيرهم من المفسرين فكانت قوية ومحتجا بها عند علماء التفسير وغيرهم، وظاهر القرآن والسنة وآثار الصحابة والتابعين تؤيدها؛ فلا وجه للطعن في هذه الرواية، فهي ثابتة عمل بها الأئمة واحتجوا بها.
ثالثا: استشهد الشيخ الألباني بقول ابن عباس: "وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها" -الذي نص على ضعفه- على أنه يناقض أثر العين الواحدة! واحتج بإدراج الطبري لقول ابن عباس "وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها" تحت قوله: "وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن" مستشهدا بذلك على أن الطبري يريد أن الفريق الآخر يرى أن الإدناء يكون بوضع الجلباب على الرأس وشده على الجبين دون تغطية الوجه!! وهذا تأويل مخالف لمراد الطبري من تقسيمه كما بيّناه في مناقشة البحث الخامس؛
قال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ): يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فيكشفن شعورهن ووجوههن ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول. ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به فقال بعضهم هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منهن إلا عينا
стр. 284
واحدة. ذكر من قال ذلك: حدثني علي ... عن ابن عباس " أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة" ... عن محمد عن عبيدة في قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فلبسها عندنا ابن عون قال ولبسها عندنا محمد قال محمد ولبسها عندي عبيدة قال ابن عون بردائه فتقنع به فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب.
وقال آخرون بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد ... عن ابن عباس قال "كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها" (١) حدثنا بشر عن قتادة " أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب" (٢) حدثنا ابن حميد عن أبي صالح " يقنعن بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة". (٣) اهـ
ويتبين خطأ الشيخ الألباني في فهمه لمراد الطبري بالآتي:
стр. 285
أولا: قول الطبري: (ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء) يدل على أنهم لم يختلفوا على ما ذكره قبل ذلك، وهو قوله: (قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن) أي أنهم متفقون على أن مراد الله من هذا الأمر هو أن تغطي نساء المؤمنين وجوههن بإدناء الجلابيب عليها، ولكن اختلفوا في صفة الإدناء كيف تكون لتحقيق هذه التغطية، ولذلك تجد أن من نقل عن الطبري من أهل العلم تفسير هذه الآية لا يذكر هذا الخلاف:
كما في عون المعبود (١١/ ١٠٦): وقوله ﴿جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينا واحدة كذا في الجلالين، وقال الطبري في جامع البيان الجلباب رداء فوق الخمار تستر من فوق إلى أسفل يعني يرخينها عليهن ويغطين وجوههن وأبدانهن انتهى.
هل قول ابن عباس (وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها) هو الأرجح؟
ثانيا: اسقط الشيخ الألباني من قول ابن عباس ما يبين الضابط في تقسيم الطبري وهو قوله (يغطين وجوههن "من فوق رؤوسهن بالجلابيب" ويبدين) فأسقط قوله (من فوق رؤوسهن بالجلابيب) ولذلك لم يتبين الضابط في تقسيم الطبري، وهو أن هناك فريقا قال إن تغطية الوجه تكون بسدل الجلباب على الوجه من فوق الرأس دون شدّ للجلباب حتى لا يظهر منها إلا عينا واحدة، وهي الصفة التي تغطي بها المرأة وجهها حال الإحرام، واستشهد الطبري على هذه الصفة بأثر عبيدة السلماني الموافق لقول ابن عباس.